لغة في قبضة الأكثريّة/ عبير داغر اسبر

15 يوليو 2025
مع كل صدام مذهبي أو طائفي، لا تُذبح الأجساد فقط، بل تُنحر اللغة أيضاً، لا في قواميسها، بل في مخابئ لا يعلم بها غير الضحية وغريمها. هناك، حيث تُنطق الكلمات لا بوصفها وسيلة تواصلش، بل كمسافة أمان أو رعب بين إخوة. حيث، في خضمّ ما يجري في سورية، لم تعد اللغة حياديّة، بل باتت تمشي بثيابٍ مفصّلة على قياس الغلبة، تُثبّت إرادة فئة، وتنزع الشرعيّة عن أخرى. نعلم كلنا أن ما يُقال لا يُقصد به دائماً ما يُقال. و”الأكثريّة” هنا ليست كلمة عابرة، إنها مفصلٌ يربط مرحلتين، دليل تُصاغ على أساسه الأولويّات، وتُقاس العدالة، وتُداس الهويّات. فهل يُمكن أن تكون الكثرة ذريعة للغلبة؟ سؤال يُقضّ مضجع اللغة نفسها.
في خضمّ التحوّلات العاصفة التي يشهدها المشهد السوري، تأخذ اللغة دورها كلاعبٍ أساسيّ في ترسيخ إرادةٍ لقوى، وسحب المشروعيّة من قوى أخرى. يتخذ مفهوم “الأكثريّة” أبعاداً لا علاقة لها بعدّ الأصوات فحسب، بل بما يُراد له أن يبدو حتميّاً. فرغبات الأكثريّة، حين تُلبّى باعتبارها مرجعيّات مطلقة للكل، تفقد براءتها، حيث نتجاهل أن الأرقام قد لا تعني شيئاً سوى أننا اكتفينا بالحقائق الأوليّة والسهلة. إذ لطالما تجلّى مفهوم “الأكثريّة” في فضاء الفكر السياسي والفلسفي كأحد أكثر المفاهيم إشكاليّة وتعقيداً، وتكمن إشكاليّته في تأرجحه بين بُعدين متناقضين: البُعد العددي “الرقمي”، والبُعد القيمي “النوعي”.
كاحتكامٍ متسرّع ونزق، تُعرَّف الديمقراطيّة بأنها حكم الأغلبيّة. ومن هنا ينبثق منطقٌ متعرّج النيّات، غير آبهٍ بالمساواة بمعناها الإنسانيّ الشامل. إذ ترتكز الأكثريّة العدديّة على فرضيّة أن ما يؤيّده العدد الأكبر من المواطنين هو الأقرب إلى الصواب أو الأجدر بالتطبيق. لكن، خلف هذه البساطة الظاهريّة، هناك نزوعٌ للاستقواء بآراء الأكثريّة، يسهل بعدها الانزلاق إلى ضفّة جديدة من الاستبداد، فتتحوّل الديمقراطيّة إلى واجهة أنيقة “لبلطجة” جماعيّة مزهوة الأقنعة.
منذ وُضع الناموس، واتبعت البشريّة الأخلاق الوضعيّة، لم يتوقّف الأنبياء والصالحون، والفلاسفة، ومنظّرو علم الاجتماع، عن التنبيه لخطر “الاستبداد”. وقد افترضوا، محقّين، أن طغيان الأكثريّة أشدّ وطأة من طغيان الحاكم الفرد، لأنه طغيان غير ممسوك، يحضر بتجلّيات لا يمكن حصرها، تندغم في البنية المجتمعيّة، وتتداخل مع العرف العام، محاكة بمهارة في نسيج الحياة.
ليس درساً صعب التعلّم أن في الانضواء تحت دفء الجماعات الكبرى جاذبيّةً وإغراءً كبيرين، فكلّ ما لدى الجماعة مريح، دافئ، نهائي، غير متطلّب. ولهذا، كان من السهل التقاط الذّات السوريّة الجمعيّة في لحظات خزيها. من السهل رؤيتها في حديثٍ رواقيّ بارد عن أعداد الضحايا: كثرتهم، قلّتهم، كأنّ العدد هنا خفّف من الأذى والخوف. كأنّ الأفراد أنفسهم، ضحايا الأمس، قد انزاحوا، وانزاحت قيمهم، لصالح خطابٍ صاخبٍ يخشى أنهار الدم في الطرقات، ولا يقلقه دم أفراد لا تكفي دماؤهم لصنع نهر.
الموجع أننا لم نتعافَ بعدُ من فئةٍ أقليّة حكمت الدولة عقوداً كما لو أنّها تمثّل أكثريّة، ومارست السياسة كما لو أن شرعيّتها نابعة من إجماعٍ غامض غير مُعلن، بحيث فرضت نفسها على المؤسّسات، والتعليم، والثقافة، والفنون، والجيش. لكن، مع مجيء السلطة الجديدة، ظهر خطابٌ مقلق بدوره، يفترض أن لدى “الأكثريّة” ما تقوله وحدها، بينما يجب على الدولة، وربما العالم، أن يُنصت. ونحن، كسوريّين، ربما بالمقابل، علينا أن نخجل، ولو قليلاً، فربما يبدأ العدل حين يخفت الصخب، ونُصغي إلى ما تقوله الكلمات حقّاً، لا ما تُريد السلطة أن نقوله بها.
العربي الجديد



