الاتفاق بين الحكومة السورية و"قسد"سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسة

وقائع وكواليس الاتفاق بين “قسد” وحكومة الجمهورية العربية السورية مقالات وتحليلات تتحدث يوميا  تحديث 15 تموز 2025

متابعة تفاصيل هذا الملف اتبع الرابط التالي

دوافع وكواليس الاتفاق بين “قسد” وأحمد الشرع

———————————-

 هل الحسم العسكري لملف “قسد” مطروح على الطاولة؟/ محمود علوش

2025.07.15

لم تنجح الجولة الأخيرة من المفاوضات بين “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) والحكومة السورية في التوصّل إلى تفاهم يمهد لتطبيق اتفاقية الاندماج التي وقّعها الرئيس أحمد الشرع والجنرال مظلوم عبدي، في العاشر من مارس/آذار الماضي.

ورغم أن الطرفين لم يوضّحا حتى الآن ما إذا كانت هناك جولات تفاوضية لاحقة، فإنّ المؤشرات الصادرة عن “قسد” ودمشق تشير إلى تعقيدات كبيرة تعترض هذا المسار التفاوضي.

ومع ذلك، يمكن استخلاص ثلاث نتائج رئيسية من هذه الجولة رغم فشلها في تحقيق اختراق:

    الأولى، تمسك دمشق و”قسد” بمواقفهما بشأن مستقبل العلاقة بالدولة السورية الجديدة.

    الثانية، تصعيد المبعوث الأميركي توماس باراك من ضغوطه على “قسد” لدفعها نحو قبول اتفاقية الاندماج، مع إغلاق الباب أمام تصوراتها المتعلقة بالاحتفاظ بكيانها العسكري ضمن الجيش السوري أو الإبقاء على “إدارتها الذاتية” من خلال رفض أي مقترحات للفدرالية، وتأكيد سلطة دمشق على كامل الأراضي السورية.

    الثالثة، تزامن هذه الجولة التفاوضية مع بدء “حزب العمال الكردستاني-PKK” عملية نزع سلاحه في إطار اتفاقية السلام الناشئة مع تركيا.

هذه النتائج الثلاث تضع “قسد” في موقف تفاوضي صعب، لكن الجنرال مظلوم عبدي ما يزال متمسكاً بتصورات “قسد” السياسية والعسكرية.

وفي هذا السياق، يبرز خيار الصدام العسكري بين “قسد” وكل من دمشق وأنقرة كاحتمال مطروح على الطاولة، رغم أنه يظل مستبعداً في الوقت الحالي، أو على الأقل يُعتبر الخيار الأخير إذا وصلت المفاوضات إلى طريق مسدود نهائياً.

فالمفاوضات لن تُثمر عن تسوية إذا كانت مصممة لمجرد استطالة أمد التفاوض، وهو ما يبدو أنه الاستراتيجية التي تتبناها “قسد” لكسب الوقت وتحويل الأزمة من قضية تطبيق اتفاقية الاندماج إلى نزاع حول تفسير بنودها.

وفي هذه اللعبة التفاوضية، يُدرك “عبدي” أن الإبقاء على كيان “قسد” العسكري و”الإدارة الذاتية” بشكلهما الحالي أمر شبه مستحيل، وتمسكه بهذا الموقف يهدف إلى تعزيز موقفها التفاوضي للوصول إلى شكل من أشكال اللامركزية ضمن إطار الدولة السورية.

ومع ذلك، تبدو “قسد” مستعدة، على الأرجح، لسيناريو الصدام العسكري مع دمشق وأنقرة، إذ تعتقد أنها قادرة على جني مكاسب تفوق خسائرها، انطلاقاً من قناعتها بأنّ أي خسارة لا يمكن أن تتجاوز تبعات الرضوخ الكامل لمطالب دمشق.

ومن المكاسب التي يتوقعها “عبدي” أن تكون المواجهة أكثر كلفة لدمشق وأنقرة مما هي عليه لـ”قسد”، فمن ناحية، يرى أن هذا الصدام سيُربك السياسة الأميركية في سوريا، ويعرقل خطط الرئيس دونالد ترمب لتخفيض الوجود العسكري الأميركي تدريجياً، تمهيداً للانسحاب الكامل.

ومن ناحية أخرى، يعتقد أن المواجهة ستستنزف الحكومة السورية الجديدة، التي لم تكتمل بعد عملية إعادة بناء مؤسساتها العسكرية والأمنية، وتواجه تحديات معقدة على جبهات متعددة، كما يرى أن هذه المواجهة ستؤثر سلباً على تركيا، سواء من حيث تعريض عملية السلام الناشئة مع “حزب العمال الكردستاني” للخطر، أو من خلال إلحاق الضرر بعلاقتها مع واشنطن والتفاهمات الثنائية بينهما بشأن الملف السوري.

التصريحات الأخيرة للمبعوث توماس باراك بشأن احتمال الصدام العسكري أثارت قلق “قسد”، خاصة بعد تحذيره من أن استمرار مماطلتها في الاندماج ضمن الدولة السورية الجديدة سيضعها في مواجهة مباشرة مع الجيش السوري وتركيا.

وكان لافتاً أنّ باراك أشار إلى الجيش السوري بدلاً من الحكومة السورية، في إشارة واضحة إلى أن هذه المواجهة قد تكون عسكرية بطبيعتها، ومن المؤكّد أن الإدارة الأميركية تسعى جاهدة لتجنب هذا السيناريو لاعتبارات عديدة، أبرزها: أن التصعيد العسكري سيُعقد حساباتها الاستراتيجية في سوريا، وسيزيد الضغوط على الدولة السورية الجديدة في مواجهة التحديات الأمنية المتعددة، كما أنّ المواجهة العسكرية قد تُوفر بيئة مواتية لعودة تنظيم الدولة (داعش) لتفعيل نشاطه في سوريا، خاصة مع ظهور مؤشرات مبكرة على ذلك في الآونة الأخيرة.

ومن المتوقّع أن تبذل واشنطن جهوداً مكثفة لمنع الوصول إلى نقطة اللاعودة هذه، لكن نجاحها في ذلك يعتمد بشكل أساسي على مدى قدرتها على ممارسة ضغوط فعالة على “قسد” للالتزام باتفاقية الاندماج.

قد تبدو حسابات الجنرال مظلوم عبدي بشأن جدوى المواجهة العسكرية منطقية إلى حد ما، خاصة في ضوء التكاليف الباهظة التي قد تتحملها دمشق وأنقرة، وربما السياسة الأميركية في سوريا، لكن ما لم يُدركه بعد هو أنّ الصدام العسكري، رغم تكاليفه المحتملة على دمشق وأنقرة، يُعد خياراً أقل كلفة لهما من الرضوخ لتصورات “قسد” أو السماح باستمرار وضعها الحالي لفترة طويلة.

علاوة على ذلك، فإنّ البيئة المحلية في المناطق التي تسيطر عليها “قسد” في شمال شرقي سوريا، تشهد رفضاً متزايداً لمشروعها السياسي والإداري، وهو رفض اكتسب زخماً كبيراً بعد الإطاحة بنظام الأسد، فالعديد من سكّان هذه المناطق يتطلعون إلى استعادة الدولة السورية لسيادتها الكاملة، كما أنّ تركيا نجحت، خلال السنوات الماضية، في بناء علاقات وثيقة مع زعماء القبائل العربية في المنطقة، مما يعزّز نفوذها المحلي.

يُضاف إلى ذلك، أنّ انتشار القوات التركية على مناطق عديدة قرب الشريط الحدودي في شمال شرقي الفرات (تل أبيض في ريف الرقة ورأس العين في ريف الحسكة)، يشكّل ضغطاً عسكرياً مباشراً على “قسد”، مما يجعلها في موقف دفاعي في حال اندلاع مواجهة عسكرية.

تلفزيون سوريا

—————————————

ماذا حدث بين الحكومة السورية و”قسد”؟ ولماذا فشل الاتفاق؟/ عمر كوش

12/7/2025

ينبغي على قيادات “قسد” أن تعي طبيعة المتغيّرات في منطقة الشرق الأوسط، وخاصة تحوّلات السياسة الأميركية في سوريا (الجزيرة)

استدعى تعثّر الاتفاق الذي وقّعه الرئيس السوري، أحمد الشرع، وقائد “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، مظلوم عبدي، في العاشر من مارس/ آذار الماضي، تدخّلًا أميركيًا مباشرًا، تجسّد في سعي مبعوث الرئيس الأميركي توم باراك لوضع خريطة طريق فعلية لتطبيق الاتفاق خلال اجتماعه مع الرئيس الشرع، ومع مظلوم عبدي في العاصمة دمشق في التاسع من يوليو/ تموز الجاري، لكنه أُصيب بخيبة أمل بعد أن انفضّت المفاوضات بين الحكومة السورية والوفد الكردي دون التوصّل إلى وضع آلية محدّدة لتنفيذ الاتفاق، وذلك في ظل تباعد مواقف الطرفين.

وبالتالي، فإنه على الرغم من أن عبدي أعلن في نهاية مايو/ أيار الماضي التزام “قسد” بما جرى الاتفاق عليه مع الحكومة السورية، والعمل على تطبيقه من خلال اللجان المشتركة التي شُكّلت بينهما، فإن واقع الحال يكشف أن خلافات كثيرة ما تزال تقف حائلًا دون تطبيق جميع بنود الاتفاق، وخاصّة تلك المتعلقة بمصير قوات “قسد” التي ما تزال تسيطر على مناطق شاسعة وغنية بالثروات في شمال شرقي سوريا.

إضافةً إلى أن “الإدارة الذاتية” في تلك المناطق وجّهت انتقادات للإدارة السورية على خلفية الإعلان الدستوري المؤقّت، وانتقدت كذلك تشكيل الحكومة الانتقالية بحجّة أنها لا تعكس التنوّع الإثني في سوريا.

الموقف الحكومي

يشكّل فشل هذه الجولة من المفاوضات علامة فارقة في طريق تنفيذ الاتفاق بين الشرع وعبدي، ويلقي ظلالًا غامضة بشأن مصيره، كونه يتعلّق بسيادة الحكومة السورية، وبمستقبل وحدة التراب السوري ومؤسسات الدولة الجديدة.

يرتكز موقف الحكومة السورية على عدّة نقاط أساسية، لخّصها البيان الذي أصدرته بعد انتهاء الاجتماع مع وفد “قسد”، وتتضمّن:

1- تعتبر الحكومة السورية أن المكوّن الكردي كان، ولا يزال، جزءًا أصيلًا من النسيج السوري المتنوّع، وتشدّد على أن حقوق جميع السوريين، بمختلف انتماءاتهم، تُصان وتُحترم ضمن مؤسسات الدولة، وليس خارجها.

2- الترحيب بأي مسار مع “قسد” من شأنه تعزيز وحدة وسلامة أراضي البلاد، انطلاقًا من التمسك الثابت بمبدأ: “سوريا واحدة، جيش واحد، حكومة واحدة”.

3- الرفض القاطع لأي شكل من أشكال التقسيم أو الفدرلة.

4- الجيش السوري هو المؤسسة الوطنية الجامعة لكل أبناء الوطن، وترحّب الحكومة بانضمام المقاتلين السوريين من “قسد” إلى صفوفه، ضمن الأطر الدستورية والقانونية المعتمدة.

5- على الرغم من تفهّمها للتحدّيات التي تواجه بعض الأطراف في “قسد”، فإنها تحذّر من أن أي تأخير في تنفيذ الاتفاقات الموقّعة لا يخدم المصلحة الوطنية، بل يعقّد المشهد، ويعيق جهود إعادة الأمن والاستقرار إلى جميع المناطق السورية.

موقف قسد

لم تتغير مواقف قيادات “قسد” الرامية إلى الحفاظ على ما تعتبره مكاسب تحقّقت خلال السنوات الماضية، وجعلت منها قوة لا يُستهان بها في الوضع السوري الجديد، وتتلخّص مطالبهم بما يلي:

1- الحفاظ على هيكليتها العسكرية الخاصة، والانضمام إلى الجيش السوري كقوة مستقلة تحت اسم “قوات سوريا الديمقراطية”، مع انتشار عسكري ضمن تشكيلات منفصلة في الرقة ودير الزور والحسكة.

2- تكريس نظام حكم لامركزي يمنح “الإدارة الذاتية” سلطات إدارية وأمنية واسعة في شمال شرقي سوريا، مع احتفاظها بالسيطرة المحلية على تلك المناطق، حيث تعتبر القوى السياسية الكردية أن الأكراد عانوا عقودًا من التهميش والإقصاء، وأن السلطة الجديدة تسعى إلى تكريس مركزية القرار وإقصاء مكوّنات رئيسة من إدارة المرحلة الانتقالية.

3- الاعتراف بالمناطق الكردية كوحدة سياسية وإدارية واحدة وموحدة داخل سوريا اتحادية، وفق ما ورد في الوثيقة التي اعتمدتها القوى السياسية الكردية في مؤتمر القامشلي الذي عُقد أواخر أبريل/ نيسان الماضي. إضافةً إلى تحصين هذا الاعتراف مع مطالب أخرى في الدستور السوري المقبل.

4- تمديد الفترة الزمنية المحدّدة مسبقًا لتنفيذ الاتفاق، والتي تنتهي مع نهاية العام الجاري، لأن “قسد” بحاجة إلى مزيد من الوقت لتنفيذ الاتفاق.

الموقف الأميركي

قوبلت المطالب الكردية برفض قاطع من الحكومة السورية، لذلك انتهت المفاوضات دون أي تقدّم يُذكر. ولعل النقطة الوحيدة التي جرى الاتفاق عليها هي مواصلة اللجان المشتركة التي شُكّلت من الجانبين عقد اجتماعات قريبة بهدف تنفيذ اتفاق العاشر من مارس/ آذار.

اللافت هو تقارب الموقف الأميركي مع موقف الحكومة السورية، حيث إن المبعوث الأميركي إلى سوريا، توم باراك، اعتبر أن أمام “قسد” طريقًا واحدًا هو الطريق إلى دمشق.

والأهم هو تأكيده أن “الفدرالية لا تعمل في سوريا”، وأن الحكومة السورية أبدت حماسًا غير مسبوق لضمّ “قسد” إلى مؤسساتها ضمن مبدأ: “دولة واحدة، أمة واحدة، جيش واحد، حكومة واحدة”، لكن “قسد” بطيئة في الاستجابة والتفاوض والمضي قدمًا في هذا المسار.

يتّسق كلام باراك مع التحوّل الكبير الذي تشهده السياسة الأميركية تجاه سوريا، ويهدف إلى توجّه لإعادة رسم أولويات الولايات المتحدة وموازين القوى في شمال شرقي سوريا، وتوجّه جديد في مقاربة الوجود الأميركي هناك.

انعكس هذا التحوّل في انخفاض ميزانية التمويل الأميركي، التي تناقصت سنويًا لتصل إلى أقل من 130 مليون دولار، في حين أنها بلغت 500 مليون دولار في عام 2018، وذلك بعد أن فقدت “قسد” أهميتها القتالية في مكافحة تنظيم الدولة بعد عام 2019.

وانحصرت أهميتها في منع عودة ظهور التنظيم، وحراسة سجون عناصره، ومخيمات عائلاتهم في شمال شرقي سوريا.

وفي هذا السياق، جاءت تصريحات الرئيس دونالد ترامب الداعية إلى تولّي الحكومة السورية مسؤولية مراكز احتجاز عناصر تنظيم الدولة، التي تلتقي مع اتفاق العاشر من مارس/ آذار الماضي، الذي ينص على بسط الحكومة السورية سلطتها على منطقة شمال وشرق سوريا، وتولّيها مهمة حراسة سجون عناصر تنظيم الدولة، ومخيمات عائلاتهم، ويفضي إلى اندماج “قسد” في الجيش السوري الجديد، وعدم استمرارها في هيكلها الحالي.

مصير “قسد”

تلميح الحكومة السورية إلى تفهّمها للتحدّيات التي تواجه بعض الأطراف في “قسد”، يشير إلى وجود خلافات بين الأطراف السياسية التي توجّه “قسد”، حيث إن بعضها يميل إلى الاندماج في الجسم السوري الجديد، وبعضها الآخر ما يزال يرفض ذلك، ويضع مطالب تعجيزية.

وتعكس هذه الخلافات حقيقة أن “قسد” تتحكم في قيادتها قوى سياسية كردية، وبالتحديد “حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي”، وذلك عبر ذراعه العسكري “وحدات حماية الشعب”، التي تمثّل الثقل الرئيسي فيها.

لذلك يحاول هذا الحزب ربط مصيره بمستقبل القضية الكردية في سوريا، حيث تُصرّ قياداته على طرح مطلب “اللامركزية السياسية”، وهو ما يحاول المبعوث الأميركي باراك إزاحته عن طاولة التفاوض، فيما تتعامل الحكومة السورية مع “قسد” بعيدًا عن هذا الحزب وأجندته.

غير أن تحوّل السياسة الأميركية في سوريا، وميلها نحو دعم الاستقرار فيها، يجعل الإدارة الأميركية تقترب أكثر نحو حسم مصير “قسد”، ومعها “الإدارة الذاتية في شمال شرقي سوريا”، خاصة بعد سعيها إلى إنهاء التواجد العسكري الأميركي فيها، والذي بدأ بتقليص عدد الجنود الأميركيين إلى أقل من ألف جندي، وذلك في ظل إمكانية أن تنضم سوريا إلى التحالف الدولي لمكافحة تنظيم الدولة، وربما التوصّل إلى اتفاق مع الحكومة السورية يقضي بموافقتها على تواجد هؤلاء الجنود في “قاعدة التنف”.

إضافة إلى التوافق الأميركي التركي حول ضرورة دمج عناصر “قسد” في الجيش السوري، ضمن تسوية تضمن تفكيك ما تعتبره تركيا التهديد الكردي لها، مقابل تراجعها عن تدخّلاتها العسكرية في الشمال السوري، مما يقدّم معطى إضافيًا على تبدّل المواقف الدولية والإقليمية حيال سوريا.

إذًا، ينبغي على قيادات “قسد” أن تعي طبيعة المتغيّرات في منطقة الشرق الأوسط، وخاصة تحوّلات السياسة الأميركية في سوريا، وأنها لم تكن شريكًا إستراتيجيًا للولايات المتحدة في سوريا.

والأجدى لها الانخراط في الجسم السوري الجديد، لأن الرهانات على المشاريع الانفصالية، وعلى دعم قوى الخارج، أثبتت فشلها في أمكنة كثيرة في العالم.

ولعل التغيّرات الكبيرة التي جرت في تركيا مؤخرًا، بإعلان “حزب العمال الكردستاني” التركي حلّ نفسه وتسليم السلاح استجابةً لدعوة زعيمه التاريخي عبدالله أوجلان، تقدّم درسًا يمكنها الاستفادة منه عبر الاندماج بالجسم السوري الجديد.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

كاتب وباحث سوري

الجزيرة

————————-

أميركا تضغط على “قوات سوريا الديموقراطية”… لا بديل عن “الاندماج”/ تشارلز ليستر

هل تكون “قسد” العقبة الكبرى أمام ترسيخ المسار الانتقالي؟

11 يوليو 2025

في غضون الأشهر السبعة، التي تلت الإطاحة ببشار الأسد، توافد ممثلون من 78 حكومة أجنبية ومنظمة متعددة الجنسيات، إلى دمشق للالتقاء بالرئيس السوري أحمد الشرع وإدارته الانتقالية، في حالة فريدة في التاريخ الحديث، فلم يحدث أبدا أن شهد أي بلد خارج من نزاع، مثل هذه الموجة السريعة والواسعة النطاق من المشاركة الدبلوماسية.

ولا ريب في أن التقدم الذي حققته سوريا في الأشهر الأخيرة، تقدم ملحوظ بالمقارنة مع إرث أكثر من خمسين عاما من دكتاتورية الأسد، وثلاثة عشر عاما من الصراع المدمر. فقد رفعت أو علقت جميع العقوبات والقيود المفروضة على البلاد، خلال العقود الخمسة الماضية تقريبا، وأعيد دمج سوريا بسرعة في المؤسسات الإقليمية والدولية متعددة الأطراف. ومن المتوقع أن يلقي الرئيس الشرع، كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر/أيلول المقبل، ليكون أول زعيم سوري يفعل ذلك منذ 58 عاما، وتحديدا منذ عام 1967، في خطوة رمزية لهذا الاندماج.

على الصعيد الاقتصادي، يشهد الاقتصاد السوري، أول انتعاش حقيقي له منذ سنوات. ففي الأسابيع الأخيرة، تم توقيع عقود ومذكرات تفاهم تتجاوز قيمتها 20 مليار دولار، مع شركات من قطر والسعودية والكويت وتركيا والإمارات والأردن، بالإضافة إلى فرنسا والولايات المتحدة. وتُبحر حاليا أول شحنة من الصادرات السورية إلى الولايات المتحدة. في الوقت نفسه، جرى دمج تقنيات الاتصالات الأميركية من الجيلين الرابع والخامس4G) -5G) في شبكة الهاتف الجوال الرئيسة (سيريتل) بينما تستعد أربع شركات طاقة أميركية على الأقل لدخول قطاعات النفط والغاز والكهرباء في السوق السورية، الذي أصبح متاحا من جديد.

من الطبيعي أن تواجه البلاد، كحال أي بلد خارج من فترة نزاع طويلة، تحديات طبيعية، بينها قضايا العدالة الانتقالية، والمصالحة الوطنية، ونزع السلاح، وإعادة دمج المقاتلين، وحماية حقوق المجتمعات العرقية والطائفية. ومع ذلك، فإن البلاد تتمتع بحالة من الاستقرار النسبي فاجأت الجميع. وعلى الرغم من أن العنف لم يتوقف بالكامل، إلا أنه تراجع إلى أدنى مستوياته في الذاكرة الحديثة. فحركة التمرد المناهضة للحكومة، التي اندلعت على الساحل في يناير/كانون الثاني، لم تقم بأي هجوم خلال الشهرين الماضيين. وبينما لا تزال تهديدات تنظيم “داعش” قائمة بجدية، فإن تبادل المعلومات الاستخباراتية، والتنسيق العملياتي بين الحكومة السورية، والتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة باتا يعملان بفعالية ملحوظة.

ويبقى ملف “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) هو التحدي البنيوي الأكبر أمام استقرار سوريا، وعودتها إلى الساحة الدولية، ذلك أن توقيع اتفاقية إطارية في مارس/آذار الماضي، لم يكن كافيا لاستمرار المفاوضات التي لم تحقق أي تقدم ملموس بين الطرفين. وعلى الرغم من سريان وقف إطلاق النار في شمال شرقي حلب، واستمرار بيع النفط المستخرج من مناطق سيطرة “قسد” إلى الحكومة المركزية، فإن انعدام الثقة بين الجانبين لا يزال قائما.

وعلى الرغم من أن هذه التطورات، لا تلقى اهتماما إعلاميا واسعا، فإن قوات (قسد) تواصل انتهاكاتها الكثيرة، حيث تقوم بمحاولات متكررة، لإعادة نشر قواتها وأسلحتها الثقيلة، على خطوط التماس مع الجيش السوري في شمال شرقي حلب، مخالفة بذلك بنود نزع السلاح في اتفاقية الهدنة، ما اضطر القوات الأميركية للتدخل عدة مرات، لإعادة قوافلها إلى مواقعها، كما تنشط في بناء أنفاق واسعة النطاق في محافظتي الرقة والحسكة، وفقا لمصادر محلية، إلى جانب اعتقالها أكثر من 100 مواطن عربي بينهم نساء، خلال الأشهر الستة الماضية، انتقاما لانضمام أفراد من عائلاتهم للجيش السوري. وتوجت ذلك كله بقتل طفلين عربيين في حادثتين منفصلتين في 26 يونيو/حزيران، و2 يوليو/تموز الماضيين، مما فاقم التوترات بينها وبين المجتمعات العربية في شمال شرقي سوريا.

تؤكد هذه التطورات أن ملف “قسد” يبقى القنبلة الموقوتة، التي قد تعيد إشعال التوتر في أي لحظة، رغم كل المؤشرات الإيجابية الأخرى التي تشهدها الساحة السورية حاليا.

وخلال زيارة قام بها في 29 يونيو، وفد من وزارة الداخلية إلى مدينتي القامشلي والحسكة، بتسهيل أميركي، للإشراف على امتحانات المدارس، عمد مسؤولو الإدارة الذاتية إلى توجيه مداخلات مطولة إلى نظرائهم الحكوميين، حول مزايا الكونفدرالية الديمقراطية واللامركزية. وفي مناسبتين مستقلتين، اضطر ممثلون حكوميون للجلوس تحت صور لزعيم “حزب العمال الكردستاني” عبد الله أوجلان خلال اجتماعات علنية، ونشرت صورها على الملأ.

وقبل تلك الزيارة بعشرة أيام فقط، في 19 يونيو، أعلنت الإدارة الذاتية بشكل غير متوقع عن إنشاء “إدارة عامة” لتشغيل مطار القامشلي، في خطوة أثارت احتجاجا فوريا من الهيئة العامة للطيران المدني السورية في دمشق، التي أعلنت أن القرار ينتهك القانون الدولي. والحال أن هذه الحوادث إنما تبرز عمق العداء، وتوضح مدى بعد الجانبين عن التوصل إلى اتفاق شامل.

ومع ذلك، في محاولة لكسر الجمود، عقدت قمة تاريخية في دمشق في 9 يوليو، جمعت ممثلين عن الحكومة السورية و”قوات سوريا الديمقراطية”، بالإضافة إلى المبعوثين الخاصين الأميركي والفرنسي توماس باراك وجان بابتيست فيفر. وعلى الرغم من الجهود الكبيرة المبذولة، لم تسفر القمة عن أي تقدم ذي مغزى. فوفقا لمصادر مطلعة على المناقشات، أصر وفد “قسد” على الحفاظ على هيكله العسكري المستقل، مشيرا إلى أن الاندماج في الجيش السوري، سيكون مقبولا فقط، إذا بقيت قواته متمركزة بشكل دائم في الشمال الشرقي، تحت قيادتها الخاصة، واستمرت في العمل تحت اسم “قوات سوريا الديمقراطية”. وفي الوقت نفسه، طالبت الإدارة الذاتية بأن يظل إطارها المؤسسي سليما تماما، وأن تحتفظ بالسيطرة على الحكم والإدارة المحلية.

أثارت تلك الشروط احتجاجا فوريا من وفد الحكومة، وأطلقت موجة من الإحباط في أوساط الوسطاء الأميركيين والفرنسيين. أما الطلب الأخير لـ “قوات سوريا الديمقراطية” بتمديد المهلة الأصلية للتوصل إلى اتفاق إلى ما بعد نهاية عام 2025، فقد بعث برسالة واضحة، مفادها أنها لا تعتزم التوصل إلى تفاهم في المستقبل القريب.

وفي تصريحات علنية لاحقة، عبر المبعوث الأميركي الخاص، توماس باراك، عن موقفه بوضوح، منتقدا “قوات سوريا الديمقراطية” لكونها بطيئة في تقبل ضرورة التوصل إلى اتفاق، ومؤكدا أن الفيدرالية… لا تصلح في السياق السوري. وأضاف: “لا يوجد سوى طريق واحد، وهذا الطريق يمر عبر دمشق”، مشددا على أن “الوقت يداهمنا”. وقد شملت تصريحات باراك أيضا إشادة بدمشق، واصفا نهجها بأنه “متحمس للغاية” و”سخي في السعي إلى إيجاد أرضية مشتركة”، ما أحرج “قسد”، خاصة وأن باراك يشغل أيضا منصب سفير الولايات المتحدة لدى تركيا.

وحتى أقرب المدافعين عن “قوات سوريا الديمقراطية”، الجيش الأميركي، قد بدأ يغير أولوياته، وبات يركز على ترسيخ سلطة الحكومة الانتقالية السورية، مؤكدا في محادثاته الخاصة، ضرورة منح دمشق احتكار استخدام القوة. وبعبارة أخرى لا مكان للفيدرالية، ولا للجيوش المنفصلة أو اللامركزية، بل يتعين على “قوات سوريا الديمقراطية” أن تُحل وتُدمج بالكامل.

وفي تأكيد على هذا الموقف، خلال جلسة الاستماع المخصصة لتثبيت نائب الأدميرال برادلي كوبر في قيادة القيادة المركزية الأميركية، أعلن القائد الجديد بشكل صريح أن: “استقرار سوريا مرتبط ببقاء القائد الحالي أحمد الشرع في منصبه، وهذا أمر بالغ الأهمية بالنسبة لنا”. وفي الوقت نفسه، ومع استمرار انسحاب القوات الأميركية، تراجع التمويل العسكري المخصص لـ “قسد” ضمن عملية “العزم الصلب” إلى أدنى مستوياته على الإطلاق، إذ حولت الغالبية العظمى من الأموال، لتأمين مخيمات ومعتقلات تنظيم “داعش”، بدلا من دعمها.

لقد شكلت تلك المخيمات والسجون على مدى سنوات، أبرز أدوات النفوذ الدولي بيد “قسد”، إلا أن الأمر التنفيذي الأخير للرئيس ترمب، الذي ألغى العقوبات الأميركية المفروضة على سوريا، نص على نقل مسؤولية هذه المنشآت إلى الحكومة الانتقالية السورية.

لقد شكل سقوط بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024 لحظة مفصلية بالنسبة لـ “قسد”، في ظل التحول الجذري في الديناميكيات الداخلية، باتجاه التعافي وإعادة التوحيد. ومع مرور الأشهر، تحولت تلك اللحظة المصيرية، إلى تهديد وجودي حقيقي، وهو ما يفسر تصلب موقف القيادة الكردية، ورفضها المتنامي للدعوات المطالبة بالحل والاندماج.

على أن سياسة المماطلة، لا تبدو في مصلحة “قوات سوريا الديمقراطية”، إذ كان المبعوث الأميركي قد حدد مهلة غير رسمية، تنتهي في أغسطس/آب للتوصل إلى اتفاق. أما سلوك وفد “قسد” في قمة دمشق الأخيرة، فلا يبعث على كثير من التفاؤل. والحال أنه ما دام هذا النهج مستمرا، يصعب إنكار أن “قسد” هي العقبة الكبرى أمام ترسيخ المسار الانتقالي السوري، واستقراره وبلوغه تعافيا مستداما، أكثر من أي طرف آخر.

المجلة

—————————–

قسد بين واشنطن ودمشق.. من يصوغ مستقبل شمال شرق سوريا؟/ شفان إبراهيم

11/7/2025

دمشق- في لحظة سياسية فارقة من عمر المرحلة الانتقالية في سوريا، أعاد اتفاق 10 مارس/آذار 2025 بين الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) مظلوم عبدي، فتح ملفات شائكة تتعلق بمستقبل العلاقة بين الحكومة السورية والإدارة الذاتية في شمال شرق البلاد.

فعلى أرضية جغرافية معقدة من حيث التركيبة العرقية، وفي ظل توازنات إقليمية ودولية شديدة التشظي، رأى مراقبون أن الاتفاق شكل فرصة حاسمة أمام الحكومة السورية لتجاوز إرث النظام السابق، واعترافه المتأخر بالقضية الكردية. لكن تأخر تنفيذ الاتفاق أدى إلى أزمة ثقة متجددة بين الطرفين.

وفي 26 أبريل/نيسان 2025، عقدت الأحزاب الكردية السورية “مؤتمر وحدة الموقف الكردي”، الذي أقر رؤية سياسية موحدة اعتبرت وثيقة تأسيسية تعبر عن إرادة جماعية للحل، وتطرح مقاربة واقعية للقضية الكردية ضمن سوريا موحدة بهويتها متعددة القوميات والأديان والثقافات.

وفد موحد

وتوافقت الأطراف الكردية على تشكيل وفد موحد لتمثيلها في الحوار مع الرئيس السوري، بغرض بحث مستقبل الأكراد السياسي وسبل ضمان حقوقهم القومية في إطار دستور يلتزم بالمواثيق الدولية لحقوق الإنسان، وينص على اللامركزية كنظام حكم.

وفي حديثها للجزيرة نت، أكدت إلهام أحمد، الرئيسة المشتركة لدائرة العلاقات الخارجية في الإدارة الذاتية، أن “مهمة الوفد الكردي الموحد تتمثل في الدفاع عن الحقوق القومية والتنسيق مع وفد الإدارة الذاتية في المباحثات مع دمشق”، مشددة على أن الوفدين لا يتعارضان بل يكمل أحدهما الآخر.

في المقابل، حملت تصريحات المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توماس باراك إشارات لافتة، إذ قال إن “الفدرالية لا تصلح في سوريا”، ناصحا قسد بأن “الطريق الوحيد أمامها هو دمشق”.

وردا على ذلك، قالت إلهام أحمد للجزيرة نت “الشعب السوري هو الذي يقرر ذلك. سبق للسفير الأمريكي توماس باراك أن أكد أن حدود سايكس بيكو كانت بتدخلات خارجية، ولا يجوز تكرار تلك المآسي. وضمن هذا السياق، ورغم التصريحات الأخيرة للسيد “باراك”، فإن السوريين هم الذين يقررون نوعية الحكم وشكل الدولة..”.

وتابعت “التخلي عن قسد لا يتم عبر تصريح صحفي، وهناك إشارات إيجابية من واشنطن، ونحن جزء من السياق العسكري والسياسي السوري. ويجب أن تنضم قسد إلى الجيش السوري وفق مهام وهيكلية واضحة”. وختمت “الإدارة الأميركية تدعم تعزيز العلاقة بين الإدارة الذاتية والحكومة السورية، وهي ترى نفسها ملزمة بذلك”.

تفاهمات بطيئة

وجاء حديث باراك بعد لقائه الشرع وعبدي الأسبوع الماضي، مشيرا إلى بطء قسد في الانخراط الفعلي ضمن الحكومة السورية.

ويقول الكاتب السوري بسام السلمان، المقرب من الحكومة السورية، إن “الولايات المتحدة بدأت تبدي تململا من المواقف المتصلبة لقسد التي لا تزال تدار بعقلية فصائلية أيديولوجية”، مضيفا أنه “رغم عمق العلاقة بين قسد وواشنطن، بدأت مؤشرات التباعد بالظهور، وستتضح ملامح الموقف الأميركي النهائي خلال الأشهر القادمة”.

في المقابل، يرى الباحث في مركز الفرات للدراسات الإستراتيجية، وليد جولي، أن واشنطن تسعى إلى إعادة ضبط العلاقة بين قسد والحكومة السورية من خلال “تنفيذ بنود اتفاق مارس/آذار، وتوسيع نطاقه ليشمل ملفات إقليمية أوسع، من بينها تطبيع سوريا مع بعض الدول العربية، وانعكاسات ذلك على مسار التسوية مع إسرائيل”.

وأشار جولي إلى أن الاتفاق بين قسد ودمشق ستكون له انعكاسات على ملفات إقليمية مثل النفوذ الإيراني ومستقبل لبنان، مشيرا إلى أن واشنطن تمتلك “بنك أهداف” تسعى لتحقيقه في سوريا عبر هذه التفاهمات.

هل تُركت قسد لمصيرها؟

وعن احتمال تخلي واشنطن عن دعم الحكم الذاتي لقسد، يؤكد جولي أن “التصريحات الأميركية الأخيرة تهدف إلى استرضاء الحكومة السورية، لكنها لا تعني التخلي الكامل عن حليفتها الكردية، بل هي جزء من سياسة توزيع الأدوار”.

ويتابع في حديثه للجزيرة نت أن “تركيا ترفض أي مكاسب سياسية للأكراد، وتمارس ضغطا على دمشق لتعطيل أي تقارب مع قسد، ولها تأثير متنام على مسار العملية السياسية في سوريا”.

أما الكاتب السلمان، فيرى أن “قسد لم تثبت نفسها كنموذج حكم ناجح رغم الدعم الكبير الذي حصلت عليه، ولم تنه تهديد تنظيم الدولة بشكل نهائي، كما أنها تعاني من رفض إقليمي كبير”، معتبرا أن “الحكومة السورية تتمتع بشرعية إقليمية متنامية، وقد تفضل واشنطن التعامل معها مباشرة إذا لم تبد قسد مرونة كافية”.

وأضاف السلمان “لا أستبعد أن تقدم واشنطن نموذجا جديدا لعلاقتها مع قسد، بعيدا عن سيناريو أفغانستان. لكن يبقى السؤال: هل تستطيع قسد اتخاذ القرار الحاسم في ظل الانقسامات الداخلية؟ فالفاعل الرئيسي فيما سيؤول إليه الوضع هو قسد نفسها”.

ويرى مراقبون أن آفاق العلاقة بين قسد والحكومة السورية ستبقى مرهونة بتطورات الداخل والخارج، وسط ضغوط إقليمية ودولية متشابكة، مشيرين إلى أن اتفاق 10 مارس/آذار لم يعد مجرد وثيقة سياسية، بل تحول إلى اختبار لقدرة الأطراف السورية على إنتاج تسويات وطنية مستقلة، بعيدا عن إملاءات الخارج.

المصدر: الجزيرة

———————————

 “قسد”.. هل من اندماج في سوريا الجديدة؟/ أحمد مظهر سعدو

2025.07.12

لقاءات تلو لقاءات واجتماعات تسبق اجتماعات بين الحكومة السورية وتنظيم (قسد) ومؤسساتها، لكن قيادات (قسد) في كل ذلك، ما زالت تمسك العصا من المنتصف، وتتابع سياسات ليست جديدة ضمن سياقات تعنتها وعدم قبولها العملي في عملية البدء ضمن اندماج جدي وحقيقي وفاعل في أتون هيئات ومؤسسات الدولة السورية الجديدة، التي سبق أن وقعت (قسد) ووافقت أيضًا على ضرورة البدء فيها، وصولًا إلى حالة الانحلال الكلي في واقع سوريا الجديد. قد تكون هناك هواجس كثيرة لدى (قسد) من أن اندماجها في مؤسسات الدولة السورية الجديدة، العسكرية والسياسية والمدنية عمومًا،  من الممكن أن يفقدها وجودها العملي المهيمن في منطقة الجزيرة السورية وقد يذهب بها إلى حالة الانتهاء ليس العسكري فقط، بل كذلك السياسي، من حيث إنها باتت تدرك تمام الإدراك أن هيمنتها السابقة والحالية على مساحات كبرى شمال شرقي سوريا، في لحظة زمنية ما، كان فيها نظام بشار الأسد المخلوع ضعيفًا ومتهالكًا، لم تكن حالة طبيعية، ولا هي قبولًا حقيقيًا من أهل وسكان المدن الكبرى هناك، وخاصة مدن دير الزور والرقة والحسكة، لأنه حتى ديمغرافيًا لا يصح ذلك بحسب تصنيفاتها الأثنية، التي سبق أن حاولت القيام بها، وعلى أساسها مضت، عندما تم اقتناص الفرصة من قبل قوى عسكرية في (قسد) قبل أن تشكل هذه الهيئات والمؤسسات العسكرية او المدنية ، أي مع بدايات ثورة السوريين، ثورة الحرية والكرامة.. لكن كل هذه الهواجس لا يجب أن تبعدها عن العقلانية السياسية المفترضة، والخبرة العملية في التعاطي مع متغيرات جديدة حصلت في الجغرافيا السورية والمنطقة برمتها، علاوة على تغيرات وانزياحات كبرى جرت حتى ضمن أتون محددات السياسة الأميركية في المنطقة عمومًا. من منطلق أن جل ما كانت تتكئ إليه (قسد) في وجودها وقيامتها (الإدارة الذاتية) كان يعود إلى اعتمادها المباشر أو غير المباشر أحيانًا، على الحماية الأميركية والغربية، بدعوى مناهضة تنظيم (داعش) والانقضاض على هذا التنظيم الإرهابي. ويبدو أن (قسد) لم تدرك بعد أن السياقات كلها أصبحت مختلفة، وأن مياهًا كثيرة قد جرت تحت الجسر، فلا داعش أصبحت أوضاعها كما كانت، حيث انحسرت إلى درجة الزوال والإمحاء بشكل كبير، ولا السياسة الأميركية باتت كما كانت، بل هي تتحرك رويدًا رويدًا نحو حالة من رفع الغطاء الكلي عن تنظيم (قسد) ومن ثم يمكن أن تصل الأمور بعد حين قصير من الدهر، إلى مرحلة الصمت الأميركي وإشاحة الوجه عن سياقات أي عمل عسكري، يمكن أن يحصل شمال شرقي سوريا، سواء جاء من قبل الأتراك، أو من قبل الدولة السورية الوليدة في دمشق.

كما أن (قسد)  لم تدرك أو تعي بعد (كما يبدو) أن هناك دولة وحكومة انتقالية جديدة، تمسك بدفة الأمور في دمشق، ومعترفاً بها عربيًا وإقليميًا ودوليا ، وتتلقى كل الدعم المعنوي والمادي والسياسي من الجميع، لتنجز حالة من الاستقرار المطلوبة عالميًا ودوليًا في امتدادات الجغرافيا السورية، علاوة على قدرة هذه الحكومة على إنجاز القضية الأساس وهي مسألة وحدة سوريا شمالًا وجنوبًا، شرقًا وغربًا، وهو حق لها، يوافقها عليه كل السوريين دون أدنى شك،  وألا أحد في سوريا اليوم، يمكن أن يقبل المزيد من التفتت أو التشظي أو إقامة دويلة داخل الدولة السورية، أو على أطرافها.

لعل مسألة الاستمرار في التمنع من قبل (قسد) في عملية إنجاز وتطبيق البنود التي تم توقيعها سابقًا، كاتفاق وطني سوري بين مظلوم عبدي زعيم (قسد) والرئيس أحمد الشرع في آذار / مارس الفائت، والطلب من حكومة دمشق تمديد فترة تطبيق الاتفاق المشار إليه إلى ما بعد نهاية العام ٢٠٢٥ هو اشتغال قسدي غير واقعي ولا يعبر عن جدية حقيقية، في إنجاز أي استقرار في سوريا الموحدة، كما أنه لا يعبر بالضرورة عن تفكير سياسي منطقي يهدف إلى وحدة السوريين بشرًا وجغرافيا.

صحيح أن حكومة دمشق ومعها كل السوريين لا تريد المزيد من الدماء في سوريا الجديدة، ولا تود الانخراط في معارك جانبية عسكرية، قد يستفيد منها أعداء الوطن السوري، لكن الحقيقة تشير إلى أنه (وكما يقال) فللصبر حدود، ووحدة الوطن السوري، وبناء سوريا الموحدة لا يعادله ولا يعلو عليه أي هدف، كما لا يمكن التنازل عنه، تحت دعوى قبول فكرة (اللامركزية السياسية) التي قد تفضي إلى التأسيس مستقبلًا لحالة انفصالية يبدو أنها ما زالت تعشش في مخيال أهل (قسد) أو تراود أحلامهم ليل نهار، حيث يتوهم بعض قادة (قسد) في أن هذه المماطلة ثم التعنت والتمنع قد يفضي إلى قبول الحكومة السورية بمطالبهم المستمرة بذلك ومن ثم  الوصول إلى ما يصبو إليه أهل (قسد) في إقامة كيان انفصالي شمال شرقي سوريا، يفتت ولا يوحد، ويسهم في فتح الباب على مصراعيه، نحو احتمالات مطالبات أخرى قد تكون بابًا جديدًا لمزيد من التفتيت في سوريا الجديدة.

السوريون اليوم يريدون وطنًا سوريًا موحدًا لا وجود فيه للميليشيات، ولا إمكانية فيه لإنجاز أي كيانات انفصالية، أو شبه انفصالية، قد تؤدي (فيما لو سمح لها بالوجود)، إلى مزيد من التشظي وانحلال الدولة السورية، ويعوق بالضرورة عملية البناء الوطنية القائمة وخطواتها المتسارعة، ضمن مهام كبرى للدولة السورية الجديدة، وصعوبات جمة لمسارات البناء، ليس آخرها جملة الحرائق الكبرى في الساحل السوري، التي قد تكون مفتعلة، وليس أولها حالة إعادة بناء اقتصاد وطني سوري  جديد، لدولة كانت نموذج الدولة الفاشلة قبل انبلاج صبح  ٨ من كانون أول/ ديسمبر الفائت، اليوم لا بد من إعادة بناء هذا الاقتصاد، على أسس جديدة وعلى أيدي كل أبناء سوريا بلا استثناء، واستغلال كل الموارد البشرية والطبيعية للسورين جميعًا، ومنهم الكورد، كجزء مهم جدًا من النسيج الوطني السوري، الذي لا يقبل الانفلات، أو التهميش بعد اليوم.

تلفزيون سوريا

————————-

قسد” ودمشق… لا نتائج لجولة التفاوض الأخيرة/ محمد أمين و سلام حسن

تشير المعطيات المتوافرة إلى أن جلسة التفاوض التي جرت أول من أمس الأربعاء في دمشق بين وفد من “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، والحكومة السورية، لم تتمخض عن نتائج يمكن التأسيس عليها لعقد جولات لاحقة، فالتباين لا يزال شديداً بين الطرفين، فهذه القوات تبدو متمسكة بمطالب “غير ممكنة التطبيق”، ما دفع المبعوث الأميركي إلى سورية توم برّاك إلى إطلاق تصريحات تحذيرية. وبحسب مصادر مواكبة ومطلعة على سير جلسة التفاوض بين “قسد” ودمشق، التي جرت بدفع ورعاية أميركيين وفرنسيين، كانت هي الجولة الرابعة بين الطرفين للبحث في آليات تنفيذ اتفاق مارس/آذار الماضي، الذي نص على دمج هذه القوات، ذات الطابع الكردي، في منظومة البلاد العسكرية.

وبيّنت المصادر، في حديث مع “العربي الجديد”، أن رئيسة وفد “قسد” فوزة يوسف، والتي تصنّف ضمن خانة “الصقور” في الجانب الكردي، لم تكن تدفع باتجاه إنجاح عملية التفاوض، بل سعت إلى إفشالها. وتابعت: “الوفد الحكومي طالب بتفعيل دور اللجان الفرعية للبدء بعملية دمج القوات، واستلام الحكومة ملفات خدمية ومدنية في شمال شرقي سورية، إلا أن فوزة يوسف طرحت مواضيع خارج إطار اتفاق مارس (الماضي)، من قبيل المطالبة بتعديل الإعلان الدستوري، وبقاء المناطق الخاضعة إلى “قسد” تحت سلطة “الإدارة الذاتية”، ودخول “قسد” كتلة واحدة في هيكلية الجيش السوري.

وقالت المصادر إن الوفد الحكومي، الذي ضم ممثلين من مختلف الجهات في الدولة، رفض هذه المطالب جملة وتفصيلاً وأصر على تنفيذ مضامين اتفاق مارس، ما أدى إلى فشل الجلسة. وقالت المصادر إن تصريحات يوسف الصحافية، والتي وصفت الاجتماع بـ”الإيجابي”، “لا تعكس الحقيقة”، مشيرة إلى أنها “تصريحات إعلامية لا أكثر”.

ملفات متعددة طُرحت بين “قسد” ودمشق

من جهته، أوضح عبد الوهاب خليل، وهو عضو المجلس العام لمجلس سوريا الديمقراطية (مسد)، الجناح السياسي لـ”قسد”، في حديث مع “العربي الجديد”، أن ملفات متعددة طُرحت في جلسة التفاوض “منها شكل الدولة وعلاقة الإدارة الذاتية مع الحكومة السورية بالإضافة إلى أجندات اقتصادية وأمنية”. وتابع: “لعل أهم نقطة كان حولها تباين في وجهات النظر بين الطرفين هي كيفية دمج “قسد” في الحكومة السورية وكيف يكون شكل هذا الدمج”. وأشار إلى أن الولايات المتحدة وتركيا تدفعان باتجاه التسريع في تطبيق الجانب العسكري في الاتفاق، بينما تبحث “قسد” عن خطوات جادة تشمل الاعتراف بالإدارة الذاتية ومؤسساتها ودمجها بطريقة تتيح لسكان شمال شرق سورية دوراً في إدارة مناطقهم بشكل مرن وعادل، مع الحفاظ على وحدة الأراضي السورية.

والمعطيات المتوافرة والمتقاطعة من أكثر من مصدر، في دمشق سواء من الجانب الحكومي أو الكردي، تؤكد أن الفارق لا يزال شاسعاً بين الطرفين، فـ”قسد” ليست في وارد حل نفسها وتسليم المناطق التي تخضع لها في شمال شرقي سورية إلى الحكومة، إلا وفق شروط ترى دمشق أنها “غير واقعية”، و”غير ممكنة التطبيق”، لأنها تفتح الباب أمام تقسيم البلاد على أسس طائفية وعرقية.

وفي مؤشر واضح على فشل جولة التفاوض والتي جرت في قصر تشرين، حمّل برّاك، والذي واكب الجولة عن كثب، “قسد” مسؤولية عدم تطبيق اتفاق العاشر من مارس الماضي الذي وقعه الرئيس السوري أحمد الشرع مع قائد هذه القوات مظلوم عبدي. واتهم المسؤول الأميركي في تصريحات صحافية “قسد” بـ”البطء” في “الاستجابة والتفاوض والمضي قدماً في هذا المسار”، مشيراً إلى أن الفيدرالية “غير ممكنة في سورية”، مضيفاً: “هناك طريق واحد فقط لا غير أمام قوات سوريا الديمقراطية، وهو الذي يؤدي إلى دمشق”. وطالب برّاك، الذي التقى الشرع الأربعاء الماضي في دمشق، “قسد” بأن “تتقبل حقيقة سورية بأنها وطن واحد وجيش واحد وشعب سوري واحد بشكل أسرع، وهناك محادثات بخصوص تحقيق ذلك”، داعياً إلى أن “تتم بسرعة أكثر وبرغبة أكبر ويجب التمتع بمرونة أمامها”.

تحذيرات واضحة إلى “قسد”

وتحمل تصريحات المسؤول الأميركي تحذيرات واضحة لـ”قسد” من مغبة التعنت والتشدد في المفاوضات، واللذين يؤديان ربما في النهاية إلى رفع الغطاء الأميركي عنها وتركها لمصيرها. وكان من المقرر عقد اجتماع ثلاثي في دمشق يجمع الشرع وبرّاك وقائد “قسد” مظلوم عبدي، عقب جولة التفاوض. لكن الاجتماع لم يعقد، في مؤشر آخر على تعثّر العملية التفاوضية، وعدم قبول الحكومة أي شروط أو طلبات من وفد “قسد” المفاوض خارج سياق اتفاق مارس الماضي.

من جانبها، كررت الحكومة السورية في بيان، الأربعاء الماضي، تمسكها بمبدأ “سورية واحدة، جيش واحد، حكومة واحدة”، ورفضها رفضاً قاطعاً أي شكل من أشكال التقسيم أو الفدرلة “التي تتعارض مع سيادة الجمهورية العربية السورية ووحدة ترابها”. ورحبت بانضمام المقاتلين السوريين من “قسد” إلى الجيش السوري “ضمن الأطر الدستورية والقانونية المعتمدة”، محذرة من أن “أي تأخير في تنفيذ الاتفاقات الموقعة لا يخدم المصلحة الوطنية، بل يعقّد المشهد”. وطالبت بـ”عودة مؤسسات الدولة الرسمية إلى شمال شرق البلاد”، محذرة من الرهان على المشاريع الانفصالية أو الأجندات الخارجية”، مؤكدة أن “المكوّن الكردي كان ولا يزال جزءا أصيلا من النسيج السوري المتنوع”، وأن “حقوق جميع السوريين، بمختلف انتماءاتهم، تُصان وتُحترم ضمن مؤسسات الدولة، وليس خارجها”.

وأعرب الباحث المواكب للمشهد في شمال شرقي سورية سامر الأحمد، في حديث مع “العربي الجديد”، عن اعتقاده بأن الصدام العسكري مع “قسد” غير مطروح حالياً، مضيفاً: “أعتقد أن الضغط سيزداد على هذه القوات التي تريد كسب المزيد من الوقت لاستمرار الحصول على أموال من عائدات النفط والمعابر والضرائب”. وتابع: “أدوات وأوراق الحكومة اليوم أكثر أهمية، ولا سيما في ظل الضغط الشعبي المطالب بحسم مصير “قسد” واستعادة الدولة للسيادة على الشمال الشرقي من البلاد”. ولا يستبعد الأحمد، المنحدر من محافظة الحسكة، المزيد من الضغط الأميركي على “قسد” يتمثل بسحب قوات جديدة من القواعد في شمال شرقي سورية، كي ترجع هذه القوات إلى طاولة التفاوض، مشيراً إلى أنها “تطالب بتعديل اتفاق مارس والإعلان الدستوري”، مضيفاً: “المعلومات القادمة من دمشق تشير إلى أن “قسد” ستكون مضطرة للعودة للتفاوض خلال أسبوعين على الأكثر”.

وفي السياق، رأى مدير مركز الشرق نيوز، فراس علاوي، في حديث مع “العربي الجديد”، أن الحسم العسكري “هو الخيار الأخير أمام الحكومة لحسم مسألة قسد”، معربا عن قناعته بأن هذه القوات تدفع باتجاه الصدام لـ”الظهور بمظهر الضحية والجانب المُعتدى عليه والمُستهدف”، مستدركاً: “لكن إذا لم تنجح المساعي التفاوضية، فستضطر الحكومة للجوء إلى حل هذا الملف عسكرياً”.

وفي الشمال الشرقي من سورية، وتحديداً في منطقة القامشلي التي تضم العدد الأكبر من أكراد سورية، يتابع الشارع بـ “قلق” سير التفاوض مع الحكومة في دمشق. وبحسب مصطفى فريد، انخفض سقف الآمال بالتوصل لاتفاق بين “قسد” ودمشق، مع تعثر المفاوضات، مشيراً، في تصريح لـ”العربي الجديد”، إلى أن الشارع الكردي “مع الدولة السورية بكل مؤسساتها”، مطالباً بمنح الأكراد حقوقاً ثقافية وإدارية خصوصاً في المناطق التي يشكلون أكثرية سكانها. من جهته، أبدى حسين ش. خشيته من انزلاق الأوضاع إلى صدام عسكري، مشيراً إلى أن المدنيين “هم دائماً وقود أي حرب”، مضيفاً: “يجب أن تنتهي الحروب في سورية وأن يتجه الجميع إلى طاولات التفاوض والتفاهم حول مستقبل البلاد. نريد دولة مواطنة كاملة لا تفرق بين أبنائها”.

العربي الجديد

———————————–

 لا حياة لـ”قسد” والتوائم الثلاثة في سوريا الجديدة/ ماجد عزام

الاثنين 2025/07/14

بداية، يجب التأكيد أن “قسد” هي الاسم الحركي لقوات الحماية الشعبية التابعة لحزب الاتحاد الجناح السوري لحزب العمال الكردستاني المصنف إرهابياً في تركيا وأوروبا وأميركا. وللمفارقة، كان هذا الاسم الحركي من اختراع المبعوث الأميركي المكلّف محاربة تنظيم “داعش” بيرث ماكغورك، وعليه فإن “قسد” ليست سورية وربما يمكن اعتبارها كذلك مجازاً فقط، ولكنها بالتأكيد ليست ديمقراطية، وهي لا ولم ولن تختصر قضية الأكراد المظلومين زمن نظام البعث وآل الأسد والأنظمة القومجية العربية والذين تصرفوا دوماً بعقلهم الجمعي بصفتهم جزءاً من الأمة الإسلامية، حيث أقر عبد الله أوجلان نفسه بذلك في إعلان حلّ الحزب، وإلقاء السلاح، مع الإقرار باعتبار حزبه نشازاً واستثناء من التآخي التاريخي بين الأتراك والأكراد –والعرب- الذي استمر لألف عام حسب تعبيره الحرفي، بينما كان حزب العمال جملة اعتراضية في تاريخهم -كما البعث وآل الأسد في تاريخ سوريا وتاريخنا- بالضبط أيضاً كما موفق طريف بالنسبة للدروز في سوريا والمنطقة.

تنسيق مع الأسد

إذن، وبعد اندلاع  الثورة السورية ويقين نظام بشار الأسد من استحالة هزيمتها، بدأ التفكير في البقاء بالسلطة بأي ثمن، ومع استقدام الغزاة على أرضية القبول بنظامه، خصوصاً إثر تشجيع وتقوية وحتى صناعة تنظيم داعش ضمن معادلة الأسد أو التنظيم للالتفاف على الثورة، أتت الولايات المتحدة في سياق استراتيجية وضعها الرئيس السابق باراك أوباما ولم يغيرها خلفه دونالد ترامب جذرياً في ولايته الأولى، استندت إلى استغلال بقاء نظام الأسد في السلطة، شكلاً على أقل من نصف سوريا، للاحتفاظ بالوجود والتأثير الأميركي في البلاد بعدد قليل ومتواضع من الجنود –آلاف قليلة- بحجة محاربة “داعش” والاعتماد على حزب الاتحاد وجناحه العسكري، قوات الحماية الشعبية “قسد” بمسماها الجديد وفق اختراع ماكغورك على نفس أرضية السياسة الأميركية.

إذن كان اختراع اسم “قسد” للتغطية على كونها جناحاً لتنظيم إرهابي بحسب توصيف واشنطن نفسها. ولإصرار عرّابيها وكونها ذراع أميركية، طلب منها ألا تحارب النظام، وللعلم معظم مناطق سيطرتها -باستثناء كوباني الدعائية لإطلاقها وإعطائها الشرعية– احتلتها من الجيش الحرّ والثوار السوريين بدعم القوى الأجنبية -أميركا في منبج وروسيا في تل رفعت- ودائماً بتنسيق وتفاهم مع نظام بشار الأسد

قدمت مدينة الرقة التي احتلتها “داعش” من الجيش الحر بتسهيل من الأسد ونظامه نموذجاً عن دور “قسد” كذراع بري للأميركان، كما إيران وأذرعها والأسد بالنسبة للجيش الروسي وسياسة الأرض المحروقة في محاربة “داعش”، حيث تصرفت “قسد” كالغزاة والغرباء مع تدمير المدينة عن بكرة أبيها بتغطية الطائرات الأميركية، وارتكاب جرائم حرب موصوفة من قبل الطرفين كما تقول منظمات حقوق الإنسان الأممية المهنية والمصداقة، وهو بالمناسبة نفس ما حصل في مدينة الموصل العراقية حيث عمل الحشد الشعبي المحلي المشغل إيرانياً كذراع بري لأميركا ومظلتها الجوية حسب التعبير الحرفي لمسؤول الفيلق الخاص بالحرس قاسم سليماني.

التوائم الثلاثة

هنا ولفهم المشهد، وحقيقة “قسد” وخلفية تأسيسها، لا بد من التذكير بالاستجواب الشهير في الكونغرس حول سوريا، حيث استجوب النائب ليندسي غراهام-2015- وزير دفاع باراك أوباما أشتون كارتر ورئيس أركانه جوزيف دانفورد كالتلاميذ الذين تصببوا عرقاً إثر العجز عن تبرير اشتراط دعم المعارضة السورية بمحاربة “داعش” فقط لا نظام الأسد، واصفاً ذلك بأنه خدمة للنظام وحلفائه إيران وروسيا، ولن يقبل به الثوار السوريون الأحرار أبداً، وهو ما قبلت به “قسد” وساعد ويساعد في تفسير أو شرح تاريخي للقصة كلها.

وعليه، يمكن الاستنتاج بسهولة إن “قسد” كانت أحد التوائم الثلاثة مع نظام الأسد والوجود الأميركي العسكري في سوريا المفيدة، والغنية بثرواتها الطبيعية-النفط والقمح- شمال شرق البلد. مع التذكير بكيفية وسيرورة ظهور المصطلح نفسه (سوريا المفيدة) للمرة الأولى، من قبل الحشد الشعبي الإعلامي الإيراني الناطق بالعربية بعد خسارة الأسد وتراجعه واستحالة سيطرته على سوريا التاريخية العظمى كلها.

سقوط النظام ونهاية قسد

تغير المشهد جذرياً وتاريخياً مع سقوط بشار الأسد ونظامه -كانون أول ديسمبر الماضي، وتحرير دمشق، ومع سقوطه انهارت الاستراتيجية الأميركية كلها المستندة إلى وجوده ضعيفاً ومعزولاً بحماية إيران وأذرعها الطائفية وروسيا وعلى “قسد” كذراع بري، وبالتالي لم يعد من داع للوجود الأميركي العسكري، وهذا أمر كان ليتم حتى بوجود الإدارة الديموقراطية مخترعة “قسد” وعرابتها.

وببساطة انتهت “قسد” إكلينيكياً بعد سقوط النظام، التي أقامت معه علاقات وأواصر وتعاون بما في ذلك الأمني وتقاسم النفوذ والمربعات والحواجز، كما كان الحال في القامشلي مثلاً. ومع سقوط النظام انهارت كذلك قصة أو ذريعة محاربة “داعش” المتعلقة والمنبثقة عن الوجود الأميركي العسكري وإدارة سجون ومعتقلات التنظيم وأسر مقاتليه وعائلاتهم.

القضية الكردية

مع ذلك لا بد من التركيز دائماً على الكرد، وقضيتهم العادلة وحقوقهم المشروعة بالمواطنة الكاملة في دولة مدنية ديموقراطية لكل مواطنيها، وهي مسألة أخرى لا يمكن اختصارها واختزالها بـ”قسد” التي باتت بسقوط النظام وانكفاء أميركا بدون رئة تتنفس منها، وميتة إكلينيكياً، مع التذكير بحقيقة إن معظم قادتها لا يتحدثون العربية ولا حتى الكردية، وإنما التركية فقط حسب تحقيق شهير لوكالة “أكي” الإيطالية قبل سنوات، كما سمعنا تصريحات مماثلة من زعيم إقليم شمال العراق مسعود برزاني، وحتى من هيثم مناع الذي كان ذات يوم مسؤول الجناح السياسي لها،  والذين أجمعوا على أن المجموعة تدار من جبال قنديل شمال العراق، معقل حزب العمال، ومع حل الحزب في تركيا وإلقاء السلاح، لن يستطيعوا التنصل من كونهم ذراعاً محلياً لتنظيم بات من الماضي حيث لم يعد هناك قنديل أصلاً، ومع حتمية إخراج القادة الأجانب من صفوفهم. لابد من أن يتحاور السوريون منهم مع الحكومة المركزية وتجاوز احتكار تمثيل الأكراد بوجود تيار عريض يعارضهم مع التمسك بالحقوق المشروعة لهم كمواطنين سوريين ضمن لا مركزية إدارية، ومع نجاح سوريا الجديدة في إطلاق إعادة الإعمار، والتواصل مع العالم الخارجي، ورفع العقوبات، وعودة الحياة إلى طبيعتها وطي صفحة نظام الأسد، فهذا يعني بالضرورة طيّ صفحة “قسد”، وبالتأكيد لم يعد خيار أمامها وملفها ليس مؤجلاً إلى ما لا نهاية لكنه قد لا يكون مستعجلاً أمام التحديات الهائلة التي تواجهها البلاد.

المدن

————————–

دمشق و”قسد”… فشل التفاهمات يوازيه توتّر أمني/ محمد أمين و سلام حسن

14 يوليو 2025

لا تبدو “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) ذات الصبغة الكردية بصدد وضع مصير سلاحها على طاولة التفاوض مع دمشق، فهي تريد الاندماج في الجيش السوري كتلةً واحدة، وهو ما يدفع إلى تصعيد الأوضاع في شمال شرق سورية، بعد أيام قليلة من جولة تفاوض فاشلة بين دمشق و”قسد” أجريت الأسبوع الماضي في العاصمة السورية.

تعزيزات على خطوط التماس

وبحسب شبكات إخبارية محلية، يسود توتر في ريف دير الزور الشرقي الذي تتبادل دمشق و”قسد” السيطرة عليه، ويفصل بينهما نهر الفرات، في مؤشر واضح ربما على انسداد آفاق التفاهم بسبب تمترس كل طرف خلف مطالبه. وبيّنت هذه الشبكات، أن وزارة الدفاع السورية دفعت تعزيزات إلى محافظة دير الزور، ليس بعيداً عن خطوط التماس مع “قسد” والتي كما يبدو تدفع بتعزيزات مقابلة. ويعد ريف دير الزور الشرقي جبهة محتملة لصدام عسكري بين دمشق و”قسد” في حال فشلت المحاولات لتجنيب المنطقة تبعات مواجهة عسكرية مؤجلة حتى اللحظة، لا سيما من دمشق، بانتظار المساعي الأميركية والفرنسية لـ”تليين” موقف “قسد” من قضايا متعددة.

وذكرت مصادر في وزارة الدفاع السورية لـ”العربي الجديد”، أن اشتباكات جرت أول من أمس السبت، في محيط سد تشرين مع “قسد”، مشيرة إلى أن التعزيزات التي وصلت إلى دير الزور تتضمن طائرات مسيّرة من نوع “شاهين” والتي كان لها دور فاعل في المعركة التي أدت إلى إسقاط نظام الأسد في ديسمبر/كانون الأول الماضي. وبحسب المصادر، فإن قرار استرجاع الشمال الشرقي من سورية “قد اتخذ سلماً أو حرباً”، مضيفة أن الحكومة تفضل عدم اللجوء إلى خيار المواجهة، وأن تغلّب “قسد” الخيار السلمي.

من جهته، أكد أبجر داوود، وهو متحدث رسمي باسم “قسد”، في حديث مع “العربي الجديد”، أنه “لا توجد هناك أي نيّة أو مؤشرات لصدام عسكري”، مضيفاً أن “كلا الطرفين (دمشق و”قسد”)، يعتمد مبدأ الحوار. وقال: “طريقنا ربما طويل ولكنه بدأ بشكل جيد ومستمر”. وحول التعزيزات إلى ريف دير الزور، أكد أنها “مرسلة مسبقاً بهدف محاربة خلايا داعش”، مشيراً إلى أنها “أمر روتيني وطبيعي ويندرج ضمن عمل القوات”. ولفت داوود إلى أن مسألة تسليم “قسد” سلاحها “غير ممكنة لكونها تخلق فوضى وفراغاً أمنياً يؤدي إلى عدم الاستقرار والأمان في المنطقة”، لافتاً إلى أن “خلايا داعش ما زالت موجودة، وتعمل على زعزعة الأمن، لهذا لا يمكن تسليم السلاح بشكل قطعي”. غير أن داوود أبدى جاهزية هذه القوات “لتكون جزءاً من جيش سورية”، مضيفاً أن “هذا ما نعمل عليه عبر الحوارات المستمرة، ومستعدون لتقدمة الخبرات والتجربة التي لدى قواتنا لجميع السوريين وحماية الشعب بكل أطيافه ومكوناته، وقومياته، وكامل جغرافيته”.

شروط متبادلة بين دمشق و”قسد”

ويكرّر قياديون في “قسد”، والكيانات المدنية والسياسية والإدارية المرتبطة بها، في كل مناسبة، أنهم ليسوا ضد الاندماج في المؤسسة العسكرية السورية الناشئة. بيد أنهم يضعون شروطاً لذلك، فقائد هذه القوات مظلوم عبدي الذي وقع في العاشر من مارس/آذار الماضي اتفاقاً مع الرئيس السوري أحمد الشرع نصّ على دمج هذه القوات في المنظومة العسكرية للبلاد، قال في تصريحات صحافية أول من أمس السبت، إنه لا حاجة لنزع سلاح قواته “الآن أو مستقبلاً” في حال الاندماج في الجيش السوري، مطالباً ببقائها مسؤولة عن حماية شمال شرق سورية.

وتشير المعطيات والمعلومات القادمة من شمال شرق سورية، إلى أن “قسد” لم تتوقف عن حفر الأنفاق، استعداداً ربما لخوض مواجهة في حال فُرضت عليها. كما تشير التصريحات المتشنجة التي وردت على ألسنة قياديين أكراد، إلى خشية واضحة من تخل أميركي عن “قسد”، تعزّزت بعد تصريحات أثارت جدلاً واسعاً في الشارع السوري الكردي للمبعوث الأميركي إلى سورية توماس برّاك، الذي أكد أخيراً أن بلاده لا تؤيّد الفدرلة في سورية.

وقال برّاك إن “قسد” ستواجه مشكلات مع الحكومتين السورية والتركية إن لم تندمج بسرعة في الجيش السوري، مشيراً إلى أن عملية الاندماج العسكري بين حكومة دمشق و”قسد” ستستغرق وقتاً “بسبب غياب الثقة المتبادلة”. وجاءت تصريحات المسؤول الأميركي عقب جولة تفاوض بين الحكومة ووفد يمثل “قسد” عقدت في دمشق، أخيراً، وفشلت بسبب تمسّك هذه القوات بشروط ترى دمشق أنها “غير ممكنة التطبيق”، من قبيل دخول هذه القوات الجيش السوري كتلة واحدة والاعتراف بـ”الإدارة الذاتية” الكردية، فضلاً عن مطلب اللامركزية السياسية.

ورأى الباحث السياسي مؤيد غزلان، في حديث مع “العربي الجديد”، أن العلاقة بين “قسد” ودمشق “يفترض أن يكون أساسها الحوار المستمر والقابلية للتوصل إلى تسوية تندرج تحت إطار الهوية الوطنية الجامعة”. وأشار إلى أن “الضغط الأميركي الأخير أحدث تحولاً ملموساً في موقف قسد، وخفّضت من حدة خطابها إثر ذلك”.

ورأى غزلان أن على “قسد” البدء في تنفيذ الاتفاق الذي وقّعته مع القيادة السورية فوراً وعليها أن تتخلى عن المطالبة بالشكل الفيدرالي للحكم الذي يرفضه أغلبية السوريين. وتابع أن “محاولة كسب الوقت (من قبل قسد)، عبر العبارات الحسنة للبحث عن كفيل أو داعم جديد، غير ممكنة، لأن الحرب الإيرانية الإسرائيلية أثبتت عدم نجاعة سياسة انتظار الدعم من دول أخرى غير منهمكة في القضية السورية، ممن كانت تدعم نظام الأسد مثل إيران وغيرها”. وأشار غزلان إلى “أننا نحتاج إلى ترسيخ اتفاق عملي يعتمد على طواعية قسد للاندماج في المؤسسات الوطنية بصفة سورية، دون إدراج المكون كعنصر هوية ومعرف للاندماج”. وأضاف أن “الانصهار ضمن مؤسسات الدولة هو الطريق الوحيد لتجاوز هذه المعضلة. موقف قسد أصبح غير مقبول دولياً”.

ورأى الباحث السياسي أن الصدام العسكري “خيار سلبي لكل السوريين، وهو لن يكون في مصلحة قسد وسيتم استغلاله من بعض القوى الخارجية التي خسرت الحرب في معركة ردع العدوان” ضد النظام السابق. وبرأيه، “من المفيد أن تدرك قسد أن التفاوض والحوار لا يتفقان مع التوجهات السلطوية التي تعتبر بطانة منهجها السياسي”، لافتاً إلى أنه ينبغي عليها “أن تعتبر أن الاتفاق النهائي مع دمشق سيكون مكسباً حقيقياً للأكراد ضمن الهوية السورية”.

في المقابل، رأى رزكار قاسم، ممثل “مجلس سوريا الديمقراطية” (جناح سياسي لـ”قسد”) في ألمانيا، ورئيس حركة التجديد الكردستاني، في حديث مع “العربي الجديد”، أن الاتفاق الذي تم بين الحكومة و”قسد” و”الإدارة الذاتية” في شمال شرق سورية “خطوة أساسية نحو بناء سورية جديدة”. وتابع أن “هناك مشتركات بين الطرفين علينا التركيز عليها”، معرباً عن تفاؤله بأن الفشل “ليس مصير الاتفاق الذي يقع ضمن إطار بناء الوعي الذي تستند إليه سورية الجديدة”. واعتبر رزكار أن خطوات الحكومة “كانت بطيئة في إطلاق عمل اللجان التي تعمل على تنفيذ الاتفاق”، مشيراً إلى أن الجانبين لم يتوصلا إلى نتائج في الجولة الأخيرة من المفاوضات. لكن رغم ذلك، فإن اللقاء بحدّ ذاته “مسألة إيجابية، وخطوة أولى لخطوات مقبلة”، خاتماً بأنه “متفائل بأن السوريين سيكونون على قدر المسؤولية التاريخية”.

العربي الجديد

قسد” والطريق نحو دمشق/ فاطمة ياسين

13 يوليو 2025

يعمل النظام الجديد في سورية على تثبيت نفسه على مستويين بشكل متواز، فقد قدّم أوراقه الداخلية واحدة بعد الأخرى. ولا يبدو أنه يستمع كثيراً لما يدور من لغط حوله، فهو يتابع سياسته من دون تردّد، وأنجز وثائقه الرسمية في الإعلان الدستوري، وبعدها بدأ بإصدار قرارته المتعلقة بالحكومة والشعب. تتركّز سلطاتٌ كثيرة بيد شخصٍ واحد، لا يحاول أن يخفي ما يقوم به، فهو يؤمن أن تركيز السلطة في الوقت الراهن يشكّل سلاحاً قوياً وفعّالاً، لضمان التماسك الداخلي، ويعمل على المستوى الخارجي بنشاط أكبر. وقد أنجز بالفعل في فترة قياسية استحقاقات عديدة، فنجح في إزالة العقوبات بشكل شبه كامل، وتقرب بشدة من الدولة الأكبر، وحاز رضاها، وصرّح بوضوح بنيّاته السلمية تجاه الجيران. وبواقعية شديدة، لم يخفِ محادثاته (غير المباشرة) مع إسرائيل، وفتح أقنية حوار مع أوروبا. وبالفعل، أعادت دولٌ رئيسية أعمال سفاراتها في دمشق.. لا تبدو العلاقة مع أوروبا بالمستوى المفتوح نفسه مع أميركا، ولكن الخارجية السورية تبدي مزيداً من النشاط في هذا الخصوص، وتبدو متفائلة في تحقيق اختراق أكبر. ورغم هذه الخطوات المهمّة والضرورية لما قد يُبنى فوقها من إنجاز اقتصادي منشود، ما زالت معضلة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) على حالها، وثمّة عقبات بارزة أمام الوصول إلى حلٍّ نهائي معها.

لفّ الغموض عدد لقاءات الرئيس أحمد الشرع مع قائد “قسد”، مظلوم عبدي، لكن المؤكد أنها جميعاً جرت بمباركة أميركية. وكان مندوب أميركي حاضراً في 10 مارس/ آذار الماضي، عندما وقع كلاهما على اتفاق مبادئ فضفاض، يشكل نقطة أساس لأي اتفاق تفصيلي لاحق، تضمّن وقف النار وإعادة هيكلة الجيش وبنود أخرى تنصّ على إطلاق سراح معتقلي الجانبين، ودمج مؤسّسات الدولة.. وقبل أيام، حضر المبعوث الأميركي، توماس برّاك، لقاءً بين الجانبين في دمشق. ورغم تصريحاته الحادّة والواضحة، فقد لا تنهي حالة المراوحة في المكان، ولا يؤدّي هذا إلى إحراز تقدّم كبير، فكلامه عن طريق وحيدة أمام “قسد” تمرّ عبر دمشق يحتاج إلى متابعة التحرّكات الفعلية على الأرض.

النقطة الأهم ولا يخفي الجانبان خلافهما بشأنها وضعية قوات “قسد” العسكرية، وشكل انضمامها إلى مؤسّسة الجيش والقوات المسلحة السورية الجديدة، فيبدو عبدي مصرّاً على أن جماعته العسكرية يمكن أن تندمج في الجيش الجديد ولكن على هيئة كتلة واحدة، من دون توزيع أيٍّ من أفرادها على بقية القطعات، وتحتفظ بهويتها الكردية، وتحافظ على موقع وجودها في الشمال، بينما يؤكد الشرع قاعدته العامة التي قدّمها منذ يومه الأول في السلطة، أنه لا يقبل انضمام أية مجموعة، بل أفراداً من دون مسمّى أو شعارات. ويرى الجانب الكردي أن ذلك سيجعل هويته “القومية” تُطمس، في حال تبعثرت قواته شمالاً ويميناً، ويعاد تكرار مأساة الكرد مع نظام البعث الذي لم يعترف على الإطلاق بهوية كردية أو ثقافة، وفرض أمراً واقعاً موحّداً على الجميع.

يصرّ الرئيس الشرع على أن وثائق الدولة السورية الجديدة ستحتوي على ما يعطي كل المكوّنات السورية حقوقها الثقافية كاملة مع إفساح المجال لها لممارسة هذه الحقوق ضمن القانون، وهو الأمر الذي يبدو أنه لم يقنع الجنرال عبدي. ومن الواضح أن أزمة ثقة كبيرة تخيّم على الأجواء، لا يبدو الجانب الأميركي قادراً على إزاحتها، رغم قربه الكبير من الطرفين، ولكنه يبدي سعة صدر في إفساح الوقت اللازم، خصوصاً للجانب الكردي الذي يبدو “مطمئناً” إلى أن 1500 جندي أميركي موجودون في مناطقه يشكلون ضمانة كافية ليتمسّك برأيه ويحصل على ما يريد. وفيما لو قرّرت الولايات المتحدة سحب هذه المجموعة، عندها يمكن أن تكون المسألة قد فتحت على احتمالات كثيرة، منها الحرب، وهي الخيار المكلِف الذي لا ترغب غالبية السوريين في رؤيته.

العربي الجديد

أردوغان والأكراد… السلام الثمين/ محمود علوش

13 يوليو 2025

دخلت عملية السلام الجديدة بين تركيا وحزب العمّال الكردستاني مرحلتها الأكثر حساسية، والتي ترتبط بنزع سلاح التنظيم بالتوازي مع خطوات يتعيّن على الحكومة التركية اتخاذها في إطار هذه العملية، وفي مقدّمتها تشكيل لجنة برلمانية لمناقشة المتطلبات القانونية لتحقيق السلام. ورغم أن هذه العملية ليست الأولى من نوعها، إذ سبق أن جرت عملية مشابهة في عام 2013 واستمرّت عامين، فإن السلام الجديد يرتكز اليوم على أرضية أكثر متانة. من ناحية، يمنح الاستقرار السياسي الداخلي في تركيا والدعم الشعبي الواسع لعملية السلام واحتضان حزب الحركة القومية لها زخماً قوياً لم يكن متاحاً بالكامل خلال العقد الماضي، ما يشكّل رافعة إضافية لنجاح هذه المبادرة. ومن ناحية أخرى، وصلت رؤية زعيم حزب العمّال الكردستاني عبد الله أوجلان إلى مستوى متقدّم من الوعي بفشل الكفاح المسلح ومشروع الدولة القومية. فمن جهة، بات الحزب، بنهجه التقليدي وسلاحه، غير قادرٍ على خوض سنواتٍ إضافيةٍ من القتال مع دولةٍ تمتلك تفوّقاً تكنولوجياً وطائرات مسيّرة ذات كفاءة عالية. ومن جهة أخرى، أوجدت خمسة عقود من الصراع أجيالاً كردية جديدة تبحث عن حليف للكرد غير الجبال.

علاوة على ذلك، لعبت التحولات الإقليمية والدولية دوراً حاسماً في تهيئة الظروف لهذا السلام الجديد، فقد عزّزت تركيا نفوذها في محيطها الإقليمي حيث ينتشر الأكراد مقارنة بالعقود السابقة، كما تغيرت ديناميكيات سورية، وتعيد الولايات المتحدة صياغة دورها وتحالفاتها في الشرق الأوسط، بينما تراجع نفوذ إيران التي استثمرت طويلاً في القضية الكردية لمنافسة تركيا. أوجدت هذه العوامل بيئة دفعت حزب العمّال الكردستاني إلى التكيف منتقلاً من مرحلة الكفاح المسلح إلى السعي نحو السلام. وخلال أكثر من عقدين من حكمه، أطلق الرئيس رجب طيب أردوغان مبادراتٍ عديدةً غيّرت وجه تركيا، وكانت محفوفة بالفرص والتحدّيات معاً، ومنها مبادرته للانفتاح على الأكراد ومحاولة إحلال السلام معهم. لا يزال من غير الواضح ما إذا كان أردوغان سيُنهي مسيرته السياسية مع ولايته الرئاسية الحالية أم سيسعى إلى تمديدها، لكنه يبدو مصممّاً على تخليد اسمه في التاريخ الزعيم التركي الوحيد الذي نجح في إحلال السلام مع الأكراد.

كلف الصراع مع حزب العمّال الكردستاني تركيا أكثر من أربعين ألف قتيل وما يقارب تريليوني دولار من الخسائر، فضلاً عن تدهور السياسة الداخلية وعلاقات تركيا مع جيرانها وشركائها الغربيين عقوداً. وهذا يبرز حجم الفوائد المتعدّدة التي ستجنيها أنقرة إذا نجحت عملية السلام الجديدة. ومع ذلك، تثير هذه العملية نقاشات مثيرة للجدل حول الأثمان التي قد تدفعها تركيا، إذ يخشى معارضون من وجود صفقة غير معلنة بين الدولة وحزب العمّال. ويحرص أردوغان على تبديد هذه المخاوف مؤكّداً أن عملية السلام لا تتضمّن تنازلاتٍ تمسّ هوية تركيا أو نظامها السياسي. وبغض النظر عن ذلك، سيفتح السلام الجديد آفاقاً جديدة للانخراط الكردي في السياسة الداخلية بمستوياتٍ غير مسبوقة، ما سيعيد تشكيل الخريطة الحزبية والسياسية في تركيا على نطاق واسع. يبدو أن هذا التشكيل الجديد يخدم طموح أردوغان لتحقيق هدفٍ آخر، الانتقال إلى دستور مدني كامل. ومن المرجّح أن تسهم عملية السلام في كسب دعم حزب المساواة وديمقراطية الشعوب الكردي لمشروع تغيير الدستور. وهذا لا يعني بالضرورة أن العملية مصمّمة حصرياً لأهداف سياسية داخلية، لكن نتائجها على الساحة الداخلية تظل ذات أهمية كبيرة لأردوغان.

تظلّ المخاوف من المخاطر التي تهدّد هذه العملية مبرّرة، خصوصاً أن عملية سلام مشابهة في العقد الماضي انهارت. وعلى الرغم من أن الأرضية الحالية أكثر متانة، فإنها ليست مستقرّة تماماً وقابلة للاهتزاز. تبرُز هنا أربعة مخاطر رئيسية: أولها انعدام الثقة بين تركيا وحزب العمّال الكردستاني الذي قد يقوّض العملية بمرور الوقت. ثانيًا، احتمال إطالة أمد الترتيبات القانونية المتعلقة بتسوية أوضاع مقاتلي الحزب وقادته وإعادة دمجهم في المجتمع، ما قد يؤدّي إلى استقطاب سياسي داخلي وعرضة للمزايدات الحزبية. ثالثاً، احتمال فشل مسار التسوية السياسية بين قوات سوريا الديمقراطية (قسد) والدولة السورية الجديدة، الذي يشكل عامل ضغط مهم على عملية السلام التركية – الكردية. وأخيراً، احتمال أن تحاول أطرافٌ إقليميةٌ ودوليةٌ متضرّرة من هذه العملية، مثل الولايات المتحدة وإيران والعراق، وبدرجة أقل إسرائيل ودول أوروبية، عرقلتها.

قد تستغرق عملية السلام الحالية وقتاً لتتضح قدرتها على تحقيق ما لم تنجزه العملية السابقة، لكنها تبدو أكثر متانة وتأثيراً على الداخل التركي والحالة الكردية في المنطقة. ومن المحتمل أن تؤدّي، في النهاية، إلى إعادة صياغة القضية الكردية وعلاقتها مع الدول التي يعيش فيها الأكراد، خصوصاً سورية والعراق وإيران، التي رغم غيابها النسبي عن التحوّلات الكردية الحالية، لا تزال معنية بها وقادرة على التأثير في مساراتها.

العربي الجديد

 أوجلان.. “ريسيت” الحلم أم المانيفستو؟/ سمير صالحة

2025.07.13

أنهت عملية إضرام النار الرمزية بسلاح فصيل من عناصر “حزب العمال الكردستاني” بجوار السليمانية، نحو خمسة عقود من الحراك الذي أطلقه عبد الله أوجلان، مؤسس التنظيم، لكنها فتحت الباب أمام تفعيل مسار جديد لحوار وطني تركي، يتناول أحد أهم الملفات العالقة والدائمة السخونة، بامتداداته الأمنية والسياسية والاجتماعية، على المستويين الداخلي والخارجي.

قرر أوجلان أن يقوم بما يشبه “ريسيت” لأفكاره وطروحاته السابقة، معلنًا شروعه في إعداد “مانيفستو” مغاير يُوضح فيه أسباب ودوافع دعمه للطروحات والأفكار الجديدة. يُنهي “أبو” قبل ذلك التنظيم الذي أسسه، ويتخلى عن السلاح الذي رفعه دفاعًا عن مبادئ وأُسس، ويسحب خريطة طريق رسمها في أواخر السبعينيات نحو حلم الدولة، مُرجّحًا بدلًا من ذلك الحوار والعمل السياسي وديمقراطية الحل.

لم تتردد قيادات “تحالف الجمهور” الحاكم من ناحيتها في الترحيب بهذا التحول، معلنة استعدادها لفتح باب النقاش السياسي تحت قبة البرلمان. ستُطرح الآن خارطة طريق لرزمة من التعديلات القانونية والسياسية والاجتماعية، بعد عقد كامل على فشل المحاولة الأخيرة في 2013.

فما الذي تغيّر؟ ولماذا الآن؟ وماذا بعد؟

ترمي القيادات السياسية الكرة في ملعب البرلمان، وهي محقّة في ذلك لأنه أفضل الخيارات.

الأنظار ستبقى موجهة نحو لجنة برلمانية مشكلة من الأحزاب الرئيسية في البلاد، تعمل على إعداد مسودة اقتراحات لتعديلات في كثير من القوانين، تضع في الحسبان، وفي آنٍ واحد، مطالب “حزب الديمقراطية ومساواة الشعوب”، وبنية المجتمع التركي وتوازناته.

من الواضح أن المحاولة الرابعة لتحريك الملف الكردي في شقّه التركي تسير هذه المرة بوتيرة مختلفة، وتبدو أكثر إيجابية من سابقاتها في 1993 و2009 و2013. فهي تأتي وسط تموضع سياسي يتقدّم، مصحوبا بمؤشرات على قراءات سياسية أوسع، ورغبة مشتركة في كسر الجمود المستمر منذ ما يقارب نصف قرن.

كم هو عدد الذين كانوا يراهنون على “الدعم اللوجستي” الذي قُدم لأوجلان، والسماح له بتوجيه رسالة صوتية مصوّرة لمناصريه والرأي العام المحلي والدولي من سجنه؟

دور البرلمان مهم حتمًا، لكن الاتصالات التي تجري بعيدًا عن الأضواء لا تقلّ أهمية.

هناك انطلاقة جديدة تتطلب قدرًا عاليًا من التنسيق والتواصل مع الفاعلين المؤثرين في الملف، وهناك دولت بهتشلي “العامل” الإيجابي وليس السلبي هذه المرة.

من بين الأولويات حتمًا :

مصير أوجلان وبعض القيادات الكردية في السجون،

ومصير كوادر وعناصر وأسر “حزب العمال” في سوريا والعراق،

وشكل التعديلات والإصلاحات في التشريعات القانونية المتعلقة بالحرب على الإرهاب وتفرعاتها،

والتفاصيل التي ستُعتمد خلال التعامل مع مصير عناصر التنظيم .

فهل تصل الأمور إلى تسجيل اختراق سياسي وحزبي في العلاقة بين حزبي “العدالة والتنمية” و”الشعب الجمهوري”، بدعم من “الحركة القومية” و”حزب ديم”، لإنجاز المفاجأة الكبرى التي يحلم بها كثيرون في تركيا، وهي إعداد مسودة دستور عصري حديث، في إطار السعي نحو صناعة مشهد وطني تاريخي حقيقي؟

بعد أكثر من أربعة أشهر على رسالة عبد الله أوجلان من سجنه في جزيرة “إيمرالي” إلى “حزب العمال”، والتي يدعو فيها إلى فسخ التنظيم وإلقاء السلاح، واستجابة المؤتمر الاستثنائي الثاني عشر للحزب، في 12 أيار 2025 لمطلبه، يبرز السؤال: من خيّب آمال أوجلان وأوصله إلى هذه النقطة؟ ليست المسألة مرتبطة فقط بمشروعه الذي وصل إلى طريق مسدود، بل أيضًا بمتطلبات المرحلة والتحولات المتسارعة في المشهد المحلي والإقليمي.

عندما: نسمع أردوغان يردد أمام كتلة حزبه البرلمانية ” نأمل أن تُكلَّل هذه العملية بالنجاح في أقرب وقت ممكن، دون أن تتعرض لأي انتكاسة، ودون أن تُمنح قوى الظلام فرصةً لتخريبها أو عرقلتها “،

ونتابع أوجلان وهو يعلن أن هدف الدولة القومية الكردية لم يعد قائمًا على لائحة مطالب ما قبل نصف قرن، ونرصد حراك رئيس جهاز الاستخبارات التركية، إبراهيم كالن، على خط أربيل – بغداد – دمشق، ويُفاجئنا المبعوث الأميركي باراك من دمشق وهو يبذل جهود التقريب بين الرئاسة السورية ومظلوم عبدي، لدفع الأمور نحو تنفيذ تفاهمات العاشر من آذار، فالرسائل كلها تتقاطع عند البُعد الخارجي والشق الإقليمي الذي تحوّل إلى فرصة مواتية لا تريد الأطراف التفريط بها.

يتضح جليًا أن:

وصول الأمور إلى ما هي عليه بعد رسائل بهتشلي الانفتاحية، يعني أن هناك متطلبات وقراءات سياسية لا بد من التعامل السريع معها على المستويين الداخلي والخارجي.

وأن المتغيرات العسكرية والسياسية في الإقليم، على الجبهات اللبنانية والسورية والعراقية والإيرانية، تستدعي مثل هذه الخطوات كي لا تفوّت أنقرة الفرصة.

وأن الحراك الدائر على خط أنقرة – إيمرالي – أربيل – السليمانية – بغداد – دمشق – القامشلي، يشارك فيه أكثر من طرف.

وأن اللافت هذه المرة هو دخول اللاعب الأميركي على الخط بشكل مباشر، من خلال تعيين توماس باراك وتحركاته السريعة في أكثر من اتجاه .

وأن التحولات المرتقبة في المشهد الإقليمي، تتطلب قراءات محلية تركية جديدة على طريق التعامل مع أزمات ومشكلات عالقة، يتقدمها الملف الكردي.

وأن المسألة مرتبطة بمتغيرات لا تريد أنقرة تحولها إلى مفاجآت تنعكس سلبًا على مصالحها في الداخل والخارج. وأن ما يجري سيسحب ورقة “حزب العمال” من يد لاعبين محليين وإقليميين لوّحوا بها لعقود ضد أنقرة .

وأن ما سيحصل سيدفع الجانب التركي إلى إعادة بناء استراتيجيته الدفاعية والأمنية على مستوى الإقليم، بعد التخلص من أعباء ملف باهظ الكلفة.

قد يكون الرئيس التركي يبالغ عندما يرفع معادلة “تركيا خالية من الإرهاب، إقليم خالٍ من الإرهاب” لأن إقناع نتنياهو، الذي لا يزال يعوّل على قوته العسكرية وشعاراته التصعيدية، لن يكون سهلًا. لكن المؤكد هو وجود رغبة تركية–كردية، وبدعم إقليمي ودولي، في رفع الحجر من وسط الطريق.

من “المانيفستو” إلى “الريسيت”، رحلة طويلة ومليئة بالمفارقات، فالأول ابنُ الفكر اليساري العتيق، والثاني وليد التقنية الغربية. وها هو أوجلان، اليساري الماركسي القديم، يجلس أمام الـ”أوتوكيو”، يقرأ بيانًا مكتوبًا بدقة، مستفيدًا من أدوات الحداثة، فهل يمكن لأوجلان حقًا إعادة تشغيل النظام القديم بزرّ عصري، وكتابة مانيفستو حديث يُقرأ مرة أخرى من شاشة إلكترونية ؟

تلفزيون سوريا

تداعيات حرق العمال الكردستاني أسلحته على “قسد”/ أحمد العكلة

12/7/2025

دمشق- في خطوة لافتة، أقدم حزب العمال الكردستاني، أمس الجمعة، على حرق جزء من أسلحته بشكل علني في مدينة دوكان بمحافظة السليمانية في إقليم كردستان العراق، معلنا بذلك نهاية 4 عقود من العمل المسلح ضد الدولة التركية.

هذا الحدث، الذي وصفه كثيرون بـ”التحول التاريخي”، فتح الباب أمام تساؤلات حاسمة عن تداعياته على قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، التي ترتبط تنظيميا وفكريا بالحزب الأم، رغم محاولاتها المتكررة تقديم نفسها ككيان سوري مستقل.

من الميدان السوري، تشير مصادر عسكرية داخل قسد إلى أن الخطاب الذي ألقاه زعيم الحزب المسجون عبد الله أوجلان حول نزع السلاح، قوبل بتحفظ داخل البنية القيادية للقوات، خاصة من جانب العناصر المتأثرة بقيادات جبال قنديل.

أرضية صلبة

وأوضح مصدر عسكري في قوات قسد (فضل عدم الكشف عن هويته) للجزيرة نت أن قيادة قسد اعتبرت دعوة أوجلان موجهة فقط للعناصر الموجودة داخل تركيا، في حين رفضت تسليم السلاح داخل سوريا قبل تحقيق ما وصفته بـ”الحقوق السياسية”، وعلى رأسها الفدرالية في شرق الفرات. وأضاف أنها لا تزال تعتمد على الدعم الأميركي والغربي، مستفيدة من دورها في مكافحة تنظيم الدولة الإسلامية، فضلا عن استمرار التهديد التركي شمال سوريا.

من ناحيته، اعتبر الكاتب والباحث في الشأنين التركي والإقليمي، محمود علوش، أن ما يجري يمثل بداية محتملة لمرحلة سلام تاريخية بين تركيا وحزب العمال الكردستاني. وأكد للجزيرة نت أن عملية نزع السلاح الحالية تسير على أرضية صلبة، وقد تكون مقدمة لإعادة تشكيل العلاقة بين أنقرة والأكراد، ليس فقط داخل تركيا، بل في عموم المنطقة.

وأشار إلى أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان “يحاول الظهور كرجل سلام”، مستفيدا من التغيّر في المواقف السياسية الداخلية، بما في ذلك دعم زعيم حزب الحركة القومية، دولت بهتشلي، للعملية الجارية.

لكن علوش نبّه في الوقت نفسه إلى هشاشة المسار، محذرا من أن وجود تيارات داخل العمال الكردستاني تعارض العملية، إضافة إلى التحديات المرتبطة ببناء الثقة، يجعل من السابق لأوانه الحديث عن نجاح نهائي.

كما لفت إلى أن البيئة الإقليمية تغيّرت، وأن “التراجع الإيراني والفتور الروسي والتحول في الموقف الأميركي ساهموا في تهيئة الأرضية لهذه المرحلة”. وبرأيه، سيكون لنجاح عملية السلام أثر بالغ على مستقبل قسد في سوريا، خاصة في ظل تضاؤل هوامش المناورة أمامها.

تداعيات

في السياق ذاته، يرى الباحث السياسي والمسؤول السابق في الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، عامر الخالدي، أن أي تحول في نهج حزب العمال، خصوصا على مستوى نزع السلاح، ستكون له تداعيات مباشرة على بنية الإدارة الذاتية.

ويوضح الخالدي للجزيرة نت أن قسد ومجلس سوريا الديمقراطية “مسد” ليسا كيانين منفصلين تماما عن العمال الكردستاني، بل يتأثران به فكريا وتنظيميا. ووفقا له، فإن قرارا إستراتيجيا كهذا سيُحدث انقسامات داخلية تظهر في 3 اتجاهات رئيسية:

    الأول: تيار عقائدي متمسك بالولاء الحزبي.

    الثاني: تيار براغماتي يسعى للاستقلال النسبي عن الحزب الأم.

    الثالث: يحاول التوفيق بين التوجهين.

ويفرض السياق السوري -حسب الخالدي- معادلة مغايرة، لأن قسد تطورت في بيئة معقدة تجمع بين التحديات الأمنية والصراعات المحلية، من تنظيم الدولة إلى التوتر مع العشائر، مرورا بالتفاوض مع دمشق والوجود العسكري الأميركي. ويقول إن دعوة أوجلان، رغم رمزيتها، قد تستخدم كأداة سياسية لتحسين صورة قسد لا كإشارة فعلية إلى تخليها عن السلاح.

أما بخصوص العلاقة مع دمشق، فيوضح أن تأخر التفاهمات يعود إلى تشابك عوامل خارجية وداخلية، أبرزها اعتماد قسد على الدعم الأميركي كورقة تفاوض، ووجود تيار متشدد داخلها يرفض التنازل عن مكتسباته. كما يرى أن الانقسام داخلها حول “نوايا النظام السوري”، يجعل من التقدم في المفاوضات أمرا معقدا، في ظل عدم وضوح الموقفين الروسي والأميركي.

ويعتقد الباحث الخالدي أن الإدارة الذاتية بإمكانها استخدام خطاب أوجلان لتعزيز شرعيتها السياسية أمام دمشق وأنقرة، بشرط أن ترافق هذه الخطوات إجراءات عملية على الأرض، وإلا فستُفهم كخطوة تكتيكية لا أكثر. ويضيف أن التباينات الداخلية داخل قسد ومسد تحد من القدرة على اتخاذ قرار مركزي حاسم، مما يؤدي إلى بطء الاستجابة السياسية لأي مبادرة جديدة.

تصدعات جلية

من جهته، يشير العقيد والخبير العسكري مصطفى الفرحات إلى أن ما يُطرح في العلن من وحدة داخل قسد لا يعكس الواقع على الأرض. ويوضح أن التصدعات باتت جلية، خاصة بين تيار مسلح تابع للعمال الكردستاني وآخر محلي يسعى للاندماج ضمن مؤسسات الدولة السورية. ويرى أن الحديث عن “اللامركزية” ما هو إلا غطاء لمشروع انفصالي غير قابل للتطبيق، لا جغرافيا ولا سياسيا.

ويضيف الفرحات للجزيرة نت أن المنطقة الشرقية، وخصوصا شرق الفرات، تُعد اليوم من أكثر المناطق حساسية بحكم قربها من العراق وكونها ممرا “للتهريب الإيراني”.

وانتقد “تمسك” قسد بسيطرتها العسكرية على الحدود والمعابر، قائلا إن هذا النهج يعمق من عزلتها السياسية. وأكد أن الولايات المتحدة أرسلت إشارات واضحة بأن العودة إلى دمشق هي الخيار الوحيد المتاح، في ظل تراجع الدعم الدولي للمشروع الذي تمثله هذه القوات.

وشدد الفرحات على أن الوضع القائم لم يعد مقبولا دوليا ولا محليا، موضحا أن الامتعاض العشائري المتزايد في شرق الفرات يعكس رغبة شعبية بالعودة إلى الدولة السورية. ويرى أن السلاح فقد مبرراته، وأن الفرصة متاحة اليوم أمام حل سياسي شامل، شرط تخلي قسد عن “أوهام السيطرة المنفردة” والاندماج ضمن الدولة.

المصدر: الجزيرة

———————————–

حزب العمال الكردستاني يبدأ تسليم سلاحه في كهف شمالي العراق/ محمد علي

11 يوليو 2025

بدأ حزب العمال الكردستاني اليوم الجمعة تسليم سلاح مجموعة من عناصره في فعالية أقيمت داخل كهف “جاسنة” بمدينة السليمانية ثاني أكبر مدن إقليم كردستان العراق، وسط استعدادات أمنية واسعة، وبحضور وفود أجنبية منها الوفد التركي. وأعلن حزب العمال الكردستاني حل نفسه وإلقاء السلاح الذي تبناه خيارا وحيدا في صراعه مع الدولة التركية، وذلك استجابة لدعوة مؤسسه المسجون عبد الله أوجلان، والتي على إثرها عقد مؤتمره العام في 5-7 مايو/أيار الماضي، وصوّت بالأغلبية على قرار الحل.

خطوة اليوم التي سيشارك فيها نحو 30 مقاتلا من الحزب، تتضمن إلقاء الأسلحة والإعلان عن تخليهم عن العمل المسلح، في مراسم رمزية للتأكيد على القرار الذي ستعقبه إجراءات طويلة ربما تستمر حتى نهاية العام الحالي. ومن المرتقب أن تكون خطوة اليوم، البادرة الأولى لإسدال الستار على صراع استغرق 47 عاماً، وكبّد الجانبين التركي و”الكردستاني” عشرات آلاف القتلى والجرحى. وكانت المرحلة الحالية قد انطلقت في بداية أكتوبر/تشرين الأول الماضي، ومرت بمحطات عديدة، منها لقاءات مع أوجلان في محبسه، ودعوات من الأخير للحزب إلى حل نفسه وتسليم سلاحه، وصولاً إلى استجابة الحزب لدعوة مؤسسه.

وأبلغ مسؤول كردي رفيع في أربيل “العربي الجديد”، أن وفودا أوروبية وأخرى تركية وصلت إلى إقليم كردستان منذ ليلة أمس للمشاركة في الفعالية، مؤكدا أن الحكومة العراقية في بغداد، سهّلت إتمام العملية عبر الاتفاق على آليات مختلفة، تضمن تسليما سلسا وتدريجيا لسلاح حزب العمال الكردستاني. وأشار المسؤول إلى أن تفاصيل أخرى تتعلق بالسلاح الثقيل الموجود لدى الحزب، ولمن سيؤول هذا السلاح، ما زالت غير محسومة حتى الآن.

وأضاف المسؤول في اتصال هاتفي أن “الاتفاق حُسم فيما يتعلق بمصير مقاتلي الحزب، بشأن عودتهم إلى بلادهم في تركيا، أو اختيار بلد ثالث للانتقال إليه، وهناك تسويات واسعة في هذا الإطار، لمن لم يثبت تورطه بعمليات أفضت إلى ضحايا من الجيش التركي أو المدنيين”، وفقا لقوله، واصفا الأيام الحالية، بأنها “تاريخية، كونها تشهد بداية صفحة جديدة من الكفاح الكردي الذي بدأ بعد الحرب العالمية الأولى، وتقسيم دول المنطقة، وتوزيع القومية الكردية على أربع دول”.

وبشأن الانعكاسات على الإقليم، قال “ستكون إيجابية، انتهاء الصراع يعني عودة الحياة لمئات القرى الحدودية العراقية مع تركيا التي هجرها أهلها منذ سنوات، ونأمل أن تلتزم أنقرة فورا بوعد انتهاء القصف والعمليات الحربية مع خطوة هذا اليوم الجمعة”.

في الأثناء، قال مستشار الأمن القومي العراقي، بهاء الأعرجي، أنه “تم تكليف وفد رفيع المستوى من جهاز المخابرات العراقي، ممثلا رسميا للحكومة العراقية ببغداد، للمشاركة في مراسم إلقاء السلاح”، وفقا لتصريحات أدلى بها للصحافيين في مدينة أربيل اليوم الجمعة. فيما أكدت محطة تلفزيون كردية مقربة من حكومة أربيل، أن الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني من بين الأطراف الرئيسية التي تمت دعوتها رسمياً من قبل حزب العمال الكردستاني، كما أن وفودا من أوروبا والولايات المتحدة تضم أكثر من 30 شخصاً من برلمانيين وأكاديميين وسياسيين، ستشارك أيضاً، وقد وصل بعضهم بالفعل إلى إقليم كردستان، وفقا لتلفزيون “روداوو”، الكردي العراقي.

كما أكدت مصادر عراقية كردية لـ”العربي الجديد”، وصول وفد تركي أمني وآخر برلماني إلى إقليم كردستان للمشاركة بالفعالية التي سيغيب عنها البث المباشر من وسائل الإعلام، لأسباب أمنية، مع الاكتفاء بتصوير الحدث من الجهة المنظمة ذاتها. وفي الأول من تشرين الأول الماضي، أعلنت الدولة التركية مبادرة لإطلاق عملية سلام داخل تركيا، أطلقت عليها اسم “عملية منع الإرهاب”، بينما أطلق عليها حزب العمال الكردستاني اسم “عملية السلام والديمقراطية”.

مسؤول تركي: نقطة تحول لا رجوع عنها

وقال مسؤول تركي كبير اليوم الجمعة إن نزع سلاح حزب العمال الكردستاني يمثل “نقطة تحول لا رجوع عنها” في عملية السلام مع أنقرة و”فرصة لبناء مستقبل خال من الإرهاب”. وأضاف المسؤول، وفقاً لوكالة “رويترز”: “نعتبر هذا التطور نقطة تحول لا رجوع عنها… وفرصة لحماية أرواح الأبرياء وبناء مستقبل خال من الإرهاب”، مضيفاً أن أنقرة “ستدعم نزع السلاح والاستقرار والمصالحة الدائمة في المنطقة”.

وذكر المسؤول أن تسليم الأسلحة “جزء من ثالث مرحلة من المراحل الخمس لعملية السلام الأوسع نطاقاً التي تركز على نزع سلاح حزب العمال الكردستاني وحل الجماعة”. وقال مصدر منفصل، طلب أيضاً عدم الكشف عن هويته، في حديث لـ”رويترز”، إن الخطوات التالية “تتضمن إعادة دمج أعضاء الجماعة في المجتمع قانونياً، بالإضافة إلى جهود رأب الصدع في المجتمعات المحلية وتعزيز المصالحة”.

وبعد زيارات متكررة من وفد حزب “المساواة وديمقراطية الشعوب”، إلى عبد الله أوجلان في سجن إمرلي، دعا زعيم حزب العمال الكردستاني، في 27 فبراير/شباط من هذا العام، حزبه إلى عقد مؤتمر، وإلقاء السلاح، وحلّ نفسه. واستجابةً لدعوة أوجلان، عقد الحزب مؤتمره الثاني عشر بين 5 و7 مايو/أيار، وقرّر خلاله حلّ نفسه وإنهاء الكفاح المسلح. وقد رحّب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وعدد من الأحزاب التركية بدعوة أوجلان، في وقت دخلت فيه العملية مرحلة جديدة لا تزال مستمرة حتى الآن.

وقال الخبير بالشأن الكردي، سلام الجاف لـ”العربي الجديد”، إن فعالية اليوم رمزية، وهي بمثابة إطلاق قذائف المدفعية إيذانا ببدء حدث ما، مضيفا أن ترسانة حزب العمال الكردستاني المعقدة والتي تشمل طائرات مسيرة وصواريخ وقذائف، وُضعت ضمن جدول أعمال بغداد وأنقرة وأربيل، للاتفاق على مصير هذا السلاح وآلية لتسليمه. ولفت إلى أن عملية تمشيط الجبال والمناطق العراقية الوعرة في إقليم كردستان وإعلان خلوها من الأنشطة المسلحة، مهمة ليست سهلة، “لذا نتوقع أن تستمر الأمور حتى نهاية العام، هذا في حال لم تحدث انتكاسة بالعملية الحالية”، مؤكدا أن فعالية اليوم الجمعة، جعلت الخطوة الثانية على عاتق تركيا، والمتمثلة في البدء بوقف القصف والعمليات البرية، وإنهاء محاصرة بعض المناطق الجبلية التي يوجد بها مقاتلو الحزب، وإعادة النظر بوضع مؤسس الحزب عبد الله أوجلان. وأشار إلى أن “هذه الخطوة قد لا تحدث دفعة واحدة إنما على شكل خطوات”.

وبشأن مصير الحزب وكتلته البشرية، قال الجاف إنه من المبكر الحديث الآن عن هذا الموضوع لكن الأغلب أن تكتلاً سياسياً كردياً سيكون امتداداً سلمياً له، وضمن الشروط التي تفرضها الحكومة التركية”، معتبراً أن “العراق عامة وإقليم كردستان خاصة، بوصفه أرض صراع سيكون الرابح الأكبر من حسم هذا الملف، بعد الدولة التركية”.

العربي الجديد

——————————

دمشق: متمسكون بمبدأ سوريا الواحدة والأكراد جزء لا يتجزأ

الحكومة السورية تشدد على أن المكوّن الكردي جزء أصيل من النسيج السوري وحقوقه مصانة ومحترمة داخل مؤسسات الدولة لا خارجها

العربية.نت

10 يوليو ,2025

أكدت الحكومة السورية، الأربعاء، على ترحيبها بأي مسار من شأنه تعزيز وحدة وسلامة الأراضي السورية.

فقد شكرت الحكومة في بيان، في ضوء التطورات الأخيرة المتعلقة بتنفيذ الاتفاق الموقع مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، الجهود الأميركية المبذولة في رعاية تنفيذ الاتفاق مع قسد، انطلاقا من الحرص على استقرار البلاد ووحدة شعبها.

كما جددت الدولة السورية تمسكها الثابت بمبدأ “سوريا واحدة، جيش واحد، حكومة واحدة”، ورفضت بشكل قاطع أي شكل من أشكال التقسيم أو الفدرلة التي تتعارض مع سيادة الجمهورية العربية السورية ووحدة ترابها، وفقاً لوكالة “سانا”.

كذلك أوضح البيان أن الجيش السوري يُعد المؤسسة الوطنية الجامعة لكل أبناء الوطن، وتُرحب الدولة بانضمام المقاتلين السوريين من قسد إلى صفوفه، ضمن الأطر الدستورية والقانونية المعتمدة.

إلى ذلك، حذّرت الحكومة السورية من أي تأخير في تنفيذ الاتفاقيات الموقعة، مشددة على أن ذلك لا يخدم المصلحة الوطنية، بل يعقّد المشهد، ويُعيق جهود إعادة الأمن والاستقرار إلى جميع المناطق السورية.

وأكدت على ضرورة عودة مؤسسات الدولة الرسمية إلى شمال شرقي البلاد، بما في ذلك مؤسسات الخدمات والصحة والتعليم والإدارة المحلية، لضمان تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين، وإنهاء حالة الفراغ الإداري، وتعزيز الاستقرار المجتمعي، لافتة إلى أن التجربة أثبتت أن الرهان على المشاريع الانفصالية أو الأجندات الخارجية هو رهان خاسر، والمطلوب اليوم هو العودة إلى الهوية الوطنية الجامعة والانخراط في مشروع الدولة الوطنية السورية الجامعة.

أما عن المكوّن الكردي فشددت الحكومة السورية على أنه كان ولا يزال جزءاً أصيلاً من النسيج السوري المتنوع، مشيرة إلى أن حقوق جميع السوريين، بمختلف انتماءاتهم، تُصان وتُحترم ضمن مؤسسات الدولة، وليس خارجها.

ودعت الحكومة السورية جميع القوى الوطنية إلى توحيد الصفوف والعمل المشترك تحت راية الوطن بعيداً عن المصالح الضيقة أو التدخلات الخارجية، وصولاً إلى سوريا آمنة، موحدة، مستقلة وذات سيادة كاملة على أراضيها.

“طريق المفاوضات يؤدي إلى دمشق”

جاء هذا البيان بعدما قال المبعوث الأميركي إلى سوريا، توم براك، الأربعاء، إنه يجب على قوات سوريا الديمقراطية (قسد) أن تدرك سريعًا أن سوريا دولة واحدة، وخاطبهم بالقول “طريق المفاوضات يؤدي إلى دمشق”.

كما أضاف في تصريحات لوسائل إعلام تركية أن “المفاوضات نحو سوريا واحدة يجب أن تتحرك بوتيرة أسرع وبمرونة أكبر”، قائلا: “لا يمكنك أن تمتلك، داخل دولة مستقلة، كيانًا منفصلًا أو غير وطني.. يجب علينا جميعًا أن نقدم بعض التنازلات للوصول إلى تلك النتيجة النهائية: أمة واحدة، وشعب واحد، وجيش واحد، وسوريا واحدة”.

وبين براك أن دمشق أبدت حماسا كبيرا لضم قوات قسد إلى مؤسساتها.

أتت هذه التصريحات، بعدما اجتمع في وقت سابق اليوم بالعاصمة السورية دمشق، الرئيس أحمد الشرع، وقائد “قوات سوريا الديمقراطية”، مظلوم عبدي، إلى جانب المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، توم براك.

اتفاق مع الشرع

يذكر أن قائد قسد كان أبرم اتفاقاً مع الشرع في العاشر من مارس الماضي، حيث نصّ في بنده الأول على ضمان حقوق جميع السوريين في التمثيل والمشاركة في العملية السياسية وكافة مؤسسات الدولة بناءً على الكفاءة، بغض النظر عن خلفياتهم الدينية والعرقية، وفي الثاني على أن المجتمع الكردي مجتمع أصيل في الدولة السورية، وتضمن الدولة السورية حقه في المواطنة وكافة حقوقه الدستورية.

وكان البند الأبرز هو الثالث الذي ينص على وقف إطلاق النار على كافة الأراضي السورية، فيما نص الرابع على دمج كافة المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرقي سوريا ضمن إدارة الدولة السورية، بما فيها المعابر الحدودية والمطار وحقول النفط والغاز.

وشمل هذا الاتفاق في بنوده أيضاً ضمان عودة كل المهجرين السوريين إلى بلداتهم وحمايتهم من قبل الدولة.

كذلك شمل مكافحة فلول النظام السابق، ورفض دعوات التقسيم وخطاب الكراهية ومحاولات بث الفتنة، إلى جانب تشكيل لجان تنفيذية لتطبيق الاتفاق بما لا يتجاوز نهاية العام الجاري.

—————————

الانسحاب الأميركي من سوريا.. بين سؤال الفراغ وإعادة التموضع/ مالك الحافظ

10 يوليو 2025

ما إن بدأت تتسرّب مؤشرات الانسحاب الأميركي التدريجي من مناطق شمال شرق سوريا، بات السؤال اليوم لا يدور حول ما إذا كانت واشنطن ستنسحب فعلًا من شمال شرق سوريا، بل حول طبيعة هذا الانسحاب، وتداعياته، ومن سيملأ الفجوة التي قد يخلفها، سواء أمنيًا أو سياسيًا. ما يُطرح الآن يتعلق بشكل النفوذ، وإعادة تعريف الخطر، وإعادة إنتاج “منطق البقاء” في مشهد قد تتقلّب فيه الولاءات وتتفتت فيه المراكز.

 الفراغ كاستراتيجية؟

 يبدو الانسحاب الأميركي فراغًا محتملًا في سلطة الضبط الأمني، لكنه في جوهره ليس غيابًا كاملًا، بقدر ما هو شكل من أشكال إعادة التموضع الاستراتيجي، حيث تتحوّل واشنطن من “فاعل مباشر” إلى “منسّق فوقي”، يتدخل بشكل رسمي أكثر عبر أدوات محلية وتحالفات متحركة.

هذا الشكل من التراجع لا يعني الانسحاب من الهدف، وإنما من التكلفة، وهو ما يشير إليه مايكل والتزر حين يصف بعض الانسحابات الإمبراطورية بأنها انتقال من “الحضور الفيزيائي” إلى “التحكم الرمزي”، حيث تحافظ القوة على خيوط اللعبة دون أن تكون على الرقعة.

رغم أن الانسحاب الأميركي يجري بصيغة تدريجية ومنظمة، إلا أنه قد يُربك معادلة السيطرة في شمال شرقي سوريا، حيث تتوزع الجغرافيا بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة السورية الانتقالية.

تراجع الانتشار الأميركي من نحو ألفي جندي إلى بضع مئات في قاعدة واحدة فقط، من المحتمل أن يُوجِد فراغًا أمنيًا نسبيًا يعيد تحريك المخاوف من إعادة تشكّل تنظيم “داعش”، ويدفع نحو تساؤلات حول من سيتولى إدارة تلك المساحات؛ فهل سيكون استمرار التنسيق مع “قسد” كأمر واقع، أم مع دمشق بوصفها سلطة انتقالية؟

في المقابل، لم تعد التهديدات الإيرانية والروسية فاعلة كتبرير للوجود الأميركي، نظرًا لخروج الإيرانيين من المشهد السوري وتراجع النفوذ الروسي ميدانيًا. ولهذا، يبدو أن واشنطن ستسعى إلى ضبط الهشاشة الجديدة عبر ترتيبات سياسية بين الفاعلين المحليين، عوضًا عن الاستمرار في التورط العسكري المباشر.

وحتى في ظل هذا الانسحاب المتدرج، فإن واشنطن لا تزال تحتفظ بأصول استراتيجية في التنف، ما يجعلها قادرة على إدارة مشهد ما بعد الانسحاب من موقع خلفي.

 تحوّل خرائط السيطرة

في ضوء هذا الانسحاب، تطرح الولايات المتحدة معادلة جديدة تتمثل في كيفية تثبيت الاستقرار الأمني دون التورط في مستنقع إداري أو عسكري؟ وهل تكون قوات سوريا الديمقراطية (قسد) شريكًا كافيًا في هذا المشهد المتغيّر، أم أن السلطة الانتقالية في دمشق – رغم هشاشتها الحالية– تُطرح كخيار أقل كلفة وأكثر مركزية؟

المعادلة هنا ليست ثنائية، بقدر ما هي تفاعلية. “قسد” تُعدّ قوة برية مؤسساتية تملك تجربة ميدانية في مكافحة داعش، لكنها ليست كيانًا دولاتيًا معترفًا به. أما حكومة دمشق الانتقالية، فهي من الناحية النظرية طرف سيادي، لكنها تفتقر إلى جهاز أمني موحّد، أو متمرس عسكريًا وأمنيًا بمعنى أدق.

في هذا المشهد، تتحرك واشنطن ضمن استراتيجية الإزاحة المؤقتة للفراغ، عبر توزيع المهام الأمنية على قوى محلية بتنسيق معلوماتي وجوي متقطع. أي أنها تحوّل التدخل من “الاحتواء الأفقي” إلى “التدخل العمودي”، حيث تتدخّل عندما يظهر الخطر.

التحولات في بنية “داعش” لا تنفصل عن هذا الانسحاب، فالتنظيم لم يعد يُبنى وفق منطق الدولة أو الخلافة، فهو قد تحول إلى “شبكة وظيفية” تعمل على أساس خلايا نائمة، ضربات خاطفة، وقدرة عالية على التكيّف مع الفراغات.

هنا يشير أوليفيه روا في تحليله للجهادية المعاصرة، إلى أن التنظيمات المتطرفة لم تعد بحاجة إلى مركز، بل تكتفي بـ”النوى الحركية” التي تعيد إنتاج ذاتها أينما توفر السياق. وهو ما يعني أن أي فراغ أمني، ولو محدود، يمكن أن يتحوّل إلى بؤرة محتملة لإعادة التموضع.

التنظيم اليوم ليس في طور التوسع، لكنه في مرحلة ما يمكن تسميته “التخثّر الحركي”، حيث تتجمّد الخلايا وتنتظر لحظة تراجع القوى الحامية للعودة عبر استراتيجيات الإرباك، خصوصًا في مناطق البادية بشكل رئيسي.

 سيناريوهات ملء الفراغ

بين تراجع التواجد الأميركي وتقلّص دور قسد، يبرز سؤال البدائل. فهل نحن أمام نظام أمني هجين يتوزّع بين قسد في الشرق، والسلطة الانتقالية في المركز، وبعض القوى العشائرية أو الوحدات الخاصة (مثل جيش سوريا الحرة) المدعومة غربيًا؟

لكن ما يبدو فراغًا ميدانيًا لا يعني بالضرورة انعدام السيطرة، فهو قد يكون انتقالًا إلى أنماط غير مباشرة من الضبط الأمني، تعتمد على شركاء محليين محدودي القدرة والشرعية، ما يُنذر بحالة هشاشة طويلة المدى في الشمال الشرقي، ويُبقي الباب مواربًا أمام اختلالات مفاجئة.

 الواقع أن منطق الأمن التعددي هو الأقرب، وهو ما سبق أن تبلور في العراق بعد الانسحاب الأميركي، حين انتشرت القوى المحلية والهجينة لتعبئة الفراغ بدل سلطة مركزية. هذه التعددية الأمنية، كما وصفها كليفورد شيرر، تُضعف من قدرة أي طرف على السيطرة، لكنها تؤمن درجة دنيا من الضبط عبر توازن القلق المتبادل.

في الحسابات الأميركية، ليست سوريا مركز الثقل، لكن الانسحاب لا يعني التخلي وإنما محاولة لتقليل الانكشاف، دون التخلي عن خاصرة استراتيجية في شرق المتوسط.

لا يبدو أن واشنطن تتجه إلى انسحاب شامل بقدر ما تعيد رسم خريطة انخراطها الأمني بشكل منخفض المخاطر، مرتكزة على أدوات القوة الناعمة، والشراكات اللوجستية، والعمل عبر وكلاء. وهذا يتسق مع ما وصفه مايكل إغناتيف بـ “الهيمنة بغير التورط”، أي إدارة النفوذ دون الانزلاق إلى مسارات السيطرة الكلاسيكية.

قد لا يكون الانسحاب الأميركي حدثًا مفاجئًا، لكنه يفتح الباب لإعادة تعريف النفوذ في سوريا، وربما قد يمنح داعش فرصة للانتعاش في حال فشل شركاء ما بعد الانسحاب في ملء الفراغ الأمني. ولعل الخطر الأكبر لا يكمن في “الانسحاب بحد ذاته”، وإنما في الغموض الذي يُرافقه.

لا يبدو أن ما يجري انسحابًا كاملًا، بقدر ما يكون محاولة لترتيب توازن جديد بأدوات جديدة، في مشهد يتقاطع فيه التهديد الجهادي مع هشاشة السلطة، وتوزّع الولاءات، وغياب تسوية سياسية شاملة حتى الآن.

الترا سوريا

———————————

الشراكة الوطنية في سوريا… القضية الكردية نموذجا/ فيصل يوسف

تعرَّضت سوريا خلال العقود الماضية، في ظل حكم حزب البعث، لظروف سياسية اتسمت بالاستبداد والانغلاق، وملاحقة المعارضة السياسية، ومنع تشكيل منظمات المجتمع المدني، وتهميش العديد من مكوناتها القومية والدينية، وفي مقدمتها الشعب الكردي، الذي يُعد مكونا أصيلا من النسيج الوطني السوري، وساهم في بنائها وتاريخها وثقافتها. بعد سقوط النظام السابق ودخول البلاد مرحلة انتقالية دقيقة، أصبح من الضروري والواجب، إعادة النظر في مجمل العلاقة بين الدولة ومكوناتها، بما يؤسس لعقد اجتماعي جديد عادل وشامل.

لم تكن القضية الكردية في سوريا نتاج لحظة ظرفية أو أزمة طارئة، بل تعود جذورها إلى مرحلة تأسيس الدولة السورية، في بدايات القرن العشرين، حين تم تجاهل الواقع القومي والتعددي للبلاد، في صياغة الهوية الوطنية والدستور. وقد أدى هذا الإغفال التاريخي إلى حرمان أبناء الشعب الكردي من حقوقهم القومية المشروعة، حتى من أبسط حقوق المواطنة.

تفاقمت هذه السياسات لاحقا مع وصول حزب البعث إلى السلطة، حيث تم تبني إجراءات ممنهجة طالت الوجود الكردي في شتى أبعاده. كان أبرز هذه الإجراءات الإحصاء الاستثنائي لعام 1962 الذي جُرّد بموجبه مئات الآلاف من المواطنين الكرد من جنسيتهم السورية، بالإضافة إلى ذلك، استهدف مشروع الحزام العربي تغيير البنية الديموغرافية للمناطق ذات الغالبية الكردية، على طول الحدود مع تركيا في محافظة الحسكة. وعلى مدار عقود، غُيِّب المكون الكردي عن تبوأ مناصب ومراكز في مؤسسات الدولة، ووُضعت قيود على نشاطه الثقافي والسياسي، دون أي مسوّغ قانوني أو وطني، لكن رغم هذه السياسات الظالمة، لم ينكفئ الكرد عن ساحة النضال الوطني، بل شكّلوا، عبر أحزابهم وفعالياتهم الاجتماعية، صوتا ثابتا يطالب بالعدالة والمساواة، والاعتراف بحقوقهم القومية، ضمن سوريا ديمقراطية تعددية، تضمن الحقوق والحريات لجميع أبنائها. وقد تجلى هذا الإصرار في مراحل متعددة، كان أبرزها انتفاضة قامشلو في مارس 2004 التي خرج فيها الكرد بمظاهرات سلمية واسعة، رفعوا خلالها شعارات تربط بين مطالبهم القومية وضرورة إصلاح بنية الدولة القائمة على الاستبداد والإقصاء، لكن القوى الوطنية المعارضة لم تتفاعل معها كحالة سورية معارضة بل من منظور قومي بضيق أفق. جاءت الثورة السورية في عام 2011 لتشكل منعطفا جديدا، انخرط فيه الكرد منذ بداياته. وشاركوا في الحراك الشعبي الشبابي في مختلف المدن والمناطق، وأكدوا مرة أخرى تمسكهم بمطالبهم في إطار وطني جامع، دون أن يسعوا لأي شكل من أشكال الانفصال، أو التمايز عن باقي مكونات الشعب السوري. وكان موقف حركتهم السياسية واضحا، برفض أي تسوية مع النظام السابق، على الرغم من محاولاته العديدة، وتقديمه لعروض بالاستجابة لبعض المطالب الكردية، بل اختارت موقعها الطبيعي والانخراط في صفوف قوى المعارضة والثورة، والمساهمة الفاعلة في التغيير. وقد عبّر الكرد سياسيا عن هذا الموقف، عبر مشاركتهم في مؤتمرات المعارضة، وانضمامهم لتشكيلاتها المختلفة، بدءا من هيئة التنسيق الوطنية للتغيير الديمقراطي، والمجلس الوطني السوري، وصولا إلى الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، وهيئة التفاوض. وقد تم ذلك على الأغلب من خلال المجلس الوطني الكردي، الذي مثّلَ الحامل السياسي الأوسع لمطالب الشعب الكردي ضمن العمل الوطني السوري العام.

واليوم، مع انتهاء مرحلة النظام السابق، وانبثاق إدارة جديدة تتولى شؤون البلاد، تأمل شرائح واسعة من السوريين، أن يكون ذلك مدخلا لبناء سوريا الجديدة على أسس دستورية ومؤسساتية، تكرس مبدأ المواطنة المتساوية والاعتراف بالتعدد السياسي والقومي والديني. ما جاء في هذه الأسطر سبق وأن تحدثنا وكتبنا فيه مرارا، إلا أننا نلمس أن صداه لم يحقق الفهم المرجو، وكأن هناك تعمدا بعدم الفهم من أوساط عديدة. ما يستوجب منا تكرار هذه المعاني لتعزيز وترسيخ الوضوح في العلاقات الوطنية، ونبذ التهم الجاهزة، وتجاوز ما كرسه حزب البعث من ترسيخ أفكار تقسيمية بين أبناء الشعب السوري.

غير أن ما يثير القلق هو أن الحكومة السورية الجديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع، لم تبادر حتى الآن إلى فتح حوار جاد وشامل مع ممثلي الشعب الكردي، رغم كونه يمثل القومية الثانية في البلاد من حيث عدد السكان، ويشكل جزءا أصيلا من نسيجها الوطني. ففي مؤتمرات الحوار الوطني التي عُقدت، وكذلك في النقاشات المتعلقة بالإعلان الدستوري، والحكومة المؤقتة، حتى ما يتم التحضير له بتشكيل «مجلس الشعب»، لم يُمنح الكرد مساحة للمشاركة الفعلية، وفق آليات وصيغ تمكنهم من ذلك ، ولم يُعطوا حقهم الطبيعي في التعبير عن رؤيتهم لمستقبل البلاد عبر حوار رسمي، وهذا يشكل ثغرة كبيرة في مسار الانتقال السياسي، ويُعيد إلى الأذهان ممارسات التهميش التي عانى منها هذا المكون لعقود.

لكن في المقابل، فإن الحركة السياسية الكردية لم تقف موقف الانتظار، بل بادرت إلى بلورة موقف موحد ورؤية واضحة، تعبّر عن تطلعات الشعب الكردي وتحرص على أن تبقى ضمن الإطار الوطني السوري. ففي 26 أبريل 2025 عُقد كونفرانس سياسي جامع للحركة الكردية السورية، شارك فيه معظم القوى الفاعلة، وتمخض عنه وثيقة سياسية جامعة تحدد شكل الدولة المستقبلية وهوية النظام السياسي المطلوب. وقد أكدت الوثيقة الكردية المشتركة على عدة مبادئ أساسية:

* إن الشعب الكردي جزء لا يتجزأ من الشعب السوري.

* إن سوريا الجديدة يجب أن تقوم على قاعدة الشراكة الحقيقية بين جميع مكوناتها القومية والدينية.

* اللامركزية هي المدخل لضمان التوازن والعدالة في مختلف أنحاء البلاد.

* الاعتراف الدستوري الصريح بوجود الشعب الكردي وحقوقه القومية هو حجر الزاوية في أي عقد وطني جديد.

كما دعت الوثيقة إلى إلغاء كل السياسات التمييزية، التي طُبقت بحق الكرد، وفي مقدمتها مشروع الحزام العربي والإحصاء الاستثنائي وغيرها. وأكدت على ضرورة تعويض المتضررين، وإعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل تنفيذ تلك الإجراءات. إن الكرد، في مواقفهم وخطابهم السياسي، شددوا دوما على خيار تمتين وتعزيز الوحدة الوطنية القائمة على العدالة والشراكة، ولذلك، فإن تجاهلهم أو التعامل معهم كقضية ثانوية لا يخدم مشروع بناء الدولة الجديدة. بل يعيد إنتاج الخلل نفسه الذي أسقطته الثورة، ويضعف شرعية أي مسار انتقالي. إن المسؤولية اليوم تقع على عاتق الإدارة الجديدة في أن تمد يد الحوار الصادق والشامل إلى جميع مكونات المجتمع السوري، وفي المقدمة منهم الكرد، من خلال الوفد الكردي المشترك المنبثق عن كونفرانس وحدة الصف الكردي وهو الوحيد المخول للتحدث باسمهم ويمثلهم، وانطلاقا من الإيمان بأنه لا مستقبل لسوريا دون جميع أبنائها، ولا يمكن أن تقوم دولة عادلة ما لم تعترف بتنوعها، وتكفل المساواة التامة بين مواطنيها في الحقوق والواجبات، دون تمييز أو تهميش. إن توظيف التحالفات والتطورات المتغيرة في البلاد والمنطقة، يتطلب تقديم ضمانات دستورية للكرد، وتجنب الاحتواء الناعم عبر مفاوضات جزئية هنا وهناك، بل ضرورة وأهمية طرح تصور استراتيجي لحل القضية الكردية في سوريا ضمن الإطار الوطني العام، وهذا من شأنه تدعيم ركائز الاستقرار. ويقع على القوى الوطنية السورية، بكل أطيافها، إدراك أن بناء دولة حديثة يبدأ من حل عادل لهذه القضية، ويشمل ضمان التمثيل السياسي والإداري العادل.

إن إصرار الكرد على شراكة فاعلة في الوطن، ينبع من إحساسهم العميق بالمسؤولية الوطنية، وإيمانهم الراسخ بأن نهضة سوريا من كبوتها لن تتحقق إلا بمصالحة وطنية شاملة، لا تستثني أحدا، وتبني الوطن على أسس من المساواة والعدل للجميع .

المنسق العام لحركة الاصلاح الكردي – سوريا

القدس العربي

——————————–

عبد الله أوجلان يعيد تعريف الانتصار!/ بشير أمين

12.07.2025

تغيّر مفهوم الانتصار بالنسبة إلى عبد الله أوجلان زعيم حزب “العمّال الكردستاني”، حسب ما أفاد في رسالته الأخيرة المصوّرة والموجّهة إلى رفاقه في الحزب، حيث جدّد تأكيده انتصار الحزب ووصوله إلى أهدافه في إطار عمليّة السلام المزعومة مع الدولة التركية. وقد اعتبر أوجلان أن السلام مع تركيا ونزع سلاح حزبه، هو انتصار وليس هزيمة لحركة المقاومة الكردية بعد عقود من النضال المسلّح، وجدّد دعوته لأنصاره ورفاقه بالتوجه إلى النضال السلمي السياسي ضمن الأطر الديمقراطية والتخلّي عن السلاح

تغيّر مفهوم الانتصار بالنسبة إلى عبد الله أوجلان، زعيم حزب “العمّال الكردستاني”، حسب ما أفاد في رسالته الأخيرة المصوّرة والموجّهة إلى رفاقه في الحزب، حيث جدّد تأكيده انتصار الحزب ووصوله إلى أهدافه، في إطار عمليّة السلام المزعومة مع الدولة التركية.

وقد اعتبر أوجلان أن السلام مع تركيا ونزع سلاح حزبه، هو انتصار وليس هزيمة لحركة المقاومة الكردية بعد عقود من النضال المسلح، وجدّد دعوته لأنصاره ورفاقه بالتوجه إلى النضال السلمي السياسي، ضمن الأطر الديمقراطية والتخلّي عن السلاح، مبرّراً ذلك بسببين رئيسيين: أوّلهما تحقيق الحزب الهدف الرئيس له، وهو الاعتراف بوجود الهوّية الكردية، والثاني تغيير تكتيك الحزب من “الاشتراكية الواقعية”، واستمرار نهج النقد الذاتي الذي يستوجب التخلّي عن النهج العنفي.

وإن لم تكن رسالة أوجلان المصوّرة مختلفة في فحواها عمّا جاء في رسالته يوم السابع والعشرين من شباط/ فبراير، وما تلاها من خطابات ورسائل خلال الأشهر الماضية، فإن توقيتها وشكلها وعلاقتها مع مسار المفاوضات في سوريا، هو ما أكسبها تمايزاً، فظهور قائد الحزب ومؤسّسه في فيديو مصوّر لأوّل مرّة منذ اعتقاله قبل ٢٦ عاماً، يعطي رمزية كبيرة لأنصار الحزب وما يمثّله.

لكن يبقى السؤال مطروحاً حول سبب تغيير الحزب نهجه، ومدى صدق هذا التغيير وأصالته، وسبب تخلّيه عن حلم دولة كردية، وعلاقة كلّ هذا التغيير بالوليد الحديث في سوريا، متمثّلاً بمشروع الإدارة الذاتية الديمقراطية؟

انتصار أم هزيمة واستسلام

منذ تأسيسه كحركة تحرّر ثورية، هدف حزب “العمّال الكردستاني” إلى تحرير كردستان وتوحيدها، ولم يُخفِ رغبته في تحقيق دولة قومية كردية، على الرغم من تبنّيه النظرية الماركسية ونهجه الأممي. لكنّ التغيّر الكبير غيرُ مفاجئ بالنسبة إلى متابعي أوضاع حزب “العمّال” وأفكار مؤسّسه وكتاباته في السنوات الأخيرة، حيث توجّه إلى تبنّي مفهوم لا عنفي وفكرة الدفاع الذاتي، بدلاً من الكفاح المسلّح والاشتراكية التقليدية سوفيتية الطابع. وقد تخلّى عن فكرة الدولة القومية، حيث وجد أن فكرة الدول القومية (الدولة الأمّة) كانت ضرورة لوقف الحرب العالمية، ومنتجاً غربياً لا يمكن تطبيقه في منطقتنا.

يدعو أوجلان، إذاً، إلى كفاح سياسي بالطرق السلمية، وتبنّي نظام ينشد الديمقراطية المباشرة، شديد اللا مركزية، يعتمد على إدارات محلّية أقرب إلى الأناركية.

هذا التغيير قسّم الشارع الكردي بين ناظرين إلى القرار التاريخي بنزع السلاح خسارة وهزيمة قاسية، أو انتصاراً كما يراه أوجلان، ومساومة للحفاظ على المكتسبات في سوريا، وتمكين لحزب “المساواة والشعوب” من ممارسة سياسية أكبر في البرلمان التركي.

لا ينفي أوجلان انتصاراً تركياً ضمنياً في عمليّة السلام. الحقيقة أن تبنّي أوجلان خطاب الانتصار، لا يشبه تبنّي قادة محور المقاومة أو القوميين العرب للانتصار، ولم يتوجّه إلى مراوغات كلامية على غرار “النكسة”، كما ذهب عبد الناصر في حرب حزيران ضدّ إسرائيل. وبالتالي يدرك الحزب أن مساومته في نزع سلاحه، هي بالدرجة الأولى تهدف إلى الحفاظ على المكتسبات التي حصل عليها في الحرب ضدّ “داعش”، والتحالف مع المحور الأميركي الغربي وتقاربه من دول إقليمية.

وبالتالي نزع سلاح حزب “العمّال الكردستاني”، يعتبر صفقة رابح- رابح بينه وبين الدولة التركية، والجدير بالتذكّر، أن تركيا تتّجه نحو تحديث دستورها الذي يُعتقد أنه سيضمن حقوقاً دستورية للكرد، بالإضافة إلى صلاحيات إدارية محلّية أوسع.

مساومة في قنديل ونجاة في القامشلي

تنامى مشروع الإدارة الذاتية وتطوّر في مسار مختلف عن مشروع حزب “العمّال الكردستاني” في العقد الأخير، ضمن سياقات إقليمية وتحالفات جديدة، ولأنه لا يمكن فصل مسار السلام في تركيا، عن المفاوضات الجارية في سوريا بين الإدارة الذاتية والسلطة في دمشق، أدرك حزب “العمّال الكردستاني”، بخاصّة بعد السابع من تشرين الأول/ أكتوبر، حجم هذا الاختلاف، وضرورة المساومة من أجل إنجاح مشروع الإدارة الذاتية، خاصّة وأنه نجح جزئياً في تطبيق نموذج حكم جديد لفت أنظار مجموعات يسارية عالمية.

يسعى إذاً الطرف الكردي إلى إرضاء الطرف التركي، للقدرة على الانخراط في العمليّة السياسية الجارية في سوريا، واستغلال الرغبة الدولية والإقليمية في خلق الاستقرار، ليكون جزءاً أساسياً من صنع القرار.

خطاب أوجلان، وظهوره في فيديو مصوّر، قد يكون إشارة إلى رفض بعض الأطراف ضمن الحزب إلقاء السلاح، وإحساسهم بالغبن والتخلّي بعد عقود من النضال. رغم بديهية هكذا آثار جانبية لهذا القرار المصيري، يحتاج المقاتلون إلى دلائل على أهليّة أوجلان في اتّخاذ قرارات من هذا النوع وإيمانه بها، وهو ما أكّده أيضاً ضمن كلمته.

وريثما يمتثل الحزب ومقاتلوه لرغبة مؤسّس الحزب وقائدهم، ويدركون أنهم لن يكونوا ورقة مساومة بالنسبة إلى مشروع سوريا، لا بدّ من النجاة بمشروع الإدارة الذاتية، وأخذ الضمانات الكافية بأن استحقاقاً ما قد تحقّق فعلاً، وهو الأمر الذي لم تكتمل ملامحه حتى الآن في العلاقة مع دمشق.

شكّل اتفاق آذار/ مارس الماضي بين مظلوم عبدي وأحمد الشرع، بداية وإطاراً عامّاً لعلاقة سلطة مركزية وطرف، يدرك كلا الطرفين أن صداماً عسكرياً مباشراً لن يكون من مصلحة أي منهما، وقد لا يكون مموّلاً من أية أطراف أيضاً، وبالتالي فإن المعركة الدبلوماسية والسياسية ستكون الفصل.

بالمقابل بطء هذا المسار ليس من مصلحة الطرفين أيضاً، ويمكن التوقّع أن كلا الطرفين يدفع نحو تحقّق هذا المسار بسرعة أكبر. من جهة الإدارة الذاتية من أجل ضمان إبعاد المخاطر الوجودية لمشروعها، والتهديد التركي، ورفع مسار السلام في تركيا إلى درجة الربح القصوى، أما بالنسبة إلى دمشق، فذلك يعني اندماجاً أسرع في المحيط الإقليمي والدولي، وكسب ثقة الأطراف الداعمة، وبالتالي هو استقرار اقتصادي تبحث عنه السلطة باستماتة.

ما تخسره الإدارة الذاتية، كما أطراف سورية أخرى في هذا الإطار، هو عدم قدرتها على الانخراط في اتّخاذ القرارات، وهذا ما تستغلّه سلطة الشرع وتسرّع من عمليّة “إعادة بناء الدولة” منفردة، حتى تفرض سطوتها على أكبر قدر ممكن من مفاصل الحكم، وذلك قبل التوصل إلى اتّفاقات مع الأطراف السورية الأخرى.

على سبيل المثال برّرت السلطة تفرّدها في تشكيل لجان والإعلان الدستوري وتعيينات الجيش على أهوائها، بعدم انخراط الأطراف الأخرى في الدولة، وألقت اللوم عليها. من هذه الزاوية، يمكن قراءة دعوة أوجلان بالتوجّه للعمل السياسي، هو أيضاً مطالبة بالإسراع في الانخراط، ولو في ظروف غير سليمة، من أجل عدم خسارة الحزب مقعده، والمشاركة في القرارات المصيرية والسيادية. ولعلّ هذا ما يمكن فهمه من تصريحات المبعوث الأميركي توماس باراك أيضاً، حين لمّح إلى بطء “قسد” في الانخراط. فربما يمكن تلقّف رسالته هذه بأنها دعوة للإسراع في الانخراط، وليس تهديداً أو اتّهاماً بالتباطؤ المتعمّد بغية العرقلة، إنما تحذير من البطء.

المؤتمر الكردي الذي حصل في القامشلي كان من جهة أحد أسباب التخبّط في الجانب الكردي، وأتاح الفرصة لتركيا وسلطة الشرع بكسب الوقت، واعتباره التفافاً على شرعيّة اتّفاق آذار/ مارس. فعودة الأطراف الكردية إلى نقطة بداية واتّفاق تحت راية قومية، أعاد مشروع الإدارة الذاتية الذي صدّر نفسه عابراً للهوّيات، خطوات عديدة للوراء، بالإضافة إلى ذلك، فإن تيّار “المجلس الوطني الكردي” يرفع من سقف المطالب والطموحات بعكس سير المجريات، خلق ذلك مناخاً لإعادة التفاوض مع دمشق على نقاط ما قبل دستورية، وأخّر دخول “قسد” في الدولة السورية.

لا يعطي هذا بأي حال من الأحوال، المبرّر للتوجّهات الإقصائية التي تمارسها السلطة في دمشق.

العودة إلى التاريخ من أجل هزيمة الماضي

لن تكون عمليّة السلام سهلة أو مرضية لجميع الأطراف، ربما هذا حال المفاوضات التي تعقب الصراعات الكبيرة، لذلك فإن إعادة تعريف أوجلان للانتصار ليس غريباً، بل يتّسم بالواقعية الكبيرة. وفي حين أنه يمثّل تلاشي حلم، وخيبة أمل لمقاتلي الحزب الذين كرّسوا حياتهم من “أجل الحزب، وكردستان، وحياة القائد آبو وحرّيته”، فإن الانتصار قد يكون للمنطقة، وفرصة لبناء مستقبل أفضل والحفاظ على الأرواح المتبقّية.

يعود أوجلان في خطاباته الأخيرة مراراً إلى حقبة ما قبل سايكس بيكو، ويشير إلى سنوات طويلة من الإخاء التركي الكردي، ويلمّح المبعوث الأميركي بدوره إلى تلك الحقبة بشكل متكرّر. هذا الحنين الذي تصلنا إشاراته، يُعيدنا إلى حقبة التحالفات العثمانية الكردية ضدّ الامبراطوريات المجاورة، ولعب الكرد دور “بيضة القبّان” وإيجاد التوازنات.

ولعلّ إشارات أوجلان وباراك للماضي القريب، ليس رغبة ماضوية وإرجاع الزمن إلى الوراء ومصارعة حركة التاريخ، إنما الأمل بأن تكون هذه الإشارات هي العودة بالتاريخ وليس الماضي، لأن من شأن العودة إلى هذا التاريخ استخلاص دروس لواقع أفضل، على عكس الماضي الذي سيُبقي ويُخندق الكرد والترك داخل حلقة القوموية.

وبالتالي فإن الانتصار بالنسبة إلى أوجلان ورفاقه، مرحلياً كان أو دائماً، هو إطالة عمر المراوغة السياسية مع الدولة التركية والسورية، وعلى الأطراف السياسية الكردية الأخرى المسارعة لاستغلال المساحات المتوفّرة، ووضع الأقدام على الأرض بدل التحليق في الحلم القومي.

درج

——————————–

 ورقة الـA4 تعود بسوريا إلى ما قبل 10 آذار/ جواد الصايغ

يوم العاشر من آذار (مارس) الماضي، وبعد ساعات قليلة على زيارة قائد قوات سوريا الديمقراطية، مظلوم عبدي دمشق ولقائه بالرئيس الانتقالي أحمد الشرع والإعلان عن التوقيع على اتفاق بين قسد والسلطة الجديدة، أخبرني أحد المطلعين بشكل حثيث على الملف السوري بأن قيمة الاتفاق لا تتعدى ورقة الـA4 التي كُتب عليها.

يومها ذهب الضخ الإعلامي الكبير وبعيد الزيارة واللقاء والاتفاق باتجاه القول بأن جميع الأمور قد سُوِّيت، وأن السلطة الجديدة ستتسلم المناطق التابعة لسيطرة قسد، وذهب المتفائلون أبعد من ذلك عبر الإيحاء بأن مظلوم عبدي سيتسلم منصب نائب رئيس الجمهورية.

المصدر المطلع استند في معلوماته وتحليله بأن الطرفين أُرغما على هذا اللقاء، الشرع من جهته كان يواجه أزمة في الساحل، وبالتالي كان من الضروري الخروج بحدث على هذا المستوى لجذب الأنظار عن الأحداث التي وقعت في الأيام السابقة بغرب سوريا، بينما لم يرد عبدي صد الأبواب بوجه الأطراف الساعية إلى تحقيق تقارب بين شمال شرق سوريا والعاصمة دمشق.

وفي نظرة سريعة إلى بنود اتفاق 10 آذار يتبين جلياً بأن الطرفين اتفقا على مبادئ عامة، دون الخوض جدياً في نقاشات عميقة تثمر اتفاقاً صلباً، فالأحداث أثبتت أن دمشق تريد حكماً مركزياً بينما الأكراد يطالبون باللامركزية، والسلطة الجديدة تريد وضع يدها على الثروات في الجزيرة العربية بينما تتمسك الإدارة الذاتية بإدارة الملف، ثم إن الملف العسكري بقي بعيداً عن الحل، فقسد تريد الانضمام ككتلة واحدة بينما تريد وزارة الدفاع دمجها بشكل كامل، الأمر الذي يراه الأكراد بمثابة تذويب، وبرزت أيضاً إشكالية تسمية الجمهورية إن كانت عربية سورية، أو سورية، أو سورية ديمقراطية.

وبعد أربعة أشهر برزت الهوة بشكل كبير بين سلطة الشرع وإدارة عبدي، فاللقاء الذي جمع الأخيرة بممثلين عن الأول لم يُكتب له النجاح بل على العكس ساهم في إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، ولم تنجح محاولات مبعوث الرئيس الأميركي، طوم براك، في دفع الأكراد إلى القبول بشروط دمشق.

لقاء التاسع من تموز (يوليو) كشف أيضاً عن امتعاض كردي من دور براك الذي بدا ومن خلال حديثه أنه يميل نحو طروحات وأفكار دمشق، بعدما تحدث علناً عن عدم إمكانية نجاح الحل الفدرالي في سوريا أو بتعبير أوضح اللامركزي الذي تطالب به قسد والإدارة الذاتية، علماً بأن الأكراد سمعوا نصائح بأن لا يطالبوا بالفدرالية كي لا يخلقوا حساسية لدى الأتراك والاستعاضة عنها باللامركزية لكن تبين أن دمشق مصرة على الحكم المركزي.

ومع الفشل في التوصل لاتفاق، بدأ الحديث عن إمكانية نشوب مواجهة عسكرية في الشمال الشرقي بدعم تركي لإخضاع قسد وترويضها بالتزامن مع تخلٍّ أميركي عنها، لكن هذا الأمر ليس بالسهل في الوقت الحالي بظل الجهود التي تبذلها سلطة أحمد الشرع لتوطيد وجودها في المحافظات السورية وتعزيز نفوذها، وبناء قدراتها العسكرية والأمنية، كما أن الأكراد يتمتعون إلى حد ما برعاية أوروبية وعلى وجه الخصوص فرنسا، والأخيرة، رغم دورها منذ الثامن من ديسمبر 2024 بإظهار الدعم لدمشق، غير أنها لا تريد كسر الأكراد أمام أردوغان.

الخوف الأكبر يتمثل أيضاً في أن أي مواجهة في منطقة الجزيرة قد تفتح على الرئيس أحمد الشرع مواجهات في مناطق ومحافظات أخرى، وبالتالي سيتشتت تركيز جيشه، وإن أقدم على المعركة ثم عاد عنها بدون حسم، فإن ذلك يعني إقدام دمشق على إعطاء قسد نصراً يجعلها ترفع من منسوب شروطها، وتنتقل علناً للمطالبة بالفدرالية لا اللامركزية دون مراعاة تركيا.

ايلاف

———————————

جورج واشنطن السوري؟! تشبيه أميركي للشرع يشعل المنصات

السبت 12 يوليو 2025

بي. بي. سي.

دعا المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، توماس باراك، قوات سوريا الديمقراطية “قسد” إلى التخلي عن أحلام النظام الفيدرالي، لصالح دولة مركزية. وقطع باراك بأن “النظام الفيدرالي لا يصلُح في سوريا”، مؤكداً أن هناك طريقاً واحداً أمام قوات سوريا الديمقراطية هو “الطريق إلى دمشق”.

وفي بيان لها، أعربت القوى والأحزاب السياسية في سوريا عن قلقها البالغ إزاء تصريحات باراك، قائلة إنها “تتناقض مع دوره كوسيط لتقريب وجهات النظر وتتنافى مع الدور الايجابي الذي تلعبه الولايات المتحدة الأمريكية في تحقيق الأمن والاستقرار في سوريا”.

ولقيت تصريحات المبعوث الأمريكي تفاعلاً واسعاً في أوساط السوريين الناشطين عبر منصات التواصل الاجتماعي.

وبدايةً، انتقد البعض هذه التصريحات، معتبراً إياها تدخلاً في شأن سوريا الداخلي:

ووجّه المرصد السوري لحقوق الإنسان رسالة للمبعوث الأمريكي يذكّره فيها بأن دوره “ينبغي أن يكون دور الوسيط النزيه، لا طرفاً يعرقل التوافقات بين السوريين”.

ورأى آخرون أن هذا التصريح الأمريكي “يؤكد تفكيك قوات سوريا الديمقراطية بدون فيدرالية”.

وفي نظر هؤلاء، بدا “التخلّي الأمريكي عن قوات سوريا الديمقراطية واضحاً”:

واعتبر البعض أن مجرّد الحديث عن الفيدرالية، هو بداية الطريق لـ”تفتيت” وحدة البلاد، قائلين إن “بداية أيّ تقسيم هو محاولة القول بمشروع الفيدرالية وخلطها مع اللامركزية!”.

وتساءلوا: “ما هي مشكلة سوريا؟ هل هي الفيدرالية؟ إذن، كيف عاشت سوريا عقوداً بلا فيدرالية؟”.

واستدعى البعض “مُخطّط الشرق الأوسط الكبير”، قائلاً إن الولايات المتحدة لا تريد “سوريا فيدرالية قوية مستقبلاً”، وإن هدف واشنطن هو “تقسيم سوريا كما خطط لها مسبقاً”، وإن توماس باراك “هو الذي سيُشعل فتيل الاقتتال الداخلي الذي سيقسّم سوريا”:

مفهوم الفيدرالية

ويعرّف الباحثون السياسيون “الفيدرالية” بأنها نظام حكم يقسّم السلطة بين حكومة مركزية من جهة وحكومات محلية من جهة أخرى.

وفي النظام الفيدرالي أو الاتحادي، تحتفظ كل وحدة بحُكم ذاتي في مجالات محددة، بينما تتولى الحكومة المركزية مسؤولية الشؤون الوطنية.

ومن أبرز الدول التي تتبع نظام الحُكم الفيدرالي، الولايات المتحدة، والتي كانت مستعمرات إنجليزية، قبل أن تستقل عن إنجلترا وتتخذ فيما بينها نظاماً تعاهديا “ميثاقا” استمر العمل به حتى عام 1787 والذي شهد انعقاد مؤتمر فيلادلفيا حيث تقرر إلغاء هذا الميثاق ليحل محلّه دستور جديد يجعل من هذه الولايات دولة اتحادية (فيدرالية) هي الولايات المتحدة.

وبموجب هذا الدستور، تتمتع الولايات الأمريكية بنصيب كبير من الاستقلال الداخلي؛ فلكل ولاية دستورها الخاص، ولكل منها حاكم يُنتخَب بإجراء انتخابات عامة، كما أن لكل ولاية محاكمها الخاصة.

جورج واشنطن

وفي حديث لقناة تلفزيونية لبنانية، يوم الثلاثاء، قارن المبعوث الأمريكي توماس باراك بين تجربة رئيس المرحلة الانتقالية في سوريا أحمد الشرع من جهة، وتجربة أول رئيس للولايات المتحدة الأمريكية جورج واشنطن من جهة أخرى – وذلك من حيث الانتقال من ميدان القتال إلى بلاط السُلطة.

وقال باراك: “انظروا إلى التاريخ الأمريكي، جورج واشنطن بدأ بحربين دمويتين قبل إعلان الاستقلال، وبعد 12 عاماً، أصبح رئيساً!”.

هذه المقاربة التي ساقها المبعوث الأمريكي أثارت ردود فعل متباينة على منصات التواصل الاجتماعي السورية.

فاتفق البعض، من أنصار النظام السوري الجديد، مع ما ذهب إليه المبعوث الأمريكي، قائلاً إن “الشرع هو باني الدولة الحديثة وبأقلّ الأضرار والدماء”:

لكنْ في المقابل، شكّك آخرون في نوايا الولايات المتحدة إزاء سوريا، بالقول إن “الجهة التي فرضت العقوبات على النظام السوري (السابق) وحرّضت على حصاره دولياً. هي نفسها اليوم التي تسوّق لزعيم تنظيم القاعدة في سورية على أنه جورج واشنطن”:

يُذكَر أن جورج واشنطن (1732 -1799) كان خصماً للانفصاليين، وأنه قاد ثورة التحرير التي انتهت بالاستقلال الأمريكي عن بريطانيا في يوليو/تموز 1786، كما قاد جهوداً لإقرار النظام الفيدرالي بين الولايات الأمريكية حتى تكلّلتْ جهوده بالنجاح في عام 1787.

واختير جورج واشنطن بالإجماع ليكون أول رئيس للولايات المتحدة، مؤدياً أول قسَم دستوريّ في تاريخ البلاد في 30 أبريل/نيسان 1789.

ايلاف

—————————

المبعوث الأميركي لسوريا يحذر قسد من التأخر في الاندماج

12/7/2025

قال السفير الأميركي لدى أنقرة والمبعوث الخاص إلى سوريا توماس باراك إن وحدات حماية الشعب التي تشكل العمود الفقري لقوات سوريا الديمقراطية (قسد) ستواجه مشاكل مع الحكومتين التركية والسورية إذا لم تتحرك بسرعة فيما يتعلق بقضية الاندماج في مؤسسات الدولة السورية.

وأضاف باراك، في تصريح خاص لوكالة الأناضول بختام مؤتمر صحفي عقده مساء الجمعة بمدينة نيويورك، أن الولايات المتحدة “ستبذل كل ما في وسعها لضمان اتخاذ التنظيم المذكور قرارا عادلا وصحيحا، إذا أرادوا القدوم إلى أميركا والعيش معنا، فيمكنهم فعل ذلك”.

وعن تصريح سابق له قال فيه إن قوات سوريا الديمقراطية (قسد) هي تنظيم “وحدات حماية الشعب الكردي”، وتنظيم “وحدات حماية الشعب الكردي” هو فرع من تنظيم “حزب العمال الكردستاني”، قال باراك “لم أقل أبدا إن قسد مشتقة من تنظيم حزب العمال الكردستاني”.

وأضاف “وحدات حماية الشعب الكردي” انبثق من فروع مختلفة لتنظيم “حزب العمال الكردستاني”، أما قوات سوريا الديمقراطية فانبثقت من فروع مختلفة لتنظيم “وحدات حماية الشعب الكردي”.

وعن أسباب عدم تحقيق نتائج من محادثات (قسد) مع الحكومة السورية، قال باراك إن “جوهر القضية هو ما إذا كان سيتم الوقوف في نفس الصف مع الجمهورية العربية السورية أم لا”.

وتابع المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا “دولة واحدة، أمة واحدة، جيش واحد، هذا ما تقرره تلك الأمة، ونحن نقبل ذلك، هذه هي القضية”.

وتابع “قد ترغب كل الأقليات في بيئة فدرالية، لكن الأمر ليس متروكا لنا، ولا يحق لنا أن نحكم على النقاشات الفكرية”، مشيرا إلى ضرورة عدم فرض شكل الحكم من الخارج في سوريا أو بطريقة دمج وحماية حقوق الأقليات.

وقال “جميعا نقول، وخاصة الأمم المتحدة: إذا كنتم تريدون مساعدتنا، فهذا أمر مهم حقا، نرغب في مشاهدة الشروط التي تضعونها، نريد أن نرى ماذا ستفعلون بالمقاتلين الأجانب، هل ستقومون بدمجهم أم لا؟ أو هل ستعيدونهم إلى ديارهم أم لا؟”.

الوجود الأميركي

وفيما يتعلق بالوجود العسكري الأميركي في سوريا، أشار باراك إلى أن المعركة ضد تنظيم الدولة الإسلامية مستمرة.

وأضاف “لدينا وجود عسكري في تلك المنطقة، وسنحافظ عليه، الهدف ليس الحفاظ على هذا الوجود إلى أجل غير مسمى”.

وتابع “سنقرر مع مرور الوقت تقليص عدد هذه القوات، كما يجب تقليص عدد جميع القوات في حال تشكيل حكومة سورية مستقلة جديدة”.

وسلط باراك الضوء على المخاطر التي تكتنف عملية الاندماج في سوريا بقوله “أعتقد أن هذه فترة انتقالية لم يتحقق فيها التوافق منذ 7 أشهر، وهناك قلق من استمرار المخاوف السابقة في المستقبل”.

وأردف المبعوث الأميركي متسائلا “هل ستتصرف الحكومة السورية بعدالة؟ لسنا هنا لنفرض ذلك، بل لبدء هذه العملية”.

وذكّر بأنه أعطى في السابق رسائل مفادها أنه يجب على قوات قسد استغلال الوقت بشكل فعال من أجل الاندماج.

وردا على سؤال عن المشكلات التي قد تنشأ إذا لم يحدث اندماج تلك القوات في الجيش السوري، أوضح السفير الأميركي أن “المشكلات التي ستنشأ هي خلافاتهم مع الحكومتين السورية والتركية”.

المصدر: وكالة الأناضول

——————————-

 براك: الجيش الأميركي لا يخطط للبقاء في سوريا إلى الأبد

المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا: واشنطن تسعى لدمج “قسد” في الحكومة السورية

العربية.نت- وكالات

نشر في: 12 يوليو ,2025

أكد السفير الأميركي لدى تركيا والمبعوث الخاص إلى سوريا، توم براك، أن واشنطن لا تخطط للحفاظ على وجودها العسكري في سوريا إلى الأبد.

وقال براك في مقابلة مع وكالة “الأناضول”: “لدينا وجود عسكري في سوريا، لكننا لا نهدف إلى الحفاظ على هذا الوجود إلى أجل غير مسمى”.

وسلط الضوء على المخاطر التي تكتنف عملية الاندماج في سوريا بقوله: “أعتقد أن هذه فترة انتقالية لم يتحقق فيها التوافق منذ سبعة أشهر، وهناك قلق من استمرار المخاوف السابقة في المستقبل”.

تعاطف في الكونغرس

كما نقلت الوكالة عن براك قوله في تصريحات أدلى بها بنيويورك لمجموعة من الصحافيين، إن هناك تعاطفا في أوساط من الكونغرس الأميركي حيال تنظيم “قسد”، وإن الولايات المتحدة تسعى إلى دمج هذا الكيان ضمن الحكومة السورية.

وأوضح براك أن “هذا الأمر لا يعني أن هناك مؤشرا على إقامة كردستان حرة في سوريا، ولا يعني إقامة دولة قسد منفصلة، أو دولة علوية أو درزية مستقلة، الجميع سيكون ضمن هيكل سوريا، والتي سيصبح لها دستورها وبرلمانها الخاص”.

وأشار إلى أن بدء حزب العمال الكردستاني في التخلي عن سلاحه “يعد تطورا كبيرا جدا بالنسبة لتركيا”.

وبيّن براك أن الولايات المتحدة تحالفت سابقا مع “قسد” من أجل مكافحة تنظيم “داعش” الإرهابي، مضيفا: “ولهذا هناك شعور سائد أننا كنا شركاء معهم، ونحن مدينون لهم، لكن السؤال الأهم: بماذا ندين لهم؟ لسنا مدينين (لهم) بحق إقامة إدارة مستقلة داخل دولة”.

ودشن 30 مقاتلا من حزب العمال الكردستاني بينهم نساء، الجمعة، عملية إلقاء السلاح في مراسم قرب مدينة السليمانية بشمال العراق، بعد شهرين من إعلان المقاتلين الأكراد إنهاء أربعة عقود من النزاع المسلّح ضد الدولة التركية.

وأشادت تركيا، الجمعة، بمراسم أحرق فيها 30 مقاتلا من حزب العمال الكردستاني أسلحتهم في شمال العراق، معتبرة هذه الخطوة “علامة فارقة” و”نقطة تحول لا رجعة فيها” على طريق السلام.

——————————

========================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى