أمم رثّة: ما نتائج الانقلاب الثقافي على «اليسار»؟/ محمد سامي الكيال

يمكن تتبّع صعود ما سميّ «يساراً» في السنوات الماضية، ليصبح «التيار الرئيسي» ثقافياً، ابتداءً من ولاية الرئيس الأمريكي باراك أوباما عام 2008. قبلها كانت الأفكار الموصوفة باليسارية، على اختلافها الشديد، تياراً قوياً وفاعلاً في الثقافة الغربية، ولكن بين تيارات متعددة. ما أضافته «الأوبامية»، إن صح التعبير، هي دعمها لسلسلة مترابطة من الأفكار والمفاهيم «اليسارية»، وتحويلها إلى ما يشبه أيديولوجيا رسمية لدولة، وليس أي دولة، بل الأقوى والأكثر تأثيراً في العالم. ومن أكاديميات النخبة، مروراً بـ»المنظمات غير الحكومية»، وصولاً إلى الإعلام الجماهيري وصناعة الترفيه، فضلاً عن الجو الثقافي والسياسي العام في المدن الكبرى مثل نيويورك وسان فرانسيسكو، بدا أن «اليسار» حقق نصراً حاسماً في الحرب الثقافية الأمريكية، وأنشأ «حسّاً سليماً» جديداً، قابلاً للتصدير عالمياً. لتتصدر تعبيرات مثل «سياسات الهوية»، «الصواب السياسي»، «الووك»، و»الناشطية» (صاغ معظمها ناقدو تلك الأفكار)؛ أو تيارات مثل «ما بعد الكولونيالية»، «النسوية التقاطعية»، و»النظرية العرقية النقديّة»، الجدل الثقافي والسياسي في كل مكان، محددةً الأسئلة الأساسية، التي يدور معظم المتداخلين في الشأن العام في فلكها، سواء تبنّوها أو عارضوها بحدّة. أما اليمين الأمريكي فبدا خاسراً ثقافياً، بل ومُهدَّداً بالانقراض، مع التغيرات الديمغرافية في المجتمع الأمريكي، الذي يصبح بالتدريج ملوّناً وشاباً أكثر.
لم يبتكر أوباما بالطبع كل تلك الأفكار «اليسارية»، بل تصاعدت منذ ثمانينيات القرن الماضي، نتيجة تحولات اجتماعية واقتصادية وفكرية كبرى، مسببّة خلافات وصراعات شديدة داخل اليسار نفسه، إلا أن «الأوبامية» لم تكتف بتسييد تيار يساري معيّن في المؤسسات الأمريكية، وتصديره عالمياً، بل أنتجت أيضاً نسخاً مبسّطة منه، قابلة للتداول الواسع في الثقافة الجماهيرية والمنظمات غير الحكومية، لتضطر التيارات اليسارية الأخرى، الأكثر راديكالية وطبقيّة، أو التي تُصنّف «محافظة» بالمعايير الغربية، إلى البقاء على هوامش «الأوبامية»، سواء سياسياً وتنظيمياً، مثل حالة تيار بيرني ساندرز في الحزب الديمقراطي الأمريكي؛ أو فكرياً وثقافياً، عبر عمل عديد من الكتّاب والمفكرين النقديين على مخاطبة «الفئات الجديدة» المتأثّرة بـ»الأوبامية».
استمر هذا الوضع خلال ولاية دونالد ترامب الأولى، وجانب من ولاية جو بايدن. وكان له تأثير عالمي كبير، من «الربيع العربي» حتى الاحتجاجات المناهضة للحرب على غزة، مروراً بكثير من الحركات الاجتماعية والموجات الناشطية عبر العالم. يبدو أننا على مشارف نهاية ذلك العالم، إذ أن ما يمكن وصفه بـ»الهجوم المعاكس»، من قبل اليمين، واليمين الشعبوي، كان أقوى مما تصوّر كثير من المراقبين، إلى درجة أننا اليوم أمام ما يشبه الانقلاب الثقافي والسياسي على «اليسار»، إلا أن هذا «الانقلاب» أكثر تعقيداً من أن يكون مجرد معارضة قيم «الأوبامية» بقيم «الترامبية»، أي يمينيّة معاكسة، ضمن حرب ثقافية بسيطة، بل هو سعي لتغيير سياسي ومؤسساتي شامل، وفرض نمط جديد من الهيمنة، يستفيد من الآليات والمقولات التي استخدمها «اليسار» نفسه خلال السنوات الماضية.
تعلّم اليمين الأمريكي من «اليسار»، الاستراتيجيات الأساسية للحرب الثقافية، ومنها السيطرة على مؤسسات «المجتمع المدني»، بالمعنى العائد للمفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي، أي مجموع المؤسسات الاجتماعية والثقافية الوسيطة، التي تحقق الهيمنة الأيديولوجية؛ واستخدام الناشطين والمؤثّرين، «المتنوعين» بالمفهوم «اليساري»، لإيصال خطاب مكثّف إلى الجمهور الواسع؛ والتركيز على الثالوث الأساسي لـ»اليسار» الأمريكي: العرق، الجندر، والطبقة، بعد إضافة عنصر رابع أساسي إليه، وهو «الأمة»، التي يجب أن تعود عظيمة من جديد، بعد أن عانت طويلاً من الانحطاط اليساري. وهنا يبرز تعقيد خطاب اليمين الشعبوي المعاصر، إذ كيف يمكن استخدام مفاهيم، صيغت أساساً لتفكيك مفهوم «الأمة»، مثل الهويات الفرعيّة، التي تتقاطع عليها علاقات القوة والاضطهاد، لأجل نصرة عودة الأمم والشعوب العظيمة؟
ارتبطت الترامبية بكثير من التيارات الهوياتية، مثل حركات الهوية البيضاء، والذكورية الجديدة؛ وأيضاً نزعات عمّالية من أوساط الطبقة العاملة المُفقرة، أو المُعطّلة عن العمل، بعد نزع التصنيع الذي شهده البلد منذ عقود؛ إلا أنها استقطبت أيضاً أنماطاً جديدة من الدعوات النسائية المحافظة، الساعية لإعادة الاعتبار للأدوار الجندرية التقليدية؛ وبَنَت قاعدة صلبة وسط المواطنين والمهاجرين من غير البيض؛ كما أنها أعادت النظر بمفهوم الدور الغربي حول العالم، بل بالعلاقة مع «الشرق» والعالم غير الغربي. ما يُبرز مفهوماً جديداً للأمة، غير تقليدي على الإطلاق، يقوم على ائتلاف متعدد الفئات والمطالب والثقافات، يعي تعدديته تلك، وفي الوقت نفسه يحدد نفسه بوصفه «الشعب»، الذي يعرف ذاته وعدوّه. إنها أمة بمواصفات فريدة، لها انعكاساتها المؤسساتية والسياسية الكبيرة، ولعل السؤال الأبرز في عصر ما بعد «الأوبامية»، بكل ما ارتبط بها من تبشيرية على مستوى العالم، هو تأثير مفهوم «الأمة» الجديد هذا على منطقتنا: ما مدى قابلية الترامبية، وانقلابها الثقافي، للتصدير؟
شعبوية ديمقراطية
يبدو الائتلاف الترامبي الجديد، متعدِّدُ الفئات والمطالب، مرتبطاً بشدة بعاملين: الزعيم الشعبي الكارزمي، والحكومة غير الكبيرة، ولكن القوية. هذان العاملان أقرب لرموز، أو دوال هيمنة، يكثّفان تطلعات الائتلاف، ويجعلانه أكثر تماسكاً، كما يشكّلان ركيزة للتغيرات المؤسساتية، التي يسعى الشعبويون إلى تحقيقها. عبر الزعيم الفذ، البراغماتي، القوي، صاحب «الماضي الحافل»؛ وحوكمته الفعّالة، ولكن التي تعلن رفضها لتضخيم ذاتها، لكيلا تَحُدَّ الرخاء المتوقع من تدفّق الاستثمارات والمبادرات الاقتصادية الفرديّة، تتجاوز الشعبوية القيود البيروقراطية والقانونية، التي تعطّل إرادة «الشعب». قد يعلّق الزعيم، القانون أو يتحايل عليه، أو يغيّره؛ ويمركز في شخصه سلطات كثيرة، فوق العادة، في نوع من التواطؤ الصامت أو المعلن مع شعبه: خذ السلطة كما تشاء، وأعدنا أمة عظيمة من جديد. تبدو المؤسسات الديمقراطية التقليدية هنا عائقاً مزعجاً، ويبدو التمسّك بها نوعاً من ثرثرة النخب، التي استفادت منها طويلاً على حساب الشعب، فيما تحقيق السيادة، وهي سيادة شعبية مجسّدة بالزعيم، يتطلّب تعليق القانون، دون إلغائه تماماً. يجب أن يكون الزعيم من داخل القانون، ولكنه قادر على تجاوزه عند الضرورة، وإلا لن يكون زعيماً حقاً، وستتحلّل السيادة، ويضيع «الشعب» في هراء الليبراليين والتقدميين، فيعجز عن معرفة نفسه وأعدائه.
هكذا تعود «الأمة» من جديد، دون أن تنكر هوياتها الفرعية، ودون أن تطالب أفرادها وفئاتها بنوع من الوحدة العضوية، أو تقدّم نفسها بوصفها جسداً واحداً، أو تنظّم المجتمع في دولة شمولية متعالية. ليست الشعبوية الأمريكية فاشيّة بالتأكيد، ووصفها بذلك يتسم بعدم دقّة مفاهيمية واضحة، إلا أنها تُظهر سمات تسلّطية كبيرة ومقلقة؛ كما أنها تعيد تأسيس هوية الأمة، بناءً على قيم محافظة، بل دينية أحياناً؛ وتدمّر كثيراً من الضمانات الحقوقية والاجتماعية، للفئات الأضعف والطبقات الأدنى؛ وتقود «الشعب» إلى مغامرات سياسية واجتماعية، قد تكون مدمّرة على المدى المتوسط والبعيد؛ مع إضعاف الرقابة والمحاسبة والسلطة التشريعية. وهذا الوله بالحكّام الأقوياء، وبالحوكمة القويّة، التي لا تعبأ كثيراً بالتقاليد الديمقراطية الليبرالية، قابل للتصدير عالمياً.
من جهة أخرى، فإن الامة العظيمة البازغة، التي تصفّي حسابها مع خصومها الداخليين، أعادت تعريف دورها العالمي: إنها ليست جمعية خيريّة، أو ناشراً لقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، أو مدافعاً عن الحلفاء والدول الضعيفة، بل تعمل لأجل مصلحتها أولاً، وتعقد «الصفقات»، بناءً على مهاراتها التفاوضية، وموقعها القوي في أي صفقة محتملة. ليس بالضرورة أن تكون الصفقات عادلة، ولكنها «حرّة»: خذها أو ارفضها، وتَحَمَّل المسؤولية. وبما أن أي صفقة لها طرفان أو أكثر، فإن منطق الصفقات الخارجية هذا، سيصبح عالمياً بالضرورة، وستتبناه أي جهة أو دولة، تدخل في علاقة من الولايات المتحدة، أي الجميع تقريباً.
تساهم الترامبية في تغيير نماذج الحكم الداخلية ومنظومة العلاقات الدولية، وذلك محمول على مجموعة من المفاهيم الثقافية، التي تبدو خليطاً غريباً من الليبرالية الكلاسيكية؛ والشعبوية الحمائيّة؛ ونسخة كاركاتيرية من «ما بعد الكولونيالية»، ترفض تصدير القيم «الغربيّة» (التحررية فقط، وليس السلطوية أو الاقتصادية)؛ والمحافَظة الاجتماعية والدينية والقوميّة. هل ستعود أمريكا عظيمة من جديد؟ ليس إذا أصرّت على جعلنا «عظيمين» معها.
شعبوية ضد ديمقراطية
«الحكّام الأقوياء» خارج أمريكا ليسوا دائماً بناة ائتلافات اجتماعية تعدديّة، بل غالباً مناهضون جذريون للديمقراطية، سواءً لأسباب سلطوية بحتة، أو حتى لدوافع عقائدية. وبالتأكيد لا تهتم إدارة ترامب، كثيراً أو قليلاً، بهذا، فقد كفّت عن «نشر الديمقراطية»، ولكنها لم تكفّ على ما يبدو عن دعم وتثبيت، بل حتى فرض، الحكّام والقوى الأقرب لمصالحها ومنظوراتها.
تبدو الشعبوية ضد الديمقراطية أنسب للتطلعات الأوتوقراطية (حكم الفرد)، وكذلك للجهادية الإسلامية، الرافضة لمبدأ السيادة الشعبية نفسه، بوصفه نوعاً من الشرك، المناهض لحاكمية الله. ويمكن اعتبار نموذج الشعبوية، الضد شعبي في الوقت نفسه، أحد أهم تحولات الإسلام السياسي في السنوات الأخيرة. يحدد جانب من الإسلام السياسي اليوم، خاصة في تياراته السلفيّة، مهامه ببناء المجتمع الإسلامي أولاً، والوصول إلى النقاء العقائدي. وبالتالي فالجهاد نوع من «جهاد النفس» الموجّه للداخل، ولاستئصال الأعداء الداخليين، العقائديين والسياسيين، فيما يمكن مهادنة الخارج، والتعاون معه، إلى درجة الخضوع لكل إملاءاته، إلى حين الوصول إلى «التمكين»، أي بناء «الأمة» القوية، وهي أمة لا تعترف بتعدديتها، بل التعددية أولى مشاكلها، وهذه نقطة الالتقاء والاختلاف الأولى، في الوقت نفسه، مع الشعبوية الأمريكية.
نقطة اللقاء/الاختلاف الثانية، هي الإعجاب بالحوكمة القويّة، والزعيم القادر على تعليق القانون عندما يشاء، ولكن بدلاً من الآليات الديمقراطية الاعتيادية، وعلى رأسها الانتخابات، تصبح إرادة الزعيم، والشبكة العميقة التي يعيّنها من «أهل الحل والعقد» (قد يُسمَّون «شرعيين»، «مشايخ» أو «أمراء») هما الطريق الأكثر فعالية لتطبيق الحاكمية الإلهية، مع ملاحظة أمر غريب بعض الشيء: الزعيم قد يتجاوز الشرع الإسلامي نفسه، ويعلّقه في بعض المواضع، في سبيل تحقيق السيادة الإلهية الحقيقية، و»تمكين» المجاهدين، تماماً كما يفعل الشعبوي الغربي مع القانون الوضعي المدوّن. وربما يمكن تأصيل ذلك شرعياً وفقهياً، باعتباره ضرورات تبيح المحظورات.
أما النقطة الثالثة فهي الشعب/الأمة. في الحالة الإسلامية السلفية يُدمج الشعب في دين الأمة والدولة، الذي تصبح نصرته تحقيقاً أتوماتيكياً لما يجب أن تكون عليه إرادة الشعب، المُحَدَّد بشكل قَبَلي بوصفه شعباً مسلماً، أي أن الشعب، كي يصير شعباً أصلاً، يجب أن يكون مسلماً، ويحسُن إسلامه، وذلك لا يكون بإعطائه الحاكمية، بل بإعادة تربيته مجدداً، وضمان نقائه العقائدي.
يبدي هذا النمط الجديد من الإسلام السياسي سمات فاشية بدائية Proto-fascism أكثر بكثير من الشعبوية الغربية، فهو قائم على نزعة إلغائية؛ وذاكرة إمبراطورية؛ وميل مُشدّد للأحادية؛ وعدم اعتراف بالحريات الأساسية، الفردية والسياسية، ومنها حرية المعتقد والتعبير؛ ونزعة معادية للتنظيم الاجتماعي المستقل، بناءً على تعددية المواقع والمصالح الاجتماعية؛ وكذلك معادية للثقافة الرفيعة؛ واصطفافٍ حول الدولة والزعيم القوي؛ وتحديدٍ واضحٍ للعدو، الذي لن تقوم الأمة، بوصفها جسداً عضوياً واحداً، إلا باستئصاله. ولكنّ الأخطر أنه يجد في الشعبوية الغربية حليفاً طبيعياً، ويلخّص السياسة في التعاون معها واسترضائها، فيما الداخل، المُجهّز لعمليات الاستئصال، محروم من السياسة بالطبع.
يبدو أننا سنشهد نمطاً جديداً من الأمم الرثّة، في الغرب والشرق، بناء على الرثاثة الاجتماعية والأيديولوجية التي تتأسّس عليها، ومعاداتها للفكر والتقليد المتحضّر، ما يجعل التفكير في سبل مواجهة تلك «الأمم»، المهمة الأساسية لليسار المعاصر، ولكن دون البكاء على «اليسار الجديد»، العتيق جداً اليوم، والذي تمّ ضده الانقلاب، وساهم في إيصالنا إلى هنا.
كاتب سوري
القدس العربي



