العدالة الانتقالية تحديث 15 تموز 2025

لمتابعة هذا الملف اتبع الرابط التالي
—————————————–
سبعة شهور من سوريا الجديدة | سنجق عرض | حسام جزماتي
في الحلقة الأولى من بودكاست “سنجق عرض”، يقدم حسام جزماتي جردة لأبرز محطات الحكم الجديد في سوريا في شهوره السبعة الأولى. من آليات إدارة الدولة والمؤسسات إلى ملفات العدالة الانتقالية والسلم الأهلي، يتساءل: هل حان الوقت لتقييم هذه التجربة؟
———————————–
تحديات العدالة الانتقالية: الموازنة الصعبة بين العدالة والأمن في سوريا/ فراس فحام
من أهم التحديات التي قد يواجهها الحكم الجديد في تعامله مع ملف العدالة الانتقالية، تآكل بعض شعبيته التي حازها بإسقاطه نظام الأسد، وازدياد منسوب الاضطراب المجتمعي، لاسيما أن بعض ذوي الضحايا قد يذهبون نحو الانتقام لاعتقادهم عدم تحقق العدالة.
14 يوليو 2025
مقدمة
أطلقت السلطات السورية، في الثلث الأول من يونيو/حزيران 2025، سراح العشرات من الضباط والعناصر الذين عملوا سابقًا في صفوف “جيش بشار الأسد” وتم توقيفهم بعد سقوطه، ثم الإفراج عنهم دون محاكمات؛ مما أثار المزيد من الجدل حول مدى قدرة أو رغبة السلطات السورية بتطبيق العدالة الانتقالية، خاصة أن السلطة الحالية بادرت عندما كانت تعمل تحت اسم” إدارة العمليات العسكرية” إلى إجراء تسويات واسعة لعناصر وضباط سابقين ضمن جيش بشار الأسد بعيد فرار الأخير خارج البلد؛ حيث شملت هذه التسويات قيادات كبيرة منها قائد فرقة الحرس الجمهوري، اللواء طلال مخلوف، المتهم بارتكاب انتهاكات وفقًا لتقارير حقوقية.
وقد أثار هذا الإجراء جدلًا كبيرًا في الأوساط السورية حول مدى التزام السلطات بالعدالة الانتقالية، مع مطالبات بالإسراع في تطبيقها، لاسيما أن حوادث أخرى سابقة أكدت ضرورة الشروع في هذا الملف جديًّا ومنها الأحداث التي وقعت في الساحل السوري، شهر فبراير/شباط 2025، وتمثلت بهجوم لعناصر وضباط سابقين في نظام الأسد ضد قوات حكومية.
والجدير بالذكر أن مخرجات الحوار الوطني، في شهر فبراير/شباط 2025، تضمنت توصية واضحة للسلطة الانتقالية السورية بإطلاق مسار العدالة الانتقالية بناء على مطالب الشعب، وبناء على هذه التوصية تم تضمين الإعلان الدستوري، الصادر في مارس/آذار من العام ذاته، بندًا ينص على تشكيل الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية لتكون ركيزة أساسية في بناء الدولة، وبالفعل أعلنت الرئاسة السورية بعد قرابة شهرين عن تشكيل الهيئة برئاسة عبد الباسط عبد اللطيف، على أن يقوم بتشكيل الفريق ويشرف على صياغة النظام الداخلي للهيئة في فترة لا تتجاوز 30 يومًا، كما تم تأسيس هيئة خاصة بالمفقودين.
إلى وقت قريب، لم تظهر أي مؤشرات على إقلاع عمل هيئة العدالة الانتقالية؛ مما زاد في حالة القلق الشعبية حول إمكانية الإفلات من العقاب.
تبحث هذه الورقة في مسار العدالة الانتقالية والتصورات المطروحة حولها في الحالة السورية، وماذا حققت السلطات السورية من خطوات في هذا المسار، والتحديات التي تواجهه، بالإضافة إلى المآل المتوقع له.
أولًا: تصورات حول العدالة الانتقالية
يتسم مصطلح “العدالة الانتقالية”، الذي تبرز أهميته في الدول التي تشهد صراعات وحروب، بالمرونة الكبيرة كونه لا يستند إلى قواعد قانونية واضحة، ويختلف تطبيقه من بلد لآخر تبعًا للظروف. طرحت المنظمات الحقوقية والمراكز البحثية السورية تصورات عديدة حول الكيفية التي سيتم من خلالها تطبيق العدالة الانتقالية في سوريا، بعضها أعطى الأولوية لقبول الدعاوى الفردية، وبعضها الآخر زاوج بين العدالة والمصالحة، مع مطالبات بسنِّ قوانين عزل سياسي لأنصار “نظام بشار الأسد”.
تبنَّت بعض الأطروحات الحقوقية النهج الشامل لآلية تطبيق العدالة الانتقالية، والتي تتضمن المساءلة الجنائية، وكشف الحقيقة وتقصي الحقائق، وجبر الضرر والتعويض، والإصلاحات المؤسسية، بحيث تتولى إدارة موحدة تتبع لهيئة العدالة الانتقالية الإشراف على التنفيذ بما يضمن تطبيق البنود المذكورة أعلاه بشكل متوازٍ(1).
أيضًا، أشارت بعض التصورات إلى إيجاد مقاربات خاصة بالحالة السورية نظرًا لخصوصيتها، سواء فيما يتعلق بطول فترة الصراع وما تخللها من جرائم وانتهاكات، أو نظرًا لتفكك شبه كامل لمؤسسات الدولة مع سقوط نظام الأسد وما يفرضه هذا الواقع من العمل على إعادة بناء المؤسسات بما فيها القضاء، مع اقتراح تشكيل لجان وهيئات حقوقية مساندة(2).
بالمقابل، صدرت دعوات حقوقية دولية للسلطات السورية بالاستفادة من التجارب الناجحة لآليات الأمم المتحدة ومنظمات الضحايا مثل المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في الجمهورية العربية السورية التابعة للأمم المتحدة، بما يكفل للضحايا والناجين في المجتمع السوري المشاركة الفاعلة في تصميم عملية العدالة الانتقالية وتحديد أهدافها، والمساهمة في تنفيذها(3).
عمومًا، تشهد الأوساط السورية نقاشات حول الآلية الأنفع لتطبيق العدالة الانتقالية، مع استحضار نماذج تاريخية مثل حالة الأرجنتين وتشيلي التي امتازت بتغليب جانب العفو على الاستقرار، أو حالة جنوب إفريقيا التي اتصفت بمنح العفو مقابل الاعترافات وتبيين الحقائق، أو ألمانيا الشرقية ورواندا اللتين غلَّبتا مفهوم المساءلة على العفو. مقابل هذا الجدل الحقوقي والشعبي، تبدو الإدارة السورية الجديدة متحفظة على الاستغراق في الحديث عن العدالة الانتقالية، فبعد مرور أكثر من شهر على تشكيل الهيئة الخاصة بهذا الشأن لم يتم الإفصاح عن النهج الذي ستتبعه، واكتفت فقط بنشر توعية بخصوص العدالة الانتقالية، وإطلاق موقع لتلقي الشكاوي(4).
لا يظهر حتى اللحظة أي أدلة على أن السلطات السورية اعتمدت أيًّا من التصورات السابقة، والواضح أن مراعاة الحساسية السياسية والمواقف الخارجية تؤثر لحدٍّ كبير في سلوك الحكومة المتعلقة بالعدالة الانتقالية، إضافة إلى اعتبارات ضبط الأمن. فعلى سبيل المثال، اعتقلت رموزًا “دينية سُنية” ساندت نظام الرئيس الأسد على غرار مفتي سوريا السابق، أحمد حسون، في حين جنَّبت تطبيق العدالة على رجال دين مسيحيين ودروز ومنهم من أظهر دعمه لنظام الأسد، وظهر في أكثر من مناسبة إلى جانب قادة ميليشيات مساندين للأسد، ومنهم من بارك التدخل العسكري الروسي لصالح نظام الأسد، أو أيَّد ميليشيات للنظام السابق مرتبطة بقاعدة حميميم الروسية.
على الرغم من أهمية هذه التصورات، لكن تبقى أقرب إلى النظريات المبدئية والتجارب التاريخية، نظرًا لعدم ربطها بشكل ما بالحالة السورية، وتحويلها إلى خطوات عملية تنطلق من معطيات الواقع السوري.
ثانيًا: خطوات الإدارة السورية في سياق العدالة الانتقالية
ركزت السلطة السورية الجديدة على إعطاء الأولوية للسلم الأهلي والاستقرار وإصلاح بعض المؤسسات؛ حيث أسست لجنة السلم الأهلي، شهر مارس/آذار 2025، بعد مدة قصيرة من الأحداث الأمنية التي اندلعت في الساحل السوري جرَّاء هجوم فلول نظام الأسد على مواقع للأمن والجيش السوريين، وما تخللها من سقوط قتلى مدنيين جرَّاء الاشتباكات بين الأطراف؛ حيث ضمَّت اللجنة مستشارًا سابقًا لبشار الأسد من “الطائفة العلوية”، في إشارة إلى الرغبة باحتواء التوتر المتصاعد في منطقة الساحل السوري ونزع فتيل أبعاده الطائفية(5).
أيضًا، عملت الإدارة السورية على استيعاب الفصائل المسلحة عمومًا ضمن مؤسستي الجيش والأمن، سواء كانت محسوبة في السابق على المعارضة، أو محلية محايدة كما هو في حالة السويداء. والأمر ذاته ينطبق على قسد التي تتفاوض معها الإدارة السورية على آلية اندماجها ضمن مؤسسات الدولة وخاصة الجيش، دون الحديث عن الحقبة الماضية، أو إشارة إلى دور العدالة الانتقالية في هذا المسار. وهذا مرده إلى إعطاء أولوية للاستقرار وقطع الطريق على تجدد النزاع المسلح فيما يبدو، وتغليب المصالحة السياسية والوطنية على الحقوق الفردية وجبر الضرر ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات(6).
الملاحظ أن الحكومة السورية لم تتردد في التفاوض مع شخصيات لديها تحالف مع قيادات سابقة في نظام الأسد كما حصل مع الشيخ حكمت الهجري، أحد مشايخ عقل الدروز، الذي يدين له “مجلس السويداء العسكري” بالولاء، وهذا المجلس يضم في صفوفه ضباطًا سابقين في نظام الأسد. كما لجأت الحكومة أيضًا إلى قيادات سابقة في النظام بهدف إخماد حالات تمرد مثل التعاون مع فادي صقر، أحد قيادات الدفاع الوطني الذين ساندوا جيش بشار الأسد، على الرغم مما أحدثه هذا النهج من ردود أفعال شعبية وحقوقية، واتهامات للحكومة بأنها تتجاهل مسار العدالة الانتقالية(7).
إصرارًا على نهج الاحتواء وتعزيز المصالحة، فتحت وزارة الداخلية السورية الباب أمام عودة ضباط سابقين في حقبة الأسد إلى الوزارة، بمن فيهم الضباط العلويون، وجاء هذا التدبير بعد أكثر من شهرين على الهجمات التي نفذتها “فلول الأسد” التي تضم ضباطًا وعناصر من الساحل السوري ضد الأجهزة الأمنية الجديدة، في خطوة تعكس الرغبة بالحفاظ على الاستقرار خاصة في منطقة الساحل السوري عبر إشراك عناصر محلية في أجهزة الأمن. خاصة وأن الخطوة تمت بالتوازي مع إطلاق سراح العشرات من العناصر والضباط ومن “الطائفة العلوية” الذين عملوا سابقًا في جيش الأسد ودون محاكمات(8).
اتخذت الحكومة السورية الجديدة عدة خطوات لإصلاح جهاز القضاء، منها إلغاء “محكمة الإرهاب”، وإحالة العشرات من القضاة إلى التحقيق، وعزل العشرات من القضاة الذين عملوا سابقًا ضمن “محكمة الإرهاب” التي استخدمها نظام الأسد في تجريم عشرات الآلاف من السوريين، بالإضافة إلى القيام بتحقيقات مسلكية وإدارية بحق قضاة ضمن وزارة العدل. كما دعت الوزارة المتضررين من ممارسات أو انتهاكات القضاة المعزولين للتقدم بشكاوى ضدهم، وأكدت الوزارة التزامها باستكمال الإصلاح القضائي لتعزيز ثقة المواطنين بالمؤسسة(9).
تحرص الحكومة السورية على تحقيق نوع من التوازن بين المحافظة على الاستقرار، ومنع حصول توتر مع مكونات المجتمع السوري، وبين إبراز جهودها في ملاحقة مرتبكي الانتهاكات. لذا تقوم من حين لآخر بالكشف عن اعتقالها قيادات سابقة في نظام الأسد متورطة بالانتهاكات، بالتوازي مع عقد المصالحات والتفاهمات والعفو عن موقوفين، وكان آخر هذه القيادات التي تم اعتقالها وسيم الأسد الذي كان يشرف على ميليشيات متورطة بانتهاكات وتهريب للمخدرات. واللافت أن إعلان القبض عليه أتى بعد أسابيع من تأكيد الحكومة تعاونها مع قيادات سابقة في نظام الأسد مما أتاح لها إسقاط الأخير، في سياق تبرير ظهور “فادي صقر” إلى جانب مسؤولين حكوميين في العاصمة، دمشق(10).
بالمحصلة، هناك مطالبات حقوقية مستمرة للحكومة السورية بالعمل على سن قوانين للعدالة الانتقالية بعد تأسيس مجلس تشريعي، وعدم الاكتفاء بمعالجة هذا الملف عبر مراسيم تنفيذية، لأن التشريعات تضمن زيادة فاعلية هيئة العدالة الانتقالية، بالإضافة إلى المطالبة بتوفير الاستقلالية للهيئة عن طريق تشريعات خاصة تمنع وتحول دون التدخل في عملها، مع الالتزام بالشفافية في هذا المسار.
ثالثًا: التحديات والمستقبل
من الواضح أن مسار تطبيق العدالة الانتقالية في سوريا يعترضه العديد من التحديات، منها ما هو مرتبط بطبيعة العدالة الانتقالية ذاتها، ومنها ما هو متعلق بحساسية الوضع السوري لجهة طول أمد الصراع وتعدد الجهات المتدخلة فيه، إلى جانب خصوصية المجتمع السوري متعدد الأديان والطوائف. من أهم هذه التحديات:
انهيار المؤسسة الأمنية وصعوبات حفظ الأدلة: تواجه عملية العدالة الانتقالية إشكالية متعلقة بغياب الحقائق وطمس الكثير من الأدلة بعد هروب الكثير من القيادات الأمنية في النظام السابق خارج سوريا، مع حرق وثائق في بعض الأفرع الأمنية والسجون، كما أن بعض الوثائق تعرضت للعبث بها من قبل الجمهور الذي اندفع للدخول في بعض السجون بحثًا عن ذويهم المفقودين. لا يعني ما سبق أن جميع الوثائق والشهادات التي تثبت التورط بالانتهاكات أو تُبيِّن مصير المفقودين قد أُتلفت، لكن جمع ما تبقى منها واستخراج المعلومات منه لن يكون عملية سهلة(11).
عدم إصلاح المؤسسات: تطبيق العدالة الانتقالية يتطلب وجود مؤسسات لديها الحد الأدنى من الاستقرار، خاصة القضائية، وهذا يعترضه عوائق عديدة، أهمها: أن هناك مؤسسات انهارت بالكامل بحكم ارتباطها بالنظام السابق وليس بالدولة، ويتم بناؤها من نقطة الصفر مثل الجيش والأمن. كما أن إصلاح القضاء يتطلب وجود كوادر لم تكن متورطة بالانتهاكات لصالح النظام السابق، وهذا يحتاج فترات من الزمن؛ مما يعني طول المدة الزمنية الفاصلة قبل الشروع في تطبيق العدالة الانتقالية. وهنا الإشارة إلى أن إصلاح المؤسسات مرتبط باستكمال رفع العقوبات، وقد قطعت شوطًا جيدًا هذه العملية، وتوفير التمويل اللازم بعد إطلاق مشاريع استثمارية واستكمال بناء المؤسسات، خاصة في حالة سوريا التي انهار فيها الجيش والأمن وكان القضاء حينها أداة بيد النظام السابق لا يتمتع بأي استقلالية.
الاعتبارات العرقية والطائفية: يمتاز المجتمع السوري بتنوع طائفي وعرقي وعشائري. ونظرًا للحرب التي عصفت بالبلاد على مدار 14 عامًا ارتفعت الحساسية بين المكونات الشعبية المختلفة، ومن الواضح أن الإدارة السورية تراعي هذه الحساسية ويظهر هذا من خلال محاولة إشراك شخصيات في مسار السلم الأهلي والعدالة الانتقالية، وإن كانت تتبع للنظام السابق أو لديها علاقات مع رموزه، على غرار خالد الأحمد أو فادي صقر. أو من خلال تجنُّب الاعتقالات لقيادات في النظام السابق معروف عنها تورطها في الانتهاكات، مثل “يعرب زهر الدين”، وهو نجل “عصام زهر الدين”، الضابط السابق في الحرس الجمهوري للنظام السابق، وكان مرتبطًا أيضًا بالمكتب الأمني التابع للفرقة الرابعة التي كان يديرها شقيق بشار الأسد. وقد امتنعت الحكومة الجديدة عن اتخاذ إجراءات بحقه، على ما يبدو لتسهيل إنجاز تفاهمات مع الطائفة الدرزية في الجنوب، ويمكن القول: إن الأمر ذاته ينطبق على ضباط سابقين آخرين من محافظة السويداء.
سياقات التغيير في سوريا: حصل التغيير في سوريا بعد صراع مسلح طويل، ولم تكتمل فصوله بعد؛ حيث لا تزال مناطق تحت سيطرة فعلية من قسد، وأخرى لم تفرض السلطة الجديدة فيها سيادتها بالكامل كما في حالة السويداء، وهذا بطبيعة الحال يحول دون استكمال إجراءات العدالة الانتقالية خاصة إذا ما أضفنا له الخلفية “الإسلامية” التي تنتمي لها الإدارة السورية الحالية، والحساسية الدولية تجاهها، ورغبتها بعدم زيادة هذه الحساسية من خلال الإصرار على فرض سيطرتها بالقوة على بعض المناطق، خشية أن يتم تفسير الأمر على أنه عنف طائفي.
الموازنة بين الأمن والعدالة: شهدت الأشهر الستة الأولى من عمر الحكم الجديد تباينًا في الأولويات، بين المتضررين الذين يتوقعون من السلطة الجديدة إنصافهم والاقتصاص لمرتكبي الانتهاكات، وبين السلطة التي تسعى للموازنة بين الاعتبارات الأمنية والسياسية وتحقيق العدالة. إن تقديم الحكومة السورية اعتبارات السلم الأهلي والاستقرار على باقي عناصر العدالة الانتقالية، يؤكد أنها ستمضي في العمليات الأمنية ضد خلايا تتبع للنظام السابق، لكن ليس لدوافع الاقتصاص منها وإنما لاعتبارات تتعلق ببسط الأمن والاستقرار وضمان عدم تنفيذها هجمات جديدة، وهذا لا يمنع أنها ستتيح المجال أمام هيئة العدالة الانتقالية التي تم تشكيلها لتتقصَّى الحقائق وتجمع أدلة لمحاكمة بعض المتورطين بانتهاكات، لكن دون أن تؤدي هذه الجهود إلى نسف الخطوات التي حققتها الحكومة في سياق استقطاب باقي المكونات السورية لصالح وحدة البلاد، خاصة في ظل وجود مكونات تلوِّح بمطلب الفيدرالية أو الحماية الدولية مع كل ضغط تتعرض له. وعلى الأرجح ستعمل الحكومة على إتاحة المجال أمام محاكمة قيادات أمنية وزعماء ميليشيات محسوبين على النظام السابق، لأن محاكمة مثل هذه الشخصيات لن تكون محل جدل كبير، كما ستسهم في تهدئة المزاج الشعبي الذي عبَّر في أكثر من موضع عن استيائه من المسار الحالي للعدالة الانتقالية. ومن المتوقع أن تقتصر هذه الإجراءات على بعض المرتبطين بالنظام السابق دون أن تشمل أطرافًا أخرى تسعى الحكومة لاحتوائها، سواء كانت تشكيلات عملت سابقًا مع المعارضة السورية، أو مكونات عرقية وطائفية.
ومن التحديات التي ستظل تواجه الإدارة الجديدة وقد تتطلب منها تغيير النهج المتبع حاليًّا في مسألة العدالة الانتقالية، الخشية من تآكل شعبيتها تدريجيًّا، وهي التي حازت ما يشبه الشرعية الشعبية الثورية كونها قادت عملية إسقاط نظام بشار الأسد، وكذلك الخشية من ازدياد منسوب الاضطراب المجتمعي، نظرًا لوجود توجه لدى بعض ذوي الضحايا والمفقودين للقيام بأعمال انتقام يعتقدونها مبررة بسبب ما يرونه “تقصيرًا” من السلطة في تطبيق العدالة ومحاكمة المسؤولين عن جرائم النظام السابق.
خاتمة
إن طبيعة تكوين المجتمع السوري العرقي والإثني، إضافة إلى الآثار التي نجمت عن سنوات صراع طويلة منذ عام 2011، وما تخللها من تدخلات دولية إلى جانب أطراف الصراع، واستمرار الرغبة الدولية بالتدخل في الشأن السوري لاعتبارات مصلحة وأمنية، كلها عوامل جعلت من الحالة السورية ذات خصوصية لا يمكن معها اعتماد نموذج تاريخي محدد من نماذج تطبيق العدالة الانتقالية دون أخذ الواقع السوري بالاعتبار، وقد تلجأ السلطات لتغليب أولوية جانب السلم الأهلي على بقية الجوانب، رغم أن الضرورة لمحاسبة المتورطين بالانتهاكات، ستبقى دائمًا حاضرة.
على العموم، إن خصوصية الحالة السورية لا تبرر عدم إعلان الدولة خطة واحدة لتطبيق العدالة الانتقالية، وترك المسار لاجتهادات السلطات التنفيذية وفق اعتبارات الواقع، وغالبًا ستجد الإدارة السورية نفسها بعد فترة من الزمن أمام مفترق طرق، فإما أن تستمر بالنهج ذاته وتغامر بحالة الاستقرار والتأييد الشعبي، أو تذهب باتجاه بلورة نموذج واضح لتطبيق العدالة الانتقالية، مع سَنِّ قوانين يتم الاستناد إليها لإضفاء طابع قانوني على هذا النهج.
نبذة عن الكاتب
فراس فحام
باحث مهتم بالصراعات في منطقة الشرق الأوسط والعلاقات الدولية، رئيس وحدة الدراسات في مركز أبعاد، له العديد من الأوراق التحليلية حول سياسات الفاعلين الدوليين في سوريا ومنطقة الشرق الأوسط، منها: إيران وحرب غزة: التحديات والفرص والنهج المحتمل، محركات الانفتاح الدولي والعربي على النظام السوري ومآلاته.
مراجع
1.رؤية الشبكة السورية لحقوق الإنسان عن العدالة الانتقالية في سوريا، الشبكة السورية لحقوق الإنسان، 17 أبريل/نيسان 2025، (تاريخ الدخول: 18 يونيو/حزيران 2025)، https://short-link.me/11bky
2.العدالة الانتقالية وأهمية إنضاج المقاربة السورية، مركز الحوار السوري، 26 ديسمبر/كانون الأول 2024، (تاريخ الدخول: 18 يونيو/حزيران 2025)، https://short-link.me/10VtA
3.هيئة العدالة الانتقالية السورية: فرصة ضائعة لعدالة تركز على الضحايا، هيومن رايتس ووتش، 19 مايو/أيار 2025، (تاريخ الدخول: 18 يونيو/حزيران 2025)، https://short-link.me/15kPY
4.خطة للتوعية ومنصة لشكاوى العدالة الانتقالية في سوريا، الجزيرة نت، 23 مايو/أيار 2025، (تاريخ الدخول: 19 يونيو/حزيران 2025)، https://short-link.me/11bsS
5.خالد الأحمد.. مستشار الأسد وصديق الشرع ورجل السلم الأهلي، الجزيرة نت، 28 مايو/أيار 2025، (رابط الدخول: 19 يونيو/حزيران 2025)، https://aja.ws/munazu
6.وزير الدفاع السوري: التقينا نحو 130 فصيلًا وحققنا نجاحًا في عملية دمجهم ضمن الوزارة، قناة الجزيرة، 27 مايو/أيار 2025، (تاريخ الدخول: 20 يونيو/حزيران 2025)، https://short-link.me/11bOD
7.فادي صقر متهم بمجزرة التضامن أثار التصالح معه حفيظة السوريين، الجزيرة نت، 11 يونيو/حزيران 2025، (تاريخ الدخول: 20 يونيو/حزيران 2025)، https://aja.ws/6z030q
8.وفقًا لمصادر في وزارة الداخلية السورية، يوجد توجه لدى الدولة السورية لاحتواء أبناء الطائفة العلوية لتقليص حجم الناقمين بسبب الشعور بالتهميش، وبالتالي قطع الطريق على عمليات مسلحة جديدة، مقابلة أجراها الباحث مع المصادر، في 20 يونيو/حزيران 2025.
9.وزارة العدل السورية تعلن مرسومًا رئاسيًّا يعزل قضاة محكمة الإرهاب الملغاة، موقع تليفزيون سوريا، 13 يونيو/حزيران 2025، (تاريخ الدخول: 21 يونيو/حزيران 2025)، https://short-link.me/15lrF
10.جدل غير مسبوق في سوريا بسبب قضية العفو وفادي صقر، عربي 21، 11 يونيو/حزيران 2025، (تاريخ الدخول: 21 يونيو/حزيران 2025)، https://short-link.me/11b-j
11.من المسؤول عن إتلاف المستندات والوثائق في الأفرع الأمنية السورية، العربي الجديد، 12 ديسمبر/كانون الأول 2024، (تاريخ الدخول: 22 يونيو/حزيران 2025)،
مركز الجزيرة للدراسات
——————————–
من فرع الخطيب إلى فرانكفورت… هكذا حاسبت ألمانيا مجرمي الحرب السوريين/ مصطفى الدباس
12.07.2025
ما أثبتته ألمانيا هو أن العدالة لا تحتاج إلى أرض قريبة بقدر ما تحتاج إلى ضمير حيّ وإرادة لا تخشى المواجهة. هناك، وجدت شهادات السوريين طريقها إلى المحكمة، لا بوصفها صرخات في الفراغ، بل كأدلّة دامغة، وتحوّلت الصور التي كانت تهرّب خفية من غرف الموت، إلى مستندات رسمية تقود إلى الإدانة، ولم يعامل الألم كعبء على السلم، بل كحقيقة لا يمكن بناء مستقبل من دون مواجهتها.
من كان يظنّ أن الطريق إلى العدالة في سوريا يبدأ من فرانكفورت؟ وأن الجلّاد الذي كان يعتقد أنه نجا بنفسه حين وصل إلى ألمانيا لاجئاً، كان في الحقيقة يشقّ طريقه، بخطى واثقة، نحو قاعة محكمة ألمانية؟ من كان ليتخيل أن محكمة تبعد عن دمشق أكثر من أربعة آلاف كيلومتر، وتفصلها عنها حدود وقارات ولغات، ستكون أكثر جدّية في ملاحقة مجرمي الحرب السوريين من أي مؤسّسة قضائية داخل البلاد التي نزف فيها كلّ شيء؟
في مفارقة يصعب تصديقها لولا أنها حدثت فعلاً، وجد بعض المتورّطين في جرائم تعذيب وقتل داخل معتقلات الأسد أنفسهم، لا في منفى آمن، بل أمام قضاة ألمان يقرأون ملفّاتهم بصبر شديد، ويستمعون إلى شهادات ضحاياهم بلغات مترجمة، ويصدرون في النهاية أحكاماً لا تهاون فيها.
رجال الأسد يحاكَمون في المنفى
في مدينة كوبلنس، بدأت أولى المحاكمات التي ستُعرف لاحقاً بمحاكمة فرع الخطيب، حين اعتُقل العقيد السابق أنور رسلان العام 2019، بعدما لجأ إلى ألمانيا محاولاً الإفلات من تاريخه في إدارة أحد أكثر فروع المخابرات شهرة في دمشق. لم ينجُ من المحاسبة، وفي كانون الثاني/ يناير 2022، أصدرت المحكمة حكمها بالسجن المؤبّد، بعد إدانته بارتكاب جرائم ضدّ الإنسانية، شملت تعذيب أكثر من أربعة آلاف معتقل، ومقتل ما لا يقل عن 58 شخصاً داخل الفرع الذي كان يترأسه.
ولم يكن رسلان وحده، ففي القضيّة ذاتها، أُدين إياد الغريب، وهو عنصر سابق عمل تحت إمرته، بالسجن أربع سنوات ونصف السنة، بعدما ثبت أنه شارك في عمليّات توقيف مدنيين سلميين وتحويلهم إلى آلة التعذيب في الخطيب، وشكّلت هذه المحاكمة سابقة عالمية، كونها الأولى التي تنظر في جرائم النظام السوري عبر آليات قانونية أوروبية مستقلّة، وتفتح الباب أمام مساءلة من كانوا يعتبرون أنفسهم في مأمن من القانون.
بعد كوبلنس، توجّهت الأنظار إلى فرانكفورت، حيث خضع الطبيب السوري علاء موسى للمحاكمة بتهم تعذيب وقتل معتقلين داخل مستشفيات النظام. ولم ينكر موسى، الذي كان يعمل في مشفى المزّة العسكري، وجوده في سوريا خلال تلك السنوات، لكن إفادات عشرات الشهود من زملاء وضحايا، روت قصصاً مفزعة عن عمليات قتل بالإبر، وحرق مباشر باستخدام الكحول، وبعد ثلاث سنوات من المحاكمة، صدر الحكم في حزيران/ يونيو 2025 بالسجن المؤبّد، مع توصيف الجريمة كجزء من هجوم ممنهج على المدنيين.
وفي شباط/ فبراير 2023، أُدين موفّق الداوة، وهو عضو سابق في ميليشيا “حركة فلسطين الحرّة”، بالسجن المؤبّد، بعد أن ثبت أنه أطلق قذيفة مضادّة للدروع على تجمّع للمدنيين في مخيم اليرموك أثناء توزيع مساعدات إنسانية، ما أدّى إلى مقتل أربعة أشخاص.
وفي هامبورغ، أصدرت المحكمة في كانون الأول/ ديسمبر 2024 حكماً بالسجن عشر سنوات على أحمد. ح، وهو قائد ميليشيا محلّية، بعد إدانته بإدارة حواجز مسؤولة عن التعذيب والابتزاز والعمل القسري بحقّ المدنيين.
ولم تقتصر المحاكمات على من تمّ توقيفهم داخل ألمانيا، ففي حزيران/ يونيو 2018، أصدرت السلطات مذكّرة توقيف دولية بحقّ مدير إدارة المخابرات الجوّية السابق جميل حسن، بتهمة الإشراف على منظومة تعذيب وقتل منهجية، جرت داخل مراكز الاعتقال التابعة لجهازه خلال السنوات الأولى من الثورة السورية.
كما طالت المحاكمات أيضاً، شخصيات بارزة من فصائل معارضة متطرّفة، كما في حالة سليمان. س، العضو السابق في تنظيم “جبهة النصرة”، الذي أُدين في عام 2017 بالسجن ثلاث سنوات ونصف السنة، بعد ثبوت تورطه في جريمة اختطاف داخل سوريا. ورغم أن انتماءه لا يرتبط بالنظام، إلا أن قضيّته تمثّل مرجعاً مهماً لفهم اتّساق المعايير القضائية الألمانية في التعامل مع الجرائم الجسيمة، أياً كان الفاعل، وأياً كانت خلفيته السياسية.
كيف نجحت ألمانيا في بناء “العدالة” خارج الزمان والمكان؟
اعتمدت ألمانيا في محاكماتها على قانون الجرائم ضدّ القانون الدولي (VStGB) الذي أُقرّ العام 2002، والذي يمنح القضاء صلاحيّة ملاحقة مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضدّ الإنسانية والإبادة الجماعية، من دون الحاجة إلى أن يكون للجريمة أي صلة مباشرة بألمانيا. وشكّل المبدأ المعروف بالولاية القضائية العالمية، الأرضية القانونية التي انطلقت منها أولى القضايا المتعلّقة بسوريا، بداية من محاكمة رسلان والغريب، وحتى علاء موسى وموفّق الداوة.
لكنّ البنية القانونية ما كانت لتثمر لولا وجود بنية مؤسّسية داعمة، حيث أنشأ مكتب الادّعاء العامّ الفيدرالي وحدة مختصّة بجرائم الحرب في مدينة كارلسروه، عملت بصمت ومنهجية على جمع آلاف الشهادات من اللاجئين السوريين، وتحليل الوثائق والفيديوهات والتقارير الحقوقية ضمن ما يعرف بـ”الإجراء الهيكلي”، وهو مسار لا يستهدف الأفراد فقط، بل يحاول بناء فهم شامل للمنظومات المسؤولة عن الانتهاكات، مثل الأجهزة الأمنية والميليشيات التابعة للنظام.
إلى جانب ذلك، لعبت منظّمات حقوقية دولية ومحلّية دوراً حاسماً في بناء الملفّات، أبرزها “المركز الأوروبي للحقوق الدستورية وحقوق الإنسان” (ECCHR) و”المركز السوري للإعلام وحرّية التعبير”، بالإضافة إلى “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” ومنصّة “ملفّات قيصر”، ولم تكتف هذه الجهات بالتوثيق، بل قامت برفع دعاوى مدنية، وترجمت أدلّة الطبّ الشرعي، ورتّبت لقاءات بين الضحايا والادّعاء العامّ الألماني.
إلى جانب ذلك، تحوّلت الشهادات الفردية، التي ظلّت لعقد من الزمن محاصرة بالصمت والخوف، في قاعات المحاكم إلى أدلّة دامغة. من ناجين من التعذيب وأطباء عملوا تحت الضغط، ومنشقّين عن أجهزة النظام، ذكروا تفاصيل دقيقة عن أوامر التعذيب، وأساليب القتل، وأسماء المسؤولين، وسلسلة القيادة التي أفرزت هذا العنف المؤسّسي.
ولعبت الصور والوثائق دوراً محورياً في تلك المحاكمات، وكان أبرزها ملفّ “قيصر”، الذي هرّب من داخل أجهزة الأمن السورية، ويضمّ آلاف الصور لجثث معتقلين قضوا تحت التعذيب. ولم تُعرَض هذه الصور أمام القضاة فقط، بل شكّلت رابطاً مادياً بين شهادات الناجين وبين ما جرى داخل الأقبية الأمنية السورية، حيث وثّقت مشاهد الموت الجماعي، وحدّدت تواريخ وأسماء وسجلّات، بحيث لم يعد بالإمكان إنكار الجرائم أو تبريرها.
في دمشق… إعادة تدوير رموز النظام
في الوقت الذي كانت فيه المحاكم الألمانية تدير جلساتها في كوبلنس وفرانكفورت، مستمعة إلى شهادات الناجين، راصدة تفاصيل الجرائم التي ارتكبتها أجهزة النظام السوري، وأصدرت أحكاماً قاسية، كان آخرها ضدّ الطبيب علاء موسى، كانت شوارع دمشق تشهد مشهداً مختلفاً تماماً، حيث ارتدت وجوه مألوفة من زمن القمع أقنعة جديدة، ودخلت من بوابات السلم الأهلي والمصالحة المجتمعية، وكأن شيئاً لم يكن.
وأثارت عمليات التسوية التي تجريها الإدارة الجديدة في سوريا لعناصر الأمن والعسكريين في النظام السابق، موجة من الجدل ما بين مؤيّد لهذه الخطوة بهدف تخفيف وطأة الانتقامات الفردية، وبين مطالب بعفو عامّ وآخر مطالب بالاعتقال والمحاسبة.
وتفجّرت عاصفة الجدل مع ظهور اللواء طلال مخلوف، أحد أقارب رئيس النظام السابق بشّار الأسد، والقائد السابق لـ”اللواء 105″ في قوّات الحرس الجمهوري، في مقرّ “حزب البعث” ، بعد تسليم سلاحه وتسوية أوضاعه مع الضبّاط والعناصر الذين كانوا ضمن اللواء، وحديثه للإعلام عن شعوره بـ”الأمان”.
وأُدرج اسم اللواء طلال مخلوف، في صدارة المتّهمين بارتكاب جرائم وانتهاكات واسعة ضدّ المدنيين منذ اندلاع الثورة السورية في عام 2011، حين كان يتولّى قيادة الحرس الجمهوري، الذراع العسكرية الأشدّ نفوذاً في النظام السابق.
ويتّهم مخلوف بالمشاركة المباشرة في مجازر وعمليات تهجير ونهب ممنهجة في عدّة مناطق، أبرزها حلب الشرقية، الغوطة، وادي بردى، ودرعا. كما ورد اسمه في تقرير منظمة “هيومن رايتس ووتش” كأحد الذين أصدروا أوامر بإطلاق النار على المتظاهرين، وأُدرج لاحقاً على قوائم العقوبات الدولية، حيث فرضت بريطانيا عقوبات عليه منذ العام 2015، تبعتها وزارة الخزانة الأميركية بعقوبات مماثلة في 2017، على خلفيّة مسؤوليّته المباشرة عن جرائم موثّقة ضدّ المدنيين.
كما ظهر اسم فادي صقر، القائد السابق لميليشيا “الدفاع الوطني” في دمشق، الذي يشتبه بتورطه المباشر في واحدة من أبشع المجازر الموثّقة في الحرب السورية في حيّ التضامن العام 2013. ورغم تداول اسمه إعلامياً وحقوقياً بعد نشر تسجيلات الإعدام الجماعي التي وثّقتها صحيفة “غارديان”، لم يفتَح أي تحقيق رسمي بحقّه في سوريا، بل ظهر مجدداً كمفاوض في صفقة للإفراج عن معتقلين، وكممثّل عن “المصالحة الوطنية”، في مشهد بدا صادماً لعائلات الضحايا ولكثير من الناجين.
كما أثار ظهور سقراط الرحية، أحد عناصر الشبّيحة المعروفين في ريف دمشق، الذي ظهر في تسجيلات قديمة وهو يشارك في حملات اعتقال وضرب للمتظاهرين، استياء كبيراً في أوساط الصحافيين والناشطين والحقوقيين في دمشق. وبات رحية اليوم يقدَّم في الإعلام المحلّي كرئيس لفريق تطوّعي يعمل في مشاريع إنسانية وإعادة إعمار، وتحوّل الرجل من رمز للترويع المحلّي إلى واجهة للعمل المدني، من دون أي اعتراف أو مساءلة أو اعتذار.
وفي المستوى الإداري والمالي، عاد رجال الأعمال الذين شكّلوا العمود الفقري الاقتصادي للنظام، من دون أن تمسّهم أي عمليّة تدقيق. محمد حمشو، الذي فُرضت عليه عقوبات أميركية وأوروبية منذ 2011، عاد إلى نشاطه التجاري بعد تسوية غامضة مع السلطات الجديدة.
أما رجل الأعمال سليم دعبول، ابن الراحل محمد ديب دعبول المعروف بلقب “أبو سليم”، الذي أدار لعقود مكتب القصر الجمهوري في عهدي حافظ وبشّار، واكتسب سمعة بكونه عرّاب القرارات الأمنية، انسحب من المشهد بهدوء، من دون أن يطلَب منه المثول أمام أي لجنة تحقيق أو مساءلة، ثم عاد إلى مدينته ديرعطية في ريف دمشق وكأن شيئاً لم يكن.
في كلّ هذه الحالات، لا يتعلّق الأمر فقط بعدم المحاسبة، بل بإعادة دمج هذه الشخصيّات في بنية الحكم والمجتمع، وكأنها لم تكن جزءاً من آلة القمع، وبات بعضهم يظهر كصوت عاقل في زمن الفوضى، وكأنه لم يكن جزءاً من تلك الفوضى حين كانت مدعومة بالسلاح والنفوذ والولاء.
درس في العدالة الانتقالية
ما أثبتته ألمانيا هو أن العدالة لا تحتاج إلى أرض قريبة بقدر ما تحتاج إلى ضمير حيّ وإرادة لا تخشى المواجهة. هناك، وجدت شهادات السوريين طريقها إلى المحكمة، لا بوصفها صرخات في الفراغ، بل كأدلّة دامغة، وتحوّلت الصور التي كانت تهرّب خفية من غرف الموت، إلى مستندات رسمية تقود إلى الإدانة، ولم يعامل الألم كعبء على السلم، بل كحقيقة لا يمكن بناء مستقبل من دون مواجهتها.
أما في سوريا، وبعد كلّ ما حدث، بقيت المحاسبة مؤجّلة، والجلادون أحراراً، وأصوات الضحايا عالقة في الهواء، تُصنّف إما كجزء من الفوضى، أو كتهديد لـ”التوافق الوطني”.
لم يحاكَم الجلّاد لأنه خسر، بل لأن أحداً ما قرّر أن يقول الحقيقة، ويصرّ عليها، حتى سمع القاضي يقول: نعم، ما حدث جريمة. وهذا وحده، حتى لو لم يُنهِ المعاناة، كان كافياً لمنح الضحايا بعضاً من العدالة. ليست العدالة ترفاً، ولا تهديداً، بل هي الأرض الوحيدة التي يمكن أن يُبنى عليها شيء حقيقي. وبين بلد يفتح الملفّات ولو كانت على بُعد آلاف الكيلومترات، وبلد لا يجرؤ على النظر في أعين ضحاياه، يبقى السؤال معلّقاً: هل يمكن لسوريا أن تبدأ فعلاً من جديد، إذا لم تبدأ من الحقيقة؟
– صحافي سوري مقيم في برلين
درج
————————–
العدالة الانتقالية المزعومة/ محمد برو
2025.07.11
ما إن بدأت الثورة السورية عام 2011، حتى انبرى فريق من السوريين للاهتمام بمسار العدالة الانتقالية، إذ ترجّح لدى شطر كبير منهم أن سقوط نظام الأسد بات قاب قوسين أو أدنى، أسوةً بسقوط النظامين التونسي والمصري، ثم الليبي.
ولم يكن في الحسبان أن هذا النظام سيغرقنا في التفاصيل، كما وعد وزير خارجيته يومئذٍ وليد المعلم، كما لم يكن في الحسبان أن أنظمة عربية وغربية ستعمل جاهدة لبقاء هذا النظام، حتى لا تتساقط إثر سقوطه أنظمة وكيانات كما تتساقط أحجار الدومينو.
استمر المهتمون بمسارات العدالة الانتقالية في بناء ومراكمة الخبرات وتدريب الكوادر اللازمة للمضيّ قدمًا عندما تحين اللحظة المرتقبة ويسقط النظام الذي جثم على صدور السوريين لعقود سوداء. وما إن سقط نظام الأسد وانقضت نشوة الأيام الأولى للفرح الذي تجاوز حدود المتخيل، حتى عادت الأصوات ثانيةً للمطالبة بتحقيق العدالة الانتقالية، أو للبدء بها، تطمينًا لمئات آلاف الضحايا وذويهم ممن اكتووا بظلم طويل الأمد وهم ينتظرون هذه اللحظة التي طالما حلموا بها.
لكن شيئًا مما حُلم به لم يتحقق كما كان مرجُوًّا، ويوماً بعد يوم ينغمس جهاز الدولة الجديدة في التصدي لآلاف الأزمات والمشكلات التي تكبّل المجتمع السوري وتُطبق على صدره: من مشكلة المياه والكهرباء، إلى الأمن والغذاء، مرورًا بالعقوبات والمصارف المعطلة، واستحالة إبرام العقود الكبرى وتلقي المساعدات، بسبب الحظر المفروض، واحتجاز النظام المصرفي السوري خارج دائرة “سويفت” والتعاملات المالية العالمية.
لم تكن العدالة الانتقالية، التي حفِظنا اسمها والكثير من تفاصيلها وآلياتها، من الأولويات التي أبدت الدولة اهتمامًا بها. وربما ساهم هذا الإهمال في توليد غضب عارم لدى شريحة من الضحايا الذين اعتقدوا أن حقوقهم ستضيع وتذهب أدراج الرياح، فعمدوا إلى تبرير أخذ الحق باليد، بعيدًا عن المؤسسات القانونية، والمخولة وحدها بمقاضاة المنتهكين والمجرمين. جزء كبير من هذه المعضلة التي يواجهها المسؤولون عن إنفاذ العدالة والعمل على تأسيس الآليات والأنظمة اللازمة للبدء بها، كان من تحضير النظام البائد، الذي وسّع رقعة المجرمين والمنتهكين إلى الحدود القصوى، وباتت أعداد من ارتكبوا جرائم موصوفة بحق السوريين وبحق الإنسانية أكثر من أن تُحصى. كما باتت مقاضاتهم ومحاكمتهم وتنفيذ العقوبات العادلة التي يستحقونها ضربًا من ضروب المستحيل.
سيجترح المنظّرون فكرة تقليص العدد الهائل، واقتصار المقاضاة على الطبقة الأولى من جهاز الأمن، ومنفذي جرائم القتل والإخفاء القسري والقصف والتدمير والاغتصاب وبتر الأطراف والتعذيب، والاتجار بأبناء المعتقلين، ونهب الأموال الخاصة والعامة، إلى آخر سلسلة ربما لا تنتهي في عرض سريع. هذا الإطار النظري وهذه المقترحات ستنهار حين نقف أمام المشهد الحقيقي لِفظاعة تلك الجرائم، وحجمها الكلي، والزمن الطويل الذي استمرت فيه، مما يجعل أي اقتصاص أمرًا تافهًا إزاء تلك الجرائم البشعة.
وسيكون هناك بلبال كبير في ضبط الحد الفاصل بين من ستشملهم تلك المحاكمات والمقاضاة، وبين من ستستثنيهم. سيكون من الصعب، أو المستحيل، تخيّل مجرم قتل طفلي أمامي، أو هدم بيتي، وقد تم استثناؤه من العقاب لكونه “جنديا مأمورا” أو صاحب رتبة وظيفية متدنية، وهو اليوم يعيش بيننا كأي إنسان طبيعي.
أما عن تعويض الضحايا، فهذا باب لا يُستحسن الدخول فيه، لأنه سيستهلك ميزانيات دولٍ بحالها. فمن يستطيع تعويض شعب كامل كان، على مدى خمسين سنة، ضحيةً للفساد والتعسف والانتهاكات بشتى صنوفها؟
سيواجه المشتغلون في مسألة العدالة الانتقالية المزعومة خيارًا صعبًا بين تحقيق العدالة والحفاظ على الأمن. فالجهة المدانة، والتي ينبغي أن تُحاسب وتُحاكم وتتلقى عقوبتها العادلة، كانت بالأمس ممسكةً بمقاليد السلطة والمال والقوة، ولن يتبدّد كل هذا في ضربة قاضية. وسيخلق وجود هذه المجموعة الهائلة تحديًا كبيرًا مع السلطة الجديدة، فإما يتحصلون على عفو لا يستحقونه لقاء مساهمتهم ببقاء الأوضاع آمنة مستقرة، أو يُواجَه استهدافهم بتطبيق العدالة بخلق أزمات وكوارث وفتن وجرائم تُلقى على عاتق العهد الجديد، ولا يمكن التكهن إلى أين ستتجه الأمور. وسيلوح في الأفق احتمال اشتعال حرب أهلية، أو مجازر كبيرة تُرتكب بحق هؤلاء، وكلتا النتيجتين دموية وكارثية.
خلال مطالعة موسّعة لمسارات العدالة الانتقالية، والاطلاع على العديد من التجارب التي يُستشهد بها دائمًا، سنكتشف أن جلَّ ما جرى على وجه التحقيق هو إرضاء جزئي للضحايا أو من يمثلهم، ودفع نحو الصفح والمصالحة، وإقناع العاجزين بالاكتفاء باعتراف الجلاد والقاتل، وربما باعتذار صُوري يُقدَّم للضحية. والخلاصة أن الضحايا سيعودون إلى بيوتهم وقد امتلأت أسماعهم بالهراء وسخيف الكلام، الذي لا يرد حقًّا، ولا يضرب على يد الجاني، وأن سنيَّ عمرهم المهدورة في التعذيب بالمعتقلات، ودماءهم النازفة، كانت لقاء صمت وطنيٍّ بازخ يتفاخر بالمنجز العظيم وهو “حقن الدماء”، وكأن حقن الدماء، إنْ تحقق، مكافئ لمسح آلاف الظلامات والانتهاكات.
وهل سنحدث أبناءنا في مقبل الأيام عن “فضيلة حقن الدماء” بالتفريط بحقوق مئات آلاف الضحايا؟ وسنكتشف، كما سيكتشفون، أننا كنا محض ضحايا آخرين لآلة الدعاية والترويج التي يديرها داعمو الأنظمة القمعية، والذين لعبوا دورًا محوريًا في صياغة قوانين ومقترحات وحلول قانونية “بزعمهم” تعصم المجتمعات الخارجة من جحيم الاحتراب والنزاعات من الانزلاق في عملية ثأرية تُزهق فيها الأرواح، متجاهلين، عن عمد ومراوغة، أن السلم الاجتماعي من المحال أن يُبنى إلا بتحقّق العدالة. وإن اختزال العدالة بالمصالحة القسرية المفروضة من قوى العهد القديم، نتيجة صفقات ومصالح متبادلة مع العهد الجديد، لهو جناية أكبر.
تتكرر المزاعم، بشكل ترويجي هوليودي، أن إرساء مبادئ العدالة الانتقالية يحفظ الدولة من الانهيار، ويحقق المصالحة والتماسك الاجتماعي، ويُلقى هذا التبشير الشعري على مسامع القوم، دون أي تقدير لواقع الأمر، وكيف تنظر الضحية إلى جلادها وقاتل أبنائها، وهو يشاركها في حياة جديدة كان ثمنها مئات آلاف الضحايا الأبرياء!
بمراجعة بسيطة، سنكتشف نحن الضحايا أن وعود العدالة الانتقالية التي أمضينا ما يزيد على العقد نصغي ونحلم بتحققها وبالإنصاف عبر آلياتها، ما هي إلا بناء سردي لافتراضات وهمية لا يمكن لها أن تكون حلًّا ناجعًا. وسيكون البديل عن تلك الأحلام تقديم الأمن على العدالة، وتقديم الصمت وقَبول المصالحة على التضحية بأرواح القتلة والمجرمين. كما تتسم الأطروحات الرائجة بقصور حادٍّ في آليات التنفيذ، مما سيجعل منجز العدالة النظري – إن هو أُنجز فعلاً – مجرد حبر على ورق، وستبقى الأزمة متوقدةً في النفوس تحت رماد الصمت، ونكون بهذا قد زرعنا بذور نزاع دموي قادم تحت شعار “البحث عن العدالة المهدورة”.
كيف سيكون الحل؟ لا أحد يملك، حتى اليوم، وصفة سحرية. لا يوجد حلٌّ محلى بالشعارات السلمية، ولا توجد مكاسب وطنية تعلو على حقوق الضحايا. وسيُشكّل هذا النمط “التسامحي” المزعوم أرضًا طيبة وبيئة مشجعة لارتكاب المزيد من الانتهاكات والتجاوزات بحق ضحايا آخرين.
جملة القول: إن النماذج الأكثر وضوحًا في تجربة تحقيق العدالة الانتقالية، وهي الأرجنتين ورواندا وجنوب أفريقيا، والتي حظيت بأوسع ترويج إعلامي، اقتصرت على تحقيق مصالحة محدودة دون أن تقدم للضحايا أدنى قدر من العدالة التي يستحقونها. والأجدر تسميتها بـ”المصالح الانتقالية”، إذ لا علاقة لها البتة بمسألة العدالة، التي ستبقى مؤجلة إلى أن تُنتج التجارب الحديثة نموذجًا أكثر إنصافًا للضحايا، وأعمق التصاقًا بالمعنى الحقيقي للعدالة، والذي ينبغي أن يضمن أمرين: معاقبة الجاني بما يتناسب مع جرمه، وأن تكون العقوبة رادعة تقلّص إمكانية تكرارها. وإلى أن تتحقق بعض هذه الأحلام، سيكون الفضاء مفتوحًا لكثير من التجاوزات التي يُحرّكها النزوع الطبيعي لمعاقبة قتلة الأطفال ومغتصبي النساء ومستبيحي حياة الآخرين.
تلفزيون سوريا
————————-
=======================



