إشتباكات السويداء والتدخل الاسرائيلي السافر تحديث 17 تموز 2025

عن التدخل الاسرائيلي السافر في سورية الجديدة، ملف تناول “شهية إسرائيلية لتفتيت سوريا” – تحديث 15 تموز 2025
لمتابعة مكونات الملف اتبع الرابط التالي
التدخل الاسرائيلي السافر في سورية الجديدة
لمتابعة تفاصيل هذا الملف اتبع الرابط التالي
لمتابعة تفاصيل هذا الملف اتبع الرابط التالي
—————————-
الفيل يا ملك الزمان!/ بكر صدقي
ثمة فيل داخل الغرفة تواطأ كثير من السوريين، بينهم كاتب هذه السطور، على التظاهر بعدم وجوده. حدث ذلك حين تم «تحرير» سوريا في اثني عشر يوماً استغرقها سفر مقاتلي غرفة عمليات ردع العدوان من إدلب إلى دمشق. ولم تدفعنا هذه السرعة في انهيار النظام إلى البحث عن أسبابه في تفاهمات دولية محتملة جعلته ممكناً، بل رحنا نبحث عن أسباب الانهيار في اهتراء النظام وقواته العسكرية، وهذا صحيح لكنه لا يشكل مبدأ تفسير متكاملاً إذا تجاهلنا رفع الغطاء الروسي عنه وانسحاب الميليشيات التابعة لإيران كما لو أنها تبخرت. لا نعرف إلى اليوم كيف تم إقناع فلاديمير بوتين بالتخلي عن نظام الأسد لصالح بديل جهادي طالما وصفته موسكو بالمنظمة الإرهابية، ومن أقنعه بذلك. لكننا أقنعنا أنفسنا بفكرة أن موسكو «الغارقة في وحل الحرب الأوكرانية» كانت في حاجة إلى تركيز جهودها العسكرية على تلك الحرب. هذا أيضاً صحيح لكنه تفسير غير كاف بذاته. أما ولي الفقيه فقد كان «إقناعه» أكثر وضوحاً من أن يتم إغفاله، بالنظر إلى ما حدث لحزب الله في لبنان وسوريا في الأسابيع القليلة التي سبقت انهيار النظام الأسدي.
بيد أن الفيل الذي نتحدث عنه لا يقتصر على التفاهمات الدولية التي أوصلت هيئة تحرير الشام والفصائل الحليفة لها إلى سدة السلطة في دمشق، بل هو «الهيئة» ذاتها التي تواطأ الجميع، السوريون والتفاهمات الدولية معاً، على تجاهل هويتها الإيديولوجية وممارستها السلطة في إدلب طوال سنوات، وإبراز تحولاتها «البراغماتية» بدلاً من ذلك، الأمر الذي عززه القبول العربي والدولي السريع وإن ترافق مع اشتراطات، كما عززه السلوك المنضبط إلى حد كبير لقوات ردع العدوان في طريقها إلى دمشق.
في الأسابيع والأشهر التالية بدأت السلطة الجديدة تكشف عن توجهاتها من خلال الخطوات التأسيسية المقلقة لقطاعات واسعة من السوريين، مؤتمر الحوار الوطني والإعلان الدستوري وتشكيل الحكومة الجديدة، وكذلك إجراءاتها التعسفية كفصل عشرات آلاف الموظفين الحكوميين وحل الجيش والشرطة وتعيين المحافظين ومجالس النقابات وغير ذلك، من غير أن نذكر تواتر أخبار تدخلات «الأمن العام» الفظة في شؤون المواطنين وحياتهم الخاصة، وانتشار الحملات الدعوية في مناطق غير مناسبة ديموغرافياً… غير أن المجازر التي تم ارتكابها في مناطق الساحل في مطلع شهر آذار فاقت بهولها ودلالاتها كل ذلك لتضعنا أمام كارثة وطنية، فطرح السؤال بجدية: هل سقط النظام الأسدي حقاً أم تم استبدال وجوهه وحسب؟ وبخاصة حين ظهر فادي صقر وغيره من رموز النظام البائد يتحركون بحرية وبحماية السلطة الجديدة بالذات.
ما تلا مجازر الساحل بدا كأن السلطة تختبر ردود الفعل لتنتقل إلى الخطوة التالية. وإذ اكتفت الدول الراعية بما أعلنته السلطة من تشكيل لجنة تقصي حقائق في مجازر الساحل، تم افتعال صدام مماثل مع المكون الدرزي في جرمانا وأشرفية صحنايا في شهر نيسان تم احتواؤه بسرعة من خلال اتفاقات هشة مع فعاليات السويداء. لكن استقبال أحمد الشرع في قصر الإليزيه، ثم اجتماعه في الرياض مع دونالد ترامب، قد منح السلطة ما كانت تحتاجه من تفويض بالمضي قدماً في هندسة نظامها الخاص والتحضير لإخضاع سكان المناطق المتمردة بالقوة العارية بذريعة حصر السلاح في يد الدولة. فالسلطة الجديدة تتمدد في فرض نظامها كلما شعرت بالراحة في علاقاتها مع الدول الأخرى. ليس من قبيل الصدفة أن تشددها تجاه قسد كان متسقاً مع تصريحات توماس براك الخارجة على الأعراف الدبلوماسية، وكذا افتعال الصدام بين فصائل مسلحة من البدو مع فصائل السويداء لتبرير إقحام الجيش في المحافظة بعد أيام قليلة من زيارة الشرع لأذربيجان حيث جرى لقاء مباشر مع وفد إسرائيلي وفقاً لتقارير صحف إسرائيلية. مئات القتلى من المدنيين وفيديوهات وثقت إذلال الأهالي وإحراق بيوتهم وتعفيشها في استعادة مشؤومة لعمليات مماثلة لشبيحة نظام الأسد البائد في السنوات السابقة على سقوطه. أما «لجنة تقصي الحقائق» المشار إليها فقد استهلكت مهلتها الأصلية (شهر واحد) والإضافية (ثلاثة أشهر) ولم تنته بعد من إعلان نتائج تحقيقاتها. ربما تراهن السلطة على نسيان السوريين، لكن صدامات السويداء حرمتهم من ترف النسيان.
ما تسرب عن الاجتماع الأخير بين سلطة دمشق ووفد قسد مقلق جداً. السلطة رفضت كل المطالب التي تقدم بها وفدا قوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا بما ينذر بافتعال صدام جديد في تلك المناطق لتبرير شن حملة عسكرية كبيرة عليها، إذا كانت قوات وزارة دفاع السلطة قد بلغت من القوة ما يكفي لذلك في مواجهة عشرات الآلاف من مقاتلي قسد المزودين بأسلحة أمريكية وخبرة قتالية عالية. من المحتمل أن تلجأ السلطة، في هذه الحالة، إلى محاولة تفجير قسد من داخل بنيتها التي تتشكل من قوات كردية وعربية، وهو ما بدأنا نسمع بوادر بشأنه. تصريحات المبعوث الأمريكي براك تشجع السلطة بهذا الاتجاه، فهل هي ناتجة عن خفة وضيق أفق لا يكترثان بانطلاق دوامة عنف جديدة، أم أنها محاولة لتوريط سلطة دمشق في صراع مكلف (من أجل ماذا؟) أم أن الرجل، ومن ورائه ترامب، يراهنان على استسلام قسد لسلطة دمشق بلا قتال؟ في جميع الأحوال يبدو أن إدارة ترامب مهتمة بتطبيع العلاقات بين دمشق وتل أبيب أكثر من أي شيء آخر في المسألة السورية.
داخل البيت السوري فيل لا يستطيع السوريون أن يناموا بوجوده.
كاتب سوري
القدس العربي
————————
اتفاق السويداء… إسرائيل وجرائم ثأر بحق عشائر البدو تهدد تطبيقه/ محمد أمين و عبد الله البشير
17 يوليو 2025
جرائم انتقام واسعة النطاق بحق عوائل البدو في السويداء
تسجيل حركة نزوح وتهجير قسري لعشائر البدو في ريف السويداء
يواصل الاحتلال الدخول على خط تأجيج الفتنة في المحافظة
انتهت العمليات العسكرية على الأرض في محافظة السويداء جنوبي سورية، لتبدأ التداعيات الكارثية في مختلف المجالات للاقتتال الذي وقع بين مجموعات مسلحة محلية من جهة، والقوات الأمنية السورية ومقاتلين من البدو، مع بدء جرائم انتقام واسعة النطاق بحق عوائل البدو في السويداء، فيما واصل الاحتلال الدخول على خط تأجيج الفتنة في المحافظة، معلناً على لسان رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو أن “نظام دمشق خرق خطين أحمرين، وهما المنطقة منزوعة السلاح واستهداف الدروز”، فيما كان الرئيس السوري أحمد الشرع يشير إلى أن بلاده تواجه محاولات إسرائيلية مستمرة لتحويلها إلى ساحة فوضى وتقسيمها. ورغم وقف إطلاق النار، نقلت وكالة رويترز عن مصدر أمني قوله مساء اليوم الخميس إن “مقاتلين من البدو أطلقوا هجوماً جديداً في السويداء على مقاتلين من الدروز”، من دون اتضاح حجم هذا الهجوم.
وبعد ساعات من دخول اتفاق السويداء حيز التنفيذ، وانسحاب القوات الأمنية من المحافظة، بدأت عمليات انتقام وقتل وحرق وتهجير بحق مدنيين وثقتها مقاطع مصورة. وقالت مصادر محلية لـ”العربي الجديد” إن “فصائل مسلحة في السويداء تنفذ إعدامات ميدانية انتقامية بحق عوائل البدو في السويداء”، مشيرة إلى “فقدان الاتصال بعائلات من عشائر البدو بعد محاصرتها”. وذكرت وكالة الأنباء السورية (سانا) أنه “بعد تطبيق بنود الاتفاق في السويداء الذي أعلنته وزارة الداخلية، وتكليف بعض الفصائل المحلية ومشايخ العقل بمسؤولية حفظ الأمن في المحافظة، قامت مجموعات خارجة عن القانون بالاعتداء على حي المقوس (في مدينة السويداء)، وارتكاب مجازر وانتهاكات بحق المدنيين”.
ونقلت عن مصادر محلية قولها إن “تلك المجموعات هاجمت الحي، وارتكبت مجازر بحق النساء والأطفال، ونفذت تصفيات ميدانية وانتهاكات بحق أبناء المنطقة من العشائر والبدو”، مشيرة إلى “مقتل وإصابة عدد كبير من المدنيين”. وأوضحت أنه “تم تسجيل حركة نزوح وتهجير قسري لعشائر البدو في ريف السويداء، وسط تهديدات من قبل مجموعات خارجة عن القانون باستهدافهم”. وتناقلت وسائل إعلام ومنصات على مواقع التواصل الاجتماعي، مناشدة من “الرئيس الروحي للموحدين الدروز (المقصود هنا الشيخ حكمت الهجري) عاجلة إلى أهالي الجبل لضرورة التحلّي بأخلاقنا المعروفية والترفّع عن الثأر، والحفاظ على النسيج الاجتماعي مع أهلنا العشائر”.
دمار كبير في مدينة السويداء
ونشرت شبكات إخبارية محلية صوراً ومقاطع فيديو صباح اليوم الخميس تظهر حجم الدمار الكبير الذي أصاب مدينة السويداء مركز المحافظة، والتي شهدت اشتباكات وأعمال انتقامية من جانبي الصراع، أدت إلى مقتل وإصابة المئات. وتحدثت هذه الشبكات عن مقتل أكثر من 300 شخص في السويداء ما بين مدني ومسلح، بينما قال المرصد السوري لحقوق الإنسان إن عدد القتلى وصل إلى 500 من كل الأطراف، في حين أكدت مصادر مطلعة أن عدداً كبيراً من عناصر وزارتي الدفاع والداخلية السورية قتلوا نتيجة القصف الإسرائيلي والكمائن داخل مدينة السويداء. وأفاد مراسل “العربي الجديد” في محافظة السويداء أن الأوضاع “كارثية” في المدينة و”الجثث منتشرة في الشوارع”، مشيراً إلى انتشار عدة فصائل محلية في المحافظة، عمدت إلى حرق منازل لسكان السويداء من العشائر العربية البدوية الذين بدؤوا بالنزوح من المحافظة مع انسحاب القوات الحكومية. وأكد أن كل العناصر التابعين لوزارتي الدفاع والداخلية انسحبوا من المحافظة باتجاه درعا، مشيراً إلى أن الشيخ ليث البلعوس الذي وقف مع قوات الحكومة، انسحب مع عناصره من المحافظة حتى لا تحدث اشتباكات محلية. والبلعوس وهو قائد حركة رجال الكرامة أبرز الفصائل في المحافظة، أعلن موقفاً مغايراً تماماً لبقية الفصائل في المحافظة لجهة العلاقة مع الدولة، فهو من الداعين إلى التوافق معها، ما عرّضه لمخاطر مصدرها “المجلس العسكري” المقرب من الشيخ حكمت الهجري، وهو ما ظهر في قيام فصائل مسلّحة بتخريب قبر والده وحيد البلعوس، مؤسس “رجال الكرامة”.
وكان تم التوصل إلى اتفاق بين الحكومة السورية وفعاليات دينية في السويداء دخل حيز التنفيذ مساء أمس الأربعاء، نص على “وقف إطلاق النار وضمان الأمن والاندماج الكامل للمحافظة ضمن الدولة السورية، وإيقاف كامل لجميع العمليات العسكرية بشكل فوري والتزام جميع الأطراف بوقف التصعيد العسكري أو أي شكل من أشكال الهجوم ضد القوات الأمنية وحواجزها مع إعادة قوات الجيش إلى ثكناتها”. وتلا أحد شيوخ العقل الثلاثة في السويداء، يوسف جربوع، بنود هذا الاتفاق الذي نص أيضاً على “تشكيل لجنة مراقبة مكونة من الدولة السورية والمشايخ على تنفيذ وقف إطلاق النار وضمان الالتزام به، ونشر حواجز الأمن الداخلي والشرطة من الدولة ومنتسبي الشرطة من أبناء محافظة السويداء بهدف تعزيز الأمن وحماية المواطنين”. كما نص على الاستعانة بضباط وعناصر الشرطة من أبناء محافظة السويداء لتولي مهام قيادية وتنفيذية في إدارة الملف الأمني في محافظة السويداء. وتم التوافق على آلية لتنظيم السلاح الثقيل بالتعاون مع وزارة الداخلية ووزارة الدفاع “مع مراعاة الخصوصية الاجتماعية والتاريخية لمحافظة السويداء”.
وتطرق الاتفاق إلى قضايا حساسة أبرزها: إطلاق سراح المعتقلين، وكشف مصير المغيبين خلال الأحداث الأخيرة، وتشكيل لجنة لتقصي الحقائق في الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها، إلى جانب تأمين طريق دمشق ــ السويداء، وتوفير الخدمات الأساسية من ماء وكهرباء ومحروقات وصحة. لكن الشيخ حكمت الهجري رفض الاتفاق، قائلاً في بيان: “نؤكد للرأي العام المحلي والدولي، أنه لا يوجد أي اتفاق أو تفاوض أو تفويض مع هذه العصابات المسلحة التي تُسمّي نفسها زوراً حكومة”. لكن الفعاليات الدينية في السويداء وفي المقدمة جربوع، طالبت الهجري بـ”احترام رأي الأغلبية التي تدعم الاتفاق مع الحكومة”، في مؤشر واضح على اختلاف مشايخ العقل الثلاثة حول طرق التعاطي مع التطورات التي تلاحقت في السويداء.
من جهته، قال الرئيس السوري أحمد الشرع، في كلمة متلفزة فجر اليوم الخميس، إن سورية كانت أمام خيارين مصيريين، أحدهما الدخول في حرب مفتوحة مع إسرائيل، لكنها اختارت تغليب مصلحة السوريين ومنع الانزلاق نحو الفوضى والدمار. وأضاف أن بلاده تواجه محاولات إسرائيلية مستمرة لتحويلها إلى ساحة فوضى وتقسيمها، مشدداً على أنّ الدولة ستظل حامية لجميع مواطنيها، متوعّداً بمحاسبة كل من تجاوز وأساء إلى الدروز، الذين وصفهم بأنهم “جزء أصيل من نسيج الوطن”. وفي ما وصفه بأحد أصعب مفترقات الطرق، قال الشرع: “كانت الدولة السورية أمام خيارين؛ الأول الدخول في حرب مفتوحة مع إسرائيل على حساب الدروز السوريين وزعزعة استقرار سورية والمنطقة، والثاني فسح المجال لوجهاء ومشايخ الدروز للعودة إلى رشدهم وتغليب المصلحة الوطنية على من يريد تشويه سمعة أهل الجبل الكرام”.
وأكد أن الدولة “لا تخشى الحرب، ونحن الذين قضينا أعمارنا في مواجهة التحديات والدفاع عن شعبنا، لكننا قدمنا مصلحة السوريين على الفوضى والدمار. فكان الخيار الأمثل في هذه المرحلة هو اتخاذ قرار دقيق لحماية وحدة وطننا وسلامة أبنائه، بناءً على المصلحة الوطنية العليا”. ورحب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في اتصال هاتفي مع الشرع، بالتوصل إلى تهدئة في السويداء. وكان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أعلن، مساء الأربعاء الماضي، التوصل إلى اتفاق في سورية ينهي العنف إذا تم الالتزام به. وكشفت مصادر أمنية تركية، لوكالة الأناضول، أن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان ورئيس الاستخبارات إبراهيم قالن، أجريا اتصالات بشأن الوضع الميداني، كان لها دور محوري في تحقيق وقف إطلاق النار بين الأطراف. وذكرت أن قالن أجرى اتصالات عدة مع محاوريه في الولايات المتحدة وسورية وإسرائيل، وتواصل مع الدروز في لبنان.
في غضون ذلك، رحب ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، خلال اتصال تلقاه من الشرع اليوم، “بالترتيبات والإجراءات لاحتواء الأحداث الأخيرة في سورية”، معرباً عن ثقة المملكة بقدرة الحكومة السورية بقيادة الشرع “على تحقيق الأمن والاستقرار لسورية”. وجدد موقف المملكة المُعلن في إدانة الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي السورية والتدخل في شؤونها الداخلية. وأكد ضرورة دعم المجتمع الدولي للحكومة السورية في مواجهة هذه التحديات ومنع أي تدخلات خارجية في الشأن الداخلي السوري.
في هذا الوقت، قال نتنياهو، في تصريح متلفز اليوم الخميس، إن إسرائيل لن تسمح بإرسال قوات حكومية إلى جنوب سورية. مضيفاً: “حددنا سياسة واضحة، تقوم على نزع السلاح من المنطقة الواقعة جنوب دمشق، وحماية أبناء الطائفة الدرزية. وقد تم خرق هذين المبدأين من قبل النظام في دمشق”. وأضاف أنه “وجّه تعليمات إلى الجيش الإسرائيلي بالتحرك بقوة”، زاعماً أن هذا التدخل أدى إلى فرض وقف إطلاق نار وانسحاب القوات السورية. وتابع: “هذه ستكون سياستنا المستمرة. لن نسمح للقوات بالتحرك جنوباً، ولن نسمح بالمس بالدروز”، متهماً القوات السورية بارتكاب “مجزرة بحق الدروز في جبل الدروز”.
الاتفاق يتوقف على نيات الهجري
ورأى المحلل العسكري العميد فايز الأسمر، في حديث مع “العربي الجديد”، أن تنفيذ الاتفاق “يتوقف على نيات الهجري وفصائله التي استقوت بإسرائيل”، مضيفاً: “الأخبار التي تأتي من السويداء تؤكد أن هذه الفصائل تنهب وتحرق بيوت السكان من العرب البدو”.
وهذه ليست المرة الأولى التي تتوصل بها دمشق لاتفاقات مع الفعاليات الدينية لإدارة المحافظة، إلا أنها لم تصمد، لذا اعتبر الباحث في المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة يمان زباد، في حديث مع “العربي الجديد”، الاتفاق الجديد استمراراً لتلك الاتفاقات والتي لم تطبّق بسبب عقبات وضعها الهجري في طريقها. وأشار إلى أن الاتفاق الجديد “لم يشر إلى مصير المجموعات العسكرية والفصائل الموجودة في السويداء حالياً”، معرباً عن اعتقاده أن ما جرى في المحافظة خلال الأيام القليلة الماضية “حوّل ملف السويداء من داخلي إلى خارجي يمكن أن يوضع على طاولة تفاوض محتمل ما بين سورية والكيان الصهيوني”. كما اعتبر أن ما جرى أدى إلى إضعاف الفصائل المقربة من الحكومة، وتقوية المجموعات العسكرية التابعة للهجري، معرباً عن اعتقاده أن الهجري “يملك الوسائل العسكرية لإفشال الاتفاق”.
من جانبه، رأى الأكاديمي (المنحدر من السويداء) يحيى العريضي، في حديث مع “العربي الجديد”، أن الطريقة التي قرأ بها جربوع البيان الذي أعلن فيه بنود الاتفاق “تدل على أنه ربما كان مجبراً عليه ولم يشارك في كتابته”. ووصف الاتفاق بـ”المتوازن”، معرباً عن اعتقاده أن “هدفه الحفاظ على ماء وجه السلطة في دمشق من خلال إشراكها في إدارة المحافظة”، مضيفاً: ما لم يكن ممكناً فرضه بقوة السلاح أنجز على الورق.
لكن الباحث السياسي أدهم مسعود القاق رأى، في حديث مع “العربي الجديد”، أن الهجري “واهم ويريد خلق قيمة لنفسه”، معتبراً أن “المجموعات العسكرية التابعة له أقلية في محافظة السويداء، ولها علاقة بفلول النظام البائد من ضباط وصف ضباط، فضلاً عن عناصر مطلوبين جنائياً لقضايا تتعلق بالأخلاق وتهريب المخدرات عبر الحدود”.
العربي الجديد
—————————–
السويداء ما بعد المعارك وانسحاب القوات الحكومية: دمار ونزوح وجثث في الطرق/ فيصل الإمام
17 يوليو 2025
تفاجأ الأهالي عند عودتهم لمنازلهم بتعرضها للحرق أو الضرر الشديد
يسود تخوف من موجات انتقام أو تصعيد جديد في ظل غياب السلطة الأمنية
رصد “العربي الجديد” حركة نزوح كبيرة لعائلات لا سيما من البدو
دعا نشطاء لإعلان السويداء منكوبة بفعل الدمار الذي خلفته المعارك
مع انسحاب القوات الأمنية التابعة للحكومة السورية من محافظة السويداء بناء على اتفاق بين ممثلي الحكومة والفاعليات المحلية، أمس الأربعاء، استفاقت المدينة اليوم على مشاهد صادمة حول حجم الدمار الذي لحق بها جراء المعارك التي دارت فيها وعند أطرافها خلال الأيام الأربعة الماضية، وسط عودة تدريجية حذرة للأهالي إلى بيوتهم، بينما فضلت عائلات أخرى، خاصة من البدو، الرحيل خشية تعرّضها لعمليات انتقام.
وتنفيذاً للاتفاق، انسحبت جميع قوات الأمن والجيش التابعة لوزارتي الداخلية والدفاع باتجاه أطراف مدينتي درعا والسويداء، وذلك بعد معارك عنيفة استمرت لأربعة أيام متواصلة. وأكد مصدر عسكري رفض الكشف عن اسمه لـ”العربي الجديد”، أن الأوامر جاءت بالانسحاب الفوري من السويداء إلى الثكنات العسكرية، مضيفاً “جميع الجنود والمقاتلين انسحبوا تنفيذاً لتوجيهات القيادة، بما في ذلك عناصر من حركة شيخ الكرامة، وعلى رأسهم القائد ليث البلعوس”، مشيراً إلى أن وجهتهم التالية ستكون العاصمة دمشق.
ولا تزال الأوضاع في السويداء تتسم بالغموض والتوتر، وسط مخاوف من موجات انتقام أو تصعيد جديد، في ظل غياب السلطة الأمنية وانتشار حالة من الذعر في صفوف المدنيين، فيما انتشرت مجموعات مسلحة محلية في كل قرى الريف الغربي التي انسحبت منها قوات وزارتي الدفاع والداخلية. وخلال تجوال مراسل “العربي الجديد” في مناطق الدور، والمزرعة، وولغا التي تقع على طريق السويداء، لاحظ خلوّها التام من أي وجود عسكري، في حين عاد بعض الأهالي لتفقّد منازلهم، ليفاجأوا بتعرضها للحرق أو الضرر الشديد نتيجة المواجهات الأخيرة.
وفي مشهد آخر، رصد “العربي الجديد” حركة نزوح كبيرة لعدد من العائلات، لا سيما من أبناء البدو. حيث قال المواطن حسام الخالد من قرية الدور: “شهدنا أياماً قاسية من المعارك، وانعدمت أبسط مقومات الحياة، وأطفالنا في حالة من الرعب الدائم. وبعد انسحاب القوات، بتنا نجهل ما ينتظرنا، لذا نرحل بحثاً عن الأمان”، في حين قالت عائشة الأحمد: “عدنا إلى منازلنا فوجدنا الحرائق والخوف، ولا نعرف ما الذي قد يحدث بعد عودة بعض الجهات المسلحة، فقررنا الرحيل لحماية أطفالنا وعائلاتنا”.
ونشرت شبكات محلية من داخل مدينة السويداء المشاهد والصور حول حجم الدمار والتخريب في المدينة بعد انسحاب قوات الحكومة، مشيرة إلى أن الكثير من الجثث وجدت في الشوارع والسيارات وداخل البيوت. ولفتت إلى أن المستشفى الوطني، أكبر مستشفيات المحافظة، بات خارج الخدمة، ويغص بالجثث، وسط انقطاع الكهرباء منذ أربعة أيام في معظم مناطق المحافظة، وأن بنيتها التحتية تعرضت للتخريب، إضافة إلى انقطاع شبه كامل للاتصالات، وتوقف الكثير من آبار المياه عن الضخ نتيجة انقطاع الكهرباء والمحروقات، كما أن محطات الوقود فارغة، والمحال التجارية مقفلة مع فقدان المواد الغذائية.
ودعا ناشطون إلى إعلان السويداء منطقة منكوبة، نظراً للمأساة الإنسانية الكبيرة التي خلفتها العمليات العسكرية. وكانت الحكومة السورية قد توصلت أمس إلى اتفاق مع الفاعليات الروحية في المحافظة قضى بوقف إطلاق النار وعودة قوات الجيش إلى ثكناتها، وتشكيل لجنة مراقبة مكونة من الدولة السورية ومشايخ الطائفة، للإشراف على تنفيذ وقف إطلاق النار، ونشر حواجز الأمن الداخلي والشرطة من الدولة ومنتسبي الشرطة من أبناء المحافظة في جميع أنحاء مدينة السويداء والمناطق المجاورة، والاستعانة بضباط وعناصر الشرطة الأكفاء من أبناء محافظة السويداء، لتولي مهام قيادية وتنفيذية في إدارة الملف الأمني في المحافظة.
كما نص الاتفاق على “التوافق على آلية لتنظيم السلاح الثقيل، بالتعاون مع وزارة الداخلية والدفاع، بما يضمن إنهاء مظاهر السلاح خارج إطار الدولة، بالتنسيق مع الوجهاء والقيادات المحلية والدينية، مع مراعاة الخصوصية الاجتماعية والتاريخية لمحافظة السويداء”. كما قضى بـ”الاندماج الكامل للسويداء ضمن الدولة السورية، والتأكيد على السيادة الكاملة للدولة السورية على جميع أراضي محافظة السويداء”، إضافة إلى إعادة تفعيل جميع مؤسسات الدولة في جميع مناطق السويداء.
—————————-
حماية الدروز آخر هموم نتنياهو وعينه على أهداف توسعية في الجنوب السوري
بعد رفض الشرع القبول بمنطقة منزوعة السلاح من دمشق وحتى الحدود الأردنية والإسرائيلية
تل أبيب: نظير مجلي
17 يوليو 2025 م
ما من شك أن هناك مشكلة جدية يعانيها بنو الطائفة المعروفية، الدروز، في سوريا، لكن هذه هي آخر هموم رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو. وإذا كان أفلح في إقناع الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، بأن عملياته الحربية استهدفت حمايتهم، وأنه لا بد من «هزة رسن قوية» لتحذير الرئيس السوري، أحمد الشرع، بأن نظامه يصبح في خطر إذا لم يوقف الاعتداءات في السويداء، فإنه من الصعب إقناع أبناء وبنات المنطقة بذلك.
أولاً، الدروز في سوريا يتعرضون لاعتداءات منذ سنة 2011، وقد بدأها نظام بشار الأسد، قبل تجرؤ ميليشيات بدوية على تنفيذ هجماتها عليهم، ولم تتدخل إسرائيل في أي مرة. ومن يعتقد بأن نتنياهو قرر التحرك استجابة لمطلب الدروز في إسرائيل، فإنه لا يعرف حقيقة العلاقات بين الحكومات الإسرائيلية والطائفة العربية الدرزية، خصوصاً في عهد نتنياهو.
دروز إسرائيل، رغم تقبلهم فرض الخدمة الإجبارية على أبنائهم في الجيش الإسرائيلي منذ عام 1958، يعانون من سياسة تمييز عنصري واضحة. قراهم تعاني من نواقص شديدة، مثل جميع البلدات العربية الأخرى وربما أكثر. أراضيهم نهبت لصالح تطوير البلدات اليهودية المجاورة. وهناك ألوف البيوت مهددة بالهدم بدعوى أنها بنيت من دون ترخيص، فحكومة نتنياهو سنت قانوناً يُدعى «قانون كامنتس»، يجعل الهدم قانونياً ثابتاً وراسخاً. وقد توجت حكومة نتنياهو هذه السياسة ضدهم وضد سائر العرب، بسنها قانون القومية الذي يمنح اليهود حقوق التفوق العرقي عليهم.
فإذا كان الدروز الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية ويخدمون في الجيش الإسرائيلي يحصلون على تعامل مثل هذا، فهل يعقل أن نتنياهو يريد حماية إخوتهم وأقربائهم في سوريا؟
وأكثر من ذلك، متابعة الأحداث في الأيام الثلاثة الماضية، تبين أن إسرائيل تقاعست طويلاً عن حماية دروز سوريا عندما تعرضوا للهجوم البشع من مسلحين، يومي الاثنتين والثلاثاء. وإذا كانت قررت أن تسمح لنفسها بضرب قوات الجيش السوري، فلماذا لم تفعل ذلك عندما بدأت الدبابات تتحرك من دمشق وانتظرت حتى وصلت إلى السويداء؟ ولماذا قررت قصف مقرات ترمز إلى الدولة السورية، مثل رئاسة الأركان ووزارة الدفاع، فهل هذا يعين الدروز بشيء؟ وإذا كانت تعتقد بأن الحكومة السورية برئاسة الشرع، هي التي تقف وراء الاعتداءات على الدروز، لماذا لم تستخدم قنوات التنسيق المباشرة التي توجد الآن بين تل أبيب ودمشق، أو محطة الوسيط التركي أو الوسيط في عاصمة أذربيجان؟
إن خروج رئيس المعارضة الإسرائيلية، يائير لبيد، بموقف معارض بشدة للهجوم على سوريا، وانضمام قوى كثيرة في الإعلام إلى موقفه ومن ضمنها شخصيات من اليمين العقائدي، أمثال البروفيسور إيال زيسر، يؤكد أن هناك أهدافاً أخرى للغارات الإسرائيلية، ولبيد يعرف الكثير، إذ إنه بحكم القانون يطلع على أسرار الدولة الدقيقة.
ماذا حصل في الأيام الأخيرة؟
ما حدث يدل على أن نتنياهو لم يهتم بحماية الدروز، بل إنه يهتم باستغلال الاعتداء عليهم لأغراض سياسية وأمنية أخرى.
أولاً، منذ سقوط نظام الأسد، وهو يسعى إلى تنفيذ مخطط إسرائيلي قديم لتقسيم سوريا حتى لا تكون دولة قوية. وبادر إلى تنفيذ 500 غارة جوية تمكن خلالها من تحطيم 85 في المائة من القدرات الدفاعية للجيش السوري. وكان لقاء الرئيس ترمب مع الرئيس الشرع في الرياض «يوم نكبة» عند نتنياهو، إذ رأى في ذلك انهياراً لطموحاته، وقرر ألا يرفع الراية البيضاء، وانتظر الفرصة لانتهازها حتى يعيد طموحاته إلى الصدارة.
ثانياً، عندما دفعه الرئيس ترمب إلى مفاوضات مع الحكومة الجديدة في دمشق، أراد نتنياهو إبرام اتفاق سلام ينعكس فيه توازن القوى بين البلدين، وتعترف بموجبه سوريا بضم الجولان إلى إسرائيل.
ولكي يحقق ذلك، احتل قمم جبال الشيخ ومنطقة أخرى شرق مرتفعات الجولان أقام فيها تسعة مواقع عسكرية ثابتة، وراح يمارس الضغوط الحربية بواسطة الاستمرار في تنفيذ الغارات وتنويعها لتشمل كل الأراضي، شمالاً وجنوباً وغرباً وشرقاً.
ولما رفض السوريون ذلك، وأبدوا الاستعداد للانضمام إلى اتفاقيات إبرهيم بمستوى التنسيق والتفاهمات الأمنية، بدأ يخطط لأن يحصل على اعتراف سوري باحتياجات إسرائيل الأمنية – أي القبول بأن تكون المنطقة من دمشق وحتى الحدود الأردنية والإسرائيلية منزوعة السلاح، لا يدخل الجيش السوري إليها آليات ثقيلة، والقبول بإقامة حزام أمني على طول الحدود بعرض 3 : 5 كيلومترات من ضمنها المواقع التسعة المذكورة.
الرئيس السوري لم يستطع الموافقة على شروط مثل هذه، فقرر نتنياهو ممارسة الضغط العسكري عليه، وفقاً لمبدأ «السلام الناجم عن القوة». وأرفق عملياته الحربية بضغط سياسي وإعلامي أيضاً، يزعم فيه أن «الشرع لم يتخل عن ماضيه في جبهة النصرة، وأن قواته شريكة في تنفيذ المذابح ضد الدروز، مثلما كانت شريكة في الهجوم على كنيسة مار إلياس التي قتل فيها 25 شخصاً، والهجمات على العلويين في بلدات الساحل».
لذلك، فإن نتنياهو يستغل الوضع حتى النهاية، وهذا يعني أن هناك حاجة ماسة لتفويت الفرصة عليه، وإحداث تغيير في الأوضاع في سوريا يتم فيها وضع حد لانفلات السلاح والمجموعات الخارجة عن القانون، وإقناع كل شرائح المجتمع بأنها شريكة في البناء الجديد لسوريا. لقد وصف الكاتب الإسرائيلي، الدكتور تسفي برئيل، نتنياهو، كالفيل «دخل إلى الحدث بخطوة كبيرة مثل الفيل دون تحديد الأهداف ورؤية شاملة للساحة». وللفيل صفات أخرى: الجلد الغليظ والدوس الفظ، وتحطيم القوالب.
——————————
التدخُّل الإسرائيلي في سوريا… ما الأهداف وما الرسالة؟
القوى الوطنية الدرزية ترفض أي تدخل إسرائيلي وتطالب السلطات السورية بعدم الإساءة لأبناء الطائفة
تل أبيب: نظير مجلي
16 يوليو 2025 م
في الوقت الذي حاول فيه مئات الدروز من إسرائيل والجولان المحتل عبور الحدود إلى سوريا للمشاركة فيما وصفوه بـ«الوقوف إلى جانب» أبناء طائفتهم بمدينة السويداء في مواجهة عناصر مسلحة، وجَّه وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، تهديداً مباشراً للحكومة في دمشق، وشنت طائراته قصفاً جديداً داخل أراضيها.
وأثارت التحركات، التي ربما كانت الأخطر منذ تولى أحمد الشرع الرئاسة في سوريا في أواخر يناير (كانون الثاني) 2025، العديد من التساؤلات عمَّا إذا كانت هناك أهداف تتخطى هدف إسرائيل المعلن «حماية الأقلية الدرزية».
من جانبها، حذرت القوى الوطنية في الطائفة الدرزية من خطورة الأحداث، ودعت إلى تحكيم العقل، والعودة إلى اتفاق مايو (أيار) الماضي «الذي ينظم العلاقات بروح وطنية وسلمية».
وكانت مجموعة من الدروز في إسرائيل قد شرعت، منذ الثلاثاء، في محاولة اقتحام الحدود لدخول الأراضي السورية، فأعادت القوات الإسرائيلية قسماً منها، وأعلنت أن قسماً آخر تمكن من العبور.
ثم أقدمت مجموعتان أخريان، الأربعاء، على الفعل نفسه، وكانت إحداهما من سكان مرتفعات الجولان المحتل، مما دفع القوات الإسرائيلية لنشر فيلقين لحرس الحدود وأعادت من تمكن من الدخول.
واجتمعت القيادات الروحية والسياسية في الطائفة الدرزية في إسرائيل، وعلى رأسها موفق طريف، وهاجمت الحكومة الإسرائيلية «على تقاعسها في مساعدة الأشقاء في سوريا»، واتهمتها بـ«خيانة حلف الدم القائم بين إسرائيل والدروز»، وقررت محاولة إدخال مجموعات كبيرة من شباب الدروز الذين خدموا ويخدمون في الجيش الإسرائيلي إلى سوريا «للقتال إلى جانب الأشقاء هناك».
وأعلن دروز إسرائيل إضراباً عاماً، ودعوا أبناء الطائفة للتوجه إلى مرتفعات الجولان. وأعلن الشيخ طريف أنه وجّه رسالة إلى كل من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ووزير الدفاع كاتس، يهيب بهما إجبار قوات النظام السوري على الانسحاب من السويداء، واصفاً الأمر بأنه «حرب بقاء للطائفة الدرزية».
تحذيرات وتساؤلات
في المقابل، خرجت الحركات العربية الوطنية للطائفة الدرزية بتحذيرات شديدة من تدهور الأحداث.
وقالت «لجنة المبادرة الدرزية» إن الهدف الحقيقي لحكومة نتنياهو ليس حماية الدروز، الذين أشارت إلى أن معظمهم لا يقيمون علاقات مع إسرائيل ويلتزمون بالاتفاق المبرم بينهم وبين الشرع في مايو الماضي، والذي أعلنوا فيه رفضهم تدخل إسرائيل.
وقالت اللجنة إن هناك «أهدافاً سياسية» تتعلق بالمفاوضات الجارية في باكو لإبرام اتفاق أمنى.
وأشارت إلى أن إسرائيل تمارس الضغط لضم سوريا إلى اتفاقيات إبراهيم وفق شروطها، وتحاول تخفيف انسحابها من الأراضي السورية المحتلة منذ سقوط نظام بشار الأسد، والاحتفاظ باحتلالها قمم جبل الشيخ، والإبقاء على تسعة مواقع عسكرية أقامتها في عمق هذه الأراضي، وتريد توريط الدروز في هذه المعركة، وتجد مسلحين سوريين يؤججون الحرب لتسهيل مخططها.
وجاء في بيان صادر عن «الحركة التقدمية للتواصل»: «الأنباء الواردة من السويداء خطيرة ومقلقة وتتضارب حولها الروايات. وبغض النظر، فوحدة سوريا ليست بقطع شريان الشام السويداء، ولا باختطاف أبنائها ولا بدمهم المُراق هدراً. وحقّنا وواجبنا أن نسأل: ما الذي حدا ممّا بدا حتّى تنفجر الأحداث الآن، وبعد هذا الوقت الطويل من تفاهمات أيّار (مايو) 25 والهدوء الذي ساد بعده إثر البدء الميداني بتنفيذه؟».
واستطردت الحركة في تساؤلاتها: «مَن صاحب المصلحة في وأد الاتفاق وتأجيج نار الفتنة وفي هذا التوقيت؟ إنّنا نعود ونكرّر ونبيّن ونؤكد: الطريق لحقن الدماء والسد المنيع أمام المتربصين شراً بسوريا وأهلها وأمنهم وأمانهم هو العودة لاتفاق أيار (مايو) بين غالبية فعاليات الجبل والنظام الجديد والذي كان بدأ تنفيذه فعلاً، وما من شك أن هنالك محاولة بائسة لتفجيره على يد قوى مغرضة داخلية وخارجية لا تحمل همّ سوريا ولا همّ دروز سوريا».
وثمَّن رئيس الحركة، الأديب سعيد نفاع، عالياً مواقف الغالبية العظمى من القيادات العربية الدرزية في سوريا رفضاً لمخططات التقسيم وزرع الفِتن، وإطلاقها مبدأ الحوار حفاظاً على السلم الأهلي وحقن الدماء.
وأضاف: «نثمّن رفضها القاطع لأي تدخل خارجي، ووأد الأصوات التي تدعو لمثل هذا التدخّل على قلّتها».
ومضى قائلاً: «النظام الجديد في سوريا يتحمل كامل المسؤولية عن الأحداث الجارية في محافظة السويداء، بغض النظر عن المفتعلين أو المؤججين من فصائل مسلحة منفلتة حسب وسائل إعلامه، وهو المطالَب بلجمها والاقتصاص منها».
واعتبر رئيس الحركة الدعوة للتدخل الخارجي تحت شعار الحماية عملاً «يفتقد إلى الحد الأدنى من البصيرة، ولا يجلب لدروز سوريا وكل الدروز إلا الويلات، ويصب الوقود على نار مشعلي الصدامات ومفتعليها الذين لا ينوون الخير لأهل سوريا؛ كل أهل سوريا».
«رسالة» إسرائيل
وقد أعلن المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أن سلاح الجو هاجم، الأربعاء، «مدخل مقر هيئة أركان النظام السوري»، وقال إن الجيش «يواصل متابعة التطورات والأنشطة ضد المواطنين الدروز جنوب سوريا، وبحسب تعليمات المستوى السياسي هاجم المنطقة، وهو مستعد لسيناريوهات مختلفة».
وأطلق وزير الدفاع الإسرائيلي، كاتس، تهديدات ضد النظام السوري، وطالبه بسحب قواته من مدينة السويداء، وإلا «فستواصل إسرائيل مهاجمتها قوات النظام السوري، وسقف ردها سيرتفع».
وقال كاتس: «على النظام السوري الابتعاد عن الدروز في السويداء، ويسحب قواته من مناطقهم. وكما أوضحنا وحذرنا، لن تتخلى إسرائيل عن الدروز في سوريا، وستُطبق سياسة نزع السلاح التي قررناها.
وتابع: «سيواصل الجيش الإسرائيلي مهاجمة قوات النظام حتى انسحابها من المنطقة، وسيرفع قريباً مستوى ردود الفعل ضد النظام إذا لم تُفهم الرسالة»
———————–
ماذا تريد إسرائيل من قصف دمشق؟/ وائل علوان
17/7/2025
خلافًا لما درجت عليه إسرائيل بقصف الأهداف العسكرية الميدانية في سوريا من أرتال ومستودعات ورادارات وحتى مدرّعات، قام سلاح الجو الإسرائيلي للمرّة الأولى باستهداف مبنى قيادة الأركان في العاصمة دمشق، لتترك تل أبيب – منتصف يوم 16 يوليو/ تموز 2025- أثرًا سياسيًا أكبر بكثير من الدمار والتشويه الذي تركه القصف في المبنى المطل على ساحة الأمويين والسيف الدمشقي فيها.
القصف الإسرائيلي لهذا البناء بما يحمله من رمزية تُمثّل السيادة السورية، كان تطورًا خطيرًا في طبيعة التدخل الإسرائيلي في الشأن السوري، وفضلاً عما أعلنه التليفزيون السوري نقلاً عن جهات حكومية من سقوط عشرات الشهداء من قوات الأمن والجيش في القصف الإسرائيلي، فإن الرسالة الصريحة التي قرأتها حكومة دمشق هي الانتهاك والتعدي المباشر على سيادتها، في الوقت الذي تدرك فيه عدم قدرتها على الرد أو المواجهة.
في لحظة ما أدركت الحكومة السورية أنها أمام معضلة كبيرة نتيجة هذا التدخل الإسرائيلي السافر، وأن إسرائيل قد تذهب أبعد من ذلك، وأن دمشق تحتاج إلى التهدئة، إذ لن يسعفها أي موقف خارجي من الحلفاء أو الأصدقاء.
كما هو متوقع فإن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لم تؤثر في سياساته مواقف دول المنطقة والأمم المتحدة المستنكرة لتدخلاته العسكرية وقصفه المتكرر لدرعا والسويداء، في المقابل فإنه وجد فرصة لإقناع القضاء بضرورة تأجيل المحاكم التي تلاحقه في تل أبيب، فانطلق ليشرف بشكل مباشر على توسيع القصف إلى وسط دمشق ومحيط القصر الرئاسي فيها.
هل يعكس قصف دمشق موقف إسرائيل من الحكم الجديد في سوريا؟
رأت إسرائيل أن الحكومة السورية قد تجرأت على تجاوز ما تصنّفه تل أبيب ضمن محظوراتها الأمنية، بضرورة خلو الجنوب السوري من الجيش وسلاحه، واقتصار وجود الدولة على الأمن والشرطة والموظفين المدنيين، الأمر الذي استدعى إسرائيل هذه المرة لمعاقبة سوريا، وليس مجرد توجيه الرسائل والتحذيرات للحكومة الجديدة فيها.
في المقابل وجدت حكومة نتنياهو الفرصة مناسبة للاستثمار في إضعاف الحكومة السورية، وهز صورتها داخليًا وخارجيًا، الأمر الذي كانت الضغوط الأميركية تحرمها منه قبل أحداث السويداء.
لا تلتزم إسرائيل بحماية طائفة أو أقلية إثنية في سوريا بمقدار التزامها باستغلال فرص الاستثمار في الفوضى والأزمات؛ لتحقيق مصالحها الحالية، وتوفير المزيد من المكتسبات التفاوضية المستقبلية، وهي ضمن هذا الإطار تتبنى دعوة الشيخ الهجري الذي يعلن عداءه الصريح للحكومة السورية، وعدم اعترافه بشرعيتها.
رغم فتح باب المفاوضات بين سوريا وإسرائيل بدعم أميركي ووساطات إقليمية متعددة، وكل ما قيل عن المراسلات غير المباشرة أو اللقاءات المباشرة في باكو وأوسلو، فإن الموقف الحقيقي لإسرائيل من الحكم الجديد في سوريا هو تمامًا الموقف الذي يعبر عنه الشيخ الهجري ويعلنه المرة تلو الأخرى، وهو تمامًا ما يجعل إسرائيل تتدخل مع استدعاء الشيخ الهجري للتدخل الخارجي والحماية الدولية، بينما لا تدعم موقف باقي مرجعيات الطائفة في سوريا، سواء المرجعيات التقليدية مثل الشيخ حمود الحناوي، والشيخ يوسف جربوع، أو القوى الناشئة في الثورة من القادة والزعامات المحلية، مثل ليث البلعوس، ويحيى الحجار، وسليمان عبدالباقي.
موقف واشنطن من التصعيد ضد دمشق
يعتقد أن إسرائيل لا تتحرك إلا بالتنسيق مع الإدارة الأميركية، وقد يتقن الطرفان تبادل الأدوار فتطلب واشنطن التوقف عن القصف جنوب سوريا، فتكون استجابة تل أبيب بالتصعيد الذي يشمل قصف العاصمة دمشق.
ربما يكون هذا أكثر ما ستخشاه الحكومة السورية، حيث تعتمد على أن الموقف الأميركي تجاهها مختلف عن الموقف الإسرائيلي، وأن اعتداءات القوات الإسرائيلية على السيادة السورية ومحاولات الاستثمار في الفوضى ومنع الاستقرار لا سبيل إلى مواجهته إلا بالاعتماد على أن الموقف الأميركي مختلف وسيتدخل، فإن كانت دمشق قد أخطأت تقدير المواقف الخارجية مع تخطيطها للتدخل في السويداء، فهي أمام مشكلة كبيرة، وعليها إعادة حساباتها.
في المقابل فإن إدارة ترامب ستتدخل لتعيد الأطراف جميعًا إلى مسار المفاوضات، وإتمام دخول الجميع في الاتفاقيات الأبراهامية، لكن هذا لا يعني أنها معنية بالتدخل لمنع إسرائيل من معاقبة الحكومة السورية بما لا يؤثر جوهريًا على مبدأ استقرار المنطقة، انطلاقًا من استقرار سوريا ولبنان.
لن يزعج واشنطن استخدام تل أبيب القليل من القصف والتدمير في سبيل الكثير من الإلزام والضبط، بل هذا هو أحد مبادئ الرئيس ترامب والذي يعبر عنه بشعار: “تحقيق السلام باستخدام القوة”، وهذا يناسب إسرائيل غير المعنية باستقرار الحكم الجديد في دمشق، خلافًا لباقي حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، الساعين لدعم الرئيس الشرع واستقرار حكومته وتقويتها.
على أن واشنطن ستتدخل لإيقاف تل أبيب عندما تقدر أن الضغوط الإسرائيلية باتت مهددة لاستقرار حكم الرئيس الشرع في سوريا، ذلك أن استقراره هو الضامن لعدم عودة إيران إلى سوريا، وهو الضامن لإعادة التموضع السوري مع الغرب في خارطة التحالفات الإقليمية والدولية، وهو القادر في سوريا على إنهاء منظومات ما دون الدولة لصالح حكومة ضامنة للأمن والاستقرار المنسجم مع مصالح الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة.
آثار قصف مبنى قيادة الأركان في دمشق ومآلاته
بعيدًا عن النظر في الخسائر البشرية والمادية وحتى المعنوية، فإن القصف الإسرائيلي الذي خرج عن المعتاد- فطال تدمير جزء من واجهة مبنى قيادة الأركان في دمشق- سيترك أثره وتداعياته السياسية في طريق الحكومة السورية التي تواجه أساسًا جملة من التحديات على كافة المستويات، لا سيما الاقتصادية.
قد تكتفي إسرائيل بما حصل مع عودة الجيش السوري إلى ثكناته بعيدًا عن الجنوب، لكنها قد رسمت شكل التدخل الذي من الممكن أن تبادر به في حال تجاوز الخطوط الحمراء التي تفرضها في المنطقة، خاصة أن حكومة نتنياهو تعيش ذروة الصلف والتباهي باستخدام فرط القوة، بعد تدميرِها غزة، وقضائها على حزب الله في لبنان وادعائها إسقاط نظام الأسد في سوريا، واعتقادها الانتصار المطلق في حربها على إيران.
من جانب آخر، فإن قصف قيادة الجيش ومحيط القصر الرئاسي في أي دولة هو دليل صريح وحجة صارخة على أن هذه الدولة أبعد ما تكون عن الأمن والأمان والسلام والاستقرار، وبالتالي فهي أبعد ما تكون عن استقطاب الفرص وإغراء المستثمرين، الأمر الذي يسير في اتجاه معاكس لما تريده الحكومة السورية، وتسعى إلى تحقيقه في أسرع وقت ممكن لإنقاذ الاقتصاد، ورفع معاناة السوريين الذين ضاقوا ذرعًا بسوء المعيشة، وتردّي الأوضاع في البلاد.
تحتاج الحكومة السورية إلى رفع العقوبات الأميركية بشكل فعلي وعملي تبدأ آثاره بالظهور في مختلف القطاعات الاقتصادية والتنموية، الأمر الذي لم يحصل منه شيء بعد، رغم الوعود الأميركية وإصدار القرارات التنفيذية.
وإن ما تخشاه الحكومة السورية وجميع السوريين أن تلقي الأزمة الأخيرة في السويداء وانعكاساتها على مسار التفاهمات مع إسرائيل بظلال ثقيلة على مسار رفع العقوبات الأميركية عن سوريا، بتأخير، أو تعطيل، أو تردد من الجانب الأميركي.
كذلك فإن موقف إسرائيل وقصفها العاصمة دمشق بهذا الشكل، قد قلل من ثمرة الحسم العسكري الذي انتهت به الأمور في السويداء لصالح الحكومة السورية، بل إنه يترك الفرصة لاحقًا لعودة التوترات في المحافظة، فضلًا عما ستتأثر به القوى المعارضة للاندماج مع الحكومة السورية شمال شرق البلاد.
تنظر دمشق إلى تطور الموقف الإسرائيلي بعين الريبة والقلق، فما جرى لن يتوقف تأثيره على تأخر التعافي والاستقرار فحسب، وإنما قد يؤدي إلى تنامي الضغط الإسرائيلي على الولايات المتحدة لتغيير موقفها من الحكم الجديد في دمشق، وبالتالي تتأثر واشنطن وتعيد حساباتها في المنطقة، وتؤثر بذلك على حلفائها الداعمين لحكومة الرئيس الشرع.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
باحث مختص في الشأن السوري
الجزيرة
———————————–
«فتنة السويداء» تفتح شهية إسرائيل على «ممر داوود»/ رماح إسماعيل
الخميس 17 تموز 2025
عاد مشروع «ممر داوود» الإسرائيلي إلى الواجهة بقوة مؤخراً بالتزامن مع مناشدات القيادة الروحية للدروز في سوريا بزعامة الشيخ حكمت الهجري، الذي طالب بإعلان مدينة السويداء «منطقة منكوبة»، داعياً إلى فتح ممر إنساني مع الأكراد في سوريا.
وتصاعد الحديث حول «ممر داوود» بشكل ملحوظ، خاصة بعد سقوط نظام الأسد في سوريا أواخر عام 2024، حيث استغلت إسرائيل الفراغ السياسي والأمني في سوريا لدفع أهدافها الاستراتيجية طويلة الأمد في المنطقة نحو التحقيق. وشرعت بالتصعيد العسكري الفوري والاستيلاء على الأراضي خارج المنطقة العازلة وفي ريف القنيطرة وصولاً إلى مشارف ريف دمشق.
«ممر داوود» في الإيديولوجيا الإسرائيلية
يرتبط المشروع ارتباطاً وثيقاً بمفهوم «إسرائيل الكبرى»، وهو مفهوم توسعي محوري للصهيونية. تستند هذه الرؤية، التي تُنسب إلى مؤسس الصهيونية تيودور هرتزل، إلى خريطة توراتية تمتد من نهر النيل في مصر إلى نهر الفرات في العراق.
وتشير «إسرائيل الكبرى» إلى تعاريف توراتية مختلفة لأرض إسرائيل، تتراوح من نطاق أضيق (الأرض المقسمة بين الأسباط الاثني عشر) إلى منطقة أوسع بكثير «من وادي مصر إلى الفرات». ولا يحمل هذا المفهوم أبعاد تاريخية ودينية فقط، بل يخدم طموحاً جيوسياسياً، يهدف إلى زيادة قوة إسرائيل وسيطرتها على منطقة أوسع.
ويُسمى المشروع «ممر داوود» لأنه، وفقاً للتفسيرات الصهيونية، امتد حكم الملك داوود (ومن بعده سليمان) في العصور القديمة حتى نهر الفرات. وتوفر هذه السردية التوراتية تبريراً تاريخياً ودينياً للطموحات الإقليمية المعاصرة. ومن المهم ملاحظة أنه بينما يُعتبر داوود نبياً في الإسلام، فإن الإسرائيليين ينظرون إليه بشكل أساسي كملك ومؤسس «مملكة إسرائيل الكبرى».
ويوضح الربط الصريح بين «ممر داوود» ومفهوم «إسرائيل الكبرى» كيف تُستخدم السرديات الدينية والتاريخية العميقة لتشريع الطموحات الجيوسياسية والتوسع الإقليمي المعاصر. هذا يشير إلى أن المشروع ليس مجرد استجابة عملية للمخاوف الأمنية، بل هو مدفوع برؤية طويلة الأمد ومُشبعة أيديولوجياً لبسط الهيمنة الإقليمية على مناطق أوسع من الأراضي الفلسطينية المحتلة.
ويتماشى المشروع مع استراتيجية إسرائيل المعروفة باسم «تحالف الأطراف» أو «عقيدة المحيط»، والتي تتضمن بناء علاقات مع قوى غير عربية أو طرفية (مثل إيران قبل الثورة وتركيا تاريخياً) وتشكيل تحالفات مع أقليات عرقية وطائفية (مثل الأكراد والدروز) في الدول العربية المجاورة، لاختراق «الجدار العربي» المحيط بإسرائيل وتوسيع نفوذها الجيوسياسي.
وتترجم هذه الاستراتيجية في دعم الكيانات الكردية والدرزية في سوريا تحت غطاء إنساني يحمل أهدافاً استراتيجية وذلك عبر إنشاء مناطق حكم ذاتي أو شبه ذاتية تقوض وحدة الأراضي والسلطة المركزية لسوريا. وبعد هذا التفتيت يسهل بعد ذلك النفوذ والسيطرة الإسرائيلية على مناطق وموارد محددة، بينما يخلق في الوقت نفسه مناطق عازلة ويضعف الخصوم المحتملين.
المسار المحتمل لـ«ممر داوود»
تصوّر الخرائط الإسرائيلية التي تضم مخططات عن هذا المشروع، أنّ الممر سينطلق من مرتفعات الجولان السورية المحتلة في الجنوب الغربي. ثم يمر عبر المحافظات السورية الجنوبية المتاخمة لإسرائيل والأردن، وتحديداً القنيطرة ودرعا والسويداء. من السويداء (جبل حوران)، يتسع الممر شرقاً عبر البادية السورية (الصحراء).
ويهدف الممر إلى الوصول إلى معبر التنف الاستراتيجي، الواقع عند المثلث الحدودي السوري-العراقي-الأردني. ثم يستمر المسار شمال شرقاً عبر محافظة دير الزور، ويصل إلى نهر الفرات، وتحديداً المناطق التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية (قسد) شرق النهر، ومن ثم إلى الهدف النهائي وهو ربط هذا الشريان بإقليم كردستان العراق عبر الحدود السورية-العراقية.
وتكتسب المواقع الاستراتيجية على طول هذا المسار أهمية بالغة لتحقيق أهداف المشروع. حيث تُعد مرتفعات الجولان المحتلة، كنقطة انطلاق، منطلقاً مباشراً إلى جنوب سوريا. أما محافظات القنيطرة ودرعا والسويداء في جنوب سوريا، فهي حاسمة لإنشاء وصلة برية متصلة، وهي مناطق شهدت نشاطاً عسكرياً إسرائيلياً متزايداً ودعماً للفصائل المحلية، بما في ذلك الدروز.
ويُعد معبر التنف حيوياً استراتيجياً بسبب وجود قاعدة عسكرية أميركية فيه، مما يشير إلى تنسيق محتمل أو توافق مصالح أميركية-إسرائيلية في السيطرة على هذا المركز اللوجستي الرئيسي.
أما السيطرة أو النفوذ على مناطق نهر الفرات ودير الزور والمناطق التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية، فستوفر الوصول إلى موارد المياه (نهر الفرات) واحتياطيات النفط والغاز المحتملة، بالإضافة إلى اتصال بالفصائل الكردية في شمال شرق سوريا وإقليم كردستان العراق.
المصالح والتأثيرات على الإقليم
يهدف المشروع بالدرجة الأولى إلى تحقيق المصالح الإسرائيلية في المنطقة، وأهمها توسيع نطاق الهيمنة الإسرائيلية على المحيط، لتتمكن إسرائيل من تعزيز الأمن القومي لكيانها، وإنشاء أحزمة أمنية ومناطق عازلة، والسيطرة على الموارد الاستراتيجية في المنطقة، وإضعاف الدول المعادية مثل إيران والعراق، وصولاً إلى بتر حركات المقاومة التي أرهقت كاهلها وقطع الدعم عنها لإنهاء أي حالة عداء ومجابهة لمخططاتها الاستعمارية التوسعية.
وتتضمن الأهداف الاقتصادية للممر تأمين مصادر مياه إضافية من نهر الفرات، وهو أمر حيوي لمنطقة تعاني من ندرة المياه. كما يوفر مساراً محتملاً لنقل النفط من المناطق الكردية في سوريا والعراق، متجاوزاً الطرق الحالية ويقلل الاعتماد على الموانئ التركية.
ويمكن للممر أن يحول إسرائيل إلى مركز اقتصادي إقليمي، ويربطها بمبادرات تجارية عالمية مثل الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC) الذي أُعلن عنه في قمة مجموعة العشرين، ما يضعها كبديل لطريق الحرير الصيني ويمنحها حصة من عائدات خطوط أنابيب الغاز (مثل خط أنابيب الغاز القطري-الأوروبي).
أما بالنسبة للولايات المتحدة فإنّ المشروع يخدم مصالحها من خلال إضعاف الدول المركزية مثل سوريا والعراق، وبالتالي تعزيز النفوذ الأميركي في المنطقة. كما أنّ مرور الممر عبر التنف، حيث توجد أكبر القواعد الأميركية، يشير إلى توافق استراتيجي أو موافقة ضمنية، مما يسهل الوجود الأميركي في قلب المنطقة.
التأثير على دول المنطقة:
تعتبر سوريا الخاسر الأكبر في حال تحقيق مشروع «ممر داوود» عبر أراضيها، حيث يهدف لإعادة تشكيل سوريا عن طريق تفتيتها، وإضعاف الحكومة المركزية في دمشق، ومنعها من استعادة السيطرة الكاملة على أراضيها الجنوبية والشرقية. كما تهدف إسرائيل إلى تشجيع إنشاء كيانات مستقلة على أسس عرقية وطائفية، خاصة للدروز والأكراد، وبالتالي إضفاء الشرعية على حكمهم الذاتي وتعميق تفكك سوريا.
وتسعى إسرائيل كهدف يعتبر من أولوياتها إلى إضعاف إيران في المنطقة عبر الممر الذي من شأنه أن يقطع الطريق البري الذي يصل إيران بالشرق الأوسط، ومنعها من تعزيز عمقها الاستراتيجي.
أما بالنسبة لتركيا، فيقدم الممر بديلاً لخط أنابيب كركوك-جيهان، ما قد يقلل من اعتماد العراق على الموانئ التركية لتصدير النفط، وبالتالي يهدد المصالح الاقتصادية التركية. كما أنّ دعم إسرائيل للحكم الذاتي الكردي على طول الممر يمثل تحدياً مباشراً لوجهة نظر تركيا طويلة الأمد بأن الكيان الكردي على حدودها يمثل تهديداً وجودياً، ما قد يؤدي إلى مواجهة محتملة.
وبالنسبة للعراق، يوفر الممر للأكراد العراقيين منفذاً بديلاً للنفط، ما يقلل من اعتمادهم على الطرق الحالية وقد يغير ديناميكيات تصدير النفط في العراق. كما أنه يدخل نفوذاً إسرائيلياً موسعاً على حدود العراق، ما يضيف طبقة أخرى من التعقيد إلى المشهد السياسي والأمني غير المستقر.
«الأقليات» ذريعة إسرائيل لتنفيذ «ممر داوود»
يمكن تفسير هدف إسرائيل المعلن بحماية الأقليات الدرزية والكردية على أنه سردية استراتيجية لإضفاء الشرعية على تدخلاتها ومكاسبها الإقليمية، بدلاً من كونه مجرد اهتمام إنساني. فبينما لإسرائيل علاقات تاريخية مع بعض الطوائف الدرزية والكردية، يتزامن توقيت وسياق تركيزها المتزايد على «الحماية» مع أهدافها الاستراتيجية المتمثلة في التفتيت وإضعاف الدولة السورية.
تشير هذه الذرائع إلى أن السردية الإنسانية تعمل كغطاء مناسب للمناورات الجيوسياسية، ما يسمح لإسرائيل بكسب حلفاء محليين وتأسيس نفوذ في مناطق رئيسية تحت ستار حماية الفئات الضعيفة. وهذا يثير تساؤلات حول الدوافع الحقيقية وراء مثل هذه التحالفات وتداعياتها طويلة الأمد على الأقليات نفسها وحرياتها من مناطقها تحت سطوة الإسرائيلي وجنوده!.
————————————-
هل تمنع أميركا إسرائيل وسوريا من صراع أوسع محوره الدروز؟/ طارق الشامي
الانقسامات السياسية المتجذرة والأجندات الإقليمية المتضاربة قد تبقيان الصراع محتدماً
الخميس 17 يوليو 2025
حثت واشنطن إسرائيل سراً على تقليص ضرباتها العسكرية على سوريا لمنع مزيد من التصعيد، والحفاظ على الاستقرار الإقليمي الذي بذلت فيه واشنطن جهداً ووقتاً منذ أشهر، إذ تشجع الولايات المتحدة على زيادة دعم النظام السوري الجديد، في محاولة لمساعدته في استعادة سيطرته واستقرار البلاد.
مثلت الضربات الإسرائيلية لهيئة الأركان السورية بوزارة الدفاع وأجزاء تابعة للقصر الجمهوري الرئاسي في دمشق تصعيداً غير مسبوق أثار قلق الولايات المتحدة، في خضم صراع تصاعد خلال الأيام الأخيرة في السويداء السورية ذات الغالبية الدرزية، كأعنف موجة اضطرابات تشهدها المحافظة في التاريخ الحديث، ومع ذلك تمكنت إدارة الرئيس دونالد ترمب من التدخل لتهدئة الأوضاع ونزع فتيل أزمة تنذر بالتمدد إلى مواجهة إقليمية أوسع، فما طبيعة الدور الأميركي وحدوده؟ وكيف يمكن لواشنطن أن تضمن عدم انهيار التهدئة؟
دور أميركي متجدد
على رغم الجهد الدبلوماسي الذي بذلته الولايات المتحدة مساء يوم الثلاثاء الماضي (الـ15 من يوليو / تموز) لوقف الهجمات العسكرية الإسرائيلية على القوات الحكومية السورية في محافظة السويداء، خلال مواجهات مع الميليشيات الدرزية هناك، إلا أن حكومة نتنياهو تحدت الطلب الأميركي، وقصفت في تصعيد غير مسبوق مقر وزارة الدفاع السورية ومراكز قيادة الجيش في دمشق يوم الأربعاء (الـ16 من يوليو)، فيما وصفه وزير الدفاع إسرائيل، يسرائيل كاتس بأنه رد مباشر على هجوم الحكومة السورية على الأقلية الدرزية في السويداء، مما يشير إلى تحول جذري في موقف إسرائيل تجاه الصراع في جنوب سوريا.
ومع ذلك أكدت إدارة ترمب التي سعت إلى تحسين العلاقات مع سوريا وتخفيف العقوبات عنها بعد الإطاحة بنظام بشار الأسد العام الماضي أنها جددت محاولاتها لتهدئة التوترات، وألقى وزير الخارجية ماركو روبيو باللوم في أعمال العنف على ما وصفه بسوء تفاهم بين إسرائيل وسوريا ناجم عن الصراع الطائفي في جنوب سوريا، مشيراً إلى اقتراب الولايات المتحدة من خفض تصعيد حقيقي.
لكن ما يشير إلى أن واشنطن بدت منزعجة من التصعيد الإسرائيلي هو وصف روبيو، في بيان له، هذا العنف بأنه “تهديد مباشر للجهود المبذولة للمساعدة في بناء سوريا سلمية ومستقرة”، كما لم يحمل المبعوث الأميركي إلى سوريا توم باراك أي طرف المسؤولية واكتفى بإدانة الهجمات على المدنيين في السويداء، داعياً جميع الأطراف إلى الانخراط في حوار هادف لوقف دائم لإطلاق النار.
أهداف ترمب مهددة
وفقاً لتقارير متعددة، حثت واشنطن إسرائيل سراً على تقليص ضرباتها العسكرية على سوريا لمنع مزيد من التصعيد والحفاظ على الاستقرار الإقليمي الذي بذلت فيه واشنطن جهداً ووقتاً منذ أشهر، إذ تشجع الولايات المتحدة على زيادة دعم النظام السوري الجديد في محاولة لمساعدته في استعادة سيطرته واستقرار البلاد.
وهناك أيضاً مؤشرات على أن الولايات المتحدة وحلفاءها يشجعون الحكومة السورية على المضي قدماً نحو توقيع اتفاق أمني مع إسرائيل يمهد للتطبيع في ما بعد، وهو ما بدأه الجانبان بدفع أميركي قبل أيام، إذ أجرت حكومة نتنياهو محادثات مع النظام الجديد بقيادة الشرع حول إمكان انضمام سوريا إلى الاتفاقات الإبراهيمية، كما ألمح توم باراك إلى رهانات أميركية على دور سوري أكبر للقيادة السورية حين حذر القيادات اللبنانية قبل أيام من إمكان عودة لبنان للشام مرة أخرى، في إشارة واضحة إلى مواجهات محتملة بين قوات الجيش السوري وميليشيات “حزب الله” مستقبلاً.
ولهذا فإن التوترات المتصاعدة بين إسرائيل والحكومة السورية، تهدد بعرقلة خطواتهما المترددة نحو علاقات أكثر دفئاً بعد عقود من العداء، فيما يسعى الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع، وهو زعيم سابق لـ”هيئة تحرير الشام” التي حاربت النظام السوري حتى أطاحت به في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، إلى تحقيق الاستقرار في البلاد، كما أبدت إسرائيل استعدادها لتوسيع نطاق “اتفاقات أبراهام”، حتى أن وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر حدد الدول التي تستهدفها إسرائيل للتطبيع، وقال إن لدى إسرائيل مصلحة في ضم دول، مثل سوريا ولبنان، إلى دائرة السلام والتطبيع، مع حماية مصالح إسرائيل الأساسية والأمنية. لكن نظراً إلى الانقسامات السياسية عميقة الجذور، والأجندات الإقليمية المتضاربة، والمطالب العالقة للأقليات، فمن غير المرجح أن تنتهي الاضطرابات في جنوب سوريا قريباً، وعلى رغم التوافق على وقف إطلاق نار موقت آخر، لا تزال التوترات الكامنة قائمة.
أجندة مختلفة
غير أن إسرائيل بدت تنفذ أجندة مختلفة عما تقوله في العلن، فمنذ سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، احتلت مزيداً من الأراضي في سوريا، وشنت هجمات متكررة على البلاد، بهدف معلن هو منع إعادة بناء القدرات العسكرية واجتثاث التشدد الذي قد يهدد أمنها، واستمرت الهجمات الإسرائيلية على رغم مطالبة الولايات المتحدة، حليفها الأقرب، بتطبيع العلاقات مع سوريا بعد تولي حكومة جديدة السلطة.
ومع تصاعد التوترات في السويداء، صرح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأن إسرائيل ملتزمة بمنع إلحاق الأذى بالدروز في سوريا، انطلاقاً مما وصفه بالتحالف الأخوي الوثيق مع المواطنين الدروز في إسرائيل، وروابطهم العائلية والتاريخية مع الدروز في سوريا، حيث يعيش نحو 130 ألف درزي إسرائيلي في الكرمل والجليل شمال إسرائيل، وخلافاً للأقليات الأخرى داخل حدود إسرائيل، يجند الدروز في الجيش الإسرائيلي منذ عام 1957، وغالباً ما يترقون إلى مناصب عليا، ويبني عدد منهم مسيرة مهنية في الشرطة وقوات الأمن.
كما أعلنت الحكومة الإسرائيلية من جانب واحد منطقة منزوعة السلاح في سوريا وحظرت دخول القوات والأسلحة إلى جنوب سوريا، وهو ما اعتمدته مبرراً لهجماتها الأخيرة على المدرعات والدبابات السورية المتجهة إلى السويداء.
ويحذر باحثون مثل عروة عجوب، من جامعة مالمو بالسويد، من أن احتلال إسرائيل وتواصلها مع زعماء الأقليات، ومطالبتها بنزع سلاح جنوب سوريا بالكامل، كلها عوامل تحبط محاولات الحكومة الجديدة لبسط سيادتها وتسهم في زعزعة استقرار المنطقة بأسرها تحت ادعاء حماية الدروز، خصوصاً وأن حكومة الشرع لم تظهر قبل هذا الأسبوع أي عداء يذكر لإسرائيل، فكانت تتفاوض مع حكومة نتنياهو على اتفاق أمني في محادثات تدعمها الولايات المتحدة.
لكن بعد الهجوم الإسرائيلي على وزارة الدفاع دانت الخارجية السورية ما وصفته بـ”العدوان الإسرائيلي الغادر” الذي استهدف المؤسسات الحكومية والمرافق المدنية في دمشق والسويداء، وللمرة الأولى منذ تولي الشرع السلطة، أشارت وكالة الأنباء السورية الرسمية إلى إسرائيل على أنها “قوة احتلال”، مما يشير إلى تغير ملاحظ من شأنه أن يضر بجهود الولايات المتحدة وتصوراتها لمستقبل المنطقة.
ماذا تريد إسرائيل؟
تدعم إسرائيل الأقليتين البارزتين في سوريا، الأكراد في الشمال الشرقي، والدروز في الجنوب، في سعيهما نحو نموذج حكم اتحادي (فيدرالي)، إذ يرى بعض صناع القرار الإسرائيليين أن سوريا المجزأة، المقسمة على أسس عرقية ودينية، وسيلة للحفاظ على الهيمنة الإسرائيلية في المنطقة، وهي رؤية تتسق مع وصف بعض المسؤولين الإسرائيليين “الشرق الأوسط الجديد”، حيث ينشأ الاستقرار الإقليمي والتطبيع من خلال إعادة تشكيل الحدود والتحالفات، بحسب ما يشير إليه الباحث في دراسات الشرق الأوسط بجامعة ديكين علي المعموري.
كما أكد وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر أخيراً هذه الاستراتيجية، قائلاً إن “وجود دولة سورية واحدة ذات سيطرة وسيادة فعلية على جميع أراضيها أمر غير واقعي، ولهذا السبب فإن المسار المنطقي بالنسبة إلى إسرائيل للمضي قدماً هو استقلالية مختلف الأقليات في سوريا ضمن هيكل اتحادي فيدرالي”.
أهداف استراتيجية أوسع
يبدو أن ضربات نتنياهو على دمشق تخدم أهدافاً استراتيجية أوسع نطاقاً تتجاوز الحماية المباشرة للمدنيين الدروز، فعندما استهدف سلاح الجو الإسرائيلي مبنى هيئة الأركان العامة والمناطق القريبة من القصر الرئاسي، بدت العملية مصممة لإظهار قدرة إسرائيل على التصرف بحزم ضد الحكومة السورية الجديدة، مع الدفاع ظاهرياً عن حقوق الأقليات، وفي الوقت نفسه خلق نفوذ أكبر لإسرائيل في المفاوضات المستقبلية حول مرتفعات الجولان. وإضافة إلى ذلك، يبدو أن هناك حسابات استراتيجية أعمق قيد التنفيذ، إذ يشير خبير شؤون الشرق الأوسط كيريل سيمينوف إلى تفضيل إسرائيل إنشاء كيانات فوضوية مسيطر عليها على حدودها، بدلاً من دول مستقرة، مما يعني أن الوضع الدرزي حالياً يقدم مبرراً لما يشبه جهود إنشاء منطقة عازلة في جنوب سوريا.
ماذا يريد الدروز؟
الدروز أقلية دينية صغيرة تقدر بأكثر من مليون نسمة، ويتركزون بصورة رئيسة في المناطق الجبلية في لبنان وسوريا وإسرائيل والأردن، لكن غالبهم يقطنون سوريا، إذ يقدر عددهم بنحو 700 ألف نسمة (من أصل نحو 23 مليون نسمة، إجمالي عدد سكان سوريا)، وتقيم غالبيتهم في محافظة السويداء الجنوبية، معقلهم التقليدي.
ومنذ الثورة في عام 2011 ضد نظام الأسد، حافظ الدروز على قدر من الاستقلالية، ودافعوا بنجاح عن أراضيهم من تهديدات مختلفة، بما في ذلك “داعش” والجماعات المتطرفة الأخرى، وبعد سقوط الأسد أواخر العام الماضي، دعا الدروز إلى جانب أقليات أخرى، مثل الأكراد في الشرق والعلويين في الغرب، إلى إقامة نظام فيدرالي في البلاد، وأصبحوا ينادون بنموذج لامركزي يمنح استقلالية أكبر للمجتمعات الإقليمية.
لكن الحكومة الانتقالية في دمشق دفعت باتجاه دولة مركزية وتسعى إلى إعادة فرض سيطرتها الكاملة على كامل الأراضي السورية، وأدى هذا الخلاف الجوهري إلى اشتباكات دورية بين القوات الدرزية والقوات الموالية للحكومة، وعلى رغم وقف إطلاق النار الموقت، لا تزال التوترات عالية. ونظراً إلى بقاء الخلاف السياسي الجوهري من دون حل، يتوقع كثيراً اندلاع صراع متجدد في المستقبل القريب.
كثيراً ما وازنت الطائفة الدرزية على مر التاريخ، بين ولائها للقوى المحلية والتزامها بالحفاظ على الذات، لكن سقوط نظام الأسد أتاح فرصة وأشاع حالة من عدم اليقين، لا سيما بالنسبة إلى سكان جنوب سوريا، والآن ومع تعهد إسرائيل بحمايتهم وسط اشتباكات بين الميليشيات الدرزية وقوات الحكومة السورية، قد ينشأ كيان سياسي جديد تحت نفوذ إسرائيل.
استقرار سوريا مهدد
ووفقاً لمعهد دراسة الحرب الأميركي، من المرجح أن تؤدي الانتهاكات التي ارتكبتها جميع الجهات الفاعلة خلال الصراع في محافظة السويداء إلى تدهور الثقة بين المجتمعات والحكومة الانتقالية السورية، مما يهدد بتقويض قدرة الحكومة الانتقالية على إرساء استقرار طويل الأمد في سوريا، إذ ستنظر إليها الأقليات السورية على هذا النحو، وسيكون لها آثار طويلة الأمد في استقرار البلاد وأمنها.
ويعود ذلك جزئياً لأن قدرة الحكومة الانتقالية السورية واستعدادها لمحاسبة عناصر قوات الأمن على الجرائم المرتكبة ضد المدنيين، ستكون أحد العوامل التي تؤثر في قدرتها على إرساء الأمن والاستقرار في جنوب سوريا، فعلى رغم إعلان وزير الدفاع السوري مرهف أبو قصرة في الـ14 والـ15 من يوليو (تموز) الجاري أن الحكومة ستحاسب القوات التي ترتكب انتهاكات في السويداء على أفعالها، لم تحاسب الحكومة الانتقالية السورية الجنود السوريين علناً على الجرائم التي ارتكبت في حق العلويين على الساحل السوري في مارس (آذار) الماضي، على رغم التقارير الاستقصائية الصادرة عن منظمات إنسانية وثقت هوية الجناة.
وأدى هذا التقاعس إلى تأجيج انعدام الثقة بالحكومة الانتقالية بين الطائفة العلوية، ومن المرجح أن يؤدي عدم محاسبة قوات الأمن على الجرائم المرتكبة في السويداء إلى زيادة انعدام الثقة بين الطائفة الدرزية والحكومة الانتقالية السورية.
مخاوف وانقسامات
ويواجه الدروز أنفسهم انقسامات داخلية، فبينما أعرب بعضهم في الحضر عن ميول مؤيدة لإسرائيل، مشيرين إلى أن وجود منطقة درزية تتمتع بالحكم الذاتي قد يسهم في استقرار المنطقة، يرفض آخرون في السويداء التدخل الأجنبي رفضاً قاطعاً ويحذر آخرون من عواقب محتملة، مجادلين بأن مزيداً من تفتيت سوريا قد يشجع أقليات أخرى ويعمق عدم الاستقرار الإقليمي.
وفيما تخشى دمشق من انفصال الدروز السوريين، بينما ترفرف الأعلام الإسرائيلية فوق السويداء بالفعل، وتتحرك القوات على الأرض، وفقاً لبعض حسابات مواقع التواصل الاجتماعي، لا يزال الوضع متقلباً تماماً في الوقت الراهن، وغير متوقع إلى حد ما.
وما يحدث الآن متروك للفصائل المختلفة التي تسيطر على غالبية سوريا، وكلما أدرك المجتمع الدولي هذه الحقيقة في وقت أقرب زادت فرص منع وقوع كارثة أخرى على غرار ما حدث في لبنان، لكن يبقى أن نرى ما إذا كان التصعيد الأخير يمثل بداية حملة عسكرية إسرائيلية متواصلة في جنوب سوريا، أم استعراضاً محدوداً للقوة.
————————-
عدوان إسرائيل «لحماية دروز سوريا»؟
يوم الأحد الماضي، وفيما كان سائق سيارة خضراوات شاب من طائفة الدروز الموحدين يدعى فضل الله دوارة في الطريق إلى دمشق، تعرّضت له عصابة وسرقت منه مبلغا من المال. في السويداء، التي تعتبر المعقل الرئيسي للدروز في سوريا. حمّلت بعض الفصائل العسكرية التي تسيطر على المدينة المسؤولية لقبيلة بدوية تقيم في حيّ المقوّس في المدينة وتبادل الطرفان عمليات الخطف والقصف في مواجهات دموية عنيفة.
كان الرد الطبيعي من قبل السلطات السورية هو تحريك قوات لمنع المواجهات بين الطرفين، لكنّ دخول هذه القوات إلى القرى المحيطة الدرزية بالمدينة اعتبر من قبل أكثر القادة الدينيين الثلاثة تشددا ضد الحكومة السورية، الشيخ حكمت الهجري، والفصائل القريبة من تياره، محاولة من السلطات السورية لفرض سيطرتها على المدينة وليس فقط لوقف المواجهات وتثبيت الأمن، وهو ما أدى بإيعاز مباشر من الهجري، إلى مواجهات مع القوات السورية.
حصلت في هذه الأثناء، أشكال من الانتهاكات لمدنيين دروز (وكذلك لبعض الأسرى من الجنود والأمن) وكانت ذروة هذه الانتهاكات عملية إعدامات ميدانية لاثني عشر شخصا كانوا موجودين في مضافة لآل رضوان، إحدى العائلات الكبيرة في المدينة، كما حصلت عمليات سلب ونهب للممتلكات، وهو أمر يكشف عن عيوب تنظيمية وأيديولوجية خطرة ضمن القوات المنضوية ضمن مؤسسات الجيش والأمن السوريين بشكل شهد السوريون أمثلة خطيرة عليه أثناء أحداث الساحل السوري والمجازر التي تلتها ضد العلويين وهو ما أدى إلى ردود فعل عالمية ومطالب من «الاتحاد الأوروبي» لمحاسبة بعض المنظمات المحسوبة على دمشق.
في المقابل، يعكس الوضع بين دروز السويداء حالة من الصراع بين تيّارين بارزين، يمثّل الهجري وبعض الفصائل العسكرية، مثل «مجلس السويداء العسكري» اتجاها يرفض دخول السلطات السورية إلى المدينة، ويرتبط بعلاقات بارزة مع دروز إسرائيل الذين يقدّمون أشكالا من الدعم الماديّ لهذا الاتجاه، فيما يمثّل الشيخان حمود الحناوي ويوسف الجربوع وفصائل مثل «تجمع رجال الكرامة» الذي يقوده الشيخ ليث البلعوس، اتجاها آخر، يقول إن «الشيخ الهجري لا يمثل كل السويداء» وأنها «تحتوي تيارا وطنيا واسعا».
رغم الاختلاف في المواقف فإن الحركة الآنفة قالت إنها أعلنت «النفير العام» بعد المواجهات ودفعت بمقاتليها إلى مواقع التماس «لحماية السلم الأهلي وردع من يستبيح أمن الناس» لكنّ الناطق باسمها قال إن الأحداث الجارية لا تتعلق باحتجاز سائق سيارة وسلبه مبلغا ماليا بل إلى «النيل من هيبة الدولة» السورية، ويرد على كلام الهجري حول وضع الرئيس السوري أحمد الشرع «أمام اختبار» بأن طرح الحكم الذاتي كان محل الاختبار وأن «النتيجة كانت فشلنا بالحكم الذاتي وإدارة شؤوننا».
وجدت إسرائيل في الأحداث الأخيرة مناسبة جديدة للعدوان على سوريا فأعلن جيشها أنه أغار خلال 24 ساعة على 160 هدفا، حيث بدأ بقصف عناصر من الجيش والأمن داخل السويداء وريفها ودرعا، ثم توسّع القصف ليشمل غارات قرب مقر الأركان العامة والقصر الجمهوري، وأنه دفع بفرقتين عسكريتين إلى الحدود كما أمر بتوجيه عدد كبير من الطائرات، مشيرا إلى أن الهجوم «سيستمر أياما» وطالب وزيران إسرائيليان باغتيال الرئيس السوري، فيما اعتبر وزير الحرب السابق أن إسرائيل «لا تقوم بما يكفي لحماية الدروز».
أعلن الشيخ جربوع، أمس، عن اتفاق جديد على وقف إطلاق النار و«اندماج المحافظة بالدولة» فيما طالب الشيخ الهجري، رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو بـ«التدخل لحماية الأقلية الدرزية من الإبادة» قائلا: «لم نعد قادرين على التعايش مع نظام لا يعرف من الحكم إلا الحديد والنار». يتجاوز تصريح الهجري، عمليا، كل ما سبق من دعوات «الحكم الذاتي» و«اللامركزية» إلى إعلان الرغبة في الانفصال.
لا يهمّ في هذا السياق، على ما يبدو، أن طلب الحماية من «الإبادة» المزعومة يوجّه إلى حكومة متهمة بالإبادة من قبل محكمة العدل الدولية، ومن مؤسسات في الأمم المتحدة، وأخرى حقوقية، ومن قبل دول وشخصيات عالمية، وأن نتنياهو شخصيا متهم بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، ولا يهمّ أيضا أن هناك خلافا رئيسيا ضمن الدروز السوريين أنفسهم حول الموقف من إسرائيل والدولة السورية، ولا يهمّ أن «حماية الدروز السوريين» على الطريقة الإسرائيلية، تعني القضاء على المقدرات العسكرية والأمنية للدولة السورية، وأشكال العدوان التي لم تتوقف على السوريين منذ سقوط نظام بشار الأسد حتى الآن.
القدس العربي
————————–
حكمت الهجري.. من دعم نظام بشار الأسد لطلب التدويل في سورية/ عبد الله البشير
16 يوليو 2025
يبدي الرئيس الروحي لطائفة الموحدين الدروز في سورية حكمت الهجري موقفاً متصلباً ضد السلطات السورية برئاسة أحمد الشرع، ليبرز اسمه أكثر مع المواجهات الحالية ما بين القوات الحكومية السورية والمجموعات المسلحة التابعة للمجلس العسكري في السويداء المدعوم من قبله، ما دعاه إلى تجديد مطالبته بتدخل دولي لصالح الدروز ضد الحكومة السورية، في بيان مصوّر صدر عنه اليوم الثلاثاء.
ورفض الهجري بيان التهدئة الصادر عن رئاسة الدروز في السويداء، معتبراً أنه “فُرض” من قبل الحكومة في دمشق وبضغوط من دول خارجية، دون أن يحدد طبيعة هذه الضغوط أو يسمي دولاً بعينها، معارضاً بذلك خطوات التوصل إلى اتفاق في السويداء يقضي بعودة مؤسسات الدولة وانتشار الأمن الداخلي فيها. لكن ذلك ليس أول موقف مثير للجدل يتخذه حكمت الهجري. فبعد إسقاط نظام بشار الأسد اتخذ الهجري مواقف متباينة تجاه الحكومة السورية، من التوافق في الرؤى إلى المعارضة والرفض القطعي لها، متهماً إياها بـ”الإرهاب”.
ولد حكمت سلمان الهجري في 9 يونيو/ حزيران من عام 1965 في فنزويلا، حيث كان يعمل والده، وعاد إلى سورية، ليكمل التعليم الأساسي والثانوي فيها، وبعد هذه المرحلة التحق بكلية الحقوق في جامعة دمشق في عام 1985، وتخرج من الكلية سنة 1990، ليعود إلى فنزويلا ويقيم حتى عام 1998 من ثم يعود إلى سورية. وفي عام 2012، توفي شقيقه أحمد جراء حادث سير بظروف غامضة، ووجهت أصابع الاتهام إلى نظام الأسد في وقتها بترتيب عملية اغتيال له، ليخلفه حكمت في منصب شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز، وهو منصب تتوارثه العائلة منذ القرن التاسع عشر، وفي الأثناء شهدت الهيئة الروحية للموحدين الدروز انقساماً إلى هيئتين، ما بين الهجري من جهة، وحمود الحناوي ويوسف الجربوع من جهة ثانية.
حكمت الهجري وتقلّب الموقف
منذ اندلاع الثورة في سورية ضد نظام الأسد اتخذ حكمت الهجري مواقف ذات طبيعة متدرجة من الحياد إلى الدعم والمعارضة، ففي بداية الثورة، اتخذ موقفاً حيادياً نسبياً دون انحياز واضح إلى النظام أو المعارضة السورية، رغم قربه من بشار الأسد. أبدى بعدها دعمه لجيش نظام الأسد في عام 2013، حيث قال لصحيفة البعث: “خيارنا هو مواجهة المجموعات الإرهابية بكل ما نملك من إمكانيات والوقوف صفاً واحداً مع جيشنا الباسل في معركته ضد الإرهاب”.
في مايو/ أيار من عام 2014، اتخذ موقفاً أكثر وضوحاً لصالح بشار الأسد، وقال في تصريحات صحافية له: “إننا نرى فيه الخلاص لهذه الأمة، وبالأخص بعدما مررنا بهذه المرحلة العصيبة، وكان العنوان الأول والأخير للصمود لنا نحن كشعب”، وأردف “الرئيس الأسد رمز لهذه الأمة”. وفي عام 2015 طالب حكومة نظام الأسد المخلوع بتسليح السويداء في مواجهة المسلحين. وقال في بيان له: “نؤكد لجميع أبناء السويداء الراغبين في التسليح أننا سنسعى باتجاه طلب تأمين السلاح والدعم اللوجستي المناسب فوراً من الجهات المعنية في الحكومة السورية، وكذلك طلب الإشراف المباشر على تدريب معظمهم”.
ودعا حكومة نظام الأسد في العام ذاته للقضاء على “حركة رجال الكرامة” بعد أسابيع من مقتل مؤسسها وحيد البلعوس. وقال في تصريحات له: “نحن اتفقنا على كلمة واحدة: إطلاق يد القانون والدولة بما تراه مناسباً”. وفي عام 2017، زار وفد من مليشيا النجباء العراقية الهجري، حيث قدم الوفد له ما يعرف بـ”درع المقاومة الإسلامية”.
وفي عام 2018، طالب الهجري، في بيان صدر عن المكتب الإعلامي للرئاسة الروحية للمسلمين الموحدين عبر فيسبوك، الشباب بالالتحاق بالخدمة العسكرية الإلزامية للقتال في صفوف نظام الأسد، مشدداً على ضرورة استفادة المطلوبين من عفو صدر عن نظام الأسد وقتها خاص بالمتخلفين لتسوية أوضاعهم. وبدأت ملامح الخلاف ما بين حكمت الهجري ونظام الأسد المخلوع تظهر في عام 2021، بعد طلب الهجري من رئيس فرع المخابرات الجوية في السويداء آنذاك لؤي العلي الإفراج عن أحد المعتقلين من السويداء، إلا أنه قوبل بالإهانة من قبل العلي، الأمر الذي تبعته احتجاجات شعبية واسعة في المحافظة.
لكن بعدها تلقى الهجري اتصالاً من بشار الأسد، وفق ما أكدت شبكة “السويداء 24” ومصادر مقربة منه، حيث قالت: “بشار الأسد تواصل مع سماحته – الهجري – وقال له إنه لا يقبل الإساءة للرموز الدينية، وتحدث عن اللحمة الوطنية”. لكن الهجري اتخذ موقفاً أكثر حدة من نظام بشار الأسد في أواخر عام 2021، حمّله فيه مسؤولية الفقر والجوع والفوضى الأمنية في سورية، ليتطور الموقف في عام 2022، بالمطالبة بعزل رؤساء الأفرع الأمنية في السويداء ومن ثم إعلان النفير العام في يوليو/ تموز ضد قوات نظام الأسد المخلوع، والمجموعات المدعومة منه بما فيها عصابة راجي فلحوط.
ومع تأييده لحراك الشارع في السويداء، أعلنت الولايات المتحدة الأميركية في سبتمبر/ أيلول 2023 عن اتصال هاتفي ما بين الهجري ونائب وزير الخارجية الأميركي، براندان بويل، أكد فيه دعمه الحراك السلمي في السويداء وحرية التعبير والاحتجاج، بالإضافة لدعم قرار مجلس الأمن 2254. وبعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر/ كانون الأول 2024، تذبذب الهجري في المواقف من الحكومة الحالية، حيث أبدى نيته “التعاون” مع الحكومة الانتقالية والرئيس أحمد الشرع، في إدارة المفاصل الحساسة في السويداء حتى تشكيل جيش وطني، ولفت إلى تقارب وجهات النظر مع الإدارة السياسية الجديدة.
لكن في مارس/ آذار 2025، وجه الهجري اتهامات مباشرة للحكومة السورية بأنها “حكومة متطرّفة ومطلوبة للعدالة” دولياً، وقال إن طائفة الموحدين الدروز في سورية في “مرحلة نكون أو لا نكون”، ورفض الإعلان الدستوري بالمطلق، مطالباً بتأسيس نظام ديمقراطي تشاركي. واصل الهجري التصعيد في المواقف وصولاً إلى المطالبة بالحماية الدولية، مؤكداً عدم الثقة بالحكومة السورية، ومشدداً على احتفاظ الفصائل المحلية بالسلاح، ليدلي بتصريحات لصحيفة واشنطن بوست قال خلالها إن “إسرائيل ليست العدو”.
العربي الجديد
———————————
اقتراح للحل في السويداء/ مضر رياض الدبس
16 يوليو 2025
تتضمّن كلمةُ الحل بالضرورة وجودَ مشكلةٍ من نوعٍ واضحٍ ومحدَّد. ولا يَخفى على أحدٍ أن المشكلة في السويداء (جنوب سورية) لا تزال عصيةً على التوصيف الدقيق، ولا يبدو أنَّها أكبرُ من أن تكون أزمةَ ثقة. يعني غياب ثقة الرأي العام بالسويداء بالحكومة السورية الحالية، ونياتها، وطريقة رؤيتها إلى السوريين، والتعامل معهم. وأيضاً غياب ثقة الحكومة بنيات بعض الجهات في السويداء، وطريقة عملها، وارتباك المسؤولين الرسميين العاملين في ملفّ السويداء في إيجاد عنوانٍ واضحٍ للتعامل معه، ومن ثم تبني طريقٍ واضح للعمل والحل. إضافةً إلى إخفاق كل محاولات العمل في المرحلة السابقة تحت عنوان “الوصول إلى الاتفاق مع السويداء”. ومعروفٌ أن محافظ السويداء مصطفي بكور بذل جهوداً ملحوظةً من الجميع في هذا السياق. ومن جهة أخرى، للمشكلة بعد آخر، يتمثل في أزمة الخطاب، وبالتحديد خطاب الشيخ حكمت الهجري (أحد المراجع الروحية لطائفة الموحّدين الدروز في سورية) الذي تضمّن استفزازاً للحكومة الحالية وللرأي العام السوري، عن قصد أو من دونه، بما يحمله من مصطلحاتٍ إشكالية وغير مقبولة سوريّاً، مثل مصطلح “الحماية الدولية” وغيره. وهنا نتكلّم عن الخطاب ولا نحاكم نيات الرجل. إذاً، لنقل إن للمشكلة بعدين: يخص الأول الرأي العام في السويداء، وامتلاكه نوعاً من القلق، وغياب الثقة بالمستقبل، وهذا ينبغي أن يُحترم ويُنظر إليه بجدّية، خصوصاً أن هذا الشعور قد تضاعف بعد أحداث القتل في الساحل السوري، وتأخُّر صدور تقرير لجنة التحقيق الخاصة بهذه الأحداث التي تشكَّلت من الرئاسة السورية، بما يعكس اعترافها بتجاوزاتٍ حصلت، وبما يوحي لأهل السويداء باحتمال تكرار مثل هذا النوع من التجاوزات عندهم، وخصوصاً مع إخفاق السلطة في القبض على الخطاب الملائم للفعل بهذه المشكلة بوساطة الكلمات السياسية الملائمة لها. ويتعلق البعد الثاني بـ “الهجرية السياسية” التي صار لها موقفٌ يخصُّها، وعنوانٌ ليس من العدل استخدامه للسويداء كلها. وبدايةً، وقبل كل شيء، صار من مصلحة الجميع، ومن مصلحة الوطن كله، فصل هذين البعدين بعضهما عن بعض، والتمييز بينهما بدقة. وبعد هذا التمييز الضروري، وإذا ثبَّتنا، استناداً إلى مبدأ إنساني ووطني وأخلاقي وديني، أن وقفَ إراقة الدماء السورية أولويةٌ مقدَّمةٌ على كل شيء؛ فيمكن، بعد ذلك، أن نبدأ بطرح النقاط الآتية للحل في ضوء الواقع الراهن.
أولاً: وقف كامل لإطلاق النار، من جميع الأطراف. يتضمَّن دخول قوات الأمن العام، ووزارة الدفاع، والضابطة العدلية، ومظاهر الدولة كافة إلى محافظة السويداء. ويجري ذلك بموجب تدخّل طرف ثالث بوصفه بانياً للثقة، يشكل ضامناً مقبولاً للرأي العام في السويداء. وبالنسبة للجهات الرسمية السورية، ونقترح أن يكون هذا الطرف المشيخة الإسلامية الدمشقية.
ثانياً: تستمع المشيخة الإسلامية الدمشقية، إلى مخاوف أبناء السويداء، ممثلةً بالفعاليات الشبابية، والمدنية، والأهلية، وهي، بطبيعة الحال، مطالب يبدو أن الجهات الرسمية السورية توافق عليها، ولكن الرأي العام في السويداء لا يثق بالجهات الرسمية لتنفيذها لأسبابٍ متعددة. لذلك تضمن المشيخةُ الإسلاميَّةُ الدمشقيةُ الدولةَ السورية أمامَ أهالي السويداء، ويُحدَّد هذا الضمان بمطالبهم الخاصة بهم بوصفهم جماعة فحسب، وتسمّى مطالب جماعاتية خاصة، وتحيل على حقّهم في عدم الاعتداء عليهم لأسباب تخص انتماءهم الطائفي، أو سلوكهم الاجتماعي، أو الثقافي، وتضمن حقوقهم في ممارسة عاداتهم، وثقافاتهم، وطقوسهم، وطريقة عيشهم، وعباداتهم، وأفراحهم، وأتراحهم، وما إلى ذلك، بطريقتهم الخاصة التي ترضيهم، من دون أن يفرض عليهم أي تغييرٍ قسري، وأي استنكارٍ أو إجبارٍ على التغيير. هذا مهمّ بالنظر إلى أن الإسلام الدمشقي يعرف السويداء جيّداً، وبينهم تاريخ طويل من الثقة التي تتجذّر طويلاً في تاريخ سورية، وسيكون ملائماً للقيام بهذا الدور الوطني النبيل الذي يحقن الدماء ويُهدِّئ النفوس، ويُبلسِم آثارَ الانفعالات الطائفية التي خرجت إلى السطح أخيراً. ومن بين شيوخ دمشق المؤهلين للعب هذا الدور: مفتي الجمهورية الشيخ أسامة الرفاعي، ووزير الأوقاف محمد أبو الخير شكري، وغيرهما من شيوخ دمشق، ويمكن أيضاً أن ينضم شيوخٌ من جارة السويداء درعا إن كان ذلك مفيداً.
ثالثًا: التمييز بين المطالب الجماعاتية، المشار إليها سابقاً بوصفها مطالب خاصة بالجماعة، والمطالب السورية العمومية، التي لا تُناقش إلا في الفضاء العمومي السوري العام. وهنا حصل التباسٌ طوال الأيام الماضية؛ فالديمقراطية، والدولة المدنية، والعلمانية، والدستور، والحوار الوطني، وما إلى ذلك من هذا النوع من المطالب ليست حكراً على جماعة معينة، بل ينبغي أن تناقش في سياق سوري عمومي، وساحة السويداء ليست مكاناً لهذا النقاش، ولا ساحة أي مدينة سورية أخرى، بل الساحة السورية العمومية الواسعة هي المكان الملائم فحسب لهذا النقاش الذي ينبغي أن يشارك فيه جميع السوريين. بل من غير المنطقي أن تحتكر جماعة طائفية هذا النوع من المطالب، وأن تكون رأس حربة فيها. ليس لأنها مطالبُ غير محقّة، أو لأن ليس من حقّ أبناء السويداء أن يطالبوا بها، وأن يعارضوا السلطة القائمة، بل لأنه لا يستقيم أن يكون المرء مطالباً بهذا النوع من المطالب تحت مظلّة طائفة، ومن نافل القول إن التحرّر من التفكير الطائفي من شروط التفكير المدني الديمقراطي.
رابعاً: بعد إنجاز هذا التوجه، وتنفيذه، يتم عرضه على مشايخ عقل السويداء الثلاثة، لمباركته، بوصفه صيغة تفاهم وطني تاريخي حديث (هذا لا يمنع من مشاركة مشايخ العقل الثلاثة في صنع هذا المسار منذ البداية وهذا الأفضل). ثم يعمل رجال العقل، مع شيوخ العشائر، بالتعاون مع الفاعلين الاجتماعيين، والناشطين السياسيين، والوجهاء، والأعيان، على ممارسة واجبهم الديني والأخلاقي بتهدئة النفوس، وبلسمة الجروح. مع التأكيد على أن أي خطابٍ يتم تقديمه في المستقبل، من النوع الذي يتضمن عباراتٍ ومفهوماتٍ إشكالية، غير مقبولةٍ للسوريين، لن يُمثِّل إلا صاحبَه، ولا يُحسب على أهل السويداء جميعهم، أو على فئةٍ منهم مثل العشائر، أو العائلات. بل يتحمّل صاحبُه وحيداً المسؤوليةَ القانونيةَ والسياسيةَ والأخلاقيةَ عنه. وتحديداً الخطاب الذي يرحب بالعدو الإسرائيلي، ويشجع على التنسيق معه، أو مع أي جهاتٍ محسوبةٍ عليه.
خامساً: يتضمّن هذا النوع من التفكير، بطبيعة الحال، ضرورةَ أن يلتزم الأمن الداخلي، ووزارة الدفاع، بخطاب الدولة الحيادي إزاء انتماء أبناء السويداء المذهبي والديني، والنظر إليهم في الخطاب والسلوك بوصفهم مواطنين ومواطنات، كما عبَّرت البيانات الرسمية مراراً، وأكّدت هذا، في الأيام القليلة الماضية، وينبغي إيلاء هذا الموضوع أهمية كبيرة حالياً بعد دخول قوى الأمن الداخلي للمدينة والحرص على تقديم نموذجٍ حسن ينبع من المودّة الوطنية وبناء رأس مال وطني.
سادساً: بعد ذلك مباشرة، ترعى الدولة مُصالحة دائمة بين العشائر، والفاعلين الأهليين، والاجتماعيين في السويداء يترجم نياتهم الطيبة وتاريخهم المشترك، ومصيرهم الواحد. ويكون حماية الطريق بين السويداء ودمشق من مسؤولية الدولة فحسب، وتتحمّل الدولة مسؤولياتها في حماية المسافرين على الطريق.
العربي الجديد
————————-
السلم الأهلي يُنتهَك في السويداء… ما الحلّ؟/ أحمد مظهر سعدو
17 يوليو 2025
“الحوار مقدّمة العمل… والديمقراطية غاية وطريق”. هكذا كتب جمال الأتاسي في مطلع ثمانينيّات القرن الفائت. وتحت هذا العنوان، عندما كان السلم الأهلي في سورية مهدّداً ومهدوراً، والتفتّت والتشظّي واقعاً ملموساً، مع وجود سلطة حافظ الأسد ودولته الأمنية، التي لم تكن ترى في الواقع السوري إلا مكاناً رحباً للعبث به، وبسلمه الأهلي، ذلك كلّه من أجل بقائها في السلطة، ضمن حالة النهب والفساد والإفساد، والتمسّك (ثمّ المضي) بذلك الدور الوظيفي المعروف في المنطقة لنظام حافظ الأسد، وآل الأسد من بعده، الذي كان غارقاً في عنفه (ومقتلته)، الذي طال أمده، في مواجهة كلّ أطراف الشعب السوري.
أمّا اليوم، فسوف نفترض جدلاً أننا خرجنا كلّياً من حالة الفوات الكبرى، التي عاشتها سورية 54 عاماً من هدر الإنسان، والقهر والسلب والنهب والقمع، حيث ولج السوريون، منذ 8 ديسمبر/ كانون الأول الفائت، في أتون عهد جديد، لا يتساوق أبداً مع المحدّدات التي قام على أساسها نظام الأسد، ومن ثمّ فإن أولى أولويات عمارة السلم الأهلي المطلوب اليوم، وبعد أن عاشت سورية، تلك العقود كلّها من الظلام والظلمة، أن نبادر حكومةً وشعباً، وقوىً سياسيةً ووطنيةً، بحوار وطني جامع لا يستثني أحداً، من أجل إعادة بناء الوطن والدولة السورية، ضمن سياقات إعادة بناء الهُويَّة الوطنية السورية، التي تعبّر بالضرورة عن مجمل تلوين الواقع السوري، وتنبثق عقداً اجتماعياً خارجاً من رحم المعاناة، بعد تشييد صرح بناءات العدالة الانتقالية التي باتت سورية محتاجة إليها جدّاً لبناء هذا السلم الأهلي السوري المبتغى، إذ لم يعد الواقع السوري يقبل أبداً المزيد من الاحتراب أو سفك الدماء أو الهدم، إذ تحتاج سورية إعادة بناء البنية التحتية، التي هدمها بشّار الأسد وأدواته، بما تجاوزت نسبته 65%، كما تحتاج سورية إعادة رسم سياسات جديدة تستوعب الجميع، بكلّ ما تعنيه هذه الكلمة من معنى، ولتعبّر عن هذا الجميع المتنوّع والمتعدّد.
في السويداء وجبل العرب اليوم، كثير من عمليات انتهاك السلم الأهلي وحالاته، وعديد من حالات تفلّت السلاح في أيدٍ كثيرة خارج إطار الدولة الوطنية السورية، وهو ما يؤدّي واقعاً (بين فينة وأخرى) إلى مزيد من هدر الدماء، وكثرة حالات الفلتان الأمني، وتقويض أركان السلم الأهلي برمّته، الذي بات مطلباً ملحّاً من الجميع. وإذا كانت السياسات المتبعة في محافظة السويداء لم تنتج سلماً أهلياً حقيقياً، ولم تبنِ أساساتٍ متينة لحوار وطني جدّي، الذي يمكن فعلاً (لا قولاً) أن يصل بالجميع إلى مصاف التمسّك بالوعي الوطني السوري الجامع، فلا بدّ من البحث في الأسباب والحيثيات، والدخول في ماهية المشكلة وجوهرها، وليس في قشورها، من دون الاستسهال في عملية رمي وتوصيف تخويني أو شتائمي. ما يهمّ السوريين جميعاً اليوم هو الوصول إلى اتفاق وتفاهم وطني سوري بما يخصّ مشكلات أهل السويداء، وجبل العرب بكلّيته ومجموعه، وتنويعاته الطائفية والدينية، وبالتالي اندراج الوضع في السويداء ضمن محدّدات الدولة الوطنية السورية المطلوبة وطنياً وشعبياً، ومنع التعدّيات المتواصلة والمستمرّة، على حيوات الناس، والانطلاق من جديد نحو تشييد بناءات جديدة للدمج المجتمعي والمؤسّساتي، والدخول في السياقات الوطنية، التي ستنتح لامحالة مع الوقت والحوار المتواصل عقداً وطنياً سورياً جامعاً.
لن يكون الحلّ الوطني في السويداء وغيرها إلا بالحوار الوطني الصريح والواضح والشفّاف، الذي يؤدّي إلى اتفاقات وتفاهمات ما يفترض أن توقّع من الفعاليات الوطنية، الروحية والسياسية والعسكرية، في السويداء وجبل العرب، تكون ملبيّةً للجميع، ولكلّ متطلّبات الحالة الوطنية في السويداء، بما تعنيه من خصوصيةٍ وطنيةٍ ما، وحتى تكون هذه المسألة عملية وحقيقية ومعبّرة عن الكلّ، لا بدّ من تحديد السقف الزمني لها، ولإنفاذ توافقاتها واتفاقاتها، التي لا بدّ من أن تبرم عاجلاً وليس آجلاً، وتوقّع عليها حكومة دمشق، وكلّ الفعاليات الوطنية المتنوعة والمتعدّدة، التي تتفق معها الدولة والحكومة أو تلك التي تختلف معها، إذ لا يجوز أن يجري توقيع هذا الاتفاق المطلوب ممَّن يتوافقون مع الحكومة وسياساتها الحالية فقط، وإلا نكون قد دخلنا في حالات إعادة بناء أجندات ما يحصل، التي تتهم الحكومة بالمسؤولية عنها. ولا بدّ من الإشارة إلى أهمية تحديد السقف الزمني الذي سيوضع لتطبيق الاتفاق المنشود، الذي لا يجوز تعدّيه أو إهماله أو عدم الانتباه إلى أهمية تنفيذه والالتزام به، حفظاً للسلم الأهلي، الذي يبتغيه السوريون. وفي نهاية تلك الفترة سيكون من حقّ الدولة أن تفرض سيادة القانون ضدّ كلّ من أخل بحيثيات هذا الاتفاق. أمّا قبل ذلك، فلا يجوز (ويجب آلّا) يسمح وطنياً بالدخول في دهاليز انتهاك السلم الأهلي أو السماح لأيّ كان بالتعدّي على أرواح الناس، وانتهاك حرمات المجتمع السوري وأنساقه، سواء كان في محافظة السويداء أو خارجها.
الأوضاع الدراماتيكية في محافظة السويداء وجبل العرب اليوم خطيرة بحقّ، ولعلّ ما هو أشد خطورة منها أن تترك أوضاع السويداء كما كانت من دون الإسراع إلى معالجتها، عبر إعلان فتح الحوار الواسع، والبدء به عملانياً، الذي سيفضي بالضرورة إلى ذاك الاتفاق الوطني السوري المطلوب، وقد يكون منه (وجزء مهم فيه) إعادة تعديل الإعلان الدستوري الذي عليه ملاحظات كبيرة، من بعض فعاليات السويداء وسواها، وإذا كان هناك من يعمل على استمرار بعض حالات التقاعس، فذلك يعني بالضرورة أن ينجرّ البلد إلى دهاليز ومتاهات تعوق عملية السلم الأهلي، وتقوّض أركانه، وتعوق نتيجةً بناء جدران السلم الأهلي، سواء أدركت ذلك أم لم تدركه.
العربي الجديد
————————-
حين تصبح البراغماتية مقتلاً/ ماهر اسبر
الأربعاء 2025/07/16
في قلب الجغرافيا المعقدة للشرق الأوسط، تتموضع سوريا كحيّز جغرافي ملغّم، مشبّع بعُقَدٍ تاريخية وإثنية وطائفية وسياسية واقتصادية متراكبة، تحوّلت على امتداد العقود إلى شبكة متداخلة من التصدعات والاستقطابات، يصعب على أي فاعل سياسي تجاهلها أو اختزالها في مقاربة مبسّطة. هذا التشابك البنيوي المعقّد لا يُختزل في تداعيات الحرب الأخيرة أو في مسؤولية نظام واحد، بل هو نتاج لتراكمات طويلة الأمد، تداخل فيها الإرث العثماني مع خرائط الانتداب، وتشابكت فيها حكومات الاستقلال مع دكتاتوريات البعث، واختلطت السرديات الوطنية بالدينية، كما تداخلت المصالح الإقليمية مع الأجندات الدولية. من هنا، فإن أي محاولة لحلّ “المسألة السورية” دون إدراك عميق لهذا التشابك البنيوي، ستقع حتماً في فخ التبسيط المخل، وستكون مهيأة لإعادة إنتاج الكارثة نفسها، وإن بأسماء جديدة وأقنعة مغايرة.
إن الموقع الجيوسياسي السوري، الذي طالما وصفه المستشرقون بأنه نقطة الالتقاء الحضاري، تحوّل فعلياً إلى لعنة جيواستراتيجية على من يسكن هذه الأرض. لا هو معبر محايد، ولا هو دولة مكتملة السيادة، بل مفترق طرق مزدحم بالمصالح المتضاربة لقوى محلية وإقليمية ودولية، تُنتج اشتباكاً دائماً بين الداخل والخارج، وبين بنية مجتمعية مأزومة مشحونة بالانتماءات الإثنية والطائفية، وبين طموحات جيوسياسية متنافرة للجماعات السورية ذات الامتدادات العشائرية والدينية العميقة، من العرب إلى الكرد، ومن الدروز إلى الشيعة والسنّة. وهذا بالتحديد ما يجعل من الملف السوري، لا مجرد “أزمة وطنية”، بل واحدة من أعقد قضايا النظام الدولي بعد الحرب الباردة.
في هذا السياق المعقّد، برزت السلطة الجديدة بقيادة أحمد الشرع، ساعيةً لتقديم نفسها كامتداد للثورة وبانية محتملة لدولة المستقبل. غير أن بنيتها السياسية والاجتماعية ليست سوى إعادة إنتاج لمنظومات الاستبداد المشرقي، وإن تزينت بأدوات أشدّ مرونة.
ومنذ لحظات تشكّلها الأولى، لم تُخفِ هذه السلطة اندفاعها نحو نسج علاقات براغماتية مع مختلف القوى، وفي مقدمتها إسرائيل، التي سرعان ما يُرفع بوجهها “كارت خطاب الممانعة لا غيره”، عند كل قصف جديد لمقارّهم ومواقعهم، كما حدث اليوم، في تناقض فاضح بين ما يُعلن وما يُمارس.
وبينما تمتلئ صفحات الإعلام بخطابات التخوين والتنديد بـ”المتعاونين مع العدو”، تشير كل الأخبار الموثوقة، فضلاً عن شهادات دبلوماسيين وفاعلين دوليين، إلى سلسلة من المبادرات السياسية، والاتصالات العلنية والسرية، التي امتدت من باريس إلى برلين، ومن عمّان إلى واشنطن، وكلها تحمل الرسالة ذاتها ـ نحن على استعداد لتقديم كل ما يُطلب منا مقابل اعتراف سياسي، أو دعم دولي، أو حتى لمجرّد إشارات رضا إقليمي تعيننا على تثبيت سلطتنا.
اللافت، وربما الكاشف عن منطق مقلوب في قراءة العلاقات الدولية، أن الشرع ومبعوثيه قدّموا عروضاً للخدمات لم يُطلب معظمها منهم أصلاً. لم تكن تلك العروض جزءاً من مفاوضات متكافئة، بل بادرة استباقية، تستبطن وهماً شائعاً بأن الإفراط في المرونة سيُكافأ بالاعتراف. وقد نُقل عن بعض المقربين من دوائره أنهم فهموا إشارات غامضة من الجانب الإسرائيلي حول “رغبة في ترتيبات إقليمية جديدة”، فسارعوا إلى تأويلها كدعوة ضمنية للتعاون الكامل، وقاموا بترجمتها إلى أفعال من طرف واحد “يدرج ضمنها الهجوم على السويداء”، في غياب أي تعهّد مقابل. هذا النوع من البراغماتية المفرطة لا يُبنى على وعي استراتيجي أو يستند إلى مشروع سياسي داخلي جامع أو قاعدة وطنية حاضنة، بل على قراءة “أمنياتية” لوقائع لا تتحقق.
فإسرائيل، رغم تاريخها السياسي المتقلب، لا تنظر إلى سوريا من زاوية صفقات آنية أو تبادلات ظرفية، بل من زاوية أمن استراتيجي طويل الأمد، حددته عبر تجاربها ومواجهاتها طوال عقود، وعلى طول الإقليم امتدت عملياتها العسكرية من تونس في المغرب العربي إلى شرق إيران في وسط أسيا. وتخلص هذه التجارب إلى استنتاج واضح لأي مراقب. أن الأنظمة الطائفية أو المليشياوية غير المستقرة -سواء رفعت راية الإسلام السياسي أم راية المقاومة القومية- لا تصلح شركاء في الاستقرار، حتى لو بدا ظاهرها منضبطاً، أو تخلّت تكتيكياً عن شعاراتها المؤدلجة.
إن الخطر، في نظر إسرائيل، لا يتجسّد فقط في خطاب العداء، بل في الفوضى التي قد تنجم عن “التمكين” السياسي لأطراف مؤدلجة، ذات بنى طائفية غير قابلة للتنبؤ، ولا خاضعة لأي منظومة مساءلة. وهذا ينطبق تماماً على الحالة السورية الراهنة، التي لا تطرح فقط خيار سلطة دكتاتورية مستندة إلى شبكة مذهبية، بل أيضاً تهدد بتفكيك البلد إلى كانتونات طائفية وإثنية متنازعة. وبين دكتاتورية هشة لا يمكن الوثوق بها، وديمقراطية ناشئة تحمل عداءً مستتراً أو معلناً، يبدو أن إسرائيل (حتى اللحظة) تُفضّل استمرار حالة اللااستقرار المُسيطر عليه، دون تمكين حقيقي لأي طرف، إلى أن تظهر صيغة تحكمها مؤسسات واضحة، ويصوغها دستور يتجاوز الانتقام والهيمنة، ولا يكون معادياً لها بحال من الأحوال، إن كان تحقيق هذا الأمر ممكناً يوماً ما.
يتفاقم الانكشاف البنيوي حين ننظر إلى خارطة السيطرة داخل سوريا : شرق ممزق تحت سلطة قوات سوريا الديمقراطية بدعم أميركي، غرب ساحلي بحضور ديمغرافي مسيطر لأبناء الطائفة العلوية، والتي صدمت بعد ارتكاب مجازر بحقها، وتم إستئصالها مع نخبها تماماً من أي دور سياسي أو موقع في الدولة المستقبلية، بل وشيطنتها في خطاب السلطة الجديدة على نحو يذكّر بأنماط من الإبادة الرمزية، وجنوب درزي بتشابكاته مع الأردن ولبنان وإسرائيل، يتعرض اليوم لهمجة هجمية طائفية ولدعوات إبادة معلنة تسد أفق السماء السوري، فضلاً عن الامتدادات العسكرية لكل من روسيا وإيران وتركيا. في ظل هذا التشظي، لا يبدو أن سلطة إسلامية طائفية حتى في أكثر صورها “الاعتدالية” المزعومة قادرة على توفير الحد الأدنى من الاستقرار أو توقيع اتفاقات سلام يُعوَّل عليها. فالمجتمع الدولي، وفي قلبه إسرائيل، يبحث عن طرف شرعي، دستوري، يقبل بها ويمكن مساءلته أمام شعبه والعالم، لا مجرد بنية تسلطية مموّهة بشعارات دينية وخطابات براغماتية جوفاء.
هنا تتعاظم المفارقة، السلطة الجديدة التي لم تتحصل على شرعية داخلية، وتبالغ في براغماتيتها عندما تسعى إلى تقديم أوراق اعتمادها للغرب، تعود لتجلد غيرها بتهمة العمالة للخارج او لاسرائيل حين يُرفض عرضها أو يقدّم غيرها عليها، كما يحدث مع الأكراد في الشرق أو الدروز في الجنوب، فتلجأ إلى التصعيد الخطابي ضد إسرائيل و”الخونة والمتآمرين”، في حين أنها في الوقت ذاته، تُظهر استعداداً غير محدود للتخلي عن كل الأوراق الوطنية مقابل اعتراف جزئي أو دعم مؤقت لها دون غيرها.
ولتكتمل دائرة البؤس السوري، فإن المأزق لا يقتصر على البنى السياسية أو المؤسساتية، بل يمتد عميقاً إلى جوهر الوعي السياسي السوري نفسه، الذي لم يخضع حتى اللحظة لأي مراجعة جذرية، خصوصاً فيما يتصل بإسرائيل.
فقد تشكّل هذا الوعي، على امتداد عقود، ضمن سردية دينية/قومية صلبة، صورت إسرائيل “كشيطان أنطولوجي” وشرٍّ مطلق لا يمكن التعامل معه إلا عبر الإبادة أو المقاومة اللاهوتية، مما أغلق الباب أمام أي تأطير عقلاني للعلاقة، حتى على أسس مصلحية واضحة، وأيضاً بعيداً عن الانزلاق في خطاب التطبيع المجاني أو التواطؤ السياسي.
ولعل ما جرى في غزة مؤخراً شكّل ـ رغم فداحته ـ فرصة موضوعية وضرورية لطرح سؤال تأسيسي طال تأجيله. كيف يمكن لسوريا أن تعيد تعريف موقعها من إسرائيل، لا باعتبارها عدواً أزلياً فحسب، بل كفاعل إقليمي محوري لا يمكن القفز فوقه في أي معادلة استراتيجية واقعية؟
هذا السؤال لا يخصّ إسرائيل وحدها كطرف خارجي، بل يرتبط عضوياً بإمكانات تأسيس الدولة السورية ذاتها، لأن بناء أي مشروع وطني حديث يفترض بدايةً وضوحاً في تعريف الذات ـ من نحن؟ ما هي هويتنا؟ ما هي حدودنا، مصالحنا، ومجالنا الحيوي، وهو ما يفرض بالضرورة تحديد من هو العدو، من هو الخصم، من هو الحليف، وأين تقع مصالح البلاد ضمن توازنات الإقليم وتحولات النظام الدولي، لا وفق انفعالات العقائد.
وبرغم تباين المواقف تجاه إسرائيل بين دعوات للاعتراف والتحالف، ونداءات إلى الإبادة والرمي في البحر، لم ينتج عن هذه التذبذبات أي استراتيجية ناضجة أو موقف واقعي أوعقلاني ناضج، بل كرّست حالة من العجز السياسي، والقصور في تحديد أولويات الأمن القومي.
واليوم لم يعد مجدياً أمام هذه المعضلة المتعلقة بالموقف من إسرائيل اعتباره مسألة شعاراتية، فهذا الموقف يرتبط بمسائل وجودية جوهرية ـ ما هي سوريا؟ ما هي مصالحها؟ كيف تفكر بحدودها، بأمنها، وبعلاقاتها الخارجية؟ وكيف ستدير أي سلطة سيادية فيها موقعها المعقّد في ظل خريطة إقليمية يتغير فيها كل شيء؟
إن الهوّة السحيقة بين خطاب السلطة المؤقتة وممارساتها، تفرض إعادة تعريف الموقف من إسرائيل، لا كتنازل أيديولوجي، بل كشرط ضروري لإعادة هندسة العقل السياسي السوري، والخروج من أسر سرديات ماضوية بائسة وإنتاج مشروع وطني عقلاني. شرط يبدأ بإعادة صياغة مصالح السوريين أنفسهم عبر تعريف ما يحتاجه السوريون من دولتهم، عبر نقاش وطني صريح، يعيد الاعتبار للسيادة والمصلحة، دون التفريط بالعدالة ولا الانجرار إلى خطاب الكراهية المؤبدة. إنها لحظة تأسيسية تتطلب شجاعة فكرية، لا شعارات محفوظة.
كما أن هذا الواقع، في تعقيده وتشظيه، يفرض على الفاعلين الدوليين “وفي مقدمتهم إسرائيل” النظر بتمعّن إلى بنية الفاعلين السوريين المطروحين كشركاء محتملين. وفهم البنية النفسية والسياسية التي تحكم سلوكهم، لا الاكتفاء بالتعهدات الخطابية أو الأقنعة التكتيكية. فإسرائيل “كما هو معروف عنها” لن تقبل بتمكين جماعة لا يؤتمن جانبها، وتحديداً برأس كأحمد الشرع، الذي قدّم نفسه قائداً براغماتياً، لكنه يحمل في سلوكه النفسي والسياسي نمطاً بالغ الخطورة من تقلبات الهوية والانزياحات الأيديولوجية. إذ يُصنّف هذا النمط في علم النفس السياسي ضمن فئة الشخصيات “التحويلية الانتهازية” (Transformational-Opportunistic Personality)، التي لا تنبع براغماتيتها من حسابات عقلانية مستقرة، بل من هشاشة داخلية تُخفي تمركزاً مرضياً حول الذات.
ومن هنا يبدو الشرع ليس كفاعل سياسي يحاول التكيف بمرونة مع المتغيرات، بل كنموذج لشخصية تعيد تشكيل ذاتها تبعاً لموازين القوة، حتى لو تطلب الأمر إنكار كل ولاء سابق، بل وحتى الانقلاب على رفاق الأمس كما حدث معه طوال مسيرته، ابتداءً من البغدادي ومروراً بالظواهري، أو حتى انقلابه على رفاقه المؤسسين في جبهة النصرة، وتصفيته المعنوية أحياناً والمادية غالباً، لشخصيات منافسة بارزة في الفصائل الإسلامية.
من هنا، يصبح الحديث عن “تمكين” هذا النموذج، أو الاعتراف به كشريك، أمراً يناقض أبسط قواعد الاستقرار السياسي. فلا إسرائيل، ولا أي طرف دولي فاعل، سيغامر ببناء علاقة أمنية أو سياسية مع جماعة لا تؤتمن، تتغذى على تقويض خصومها من الداخل، وتحيا على بقايا الولاءات المهشّمة. أما خطاب التجديد والوطنية الذي يلوّح به الشرع بين الحين والآخر، فقد أثبتت المجريات لغاية اليوم بأنه ليس إلا قناعاً مؤقتاً، يخفي عمق العداء البنيوي لأي وعي وطني مستقل، ولأي مشروع دولة ذات مؤسسات حقيقية.
إن سوريا التي يمكن لها أن تدخل حيز السلام والاستقرار، لا يمكن أن تقوم على خطاب مزدوج، أو صفقات سرية، أو سلطات أحادية. بل تحتاج إلى عقد وطني شفاف، ينطلق من قاعدة اجتماعية حقيقية، ويُترجم إلى دستور عادل، ومؤسسات خاضعة للمساءلة. فدولة المستقبل لا تُبنى على الدهاء اللحظي ولا على وهم التفاهم مع الأقوياء من موقع الضعف، بل على الثقة بالنفس، واحترام التعدد، وبناء الشرعية من الداخل.
كما أن البراغماتية، حين تُفرغ من مشروع وطني أخلاقي، تصبح شكلاً من أشكال النفاق السياسي، وتفقد كل جدواها الاستراتيجية. وحين يفقد النظام السوري الحالي “بجميع أجنحته وأقنعته” قدرته على إقناع الداخل، فلن تنفعه صفقات الخارج، ولا تنازلاته من طرف واحد. فالشرعية لا تُعطى، بل تُنتزع عبر التمثيل الحقيقي الذي يؤدي للاستقرار بالضرورة. وهذا ما لم يفهمه بعد من يظنون أن أبواب الحكم تُفتح بتقديم الخدمات، لا ببناء دولة مستقرة.
المدن
———————————-
حرب السويداء وتوزيع المسؤوليات/ أرنست خوري
16 يوليو 2025
أسهل مقاربة لأي مسألة إشكالية “فيها إنّ”، أن يجلس المراقب في عليائه ليساوي تلقائياً ما بين طرفي النزاع، أي نزاع، فيعطي للعقل إجازة من التفكير ويصفّ كلاماً عاماً مليئاً بصواب سياسي في غير مكانه عن أن الجميع يتحملون قسطاً من الذنب. وما الاقتتال الحالي في السويداء إلا حالة نموذجية لاستسهال إطلاق حكم كهذا. الاقتتال الأهلي ــ الطائفي كما بات معروفاً هو بين مسلّحين من فصائل المحافظة وآخرين ينتمون إلى وزارتي الدفاع والداخلية، يساندون مقاتلي عشائر وبدو، أو هكذا يسمّونهم، ممن نكتشف أنهم يملكون جيشاً مدجّجاً بدبابات وأثقل أصناف الأسلحة، وقد افتتحوا الحرب بخطف مواطنين من السويداء، وبقية القصة باتت معروفة. قد يؤدّي هذا الحدث بالنظر إليه من بعيد على طريقة “الماكرو” والمراوحة في العموميات الوطنية والطائفية، إلى عدم فهم أمر مفيد ومحدّد، ليصبح استعجال مساواة الطرفين خطيئة تحليلية. أما الدخول في “الميكرو” حصراً، في ديناميات الحدث وكيف بدأ وعمر العلاقة الملتبسة بين دروز السويداء وبدو ريفها من السنّة والمناطق الفاصلة بين المحافظة الجنوبية وجارتها درعا وريف دمشق بعداواتها وأزماتها واستغلالها طائفياً وسياسياً من سلطات متعاقبة، فيشوبه خطر الغرق في التفاصيل ونسيان الإطار السياسي العام للانفجار ونمط تعاطي السلطة الوليدة مع مكونات البلد على أساس تمييز مذهبي فجّ، وجرائم طائفية وانتهاكات كثيرة مسجّلة باسمها منذ بداية حكمها قبل نحو ثمانية أشهر.
بين الميكرو والماكرو، بين حكم عام على الحدث انطلاقاً من انحياز طائفي أو سياسي مسبق لأحد طرفي الحرب الأهلية المصغرة، أو الوقوف على الحياد بحجّة أن القصة معقدة وفيها من التاريخ والطبقية والطائفية والسياسة والعوامل الخارجية الإسرائيلية ما نجهله، خصوصاً نحن غير السوريين، يبقى لبّ الموضوع في مكان آخر. لب القصة أنّ من يطمح لبناء وطن، بما أن سورية بحاجة إلى إعادة إعمار وطنية قبل أن تكون هندسية لمنازل ومدن وشوارع، لا بدّ أن يدرك مدى فداحة استهداف مكوّن عدده صغير في البلد، كالدروز، وهم يشكلون ما يناهز 3% فقط من السوريين، يسكنون مناطق لا ثروات طبيعية فيها، وأن المنطق والمشروع الوطني لا يستويان مع الطلب من “الأقليات” في أي بلد متنوّع طائفياً وعرقياً أن يستوعبوا “الأكثرية”. المسؤول من تلك الطينة يعرف أنّ تطمين المكونات وإشراك نخبها في مؤسّسات الدولة بصفتهم مواطنين متساوين مع الآخرين هو حجر الأساس لبناء هوية وطنية وسلم أهلي مستدام ومؤسّسات دولة، وهو ما لا يظهر فعلاً في سورية حالياً، حيث اقتصر فهم السلطة لـ”إشراك الجميع” على تسمية وزير درزي وآخر علوي وكردي ووزيرة مسيحية في الحكومة، في مقابل اقتصار الجيش وقوى الأمن وأجهزة الاستخبارات على عناصر مليشيات إسلامية. ولا شيء مطمئناً في حقيقة أن المحافظين السوريين الـ14 جميعهم تقريباً من أركان هيئة تحرير الشام. لا شيء مطمئناً للمكونات وللمواطنين الأفراد في أنّ سوريين كثر اليوم يحتفلون بوهم إحياء الدولة الأموية، وتمتلئ أحاديثهم وحساباتهم على وسائل التواصل الاجتماعي بسموم طائفية تملأ الأثير حالياً بمناسبة أحداث السويداء مثلما ملأته بشكل مقرف خلال اقتتال أشرفية صحنايا وجرمانة وقبلهما مجازر الساحل.
هذا شيء عن غلبة الأكثرية وتمدّد تسلط الجماعة الحاكمة في سورية باسم دولةٍ تبنيها على قياسها. لكن ماذا عن طائفية الأقليات؟ عن نزعات انعزالية وانفصالية لدى البعض في السويداء؟ عن مليشيات المحافظة؟ عن رجال دينها الذين لا يفعلون أحياناً كثيرة إلا صبّ الزيت على النار؟ ماذا عن إسرائيل وخبثها في الاستثمار بالانقسام الطائفي؟ يمكن إضافة الكثير على هذه المصفوفة، ولكن كل ما يمكن ذكره لا يحجب حقيقة أن أقصر الطرق إلى تقسيم سورية وإلى زيادة ارتماء سوريين في حضن إسرائيل وإضعاف الوطنية السورية والتشجيع على طلب الحماية من الخارج مواصلة السلطة سلوكها الإقصائي ــ التخويني، سلوك الجماعة لا الدولة، سلوك ديكتاتورية الأكثرية الطائفية التي حلّت مكان ديكتاتورية الأقلية.
العربي الجديد
————————–
السويداء من الخوف إلى السلاح… وجع الذاكرة ومأزق اللحظة/ خالد أبو صلاح
16 يوليو 2025
في لحظة سورية شديدة الحساسية، تقف السويداء (في الجنوب السوري) مجدّداً عند عتبة التاريخ، لا باعتبارها شاهداً صامتاً على أزمات سورية، بل باعتبارها فاعلاً مأزوماً يحاول استعادة توازنه وسط تناقضات ما بعد الخلاص من نظام الأسد. ليست المشكلة في السويداء وحدها، بل فيما تمثّله من تعبير حيّ عن المعضلات السورية المتراكمة: التهميش، فقدان الثقة، واستثمار الذاكرة الجريحة في صناعة حاضر مأزوم.
جذور مركّبة لأزمة معقّدة
لا يمكن فهم ما يجري اليوم في السويداء من دون العودة إلى الجذور العميقة للقلق المتراكم، وهو قلقٌ لم ينشأ بعد سقوط النظام فقط (8/12/2024)، بل تراكم عبر سنوات، وتحوّل تدريجيّاً إلى شعور وجودي بالخوف من الإقصاء أو الإبادة. ولعل أبرز تجلياته بدأت عام 2015، في حادثة مجزرة “قلب لوزة” في ريف إدلب، حين اقتحمت مجموعة من عناصر جبهة النصرة قرية درزية في جبل السمّاق، وارتكبت مجزرة راح ضحيّتها أكثر من 20 سورياً مدنيّاً من أبناء الطائفة. لم يكن القتل على خلفية معركة، بل بدا أقرب إلى تصرّف انتقامي طائفي فجّ على خلفية نزاع محلي بسيط، تحوّل إلى مجزرة في دقائق، وسط صمتٍ مريبٍ من قوى المعارضة المسلّحة الأخرى، وتواطؤ ضمني من فصائل محسوبة على الثورة آنذاك.
تركت تلك الحادثة أثراً غائراً في الوجدان الدرزي عموماً، والسويداء على وجه الخصوص، إذ أعادت إلى الواجهة هواجس المجازر التي طاردت الأقليات في محطّات مختلفة من التاريخ. لكنها لم تكن الذروة. في صيف عام 2018، شنّ تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) واحدة من أبشع هجماته ضدّ قرى ريف السويداء الشرقي، حيث نفذ سلسلة من المجازر المنسّقة طاولت نساءً وأطفالاً ومسنّين، وارتكب عمليات إعدام جماعية وخطف عشرات النساء والفتيات، وترك في أعقاب الهجوم أكثر من مائتي قتيل في مشهدٍ عزّز الاعتقاد لدى سكان الجبل أنهم مُستهدفون لخصوصيّتهم وانتمائهم.
ما زاد من وقع المجزرة أنّ الهجوم جاء بعد سلسلة انسحابات “غامضة” لقوات النظام من البادية الشرقية، فتحت المجال أمام التنظيم ليصل إلى مشارف السويداء من دون مقاومة تُذكر. لم تُفسّر هذه الانسحابات رسميّاً، لكنها في الذاكرة الجمعية لأبناء السويداء بدت كأنها صفقة دموية، أُطلقت فيها يد التنظيم لتأديب الجبل المتمرّد، الذي حافظ على حياده تجاه النظام، بل تجرّأ على رفع الصوت في وجهه.
هذان الحدثان (قلب لوزة 2015 وداعش 2018) لم يُعالجا بخطابٍ وطنيٍّ جامع، ولا بخطوات سياسية أو أمنية تستعيد الثقة بين مكوّنات المجتمع السوري. بل تُركا ليتضخما في اللاوعي العام، ويتحوّلا إلى رواية حذرة منغلقة داخل الجبل، تشكّك بكل ما يمتّ إلى الإسلام السياسي أو الحركات السنية المسلّحة بصلة، وتُقارب المشهد من زاوية وجودية، ترى في كلّ سلطةٍ لا تُمثّل الجبل خطراً مُحتملاً يجب التحوّط منه.
مع انطلاق حراك السويداء في صيف 2023، تبلور دور الشيخ حكمت الهجري بوصفه المرجعية الدينية والسياسية الأبرز للجبل والحراك، بعدما اتخذ موقفاً صريحاً ضدّ نظام الأسد، داعماً المحتجين، ورافضاً القمع، ما أكسبه شرعية مضاعفة بين الأهالي، وأضفى على الحراك غطاءً روحيّاً طالما افتقدته الانتفاضات السابقة. في تلك اللحظة المفصلية، توسّع نفوذه على حساب المرجعيات الأخرى (حمّود الحناوي ويوسف الجربوع)، التي تراجعت إلى الظلّ طواعيةً أو تحت ضغط الشارع، حتى بات يُنظر إليه المرجعية الوحيدة القادرة على تمثيل الجبل وصوغ مواقفه.
تحوّل ما بدأ كتفويض أخلاقي للدفاع عن مطالب الناس إلى تمثّلٍ شبه سلطوي للسويداء، إذ بات الهجري يعدّ نفسه “قطب الرحى” في الجبل، وزعيمه الأوحد دينيّاً وسياسيّاً، وهو ما انعكس لاحقاً في موقفه من السلطة الجديدة بعد إسقاط نظام الأسد. فمنذ اللحظة الأولى، تبنّى منهجاً صداميّاً صفريّاً في التعاطي معها، لا يترك هامشاً للحوار أو التفاهم، بل يرى في أيّ تعاون أو تواصل نوعاً من المناورة التكتيكية لا أكثر. بهذه الرؤية، تحوّلت المرجعية الدينية من ضامن اجتماعي إلى لاعب سياسي، ومن نقطة إجماع إلى مركز توتّر، يُقابل كلّ محاولة توافق بالرفض المطلق أو المناورة وشراء الوقت.
يُضاف إلى ذلك تعقيد آخر فرضته هوية السلطة الناشئة ذاتها، فرغم تبنّي حكومة ما بعد إسقاط الأسد خطاباً وطنياً جامعاً، يعلن القطيعة مع الخطابات الدينية أو الأدلجة العقائدية، إلا أن هيئة تحرير الشام (والتي لعبت دوراً محوريّاً في التأسيس العسكري والسياسي لهذه السلطة)، ويبدو أنها ما تزال تُثير حفيظة شريحة واسعة في السويداء، لما تحمله من إرثٍ مقلق.
ورغم محاولات “الهيئة” إعادة تقديم نفسها كياناً وطنياً يتجاوز إرثه العقائدي، إلا أن ذلك لم يكن كافياً (حتى اللحظة) لتبديد المخاوف المتجذّرة لدى شرائح واسعة من أبناء الجبل، ففي الوجدان المحلي والمخيال الجمعي، ما تزال صورة جبهة النصرة حاضرةً بقوة، بوصفها الخلفية التي خرجت منها “الهيئة”، وهي الصورة التي تأثّرت بوقائع دامية كحادثة قلب لوزة عام 2015. هذا الإرث، بما يحمله من جروح عميقة في الذاكرة، يصعّب مهمّة بناء الثقة، ويجعل من الخطاب التصالحي، مهما حسنت نياته، غير كافٍ ما لم يُترجم إلى ممارساتٍ واضحةٍ طويلة الأمد، تكرّس الشراكة وتتجاوز منطق السيطرة أو الغلبة.
من هنا، لم يكن موقف الشيخ الهجري المعارض ناتجاً فقط عن خصومة مع أشخاص أو خلاف على تمثيل، أو حتى تضخّم في الدور الذاتي فحسب، بل عن سردية متراكمة من التوجّس والارتياب، جعلته يرى في السلطة الوليدة تهديداً مضمَراً لهوية الجبل ومكانته، لا شريكاً في صناعة المستقبل. وهكذا انتقلت الأزمة من مطالب محلية قابلة للحل إلى مسألة وجودية شائكة، تُدار بعقلية الكسر لا الجبر.
وإذ يبدو ظاهر المشهد ذا طابع محلي صرف، إلا أن البُعد الإقليمي لا يمكن إغفاله، فمشكلة الهجري ليست محصورة في سياق داخلي فحسب، بل هي امتداد ضمني لصراع أوسع على الزعامة الدرزية في المنطقة، بين المرجعيتين المتنافستين: جنبلاط في لبنان وطريف في إسرائيل. وفي هذا السياق، يمكن قراءة تموضع الهجري بوصفه أقرب ما يكون إلى امتدادٍ غير معلن لتيار موفق طريف، سواء من حيث اللغة الخطابية أو مضمون التصريحات، التي كثيراً ما بدت متناغمة في نقدها الحكومة الجديدة ورفضها الانخراط في مشروع الدولة. يشير هذا التلاقي، وإن لم يُعلَن رسميّاً، إلى تشابك معقّد بين المحلي والإقليمي، يعمّق من هشاشة الموقف، ويجعل من السويداء ساحة تصفية حسابات غير مرئية.
السلطة وغياب الحساسية الثقافية
لم تكن السلطة الناشئة بعد سقوط النظام أقلّ ارتباكاً في تعاطيها مع المشهد المعقّد في السويداء، فعلى الرغم من ادّعائها السعي إلى بناء نموذج حكم مختلف، أكثر عدالةً وتمثيلاً، إلا أنّ قراراتها الأولى عكست قصوراً بنيويّاً في فهم الديناميات المحلية للجبل. لم يكن تعيين محافظ من خارج السويداء، في لحظة فارقة من تاريخ المدينة، مجرّد خلل إجرائي، بل رسالة رمزية خاطئة، فسّرها كثيرون استمراراً لمنطق المركزية الفوقية القديمة، لا قطيعة معها. ففي وقتٍ نُصّب فيه أبناء المحافظات الأخرى لإدارة مناطقهم، ما منح تلك الإدارات قدراً من الشرعية المحلية، اختير للسويداء محافظٌ من خارجها، لا يمتلك لا العمق الاجتماعي ولا الفهم الثقافي للمكان. وهو ما انسحب على بعض قيادات الشرطة والمؤسّسات التنفيذية. ورغم محاولة السلطة تعيين قيادات محلية في الضابطة العدلية والأجهزة الشرطية، إلا أنّ ذلك لم يبدّد المخاوف، وعزّزت التعيينات الفوقية قناعة لدى أبناء الجبل بأن السلطة لا ترى فيهم شريكاً، بل ملفّاً أمنيّاً يجب ضبطه، لا التفاعل معه.
تجلّى هذا القصور الإدراكي في الافتقار إلى الحساسية الثقافية في التعامل مع المحافظة. ليست السويداء مجرّد رقعة جغرافية، بل نسيجٌ اجتماعي قائم على أعراف ضاربة في العمق، وهرمية رمزية دقيقة، لطالما لعبت فيها المرجعيات الدينية والاجتماعية دور صمّام الأمان. تجاهل هذه الحقيقة، أو التعامل معها كعقبة يجب تجاوزها، فاقم منسوب التوتّر بدل احتوائه، وحوّل كلّ مبادرة من الدولة إلى موضع تشكيك، مهما كانت نياتها. ورغم محاولات السلطة المتكرّرة لبناء قنوات تواصل، وإرسال وفود لفتح حوار مباشر، إلا أن تلك المساعي كانت تصطدم بحاجزين:
• أولاً: انعدام الثقة المتراكمة، التي لم تنشأ من فراغ، بل تعمّقت بفعل إرثٍ طويلٍ من الإقصاء والتهميش في عهد النظام السابق، ثم تعزّز بمؤشّرات ميدانية وسلوكية بعد إسقاط نظام الأسد. من أبرز تلك المؤشرات المواجهات الدامية التي شهدتها أحياء كأشرفية صحنايا وجرمانا نهاية نيسان/ أبريل الماضي، وكان لها وقعٌ بالغٌ في وجدان أبناء الجبل، حيث رآها كثيرون تأكيداً لمخاوف قديمة من تَكرار مقاربات القوّة بدل الشراكة، وأثارت شعوراً عامّاً بأن “السويداء مستهدفة”، أو على الأقل غير محصّنة في سردية الدولة الجديدة. وزاد من تعميق هذا التوجّس ما اعتُبر “سلقًا” للاستحقاقات الوطنية الكبرى: من الحوار الوطني إلى الإعلان الدستوري، مروراً بتعيينات مفصلية في مؤسسات الدولة طغى عليها منطق الولاء لا الكفاءة، وكأن السلطة تُعيد تدوير منطق الإقصاء نفسه بأدوات جديدة. قوّضت هذه الإشارات، مجتمعة، الثقة المتبادلة، ورسّخت الانطباع بأن ما تغيّر هو الشكل لا الجوهر. هذا النوع من الأحداث والسلوكيات، مهما كانت ظروفه الميدانية، غذّى الريبة من نيات السلطة، ورسّخ الانطباع بأن الأدوات القديمة لا تزال تحكم الأداء الميداني.
• ثانياً: غياب مركز قرار موحّد داخل السويداء. … مع تضخّم دور الشيخ حكمت الهجري وتحييد المرجعيات الأخرى، لم تعد هناك جهة قادرة على إنتاج موقفٍ جمعيٍّ متماسك. وجعل هذا التفكّك في البنية الداخلية أي اتفاق هشّاً، عرضةً للنسف من الداخل، سواء بسبب تضارب الولاءات، أو بفعل تدخلات خارجية ترى في استقرار الجبل تهديداً لمصالحها.
وبين انعدام الثقة والاضطراب الداخلي، تتسع الهوة يوماً بعد يوم، وتتآكل فرص الوصول إلى تسويات سياسية متزنة، فالسلطة التي لم تُحسن قراءة الجبل، واجهت مجتمعاً لم يَعُد يثق بسهولة، فاقم من تأزيمه الدور السلبي للهجري، وتفرّد السلطة بالحكم، ما أحدث حلقة مفرغة من التوجس المتبادل، تُجهض كلّ مبادرة قبل أن تولد، وتحوّل كلّ محاولة للتهدئة إلى شرارةٍ جديدةٍ للتصعيد.
التدويل الصامت للقرار
ربما كان أخطر ما أفرزته تعقيدات ما بعد التحرير في السويداء، ليس فقط الاحتقان الداخلي أو أزمة الثقة مع السلطة، بل الانزلاق التدريجي نحو تدويل القرار المحلي، وتحويل قضية الجبل من شأن وطني يمكن التفاوض حوله، إلى ملفٍّ إقليميٍّ تُدار خطوطه من خارج الحدود.
في هذا السياق، لا يمكن تجاهل تقاطع مصالح الهجري مع موفّق طريف، الزعيم الروحي للطائفة الدرزية في فلسطين المحتلة، والمقرّب من دوائر القرار في تل أبيب. لم يكن هذا التقاطع شكليّاً أو طقوسيّاً، بل حمل رمزية ثقيلة عبّر عنها في أكثر من محطة: بيانات دعم مباشرة للهجري، اتصالات علنية، وغلاف “روحي” يتم تسويقه مظلّة حماية للجبل.
وبينما هناك من يرى أنّ اللجوء إلى طريف كان محاولة لتعديل موازين القوى في ظلّ شعور بالخطر من سيطرة السلطة الجديدة، كانت المخرجات الفعلية أبعد من ذلك: لقد جرى إخراج قرار الجبل من سياقه الوطني، وتحويله ورقة ضغط في صراع إقليمي لا تملك السويداء فيه أدوات الفعل، لكنها قد تتحمّل كامل كلفته.
لم يأتِ التدويل هنا على شكل تدخل عسكري مباشر، بل عبر شرعنة الاصطفاف خارج الدولة تحت مسمّى “الحماية”، وإعادة تعريف العلاقة مع المركز ليس بوصفها شراكة تحتاج إصلاحاً، بل مواجهة وجودية تُخاض عبر دعم رمزي أو إعلامي خارجي. ويهدّد هذا النهج، في جوهره، بفكّ ارتباط السويداء بالمنظومة الوطنية السورية، ويحوّلها، بغير وعي ربما، إلى كيان شبه مستقل، يفاوض من موقع الخصومة لا من موقع الشراكة، ويبحث عن اعتراف خارجي لا عن تفاهم داخلي. ولعل المفارقة الأشد إيلاماً أن هذا التدويل الصامت يجري باسم الدفاع عن كرامة الجبل، بينما يؤدّي فعليّاً إلى تآكل دوره الوطني، وتشويه تاريخه الوطني، وتفكيك علاقته ببقية الجغرافية السورية التي خاض معها معركة الكرامة عقوداً.
تحويل مطالب محلية عادلة إلى أوراق إقليمية لا يفتح الباب للحلول، بل يغلقه نهائيّاً، ويدفع السلطة، مهما كانت أخطاؤها، إلى التصلّب بدل التفاهم، وإلى الحذر بدل المبادرة. وهو ما يعني أن الرابح الوحيد من هذه المعادلة الفوضى، وأن الخاسر الأكبر أبناء الجبل أنفسهم.
في مواجهة هذا الانزلاق نحو التدويل، لم تقف السلطة الوليدة موقف المتفرّج. إذ تزامن تحرّك الشيخ الهجري باتجاه موفق طريف مع تصاعد ملحوظ في النشاط الإسرائيلي على تخوم الجنوب السوري، تمثّل في بيانات رسمية عن “دور إسرائيل في حماية الدروز” في سورية، واستمرار اجتياح عسكري واستخباراتي هادئ لمناطق حدودية، بذريعة الخوف من السلطة الجديدة والاستعداد لأي تهديدٍ قد يمسّ الطائفة الدرزية. واستُقبل هذا المشهد المتشابك في دوائر صنع القرار السوري الجديدة إنذاراً مبكّراً بانفتاح جبهة جنوبية غير تقليدية، لا عبر الحرب المباشرة، بل عبر بناء نفوذ محلي تحت لافتات طائفية. .. وعليه، بدأت السلطة بمحاولات حثيثة لفتح قنوات تواصل مباشرة وغير مباشرة مع تل أبيب عبر وسطاء إقليميين ودوليين، هدفها احتواء التصعيد الرمزي، ووقف الاجتياح العسكري مناطق حدودية، وعزل ملف السويداء عن أجندات الخارج، عبر تفاهمات الحدّ الأدنى التي تمنع تحويل الجبل إلى منصّة استنزاف.
وهو ما تبرّره السلطة الناشئة كمحاولة اضطرارية لوقف التصعيد الإسرائيلي، وفكّ الارتباط الأمني بين إسرائيل وملف السوريين الدروز، بعدما بدا واضحاً أن الهجري ومن حوله باتوا مستعدّين لاستخدام هذا التقاطع أداة ضغط في الداخل، أو ضمانة بقاء سياسي ضمن توازنات ما بعد التحرير. لكن هذا المسار، وإن بدا عقلانيّاً من حيث التوقيت، إلا أنه ينطوي على أخطار كبيرة: فحين تضطر سلطة ناشئة لإدارة ملف داخلي عبر تفاهمات خارجية، فهي تُسجّل على نفسها عجزاً مبكّراً عن بناء شرعية وطنية مكتفية بذاتها. كما أن هذا النوع من التفاهمات، مهما كانت براغماتية، يفتح الباب لمزيد من التدويل في ملفات أخرى، ويُضعف مركزية الدولة في تشكيل العقد الوطني.
في المحصلة، دفع سلوك بعض الأطراف في الجبل ممن استدعوا الخارج كغطاء أو داعم السلطة الناشئة إلى التفكير بالأدوات ذاتها. وهذا يُعيدنا إلى المأزق نفسه: حين يفقد الداخل ثقته بذاته، يتحوّل الجميع إلى وكلاء لأطراف خارجية، وتصبح الوطنية مجرّد شعار يستخدمه الجميع… ضدّ الجميع.
من ثورة الكرامة إلى منطق الإمارة
رغم أن السويداء شكّلت طليعة الرفض الوطني، ورفعت لواء الكرامة في عزّ انكفاء الثورة، تجد نفسها اليوم رهينة لخطاب أبوّي مغلق يُعيد إنتاج الزعامة الدينية سلطة فوق النقد. المحافظة التي رفضت الانخراط في آلة القمع، والتي صمدت رغم التهميش والجوع، ودفعت ثمناً مضاعفاً من كرامتها وصبرها، لكنها الآن تقترب من أن تُختزَل في “إمارة معزولة”، لا صوت فيها يعلو فوق صوت المرجعية الروحية المُمثلة بشيخ فقد البوصلة السياسية، واحتكر القرار باسم الحماية.
في مشهد يتجاوز التقاليد الدينية، بات الشيخ حكمت الهجري يقود ما يشبه السلطة الموازية، تحت عباءة الدين، مُحاطاً بمليشيات محلية منفلتة، وعناصر مشبوهة من بقايا النظام، وبعض تجّار السلاح والمخدرات. وبينما يُفتح الباب على مصراعيه لكلّ من يجيد لغة العنف أو الولاء الشخصي، تُكمَّم أفواه النخبة الوطنية الصامتة، التي طالما عبّرت عن صوت الجبل الأصيل. تلك النخبة التي ترفض تسليح الطائفة، وتؤمن بأن كرامة السويداء لا تتحقّق بالعزلة، ولا بالصدام العسكري مع السلطة.
وفي ظلّ هذا الانفلات، يدفع أهالي السويداء وحدهم ثمن الفوضى وغياب المرجعية المؤسّسية، ففي غياب الدولة، من يقوم بالمسؤوليات الأساسية في الحماية والخدمات؟ فالمدينة وخلال ثمانية شهور بعد إسقاط نظام الأسد ترزح تحت حكم المليشيات والسلاح والفوضى. غياب الدولة لا يملؤه شيخٌ مهما علا مقامه، ولا تُعوّضه شعارات الحماية الذاتية. بل المطلوب اليوم استعادة الدور الطبيعي لمؤسّسات الدولة، من دون عسف أو وصاية، لتكون ضامناً للأمن، وحاضنة للخدمات، وبوصلة للخروج من نفق الانعزال والفوضى.
والمفارقة أن هذا الانزياح نحو منطق الإمارة والانغلاق يحدث في لحظة تاريخية بالغة الحساسية، لحظة يحتاج فيها الجبل إلى أوسع انخراط عقلاني في صياغة مستقبل البلاد، لا إلى تقوقع يعزله عن المسار الوطني، فالسويداء، التي رفعت راية الكرامة حين خفتت في أماكن أخرى، لا يليق بها أن تُختزل في مشروع سلطوي قائم على التوريث الرمزي والاحتكار الأبوي. وإن كان ثمّة طموح لإصلاح السلطة في دمشق، لا يكون السبيل إليه بالمواجهة الصفرية أو بتكريس سلطات موازية، بل بالاشتباك المدني والسياسي داخل بنى الدولة، والعمل من داخلها على تصويب المسار، لا عبر الخروج عليه بالسلاح والقطيعة.
صوت العقل وصدى السلاح
في مرحلة ما بعد الخلاص من نظام الأسد، تصبح السلطة على علّاتها، ومهما كان عليها من مآخذ، حاجة موضوعية لا يمكن القفز فوقها بمنطق البنادق أو منابر الخارج، فالنقد الحقيقي لا يبدأ من فوّهة البندقية، بل من التجرّد عن منطق الغلبة، والإيمان بأن الإصلاح لا يتم بالسلاح، بل بفتح المسارات السياسية على التعدّد والتشاركية. والركون إلى عواصم أخرى، أو الاتكاء على رموز دينية متصلة بالخارج، لن يحمل للسويداء سوى مزيد من العزلة وخيبات الوعود. كلّ استقواء بالخارج إعلان ضمني عن العجز عن التفاهم مع الداخل، وهروب من الشراكة الوطنية والالتفاف بعباءة المظلومية.
ليس المُقام هنا تبرئة طرف أو إدانة آخر، لكن لا بدّ من طرح الأسئلة الأهم: كيف نمنع تمزيق الجنوب تحت شعارات الحماية والانفصال الناعم؟ كيف نُعيد الثقة بين الجبل والدولة من دون وصايات أبوية أو أذرع مسلّحة؟ وهل نملك شجاعة الاعتراف بأن الانغلاق والتجييش قد يدفعاننا إلى الهاوية؟
ليس ما جرى في حي المقوس في السويداء حدثاً عابراً، بل تجسيد حيّ لانهيار الثقة الاجتماعية، وقرع مبكّر لأجراس الفتنة. وإذا لم تتدارك الدولة الموقف بسرعة، وتستعيد زمام المبادرة بمنطق الشراكة لا الغلبة أو الوصاية، سنكون أمام كارثة وطنية تُضاف إلى سجل النزيف السوري الطويل. … مستقبل السويداء، بوصفها جزءاً لا يتجزّأ من جسد سورية، مرهون بقدرتها على الخروج من منطق الإمارة إلى منطق المواطنة، وبقدرة السلطة على أن تبني دولة لكلّ أبنائها، لا مجرّد هيكل فوقي يُدار بالولاءات.
مستقبل السويداء، كما مستقبل سورية، مرهون بإرادة السوريين في بناء وطنٍ لا يُقصي أحداً، ولا يُكرّس فوقيةً لمكوّنٍ على حساب آخر. الجبل، الذي كان طليعة النضال الوطني، لا يليق به أن يُختزل في مليشيا منفلتة أو مشيخة فقدت بوصلتها السياسية، وتُدار بوسائط عابرة للحدود. وسورية الجديدة، الخارجة من رحم الثورة، لا يليق بتضحيات أبنائها أن تُختزل في سلطة حزبية ضيّقة، تسلق الاستحقاقات الوطنية الكبرى، وتستعيد منطق الغلبة باسم “السيادة”، هرباً من الشراكة السياسية والحلول التوافقية.
العربي الجديد
—————————-
السويداء… الجريمة هي أننا شاهدناها/ حازم الأمين
16.07.2025
لا شيء يمكن أن يفسر ما حصل سوى أن سوريا على مفترق تراجيدي يفصل بين نظام البعث ونظام الظلام. نعم، الغزاة الذين زحفوا إلى السويداء والتقطوا صوراً وفيديوات وهم يحلقون شوارب شيوخ دروز مسنين، وصلوا إليها من ظلام التراث، مثلما وصل إليها بشار الأسد من عروبة قاحلة.
إنهم غزاة السويداء، وهذه غزوتهم الثانية بعد غزوة الساحل… لا شيء يمكن أن يقال خلاف ذلك. غزاة السويداء الزاحفون عليها من دمشق ومن الصحراء، ذوو اللحى التي رسمتها على وجوههم قطيعة عن الإنسان بما هو جهاز شعوري وتكيفي. إسلاميون آلو على أنفسهم محو جرائم بشار الأسد بجرائم موازية واستعانوا على ذلك بأبشع ما في تراثنا من شفرات وأحجية، واستحضروا شعائر قتل وتنكيل لطالما دأبنا على مواراتها خلف صفحات الود القليلة التي تحفل بها كتبنا.
نعم إنهم إسلاميون متشدّدون ولا أحد غيرهم، أولئك الذين أعدموا مدنيين ميدانياً في السويداء السورية. أولئك الذين أهانوا شيوخ دروز، وقصّوا شواربهم تحت أنظار هواتفهم. فتوات الإسلام السياسي ورعاعه. جرائمهم تجاوزت ضحاياهم، فبلغت حداً تعدّى أرقام القتلى، ذاك أننا حيال جريمة قرّر فاعلها أن يشطب بها وجوهنا كلنا. قرر أن يرسل صور جريمته إلى بيوتنا ليقول لنا ها أنا ذا قاتل أطفالكم ونسائكم ومهين شيوخكم، والمتفوق على ديكتاتوركم الذي سبقني بالأرقام وأسعى لمسابقته بوضوح الجريمة وبمشهدّيتها.
من هذا الذي قرر أن يوثق جريمته بأيديه؟ ماذا يريد أن يقول للسوريين سوى أنه المرتكب؟
جريمة السويداء قرر فاعلها ألا يخفي عنا شيئاً. عشرات الفيديوات التقطها المرتكبون بأنفسهم وأرسلوها إلينا، وكان من بيننا “صحافيون ثوار” واكبوا الجريمة وناشدوه أن “يحسم”، يعني أن يقتل، ومن بيننا أيضاً من أشاح بوجهه عن الجريمة، ومن بيننا من لم يعتذر. كلنا مدانون. كل من وصله فيديو لإعدام ولمهانة كان عنصراً من عناصر المشهد، ذاك أننا عندما نعاين ما وصَلنا نكون كمن يستجيب لرغبة القاتل في أن نشاهد. الجريمة أيضاً هي أننا شاهدناها، وأننا استجبنا لرغبة المرتكب في جعل فعلته الهمجية جزءاً من عادياتنا. ثمة نصوص رافقت الجريمة استحضرت من كتبنا ومن ماضينا، والقاتل إذ أشهرها، فعل ذلك ليقول لنا إنه يرتكب ما نشترك به معه.
كنا قريبين جداً من الجريمة. الضحايا كانوا أقرب إلينا هذه المرة من أي مجزرة ارتُكبت بالقرب منا. هواتفنا حفلت برسائل من أقرباءٍ لأصدقائنا. كان صعباً علينا أن نشيح بوجوهنا عن الصور والرسائل. الاصدقاء الدروز يملأون هواتفنا الذكية بصور فجيعتهم على نحو أكثر مما فعل العلويون حين أصابتهم المجزرة عينها قبل أشهر. الأرجح أن الألغوريثم ليس انتقائياً، فحساباتنا موصولة بصفحاتهم منذ انتفاضتهم على نظام بشار الأسد، وهو ما جعل جريمة الفصائل الإسلامية امتداداً لجرائم بشار. مناهل قُتل خالها، ومازن ورشا يرسلان صور المضافة التي أُعدِم فيها ما لا يقل عن عشرة أشخاص، ومالك راح يرسل أسماء القتلى في قريته، وصورة طبيبة الأسنان تقول لنا إن القتيلة تشبهنا، وإننا على بعد خطوة عن مبضع القاتل.
لا شيء يمكن أن يفسر ما حصل سوى أن سوريا على مفترق تراجيدي يفصل بين نظام البعث ونظام الظلام. نعم، الغزاة الذين زحفوا إلى السويداء والتقطوا صوراً وفيديوات وهم يحلقون شوارب شيوخ دروز مسنين، وصلوا إليها من ظلام التراث، مثلما وصل إليها بشار الأسد من عروبة قاحلة. وأسوأ ما فعله هؤلاء بنا هو أنهم في طريقهم لجعل جرائم نظام الأسد عابرة طالما أن الجرائم تشبه بعضها بعضاً، لا بل إنهم تفوّقوا على سجاني صيدنايا بأن وثقوا بالفيديو جزءاً من ارتكاباتهم وأرسلوها إلى مصفّقين تولوا بدورهم شطب وجوهنا بها.
الأرجح أن على السوريين أن يهبّوا للدفاع عن قداسة مأساتهم التي يهددها هؤلاء. الدفاع عن “فرادة” المأساة التي كشفها سقوط النظام.
الدفاع عن ضحايا “صيدنايا”، عبر تصدّ فعلي لمن يسعى الى جعل مجزرة الكيماوي محطة عادية من بين مسار من الارتكابات لا تقتصر على ما ارتكبه نظام الأسدين.
أما ذروة الفجيعة في ما يحدث بالسويداء، فتتمثل في فرصة الإنقاذ التي يقدمها بنيامين نتانياهو، بموازاة حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة. الاسلاميون قدموا له هناك فرصة تدمير القطاع، وها هم يقدمون له في السويداء فرصة “إنقاذ الدروز”.
– صحافي وكاتب لبناني
درج
—————————-
أن يصير الحلم السوري كابوساً/ يوسف بزي
الخميس 2025/07/17
إذا جمعنا الأمية مع التطرف الديني مع السلاح، سيكون الحاصل: مقتلة مستمرة.
منذ 8 كانون الأول 2024، تنازعتنا الفرحة العارمة بسقوط الأسد، والمخاوف العميقة من غلبة الأمية المتطرفة المسلحة. وكان هذا التنازع بين التفاؤل والتشاؤم، موصولاً بأداء الإدارة الانتقالية، وتحديداً بشخص الرئيس أحمد الشرع.
خلال ثمانية أشهر، شهدنا تمركزاً حاداً للسلطة بيد الرئيس الجديد (غير المنتخب) وقرارات غير دستورية، وإقصاء واضحاً لمعظم فئات الشعب السوري، بطوائفه وإثنياته وتنويعاته الثقافية والمناطقية. كان الاتجاه الغالب هو تسلطة مسلحي “هيئة تحرير الشام” وخلفهم أشد “المشايخ” تعصباً وتخلفاً من أتباع السلفية الجهادية على الدولة ومؤسساتها، وكان الجواب على كل اعتراض هو التلويح بالعنف والسلاح.
وغلب الظن، أن هكذا سلطة غير ديموقراطية، وتفتقد لشرعية تمثيلية فعلية، مستندة فقط إلى إنجازها العسكري بإسقاط النظام البائد، يمكنها الركون إلى وعود الازدهار الاقتصادي وحده كي يستتب لها الحكم وتحوز الشرعية والديمومة. وترافق هذا الظن، مع أيديولوجيا بدائية قوامها خرافة “الأغلبية السنية” واختزالها هكذا في كتلة واحدة تعتنق أفكار “هيئة تحرير الشام” وأخلاقها وثقافتها.
العقل الاختزالي هذا، لم يرَ سوريا الواسعة الكثيفة الطبقات، البالغة التنوع، الغنية بالثقافات والأعراق والملل والعقائد والتواريخ الصعبة والمعقدة والذاكرات المرضوضة والأليمة والعميقة الجراح. لم يرَ مجتمعاً فسيفسائياً، لا لون واحداً غالباً فيه.
التركة الأسدية، مضافاً إليها أهوال 14 عاماً، لا يمكن الشفاء منها بالعنف والاختزال، بفائض القوة والإقصاء. فهذا لا يفضي إلا إلى تكرار الأسدية نفسها.
صدمة أحداث الساحل، ليس في قتل المدنيين وحسب، بل بالسادية الثأرية التي اتسمت بها. نمط العنف هذا بدا استئنافاً لفظائع الحرب، وليس أداء قوى نظامية تواجه تمرداً مسلحاً. إذ تجاوزت المتمردين وراحت تنتقم من السكان بلا تمييز.
المعضلة الفتاكة في مناطق الساحل أن العلويين لم ينتجوا جسماً أو تعبيراً سياسياً يقطع مع الأسدية. إلا أن السلطة الجديدة لم تساعد إطلاقاً على ذلك. وبعد المقتلة بات هذا الأمر بعيداً جداً. لقد خسرت سوريا وإلى مستقبل بعيد فرصة “مصالحة” هناك.
على هذه الخطيئة، أصبح التوجس الكردي أكثر مشروعية. وخطاب الكرد السياسي تبلور أكثر: اللامركزية والمشاركة الديموقراطية. ومن الصعب الاعتراض على هكذا مطلب، في ظل سلطة استئثارية، متشددة تستسهل العنف والقمع.
على هذا المنوال، ومن موقع الضعف، تصاعدت هواجس المسيحيين بوصفهم ضحايا مثاليين. فهم تاريخياً منتشرون على كامل الجغرافيا السورية، ولا يحتكمون إلا إلى الدولة (لا السلطة). وها هم يفتقدون طمأنينة الدولة اليوم. وكان تفجير كنيسة مار الياس في دمشق، وحرق كنائس أخرى، إشعاراً دموياً باستضعافهم، والتنكيل بهم سياسياً وحقوقياً. وكأن المطلوب تصحير سوريا، عبر دفع مسيحييها إلى الهجرة في مسلسل ضرب المشرق العربي (لبنان، العراق، فلسطين وسوريا).
وخلال الأيام الماضية، عادت سلطات دمشق إلى “التكتيك” نفسه في السويداء: إفلات عصابات مسلحة، ثم باسم حماية المدنيين تتدخل قوى السلطة، لتحسم الأمور وفق ما تشتهي. وبظنها أنها هكذا، تنهي الاعتراض الدرزي النابع من شعور بالغبن والخوف.
دروز سوريا الذين تحت الاحتلال في الجولان، ورغم “انصياعهم” لدولة إسرائيل (تمسكاً بالأرض ورفض التهجير)، إلا أنهم ولا مرة تخلوا عن هويتهم العربية والسورية. ودروز السويداء كانوا في طليعة الثورة ضد النظام الأسدي، وكانوا العون بلا تردد لدرعا وسائر سوريا، وشاركوا في الزحف إلى دمشق، بل وحتى حين بدت وكأن الثورة خمدت انتفضت السويداء ضد نظام الأسد حتى اليوم الأخير.
دفعهم إلى أحضان إسرائيل رغماً عنهم، خطيئة لا يتحملون مسؤوليتها، بل الذي لا يصغي إلى الهواجس والمخاوف والمطالب، ويمنع ولادة دولة مدنية رحبة مبنية على دستور عادل ويلبي حقوق الجماعات والأفراد ويصون حرية المعتقد والضمير والتعبير، ويحمي الوجود ويوطد الانتماء.
ليس “حلماً” أن تكون سوريا آمنة، حرة، ديموقراطية، حديثة ومزدهرة. بل هو حق وواجب تحقيقه الآن. لكن خليط الأمية والتطرف والسلاح سيعيد سوريا سريعاً إلى الكابوس.
المدن
—————————-
التدخل الإسرائيلي في السويداء: بين الخرق الأمني وحماية الدروز/ أمال شحادة
ترى تل أبيب فيه اختباراً لتنفيذ سياستها الخاصة بنزع السلاح من جنوب سوريا
الأربعاء 16 يوليو 2025
التطورات الأخيرة جعلت سوريا من جديد في أولويات أجندة السياسيين والعسكريين، وقام الجيش بنقل قوات عسكرية جديدة إلى هذه المنطقة استعداداً لاحتمال توسيع القتال فيها، بينما اعتبر مسؤولون ووزراء في حكومة نتنياهو أن هذه التطورات تؤكد الموقف الإسرائيلي الرافض للتنازل عن مطلب الانسحاب الإسرائيلي من بلدات الجنوب التي يسيطر عليها الجيش، والإصرار على إقامة منطقة أمنية عازلة، سواء للحفاظ على أمن الدروز في المنطقة أم أمن الحدود.
التهديدات التي وجهها وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس، بتكثيف الهجمات على سوريا، أعادت هذه المنطقة الشمالية للمربع الأول في ذروة المحادثات والاجتماعات بين الطرفين للتوصل إلى اتفاق أمني. كاتس اعتبر قصف سلاح الجو الإسرائيلي المدرعات السورية على بعد خمسة كيلومترات من الحدود، بمثابة رسالة للسلطات السورية برئاسة أحمد الشرع بعدم سماح إسرائيل بأي تهديد لا للدروز ولا لأمن حدودها.
وفي بيان مشترك لكاتس ورئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، أوضحت إسرائيل موقفها بالالتزام بمنع المساس بالدروز في سوريا، وأضاف البيان “الدفاع عن الدروز يأتي جراء التحالف العميق بيننا وبين مواطنينا الدروز في إسرائيل، والعلاقة العائلية والتاريخية التي تربطهم بالدروز في سوريا. نحن نتحرك لمنع السلطات السورية من إلحاق الضرر بهم، ولضمان نزع السلاح من المنطقة المحاذية لحدودنا مع سوريا”.
أما الجيش الإسرائيلي فقال إن هجومه طاول عدداً من الآليات العسكرية، من نوع دبابات وناقلات جنود مدرعة وراجمات صواريخ، إضافة إلى تدمير وتعطيل تحركات هذه الآليات والمدرعات باتجاه نقطة قريبة من إسرائيل.
ويعتبر هذا الهجوم الأوسع ضد القوات السورية في جبل الدروز، ووفق عسكري إسرائيلي، فإن تل أبيب ترى فيه اختباراً لتنفيذ سياستها الخاصة بنزع السلاح من جنوب سوريا، والتمسك بالتزامها تجاه الدروز.
وكشف في أعقاب التصعيد الذي شهدته المنطقة الحدودية أن الاجتماعات التي كانت تعقد في الجولان السوري من طرف إسرائيل بين أمنيين سوريين وإسرائيليين، يقودها عن الجانب السوري أحمد دالاتي، شملت تفاهمات وصفت بالصامتة والضمنية بين الطرفين، من بينها عدم اقتراب الحكومة السورية وجيشها من منطقة الحدود، وأيضاً من البلدات التي يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي منذ ثمانية أشهر، فيما اقتراب المدرعات السورية باتجاه السويداء ومناطق أخرى – تقول إسرائيل – إنها تبتعد 50 كيلومتراً عن الحدود، هو خرق لهذه التفاهمات ترفضه إسرائيل.
وبحسب الخبير العسكري أمير بار شالوم، فإن إسرائيل لم تجد مفراً إلا بتنفيذ الهجمات، على رغم المحادثات التي تجري، وعلى رغم رغبة الطرفين بالتوصل إلى اتفاق أمني. ويقول بار شالوم إن “ما فعلته إسرائيل خلال الأسابيع الأخيرة من حيث العمليات التي نفذتها في الجنوب، وحتى عند الحدود بين إسرائيل ولبنان، خصوصاً في منع تموضع ووجود إيران في سوريا، عملياً هي عمليات لصالح حكومة أحمد الشرع، وكل هذا تم بتنسيق كامل مع السوريين، ولهذا ما يحصل الآن بالنزول إلى جبل الدروز هو خرق لتفاهمات بين إسرائيل وسوريا، وعلى إسرائيل منع ذلك بالطرق التي تجدها مناسبة”.
ذريعة للتمسك بالشروط
التطورات الأخيرة جعلت سوريا من جديد في أولويات أجندة السياسيين والعسكريين، وقام الجيش بنقل قوات عسكرية جديدة إلى هذه المنطقة استعداداً لاحتمال توسيع القتال فيها، بينما اعتبر مسؤولون ووزراء في حكومة نتنياهو أن هذه التطورات تؤكد الموقف الإسرائيلي الرافض للتنازل عن مطلب الانسحاب الإسرائيلي من بلدات الجنوب التي يسيطر عليها الجيش، والإصرار على إقامة منطقة أمنية عازلة، سواء للحفاظ على أمن الدروز في المنطقة أم أمن الحدود.
وحذر أمنيون إسرائيليون مما اعتبروه “غرق إسرائيل في المستنقع السوري”، ونقل عن مسؤول في الأجهزة الأمنية أن ما شهدته المنطقة من أحداث خلال الساعات الـ24 الأخيرة ما كان يجب أن يحدث، إلا أن مصالح إسرائيل دفعتها لتنفيذ هجماتها، وقال “تتطلب الحاجة صيغة تنسيق وعمل مشترك في المناطق القريبة من الحدود، في أي اتفاق مستقبلي”.
ورداً على سؤال عما إذا كان يتوجب على إسرائيل تصعيد الهجمات وتكثيفها تجاوباً مع مطلب شخصيات درزية في إسرائيل ومجموعة من الجنود الدروز الذين يخدمون في الجيش، قال القائد السابق لسلاح البحرية إليعزر مروم، الذي عينه نتنياهو بعد أشهر من اندلاع حرب غزة مسؤولاً عن المنطقة الشمالية في الجبهة الداخلية، بأن على إسرائيل أن تحسب خطواتها لتصل إلى وضع التوقيع على اتفاق أمني مع سوريا. وقال “إنني فخور جداً بدولة إسرائيل لأنها تحمي الدروز في سوريا، هؤلاء إخوتنا يقاتلون معنا جنباً إلى جنب، لكن في الوقت نفسه، نحن أمام وضع إقليمي مختلف حيث سنرى في المستقبل القريب تشكيل سوريا الجديدة، وكما يمكن أن نفهم مما يحدث، سيتم تقسيم سوريا بحيث تكون منطقة الشمال تحت حماية الأتراك، والجنوب تحت حماية إسرائيل، فيما الشرع سيحتفظ بمنطقة سيتم الاتفاق حولها، وهذا يعني أن على إسرائيل التفكير والتخطيط لما تريده مستقبلاً في سوريا”.
من جهته، حذر الخبير العسكري تسفي برئيل مما سماه تحويل إسرائيل إلى عامل رئيس في جنوب سوريا والجولان السوري، وقال “المشكلة الصعبة لن تنتهي بهذا الحدث، لأن إسرائيل، عملياً، باتت مشاركة في إدارة شؤون سوريا الداخلية، ليس فقط لأنها سيطرت على مناطق كثيرة في عمق المنطقة وأقامت فيها قواعد عسكرية، بل كقيم على أمن الدروز. وهكذا، في الوقت الذي فيه زعامة الدروز تستنجد بالمجتمع الدولي، فإنها في سوريا تفسر كدعوة لإسرائيل للتدخل، وقد تدخلت حقاً”.
ويضيف برئيل “عندما بدأ الجيش السوري بإرسال الدبابات إلى منطقة النزاع، تمت مهاجمتها من طائرات إسرائيلية وأوقف تقدمها. تفسير الجيش لهذا الهجوم بعرقلة وصول الدبابات إلى المنطقة، وعدم سماح الجيش بوجود تهديد عسكري في جنوب سوريا، يعني أن هذه العملية استهدفت منع خرق سوريا لـ’خط السيطرة’ الإسرائيلي في سوريا، الذي حول ترسيمه تجري مفاوضات بين تل أبيب ودمشق”.
“حماية الحدود”
اختلف الإسرائيليون حول مدى تدخل إسرائيل في الداخل السوري، حتى وإن وقعت الأحداث بالقرب من الحدود، لكنهم أجمعوا على أن حماية الحدود هو شأن لا يمكن التنازل عنه.
المختص في شؤون الشرق الأوسط أماتسيا برعام يرى أن ما دفع إسرائيل إلى التدخل والهجوم هو وجود التزام غير رسمي، لكنه أخلاقي، تجاه دروز جنوب سوريا، ويقول “بعض الدروز طلبوا منا المساعدة، ولم يكن أمام إسرائيل خيار آخر سوى البحث عن طريقة لوقف الاشتباكات، وإذا لم نرغب في التوغل بقواتنا في جنوب سوريا، ونحن لا نريد ذلك حقاً، يمكننا محاولة الفصل بين القوات باستخدام النار”.
ويعتقد برعام أنه لم يكن هناك خيار آخر أمام الجيش الإسرائيلي إلا بالتدخل، وفي تقديراته هناك تنسيق بين إسرائيل والشرع في هذا الشأن “قد يكون حتى الشرع نفسه، من خلال التنسيق العسكري الذي بدأ تدريجاً بالتبلور بيننا وبينه، قد أرسل إلينا رسالة أبلغنا فيها أنه لا يستطيع إرسال قوات إلى هناك، بكلمات أخرى قال لنا: قوموا بدور الشرطة. ليس لدي شرطة حالياً يمكنني إرسالها هناك”.
وبحسب برعام، فإنه إذا ما تم التوصل إلى اتفاق بين تل أبيب ودمشق، “قد تكون هذه طريقة للعمل والتنسيق، بالنسبة إلينا السبب بسيط: استقرار جنوب سوريا الفوضوي هو أيضاً مفيد لنا، بل مصلحة. ربما لم نصل إلى ذلك بعد، لكن هذه فرصة يمكن الوصول إليها”.
اختراق الحدود وإغلاق الطرقات
كما في الحوادث السابقة في سوريا منذ انهيار نظام بشار الأسد، التي تعرض لها الدروز، هذه المرة أيضاً تدخل الدروز في إسرائيل لحمايتهم من خلال الضغط على الحكومة الإسرائيلية لاتخاذ خطوات أوسع مما نفذته خلال اليومين الأخيرين، وهددت مجموعة من الدروز الذين يخدمون في الجيش بالتدخل بأنفسهم لحماية دروز السويداء وبقية دروز سوريا.
وشهدت مناطق مختلفة في إسرائيل الثلاثاء احتجاجات وتظاهرات تخللها إغلاق شوارع وإشعال حرائق من مجموعة من الدروز الذين طالبوا الحكومة بتدخل أوسع لحماية دروز سوريا. ووصلت ذروة احتجاجاتهم عند اقتحام الحدود من جهة مجدل شمس في الجولان السوري، في محاولة للوصول إلى السويداء لدعم أبناء الطائفة.
في المقابل، بعث جنود دروز رسالة إلى نتنياهو دعوا فيها الحكومة إلى اتخاذ قرار بتدخل الجيش الإسرائيلي لحماية دروز السويداء مباشرة.
الرسالة أرسلت تحت اسم “جمعية الجنود المسرحين واحتياطي الجيش من الطائفة الدرزية”، جاء فيها “هذه المرة الثانية التي نوجه فيها نداء في موضوع خطر للغاية، فعلى رغم الوعود التي قدمتها سيادتك ومن وزير الأمن باتخاذ إجراءات للمساعدة الإنسانية، لكن شيئاً لم يتغير ولم تسجل أية خطوة إسرائيلية فعلية لوقف المجزرة، والوقت يمر”.
ودعوا نتنياهو إلى تحمل مسؤولية وقف الاعتداءات على دروز سوريا بإصدار تعليمات فورية باتخاذ إجراءات لتقديم مساعدات عسكرية وإنسانية لأبناء الطائفة، والنظر في فتح ممر إنساني، وتجهيز وحماية لأبناء المجتمعات المستهدفة، والضغط على الساحة الدولية من خلال الحوار لرفع الموضوع إلى جدول الأعمال العالمي ووقف القتل هناك، كما جاء في الرسالة.
———————————-
هكذا أدار “الهجري” السويداء.. وهكذا وقعت دمشق في الفخ!/ابتسام تريسي
17/7/2025
سوريا التي نحلم بها قد تأتي بعد جيل أو أكثر وقد لا تأتي أبدًا، إذ لا تزال تعيش -منذ عقود- بين مطرقة التهميش وسندان الخيانة. هذه الصورة تجسدت اليوم واقعيًّا، وبشكلها الفج، وبلا رتوش.
بعد هروب المجرم الابن بأيام قليلة تشكل المجلس العسكري بغطاء مباشر من حكمت الهجري الذي يدّعي رئاسة طائفة الموحدين (الدروز) شاء من شاء وأبى من أبى. يحوي هذا المجلس بعض جنرالات العهد البائد وكبار تجار الكبتاغون وهم مطلوبون للعدالة بسبب جرائمهم ضد الشعب السوري، وتربطهم علاقة وثيقة بجيش الاحتلال الصهيوني عبر الزعيم الروحي لدروز الجولان المحتل، وقد أصبح هذا الأمر أكثر وضوحًا اليوم ولم يعد المرء بحاجة للبرهان أو الدليل.
الفخ الإسرائيلي
خلال الشهور القليلة السابقة عقدت حكومة دمشق ثلاث اتفاقات مع شيوخ العقل بمن فيهم حكمت الهجري وفي كل مرة كان الهجري يتراجع ويرفض الاتفاق، ويبدو أن الحكومة قررت أن تدعهم لشأنهم في إدارة مدينة السويداء، ولن نشير إلى نتائج إدارتهم في تلك المرحلة، فقد انتشرت الجريمة (القتل والسرقة) بشكل جعل أهل السويداء يبدون قلقهم من الوضع، وكلّها جرائم موثقة لمن يريد البحث عن أدلة. هذه الحالة السكونية بين جماعة الهجري وبين الحكومة لم تكن في مصلحة المجلس العسكري وزعيمه الروحي، فدُبرت حادثة سرقة سيارة الخضار على طريق دمشق السويداء وطبعًا المتهم فيها جماعة العشائر (ويسمونهم البدو احتقارًا وليس توصيفًا) وبدأت سلسلة الخطف والاعتداء المتبادل بين الطرفين، مما استوجب تدخل الحكومة وهنا بدأ الفخ الإسرائيلي الهجري.
إسرائيل تُصرّح بضرورة توجه الدروز إلى دمشق، يعقد الطرفان جلسة، ويتم الاتفاق على دخول قوات الأمن العام إلى مدينة السويداء وبمجرد دخولهم بدأت كمائن المجلس العسكري اغتيالهم، وسارع حكمت الهجري إلى نقض الاتفاق، وطلب من مقاتليه القتال، وبدأت صور القتلى والتمثيل بهم تنتشر، سارعت حكومة دمشق بإرسال قوات وزارة الدفاع، واستطاعت السيطرة على الوضع بنسبة كبيرة جدًّا.
وقعت دمشق في الفخ، وجاءت اللحظة المناسبة لقوات الجيش الإسرائيلي التي لا حلم لديها سوى تقسيم سوريا، وعادت إلى سرديتها القديمة في الدفاع عن دروز سوريا، وهجمت إسرائيل بثلاث غارات على دمشق، وبذلك أجبرت وزارة الدفاع على الانسحاب من السويداء، والمتتبع اليوم لتلفزة العدو الإسرائيلي يسمع بكلّ صراحة رغبتهم الشديدة في إيجاد منطقة عازلة من خلال إنشاء كانتون درزي مستقل في السويداء على غرار كانتون أنطوان لحد في لبنان، متمسكين برغبة وطلب (رئيس طائفة الموحدين) حكمت الهجري بتدخل إسرائيلي لحمايتهم، متناسين تمامًا رغبة شيوخ عقل في الطائفة لا يقلون مكانة عن الشيخ الهجري الذي تجرّأ وأصدر بيانًا يطالب فيه بقتلهم واعتبارهم خونة؛ لأنّهم عقدوا اتفاقًا مع حكومة دمشق، وأعلنوا وقوفهم مع الدولة السورية، وهم الشيخ يوسف جربوع، والشيخ حمود الحناوي، والشيخ ليث البلعوس.
نعم أخطأت دمشق بإرسالها الجيش إلى السويداء، وكان بإمكانها البحث عن حلول مغايرة، لكن على ما يبدو لا تزال عقلية الفصيل تعمل، ولم تتقن الحكومة بعد آلية التفكير بمنطق الدولة بشكل جيد. نعلم جيدًا أنّ حكومة دمشق لا تزال مقيدة برغباتٍ وأطماعٍ إقليمية ودولية، وكلّ الوعود التي عشناها، وسمعناها عن المستقبل المشرق لا تزال حبرًا على ورق، ولا تزال الأوراق المتاحة لرئيس الجمهورية قليلة باستثناء الموقف الشعبي العام الداعم بقوة، إلا أنّ هذا الموقف إن لم يُستثمر بذكاء فقد تذهب سوريا إلى المجهول حرفيًّا، استغلاله في مواجهة الخارج سيؤدي حتمًا إلى ازدهار وسيادة، أمّا استغلاله في مواجهة عقبات الداخل فقد يودي بسوريا إلى دمار ما لم يُدمر بعد. لقد حصلت تجاوزات مؤلمة وكثيرة في السويداء من قبل الطرفين، إذ لا ينبغي أن ننسى أنّ الكثير من أفراد الأمن العام وحتى من أفراد الجيش هم في الأصل من أصحاب التسويات ممن سلّموا سلاحهم بعد سقوط النظام، ثمّ انتسبوا من جديد لوزارتي الدفاع والداخلية!
نستطيع القول اليوم إن بؤر الخيانة أصبحت واضحة تمامًا تتمثل بشكل محدد ومعيّن في جماعة المجلس العسكري تحديدًا وبقايا حزب العمال الكردستاني في قسد، أمّا جماعة فلول النظام فهم موزعون اليوم بين هاتين الجهتين، وأصبح واضحًا تمامًا الدعم الإسرائيلي للأولى، والإيراني للثانية. يجب التنويه هنا إلى أنّ أمريكا لا تزال تمسك العصا من المنتصف، تدعم حينًا وتغض الطرف حينًا تبعًا لمصلحتها الخاصة، وحرصها المقدس على إسرائيل. أمّا التهميش فيأتي حصرًا من الداخل، من حكومة دمشق ذاتها رغم خطابها الحريص جدًّا على حقوق المواطنة، لكن على أرض الواقع يبدو أنّها لا تريد الاستعانة بكوادر المرحلة الأولى من الثورة السورية، ولا تزال تعتمد مبدأ التزكية في التعيينات في مختلف المواقع؛ لذلك يسودها اليوم اللون الواحد الذي يعترض عليه الكثير من المعارضين.
اشترك في
في نهاية المطاف لا تزال سوريا اليوم في مرحلة تأسيس دولة وهذا يعني أنها لم تتشكل بعد، صحيح أنّها قطعت شوطًا رائعًا على الصعيد الخارجي، لكن رغبات وأطماع الخارج لا تزال تشكِّل قيدًا على تقدمها داخليًّا، ولن تبدأ المسيرة بشكل فعلي إلا بعد أن تتحوّل مذكرات التفاهم على التطوير إلى عقود ملزمة، وتتحوّل الوعود بحقوق المواطنة والتشاركية إلى حقيقة، وكلّ ذلك لا يمكن أيضًا أن يتقدم (داخليًّا) إلا بعد تحقيق العدالة الانتقالية، ومحاسبة المجرمين من كافة الفئات.
حذَّر الرئيس الشرع في كلمته المتلفزة -تعقيبًا على ما جرى في السويداء- من الانجرار وراء سياسة زرع النزاعات والتقسيم، وأكّد على وحدة الأراضي السورية، وعلى محاسبة المجرمين على الانتهاكات التي قاموا بها.
السوريون في انتظار نتيجة المفاوضات الحالية.
كاتبة وأديبة سورية
صدر لها عشر روايات، وأربع مجموعات قصصية.. حائزة على الجائزة الأولى لمسابقة سعاد الصباح عن مجموعة “جذور ميتة”.. والجائزة الأولى لموقع لها أون لاين عن مجموعة “نساء بلا هديل”.. والجائزة الأولى لمسابقة المزرعة عن رواية “الخروج إلى التيه”. ودخلت رواية “عين الشمس” القائمة الطويلة لجائزة البوكر
الجزيرة
—————————-
الاتعاظ من دروس السويداء/ صبا ياسر مدور
الخميس 2025/07/17
استعادت الدولة سيطرتها على السويداء، ولم يتبق غير جيوب متفرقة أو كامنة من مسلحي المجلس العسكري التابع لقيادة الشيخ حكمت الهجري، وتراجع التهديد الذي يمثله الانفصاليون، لكنه لم ينته، بل هو اليوم تحد يمكن أن يعود في أي وقت، في ظل عدم إنجاز حل حاسم لجذور الأزمة هناك.
لا يتعلق الأمر طبعا بالدروز، فهم مكون أساسي من السوريين، وغالبيتهم مع الدولة، ومع الاستقرار ووحدة البلاد، لكن المشكلة كما هو الحال دوماً يكمن في أجندات خاصة ترتبط بأخرى خارجية، وتستعين بأنماط جاهزة دينية وطائفية وعرقية يمكن استدعاءها في الوقت المناسب لفرض إملاءات وشروط على السلطات في دمشق وهي تؤسس لمستقبل سوريا.
والحقيقة أن هذا الواقع صار معلومة شائعة، مع التمادي الإسرائيلي في التماهي مع الانفصاليين، وعلنية العلاقة بين الطرفين، لكن الإشكالية التي عادت لفرض نفسها مع هذه الأزمة، هي طبيعة موقف القيادة السورية في التعامل مع هذا التحدي، والإجراءات التي اتخذتها أو التي ستتخذها في المستقبل لغلق هذه الثغرة بشكل فاعل وحاسم.
ورغم أن الانفصاليين من عناصر ميليشيات وقيادات روحية يتحملون المسؤولية المباشرة عما آلت إليه الأمور، إلا أن السلطة في دمشق تتحمل بدورها مسؤولية عدم التعامل بشكل واضح وجاد مع المؤشرات العديدة التي ظهرت منذ سقوط النظام السابق، وكانت جميعها تفضي على ما وصلنا إليه اليوم، بل أن تلك المؤشرات كان يمكن أن تقود إلى ما هو أسوأ بكثير، لولا حسن الحظ في التوافق الإقليمي والدولي على القبول بنظام ما بعد الأسد لأسباب متعددة ومتشابكة.
أول المؤشرات تمثلت في التشكيك العام من قبل المكونات المختلفة غير “العربية السنية” في نوايا النظام الجديد. قام بقايا النظام المخلوع بتغذية هذه الشكوك والاستفادة منها في تنظيم تمرد الساحل في آذار الماضي. ولئن قد تم القضاء على التمرد بعد كثير من التضحيات، فإن الآثار الاجتماعية والسياسية ما زالت مستمرة حتى هذا اليوم. هذا التشكيك بالنظام الجديد وطبيعته ونواياه شملت السويداء أيضاً، وكان ذلك علنياً وواضحاً في طبيعة المناقشات والتصريحات العلنية، لكن وجود عدد كبير من الثوار ضمن هذه المدينة، وعلاقتها السيئة مع نظام الأسد المخلوع، وفرح أهلها بانتصار الثورة مثل غالبية السوريين، أخفى كثيراً من معالم التشكيك ونوايا التمرد، من دون أن يمنع ظهور صراعات مسلحة خلال شهر آذار في بلدات جرمانا وصحنايا وأشرفية صحنايا في ريف دمشق، تصاعد في أواخر نيسان الماضي إلى مواجهة واسعة مع القوات الحكومية، وامتد إلى ضواحي السويداء.
كانت تلك الحوادث أكبر من مجرد مؤشرات قوية على ما يمكن أن يحدث، فقد تزامنت مع بدء الاستثمار الإسرائيلي العلني والمباشر في الموضوع الدرزي، والسعي الواضح إلى تكوين كيان درزي شبه مستقل يتمتع بالحماية الإسرائيلية، ويكون سبباً في تقسيم سوريا، وهو سعي تراجع لاحقاً مع فتح صفحة العلاقات بين الولايات المتحدة ودمشق، لكن “الورقة الدرزية” لم تنته أبداً كعنصر ضغط تستخدمه إسرائيل لفرض أمر واقع جديد في العلاقة مع سوريا، وضمن سياق المحادثات الراهنة، وبالطبع فقد شجع هذا الاتجاه وجود عناصر قيادية مهمة في السويداء لها القابلية والرغبة في معارضة أي مبادرات وطنية لتسوية العلاقة مع حكومة دمشق والرهان على الحماية الاسرائيلية.
هذه العناصر، هي ذاتها التي تمردت منذ أول أيام انتصار الثورة، وهي ذاتها من حرض على الانفصال، وقاد الميليشيات المتمردة، وانقلب على الاتفاقات المتعددة مع الدولة، وأرسل في آذار الماضي العشرات من الشيوخ الدروز إلى داخل إسرائيل، في زيارة دينية ذات أهداف سياسية واضحة ومباشرة. ولم يكن الهجوم على محافظ السويداء في مكتبه في مارس الماضي، غير مظهر آخر من مظاهر التمرد، مضت بدورها من دون عواقب تذكر.
كل ذلك قاد إلى الأحداث الأخيرة التي سقط فيها العشرات من الضحايا عسكريين ومدنيين، وتسبب بتدخل إسرائيلي جديد، زاد في أزمة الدولة والسيادة والقدرة على مواجهة التحدي. ورغم ذلك، ما زال الخطاب الرسمي هو ذاته، بالأنماط والعبارات الجاهزة نفسها، من دون أي خطة واضحة أو خريطة طريق لحل الأزمة من جذورها، بل ومن دون شفافية في الكشف عن الأسباب التي وصلت بنا على هذا الحد من التهديد الأمني والسياسي والاجتماعي.
إن الموجة الأخيرة من الصراع في السويداء يمكن أن تتكرر بسهولة، ليس بالضرورة مع القوات الأمنية، بل بين الدروز والقبائل العربية في جبل العرب كما كان الحال في فترات متعددة، وربما في أماكن أخرى في الجغرافية السورية، وستكون الضحية مرة أخرى هو السلم المجتمعي، وهو أمر ليس له أن يحصل ما دام هناك سطوة لهيبة الدولة وسيادة للقانون، وهو ما لم يتحقق حتى الآن.
وسيكون من المؤسف حقاً أن تنتهي هذه الأحداث ثم يجري ركنها خلفنا، كما حدث من قبل، من دون أخذ العبر، والعمل الجاد لمعالجة جذورها، وذلك لن يقتضي بالضرورة إجراءات عسكرية او قمعية للقضاء على المتمردين أو المتعاملين مع إسرائيل. فهناك على الدوام أساليب سياسية فاعلة في احتواء شكوك المكونات العرقية والدينية وتلبية رغبتها بالأمن المجتمعي، مع الاحتفاظ بمبادئ السيادة والوحدة الوطنية ورفض التدخل الخارجي.
ندرك طبعاً أن هواجس المكونات العرقية أو الدينية ليست هي السبب الوحيد وربما الأهم وراء هذه الأزمات، لكنها تمثل جزءاً أساسياً منها، ومن المهم التعامل بمقاربات مختلفة وربما إبداعية مع تحدي استيعاب الجميع، في هذه المرحلة الانتقالية الخطيرة والمعقدة، مع الانتباه الدائم إلى أن ما كان مناسباً لسوريا على صعيد هيكل الدولة وطريقة إدارتها، منذ الاستقلال وحتى اليوم، قد لا يكون مناسباً لها اليوم، في ظل تغير الظروف السورية والإقليمية في الداخل والخارج.
المدن
————————-
خطاب الشرع يترك أصداء متباينة في السويداء/ يوسف الحيدر
الخميس 2025/07/17
تركت كلمات الرئيس أحمد الشرع، في الخطاب المبكر الذي ألقاه فجر اليوم، حول ما جرى في محافظة السويداء أصداءً متباينة، ولاسيما بين المواطنين الدروز الذين يؤمنون حقاً أن حب سوريا والدفاع عنها وبناءها لا يتحقق إلا بوجود كافة مكونات الشعب السوري يداً واحدة مع الدولة التي يجب أن تكون على مسافة واحدة من جميع أبنائها.
وفجر الخميس، أعلن الشرع أنه قرّر تكليف فصائل محليّة ورجال دين دروز “مسؤولية حفظ الأمن في السويداء”، المحافظة الواقعة في جنوب البلاد والتي شهدت منذ الأحد أعمال عنف طائفية أوقعت مئات القتلى.
خطاب إيجابي
ويجد الصحفي والخبير السياسي أدهم الطويل الذي ينتمي لطائفة الموحدين الدروز، أن كلام الشرع في خطابه اليوم، كان إيجابياً بالنسبة للطائفة الدرزية، كما أن تأكيده على وحدة الأراضي السورية والوقوف بوجه الاعتداءات الاسرائيلية تأتي في السياق الوطني ذاته الذي تمسك به أهالي السويداء قديماً وحديثاً.
وأشار الطويل إلى أن المشكلة هي في التطبيق العملي على الأرض، ويقول في تصريح لـ”المدن”: “دائماً ما تتحدث الدولة عن الالتزام بمنع انتهاك حقوق المواطنين ومنع التعدي على حياتهم وأرزاقهم، لكن يأتي الواقع مرة جديدة لينفي كل الأقوال”.
ويشير الطويل إلى أن أهل السويداء وثقوا سريعاً بالسلطة الجديدة “التي تقول كلاماً وطنياً جيداً، لكنها مع الأسف تفعل عكسه”، ويشير إلى أن أهل السويداء “أحرار يحبون الحرية وقد بذلوا الدم لأجلها، وهم وطنيون يحبون الوطن وضحوا لاستقلاله ولا أحد يزاود عليهم بذلك”. ويلخص الطويل مطالب الدروز بأنه يريدون “دولة ناجزة، قانونها مدني واضح ومنطقي وعادل، وجيشها يضم كل أبناء الوطن”.
ولكي تقوم دولة المواطنة لكل مواطنيها، بحسب الطويل، فلا بد من وقف التحريض الطائفي العلني وغير العلني، خاصة ضد من تسميهم الدولة “أقليات”، كما يجب “تبني خطاب إسلامي معتدل يعبر عن جوهر الإسلام”، بالإضافة لمحاكمة كل من يتجاوز أو يعتدى على أي مواطن سوري محاكمة علنية وفق القانون، وأن تتحمل الدولة مسؤوليتها الكاملة في تأمين الأمن والأمان لكل مواطنيها، وبعد إنجاز هذه الشروط بشكل كامل وموثوق يمكن الحديث عن ضرورة تسليم كل مكونات الوطن سلاحها الثقيل للدولة.
الحق بالدفاع
من جانب آخر يشير الشيخ أحمد الأسعد من عشيرة الجبور إلى أن من حق الجميع الدفاع عن حقوقهم وأعراضهم وأبنائهم، وأن الرئيس الشرع في خطابه الأخير حاول أن يحافظ على حقوق المواطنين أولاً ووجود الدولة ثانياً، داعياً إلى ضرورة تهدئة الأوضاع وحل الأمور وعدم اللجوء إلى جهات خارجية.
وبين الأسعد أن الخطاب يحمل في طياته تعليمات تنفيذية تساهم في وأد الفتنة والخروج من المأزق الاجتماعي وإعادة الأمور إلى نصابها، بعيداً عن المزاودات.
————————–
من الجولان إلى السويداء/ أحمد مولود الطيار
17 يوليو 2025
ثمّة قاعدة سياسية شبه ثابتة في سلوك الأنظمة الديكتاتورية: حين تواجه الخارج، فإنها تُهادن وتُساوم، وحين تواجه الداخل، فإنها تقمع وتصمّ الآذان. هذه ليست مفارقة أخلاقية فحسب، بل منطق بنيوي في بنية الاستبداد نفسه، حيث يصبح الخارج شريكاً في البقاء، والداخل عدوّاً يجب إخضاعه.
ما يجري اليوم في سورية يكشف عن هذه القاعدة بوضوح ساطع. فمع تصاعد التسريبات الكثيفة من مصادر إسرائيلية وغربية عن مفاوضات سرّية ومتقدّمة بين القيادة السورية الجديدة برئاسة أحمد الشرع وإسرائيل، يتكشّف مشهد سياسي بالغ الحساسية؛ تنازلات مُحتملة في ملف الجولان، وربما اعترافات أمنية متبادلة، في مقابل ضمان “حرية يد” للشرع في الداخل السوري. ورغم أنّ هذه المفاوضات لم يُعلَن عنها رسمياً، فإنّ وتيرة التسريبات، وتطابقها، والمناخ الدولي المُهيّأ لتسويات سريعة، كلّها تدفع للاعتقاد بأننا أمام تحوّل جذري في بنية “سورية ما بعد الأسد”.
المفارقة أنّ الشرع، الذي جاء من خلفية إسلامية جهادية، ويقدّم نفسه محرّراً من النظام البعثي الطائفي، قد يجد في إسرائيل الحليف الضمني الأكثر استعداداً لتسهيل صعوده، ما دام يُقدّم لها ما يريده الأمن الإسرائيلي؛ حدود آمنة، تحجيم للنفوذ الإيراني، وتعهد ضمني ربما بالتخلّي عن الجولان المحتل. في هذا السياق، تبدو الصفقة الكبرى واضحة: صمت إسرائيل، وتغاضي واشنطن، في مقابل إطلاق يد الشرع في تفكيك قسد، وتطويع الدروز، وضبط الداخل السوري بقبضة مُحكمة.
لكن هذا السلوك ليس جديداً في تاريخ الأنظمة الديكتاتورية. غالباً ما تلجأ هذه الأنظمة إلى التنازل أمام القوى الخارجية مقابل الحفاظ على السيطرة المطلقة في الداخل. حافظ الأسد، مثلاً، كرّس “السلام البارد” في الجولان مقابل استمرار حكمه بلا معارضة. السادات وقّع اتفاق كامب ديفيد، لكنه لم يفتح المجال لتعدّدية سياسية حقيقية. بشار الأسد حافظ على “الهدوء الاستراتيجي” مع إسرائيل طيلة فترة حكمه، وقابل أيّ حراك شعبي بالقصف والاعتقال. واليوم، يبدو أنّ أحمد الشرع يسير في الخطّ ذاته، لكن بخطاب جديد، وتحالفات جديدة، وشرعية تُبنى على “التنازل السيادي مقابل الهيمنة الوطنية”.
في منطق هذه الأنظمة، الداخل هو الخطر الحقيقي: أصوات تُطالب بالمحاسبة، بحكم القانون، بحقوق الإنسان، بتوزيع عادل للثروة. أما الخارج، فهو قابل للتفاوض. يمكن مقايضته بالأمن، أو الاستثمارات، أو حتى الاعتراف الدبلوماسي. لهذا السبب، لا تتردّد الديكتاتوريات في التنازل عن السيادة الوطنية أمام الخارج، بينما تسحق أيّ صوت معارض في الداخل باسم السيادة نفسها.
الأخطر في هذا النمط أنّ التنازلات الخارجية تُسوَّق في الداخل على أنها إنجازات تاريخية: يُقدَّم اتفاق أمني مع إسرائيل على أنه “تحرير صامت”، ويُصوَّر القمع بأنه “حماية للسيادة وبناء للدولة”، وتُمارَس المركزية المطلقة باسم “الوحدة الوطنية”. في حين أنّ الواقع هو ببساطة: صفقة بقاء، لا أكثر.
ربما ينجح الشرع في إحكام قبضته، مستنداً إلى قبول دولي متدرّج، وصفقات أمنية تحت الطاولة، وتواطؤ إقليمي. لكن التجربة تُظهر أنّ هذه الأنظمة، مهما بلغت قوّتها الظاهرة، تبقى هشّة في جوهرها. فهي لا تستند إلى عقد اجتماعي، ولا إلى مشاركة سياسية، بل إلى مزيج من الخوف والتفاهمات الخارجية. وعندما ينكسر أحد طرفي المعادلة: الداخل الذي يثور، أو الخارج الذي يغيّر موقفه، تنهار المنظومة كلّها فجأة.
في النهاية، الديكتاتور لا يثق بشعبه، بل يخافه. ولهذا يقمعه. لكنه يثق بالخارج، لأنه يظن أنّه قادر على شرائه أو استرضائه. لكن الخارج لا يمنح أماناً دائماً، ولا يغفر خطيئة كبرى: التنازل عن السيادة من جهة، ووأد إرادة الناس من الجهة الأخرى.
العربي الجديد
———————–
قصف دمشق… أين القانون الدولي؟/ أحمد عبد الكريم موسى
17 يوليو 2025
كان الحدث الأبرز في الساعات الأخيرة؛ استهداف إسرائيل مقرّ قيادة الأركان السورية في قلب العاصمة دمشق، ردّاً على دخول قوات الدفاع السورية إلى السويداء إحدى المحافظات السورية. وبينما تتطاير أجزاءٌ من مبنى قيادة الأركان؛ على مسمعٍ ومرأى من المجتمع الدولي، في ضرباتٍ صاروخية خلّفت عشرات الضحايا والجرحى من المدنيين؛ اكتفى أعضاء الجماعة الدولية (كعهدنا السابق بهم) بالتنديد والاستنكار، ولتتوالى بعدها الضربات على ريف دمشق ودرعا ومحيط السويداء… ليثير السوريون سؤالهم ذاته منذ أكثر من أربع عشرة سنة: أين القانون الدولي؟
إنّ المجريات التي تطفو في كلّ يومٍ على ساحة العلاقة بين الدول، تنبئنا بأنّ القانون الدولي ما هو إلا تعبيرٌ عن توازن القوّة، لا قانونا لانتصاف الحقوق، وأنّ تنفّذ القوى الكبرى على الساحة الدولية، هو من يحدّد للقوانين مساراتها، أي إنّ العدل الدولي مرهونٌ بالدور الوظيفي للقانون الدولي، والأخير مرهونٌ بمن يضع مسارات ذاك القانون، لذا لا معنى للقانون الدولي ما لم يكن من ورائه تخفيفُ الفقر والجوع والظلم، والقضاء على معالم القهر وحفظ الحقوق وردّ المعتدي وحفظ السلم حقاً وصدقاً، وتحقيق الأمن عدلاً وفرقاً، واحترام سيادة الدول، وجعل ذلك أولويةً من أولوياته.
ويبدو أنّ الأحداث الدولية المتعدّدة من قديمٍ وحديث؛ قد ساهمت بشكلٍ كبيرٍ في وضع القانون الدولي في مأزقِ الواقع الدولي؛ إذ لم تَسلَم الممارسات الدولية من التدخّل في الشؤون الداخلية للدول، والاعتداء على سيادتها، والمساس باستقلالها، ومرجع ذلك كلّه كان إلى مظاهر استعمال القوّة، أو التعالي والتهديد باستعمالها؛ من دون سندٍ أو مستندٍ من القانون.
وإنّ الأحداث الدولية المعاصرة التي نشهدها، والتي شكّلتها ممارسة القوى الفاعلة في التنظيم الدولي؛ قد أسّست محطاتٍ حسّاسة غير ناصعةٍ في تاريخ القانون الدولي؛ حتى إنّ الممارسة الدولية باتت تشكّل سوابق لا تتفق وقواعد ذاك القانون ومبادئه، وهي التي كانت (ومن المفترض أن تبقى) ركائزَ أساسية لحماية أعضاء الجماعة الدولية وسيادتها. ففي كلّ يوم يتكشّف الواقع عن مخالفاتٍ جسيمة للقانون الدولي وأحكامه، فبالأمس القريب في العراق ولبنان، واليوم في غزة سورية، ولا يبدو أنها آخر العهد بذاك الواقع؛ في مشهدٍ يرجع بالتنظيم الدولي إلى عصور دياجير الحضارة، ويهدّد العلاقة الدولية لتُحكم وفقاً لعصور الاقتتال ومدّ النفوذ، والتي كان الأساس فيها أن من لا يغزو يُغزى!
وإنّ المتتبع للممارسات الدولية اليوم؛ يراها أوجدت مستويات مرعبة من البؤس واللامساواة، وهذا مؤدّاه أنّ العالم اليوم بات محكوماً بالقهر والفقر والرعب، وهي ثلاثيةُ العار؛ التي تؤدي بالضرورة إلى الاستكبار، وهذه بالتحديد معالم التنظيم الدولي المعاصر؛ وهذا مؤداه أنّ الاستهانة بحكم القانون لها قدمٌ راسخةٌ في ممارسات الدول الكبرى، وأنّ منطق القوّة يربأ بنفسه عن الاحتكام لسلطة القانون، التي باتت سيفاً مسلّطاً على رقاب الدول الضعيفة.
واضح أنّ قواعد القانون الدولي ومبادئه؛ إنما وُضِعت لمصلحة الدول الكبرى، أو تكريساً لفكرٍ أحادي على منهجٍ أُريد له أن يحكم الأمم والشعوب. وقد فشلت محاولات الإصلاح في جعله منظومةً قانونيةً يقبل بها الجميع، أو لنا أن نقول؛ إنّ قوة القانون لا تُرى إلا في وجه الدول الضعيفة المستضعفة؛ في حين نجد انتهاكات قواعد القانون الدولي في أماكن شتّى من بقاع الأرض، ولا تحرِّك الأمم المتحدة من أجلها ساكناً.
والحقَّ نقول؛ إنه لا بُدّ من إدراك أنّ في المجتمع الدولي قوى لا ترى القانون الدولي مُقيِّداً من حريتها عندما تخالفه؛ وإنما تأخذه في عين الاعتبار حين يخالفه أعداؤها، جاعلةً منه شرعة الأقوياء؛ تدّعي تطبيقه، وتكيل به بمكيالين، وتحمل به الظلم لواءً عالياً، وترى نفسها صانعةً للقانون الدولي لا خاضعة له، تملك تأويله وتفسيره.
لذلك؛ فإنّ سلوك فرض الإذعان الذي تسلكه الدول المتنفّذة، وإعلاء الاستكبار في المجتمع الدولي بذرائع تختلف باختلاف الواقع، وتتّحد في الهدف والمُراد؛ ينتهك بوضوحٍ سموّ القانون الدولي فوق المصالح والأهواء، ويضع مستقبل بقائه في خطر، ويجعل الإيمان بوجوده محلَّ نظر؛ تاركاً الممارسات الدولية وسيلةً للقهر والظلم، وسلاحاً لوأد كلّ مسارٍ لا يتفق ومراد القوى الفاعلة في المجتمع الدولي، وأداةً لردعه؛ في غيابٍ لتطبيق بنود ذاك القانون!
—————————
تقسيم المقسم… 3 مرجعيات تحكم السويداء بالدين والسياسة والعسكر والتباين/ طارق علي
بين الولاء والتمرد كيف تدير القيادات الدرزية المحافظة السورية الجنوبية المضطربة؟
الخميس 17 يوليو 2025
لم تكن الخلافات بين شيوخ عقل السويداء آنية، أو مرتبطة بمرحلة سقوط الأسد وتولي سلطات جديدة، لكنها حقيقة بدأت قبل ذلك بسنوات كثيرة، وكانت في بدايتها تساق تحت عناوين فرعية كي لا تظهر للعامة وتثير الخلاف، كمثل توزيع المهمات ونوع الفتاوى والاختلاف الطبيعي في الآراء، لكن دخول سوريا في حربها أخرج الخلاف من سياقه الدبلوماسي التوافقي إلى حيزه المباشر والجاف.
تتمتع محافظة السويداء بصورة منفردة بوضعية خاصة كحاضنة درزية سورية بوجود ثلاثة مشايخ عقل للطائفة بخلاف الأعراف المتبعة، وهم الشيخ حكمت الهجري، والشيخ يوسف جربوع، والشيخ حمود الحناوي، إلا أن شيوخ الطائفة الثلاثة لا يتمتعون في ما بينهم بأفضل العلاقات لجملة أسباب مرحلية وتاريخية قريبة لعبت فيها أسباب عدة أدواراً بارزة قادت إلى شرخ نسبي لم يكن معلناً على الملأ حتى زمن قريب، لكن تواتر الأيام السورية بما حملته من مواقف سياسية وعسكرية واجتماعية وإدارية جعلت تلك الخلافات أكثر وضوحاً وتمايزاً.
من الخفاء إلى العلن
تلك الخلافات جاءت في محصلتها محمولة على صراعات خفية تتعلق في بادئها بالنظر العقائدي إلى شؤون إدارة الطائفة والتمثيل الشعبي وتقويم الرأي السياسي الجامع وتصدر المشهد القيادي والتوازن العائلي الفاعل، ويضاف إلى ذلك طبيعة الدور والعلاقة مع النظام السابق منذ عهد حافظ الأسد وصولاً إلى بشار الأسد، وضمناً مجريات سنوات الحرب السورية، والعلاقة مع الأجهزة المؤسساتية والأمنية والعسكرية السابقة.
خلاف الرئاسة الروحية الدرزية وتفككها بين ثلاثة شيوخ لم ينطلق من كونه في مهده الأول سياسياً بقدر ما كان بحثاً عن شرعية دينية يلتف حولها القدر الأكبر من أبناء طائفة الموحدين، و كان الأقدم من بين هؤلاء الشيوخ، الشيخ حمود الحناوي، وهو يتربع في منصبه منذ نحو 30 سنة، وكان مدعوماً من حافظ الأسد في مرحلة حرجة احتاج فيها الأخير إلى التفاف المكونات حوله. أما الشيخ يوسف جربوع فقد ورث المشيخة عن والده، وتمرس في شؤون الدين والإفتاء والمصالحات المحلية. الشيخ الثالث هو حكمت الهجري الذي تسلم الزعامة عن أخيه أحمد الذي كان يشغل المنصب ذاته، قبل أن يقضي بحادثة سير عام 2012. والهجري كان الشيخ الأكثر عناداً كما يوصف في الأوساط المحيطة، إذ اعتمد مبدأ مواجهة سلطة الأسد والتعامل معها بندية منذ بدايات الثورة السورية وتسلمه المشيخة في 2012، وهو ما منحه حضوراً شرعياً تجاوز الدور الديني في بعض المفاصل مع مرور السنوات.
بعد الثورة
وبعد الثورة التي انطلقت عام 2011، اتخذ الشيخ الهجري فعلياً موقفه الواضح غالباً والمهادن نادراً، مع تمسكه بعدم إعلان الخضوع المباشر للسلطات النظام السابق، وذلك ما ميزه عن بقية المشايخ حتى بات صوتاً شعبياً جماهيرياً مقبولاً، لا سيما بعد انتقاداته المتكررة لأسلوب الحكم ودور أجهزة الأمن والتجنيد الإجباري للدروز، وفي عام 2020 اتخذ موقفاً أكثر صلابة وتحدياً إثر تلقيه إهانة من رئيس فرع الأمن العسكري في الجنوب حين سؤاله عن أحد الموقوفين، ثم في انتفاضة السويداء عام 2023 حين تبلور دوره كقائد شعبي ومرجع موثوق. وكان الشيخ الوحيد الذي يرفع المتظاهرون صوره في ساحات السويداء، مما دفع دمشق إلى التعامل معه كـ”خائن”.
أما الشيخ حمود الحناوي فلعب دوراً مغايراً لدور الهجري، إذ تعمد الحفاظ على علاقة متينة بالنظام ومختلف أجهزته، وبرر ذلك بضرورة إيجاد خط تواصل مفتوح مع السلطة، ليمثل من مكانه موقع الرئاسة الروحية المقربة من السلطة، وهو ما أدى إلى ابتعاده من الشارع الدرزي إلى حد ما.
وبالنسبة إلى ضلع المثلث الثالث في الرئاسة الروحية الدرزية في سوريا الشيخ يوسف جربوع فقد اعتمد سلوك طريق وسطي لا يهادن النظام ولا يعاديه، في محاولة للظفر بمكانة وسطية بين الطرفين، وهو ما يراه مهتمون بواقع التيارات الدينية في الجنوب أمراً مدروساً بالاتفاق مع الشيخ الحناوي، إذ كانا يصدران بياناتهما شراكة فتحمل توقيعهما معاً، وذلك في ما يخص معظم الأحداث ومنها المواقف من حكم بشار والدولة السابقة وبيانات الهجري وانتفاضة السويداء وملف التجنيد، لذا يدرك أهل السويداء أن جربوع والحناوي بطريقة أو بأخرى يصطفان معاً في وجه الشعبية المتنامية للهجري، وفي هذا المحور تحديداً تبدو جلية أسباب اختلاف الشيوخ في ما بينهم.
القاعدة الشعبية
ينتمي الهجري إلى بلدة قنوات شمال السويداء، وهناك مقر دارة الطائفة، حيث يمارس نفوذه ويحظى بدعم كبير أساساً، ظل يزداد مع سنوات الثورة ليشمل أجزاء واسعة جداً من الأرياف والشيوخ التقليديين والفصائل المسلحة والأجيال الشابة، فيما ينحدر الحناوي من بلدة سهوة البلاطة جنوب السويداء، وهناك يحظى بقاعدة ملائمة له، فيما يتحدر الجربوع من مدينة السويداء نفسها، ويمتلك ضمنها علاقات جيدة مع الشخصيات التقليدية، ويمارس الأخيران نفوذهما الديني من مقام “عين الزمان” في المدينة كمرجعية دينية.
تذكر المصادر أن السلطات السورية السابقة كانت تحالف الحناوي بصورة وثيقة وتعتبره إلى حد بعيد الممثل الوحيد للدروز، لذلك تقدم له الدعم المطلوب، ومن خلاله تمد أذرعها نحو جربوع، فيما لم تكن تدخر جهداً في تهميش وتخوين الهجري ومحاولة تأليب قاعدته الشعبية عليه بالترغيب أو التهديد، مما جعله عرضة فعلياً للاستهداف السياسي والديني والنفسي والمعنوي.
إلا أن وجود ثلاث مرجعيات دينية لم يكن ذا تأثير حسن، إذ نجمت عنه خلافات بينية واسعة في طبيعة التعامل مع المجريات السياسية والميدانية والاجتماعية وتفتيت الشرعية بين أقطاب عدة.
مواقف مفصلية
الخلافات بين شيوخ عقل السويداء لم تكن آنية، أو مرتبطة بمرحلة سقوط الأسد وتولي سلطات جديدة، لكنها حقيقة بدأت قبل ذلك بسنوات كثيرة، وكانت في بدايتها تساق تحت عناوين فرعية كي لا تظهر للعامة وتثير الخلاف، كمثل توزيع المهمات ونوع الفتاوى والاختلاف الطبيعي في الآراء، لكن دخول سوريا في حربها أخرج الخلاف من سياقه الدبلوماسي التوافقي إلى حيزه المباشر والجاف. ويمكن أخذ بعض الأحداث على سبيل المثال لتبيان طبيعة تنامي الخلاف، ففي عام 2015 اقتحمت قوات أمنية مدينة شهبا في ريف السويداء وفرضت اعتقالات وحملات تجنيد إجبارية، فاصطدمت مواقف شيوخ العقل بتباين عميق، فالشيخ الهجري وقف إلى جانب الأهالي وتحدى السلطات لمنع سوق أبناء المدينة قسراً إلى الجندية، أما الشيخ الحناوي فدعا إلى الهدوء وتغليب المصلحة الوطنية وفتح خطاً لاستقبال ضباط الاستخبارات، بدوره اتخذ الشيخ جربوع موقفاً أقرب للحياد.
ويمكن الحديث أيضاً عن الهجوم الدموي لـ”داعش” على ريف السويداء الشرقي في يوليو (تموز) 2018، إذ ارتكبوا مجزرة راح ضحيتها نحو 300 درزي، تلك كانت لحظة يعول عليها لاتحاد شيوخ العقل، لكنها لم تكن كذلك، فاتهم الهجري أجهزة الجيش بتسهيل دخول “داعش” وساق نحوها كثيراً من الاتهامات عبر تصريحات صدرت عنه في حينها. أما جربوع فزار أركاناً من نظام بشار في دمشق ودعا إلى الوقوف خلف القيادة، في حين اتهم الحناوي “العناصر التكفيرية” بالوقوف وراء ما حصل، مشدداً على أهمية التمسك بمؤسسات الدولة.
ومن أبرز مفارق طرق السويداء التي بينت الخلافات بين شيوخ العقل بصورة جلية لا تحتمل التأويل هي انتفاضة 2023 التي جاءت رداً على قرار حكومة النظام السابق رفع أسعار الخبز والمحروقات، تلك الانتفاضة التي بدأت في شهر أغسطس (آب) من ذلك العام واستمرت حتى سقوط النظام المخلوع أواخر العام الماضي في تظاهرات يومية رفع فيها للمرة الأولى مطلب إسقاط النظام. مجدداً برز الهجري في تلك الانتفاضة كقائد شعبي ملهم ومتحدث باسم الشارع الثائر، رافضاً أي حوار أو تقرب أو لقاء مع الأمنيين، وكانت تلك الشعرة التي قصمت ظهر البعير في علاقة الطرفين، وهنا بدأ الشرخ الأكبر والأمتن في دور شيوخ العقل، مع تمسك الحناوي برؤيته المتعلقة بعدم جواز الخروج على الدولة، وهو ما استنكره المتظاهرون معتبرين إياه انحيازاً ضدهم وضد قضيتهم من مرجعية دينية كبرى. ولم يكن موقف جربوع بأفضل، فانهالت عليه الاتهامات بالتخاذل ومحاولة وضع قدم لدى كل طرف نتيجة تعاطيه السلبي مع الانتفاضة.
تمايز أدوار شيوخ العقل
الأحداث التي عصفت بالمرجعية الدينية وأدت إلى تشظيها سرعان ما انعكست على المجتمع المحلي عبر جهات دينية متنافسة يسعى كل منها إلى استقطاب الشارع والسلطة، فبات اليوم يرى الشارع في السويداء، بحسب كثيرين منه، أن الهجري تخطى دوره الإرشادي – الديني ليصبح قائداً شعبياً نضالياً يعبر عن ثورة الشارع وإن كان ضمن حالة شعبوية تخاطب في بعض مناحيها الغرائز قبل العقول، وكان هذا ما جناه من تتالي مواقفه وخطاباته وبياناته واجتماعاته وتحويل دارة الطائفة لديه لمقر ثوري بإجماع مناصريه، وذلك أدى إلى أن يهتف باسمه في الشوارع والساحات والتظاهرات متجاوزاً في ظرف أحداث قليلة مكانة وأهمية الشيخين الآخرين. وقد لا يكون بذل في سبيل ذلك جهداً عظيماً، لكن مواقف أقرانه سهلت مهمته، فالحناوي ظل مقرباً من السلطة حتى سقوطها، ومثله جربوع الذي لم ينجح في لعب دور الوسيط الحاسم.
سقوط النظام
بعد سقوط نظام الأسد أواخر العام الماضي انعكس الأمر سريعاً على جبل العرب والدروز جنوباً، وكان المشهد ضبابياً للغاية، للوهلة الأولى لم يعد هناك تهديد مباشر ولا حاجة إلى إجراء توازنات دقيقة ولا داعي لاستمرار الاحتجاجات اليومية، وفي الوقت ذاته لم تكن لتشكل فرصة جديدة لاتحاد الشيوخ في ظل المجهول بعد أن جنى كل منهم رصيده الشعبي الذي أراد في سنوات خلت، فكانت المؤشرات توحي بالتوجه نحو تكريس ما مضى والاستفادة من شرعية ثورية قابلة للديمومة.
مع مضي الأيام سريعاً وتكشف أوراق اللعبة السياسية بات الهجري بمثابة وسيلة انتقالية تحفظ حق طائفته شعبياً انطلاقاً من رمزيته بين أتباعه، مع تأكيده وفق ما يرشح من كلام زواره أنه لا يسعى إلى تكريس نفسه كزعيم أوحد للجبل بالمعنى السياسي، إنما سيظل متمسكاً بدوره الديني كمرجعية توافقية، مع أفول دوري الشيخين الحناوي وجربوع نسبياً.
ومع مرور الوقت أصدر الحناوي بياناً يدعو فيه إلى الوحدة ونبذ الفوضى، فقوبل بيانه باستنكار ناجم عن أحداث فوضى كانت تعم في مناطق أخرى، مما استدعى محتجين إلى وصفه بالتواطؤ، أما الشيخ جربوع فلم ييأس من إعادة محاولة تقديم نفسه كرمز للاعتدال والتوازن والوسطية، مجرياً مجموعة من اللقاءات الواسعة مع فعاليات المحافظة، ومقترحاً إعادة دمج المشيخة الثلاثية، لكن مقترحه لم يلق القبول المطلوب خصوصاً من جماعة الهجري الذين تمددوا أكثر عقب سقوط النظام.
وبعد سقوط النظام وعلى مراحل متعددة خلال الأشهر الماضية تولى الشيخ الهجري مسؤولية مهاجمة الحكم الجديد في أكثر من خطاب وبيان، كان أبرزها في منتصف مارس (آذار) الماضي، إذ قال إن حكومة دمشق متطرفة وهي مطلوبة للعدالة الدولية، وبأنه لا وفاق ولا توافق معها. كما منع في يناير (كانون الثاني) الماضي رتلاً عسكرياً تابعاً لإدارة العمليات العسكرية من دخول المحافظة الواقعة جنوب البلاد، وأكد عدم السماح بوجود أي مظهر عسكري من خارج السويداء، وبرر قراره بأن قدوم الفصائل من دمشق جرى من دون تنسيق مسبق مع غرفة العمليات المشتركة في المحافظة، عدا عن تصريحات الأيام الأخيرة إبان الأحداث التي شهدتها السويداء.
من هم؟
الشيخ حكمت الهجري
ولد في شهر يونيو (حزيران) عام 1965 في فنزويلا، حيث كان والده يعمل، وفي وقت لاحق عاد لسوريا ليكمل دراسته الأساسية متدرجاً بين صفوف المراحل التعليمية. كانت نشأته ضمن بيئة متدينة محافظة، تلقى تعليمه في مدارس الطائفة، واكتسب علماً واسعاً في شؤون ومعتقدات طائفته حتى غدا اسماً مهماً منذ شبابه ويحظى باحترام واسع داخل الطائفة، ثم في عام 1993 عاد لفنزويلا حيث يعيش جزء من عائلته بقصد العمل، قبل أن يعود مجدداً للسويداء في عام 1998، وهو خريج كلية الحقوق من جامعة دمشق.
في عام 2012 خلف الشيخ حكمت الهجري شقيقه أحمد في منصب رئاسة الطائفة الروحية إثر وفاة الأخير بحادثة سيارة في وقت سابق من ذلك العام، وكان أحمد تولى المنصب عام 1989، ومن المعروف أن منصب شيخ العقل يكون متوارثاً داخل العائلة الواحدة فقط ولمن يكون الأصلح فيها، وهو منصب موجود لعائلة الهجري منذ القرن الـ19، وكذلك محصور بعائلتي الحناوي وجربوع.
الشيخ يوسف جربوع
ولد جربوع عام 1970 في مدينة السويداء جنوب سوريا، ويتحدر من عائلة تولت مهمات مشيخة العقل لأكثر من ثلاثة قرون من دون انقطاع، وقد تولى مهمات المشيخة عام 2012 عقب وفاة ابن عمه الشيخ حسين الذي ظل في مهماته منذ عام 1965 خلفاً لوالده من قبله الشيخ أحمد جربوع.
الشيخ حمود الحناوي
ولد الحناوي أواخر عام 1943 في قرية سهوة البلاطة جنوب السويداء، وكحال الهجري تربى في بيئة دينية محافظة واكتسب من خلالها فقه وأصول وتعاليم دينها. وكان جد الحناوي واسمه قسام الحناوي أبو علي، من أبرز شخصيات السويداء وجبل العرب، إذ كان زعيماً دينياً وشاعراً حصيفاً. تخرج الحناوي من مدارس السويداء عام 1963 قبل أن يعمل في مجال التدريس لمدة 14 عاماً في محافظة دير الزور شرق سوريا، بعد ذلك عاد لمدينته للتدريس في قراها الجنوبية، قبل أن يساق إلى الخدمة الإلزامية ويقضي فيها خمس سنوات حتى عام 1975 تمكن خلالها من نيل إجازة في الأدب العربي.
بعد ذلك سافر الحناوي إلى الإمارات ليعمل مدرساً للغة العربية، وصحافياً في صحيفتي “البيان” و”الخليج”، قبل أن يعود أدراجه لسوريا إثر قرار بتسلمه منصب ومهمات مشيخة العقل خلفاً لوالده.
————————
فصائل ومشايخ السويداء… ما عددها ومرجعياتها ومواقفها؟/ صبحي فرنجية
محافظة واحدة وأجندات متناقضة
آخر تحديث 17 يوليو 2025
أثار تدخل إسرائيل في سوريا بحجة حماية الدروز حالة من الفوضى التي عقّدت المشهد العسكري والأمني في الجنوب السوري، وذلك بعد أيام من الاقتتال بين قوات الجيش السوري والأمن الداخلي من جهة، وبين قوى عسكرية في السويداء أبرزها المجلس العسكري من جهة أخرى، ويتخلل هذا الاقتتال تفاوت وتضارب في التوجهات التي تنتهجها الزعامات الدينية في السويداء، إضافة إلى تعقيدات على مستوى اصطفافات القوى العسكرية في المحافظة من ناحية علاقتها بالدولة السورية.
وأُعلن عن اتفاق بين الدولة السورية وفعاليات السويداء، يوم الخميس 16يوليو/تموز، بعد ساعات من التدخل الإسرائيلي في سوريا واستهدافات بالطيران طالت مبنى رئاسة الأركان في دمشق، ومحيط القصر الذي يقطنه الرئيس الشرع، إضافة إلى قطاعات عسكرية في قطنا والمزة ومعضمية الشام، وقوى الأمن الداخلي والجيش السوري في الجنوب. وظهر الرئيس السوري أحمد الشرع في كلمة مسجلة موجهة للسوريين فجر الجمعة 17 يوليو/تموز، ينتقد فيها التدخل الإسرائيلي، ويُصعّد لأول مرّة لهجته في الحديث عن إسرائيل.
الرئيس الشرع قال إنه “لقد نجحت جهود الدولة في إعادة الاستقرار وطرد الفصائل الخارجة عن القانون، رغم التدخلات الإسرائيلية، وهنا لجأ الكيان الإسرائيلي إلى استهداف موسّع للمنشآت المدنية والحكومية لتقويض هذه الجهود، ما أدى إلى تعقيد الوضع بشكل كبير، ودفع الأمور إلى تصعيد واسع النطاق، لولا تدخل فعّال للوساطة الأميركية والعربية والتركية التي أنقذت المنطقة من مصير مجهول.”
وتابع: “لقد كنا بين خيارين، الحرب المفتوحة مع الكيان الإسرائيلي على حساب أهلنا الدروز وأمنهم، وزعزعة استقرار سوريا والمنطقة بأسرها، وبين فسح المجال لوجهاء ومشايخ الدروز للعودة إلى رشدهم، وتغليب المصلحة الوطنية على من يريد تشويه سمعة أهل الجبل الكرام.”، معلنا أنه وبعد تقديم ” مصلحة السوريين على الفوضى والدمار” قررت الرئاسة السورية “تكليف بعض الفصائل المحلية ومشايخ العقل بمسؤولية حفظ الأمن في السويداء، مؤكدين أن هذا القرار نابع من إدراكنا العميق لخطورة الموقف على وحدتنا الوطنية، وتجنب انزلاق البلاد إلى حرب واسعة جديدة قد تجرّها بعيداً عن أهدافها الكبرى في التعافي من الحرب المدمرة وإبعادها عن المصاعب السياسية والاقتصادية التي خلّفها النظام البائد.”
نتائج الأحداث التي تشهدها السويداء، وسط تدخل الجانب الإسرائيلي تُنذر بتداعيات كبيرة على المستوى المحلي والإقليمي في حال عدم استيعاب المشهد وتغليب العقل ووساطات التهدئة ووقف الاقتتال، هذه التداعيات لها جوانب كثيرة سواء على مستوى الاقتتال السوري الطائفي أو المناطقي في الجنوب وامتداد تأثيراته لمناطق أخرى، أو على مستوى استغلال قوى أخرى لهذا الصراع لإعادة نفوذها كتنظيم داعش والميليشيات الإيرانية.
يحاول هذا التقرير رسم معالم القوى العسكرية والدينية في السويداء، وارتباطاتها وتأثيرها الداخلي والخارجي، ومدى تفاوت وجهات النظر بينها، ما يعكس بدوره وجود عوامل لصراع داخلي في السويداء على مستوى العلاقات والتصورات، وإمكانية امتداد هذا الخلاف إلى منحى عسكري قد يُعقّد المشهد السوري والإقليمي بشكل أكبر.
حركة “رجال الكرامة”
تأسست الحركة عام 2013، على يد الشيخ وحيد البلعوس، وذلك في محاولة لحماية شباب السويداء من التزامات الخدمة الإلزامية، ومواجهة محاولات التجنيد التي كانت تنفذها شخصيات تتبع للنظام لإدخال الشباب في مجموعات موازية للجيش ولا تُحسب عليه، كما كان من أهدافها حماية السويداء من أي تهديد يصل إليهم مع احتدام المعارك خارج المحافظة حينها. الحركة مع مرور الوقت وارتفاع عدد المنتسبين إليها إلى أكثر من ألف مقاتل، شكّلت تهديداً للنظام السوري خصوصاً وأن الحركة بدأت تأمين انشقاق عناصر جيش النظام من أبناء المحافظة. وفي عام 2015 اغتيل الشيخ وحيد البلعوس بتفجير استهدف سيارته.
الاغتيال خلق حالة من الفوضى داخل صفوف الحركة التي عيّنت رأفت البلعوس كقائد للحركة، ولكن نتيجة تردي حالته الصحية تولى يحيى الحجار قيادة الحركة عام 2017، الأخير بدأ بإجراء تغييرات داخل الحركة، وإعادة رسم أدبياتها وعلاقتها مع النظام والقوى الأخرى مثل روسيا وإيران، ما أدى إلى حدوث العديد من حالات الانشقاق عنها، لتصل بها المرحلة إلى خروج كل من ليث وفهد البلعوس، أبناء وحيد البلعوس، عن الحركة وتشكيل قوّة جديدة أطلقا عليها اسم “حركة شيخ الكرامة”.
حركة “رجال الكرامة” من الفصائل التي ترفض تسليم سلاحها منذ بدء عمليات دمج وسحب السلاح من قبل وزارة الدفاع السورية، ووقفت في وجه كل محاولات إدخال الأمن العام إلى السويداء، مشترطة أن تكون اليد العليا لأبناء السويداء، لكنها في الوقت نفسه كانت تلعب دورا في الوساطات للتهدئة والحوار، مع التلويح دائما بأهمية إبقاء السلاح بيد أبناء السويداء.
تعداد عناصر الحركة الحالي غير معروف، خصوصا وأنه بعد سقوط النظام ترك البعض الحركة وعاد لحالته المدنية، في حين انتقل آخرون للانضمام إلى “حركة شيخ الكرامة” بقيادة أبناء البلعوس. وبحسب التقديرات يصل عددهم الحالي إلى 800 مقاتل، وخلال الاشتباكات الأخيرة في السويداء وقفت حركة رجال الكرامة في مواجهة قوى الأمن والجيش، وحتى يوم الثلاثاء 15 يوليو/تموز الجاري سقط من الحركة أكثر من 50 قتيلا وجريحا نتيجة الاشتباكات الدائرة مع قوات الأمن العام والجيش السوري.
حركة “شيخ الكرامة”
تأسست الحركة عام 2018، على قيادة أبناء الشيخ وحيد البعوس، ليث وفهد البلعوس، وضمّت العشرات من المقاتلين على مدار السنوات الماضية، مركزها الرئيسي هي منطقة المزرعة في السويداء، إضافة إلى مدينة السويداء، والتزمت الحركة منذ نشأتها بأدبيات حركة رجال الكرامة عندما تأسست عام 2013، وكانت أيضاً رأس حربة في مواجهة عمليات التجنيد التي كانت تتم من قبل الدفاع الوطني وميليشيات أخرى كانت تتبع للنظام السوري وإيران وروسيا، ووقفت في وجه اعتقال الشباب لسوقهم إلى الخدمة الإلزامية في جيش النظام السوري السابق. وكان لها دور في تنظيم المظاهرات ضد النظام السوري بكشل مكثّف خلال السنوات الأخيرة.
مع سقوط النظام وقفت الحركة مع فكرة توحيد القوى والاندماج بوزارة الدفاع السورية الجديدة، ولم تكن تحمل كثيراً من الشروط التعجيزية، فهي كانت من القوى التي شاركت في العمليات التي أدت إلى سقوط النظام، وتأمين كثير من السلاح من القطع العسكرية وتسليمه للدولة السورية الجديدة، كما لعبت دورا كبيرا في حلّ النزاعات التي حصلت في كل من أشرفية صحنايا وجرمانا. ومع بدء الاشتباكات في الأيام الماضية، وقفت مع جهود التهدئة مع ميول أكثر نحو سيطرة الدولة على مفاصل السويداء، وظهر البلعوس أكثر من مرّة في فيديوهات تؤكد الوقوف مع وحدة البلاد ورفض التدخل الإسرائيلي. وبحسب المعلومات فإن الحركة قد تلعب دوراً فاعلاً في التوافقات وإدارة السويداء بدعم من الدولة السورية، في حال تم تنفيذ الاتفاق الذي تم التوصل إليه يوم الخميس 16يوليو/تموز الجاري بين الحكومة السورية والفعاليات في السويداء. وإثر وقوف قوات البلعوس مع الدولة السورية تعرضت مقراتها لهجمات عديدة من قبل قوى أخرى في السويداء خلال الاشتباكات التي شهدتها المحافظة.
تجمع “أحرار جبل العرب”
بدأ تجمع “أحرار جبل العرب” بقيادة الشيخ سلمان عبد الباقي في عام 2022، كان فصيلا مقربا من حركة “رجال الكرامة”، ويحمل ذات الأهداف، وتعرض عبد الباقي لمحاولة اغتيال في شهر نوفمبر/تشرين الثاني من العام الماضي واتهم النظام السوري بالوقوف وراء العملية. تجمع أحرار الجبل نسج علاقات مع هيئة تحرير الشام وحلّ إشكاليات كانت تتعلق بالعلاقة بين الهيئة الدروز في الشمال السوري، وبحسب المعلومات فإن العلاقة التي كانت تجمع الطرفين جيدة حينها، وزادت قوّة مع بدء علمية ردع العدوان التي أطاحت بنظام الأسد، ومع التحوّل الذي عاشته سوريا وبدء تشكيل الدولة السورية، سلمان عبد الباقي يلعب دورا فاعلاً في مواجهة دعوات الحماية الدولية للدروز، ويؤكد أن الدروز في سوريا لا يحتاجون لأي دعم من أي دولة، وأن السويداء جزء أصيل من سوريا.
وكان عبد الباقي أحد أعمدة التواصل بين وزارة الدفاع وفصائل السويداء، وحضر فصيله الكثير من اللقاءات مع وزير الدفاع السوري مرهف أبو قصرة، يركز التجمع في وساطاته على عدم وجود حالة من الفصائلية وضرورة دخول الدولة إلى السويداء ودمج الفصائل في السويداء في الجيش السوري ككل ضمن “جيش موحّد”. خلال الاشتباكات الأخيرة لعب الفصيل دورا في التهدئة.
“المجلس العسكري”
يُعد المجلس من أبرز القوى الموجود في السويداء، تأسس في فبراير 2025، بعد سقوط النظام بأشهر، بقيادة طارق الشوفي، المجلس لم يتشكل من الصفر، بل جمع فصائل كثيرة كانت في غالبيتها رديفة لقوات النظام السوري، وبعضها كان مدعوما من روسيا، وآخرون كانوا ينسقون مع الميليشيات الإيرانية، ويتميّز المجلس بوجود قادة سابقين في جيش النظام، إضافة إلى كثير من الضباط السابقين في جيش النظام وأجهزته الأمنية، يُضاف إلى ذلك ضباط متقاعدين من جيش النظام، وشباب تم تجنيدهم لاحقا على أساس غاية حماية محافظة السويداء وأهلها إضافة إلى ضمان عدم تعرض المحافظة لأي اعتداءات من الجنوب بما فيهم البدو.
ويحاول المجلس ترويج صورة له بين أهالي السويداء أن هدفه هو حماية الأهالي دون التفرقة بينهم، وأن من أهدافه أيضا ضبط عمليات تهريب المخدرات والسلاح، إلا أن كثير من الأهالي والمصادر أكدت أن قادة في المجلس يديرون عمليات تهريب الأسلحة والمخدرات لمكاسب مالية. المجلس يلتزم بمنهج شيخ العقل حكمت الهجري، علما أن الأخير لم يُعلن أن الفصيل ينسق معه أو يتبع أوامره.
“المجلس العسكري” كان أحد الأطراف التي أشعلت الاشتباكات الأخيرة، وذلك كونه الفصيل الذي يتبادل عمليات الخطف مع البدو، وهو طرف رئيس في الاشتباكات المتقطعة مع البدو، والتي انتهت ببدء الصراع الدامي منتصف شهر يوليو/تموز وقادت المحافظة إلى مواجهات دامية. المجلس بشكل عام يميل إلى فكرة الإدارة الذاتية، ويقف مع الهجري في طلب الحماية الدولية. وتُتهم قواته بتنفيذ عمليات قتل جماعية بحق البدو وقوات الأمن الداخلي والجيش السوري.
كما أن عدّة مصادر أكدت وجود تواصل بين المجلس العسكري وقسد، وتلقي المجلس دعماً ماليا من قسد خلال الفترة الماضية، إضافة إلى اعتماده على قادة من النظام السوري السابق في عمليات التدريب والتخطيط لعملياته.
“قوات مكافحة الإرهاب”
تحتضن “قوات مكافحة الإرهاب” في صفوفها قرابة 700 مقاتل، وتأسست كذراع عسكري لحزب اللواء السوري، الذي ظهر إلى العلن عام 2021، الذي يرأسه مالك أبو الخير المقيم في فرنسا والرئيس التنفيذي لمنظمة “أنا إنسان”. ويرأس القوات عسكريا سامر الحكيم.
القوات تنسق بشكل رئيسي مع المجلس العسكري، وبحسب المعلومات فإن حزب اللواء يقود عملية العلاقات الخارجية للقوات والمجلس العسكري، ويقود عمليات جمع الدعم وتأمينه لتلك القوات.
وحزب اللواء، ومعه قوّته العسكرية، يقودان أيضا حملات اجتماعية في السويداء تروج لمفهوم الانفصال، وتحويل السويداء إلى منطقة ذات حكم ذاتي وإدارة ذاتية، وفي أسوء الأحوال ضرورة وجود حكم لا مركزي في سوريا. أهداف الحزب وقواته تشبه إلى حدّ كبير تلك التي تسعى إليها قوات سوريا الديمقراطية، وبحسب المعلومات فإن تقاطع وجهات النظر مع قسد انعكس في عمليات تواصل وتنسيق بين الطرفين.
فصائل صغيرة ومجموعات عائلية
تنشط في السويداء أيضا قوى لا تتجاوز أعداد بعضها 20 مقاتل مثل فصيل جيش الموحدين، وقوات العليا، إضافة إلى تلك القوى، تنشط عشرات المجموعات الصغيرة، بعضها لا يتجاوز أعدادهم خمس عناصر، وهذه المجموعات في الغالب عائلية كانت في الأصل تنشط زمن نظام الأسد، مثل قوات الفهد، بيرق الفهد، بيرق عزّ الجبل، صقور السويداء، قوات الحق، درع الشرق، قوات الفجر، مجموعة نافذ أسد الله، مجموعة فارس صيموعة، المقاومة الشعبية، عريقة، مجموعة نهاد المؤيد، كتائب المقداد، مجموعة أسياج الجبل، وغيرها.
هذه المجموعات الصغيرة والعصابات المحلية كثير منها انضم أو ينسق مع المجلس العسكري كما أن هناك عصابات ومجموعات أخرى تعمل منفردة، وامتهنت الخطف والابتزاز، وبعضها مازال يعمل في تجارة وتهريب المخدرات والسلاح. المعلومات تشير أيضا إلى أن هناك قوات كانت سابقا مع الميليشيات الإيرانية وهربت مع سقوط النظام مثل قوات العرين، تتمركز في جنوب السويداء وتعمل هذه في الغالب في عمليات التهريب التواصل مع بقايا الميليشيات الإيرانية في درعا ودير الزور.
الزعامات الدينية والتفاوت في الرؤية
تلعب في السويداء أيضا الزعامات الدينية كمشكل رئيس لتوجهات الأهالي والمدنيين، ومن أبرز تلك الزعامات التاريخية في السويداء عائلات جربوع، الحناوي، والهجري، والتي ذاع صيتها مؤخرا في عمليات تعقيد أو توحيد وجهات النظر بين الحكومة السورية والسويداء.
يوسف الجربوع
ولد عام 1970، في السويداء، وتولى مشيخة العقل باسم عائلته في عام 2012 بعد وفاة حسين الجربوع الشيخ السابق، وعائلة الجربوع من العائلات العريقة في مشيخة العقل ويمتد تاريخ زعامتها إلى أكثر من قرنين. وعلى الرغم من أن يوسف الجربوع لم يأخذ موقفا صلبا ضد النظام السوري، إلا أنه لم يتخذ موقفا أيضا ضد الدولة السورية الجديدة، وكان من الأطراف الدينية الفاعلة في محاولة تقريب وجهات النظر من خلال التعامل مع الدولة السورية الجديدة والتواصل مع قيادات عسكرية وسياسية فيها.
ويُعرف عن الشيخ يوسف الجربوع دعوته للسلم الأهلي، وتغليب لغة العقل على المزاج الطائفي، وكان له عدّة مواقف خلال الاشتباكات الأخيرة تعكس مدى حرصه على وقف الاشتباكات، وهو الذي أعلن عن نصّ الاتفاق الذي توصلت إليه الحكومة السورية والسويداء ليل الأربعاء 16 يوليو/حزيران الجاري، قبل أن يفقد الاتفاق قيمته مع رفض الشيخ حكمت الهجري له، واستمرار العمليات العسكرية. واتهم يوسف الجربوع الشيخ حكمت الهجري أكثر من مرّة بتعقيد عمليات التفاوض والوصول إلى اتفاق مع الدولة السورية. ودعا إلى وقف الانتهاكات في المحافظة ومحاسبة الذين أوغلو في دماء المدنيين.
الشيخ حمود الحناوي
هو أكبر مشايخ عقل السويداء عمرا، ولد في قرية سهل البلاطة عام 1943، وهو ابن شيخ العقل يحيى الحناوي بعد إنهاء تعليمه في عام 1963 ذهب وعمل في التدريس في دير الزور لما يربو على 13 عاماً قبل أن يعود إلى مسقط رأسه ويعمل فيها، درس في وقت لاحق اللغة العربية وسافر خارج البلاد للعمل قبل أن يعود ويتسلم مشيخة العقل بعد وفاة والده.
الحناوي خلال سنوات الثورة السورية التزم الحياد والدعوة للسلم الأهلي، وبقي على موقفه بعد سقوط النظام، وطالب كثيرا بأهمية الحوار الوطني كحل لتوحيد البلاد، وأكد أن تقسيم سوريا ليس من مصلحة السوريين. وذكر أنه يستبشر خيرا بالرئيس السوري أحمد الشرع. الحناوي لم يكن له صوت يعقد المشهد خلال الاشتباكات الأخيرة وبقي على موقفه بأهمية السلم الأهلي والحوار الوطني
حكمت الهجري
حكمت الهجري من أكثر مشايخ العقل جدلاً ومواقفه يعدّها كثيرون أنها تعقد كل جهود التفاوض مع الدولة السورية، ويقف في وجه دخول الدولة السورية إلى المحافظة، ويدعو لحماية دولية، متهما الدولة السورية بالإرهاب ومؤكدا أكثر من مرّة أن السويداء لا يدخلها الدولة، وأن أهل السويداء هم من يقودونها.
الهجري كلامه يناسب كثير من الفصائل مثل المجلس العسكري وقوات مكافحة الإرهاب، إضافة إلى المجموعات الصغيرة والعصابات وتجار السبلاح والمخدرات وقادة جيش النظام السابقين الموجودين في المحافظة، ولذلك فإن هذه القوى تقف خلف كلامه وتؤجج الخلافات والاشتباكات، كون دخول الدولة إلى المحافظة لا يخدم تصورات هذه القوى، بل يهدد حياة واقتصاد العصابات فيها. وبحسب مصادر محلية يتولى حماية الهجري فصيل صغير يُدعى درع التوحيد.
ولد الهجري في 9 حزيران 1965 في دولة فنزويلا، عادت عائلته إلى السويداء عندما كان صغيرا، وتعلم فيها، ثم درس الحقوق في دمشق، بعدها ذهب إلى فنزويلا للعمل، إلا أنه عاد إلى السويداء عام 1998، تولى الهجري منصب مشيخة العقل عام 2012 بعد وفاة أخيه أحمد الهجري بحادث سير. الهجري كان يدعم نظام الأسد، وكانت له دعوات سابقة في عام 2015 لتسليح الدروز، وكان من مناصري الخدمة الإلزامية في صفوف النظام، ومع سقوط النظام وقف الهجري في الضفّة المقابلة للدولة السورية الجديدة وقيادتها.
الهجري لعب دورا كبيرا في الاشتباكات الأخيرة في السويداء، وطالب بالحماية الدولية، ووقف في وجه كل الاتفاقات التي أعلنت، بما فيها اتفاق وقف إطلاق النار الذي أعلن عنه شيخ العقل يوسف الجربوع.
أجندات متضاربة
تعقيدات القوى العسكرية والدينية وفي السويداء تفاوت وجهات النظر فيها يعكس أن المحافظة ليست موحّدة في موقفها أو توجهاتها، سواء على المستوى العسكري أو الديني، وتحالفات القوى المتضاربة لطالما كانت عاملا في تقسيم الرؤية العامة للأهالي في السويداء. وعلى الرغم من أن الأحداث الأخيرة في السويداء لم تظهر تداعياتها على مستوى توجهات تلك القوى الدينية والعسكرية والتغييرات التي تطرأ عليها، كما أن استخدام إسرائيل مبرر حماية الدروز لتدخلها في سوريا أثار غضب قوى عسكرية ودينية مثل قوات رجال الكرامة، قوات شيخ الكرامة، وتجمع أحرار جبل العرب، في حين أسعد مكونات أخرى مثل قوى مكافحة الإرهاب والمجلس العسكري.
ومما لا شك فيه أن استمرار التوتر في الجنوب وإمكانية امتداده ليصبح حالة من الاقتتال الطائفي والمناطقي بين السويداء والبدو وبعض القوى الأخرى العشائرية سيكون له تأثير كبير على بنية التحالفات والتوجهات لهذه القوى، ويبرز هنا أكثر من سيناريو لانعكاس هذه الخلافات بين تلك القوى العسكرية والدينية في السويداء:
الأول: جهود نزع فتيل الاقتتال، وذلك من خلال سيطرة صوت القوى التي تدعو للسلم الأهلي والحوار على المزاج المدني في المحافظة، مثل قوات شيخ الكرامة وتجمع أحرار الجبل، إضافة إلى صوت الشيخين الحناوي والجربوع، واستطاعتهم إقناع القوى الأخرى بأهمية وقف الاقتتال ومنع امتداد الصراع إلى أبعاد قد تخرج عن السيطرة وسط احتقان سوري كبير وتبادل غير مسبوق للتخوين والكراهية بين السويداء وكثير من السوريين الغاضبين من تدخل إسرائيل عسكريا في سوريا بحجة حماية الدروز في سوريا.
الثاني: أن تتغير التحالفات في السويداء وينقلب الخلاف إلى اتفاق في حال امتداد حالة الاقتتال وتحولها إلى صراع طائفي، وهنا ستبرز القوى في السويداء كقوة موحدة، وتتجاوز خلافاتها، وهذا السيناريو يبدو مستبعدا، لكن ليس مستحيلا، كون أن فصائل المجلس العسكري هاجمت مقرات تجمع أحرار جبل العرب وقوات شيخ الكرامة في السويداء، وسط اتهامات لهذه القوى بالخيانة والتعامل مع الدولة ضدّ الطائفة.
الثالث: أن تزداد الهوّة بين أهالي السويداء وفصائلها وزعاماتها، وتتخذ حالة تبادل الاتهامات منحى اقتتال داخلي، وهو ما سيجعل المحافظة تدخل هوّة من الاقتتال قد تعقد المشهد الدرزي السوري، لن تكون تداعياته داخل الجغرافيا السورية فقط، خصوصا أن القوى الدرزية في لبنان تعيش حالة التفاوت نفسها، والانقسام ذاته بين داعم للدولة السورية وقوى السويداء التي تنسق مع الحكومة السورية، وبين معارض لها ومصطف مع المجلس العسكري والشيخ الهجري. كما ليس من المستبعد أن تتدخل قوى درزية سياسية ودينية وعسكرية موجودة في إسرائيل لنصرة مجموعة ضد أخرى، وهو ما يخلق حالة من الفوضى أكبر من كونها خلاف بين البدو والسويداء، أو بين الدولة وبعض مكونات السويداء العسكرية والدينية.
المجلة
————————————–
إسرائيل ودروز سوريا… استراتيجية خطرة وقنبلة موقوتة/ مايكل هوروفيتز
استراتيجية إسرائيل قد تتجاوز مجرد التحوط الأمني
آخر تحديث 16 يوليو 2025
للمرة الأولى منذ عقود، سُمح للدروز السوريين بدخول إسرائيل، فشقت الحافلات طريقها إلى ضريح الشيخ أمين طريف، الزعيم الروحي للطائفة بين عامي 1928 و1993. وكان في استقبالهم أفراد من الطائفة الدرزية في مرتفعات الجولان التي ضمتها إسرائيل. وأحيطت الزيارة بحماسة ظاهرة، بينما كانت الرايات الدرزية ترفرف على جانبي الطريق، وقد التقت من جديد جماعتان من طائفة واحدة، فرقت بينهما الحدود والعداوة المقيمة بين البلدين. ولكن في حين أن هذه اللحظة تفتح أمام الطائفة فرصا جديدة، فإنها تحمل في طياتها أيضا مخاطر جمّة للطائفة التي تنتشر في ثلاث دول: إسرائيل، وسوريا، ولبنان. وقد اعترف رئيس الوفد الدرزي الزائر في كلمته بذلك، حين وصف هذه اللحظة بأنها “حساسة”.
كان ذلك أحدث دليل على الجهود الإسرائيلية الملحوظة للتأثير على الدروز السوريين. فمنذ سقوط نظام بشار الأسد، تحاول إسرائيل تنصيب نفسها كمدافع عن الأقليات، سواء كانوا دروزا أو كردا، أو حتى علويين ومسيحيين. ويقع الدروز السوريون في قلب هذه الجهود لأنهم الأقرب إلى إسرائيل جغرافياً من جهة، ولأن بإمكان إسرائيل أن تدعي أنها تقدم الحماية دفاعا عن الطائفة الدرزية في البلاد. وكجزء من هذه الجهود، وزعت إسرائيل مساعدات على المجتمعات الدرزية في جنوب سوريا وتعهدت، قبل أشهر، بمنح الدروز السوريين الحق في العمل في إسرائيل. والأهم من ذلك، تعهد المسؤولون الإسرائيليون بالدفاع عن الدروز مع اندلاع الاشتباكات بين السكان في مدينة جرمانا التي يقطنها الدروز جنوب دمشق والمقاتلين التابعين للحكومة السورية الجديدة، وأرسلت إسرائيل تحذيرات بأنها لن تسمح للقوات التابعة للحكومة الجديدة بدخول المدينة.
وبالفعل، أمر وزير الدفاع يسرائيل كاتس جيشه بـ”الاستعداد للدفاع” عن المدينة، مؤكدا أن حكومته “لن تسمح للنظام الإسلامي المتطرف في سوريا بإلحاق الأذى بالدروز. وإذا ما فعل، فسوف نضربه نحن”. بل إن الطائرات الإسرائيلية حلقت فوق الكثير من المناطق ذات الأغلبية الدرزية، في استعراض للقوة، على الرغم من أن القوات الحكومية السورية دخلت في نهاية المطاف إلى جرمانا دون عنف أو أي إشارة إلى تدخل إسرائيلي.
وعندما اندلعت الاشتباكات مجددا في محافظة السويداء جنوب سوريا قبل أيام، سارعت إسرائيل إلى التدخل مرة أخرى. بدأ العنف بين مقاتلين من القبائل البدوية وأفراد من الطائفة الدرزية، على خلفية حادثة أولى تمثلت في اختطاف أحد أبناء الطائفة على طريق دمشق، وما تبع ذلك من اتهامات وُجهت إلى المجتمع البدوي. ولكن الحكومة المركزية بقيادة الرئيس أحمد الشرع رأت في هذه الأزمة فرصة لتعزيز سيطرتها على المنطقة. وفي بيان لها، أوضحت وزارة الدفاع الإسرائيلية أن هذه الاشتباكات تعكس مشكلة أوسع متمثلة في فراغ السلطة الذي يسود جنوب سوريا منذ سقوط نظام الأسد.
أما إسرائيل فلديها رؤية مختلفة، إذ تعتبر أن الإبقاء على حكومة مركزية ضعيفة نسبيا، ولا سيما في الجنوب، مع تمكين الدروز من الحفاظ على قدر من الحكم الذاتي، يشكل ضمانة ضد تحوّل سوريا الجديدة إلى تهديد مباشر لها. ومن هذا المنطلق، واصلت إسرائيل تحركاتها لحماية الطائفة الدرزية وعرقلة تقدم القوات الحكومية، فشنّت ضربات مكثفة استهدفت وحدات تابعة للنظام كانت قد أُرسلت إلى الجنوب السوري.
وفي وقت نشر هذا التحليل، أعلن الجيش الإسرائيلي، مهاجمة بوابة الدخول إلى مجمع الأركان العامة التابع للسلطات السورية في العاصمة دمشق، فيما تجددت الاشتباكات مع مجموعات مسلحة في مدينة السويداء.
وأفاد مصدران أمنيان سوريان لـ”رويترز” بأن غارة إسرائيلية استهدفت وزارة الدفاع في العاصمة.
كما نفذ سلاح الجو الإسرائيلي غارة استهدفت قوات سورية حكومية في السويداء. وقال بيان صادر عن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس: “يجب على النظام السوري أن يترك الدروز في السويداء وشأنهم، وأن يسحب قواته منها”.
وأضاف كاتس: “كما أوضحنا وحذرنا سابقا… إسرائيل لن تتخلى عن الدروز في سوريا، وستُنفّذ سياسة نزع السلاح التي قررناها”.
دروز سوريا والنظام الجديد
واقع الحال أن دروز سوريا يجدون أنفسهم بين خطرين. فمن جهة، يتحدث بعضهم عن مخاوف من السلطة الجديدة في دمشق بقيادة الرئيس أحمد الشرع. وتتذكر الطائفة الدرزية أن “جبهة النصرة” التي كان يقودها أحمد الشرع نفسه، نفذت بالفعل هجمات ضد الطائفة الدرزية. ولا تنسى أن إحدى أسوأ الهجمات التي تعرضت لها كانت على يد تنظيم “داعش” الذي نفذ مجزرة في مدينة السويداء واحتجز العشرات كرهائن. ولا ريب في أن حادثة الاختطاف الأخيرة أعادت إحياء تلك المخاوف، مما قوّض الجهود السابقة التي سعت إلى طمأنة الأقليات في المنطقة. ولا يخفف من قلقهم حقيقة أن الشرع و”داعش” خصمان لدودان، وأنهما تقاتلا لسنوات. وقد سعى الشرع إلى طمأنة الطائفة الدرزية، إلا أن دروز سوريا لا يزالون يشعرون بالقلق من تهميشهم أو تعرضهم للعنف على الرغم من تعهدات السلطات السورية الجديدة بحماية الأقليات.
وعززت أعمال العنف التي وقعت في وقت سابق من هذا العام في شمال غربي سوريا هذه المخاوف. وكانت اشتباكات قد اندلعت على يد خلايا موالية للأسد هاجمت القوات الحكومية. وعلى الرغم من تطمينات دمشق، فقد استهدف المتمردون السوريون السابقون الطائفة العلوية في أعمال عنف أدانها الشرع نفسه في وقت لاحق. وقد سعت الخلايا الموالية للأسد على الأرجح إلى إثارة رد فعل طائفي عنيف، لكن بعض الجهات الفاعلة بين الثوار وجدتها فرصة للتدخل والرد على ذلك، مما يدل على أن الحكومة المركزية الجديدة لا تسيطر على جميع الثوار السابقين.
في هذا السياق، قد توفر تعهدات إسرائيل بـ”حماية الدروز” بعض الطمأنينة لدروز سوريا، إلا أنها تنطوي أيضا على مخاطر كبيرة. فمن خلال تقديم نفسها كحامية للدروز، وضعت إسرائيل المجتمع الدرزي عن غير قصد في دائرة الاستهداف، إذ أثارت شكوكا بأن بعض أفراد هذا المجتمع قد يفضلون الانحياز إلى إسرائيل على حساب الولاء لسوريا.
وقد دفعت سنوات الحرب الأهلية وانهيار السلطة المركزية بالدروز إلى الاعتماد على أنفسهم، ما أدى فعليا إلى نشوء منطقة شبه مستقلة بحكم الأمر الواقع. وعلى الرغم من أن هذا المجتمع لم يُظهر أي رغبة في الاستقلال، فإن هذا الشكل من الحكم الذاتي أثار مخاوف من احتمال سعيهم إلى إقامة كيان منفصل. وقد دحض زعماء الدروز باستمرار مثل هذه المزاعم، مؤكدين رفضهم القاطع لأي محاولات لتقسيم سوريا، وتمسكهم بوحدتها. وعلى امتداد المنطقة– سواء في إسرائيل، أو لبنان، أو سوريا– ظل الدروز مواطنين مخلصين في أوطانهم. حتى الشيخ طريف، الزعيم الروحي البارز لدروز إسرائيل، شدد على دعمه لوحدة سوريا عند استقباله وفد الدروز السوريين الزائر.
يتصاعد الغضب الشعبي في محافظتي درعا والقنيطرة جنوبي سوريا، بسبب استمرار الوجود الإسرائيلي في القرى القريبة من الحدود. فقد شهدت المنطقة مظاهرات احتجاجية، في مؤشر واضح على تبدّل المزاج العام. ومما لا شك فيه أن إسرائيل فقدت جزءا ملموسا من التعاطف الذي كانت قد راكمته خلال سنوات الحرب، عبر ما عُرف بعملية “الجار الطيب”، والتي نقلت بموجبها جرحى سوريين لتلقي العلاج في مستشفياتها.
وبادعائها حماية الطائفة الدرزية، ربطت إسرائيل الطائفة الدرزية بما يعتبره الكثيرون في سوريا مسعى إسرائيليا مستمرا لضم أجزاء جديدة من البلاد. وفي الأسابيع التي أعقبت سقوط الأسد، توغلت إسرائيل في جنوب سوريا وسيطرت على معظم المنطقة العازلة بين البلدين وتوغلت بضعة كيلومترات خارجها. وتقوم إسرائيل بشكل واضح ببناء خطوط دفاعية جديدة لا تبدو مؤقتة على الإطلاق، وقد أكد المسؤولون الإسرائيليون أنفسهم شكوك السوريين عندما قالوا إن إسرائيل ستبقى إلى أجل غير مسمى في المناطق التي استولت عليها داخل سوريا.
هدف إسرائيل
لا تبين إسرائيل نواياها بوضوح، ويمكن أن يُفسّر بعض من تحركاتها الرامية إلى تحييد التهديدات المحتملة من خلال الذهنية الأمنية المفرطة التي سادت بعد مجزرة 7 أكتوبر/تشرين الأول التي نفذتها حركة “حماس”. فقد أنشأ “حزب الله” منذ فترة طويلة بنية عسكرية على الحدود، أبرزها شبكة خلايا من النخبة تُعرف باسم “ملف الجولان”، وهو ما يشكّل تهديدا حقيقيا، فقد يستغل “الحزب” حالة الفوضى القائمة لتنفيذ هجمات. كما أن المخاوف من وجود عناصر متطرفة ضمن صفوف قوات الرئيس أحمد الشرع تُعطي إسرائيل ذريعة إضافية لتبرير ما تصفه السلطات الإسرائيلية بأنه نهج أمني وقائي.
غير أن استمرار إسرائيل في شن غارات جوية داخل العمق السوري، ورفضها القاطع التعامل مع النظام السوري الجديد– حتى عبر قنوات غير رسمية– وسعيها إلى استقطاب الأقليات السورية، كل ذلك يشير إلى أن استراتيجيتها قد تتجاوز مجرد التحوط الأمني.
وبالفعل، ثمة بين المحللين الإسرائيليين من كان يرى في وقت سابق من هذا العام أن إسرائيل تخشى أن يتحول النظام السوري الجديد إلى تابع فعلي لتركيا، استنادا إلى العلاقات التاريخية التي تربط الشرع بأنقرة. وقد جاءت الضربة الجوية الإسرائيلية الأخيرة التي استهدفت قاعدة جوية في ريف حمص، وسط مزاعم تفيد بأن تركيا قد تنشر قريبا منظومات دفاع جوي في القاعدة ذاتها. ووفقا لتقارير إعلامية إسرائيلية، فإن هذه الضربة حملت “رسالة” مباشرة إلى أنقرة، فيما يبدو كمحاولة أولية لكبح التوغل التركي في سوريا، على غرار ما فعلته إسرائيل في مواجهتها للنفوذ الإيراني.
إلا أن هذا التصور القائل إن سوريا ستتحول حتما إلى “تابع” لتركيا، يبدو تبسيطا مفرطا للواقع المعقّد. فهو يتجاهل التوترات التي كانت قائمة بين الطرفين قبل سقوط الأسد، فضلا عن مساعي الشرع الأخيرة لبناء علاقات أوثق مع الدول العربية بهدف موازنة النفوذ التركي.
ومن المفارقات أن تبنّي إسرائيل نهجا عدائيا تجاه دمشق قد يفضي إلى نتيجة معاكسة لما تسعى إليه، إذ قد يدفع بالشرع إلى الارتماء أكثر في أحضان تركيا بدافع الحاجة، خاصة في ظل سعيه لإعادة بناء القدرات العسكرية السورية. وبدلا من تقويض النفوذ التركي في سوريا، قد تؤدي سياسات إسرائيل إلى زيادة اعتماد القيادة الجديدة في دمشق على أنقرة.
وقد يكون هدف إسرائيل تأمين نفوذ على الحكومة السورية الجديدة، فمن خلال تصوير نفسها كـ”حامية للأقليات”، يبدو أنها تهدف إلى ضمان قدرتها على التأثير في مستقبل سوريا. وفي بداية الحرب الأهلية السورية، اختارت إسرائيل إلى حد كبير التزام الحياد، وترك الصراع يتطور دون تدخل، رغم الدعوات حينها إلى التدخل، لا سيما عبر تحييد سلاح الجو التابع للأسد الذي اتُّهم بارتكاب جرائم حرب واسعة النطاق. إلا أن هذا الموقف سرعان ما أصبح غير قابل للاستمرار، إذ أدركت إسرائيل أن القرب الجغرافي لا يمكن تجاهله، وأن الفراغ في السلطة لا يمكن أن يدوم طويلا. وقد سارعت إيران و”حزب الله” إلى استغلال الفوضى، فتدخلا لدعم الأسد، وأقاما ممرا بريا يمتد من إيران إلى لبنان. ونتيجة لذلك، اضطرت إسرائيل إلى “اللعب في الوقت الضائع”، فشنت مئات الغارات الجوية داخل سوريا، وانتهجت سياسة رد الفعل وفق مبدأ “الضربات المتنقلة”. كما أطلقت برنامج “الجيرة الحسنة”، الذي هدف إلى بناء علاقات مع فصائل المعارضة في الجولان السورية، في محاولة لردع أي هجمات محتملة على أراضيها.
وربما توصلت إسرائيل، ومن خلال هذه التجربة، إلى قناعة بأن عدم الانخراط لم يعد خيارا ممكنا، وكأنها تراهن اليوم على دعم الأقليات لإضعاف سلطة دمشق المركزية، وتحييد سوريا كتهديد مستقبلي. ويفسر هذا التوجه أيضا توسيع إسرائيل لما تصفه بـ”الضمانة الأمنية” لتشمل الأقلية الكردية. فقوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي يقودها الأكراد، تتمتع بموقع فريد يمكّنها من إقامة منطقة حكم ذاتي خاصة بها، ولا سيما أن الأراضي التي تسيطر عليها في شمال شرقي سوريا تعمل بالفعل ككيان شبه مستقل. وقد تطمح “قسد” إلى إقامة “إقليم كردي سوري”، مشابه للإقليم الكردي المستقل في العراق. وتُعد “قسد” بالنسبة إلى إسرائيل ذات أهمية مزدوجة، فهي شريك محتمل في إضعاف دمشق، كما أنها ثِقل موازن للنفوذ التركي في المنطقة.
منطلقات خيارات إسرائيل ومزالقها
يفترض أن تستخلص إسرائيل العِبر من الحرب الأهلية السورية، إلا أنها تتبنى، كما يبدو، الدروس الخاطئة، بما يكشف عن فهم محدود لواقع سوريا. فبعد أكثر من عقد من النزاع الدامي، لم يعد لدى السوريين رغبة في تجدد العنف. ورغم أن الأقليات قلقة بشأن موقعها في سوريا المستقبل، وهي محقة في ذلك، فإنها لا تبدي أي نية لتأسيس كيانات مستقلة. وهي تدرك تماما أن أي خطوة في هذا الاتجاه ستؤدي، على الأرجح، إلى إشعال فتيل نزاع جديد. فعلى سبيل المثال، تدرك “قسد” أن السعي نحو الاستقلال قد يستجلب تدخلا عسكريا مباشرا من تركيا– وهو ما يؤكد ما قلناه من أن استراتيجية إسرائيل قد تعود بنتائج عكسية، إذ من شأنها أن تعزز النفوذ التركي في سوريا بدلا من الحد منه.
وفي هذا السياق، تُطرح تساؤلات جدية حول مصداقية ما تصفه إسرائيل بـ”الضمانات الأمنية”. فعلى الرغم من تقديمها نفسها كحامية للأقليات، يبقى السؤال: هل هي مستعدة فعلا لتجاوز حدود الخطاب، والانخراط في صراع عسكري للدفاع عن الدروز أو الأكراد أو العلويين أو المسيحيين؟
حتى الآن، لم تُترجم هذه الضمانات إلى إجراءات ملموسة ومستدامة. فإسرائيل ركزت في تحركاتها على استهداف قواعد عسكرية، دون أن تتخذ أي خطوات حقيقية لحماية الأقليات. وعلى الرغم من وجود تعاطف شعبي داخل إسرائيل مع معاناة تلك الفئات، فإن المؤشرات على استعداد الإسرائيليين لتقديم تضحيات فعلية– خاصة بعد أكثر من عام من خوض حروب متعددة الجبهات– لا تزال شبه معدومة. لذا، فإن أي أقلية تعوّل على إسرائيل لضمان بقائها على المدى البعيد، قد تواجه خيبة أمل محتمة.
نتيجة لذلك، رفضت الأقليات إلى حد كبير الانخراط مع إسرائيل. فقد وقّعت قوات سوريا الديمقراطية، بقيادة الأكراد، اتفاقا مبدئيا يهدف إلى إرساء أسس دولة مستقبلية تبقى موحدة وتقر بحقوق الأقليات. وأرسلت هذه القوات وفودا للتفاوض مع دمشق، بينما أبدت الولايات المتحدة رغبتها في التوصل إلى اتفاق بين المجموعة الكردية والحكومة الجديدة. كما استكشفت الطائفة الدرزية في جنوب سوريا اتفاقات مماثلة مع دمشق خلال هذا العام. وحتى مع تجدّد الاشتباكات، بعثت بعض الفصائل الدرزية بإشارات إلى احتمال قبولها بانتشار حكومي محدود في جنوب البلاد.
تدفع عقلية ما بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول في إسرائيل الحكومة نحو تبني استراتيجية أمنية ضيقة للغاية، تُغلق بموجبها الأبواب أمام نهج أكثر شمولا كان من الممكن أن يوظف الدبلوماسية لاستكشاف مسارات بديلة، بما في ذلك إمكانية التطبيع الحذر مع النظام السوري، والتنسيق مع دول عربية أخرى للحؤول دون وقوع دمشق في فلك النفوذ التركي. وعلى الرغم من أن إسرائيل تبدو مهتمة بخطوات تطبيعية تجاه سوريا، خاصة بعد قرار الرئيس ترمب برفع العقوبات واحتضان الرئيس أحمد الشرع، إلا أنها ما تزال تتصرف انطلاقًا من افتراض بأن النظام الجديد سيأخذ مسارًا عدائيا.
ورغم وجود أسباب تبرر شكوك إسرائيل، فإن التفاوت الكبير في موازين القوة يفسح المجال لسلوك مسار أقل صدامية، لا يتضمن محاولة فرض شكل من “المنطقة منزوعة السلاح” في جنوب سوريا، لأن هنالك خطرا كبيرا– في الواقع– يكمن في أن تؤدي مثل هذه المنطقة إلى اجتذاب أطراف كانت إسرائيل قد سعت أصلا إلى إبعادها عن حدودها، بما في ذلك “حزب الله” وإيران.
بل إن إسرائيل يمكن أن تُقوّض مساعيها للتقرب من الأقليات السورية بتقديمها نفسها كقوة تسعى إلى تمزيق وحدة البلاد. إذ يغفل هذا النهج حقيقة جوهرية مفادها أن معظم مكوّنات الأقليات في سوريا لا تزال ترى نفسها جزءًا من الكيان الوطني الأوسع، وقد أنهكتها سنوات الانقسام والنزاع.
صحيح أن اعتماد مقاربة شاملة ترتكز إلى الدبلوماسية قد لا يخلو من العثرات وقد يفضي إلى نتائج محدودة، إلا أنه يفتح، في الحد الأدنى، هامشا لبناء الثقة وتحقيق قدر من الاستقرار المستدام. أما المقاربة الإسرائيلية الضيقة القائمة على الاعتبارات الأمنية فليست فقط مثيرة للريبة، بل تضمن فشلا محتوما في تحقيق الأهداف التي تزعم السعي إليها.
المجلة
————————-
السويداء وشرقي سوريا.. هل أزفت ساعة الحسم؟/ عدنان علي
2025.07.16
الاستعصاء المتواصل في السويداء وشرقي سوريا، في العلاقة حكومة دمشق، سيظل مصدر تفريخ للمشكلات والصدامات، وقد يتطور إلى مواجهات أوسع، ما قد يفتح الباب لتدخلات خارجية، ويعيد الوضع في البلاد إلى سيرته الأولى.
لا شك أن مياه كثيرة جرت في النهر المتدفق من الشمال السوري، والذي استقر في دمشق نهاية العام الماضي، وأفضى إلى اندحار نظام الأسد، وإلى تأهيل البلاد لخوض مرحلة جديدة تبدأ بحل مشكلاتها الداخلية وتمر بالوفاق مع المجتمع الدولي، وصولاً إلى مواجهة الاستحقاقات الضخمة المتراكمة من عهد النظام السابق طيلة خمسة عقود ونيف.
وإذا كان الحكم الجديد حقّق اختراقات مشهودة على صعيد علاقاته الخارجية، أبرزها رفع العقوبات الأميركية والأوروبية عن البلاد، فإن رهانات بعض القوى السورية الداخلية ما زالت مستمدة من معطيات قديمة، تنتمي إلى عهد النظام السابق، وتستند إلى أوهام بأن الحكم في دمشق ضعيف وهش، ويمكن ابتزازه لتحقيق أقصى الأهداف، وفق المقاربة ذاتها التي اعتمدتها إسرائيل في تعاملها مع هذا الحكم.
وإذا كانت إسرائيل بدأت تستوعب أن هذا الحكم ليس ضعيفاً بالقدر الذي تستطيع إملاء كل شروطها عليه، خاصة مع نجاحه في نيل ثقة محيطه الإقليمي، فضلاً عن ثقة الإدارة في واشنطن، والتي تعكف على رسم مسار آخر للعلاقة بين دمشق وتل أبيب، فإن بعض القوى السورية الداخلية لم تصلها الرسالة بعد، وما زالت تراهن على ضعف دمشق، وقابليتها للضغط والابتزاز، دون أن تلحظ المتغيرات في الموقفين الإقليمي والدولي.
وفضلاً عن هذا الغطاء الخارجي، تتمتع الحكومة في دمشق فيما يتصل بأية مواجهة ذات طابع مذهبي أو قومي، بغطاء قوي وفعال من حاضنتها الداخلية، والتي قد يكون لبعض مكوناتها انتقادات ومواقف سلبية من الحكم الجديد في العديد من الملفات، لكنهم يقفون خلفها متحدين في مواجهات من هذا القبيل.
وفي نظرة تحليلية محايدة، فإن تلكؤ تلك القوى في جنوبي البلاد وشرقها بالإنخراط مع الحكومة في دمشق، سيخلق بعض المتاعب لهذه الحكومة التي لديها سلم أولويات حافل يركز على اكتساب الشرعية وجلب الاستثمارات وبناء الدولة، لكن عواقبه السلبية ستطول على نحو أعمق المدنيين في تلك المناطق، وتؤثر في علاقتهم مع محيطهم (العربي-السني) دون أن تجني في المحصلة تلك المناطق أية فوائد قريبة أو بعيدة.
قبل سقوط نظام الأسد بأكثر من عام، واظبت محافظة السويداء على تنظيم احتجاجات شبه يومية ضد ذلك النظام، حازت على دعم وتضامن معظم فئات الشعب السوري، لكن مع سقوط ذلك النظام، اتخذت بعض القوى في المحافظة موقفاً مستغرباً يميل إلى التصادم مع السلطة الجديدة التي وصفها الزعيم الروحي البارز في السويداء حكمت الهجري بأنها جهادية وإرهابية، مواظباً على طلب الحماية الدولية من هذه السلطة، وهو ما يشكل فعلياً قطيعة مع الحكومة في دمشق، حيث لا يستقيم التفاوض مع طرف يعتبره الطرف الآخر إرهابياً، ويطالب المجتمع الدولي بأن يحميه منه.
من هنا، يترتب على القوى الفاعلة الأخرى في محافظة السويداء أن تنأى بنفسها عن هذا الخطاب التحريضي على الحكومة، وأن تتجاوب مع الجهود المبذولة لحماية المحافظة من عواقب مثل هذا السلوك الذي لا يقود إلا إلى الصدامات والفتن، دون أن يعود على المحافظة بأية فائدة، علماً أن شرائح واسعة من أبناء السويداء يشتكون من السلاح المنفلت في محافظتهم وتفشي الجريمة والمخدرات مع تعطل سلطة الدولة والضابطة العدلية، نتيجة عرقلة دخول قوات الحكومة ومؤسساتها، وهم يطالبون حقيقة بفرض الدولة لسلطة القانون، بعيداً عن سطوة السلاح الفصائلي أو الفردي، بحيث يصبح من لا يملك سلاحاً او فصيلاً أو عائلة كبيرة تحميه، بلا حماية، وغير قادر على تحصيل حقه.
وفي المقابل، يجب على الدولة أن تحضر بقواتها وعناصرها فقط، من دون فصائل مساندة غير منضبطة، ولا تخضع للمساءلة القانونية على نحو ما حصل في أحداث الساحل السوري.
وفيما يتعلق بقوات “قسد”، لا شك ان تصريحات المبعوث الأميركي إلى سوريا توم باارك حول موقف هذه القوات من جهود الحل السياسي في سوريا، لا تروق كثيراً لقادتها، حيث طلب منها باراك الانخراط في الحل السياسي الذي تشارك واشنطن في بلورته مع الإدارة في دمشق، بما يفضي إلى إندماجها بشكل كامل في الجيش السوري الجديد، وليس ككتلة مستقلة كما يجادل قادة “قسد”.
وطالب باراك قيادة “قسد” بالتقليل من حجم توقعاتهم إزاء الموقف الأميركي، الذي لا ينكر مساهمتهم في محاربة تنظيم “داعش”، لكن المكافأة التي ينتظرونها من واشنطن لن ترقى إلى تأييد إقامة كيان كردي منفصل، معلناً بوضوح أن هدف واشنطن، الوصول إلى دولة سوريّة واحدة وجيش واحد وعلم واحد، ولن تؤيد وجود كيانات أقلوية داخل هذا الجيش، تحت أي مسمى.
قد يكون لدى قيادة “قسد” هواجس من الإندماج الكامل في مؤسسات الدولة السورية الجديدة، العسكرية والسياسية، على نحو تخسر معه وضعها الحالي المهيمن في شرقي سوريا، وهي بذلك ما زالت مرتهنة لحسابات قديمة مرتبطة بالميزات التي حصلت عليها في تحالفها مع الولايات المتحدة خلال عهد نظام الأسد، ما جعل واشنطن تضع رهانها كله على “قسد”، وسط تعذر التعاون مع نظام الأسد المخلوع.
أما وقد زال هذا النظام، فان قيادة “قسد” تبدو متباطئة جداً في قراءة المتغيرات التي جرت، ولم تصلها بعد الرسالة التي تحاول واشنطن بطرق شتى إيصالها إليها، وهي أن عليها إعادة حساباتها بما يتلاءم مع المتغيرات الحاصلة ليس في سوريا فقط، بل في الجارة تركيا أيضاً حيث أعلن حزب العمال الكردستاني إلقاء السلاح، وإنهاء حقبة العمل العسكري ضد تركيا، وهذا متغير هام آخر، تحاول قيادة قسد المعاندة في تقبله.
ومن غير المعروف إلى أي حد تستطيع “قسد” التمسك بهذه المواقف التي بدأت تثير حنق واشنطن علناً، وسط تساؤلات مشروعة عن الخيارات المتاحة أمامها إذا ما قرّرت مواصلة التعاطي السلبي مع الجهود الأميركية لوضعها في مسار سياسي واحد مع الحكومة في دمشق.
تلفزيون سوريا
——————————
“فخّ إسرائيلي أم فرصة للتهدئة؟”… قراءة في تحوّلات أحداث الجنوب السوري/ عمار جلّو
الخميس 17 يوليو 2025
عبر تسجيل مصوّر للشيخ يوسف جربوع، أعلنت دار طائفة الموحدين الدروز في سوريا، عن التوصل إلى اتفاق مع الحكومة السورية لوقف إطلاق النار في محافظة السويداء، يوم أمس الأربعاء 16 تموز/ يوليو 2025.
الاتفاق جاء في إطار الجهود المبذولة من كلا الطرفين لاستعادة الأمن والاستقرار في المحافظة، وتلبية مطالب أهاليها، مع “التأكيد على التزام الدولة السورية بحقوق جميع مواطنيها”.
وينصّ الاتفاق على وقف فوري وكامل لإطلاق النار، مع الالتزام بوقف التصعيد العسكري وعودة قوات الجيش إلى ثكناتها، بجانب تشكيل لجنة مراقبة “مشتركة” للإشراف على التنفيذ، والتوافق على آلية لتنظيم السلاح الثقيل بالتعاون مع وزارتَي الداخلية والدفاع، لإنهاء مظاهر السلاح المنفلت بالتنسيق مع القيادات الدينية والمحلية، وضمن الخصوصية الاجتماعية والتاريخية للمحافظة.
كما ينصّ على احترام حرمة الحياة والممتلكات الخاصة، مع الالتزام بحمايتها من أي اعتداءات أو تخريب.
كذلك، يؤكّد الاتفاق على نشر الحكومة حواجز الأمن الداخلي والشرطة من المنتسبين من أبناء المحافظة، مع الاستعانة بضباط وعناصر الشرطة الأكفاء، لتولّي مهام قيادية وتنفيذية في إدارة الملف الأمني، بالإضافة إلى الاندماج الكامل للسويداء ضمن الدولة السورية، والتأكيد على سيادة الأخيرة الكاملة على جميع أراضي السويداء، واستعادة مؤسسات الدولة كافة وتفعيلها وفقاً للأنظمة والقوانين السورية، مع العمل الفوري على توفير الخدمات الأساسية كافة للمحافظة، وتأمين طريق دمشق-السويداء من قبل الدولة، وضمان سلامة المسافرين.
كذلك ينص على وجوب العمل على ضمان حقوق أهالي المحافظة، من خلال قوانين تضمن العدالة والمساواة بين جميع مكونات المجتمع السوري، مع دعم السلم الأهلي، وتشكيل لجنة مشتركة لتقصّي الحقائق والتحقيق في الجرائم والانتهاكات التي حصلت وتحديد مرتكبيها مع تعويض المتضررين، ورد الحقوق لأصحابها بسرعة قصوى، وإطلاق سراح المعتقلين، وكشف مصير المغيّبين في الأحداث الأخيرة.
وكانت المحافظة قد شهدت اشتباكات دمويةً مركّبةً بعد دخول القوات الحكومية لفضّ اشتباكات جارية بين عشائر البدو وفصائل محلية، والتي جاءت عقب اعتداء جسدي ومالي على تاجر خضروات درزي من قبل مسلّحين بدو على حاجز “المسيمة” المؤدي إلى دمشق، ما أدى إلى عمليات اختطاف انتقامية متبادلة. ولاحقاً استمرّ الاقتتال خارج مدينة السويداء، برغم إطلاق سراح الرهائن، حيث أصابت قذائف الهاون القرى والمدنيين.
من المسؤول؟
على إثر ذلك، رأى وزير الداخلية السوري، أنس خطاب، أنّ “غياب مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية هو السبب الرئيس للتوترات المستمرة في السويداء”. في المقابل، رفض الشيخ حكمت الهجري، أحد الزعماء الروحيين الثلاثة في السويداء، دخول “قوات الأمن العام إلى المحافظة”، مطالباً بـ”الحماية الدولية”، وذلك بعد ترحيبه السابق بدخولها. “برغم قبولنا بهذا البيان المذلّ من أجل سلامة أهلنا وأولادنا، قاموا بنكث العهد والوعد واستمر القصف العشوائي للمدنيين العُزّل”، قال الهجري في بيان مصوّر.
ويحمّل المحلل السياسي السوري عبد الكريم العمر، مسؤولية الأحداث الدامية الحالية، والسابقة أيضاً، للشيخ الهجري والمجلس العسكري في السويداء، من خلال رفض الهجري المبكر والمستمر للاعتراف بالإدارة السورية الجديدة، مع وضع شروط تعجيزية أو غير منطقية للتوصل إلى تفاهمات مع حكومة دمشق، وفي تعارض مع أغلب القيادات الدينية والمحلية في السويداء. وفي تقدير العمر، كان الهجري يعوّل كثيراً على غياب الدعم والاعتراف الدوليين بالحكم الجديد، لكنه تفاجأ، مع المجلس العسكري الذي ساهم في تأسيسه لاحقاً، بحجم الانفتاح الدولي على دمشق.
يضيف العمر، لرصيف22: “منذ تشكيله، منح المجلس العسكري في السويداء ذريعةً لإسرائيل للتدخل في الشأن السوري، من خلال طلب الحماية منها، على الرغم من أنّ الأخيرة لا تحتاج إلى ذرائع أو حجج للتدخل، بل تختلقها. لكن ذلك عمّق الانقسامات بين أبناء المحافظة وتياراتها المتباينة تبايناً لا يخرجها أبداً عن انتمائها الوطني والدولة السورية الجديدة. لكن مع ذلك، كثيراً ما تمّت إزالة رموز الدولة في المحافظة، أو تمّ التضييق عليها، من قبل تيار الهجري والمجلس العسكري، بجانب إفسادهما للتوافقات التي تبرمها باقي التيارات المحلية مع حكومة دمشق. لذا، كل ما يجري يتحمّل الشيخ الهجري مسؤوليته، بعد اختطاف المحافظة والطائفة الدرزية لحسابات وطموحات شخصية أو فئوية.
تل أبيب تستغل اللحظة
ووفقاً لصحيفة “الشرق الأوسط”، ظلّت القوى الدرزية الفاعلة منقسمةً في مواقفها من الحكم الجديد، ومستقبلها في كنفه، وهو ما سعت تل أبيب لاستغلاله وتوسيع أيّ شرخ بين الطائفة الدرزية والحكومة الانتقالية. وعليه، استغلّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الاشتباكات السابقة بين قوات الأمن العام ومسلّحي جرمانا للتهديد بالتدخل العسكري في حال تعرّض الدروز لأيّ أذى. في المقابل، وظفّت دمشق علاقاتها مع القوى الدرزية في السويداء للوصول إلى اتفاق تهدئة مع وقف إطلاق النار بين الجانبين. كما أعلنت عن اعتقال اللواء إبراهيم حويجة، الرئيس الأسبق للاستخبارات السورية، المتّهم باغتيال الزعيم الدرزيّ كمال جنبلاط عام 1977، في رسالة واضحة للطائفة الدرزية عموماً، ولزعامتها الرسمية المتمثلة في آل جنبلاط.
ولعلّ أحداث السويداء خرجت من رحم الاتفاق الذي أنهى أحداث جرمانا وأشرفية صحنايا، الموقّع بداية أيار/ مايو الماضي، حسب الإعلامية والناشطة المدنية في السويداء، لبنى الباسط. وقضى الاتفاق المذكور بتفعيل الضابطة العدلية وانخراط الفصائل الدرزية في وزارة الدفاع، وكان العمل والتنسيق يجريان بهذا الاتجاه، إلى جانب عقد مؤتمر للقوى المدنية في المحافظة تحت عنوان “سوريا الواحدة الموحدة” حضره ممثلو السلطات الروحية والفصائل المحلية.
مع ذلك، استمرت المضايقات والانتهاكات والنهب بحق أبناء المحافظة من قبل حاجز “المسمية” القريب من المنطقة المطلة على الطريق الواصل بين دمشق والسويداء، وهو شريان حياة المحافظة، حيث تم تأخير عبور حافلة ركابها من مرضى السرطان، بحجة وجود إشارة نجمة على الحافلة (جون تفهم أ)، والإشارة عائدة إلى الصين، بلد المنشأ. “كنا نتقدّم بالشكوى من هذه التصرفات لكن دون جدوى”، تقول الباسط لرصيف22.
وتردف الباسط: “حادثة الاعتداء على تاجر الخضروات وسرقة سيارته، فجّرت الأوضاع الهشة أساساً، حيث قام أقاربه بخطف أشخاص من البدو القاطنين في حي المقوس في السويداء، وعبر أخطاء متبادلة، مثل الخطف والخطف المقابل، من قبل الجانبين المدنيين، اندلعت اشتباكات بين الفصائل المحلية وعشائر البدو، استجرّت تدخّلاً من القوات الحكومية صبيحة يوم الثلاثاء الفائت. ومع دخولهم، وقعت العديد من الانتهاكات، مثل تصفية مدنيين (مضافة آل رضوان)، وحرق ممتلكات، والإساءة إلى المدنيين والرموز المحلية، من خلال عناصر مجيّشة ضد المجتمع المحلي للسويداء، لكن دون إغفال وجود عناصر منضبطة تحترم صفتها الوظيفية كممثلة للدولة”.
“لذا، على وزارتَي الداخلية والدفاع ألا ترسلا عناصرهما إلى أي بقعة في سوريا، ما لم تضمنا انضباطهم واحترامهم لصفتهم الحكومية، كممثلين للدولة، لكيلا تتفاقم الأزمات المراد حلّها”، تقول الباسط، وتضيف: “لو تم دخول القوات الحكومية بغير هذه الطريقة المترافقة مع انتهاكات، لكان الوضع مثالياً لنا، فالسويداء ليست الهجري والمجلس العسكري، السويداء بأهلها المنتمين إلى سوريا والسوريين”.
بدوره، ومع إشارته إلى انتهاكات طالت حياة المدنيين وأموالهم وكراماتهم، يلفت الصحافي السوري، شادي الدبيسي، وهو من أبناء محافظة السويداء، خلال حديثه إلى رصيف22، إلى أنّ هذه الانتهاكات قد تدفع أهالي السويداء لتفضيل الموت خلف السلاح، على الموت أو المذلة في بيوتهم وحياتهم المعيشية الاعتيادية.
استغلال فرص أو وقوع في فخ؟
ما بدأ كحادثة خطف تحوّل سريعاً إلى أزمة شاملة، استخدمتها حكومة دمشق لتبرير عملية عسكرية “واسعة النطاق”، أدت إلى دخول قواتها إلى محيط المحافظة وإحداث حالة من الاستياء وتخوف الأهالي، حسب موقع “يورو نيوز”.
لكن عليك أن “تسأل نفسك كيف يُفترض أن تستمر الأمور إذا لم تسيطر الحكومة على الجهات العنيفة المحلية وبعض قواتها”، حسب الخبير في الشأن السوري في معهد “غيغا” لدراسات الشرق الأوسط، أندريه بانك، في حديثه إلى وكالة “DW”، فصحيح أنّ حكومة دمشق ليست كلها متعاطفةً مع الجهاديين لكنها “ببساطة ذات تعددية”، مشيراً إلى أنّه عند وجود أجزاء من الحكومة تتغاضى عن العنف أو حتى تدعو إليه “سيكون من المرجح حينها استمرار الاشتباكات الضخمة بين الطوائف”.
أما عن أحداث السويداء، فلعلّ أحد مسبباتها هو تضارب المصالح بين مختلف المجموعات السكانية، حسب الخبيرة في الشأن السوري في مؤسسة “هاينريش بول”، بينته شيلر، وذلك لأنّ العديد من المجموعات السورية لا ترى أنّ مخاوفها أو حقوقها تؤخذ بعين الاعتبار بشكل كافٍ. في المقابل، تشعر مجموعات أخرى باستغلالها، ما يؤدي إلى العنف لاحقاً. وفي السويداء، تتمثّل المشكلات الرئيسية في النزاعات حول إثبات الذات والتوزيع، إلى جانب الجريمة العنيفة المرتبطة بتهريب المخدرات، والتي ازدهرت سابقاً.
لا يوجد حلّ في السويداء، وسواها أيضاً، من دون حوار حقيقي وطني جامع، يقول ناشط سياسي سوري، فضّل عدم ذكر اسمه، تجنباً للتخوين والمضايقات التي يتعرض لها من مجتمعه المحلي ومحيطه حين التحدث “بحيادية”، حسب وصفه، عن واقع السويداء، مشيراً إلى صعوبة فرض أيّ شيء بالقوة على المحافظة، حسب معرفته بالمجتمع المحلي وتياراته المدنية والسياسية، حتى مع دخول الأمن والجيش، فالسيطرة الدائمة من دون حاضنة شعبية، أو أشخاص وتيارات متعاونة مع الحكومة، لن تكون ممكنةً، منبّهاً إلى خطورة معاداة أشخاص وتيارات رافقوا السوريين في ثورتهم ضد نظام الأسد البائد.
“الأخطر من ذلك، معاداة مكوّن سوري كامل، عبر انتهاكات تمسّ الرموز المحلية (حلق الشاربين)”؛ يقول الناشط الذي فضّل عدم ذكر اسمه لرصيف22، مضيفاً: “أكثر ما يزعج أهالي المحافظة، خصوصاً أصدقاء ثورتنا، هو السلاح المتوفر لعشائر البدو، ومساندة الحكومة لهم، بل أصبح كثرٌ منهم ضمن صفوف الأمن العام حالياً، وهم من كانوا أداة الأسد لقمع ثورتنا في المنطقة، وتابعين لميليشيا الدفاع الوطني بقيادة شخص يُدعى مفلح”، معتبراً التحريض والتجييش الحاصلين على وسائل التواصل الاجتماعي سبباً رئيساً لما حدث.
لكن يبقى اللافت في أحداث السويداء، الاستثمار الإسرائيلي المفرط للحدث السوري، ضمن جهود تل أبيب الحثيثة والمستمرة لإضعاف سوريا الجديدة، وتعميق انقساماتها المجتمعية، حيث استهدف الجيش الإسرائيلي قوات الحكومة السورية في مناسبات عدة، بما فيها قصف مدخل مجمع وزارة الدفاع السورية في دمشق. ووفقاً لبيان مشترك لنتنياهو ووزير دفاعه، يسرائيل كاتس، تسعى إسرائيل إلى منع الحكومة السورية من “إلحاق الضرر بالأقلية الدرزية”، فيما دعا وزير شؤون الشتات الإسرائيلي، أميخاي شيكلي، إلى “القضاء على الرئيس السوري أحمد الشرع دون تأخير”.
في المقابل، يبدو أنّ حكومة دمشق قد أخطأت قراءة الموقف الإسرائيلي، خلال جلساتها التفاوضية المباشر وغير المباشرة مع تل أبيب، أو أنها وقعت في فخّ نصبته لها الحكومة الإسرائيلية الساعية بجهد لإبقاء حالة الصراع العسكري الإقليمي مفتوحةً، لتلافي تفكك ائتلافها الحكومي، بجانب طموحات نتنياهو إلى خلق شرق أوسط جديد تحت الهيمنة الإسرائيلية.
رصيف 22
———————————
إسرائيل.. هي التي نعرفها/ علي حميدي
2025.07.17
رغم تبدّل الأزمنة والرجال، وحال الأمم، وسقوط أنظمة، وصعود أخرى، رغم النُصُر والهزائم وأحوالها، رغم كل أشيائنا في هذا الشرق القَدَري، تبقى إسرائيل هي التي نعرفها على حالها، إذ لا يوجد نظام استيطاني استعماري نشط ومعترف به رسمياً في العالم يُماثل النموذج الإسرائيلي من حيث شمولية المشروع، ودعمه السياسي والقانوني من دولة قائمة، ولا يزال يرى في القوة والغطرسة وسيلته الوحيدة للتعريف بنفسه، وفي العدوان طريقه لإثبات وتثبيت حضوره، وفي إضعاف محيطه ضمانته للبقاء.
لم تكن يوماً دولة “طبيعية” تبحث عن علاقات متوازنة مع الجيران. سجلاتها العسكرية والسياسية، وحتى الأمنية، تفيد دائماً أن سلوكها لم يكن ردَّ فعلٍ على تهديد، بل امتداداً لعقيدة ترى في الآخر (أيّ آخر) خطراً يجب إزاحته أو تطويعه. وهذا ما نراه اليوم مجدداً، وسنراه، في استمرار عدوانها على سوريا، التي لم تُطلق تجاهها لا تهديداً ولا طلقة، بل يمكن أن نقول، بغصّة: “على العكس”، وكأنها تُثبّت مثبتاً أن النظام المخلوع كان محمود الوجود رغم بشاعة عصره بزمانيه، ولا أدلّ على ذلك من عدوانها، الذي تلا إسقاطه، على كل مقدّرات الجيش السوري التي بُنيت من قوت ودماء الشعب.
سوريا، المُثقلة بجراح حرب طويلة خاضها الشعب مُجبراً، بل خيضت ضدّه، لم تعد تُشكّل تهديداً. لا من النظام، ولا من المعارضة، ولا من أي فاعل داخلي. ومع ذلك، يستمر العدوان الإسرائيلي، ويتّسع، بكل وقاحة، ليطال مواقع عسكرية، بنى تحتية، ورموزاً سيادية، بل وحتى أحياءً مدنية أحياناً، وأنفُساً وحيوات مواطنين، وكأن الرسالة: الغياب عن المواجهة لا يعني الغياب عن بنك الأهداف.
ما يجري ليس استثناءً، بل نهجٌ مستمر، مستندٌ إلى قناعة من يحكم في إسرائيل بأنها فوق المحاسبة، وأن تفوقها العسكري وحده يكفي لصناعة الوقائع. هنا، لا يعود “السلام” إلا قناعاً هشًّا، فظَّ الهيئة، ولا يبدو “التطبيع” أكثر من فرصة لتكريس اليد العليا، فوق أيادٍ لا تبدو تدرك، أو أنها اختارت الحال السفلى.
الضربات على دمشق وجنوب البلاد لا تُفرّق بين “عدو” وصامت أو راغب. في منطق إسرائيل، الجميع خاضع لمعادلة بسيطة: من لا يستطيع الردّ، لا يستحق الاعتراض. هذه ليست لحظة طارئة، بل بنية عقلية تعود لعقود.
ولا يمكن فهم هذا السلوك من دون وضعه في سياق أوسع، سياق تسعى فيه إسرائيل، كما هو ديدنها، لإعادة هندسة التوازن الإقليمي بما يضمن بقاءها على القمّة. حتى لو كانت قمة ركام، لا تكتفي بردع ما قد تراه خطراً بحساباتها، بل تعمل على منع أي فرصة لقيام توازن حقيقي مستقبلًا، حتى لو كان هشّاً.
السؤال الذي يفرض نفسه: ماذا تريد هذه “الإسرائيل”؟ وماذا نريد؟ للأسف، الحقيقة بسيطة ومخيفة في آن: لا يكفيها أن تكون آمنة، بل تسعى لأن تبقى المنطقة كلّها رهينة للخوف (تخويفها) والارتهان لمزاجها في لحظة غضب أو انتخابات! في حالة دائمة من التفتّت والقلق.
من هنا، فإن الصمت لا يحمي، والحياد لا يُعفي، والتنازلات لا تُنتج سلاماً. تكرار الاعتداءات رغم غياب أي سلوك عدائي من أحد، يكشف أن المشكلة ليست في تصريحات أو سياسات، بل في منطق استعلائي يرفض الاعتراف بسيادة من حوله.
لا يعني هذا أننا أمام خيار التصعيد، لكنّنا أمام ضرورة الوعي. الوعي بأن الانكفاء لا يُنهي العدوان، وأن كرامة السيادة لا تُصان بالصمت. ولا تُمنح بالاستعداد لمدّ يدٍ قد تكون بين الأيادي السفلى.
إسرائيل، لم تتغيّر… ولن تتغيّر. نحن من يجب أن يتغيّر فهمه لها، ولأنفسنا وخياراتنا. ستمارس الاحتلال، والقصف، والتوسع بلا رادع، وتستغل هشاشة الواقع العربي والإقليمي، وتعامي المجتمع الدولي، لصناعة واقع جديد، بالقوة.
التحدي اليوم هو أن نعيد صياغة فهمنا لهذه الحقيقة. أن نخرج من أي وهم عن تسوية مجانية، ونفكّر بكيفية صون السيادة، لا بالشعارات، بل بالإرادة والاتساق مع الذات… ومع السوريين.
تلفزيون سوريا
—————————
السويداء بوصلة المصير السوريّ/ أيمن شروف
الخميس 17 يوليو 2025
عبثاً حاولت الكتابة أمس. خلال المحاولة، وجدتني أنحو كثيراً نحو الحديث عن الدروز منذ أن هربوا من الاضطهاد الفاطمي وأتوا إلى بلاد الشام، وكيف عاشوا مع محيطهم وتعايشوا مع حكّام المنطقة، ولاحقاً مع الدول الناشئة بعد نهاية الانتداب الفرنسي. ثُمّ شاهدت فيديو إهانة شيخ في السويداء. بدا الشيخ وكأنّه لا يعرف ما الذي يحصل له، ولا يقوى على إدراك أنّ هناك من يقوم بحلق شاربَيه وإهانته وتصوير هذه الإهانة على الملأ. سرعان ما توقفت؛ فالوقت ليس وقت الغوص في علاقة الدروز بمحيطهم، إنما هو وقت الحديث عما يحصل اليوم، وعمّا سيكون عليه الغد.
الصور والفيديوهات الآتية من السويداء وقبلها من الساحل ومناطق أخرى، لا تشي بأيّ شيء له علاقة بالدولة، ولا تؤسس بالحد الأدنى لكل ما نادى به السوريون منذ عام 2011. سقطت شعارات الحرية كلها. “الضحايا” تحوّلوا إلى جلّادين بلمح البصر، وجلّادو اليوم لم يكونوا كلهم ضحايا، أمس. ما غرسه نظام البعث على مدى عقود، عاد ليتحكم بعقلية غالبية الذين يحملون السلاح ولديهم السلطة كي يُمارسوا ما مورِس في حقّهم على مدى عشرات السنوات. الانتقام من كُلّ شيء هو عنوان مرحلة قد لا تؤسس إلا لمزيد من تدمير المجتمع السوري الذي عانى كثيراً، وعلى ما يبدو، سيظلّ يعاني.
يطول الحديث عمّا يجري إذا ما تمّ تناوله في السياسة، إن لجهة موقف الدروز من حكومة دمشق الجديدة، أو لجهة ما تريده الأخيرة منهم. يطول أيضاً الحديث عن العامل الإسرائيلي، وتورّط بعض الدروز في هاجس حماية لن ينالوها، وإذا نالوها فستكون على حساب الكثير من المكتسبات التي حققوها، وعلى حساب انتمائهم الفكري والعقائدي والوطني، وستفتح الباب أمام انسلاخ كلّي عن الدولة السورية، سيدفع ثمنه الدروز اليوم وغداً، مهما حلّقت طائرات الجيش الإسرائيلي فوق محافظتهم، وقصفت من يهاجمهم.
لكن هذا الحديث الطويل يتوقف أمام مشاهد الحقد الآتية من مناطق متفرقة من السويداء. الحقد والانتقام يولّدان حقداً وانتقاماً، والدم يستسقي الدم لا أكثر. وسط ذلك كله، يسيطر جنون رسمي على التعاطي مع ما يحصل؛ رؤوس حامية ودعوات دينية من الغالبية الغالبة، والأسوأ أنها خرجت من شخصيات وناشطين كانوا إلى الأمس القريب محافظين على الحد الأدنى من الوعي، ومن العقل الراجح في مقاربة ما يحصل، وعدم الانجرار وراء الشارع وأفخاخه. لا عقل ولا من يعقلون. كُل شيء صار مباحاً. دعوات القتل على الجبهتين، ولا من يدعو إلى حقن الدماء أو فتح حوار، أو أي شيء يقي المدنيين شرّ المذبحة/ المقتلة.
في دمشق، كشّرت الحكومة عن أنيابها “الطائفية”، أو بالحد الأدنى تواطأت وغطّت مقاتلين هم أبعد بكثير عن أن يكونوا جنوداً في جيش وطني؛ مجموعات من المرتزقة الموتورين الذين لا يشبعون من الدمّ، والغارقين في وهم الانتقام، وفي مؤامرات زُرعت في رؤوسهم، وغذّتها سنوات الحرب بأنواع البروباغندا الدينية كافة. من يشاهد ذلك الموتور الذي قرأ “محو الأمّية” على أنها إهانة إلى بني أميّة، يُدرك تماماً إلى أيّ نوع من البشر أُعطيت سلطة فرض الأمن. من أعطاهم هذه السلطة يعرف تماماً أنه خوّلهم القدرة على القتل لمجرّد القتل، أو ربما فعل ذلك لأنه مُقتنع بأنّ ما يقومون به فرض من “الشريعة”، أو عدالة ربّانية صار هؤلاء وكلاءها الجدد!
في المقلب الآخر، طائفة تنتظر مشايخها ليُفتوا بسياستها. كبيرها، أو الذي له السلطة الأكبر عليها، لم يعرف كيف يشتري الوقت أو يقرأ المرحلة التي تمرّ بها بلاده وطائفته. لم يرَ ما جرى في الساحل، ولا كيف سكت العالم عنه. لم يرَ أيضاً التحوّل التاريخي للأكراد الذين يدركون تماماً ما يحصل من حولهم. فضّل أن يلعب على أكثر من حبل؛ أبقى الخطّ مع الإيراني، وفتح أبواب التواصل مع الإسرائيلي، فأدخل طائفته بأسرها في نفق مُظلم لا أحد يقوى على إخراجها منه. ثم عاد، بعد أن رأى “الدعم الإسرائيلي”، ليُكمل ما بدأه.
يسأل سائل: كيف يُمكن التعايش مع سلطة لا تريد التعايش بل فرض سطوتها فحسب؟ هذا صحيح، ربما تريد السلطة الجديدة ممارسة سطوتها، وتقديم نفسها على أنها الحاكم السياسي الوحيد لسوريا كلها، وفي أسرع وقت ممكن. لكن هذا لا يعفي من يعتبر نفسه حامل طائفته وحاميها في سوريا من التفكير في حياة الناس، وفي أنّ التعايش الآن، في ظلّ الموجود، قد يكون مرحليّاً جداً. أن آخذ القليل وأضمن البقاء، خير من الانتحار ومن إراقة الدماء. العقّال هم من يظهرون ساعة يكون الخيار محصوراً بين الانتحار أو البقاء والتقيّة، وسواء أحببنا الأخيرة أو لا، فلطالما مارسها الدروز، وساهمت في بقائهم في بلادهم، لا العكس. فلماذا تغيب اليوم؟
ويسأل سائل آخر: هل يتحمّل من قرر أن يواجه، المسؤولية عن زجّ الطائفة في تحالف ضمني مع إسرائيل التي ستستغلّ شعور الدروز أو غالبيتهم بخطر وجودي، وتدفعهم ليطالبوا بأي حماية ممكنة؟ الجواب واضح. ما حصل أمس من اعتداءات إسرائيلية واسعة في سوريا يُظهر ما الذي تريده إسرائيل منها، وكيف تستغل الدروز وواقعهم، وتستغل كذلك سذاجة السلطة الجديدة لتُقسّم سوريا وتجعل من الدروز حرساً لحدودها، وتفصلهم عن وطنهم في الوقت نفسه.
في مرحلة من أشدّ المراحل حساسيةً في تاريخ سوريا الحديث، لا تطلّ إلا الرؤوس الحامية بينما تستمرّ التعبئة الطائفية على قدم وساق، وكأنّ قدر هذه البلاد أن تنحو نحو الجنون المطلق، وأن تهرول إلى الموت، وأن تُشارك الغالبية في تراجيديا ممتدة، وتشعر، إلى أي طرف انتمت، بأنها أمام موقف حاسم وتاريخي، وعليها أن تقاتل كي تبقى على قيد الحياة، وحيدةً.
بعد وقف إطلاق النار الهشّ، بدأ يتكشّف حجم الكارثة؛ المجزرة المرتكَبة بحق الدروز، النفوس المحقونة، والعمليات الانتقامية اللاحقة التي بدأت تطلّ برأسها سريعاً. وهذا كلّه مصحوب بجنون رسمي على وسائل التواصل الاجتماعي. جنون في كُل اتجاه، فيما مؤشرات كثيرة تشي بأنّ العقل قد غُيّب تماماً. محافظة بدأت تُكرّس انسلاخها عن سوريا، وطائفة غلبت وبدأت تمارس هيمنتها وسطوتها وجبروتها على الآخرين، وناسها صاروا وقوداً لكراهية لا تعرف الحدود.
هذا الواقع المأساوي مستمرّ على ما يبدو. المرحلة لا تحتاج فقط إلى بيانات واتفاقات تتناقلها الشاشات. المرحلة تحتاج إلى من يجرؤ على القبض على الجمر، فيدعو إلى التهدئة والحوار، ويقابله صاحب السلطة بدعوة إلى حكومة إنقاذ تضمّ الجميع، جميع من فعلوا هذا بأنفسهم، ليُنقذوا أنفسهم ووطنهم.
رصيف 22
—————————–
مَن وراء فكرة إلحاق لبنان ببلاد الشام؟/ طارق اسماعيل
16.07.2025
كلام توم براك عن الخطر الوجودي على لبنان، واستعادته إلى بلاد الشام، ينطوي على شيء من الهجر السياسي، الذي تنكبه رجل هو مبعوث لدولة يقودها رئيس غالباً ما لامست أفكاره جنوناً هي صريعة لحظته، إلا حين تكون الفكرة من بنيامين نتانياهو
الكلام الأخير للمبعوث الأميركي توم براك عن “خطر وجودي” على لبنان، وإلحاقه ببلاد الشام في حال لم يتمكن من الالتزام بنزع سلاح حزب الله، يفترض واقعاً لا يشبه في راهنه الواقع الذي حكمنا فيه نظام حافظ الأسد بعد اتفاق الطائف، وربما قبله. وكأن براك يبحث لنا عن “وصي”.
كان نظام حافظ الأسد حاجة إقليمية، تبدّت حينها كأهم عوامل قوته التي يفتقد إليها النظام الحالي. كان التموضع الإقليمي مرهوناً بضبط الفصائل والحركات الفلسطينية واللبنانية التي تأتمر من دمشق، كأهم موارد هذه الحاجة. ثم جاء غزو العراق للكويت، وحرب تحريرها، وموقع سوريا نظاماً وجغرافياً، ليكثف حاجة أميركية لنظام يضفي، من موقعه الممانع تحديداً، قابلية تخفف صورة تلك الحرب في وعي عربي تقيم فيه الولايات المتحدة كعدو.
انتهت تلك الحرب إلى تحرير الكويت، وأفضت حوافزها إلى وصاية سورية امتدت الى عقدين ونصف العقد، وبدا معها لبنان “شامياً” أكثر مما اقتضته تلك الوصاية.
كان حافظ الأسد، كحاكم وكشخص، قد أحال انقلابات سوريا المتناسلة إلى التاريخ، وصارت بلاد الشام في عهده المديد مرادفة لاسمه، وهو من تمرّس في حكمها. وكان قدر لبنان واللبنانيين أن يُحالوا إليه، وبإرادتين عربية ودولية، وليس بلا فائض دلالة أن خروج الجيش السوري من لبنان، والنظام تالياً، قد وقعا بعد وفاة الرجل، حين بدد وريثه الكثير من تلك القوة، وابتداءً من لبنان، الذي قطع حافظ الأسد منه وفيه تاريخ الانقلابات التي سبقت سيطرته على سوريا ولبنان.
بلاد الشام التي حذّر توم براك من عودة لبنان إليها، تفتقد راهناً الكثير من دهاء حافظ الأسد، كافتقادها قوة نظامه. وبافتراض أن حاكم بلاد الشام الراهن، أحمد الشرع، يُبدي في مساره السياسي شيئاً من الحنكة، إلا أن نظامه يفتقد القوة التي راكمها الأسد الأب، في السياسة وفي الأمن، لأكثر من ثلاثين عاماً. نظامٌ وليد، هو في أحسن الأحوال يحكم سوريا، أو يكاد، بوقائع يتداخل فيها المحلي بالإقليمي، فيما تسييله كـ”حاجة دولية وازنة” تتقاطع مع حوائج الماضي، تقف راهناً على “قصّ الهلال الشيعي” والسلام مع إسرائيل، وهما ليسا مؤشرين إلى قوة النظام، وإنما إلى الاستثمار في ضعفه، الذي يبدو مثقلاً بموانع كثيرة للقوة، وليس أقلها مذهبية مفرطة تغذي مساراً سياسياً شائكاً، تشي به يومياً وقائع الاشتباكات المتنقلة مع طوائف الديموغرافيا السورية.
في وعي سوري مسكون بفلسطين وقضيتها، كثّف حافظ الأسد استثماراً رائجاً بتلك القضية، وبالعداء لإسرائيل، لتثبيت حكمه. فيما راهن أحمد الشرع، يشي بأن الرجل يباشر قطيعة مع ذلك الوعي، وبافتراض راجح أن مآسي الشعوب تتخفف من وعي كهذا، حين تكون نكبتها على يد “منظّريه” وطغاته.
عودٌ إلى توم براك وحديثه عن استعادة لبنان إلى بلاد الشام. تحدّث المبعوث الأميركي عن خطر وجودي، وذكّرنا بأن مشاربه تتأتى من منابع ثلاثة: إسرائيل، وإيران، وسوريا التي تستعيد قوتها.
التخفّف اللاحق من هذه المقاربة لم ينسف متنها، الذي ظل طاغياً لبنانياً، وافتقد بالتوازي أي حساسية سورية تجاهه.
تسييل كلام براك لبنانياً، أتى ليخدم سردية “حزب الله” عن التمسك بسلاحه، الذي ربط المبعوث الأميركي الخطر الوجودي للبنان به. والمرء قد يعوزه الكثير من حسن الظن ليفترض أن براك أراد بكلامه خدمة الحزب، لكنه، في غالب الظن، مؤشر الى اعتلال سياسي في عقل المبعوث الأميركي عن مقاربة موضوع نزع السلاح، ومتأتٍ على الأرجح من الرد اللبناني الرسمي حوله، بحيث وشى “التهديد” بأن رد لبنان لم يتقاطع مع الرؤية الأميركية، على رغم فائض الترحيب الذي كان أبداه لحظة استلامه من رئيس الجمهورية.
و”حزب الله” لم ولن يفوّت طبعاً فرصة أتاحها كلام براك، أقله في بيئته، وبالتوازي مع طفو إعلامي متعمّد عن القبض على خلايا إرهابية. يستدعي براك إذاً لبنان إلى بلاد الشام، في ظل نظام مذهبي معادٍ للحزب، ويباشر الإلحاق على وقع حروب طائفية تتسع لها كل الجغرافيا السورية، وراهنها في محافظة السويداء، كتَكثيف للبعد المذهبي لها.
المفارقة أن الصراع بين النظام والدروز، غالباً ما ترتفع في وقائعه أصوات درزية وازنة لشخصيات اعتبارية، تطلب الحماية من إسرائيل، التي سيباشر أحمد الشرع معها، ومن باكو، مساراً تفاوضياً قد يفضي ربما إلى سلام يعتقد رئيس سوريا الجديد أنه قد يرفع عنه مشقة “استدعاء” الدروز إلى بيت طاعته.
بوقائع سوريا الراهنة، وبواقع يشي بأن نزع سلاح “حزب الله” يبدو مهمة سياسية أميركية مستعصية، فأقدار اللبنانيين تتأرجح بين الاستعصاء المذكور والخشية من العودة إلى حرب لا يزال بنيامين نتانياهو ينتظر إشارتها الأميركية.
كلام توم براك عن الخطر الوجودي على لبنان، واستعادته إلى بلاد الشام، ينطوي على شيء من الهجر السياسي، الذي تنكبه رجل هو مبعوث لدولة يقودها رئيس غالباً ما لامست أفكاره جنوناً هي صريعة لحظته، إلا حين تكون الفكرة من بنيامين نتانياهو.
– كاتب لبناني
درج
—————————————-
من “الأرض مقابل السلام” إلى “التطبيع مقابل الإذعان”/ خالد الحروب
16 يوليو 2025
التقديرات والتسريبات المزعجة المتواترة عن احتمالات توقيع سورية على اتفاق تطبيع مع إسرائيل تسكب مرارة حارقة في قلوب كثيرين ممّن فرحوا للتغيير في سورية، وسقوط بشّار الأسد ونظامه الذي بطش بالسوريين، وأنهك بلدهم عقوداً طويلة. تشي تفاصيل التسريبات التي ترد، وكلّها من مصادر إسرائيلية أو أميركية، لا يجري نفيها أو حتى توضيحها من النظام الجديد في دمشق، بصفقة تطبيع مخزية نتمنّى أن لا تتمّ، إذ تهبط بسقف صفقات التطبيع العربية مع إسرائيل إلى قاعٍ جديد. كأنّ ثمة تسابقاً بين الأنظمة العربية في المزايدة على من يقدّم خضوعاً أكثر في اتفاق التطبيع الذي يوقّع عليه. ما إن استفاق المشهد العربي من تفاصيل التطبيع الإسرائيلي- الإماراتي المُفزع في “دفئه”، وتفاخر مهندسوه باختلافه عن تطبيع مصر والأردن البارد، حتى صفعتنا تفاصيل التطبيع الإسرائيلي – المغربي، الذي استباح أرض المغرب وسماءها وبحرها لكلّ حقراء المؤسّسة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية وحقاراتها، ليس على شكل زيارات فحسب، بل ومشروعات تصنيع وتوطين وتوسيع نفوذ لإسرائيل في المغرب وكل المحيط المغاربي. اليوم، تقول الأنباء إنّ سورية أحمد الشرع سوف توقع على اتفاقية، أمنية الطابع أو غيره، أقلّ ما يقال عنها إنها إذعان كامل وإخضاع لسورية ومستقبلها تحت “البسطار” الإسرائيلي. يتنازل نظام الشرع الإسلامي عن الجولان المحتل وسيادة سورية عليه، وهي الجريمة التي لم يكن للنظام الأسدي السابق أن يجرؤ على التفكير فيها، فضلاً عن تنفيذها. قد يُقال، وعلى وجه حقّ، أن هذا الكلام مُتسرّع في توقيته ومضمونه، وأن ما يُقال ويجري ترديده ليس صحيحاً أو دقيقاً. وهذا ما أتمناه شخصياً ويتمناه ملايين العرب، وسوف أعتذر عمّا يرد في هذه المقالة في حال لم تنزلق سورية الجديدة إلى مستنقع تطبيع الإذعان. بيد أنّ المؤشّرات العديدة أكثف من أن يجري التقليل منها، وفي مقدّمتها التأهيل السريع جداً للشرع نفسه، وإزالة هئية تحرير الشام (جبهة النصرة سابقا) عن قائمة الإرهاب. وللمقارنة، ما تزال منظمّة التحرير الفلسطينية على القائمة الأميركية للمنظمات الإرهابية، برغم توقيع اتفاق أوسلو والاعتراف بإسرائيل. يُضاف إلى تلك المؤشّرات العديدة الصمت المريب الذي يلفّ دائرة الرئيس الشرع والمسؤولين السوريين عموماً إزاء موضوع التطبيع، وهو صمت أصبح مدوّياً إلى درجة تصمّ الآذان. وبالمناسبة، كيف يمكن لرئيس انتقالي وحكومة انتقالية التوقيع على اتفاق دائم يتنازل عن جزء من السيادة السورية على أي شبرٍ مهما كان؟ يحتاج هذا إلى مؤسّسة تشريعية ممُثلة للإرادة الشعبية وآليات شفافة في العهد الجديد، وإلّا يستنسخ ما كان يقوم به العهد البائد من سياسة اتّخاذ قرار قائمة على الفرد الواحد والدائرة الضيقة.
في عقود سابقة كانت إسرائيل والولايات المتحدة وراءها، تدفعان العرب والفلسطينيين إلى إبرام اتفاقيات تطبيع تقوم على أساس مفهوم “الأرض مقابل السّلام”، أي أن “تتنازل” إسرائيل عن الأراضي التي احتلتها من مصر أو سورية أو لبنان، أو أجزاء من الأرض الفلسطينية في حالة السّلام مع الفلسطينيين، مقابل أن يوقع العرب اتفاقيات سلام معها. بحسب تلك المعادلة “السّلام” يمنحه العرب لإسرائيل مقابل أن “تمنحهم” أرضهم التي احتلتها. في تلك الأيام، التي أصبحت أيام “صمود تطبيعي” مقارنة بما يحدُث اليوم، كان المطبّعون يشعرون بالعار وفي موقع الدفاع. كيف يمكن قبول معادلة “سلام” تقوم على “منح” الدول العربية أراضيها التي احتلتها إسرائيل؟ وقد كُتب آنذاك وبعده نقد كثير حول ذلك التطبيع المهين. لم يخطُر ببال أحد يومها أن تلك المعادلة، ومع استمرار أنظمة التخاذل والخضوع، سوف تتحوّل إلى سقف عالٍ صار محطّ أمنيات في هذه الأيام التي انحدرت فيها الأمور إلى وضعٍ مُذهلٍ من الإذلال.
“سلام” اليوم الذي تطرحه إسرائيل وأميركا على سورية ولبنان والعراق وإيران ودول الخليج، بل وكل دول المنطقة، يقوم على مفهوم جديد، “التطبيع مقابل الإذعان”، وفي جوهره انقلبت مسألة مَن يَمنَحُ ماذا؛ ففي المعادلة الجديدة إسرائيل هي التي تمنح “السّلام”، أو الاستسلام على نحوٍ أدقّ، وتفرض شكله وشروطه وطبيعته. وهي تتدلّل في “منحها” هذا السّلام لهذا الطرف العربي أو ذاك، وما تطلبه مقابل أن تُغدق على العرب “سلامها” هو الإذعان الكامل منهم. الإذعان يعني، عملياً، وبلغة الناس في المقاهي والشوارع، التوسّل لإسرائيل أن تكفّ شرّها عن البلد مقابل التوقيع على أيّ اتفاق تطبيع تريده. إسرائيل، في الحالة السورية، تصول وتجول عسكرياً ومخابراتياً وأمنياً، تقصف الجيش السوري وتقضي على أكثر من 80% من مقدّراته، تداهم مخابئ وأرشيفات سرّية وتسرقها، تعتقل وتعذب وتحقق مع مَن تشاء فوق الأراضي السورية، تتحالف مع هذه الطائفة أو تلك. ويقول قادتها بالفم الملآن إنّ هدفهم هو تقطيع سورية وتقسيمها إلى دويلات. ما “تمنحه” إسرائيل للنظام الجديد في سورية مقابل الإذعان هو أن تقدم “وعداً” لفظياً بأن تكفّ عن اعتداءاتها تلك. إسرائيل طبعاً هي التي تقرّر إن كان ثمة طارئ جديد في سورية لا يتماشى مع اتفاقية الإذعان، وبالتالي يسوّغ لها التحلّل من أيّ وعد، وتواصل بناء عليه اعتداءاتها ومخطّطاتها لتقسيم سورية. لذلك؛ يغرق في الوهم إلى القاع من يظنّ أن الإذعان لإسرائيل يحميه من غدرها واستهدافها له بالإضعاف والتفتيت.
الإخضاع والخضوع وفق معادلة “التطبيع مقابل الإذعان”، سواءً في الحالة السورية أو غيرها من الحالات المرشّحة يعني أموراً عدّة؛ أولاً أن تكون إسرائيل صاحبة اليد الطولى والوحيدة عسكرياً في أرض البلد المُطبّع وسمائه وبحره، وأن تفكّك البنية العسكرية والجيش وأي “تهديد” حالي أو مستقبلي لإسرائيل، حتى لو في أدنى حد متخيّل، وثانياً أن تتوفر لإسرائيل الحرية والإمكانية للوصول إلى مقدرات البلد المعني وثرواته على نحوٍ مباشر أو غير مباشر، اقتصادياً، واستثمارياً، واستكشافياً، تحت مسمّيات التعاون الاقتصادي الإقليمي وغيره من التوصيفات الناعمة، وثالثاً أن تفرض إسرائيل شكل التعليم والثقافة الوطنية والدينية في البلد المُطبّع لغسل أدمغة الأجيال القادمة، وهندستها تطبيعياً، لضمان ديمومة عصر الاستباحة وعدم الممانعة، أمّا رابعاً فهو تحصيل حاصل لما نراه اليوم؛ يُسلّم الجميع لإسرائيل بالقيادة الإقليمية وبأنها صاحبة القول الفصل في أي قضية إقليمية.
تنطبق معادلة “التطبيع مقابل الإذعان” على ما يريده نتنياهو وترامب من إيران. إذ من الواضح أن الاثنين يخطّطان لضربة ثانية لإيران ومقدّراتها النووية وقدرتها الصاروخية، أو ما سلم منها بعد الجولة الأولى في الشهر الماضي (يونيو/ حزيران). إيران المقبولة إسرائيلياً وأميركياً، وفي الشرق الأوسط ذي الوجه الجديد كما يتبجّح نتنياهو، هي إيران مقلّمة المخالب والمُستباحة تماماً. ولا يتوقف الأمر، ولن يتوقف عند إيران، بحسب التصريحات الإسرائيلية نفسها من مسؤولين سياسيين، وقادة عسكريين، ومفكّرين استراتيجيين، بل يمتد مفهوم الإخضاع من فوق والقبول بالإذعان من تحت ليطاول تركيا وباكستان. وقد سمعنا أخيراً تهديدات إسرائيلية كثيرة تقول: تركيا هي التالية، وباكستان ليست مُستثناة من المخطّطات المُعلنة. الشرق الأوسط الذي تريده إسرائيل يجب أن يكون مُستباحاً لها من المحيط إلى الخليج، عسكرياً، وأمنياً، واقتصادياً، وثقافياً، ويخلو من أيٍّ من أشكال الممانعة أو المقاومة حتّى السلمية. لذلك سوف نشهد ظواهر عديدة من التصهين العربي والتصهين غير العربي في المنطقة، والتصهين الديني والتصهين غير الديني الذي يريد إعادة تفسير الإسلام من منظور صهيوني تبعاً للديانة الإبراهيمية. نجاح ذلك كلّه أو فشله مربوط بنا جميعاً، وبمدى سماحنا لمثل هذه الاستباحة أن تأخذ أمديّتها القصوى ونحن نتفرّج.
————————-
لبنان والتّهديد الوجودي بين ما حاوله محور الممانعة والبعث السّوري وتحذيرات توم براك/ رياض قهوجي
لطالما تحدث خبراء ومسؤولون في لبنان والمنطقة عن خطر إعادة ترسيم حدود الدول التي رسمتها اتفاقية سايكس بيكو.
التصريح الأخير للموفد الأميركي توم براك بشأن الخطر الوجودي الذي يداهم لبنان نتيجة إصرار “حزب الله” على الاحتفاظ بسلاحه وربط مصيره بإيران يجب أن يؤخذ على محمل الجد، لا بسبب وجود مؤامرة عالمية لإزالة لبنان عن الخريطة، بل نتيجة التطورات الكبيرة التي شهدتها المنطقة، ولا تزال، منذ أحداث 7 أكتوبر 2023. فمحاولة “حزب الله”، بالتعاون مع الحرس الثوري الإيراني، إعادة عقارب الساعة للوراء ومنع التغيير الجارف الذي أحدثته الضربات الكبيرة لمحور الممانعة، وتحديداً سقوط نظام بشار الأسد في سوريا، ستأتي بعواقب كارثية على لبنان عامةً وشيعته خاصةً.
لطالما تحدث خبراء ومسؤولون في لبنان والمنطقة عن خطر إعادة ترسيم حدود الدول التي رسمتها اتفاقية سايكس بيكو قبل أكثر من قرن من الزمن، خاصة في ضوء ما شهدته بعض ساحات الشرق الأوسط من حروب أهلية، وصراعات مذهبية، وعرقية، وأيديولوجية. إلا أن حدود هذه الدول لم تتغير خارج إطار الصراع العربي-الإسرائيلي والفلسطيني-الإسرائيلي، وما أسفرت عنه حروب 1967، و1973 و1982.
ثمة من كان يتحدث عن سوريا الكبرى من منطلق تنظيري، فيما سعى لذلك البعض الآخر، كما كانت الحال مع “حزب البعث العربي” في سوريا الذي لم يخف نياته عن ضم لبنان، لكن بعد مواجهة معارضة كبيرة من القوى العظمى، اكتفى بالسيطرة عليه سياسياً واقتصادياً وعسكرياً من عام 1976 حتى خروج قواته عام 2005، إذ انتقلت السيطرة يومها لإيران التي أبقت على بعض النفوذ لنظام الأسد في لبنان.
قوى الإسلام السياسي السني والشيعي سعت دائماً لإزالة حدود الدول تحت شعار إعادة إحياء الدولة الإسلامية. فشهدنا محاولة “داعش” إنشاء دولته من حمص والرقة باتجاه الموصل. كما شهدنا بعدها كيف استغل الحرس الثوري ذلك لإنشاء هلال شيعي عبر نشر التشيع في سوريا وتهجير ملايين عدة من سنّة سوريا بهدف تنفيذ مشروع تغيير ديموغرافي بإحضار عشرات آلاف المواطنين الشيعة من باكستان وأفغانستان والعراق إلى سوريا، وتجنيسهم.
طبعاً لم تمانع القوى الحاكمة في لبنان خلال العشرين سنة الماضية عمليات الضم الخفي بإشراف من النظامين السوري والإيراني عبر محاولات التغيير الديموغرافي في سوريا، في وقت هاجر عشرات آلاف المسيحيين من لبنان وسوريا، واغتيل الزعيم السني اللبناني المعتدل والقوي رفيق الحريري، ما أثر بالطائفة وجعلها بحالة ضعف لم يتمكن التوريث وما تلاه من إخراجها منه.
ولقد ساعدت نظرية حكم الأقليات التي ساهم بنشرها زعامات، ومنها مسيحية، محور الممانعة بتنفيذ مخططه بلبنان، إذ ارتكزت هذه النظرية على أن الخطر الأكبر الذي يواجه الطوائف في سوريا ولبنان هو المد السني الكبير، وأفضل طريقة لمواجهته هو عبر تحالف الأقليات: الشيعة، والعلويين، والمسيحيين، والدروز. والسيطرة العلوية على الحكم في دمشق سهلت ذلك. وهذا كان يناسب الدولة العبرية، وهي أقلية في المنطقة.
أما اليوم، ومع وصول إدارة جديدة للحكم في سوريا من كنف الإسلام السياسي السني، وقرار إسرائيل والقوى الغربية والعربية إنهاء أذرع إيران، تغير الوضع. فنظرية حكم الأقليات لم تعد قابلة للتطبيق. وما يزيد الوضع تعقيداً هو فتح خط المفاوضات بين إسرائيل وحكام دمشق الجدد للوصول لاتفاق سلام برعاية دولية. فلبنان يتأثر كثيراً بنظام الحكم في سوريا، وهذا النظام اليوم لن يقبل باستمرار وجود قوى شيعية أيديولوجية مسلحة كـ”حزب الله” على حدوده، شاركت بالحرب ضده ويعتبرها معادية له وتستمر بنشاطاتها العسكرية وتنادي بمحاربة إسرائيل في وقت هو يتجه للتطبيع معها.
رفض “حزب الله” تسليم السلاح وإصراره على التبعية لقرار طهران، سيؤديان حتماً لعودة الحرب الإسرائيلية، حسب تقديرات مسؤولين كثر، ومنهم براك. ويتوقع المراقبون أن تكون بشراسة حرب غزة، وقد تدفع إسرائيل لتوسيع احتلالها في جبل عامل الشيعي وربما أجزاء من البقاع. وتجدد الاشتباكات ذات الطابع المذهبي على الحدود الشرقية مع سوريا قد يدفع بعمليات توغل داخل لبنان. هذا تحديداً الخطر الذي يتحدث عنه براك. ولن تتدخل واشنطن لوقف أي عمليات ضد “حزب الله” لأن هدف إزالة خطر أذرع إيران عن حدود إسرائيل قد اتخذ. فإما أن يلحظ قادة لبنان الذين وصلوا بدعم خارجي وزعماء الطائفة الشيعية هذا الخطر الداهم ويتحركوا بسرعة لحصر السلاح بيد الدولة وفرض سلطتها، أو يواجه البلد خطر الزوال أو فقدان بعض محافظاته بعمليات تبادل للأراضي قد تحدث ضمن اتفاق للسلام بين سوريا وإسرائيل.
النهار العربي
————————-
أحداث السويداء.. الإدارة الأميركية تسارع لاحتواء الدور الإسرائيلي إثر صمت لـ3 أيام/ فكتور شلهوب
17 يوليو 2025
فجأة صحت الإدارة الأميركية الأربعاء على أحداث مدينة السويداء جنوبي سورية ودور إسرائيل السافر فيها. مضى عليها ثلاثة أيام قبل أن تصدر أي إشارة رسمية بشأنها في واشنطن. وعندما صدر، جاء ردّها بصيغة عمومية اختلط فيها التبسيط مع التمييع للتدخل الإسرائيلي بتصويره مواربة، على أنه كان بمثابة مبادرة “لحماية” مكوّن سوري، وبما يعفي تل أبيب من تهمة التدخل بالشؤون الداخلية لسورية.
الإدارة الأميركية، التي لا بدّ وأنها كانت على دراية بالتطورات، تجاهلت الموضوع على ما يبدو، إما لمنح إسرائيل الفسحة اللازمة للضغط على دمشق بغية حملها على تجاوز التردد والتعجيل بخطوات التطبيع، وإما لاجتناب التوتر مع رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو؛ إذ تحتاج واشنطن تعاونه لتمرير مشروع وقف إطلاق النار في غزة، الذي راهن عليه البيت الأبيض، ووضع هذا الأخير مفتاحه بيد نتنياهو. تمادي هذا الأخير وتمديد عملياته الجوية من السويداء إلى جوار القصر الجمهوري في دمشق، حمل الإدارة الأميركية على الاستدراك لئلا تخرب الطبخة.
في بيانه المقتضب لمح وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إلى مثل هذا القلق مع المطالبة بوقف القتال. وزارة الخارجية قالت خلال الإحاطة الصحافية الأربعاء إن الإدارة الأميركية طالبت الحكومة السورية بسحب قواتها من السويداء “على أساس أنّ ذلك من شأنه أن يمكّن الأطراف الأخرى من خفض التصعيد”. لكن مصادر أخرى أكدت أنه طُلب أيضاً من إسرائيل وقف عملياتها هناك. ولوحظ أن الإدارة حرصت على التقليل من خطورة التوتر السوري الإسرائيلي، وذلك من خلال وضعه في إطار “سوء تفاهم” بين الجانبين وأن الأحداث التي وقعت في السويداء لا تعدو كونها “نزاعات قبلية مزمنة”، كما قالت المتحدثة في الخارجية تامي بروس. وربما جرى تصنيفها في هذا الإطار لتبرير زعم إسرائيل بأنها تدخلت “لحماية الدروز” هناك بذريعة أن لديها جالية درزية توجب عليها القيام بمثل هذه المهمة.
لكن هذا التسويق الهش بدا أقرب إلى ذر الرماد في العيون منه إلى الواقع. الاعتقاد أن أسباب التوتر الاسرائيلي – السوري الذي أدى إلى مثل هذا التفجير، أبعد من ذلك. من الاحتمالات أن ما سّر عن وجود لقاء تمّ في باكو عاصمة أذربيجان، في 12 يوليو/ تموز الجاري، بين مسؤول إسرائيلي كبير ونظيره السوري وتناول ملف “الوجود الإسرائيلي في سورية” وربما أيضاً موضوع التطبيع بين الطرفين، قد انتهى إلى انسداد كان شرارة التصعيد الإسرائيلي. يعزز هذا الاحتمال، أنّ إسرائيل بدأت بتوسيع بيكار تدخلها وتعنيف ضرباتها الجوية في 13 الجاري. أي بعد يوم من اللقاء الذي يبدو أنه خيّب الإسرائيلي. واشنطن غضّت الطرف على ما بدا لمدة ثلاثة أيام بمثابة فرصة لنتنياهو لإيصال رسائله إلى نظام أحمد الشرع. لكن تفاقم الأحداث فرض الخروج عن الصمت لأخذ المبادرة في السيطرة على الموقف.
وفي احتمال آخر، أن حسابات نتنياهو في سورية قد تكون غير متطابقة مع أجندة البيت الأبيض، تماماً كما هي الحال في غزة، بحيث أدى اختلاف الحسابات والأولويات إلى التأخير المتواصل لوقف النار. كما لا يستبعد أن يكون نتنياهو قد لعب ورقة التصعيد في سورية، لمقايضتها لاحقاً مع الرئيس دونالد ترامب في إيران ولو أن الملف الإيراني الآن جرى وضعه في الثلاجة وحتى إشعار آخر. ما بات معروفاً أن ترامب منح نتنياهو مساحة للتحرّك في المنطقة وفق أولوياته، على أن يحتفظ بحق الفيتو لضبط تحرّكات رئيس الوزراء الإسرائيلي وتدوير زواياها عن الاقتضاء. وما جرى في الموضوع السوري جاء ليؤكد هذا النهج.
——————————
مواقف منددة بانتهاكات السويداء.. وجنبلاط: الإسرائيليون بتدخلهم يؤججون النار
الأربعاء 2025/07/16
تتواصل المواقف المنددة بتطورات الأحداث الدامية في السويداء والتي أدت إلى مقتل عشرات الأبرياء، وفي هذا الإطار، شدّد الرئيس السابق للحزب “التقدمي الاشتراكي” وليد جنبلاط أنه “لا بُدّ من تثبيت وقف إطلاق النار، ثُمّ الشروع في الدخول بحوار بين جميع مكونات جبل العرب، الدينية والسياسية والنقابية مع الدولة، ووضع خطة إنمائية وسياسية وعسكرية كيف إدارة منطقة الجبل والسويداء بإشراف الدولة السورية وبمشاركة أهل الجبل، مؤكداً أنه هذا هو المدخل للحل”.
وفي حديث صحافي دان جنبلاط “الانتهاكات” التي حصلت بحق أهل الجبل، مشيراً إلى أنه “مع أصحاب الحل فوق كل شيء”. كذلك أدان جنبلاط بعض التصريحات التي تُطالب بحماية دوليّة، “فوحدهم أهل السويداء مع أبناء السلطة السورية، هم الذين يُحافظون على الأرض في السويداء، وليس في التدخلات الأجنبية كما رأيناها أو كما سمعناها”.
ورداً على سؤال قال جنبلاط: “هناك من ينادي بالإصلاح والحوار مع الدولة في جبل العرب، وهناك من ينادي بالحماية الخارجية المرفوضة من جهتنا، لذلك أطلب بالحوار ووضع خطّة واضحة لكيفية تثبيت الأمن، ثمّ استيعاب العناصر المُسلّحة الدرزية في الجيش، وهذا قرار مشترك بينهم وبين السلطة، ولاحقاً الدخول في مرحلة الأمن والاستقرار”. وعن تدخل إسرائيل، قال جنبلاط “الإسرائيليون بتدخلهم يؤججون النار، ويُريدون وضع الدروز في مواجهة كلّ المجتمع السوري في حربٍ لن تقف، لذلك أنني أرفض التدخلات”، مؤكداً أن “إسرائيل لا تحمي أحداً، فهي تستخدم الجميع، ولا تحمي إلا مصالحها”.
“التيار الوطني الحر”: فتنة مرسومة
أعلن “التيار الوطني الحر” أنه “ينظر ببالغ القلق إلى المشهد الدموي في محافظة السويداء السورية، لما يؤشر إليه من فتنة مرسومة بهدف إدخال سوريا في صراع داخلي مفتوح يضرب نسيجها الاجتماعي المتنوع ويهجّر قسمًا من أهلها”. ورأى في بيان أن “لبنان لن يكون بمنأى عن تداعيات ما يجري في سوريا ولذلك يطالب جميع اللبنانيين بالالتفاف حول الدولة وحماية سلمهم الاهلي”، مؤكداً أن “ما يتعرض له الدروز في السويداء مدان ومرفوض وهو جزء من مسار إجرامي اصاب سوريا بجميع مكوناتها منذ بداية الحرب فيها”.
وفي سياق متابعة الأحداث في السويداء، وبعدما أعلن أمس، رئيس حزب “التوحيد العربيّ” وئام وهاب عن “إطلاق جيش التوحيد”، داعياً “الجميع إلى “الانضمام والبدء بتنظيم مقاومة مستقلة”، قال وهاب اليوم عبر حسابه على منصّة “إكس”، إنّ “جميع المقاتلين في لبنان توجهوا إلى عرنة وحضر وجبل الشيخ”.
“الاشتراكي”: لتتحمل الحكومة السورية مسؤولياتها
من جهته، جدد الحزب التقدمي الاشتراكي في بيان “الدعوة إلى التزام وقف إطلاق النار في السويداء والذهاب إلى حوار حقيقي ينتج حلاً سياسياً يشمل كل أطياف المحافظة دون استثناء ويضمن حقوق ومطالب أبنائها تحت رعاية الدولة”.
كما دان “الاعتداءات التي حصلت على المدنيين والأُسر، واستهداف دور العبادة، والنيل من الشخصيات الدينية والاجتماعية”. وأكد أنّ “هذه الأفعال تُشكّل انتهاكًا فاضحًا للقيم الإنسانية والاجتماعية والدينية، ولا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تسهم في الوصول الى الحل المطلوب”. وطالب “إزاء هذا المشهد المؤلم الحكومة السورية بتحمّل مسؤولياتها كاملة، والتحرّك الجاد والفوري لوضع حدّ لهذا التصعيد، وحماية المدنيين وضمان سلامة المجتمع المحلي، والتأسيس لمرحلة جديدة من الأمن والاستقرار في إطار وحدة سوريا الكاملة”.
أبي المنى: سؤال برسم القيادة السورية
من جهته، كتب شيخ العقل لطائفة الموحدين الدروز الشيخ الدكتور سامي ابي المنى على صفحته على منصة “إكس”: “مشاهد الكراهية على يد المتطرفين تدل على أن الدولة السورية لم تفلح في ضبطهم، فراحوا يصبون حقدهم على عمامة هذا الشيخ الموحد او شاربي ذلك الرجل المعروفي ويدوسون على العلم الرمز ويذلون الآباء امام اعين عائلاتهم هل هكذا تبنى الدولة العصرية؟ سؤال برسم القيادة السورية ومنظمات حقوق الإنسان”.
وكذلك صدر عن المكتب الاعلامي في مشيخة العقل لطائفة الموحدين الدروز، بيان أدان الاعتداءات على المدنيين، واعتبر أن “التواصل القائم بين سماحة شيخ العقل للطائفة الشيخ الدكتور سامي ابي المنى والاستاذ وليد بك جنبلاط، ينصب في اطار توحيد الجهود المبذولة من قبلهما وعلى اكثر من صعيد ومستوى، من اجل التوصل إلى وقف فوري وعاجل لإطلاق النار في مدينة السويداء، في ظل الوضع المأساوي والانساني الخطير جدا الحاصل لأبناء الطائفة، الامر الذي يستدعي تجاوباً من قبل الدولة السورية وقرارا سريعا بوقف اطلاق النار واحتواء الموقف”.
وأضاف البيان: “ان مشيخة عقل طائفة الموحدين الدروز في لبنان تناشد المجتمعين الدولي والعربي والدول الراعية للسلام في منطقة الشرق الاوسط، ومنظمات حقوق الانسان للتدخل الفوري عبر الضغط على الحكومة السورية، من اجل تطبيق وقف إطلاق النار بشكل سريع، وعدم وقوفها مكتوفة الايدي امام الاعتداءات وشتّى انواع الانتهاكات الجسيمة والمجازر التي تنفذّها العناصر غير المنضبطة، بحق الشيوخ والنساء والاطفال والعزّل في محافظة السويداء”.
————————
السلطات السورية تسحب قواتها بالكامل من محافظة السويداء
سحبت السلطات السورية قواتها من محافظة السويداء، حيث عاين مصور لوكالة فرانس برس الخميس في مركز المدينة جثثا في الشوارع، تزامنا مع إعلان الرئيس الانتقالي أحمد الشرع أنه يريد تجنّب “حرب واسعة” مع اسرائيل التي هدّدت بتصعيد غاراتها.
وتقوّض خطوة سحب القوات من المحافظة ذات الغالبية الدرزية جهود الحكومة الانتقالية في بسط سلطتها على كامل التراب السوري بعد أكثر من سبعة أشهر على إطاحتها الحكم السابق. وتطرح مجددا تساؤلات إزاء قدرتها على التعامل مع الأقليات على وقع أعمال عنف على خلفية طائفية طالت مكونات عدة في البلاد.
وبدت مدينة السويداء التي شهدت في اليومين الماضيين اشتباكات دامية تخللها انتهاكات وعمليات نهب طالت المنازل والمتاجر، أشبه بمدينة منكوبة، مع خروج المشفى الرئيسي عن الخدمة وتكدّس الجثث فيه وانقطاع خدمات المياه والكهرباء والاتصالات منذ أيام.
في وسط المدينة، قال مصور لوكالة فرانس برس إنه أحصى صباح الخميس 15 جثة على الأقل، من دون أن يتمكن من تحديد إذا كانت تعود لمدنيين أو مقاتلين محليين. وأفاد بأن بعض تلك الجثث منتفخة، ما يؤشر الى مقتلها قبل أيام.
وأسفرت أعمال العنف التي اتخذت طابعا طائفيا خلال أربعة أيام، وشنّت خلالها إسرائيل سلسلة غارات، عن مقتل أكثر من 370 شخصا، وفق حصيلة جديدة للمرصد السوري لحقوق الإنسان الخميس.
وسحبت السلطات السورية قواتها بالكامل من محافظة السويداء ليل الأربعاء الخميس.
وقال مدير المرصد رامي عبد الرحمن لفرانس برس إن “السلطات السورية سحبت قواتها العسكرية من مدينة السويداء وكافة أنحاء المحافظة، مقابل انتشار للمقاتلين المحليين الدروز”.
ونقل مراسل فرانس برس عن مقاتلين حكوميين على أطراف المحافظة قولهم إن القوات الحكومية تلقت أوامر بالانسحاب قبيل منتصف الليل وأنهت انسحابها فجرا.
وجاء ذلك بعيد ساعات من إعلان وزارة الداخلية والشيخ يوسف الجربوع، أحد أبرز ثلاث مرجعيات روحية في السويداء، مساء الأربعاء التوصل الى اتفاق لوقف إطلاق النار، نص على إيقاف كل العمليات العسكرية بشكل فوري وتشكيل لجنة مراقبة من الدولة السورية وشيوخ دروز للإشراف على عملية التنفيذ.
لكن بحسب عبد الرحمن، فإن انسحاب القوات الحكومية “جاء بناء على اتفاق أمني اسرائيلي سوري بوساطة أميركية، بعيد التصعيد الإسرائيلي ضد السلطة الانتقالية ومطالبتها بسحب قواتها من السويداء”.
أمام خيارين
في كلمة متلفزة بثّها الإعلام الرسمي فجرا، أعلن الرئيس السوري “تكليف بعض الفصائل المحلية ومشايخ العقل بمسؤولية حفظ الأمن في السويداء”، في خطوة قال إن هدفها “تجنب انزلاق البلاد إلى حرب واسعة جديدة”.
وأضاف “كنا بين خيارين، الحرب المفتوحة مع الكيان الإسرائيلي على حساب أهلنا الدروز وأمنهم، وزعزعة استقرار سوريا والمنطقة بأسرها، وبين فسح المجال لوجهاء ومشايخ الدروز للعودة إلى رشدهم، وتغليب المصلحة الوطنية”.
وجاءت كلمة الشرع بعيد غارات اسرائيلية عنيفة على مبنى الأركان العامة في دمشق دمّرت جزءا منه، وأسفرت عن مقتل ثلاثة أشخاص وفق السلطات. وشنّت إسرائيل كذلك ضربات في محيط القصر الرئاسي في دمشق وجنوب العاصمة وعلى أهداف عسكرية في السويداء.
“تدخّل فعّال”
واندلعت الاشتباكات الأحد في محافظة السويداء ذات الغالبية الدرزية بين مسلحين دروز وآخرين من البدو السنّة، وفق المرصد، على خلفية عملية خطف طالت تاجر خضار درزيا وأعقبتها عمليات خطف متبادلة.
ومع احتدام المواجهات، أعلنت القوات الحكومية الإثنين تدخّلها في المحافظة لفضّ الاشتباكات، لكن بحسب المرصد وشهود وفصائل درزية، فقد تدخلت هذه القوات إلى جانب البدو. وقبيل وقف إطلاق النار الأربعاء، أعلنت السلطات الثلاثاء وقفا لإطلاق النار في مدينة السويداء، لكن الاشتباكات تواصلت رغم ذلك.
وتخللت المواجهات عمليات قتل وحرق ونهب للمنازل والمتاجر وانتهاكات، وفق شهادات سكان وناشطين والمرصد.
وأشاد الشرع في كلمته بـ”التدخّل الفعّال للوساطة الأمريكية والعربية والتركية التي أنقذت المنطقة من مصير مجهول”.
وأعلنت الولايات المتحدة حليفة اسرائيل والتي تدعم كذلك السلطات الانتقالية في سوريا، مساء الأربعاء عن التوصل لوقف إطلاق نار من أجل إعادة الهدوء إلى سوريا.
وكتب وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو على منصة إكس الأربعاء “توافقنا على خطوات محددة من شأنها أن تضع حدا الليلة للوضع المضطرب والمرعب”، مضيفا أنه يتوقع أن “يفي جميع الأطراف بالتزاماتهم”.
وكانت المتحدثة باسم الخارجية الأميركي تامي بروس دعت في وقت سابق الحكومة السورية إلى الانسحاب من منطقة النزاع في جنوب البلاد بهدف تهدئة التوتر مع إسرائيل.
“إعدامات ميدانية”
وأحصى المرصد السوري مقتل 27 مدنيا في “إعدامات ميدانية” على يد القوات الحكومية.
وتعهّد الشرع في كلمته “محاسبة من تجاوز وأساء لأهلنا الدروز فهم في حماية الدولة ومسؤوليتها”.
وكان أطلق تعهدا مماثلا بعد أعمال عنف في منطقة الساحل أسفرت عن مقتل نحو 1700 مدني غالبيتهم الساحقة من الأقلية العلوية التي تنتمي اليها عائلة الأسد، على يد قوات الأمن ومجموعات رديفة لها بحسب المرصد السوري.
ويقدّر تعداد الدروز في سوريا بنحو 700 ألف يعيش معظمهم في جنوب البلاد في محافظة السويداء خصوصا. ويتوزّع الدروز كذلك بين لبنان واسرائيل.
وتجمّع العشرات صباح الخميس عند الحدود بين سوريا واسرائيل في بلدة مجدل شمس في الجولان السوري المحتلّ، والتي شهدت حالة من الفوضى الأربعاء عندما حاول مئات الدروز عبور الحدود بالاتجاهين.
وسار عدد من الشبان الخميس بمحاذاة هذا الجزء من الحدود وهم يلوّحون بالأعلام الدرزية ذات الألوان الخمسة.
وأوضح رجل، فضّل عدم الكشف عن اسمه، يقيم في قرية حضر السورية، وقد جاء برفقة ابنه الصغير للقاء أقاربهم في مجدل شمس على الجانب الإسرائيلي، “لم ننم طوال الليل”.
(أ ف ب)
———————
هآرتس.. للجيش الإسرائيلي: من كان هدفه حماية الدروز لا يقصف دبابات النظام السوري
اتفاق وقف إطلاق النار الذي أعلن عنه أحد زعماء الطائفة الدرزية في سوريا، الشيخ يوسف جربوع، سينتظر الامتحان العملي على الأرض. هذا هو الاتفاق الثاني الذي تم التوقيع عليه هذا الأسبوع رغم عدم جفاف حبر الاتفاق الأول قبل تجدد المعارك. يجب التعامل بحذر مع الاتفاق، خاصة أنه من غير الواضح من هي الأطراف التي وقعت عليه ووافقت على تطبيقه. جربوع ليس سوى أحد الزعماء الثلاثة الروحانيين في الطائفة، وهو معروف بدعمه للتعاون مع نظام الشرع ويعارض التدخل الأجنبي، بما في ذلك تدخل إسرائيل، في المواجهة الحالية وفي شؤون الطائفة بشكل عام. ويعارض أيضاً حكماً ذاتياً للدروز ويرى أن مستقبل الطائفة في أن تكون جزءاً لا يتجزأ من الدولة.
في الوقت نفسه، لم يسمع حتى الآن صوت الزعيم المهيمن على الطائفة، الشيخ حكمت الهجري، الذي يعارض دمج المليشيات الدرزية في الجيش السوري، ويعتبر الشرع جهادياً يعمل بروح الإسلام المتطرف، التي دعا إليها وهو قائد هيئة تحرير الشام، وأنه الشخص الذي يعتمد على مليشيات إسلامية محلية وأجنبية، التي لا تسيطر عليها جميعها، وأعلن حرب الإبادة على الدروز. الزعيم الثالث حمود الحناوي، يعتبر في الواقع صاحب تأثير أقل في الطائفة، لكن موافقته مطلوبة لطرح موقف موحد إزاء الاتفاق.
من غير الواضح أيضاً أي مليشيا من المليشيات الدرزية انضمت لوقف إطلاق النار. إخلاصها يتوزع حسب علاقاتها مع زعماء الطائفة الروحانيين، لكن بعضها تتبع سياسة مستقلة لا تتساوق بالضرورة مع قرارات زعماء الطائفة. مثلاً، مليشيا “رجال الكرامة”، التي تعتبر المليشيا الأكبر وفيها 5 – 8 آلاف مقاتل، تؤيد التعاون مع النظام. مقابلها “لواء الجبل”، التي تضم بضعة آلاف مقاتل، تعارض النظام ونية دمج أبناء الطائفة في الجيش السوري. إضافة إليها، في مدينة السويداء، التي معظمها من الدروز، يعمل “المجلس العسكري” الذي تم تشكيله في شباط الماضي وهو يتكون من عدة مليشيات بقيادة ضابط كبير انشق عن الجيش السوري.
بالنسبة للحكومة السورية، الأمور لا تقل عن ذلك ضبابية. النظام في الواقع وقع على الاتفاق، لكن لا تأكيد على أنه سيلزم المليشيات المرتبطة به، والتي لم تندمج حتى الآن في جيش الشرع الذي بدأ في تشكيله. ومفهوم “الجيش السوري” قد يكون مضللاً. صحيح أن هناك أطراً هيكلية لألوية وكتائب، وحسب قول وزير الدفاع مرهف أبو قصرة، فإن مكتبه نجح في إقناع 130 مليشيا للانضمام إلى الجيش الوطني. حتى الآن، عشرات المليشيات الصغيرة، من بينها عصابات بدوية مسلحة ومليشيات تعمل في مدن نائية، بالأساس المليشيات الدرزية والقوات الكردية، لم تنضم له.
في نهاية أيار، انتهى التمديد الذي أعطاه النظام لجميع المليشيات للانضمام للجيش، وهو الموعد الذي من شأن النظام أن يعمل بالقوة لنزع سلاح المليشيات “المارقة”، باستثناء المليشيات الدرزية والكردية، التي وقعت على اتفاقات مبدئية للاندماج في الجيش، لكن تطبيق ذلك يحتاج إلى وقت طويل، لا سيما على خلفية التطورات في السويداء. المليشيات التي تم دمجها تتجند على أساس شخصي وليس كمجموعات لمنع وضع يواصل فيه الجنود ولاءهم للمليشيا بدلاً من الولاء للدولة. ربما تمر هذه في البداية في فترة تأهيل في الأكاديميات العسكرية التي لم يتم إقامة بعضها حتى الآن.
الجسم المركزي في الجيش ما زال يعتمد على نفس المليشيات التي رافقت الشرع في فترة العصيان المدني كجزء من “هيئة تحرير الشام”. الكثير من المقاتلين جاءوا من دول أجنبية مثل الشيشان، وروسيا، والأردن، ومصر، وبعضهم تعين في وظائف رفيعة في الجيش السوري. الوقت سيخبرنا إذا كانوا سينجحون في فرض السيطرة على الجنود الذين لم يأتوا من المليشيات التابعة لهم. في موازاة ذلك، ثمة مجموعات مقاتلة لا يعرف حجمها، انشقت عن “هيئة تحرير الشام” بعد إسقاط نظام الأسد، وهي تعمل في إطار مليشيات مستقلة معارضة للشرع، وتتهم الرئيس السوري بخيانة المبادئ والتنازل عن فكرة دولة الشريعة، والتعاون مع “أعداء الإسلام”. حسب تقارير سورية، فإن عدداً من هذه المليشيات انضم لـ “داعش” التي ما زالت تعمل في سوريا، وهي تشارك في تنفيذ العمليات التخريبية. عملية كنيسة مار الياس التي جرت في حزيران والتي قتل فيها 25 شخصاً، كانت كما يبدو مرتبطة بهذه المليشيات.
فصل القوات يعني أن على الشرع إدارة صراع على السيطرة على ثلاث جبهات على الأقل: مواصلة الجهود لتوحيد القوات المسلحة في سوريا تحت مظلة جيش وطني، ومواجهة المليشيات الرافضة وحل عصابات الجريمة المسلحة التي تنضم إليها أحياناً، وإثارة الانطباع لدى إسرائيل وأمريكا حول قدرته على اجتثاث بقايا نشاطات حزب الله في سوريا، والحفاظ على دولة مستقرة تسيطر فقط على 70 في المئة من أراضيها.
من غير المستغرب أنه عندما يتعهد بـ “العمل بحزم ضد الخارجين على القانون”، وتقديم المتهمين بهذه الأحداث للمحاكمة، فإن مستوى الثقة بهذه الأقوال يبدو معدوماً. يجدر أيضاً تذكر أن تصريحات مشابهة اسمعها النظام بعد المذبحة ضد أبناء الطائفة العلوية في آذار وقتل فيها 1700 شخص تقريباً. حتى الآن، لم ينته التحقيق في هذا الأمر، ولم يُقدم المذنبون للمحاكمة، وهكذا هي الحال أيضاً بعد عملية كنيسة مار الياس.
مع ذلك، ربما تكون للاتفاق الجديد فرصة أفضل للتطبيق، بالأساس بسبب دبلوماسية نشطة من الولايات المتحدة، التي تستخدم الضغط، سواء على الشرع أو على إسرائيل، من أجل وقف إطلاق النار.
هدف إسرائيل
مثلما في المواجهة السابقة بين الدروز والمليشيات المحلية في آذار، “دخلت إسرائيل هذه المرة إلى الحدث” بخطوة كبيرة كفيل بدون تحديد أي أهداف أو رؤية شاملة للساحة. في البداية، هاجمت الدبابات التي أرسلها الجيش السوري إلى السويداء بذريعة حماية “خطوط الفصل”، والتي هدفها منع القوات المعادية من الوصول إلى حدود إسرائيل. “وجود هذه الوسائل في جنوب سوريا قد يشكل تهديداً لدولة إسرائيل”، كتب المتحدث بلسان الجيش الإسرائيلي. “الجيش الإسرائيلي لن يسمح بوجود تهديد عسكري في جنوب سوريا، وسيعمل ضده”.
تغير التفسير خلال فترة قصيرة، فقد أوضح متحدثون إسرائيليون بأن هجمات إسرائيل التي ازدادت واتسعت وشملت قصف مبنى هيئة الأركان ومحيط القصر الرئاسي، استهدفت حماية “الإخوة الدروز” ودفع النظام للعمل بسرعة لوقف سفك الدماء.
إذا كان هذا هو الهدف وبحق، فلماذا لم يسمح الجيش الإسرائيلي للجيش السوري بإرسال الدبابات إلى السويداء من البداية؟ وإذا كانت إسرائيل تؤمن بقدرة النظام على إطفاء النار، فلماذا لا تعمل في قنوات التنسيق المباشرة الموجودة الآن لدى النظام؟ في المقابل، إذا كانت إسرائيل تعتقد أن الشرع غير قادر على حماية أمن الدروز، وأخطر من ذلك أن نظامه يشجع المواجهة بهدف شن “حرب إبادة” ضد الدروز مثلما اعتبر ذلك أحد زعماء الطائفة الدرزية، الهجري، فهل تنوي إسرائيل شن حرب ضد النظام السوري كله؟
إن التزام إسرائيل بالطائفة الدرزية فيها لا يشوبه شك. نتيجة لهذا الالتزام، يمكن قبول أن عليها حماية الأقلية الدرزية في سوريا، إلى جانب الواجب الإنساني، وهو حماية أي أقلية تتعرض لخطر الإبادة. في الوقت نفسه، يجب عدم تجاهل موقف عدد من زعماء الطائفة في سوريا الذين يرفضون علناً تدخل إسرائيل ويعتبرون أنفسهم جزءاً لا يتجزأ من الدولة السورية، ومعنيون بتطوير التعاون مع نظام الشرع والدفع من خلاله ومعه بحقوقهم السياسية دون أن يكونوا “طائفة تحت الحماية” لدولة إسرائيل.
السؤال المهم: هل توجد لإسرائيل سياسة بعيدة المدى في كل ما يتعلق بسوريا؟ وكيف تندمج مع حماية الدروز ومهاجمة النظام السوري؟ محللون سوريون وعرب يقدرون أن إسرائيل تتطلع إلى استغلال رعايتها للدروز للدفع قدماً بفكرة تقسيم سوريا إلى كانتونات – درزي في الجنوب، وكردي في الشمال، وربما علوي أيضاً. وبهذا يمكنها إقامة “جزر دعم” أو “امتدادات” لنفسها وإفشال نية الشرع إقامة دولة موحدة وتحييد تأثير تركيا.
إذا وجدت خطة لإسرائيل كهذه، ولم يسمع حتى الآن تصريح علني يؤكد ذلك، فإن هذه الخطة لا تصطدم فقط مع طموحات الشرع، بل مع طموحات الولايات المتحدة والدول العربية أيضاً. تعمل واشنطن بشكل علني على إقامة دولة سورية موحدة غير مقسمة، ويحكمها نظام مركزي واحد، والرئيس ترامب يعتبر الشرع زعيماً مناسباً ويعطيه كل الدعم السياسي والاقتصادي. هذه الرؤية مقرونة باستراتيجية إقليمية شاملة، هدفها انسحاب القوات الأمريكية من سوريا ونقل مهمة محاربة “داعش” إلى سوريا وتركيا. في المقابل، يعمل ترامب على الدفع قدما باتفاقات منسقة بين إسرائيل وسوريا، ويطمح إلى التطبيع بين الدولتين. إن حرباً إسرائيلية ضد نظام الشرع، حتى لو كان هدفها حماية الأقلية الدرزية، لا تتساوق مع هذه الطموحات.
تسفي برئيل
هآرتس 17/7/2025
القدس العربي
—————————
صحيفة إسرائيلية: كيف نسير بين الألغام السورية؟
تعلمنا الأحداث الدموية في سوريا مدى بعد التطبيع بين القدس ودمشق، الذي جرى الحديث عنه كثيراً في الأسابيع الأخيرة، ومدى قربنا من نشوب حرب أهلية جديدة في سوريا.
منذ 2011 مع نشوب “الربيع العربي” في سوريا، وقف أبناء الطائفة الدرزية أمام تحديات وجودية خطيرة، وبخاصة أمام التهديد المحدق من منظمات جهادية سُنية وعلى رأسها “داعش” وجبهة النصرة – فرع القاعدة و”الدولة الإسلامية” في سوريا. هذه المنظمات التي رأت في الدروز كفرة، لم تكتف بالقتال ضد نظام الأسد، بل سعت “لتطهير” المناطق التي تحت سيطرة جماعات من الأقليات الدينية.
الدروز، الذين يشكلون 3 – 5 في المئة من سكان سوريا (نحو 700 ألف نسمة)، يسكن معظمهم في منطقة جبل الدروز، في محافظة السويداء جنوبي الدولة. هذه منطقة عانت طوال 14 سنة من الحرب الأهلية، بل وقبل ذلك، من غياب الحوكمة. وبالتالي، مع نشوب العنف في سوريا، شكلت هذه المحافظة لمنظمات الجهاد نقطة ضعف نظام الأسد وهدفاً لهجمات الإرهاب والاحتلال. في الأعوام 2013 – 2018 تعزز وجود قوات جهادية في جنوب سوريا، وأحياناً في مناطق قريبة جداً من التجمعات السكانية الدرزية بل ومن الحدود الإسرائيلية.
في حزيران 2015 هددت منظمة جبهة النصرة، بقيادة أبو محمد الجولاني، احتلال قرية الحضر، في هضبة الجولان (في الجانب السوري). وصمود السكان الدروز، بمساعدة ميليشيات موالية لنظام الأسد، منع مقاتلي “الجهاد” من التقدم نحو القرية.
مخاطر تذهب وتعود
بعد سنتين من ذلك في تشرين الثاني 2017، وقف السكان الدروز أمام الخطر مرة أخرى. وبعد سلسلة من الهجمات، كان ذروتها انفجار سيارة مفخخة جبى 9 ضحايا، استيقظ احتجاج حاد في إسرائيل أيضاً. التوتر والتحفز في أوساط الدروز من سكان إسرائيل كانا كبيرين جداً، ونشر الناطق العسكري العميد رونين مليس بياناً يقول فيه إن “الجيش الإسرائيلي جاهز ومستعد لمساعدة سكان القرية ومنع الأذى أو الاحتلال لقرية الحضر انطلاقاً من الالتزام تجاه السكان الدروز”.
لكه تحذير لم يصمد طويلاً لأن “داعش” نفذ في تموز 2018 سلسلة مركبة من العمليات في السويداء والقرى المجاورة لها. أكثر من 250 شخصاً قتلوا، معظمهم مواطنون دروز، وعشرات النساء والأطفال اختطفوا. “نحن مستعدون لكل عمل، سواء بالمال أم غير ذلك”، قال رئيس مجلس دالية الكرمل، رفيق حلبي. فيما قال موفق طريف، الزعيم الروحي للطائفة الدرزية في إسرائيل صارخاً بأن العمليات التي نفذها “داعش” هي مذبحة على خلفية عرقية”.
إن ابتسامات أحمد الشرع تجاه العالم ومحاولاته بث الاستقرار، تتعرض الآن لضربة شديدة. عملياً، المعارك بين الجهاديين في سوريا والدروز تضعنا على أرض الواقع. ما يتبين هو أن النظام السوري الجديد لا يسيطر على الدولة ولا ينجح في التصدي لمنظمات وميليشيات إسلامية مسلحة، الدين هو دافعها للعمل وليس التفكير بالشرعية الدولية أو بالعلاقات مع الغرب وإسرائيل.
ومثلما حصل في آذار الماضي حين ذبحت منظمات الجهاد المتفرعة عن نظام الشرع العلويين، ومثلما حصل في نهاية حزيران قتل 20 مسيحياً عقب عملية المخرب الانتحاري في كنيسة مار الياس في دمشق، يأتي الآن “دور” الدروز..
وإذا كان كذلك، فاستنتاجات إسرائيل، أن علينا الاستعداد ليس فقط تكتيكياً، أي إعطاء جواب موضعي لتهديدات الإرهاب وللهجمات على الدروز في سوريا، بل استراتيجياً – واقع من انعدام النظام والانزلاق إلى مواجهة سورية داخلية متجددة (وهذه المرة بدون عنوان مركزي واحد في صورة الأسد). كل هذا في ظل اتخاذ جانب الحذر من التدهور إلى مواجهات مع حليفة الشرع، تركيا، أو حرب استنزاف ضد المنظمات الإسلامية المتطرفة في سوريا. الواقع، أنه في صالح هذا الاستعداد، يجب الوصول إلى تفاهمات مع أكبر عدد ممكن من اللاعبين في الساحة الدولية، وبخاصة الولايات المتحدة التي احتضنت الشرع في منذ زمن غير بعيد.
د. يهودا بلنجا
إسرائيل اليوم 17/7/2025
القدس العربي
—————————–
ليبراسيون: الاشتباكات في السويداء تهزّ أركان السلطة في سوريا
تحت عنوان “الاشتباكات في السويداء تهزّ أركان السلطة في سوريا”، قالت صحيفة “ليبراسيون” الفرنسية إن الوضع خرج عن السيطرة تمامًا في محافظة السويداء جنوب سوريا. فعمليات القتل، والنهب، والسلب، والمجازر بحق عائلات بأكملها في هذه المنطقة ذات الأغلبية الدرزية أدّت إلى نزوح جماعي للسكان. وقد بلغ عدد القتلى، معظمهم من المقاتلين، أكثر من 300 قتيل.
وأدت الغارات الإسرائيلية المتصاعدة ضد القوات الحكومية المتمركزة في دمشق، حيث تم قصف مقر القيادة العامة للجيش، إلى توسيع دائرة المواجهة التي لم تعد سورية- داخلية فقط. وحذّر وزير الدفاع الإسرائيلي سوريا من أن تل أبيب ستوجه لها “ضربات موجعة”.
وأضافت الصحيفة الفرنسية أن أعمال العنف، التي كان يُخشى اندلاعها منذ اندلاع الاشتباكات، يوم الأحد، بين الميليشيات الدرزية والقبائل البدوية، والتي استدعت تدخل القوات الحكومية، أدت إلى فوضى شاملة، مذكّرةً بالسيناريو المأساوي على الساحل السوري، في شهر مارس، الذي أدى إلى مجزرة بحق العلويين.
وبعد فشل وقف إطلاق النار، الذي أُعلن صباح الثلاثاء من قبل وزير الدفاع السوري، إثر اتفاق مع وجهاء الدروز المحليين، حاولت قوات السلطة الجديدة في دمشق فرض سيطرتها على مدينة السويداء، لكنها قوبلت بمقاومة شرسة من الميليشيات الدرزية الرافضة لتواجد قوات السلطة الإسلامية في منطقتهم.
وأكدت وزارة الدفاع السورية أن “مجموعات خارجة عن القانون عاودت مهاجمة قوات الجيش والأمن الداخلي في المدينة” بعد إعلان وقف إطلاق النار، مضيفةً أن “الجيش يواصل الرد على مصادر النيران في المدينة”، ودعت الوزارة، عبر وكالة الأنباء الرسمية (سانا)، السكان إلى البقاء في منازلهم.
ويوم الأربعاء، وصلت تعزيزات من الرجال والعتاد، أُرسلت من دمشق ورافقها عناصر متطرفون غير منضبطين قادمين من شمال سوريا، إلى داخل المدينة، لكن هذه المرة بقوة السلاح والعنف.
وقال أحد السكان عبر تطبيق “واتساب”: “المتطرفون المجانين، الملتحون والمبعثرون الشعر من إدلب، والتركمان الذين رأيناهم على الساحل، اجتاحوا السويداء ليرتكبوا نفس الفظائع”.
وكما حدث مع مرتكبي مجزرة العلويين، تعهّدت الرئاسة السورية، يوم الأربعاء، بـ “معاقبة” من يرتكبون الانتهاكات في مدينة السويداء، حيث اتّهمت القوات الحكومية وحلفاؤها بعمليات إعدام ميدانية من قبل منظمات غير حكومية، وشهود، ومجموعات درزية.
وفي ظل حالة الذعر، فرّت الغالبية من سكان المدينة، البالغ عددهم 150 ألف نسمة نحو منطقة شهبا المجاورة، بينما تَوجّهَ الآلاف نحو الحدود مع إسرائيل، حيث تم صدّهم من قبل الجيش الإسرائيلي. وأُعلن عن وقف إطلاق نار جديد قبيل الساعة 17:30 بالتوقيت المحلي، تشير “ليبراسيون”.
وفي المقابل، عبّر الدروز الإسرائيليون عن تضامنهم مع إخوانهم في سوريا. وأطلق شيخ الطائفة الدرزية في إسرائيل نداءً إلى بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع، طالب فيه بـ”إجبار النظام السوري على الانسحاب من السويداء”، محذرًا من “خطر وجودي” يتهدد الدروز السوريين. وأعلن باقي مشايخ الدروز في إسرائيل عن إضراب عام وفوري للضغط على الحكومة كي تتدخل في سوريا. وقد باشرت الحكومة بالفعل بالتدخل، ما أثار قلقًا دوليًا من احتمال توسع الصراع على نطاق إقليمي.
وعبّرت فرنسا عن “قلقها البالغ” إزاء الاشتباكات، مستنكرة “الانتهاكات التي تستهدف المدنيين”. ودعت باريس إلى “الوقف الفوري للقتال” وحثّت جميع الأطراف على بذل كل ما في وسعهم لضمان أمن المدنيين، واستعادة الهدوء، وتعزيز السلام بين جميع مكونات المجتمع السوري، ولا سيما بين الدروز والمجتمعات الأخرى في السويداء. كما أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الفرنسية أن “فرنسا تدعم جهود السلطات الانتقالية السورية ومسؤولي منطقة السويداء لاستئناف الحوار، وتأمل في التوصل إلى اتفاق دائم يعزز وحدة سوريا واستقرارها وسيادتها وأمن جميع السوريين”.
من جانبه، دعا المبعوث الأمريكي، توم باراك، يوم الأربعاء، جميع الأطراف إلى “التراجع” والانخراط في حوار يهدف إلى التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار في سوريا. وقال في منشور على منصة “إكس”: “ندين بشكل قاطع العنف ضد المدنيين في السويداء. على جميع الأطراف التراجع والانخراط في حوار بنّاء يفضي إلى وقف دائم لإطلاق النار”. هذه الدعوات، التي توجه إلى “جميع الأطراف”، تعكس استمرار الثقة إلى حد ما في سلطات أحمد الشرع في سوريا، رغم أنها تبدو عاجزة في مواجهة هذه المحنة الداخلية والخارجية المزدوجة.
ومرة أخرى، تُظهِر القوات الحكومية فشلها في السيطرة على قواتها، ومنع تدخل المجموعات المتطرفة الخارجة عن السيطرة التي ارتكبت انتهاكات.
في الوقت ذاته، يبدو أن السلطة الإسلامية السورية غير قادرة على الرد على الهجمات الإسرائيلية المتزايدة شراسة، حتى في قلب دمشق. وتُطرح بشكل متزايد مسألة قدرة النظام السوري على إدارة البلاد والدفاع عنها، خاصةً أنه استفاد مؤخرًا من انفتاح دولي استثنائي، خصوصًا على المستوى الاقتصادي. وفي غياب أي بديل سوى الفوضى، يرى الزعيم الدرزي اللبناني وليد جنبلاط أن “الحوار هو الخيار الوحيد الممكن”، مقترحًا “خطة واضحة لاستعادة الأمن ودمج المقاتلين الدروز في الجيش النظامي السوري من خلال قرار مشترك بين السلطات الدرزية والسلطة المركزية”.
—————————–
نتنياهو : لن نسمح للنظام السوري بالتقدم جنوب دمشق
تل ابيب: تحدث رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، عن وضع سياسات “لنزع السلاح” من المنطقة الواقعة جنوب العاصمة السورية دمشق، حتى منطقة جبل الدروز جنوبي البلاد.
وقال نتنياهو، في بيان متلفز، الخميس: “لقد وضعنا سياسة واضحة؛ نزع السلاح من المنطقة الواقعة جنوب دمشق، من مرتفعات الجولان إلى منطقة جبل الدروز، وهذا أول خط”.
وزعم أن “الخط الثاني هو حماية الدروز في منطقة جبل الدروز”.
وأضاف نتنياهو: “ستكون هذه أيضًا سياستنا المستمرة، لن نسمح للقوات العسكرية بالنزول جنوب دمشق، ولن نسمح بإلحاق الأذى بالدروز في جبل الدروز”.
وجبل الدروز، ويسمى جبل العرب أو جبل حوران، يقع في جنوب سوريا، وهو عبارة عن امتدادات جبلية تمتد في محافظة السويداء، وترتفع القمم لتصل إلى أكثر من 1809 أمتار، وتنتشر على سفوحه عشرات البلدات.
وتستخدم إسرائيل ما تزعم أنها “حماية الدروز” ذريعة لتبرير انتهاكاتها المتكررة لسيادة سوريا، ومنها رغبتها في جعل جنوب سوريا “منزوع السلاح”.
لكن معظم زعماء الطائفة الدرزية بسوريا أكدوا، عبر بيان مشترك في وقت سابق، إدانتهم أي تدخل خارجي وتمسكهم بسوريا الموحدة، ورفضهم التقسيم أو الانفصال.
وأشار نتنياهو، في البيان المتلفز، إلى مهاجمة الجيش الإسرائيلي، أمس الأربعاء، الجيش السوري في السويداء.
وقال: “أضفتُ وزارة الدفاع في دمشق كهدف”.
والأربعاء، شن الجيش الإسرائيلي عدوانا كبيرا على سوريا، شمل غارات جوية على أكثر من 160 هدفا في 4 محافظات هي: السويداء ودرعا المتجاورتين، وريف دمشق ودمشق، التي قصف فيها مقر هيئة الأركان ومحيط القصر الرئاسي.
ولم تهدد الإدارة السورية الجديدة إسرائيل بأي شكل، ورغم ذلك تشن تل أبيب بوتيرة شبه يومية منذ أشهر غارات على سوريا، ما أدى إلى مقتل مدنيين، وتدمير مواقع عسكرية وآليات وذخائر للجيش السوري.
وذكر نتنياهو، أنه “تم التوصل إلى وقف إطلاق نار، وانسحبت القوات السورية عائدةً إلى دمشق، وهذا مهم”.
وزعم أنه “تم تحقيق وقف إطلاق النار هذا بالقوة. ليس بالطلبات، وليس بالتوسلات، بل بالقوة”.
ومنذ عام 1967 تحتل إسرائيل معظم مساحة هضبة الجولان السورية، واستغلت أحداث الإطاحة ببشار الأسد أواخر 2024، ووسعت رقعة احتلالها في الجولان، كما احتلت المنطقة العازلة السورية.
(الأناضول)
——————————-
بوساطة أميركية.. وقف إطلاق نار مرتقب في سوريا خلال 3 ساعات
2025.07.16
أعلن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أن تركيا تواصلت مع إسرائيل عبر وكالات الاستخبارات، ونقلت إليها وجهات نظرها ومقترحاتها المتعلقة بأزمة محافظة السويداء جنوبي سوريا.
وقال فيدان: “بوساطة أميركية سيُعلَن عن وقف إطلاق نار في سوريا خلال الساعات الثلاث المقبلة”.
سبق أن أعلن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو التوصّل إلى اتفاق بشأن خطوات محددة من شأنها أن تضع نهاية للتصعيد في سوريا اليوم.
وأكد روبيو أن إنهاء الوضع المقلق في سوريا يتطلب من جميع الأطراف الوفاء بالتزاماتها، مضيفاً أن هذا ما تتوقّعه بلاده منهم تماماً.
تطوّرات على أكثر من جبهة
تتسارع التطوّرات في الملف السوري على المستويَين السياسي والميداني، في ظل تصعيد إسرائيلي غير مسبوق استهدف منشآت حكومية ومدنية في دمشق والسويداء، بالتوازي مع تحرّكات دبلوماسية أميركية تقودها شخصيات رفيعة، على رأسها الرئيس دونالد ترمب، لاحتواء التوتر المتصاعد بين سوريا وإسرائيل.
وأعلن ترمب أنه تحدث مع الطرفَين السوري والإسرائيلي، مشيراً إلى وجود “سوء فهم” بين الجانبين، ومعرباً عن تطلّعه إلى خفض التوتر ومساعدة سوريا على الوصول إلى حالة من الاستقرار. تصريحات ترمب ترافقت مع مواقف مشابهة صدرت عن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الذي وصف الوضع في سوريا بـ”المعقّد”، وأكد أن واشنطن على تواصل مستمر مع دمشق وتل أبيب لاحتواء التصعيد.
من جانبه، كشف موقع “أكسيوس” عن اقتراب الولايات المتحدة من التوصل إلى اتفاق لوقف التصعيد بين سوريا وإسرائيل، في ظل مؤشّرات متزايدة على تحرّكات دبلوماسية متسارعة لمنع انزلاق الأوضاع نحو مواجهة أوسع في المنطقة.
———————–
هل يحرق الانتقام وحلق الشوارب في السويداء أصابع الجيش السوري؟/ مصطفى رستم
مراقبون يعدونه رداً من السلطة على زيارة شيوخ الطائفة إسرائيل وآخرون يشيرون إلى ميليشيات غير تابعة للحكومة
الأربعاء 16 يوليو 2025
تتعرض السويداء إلى موجة عنف على خلفية توترات أمنية، واقتتال بين مجموعات مسلحة تحولت إلى صورة من صور الاقتتال الطائفي، مما دفع وزارة الدفاع إلى زج فصائل عسكرية تتبعها لإحكام السيطرة على المدينة وريفها، بعدما ظلت خارج حكم السلطات السورية الجديدة منذ سقوط نظام الأسد.
موس الحلاقة أخذ طريقه ينتزع الشعر الأبيض الكثيف البادي على وجه رجل مسن من أهالي محافظة السويداء جنوب سوريا، ولم تكتف أيادي شاب يرتدي سترة عسكرية بإزالة الشعر لكن الإهانات كانت مصاحبة لإذلاله، ولم يشفع تضرعه بعدم امتلاكه للسلاح بأن يتابع إهانته بلا أدنى رحمة.
مقطع مصور يظهر به عناصر مسلحة يعتقد أنهم من أفراد الجيش الحكومي يتعمدون إهانة الرجل المسن، مما أثار موجة غضب عارمة. مشهد يختزل انهيار القيم الإنسانية والأخلاقية ضمن معركة لا تزال تدور في جبل العرب “الأشم”، كما اعتاد السوريون نعته بما يمثل رمز الكرامة والشهامة والنخوة التي طالما اعتز بها أهالي الجبل ورجاله.
وتتعرض السويداء إلى موجة عنف على خلفية توترات أمنية واقتتال بين مجموعات مسلحة، تحولت إلى صورة من صور الاقتتال الطائفي، مما دفع وزارة الدفاع إلى زج فصائل عسكرية تابعة لها لإحكام السيطرة على المدينة وريفها، بعدما ظلت خارج حكم السلطات السورية الجديدة منذ سقوط نظام الأسد.
ومع إعلان دخول القوات الحكومية مدينة السويداء (تبعد 120 كيلومتراً من دمشق) ضجت وسائل التواصل الاجتماعي من نشر وبث مقاطع توثق، بلغة لا تخلو من التهكم والتنمر وصوت يعلو به خطاب الكراهية، انتهاكات بحق المدنيين العزل وصلت إلى إعدامات بحقهم، وتعذيب وإذلال وسط تباهي أفراد من القوات الحكومية بقص شوارب رجال وشبان من أبناء المنطقة، مما يزيد من أوار الفتنة وأوزارها ويزرع أحقاداً بعد كل هذا الانتقام المجحف بحق قاطني المدينة.
وليست الشوارب المفتولة لدى أبناء جبل العرب قاصرة في معناها على المظهر الشكلي وحسب، بل تعد تقليداً متأصلاً لدى أهل السويداء له دلالاته، ويرمز إلى الشموخ والعزة والكرامة، من ثمَّ نشرت أوساط شعبية من جميع مشارب السوريين واتجاهاتهم الدينية والسياسية منشورات استنكار عبر حساباتهم الشخصية والعامة، تستهجن ما يحدث من إهانات وحلق لشوارب، مُطالبة بوقف الاقتتال ومحاسبة فورية وعلنية لمرتكبي هذه الجرائم في حق الإنسانية.
ووثقت المشاهد المصورة ظهور ناشطين إعلاميين أثناء دخول الجيش السوري إلى السويداء يصورون حلق الشوارب بلغة استهزاء تجاه رمز من رموز الرجولة، وبطريقة كلامية تختزل فوزاً ميدانياً على مدينة بعدما استعصت عن الخضوع للدولة منذ الثامن من ديسمبر (كانون الأول) 2024، بعد سقوط الرئيس السابق بشار الأسد وهربه إلى العاصمة الروسية موسكو.
ظهور عسكري
في المقابل، يتحدث مراقبون أن الأمر يؤكد تورط عناصر الجيش والأمن الحكومية، وانخراط أفراد شرطة عسكرية تواجدوا لوقف هذه الانتهاكات في حق أبناء السويداء، لكن ما زاد الأمر تعقيداً كان ظهور اثنين من عناصر الشرطة يحملان مقصات ضمن مقاطع مصورة بثها ناشطون ويعمدان إلى قص شوارب أحد الرجال.
وتبدي الناشطة الحقوقية من السويداء رفا أبو مغضب في حديث إلى “اندبندنت عربية” استغرابها مما تشهده مدينتها من هجوم غير مسبوق على البشر، ولا سيما الطريقة المهينة في حق رجال البلد بحلق شواربهم وما صاحبه من إهانات، وسط تسجيل اعتقالات تعسفية ونزوح القاطنين إلى القرى الشرقية، ومن بقي يخشى عليه، وفق رأيها، بعد اقتحام عناصر مسلحة البيوت وسرقتها وقتل العزل.
وأشارت أبو مغضب إلى انقطاع الماء والكهرباء، والخدمات شبه متوقفة، علاوة عن استنزاف مستشفى المدينة وضعف قدرته على استيعاب الجرحى وجثث القتلى، مع توقف الأفران عن العمل، إضافة إلى ما يشاع عن تلويث المياه من قبل “البدو” وسط خطاب كراهية معلنة وتوثيق لأفعالهم.
وأضافت الناشطة الحقوقية “إنها جريمة منظمة ولابد من تدخل دولي لإنهاء المأساة، وأبناء الجبل لديهم عقيدة ثابتة ومنبت متأصل بأنه حرم الاعتداء عليه ومنه، ابن الجبل يدافع ببسالة عن أرضه وعرضه ولن يكون نسخة عن أولئك المرتزقة الذين ينكلون، ويعدون دخولهم وسرقتهم للأرزاق غنيمة حرب”.
“أصبح الدروز أعداء فجأة”، هكذا تعبر أبو مغضب عن موقفها وفي حديثها نبرة يشوبها الأسى على مفارقة الأقارب والأصدقاء، منهم طبيبة ومدنيون يقطنون حارات السويداء الوديعة “فقط لأنهم طالبوا بالعدالة الانتقالية، ونظام حكم مقبول، من لا يميز بين الفيدرالية مثلاً واللامركزية ونقيضهما التقسيم، تصبح تهمة تلوكها الأفواه ضد معتدلي الرأي بغياب القانون والرادع الخلقي”.
انتهاكات وانتقام
ويرى المدير التنفيذي لمنظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” بسام الأحمد أنه “من الواضح أن الانتهاكات الموثقة هي لعناصر من وزارتي الدفاع والداخلية، وشاهد الجميع إهانات وتعذيباً وقتلاً خارج نطاق القضاء، وفي الوقت نفسه انتهاكات من المجموعات المسلحة في السويداء، لكن التجاوزات التي يرتكبها عناصر وزارتي الدفاع والداخلية والميليشيات التابعة لهما كبيرة، وفيها حرق منازل ونهب وعمليات إعدام وعدد هائل وغير مقبول من الألفاظ بحق الدروز ووصفهم بالخنازير، وأيضاً قضايا الإهانات والإذلال وحلق الشوارب”.
وعن تفسيره للتجاوزات التي تدور، يرى الأحمد أن “هذه العمليات واسعة الانتشار ولكن ليست انتهاكات فردية، لأن الفردية تكون عن حالات محدودة، لكننا اليوم نتحدث عن حالات كثيرة من القتل والنهب وفيديوهات إهانة، وواضح تعمد إذلال الناس من الطائفة الدرزية خصوصاً”.
في غضون ذلك أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان بتعرض عدد من الأهالي لعمليات إذلال وقص شوارب الرجال “عنوة”، مع توافر معلومات عن مصرع 12 مدنياً من الطائفة الدرزية ضمن عملية إعدام ميدانية نفذتها قوات الأمن السورية في مضافة بمدينة السويداء، التي دخلتها خلال وقت سابق أمس الثلاثاء.
ويعزو متابعون للمشهد الخلاف الذي بات واضحاً بين حكومة دمشق ووجهاء السويداء إلى نفاد صبر الإدارة الجديدة، نتيجة انفلات السلاح بأيدي المجموعات داخل الجنوب السوري، فضلاً على الاستقواء بالخارج وطلب حماية دولية، وكذلك الاتهامات بتنسيق شيوخ الطائفة مع إسرائيل التي تستغل حال الاختلاف ونشرت جيشها متجاوزاً المنطقة العازلة، والمناداة بحماية الطائفة الدرزية في سوريا، وتحليق الطيران الإسرائيلي وقصفه مواقع عسكرية حكومية في المعارك الحالية أو السابقة داخل ريف دمشق.
في المقابل، يذهب فريق موالٍ للسلطات السورية إلى اعتبار تعنت شيخ عقل الطائفة الدرزية حكمت الهجري سبباً رئيساً لما يحدث، وجاء في تصريح للإعلامي السوري المقرب من الحكومة موسى العمر “لم تدخل القوات السورية إلا بعد نداء أهلها بالدخول لحماية المدنيين من المجموعات المسلحة، والدولة تحملت كل أنواع الأذى والتطاول”.
——————————-
أميركا “السورية” والانفتاح الناقص/ رفيق خوري
ما يهم واشنطن في دمشق هو العداء لإيران والانفتاح على إسرائيل وترتيبات تشريعية للاستثمارات الأجنبية
الأربعاء 16 يوليو 2025
الحل البسيط لمجتمع متنوع وتعقيداته مثل سوريا هو نظام ديمقراطي في دولة مواطنة مدنية لا أكثرية ولا حلف أقليات (أ ف ب)
ملخص
الكل يعرف أن مشكلة سوريا لا يحلها نظام مركزي ولا نظام لا مركزي ولا نظام فيدرالي، فالنظام الرئاسي المركزي الشديد جعل سوريا صحراء سياسية بعدما كانت تنبض بالحيوية السياسية أيام النظام الديمقراطي البرلماني.
أميركا لا تلعب مع أي بلد من دون أهداف لها تتعلق ببلدان أخرى، وهذا ليس اختراع الرئيس دونالد ترمب والإدارات السابقة، بل تقليد مكرس لدى الـ “استبلشمنت” أو الدولة العميقة مهما تغيرت الإدارات، وهذا ما يفسر الانفتاح الأميركي على سوريا وإدارتها الجديدة من دون التشدد في لائحة المطالب التي تسلمتها دمشق من موفدي إدارة الرئيس السابق جو بايدن، ثم من موفدي إدارة ترمب مع وضعها تحت المراقبة.
ما يهم واشنطن في دمشق هنا هو ثلاثة أمور من بين 10 أخرى على اللائحة، مرشحة للتغاضي عنها مع تحقيق الأمور الثلاثة، وهي أولاً العداء لطهران ومنع أي نفوذ إيراني وأي خلايا مرتبطة بالحرس الثوري أو “حزب الله” اللبناني، وثانياً وقف العداء مع إسرائيل وبدء التفاوض معها مباشرة وبالواسطة في الجنوب السوري وأذربيجان وعُمان والإمارات، وثالثاً ترتيب الإطار التشريعي والقانوني لضمان الاستثمارات الأجنبية وأولها الأميركية، وهذا ما فعلته بنجاح وسرعة إدارة الرئيس أحمد الشرع.
ذلك أن سوريا هي حتى الآن قصة فشل للنظام السابق في رهان على أن تصبح قصة نجاح للإدارة الجديدة التي وجهت الضربة القاضية خلال ربع الساعة الأخير لنظام متهالك قضى على الدولة قبل القضاء عليه، أما مئات الألوف من الذين تظاهروا في الشوارع وتعرضوا للقمع والعنف والسجن والقتل وقاتلوا النظام بين عامي 2011 و2024، فإنهم لا يزالون خارج المشاركة في بناء سوريا الجديدة، وأما شعار “القضاء على الأقليات” بعد تكفيرها على يد فصائل سلفية جهادية مرتبطة بالإدارة الجديدة أو خارجها، فإنه عملياً قضاء على حق الأكثرية التي لم تكن ولن تكون إلا “وسطية” لا سلفية، وبالتالي على المجتمع السوري المتنوع، فالسلفية الجهادية لا تبني دولة ولا تحافظ على مجتمع ولا تعمل إلا بالقتل والإقصاء.
ولا أحد يعرف مدى الانفتاح والمشاركة الذي يريد أو يستطيع الرئيس أحمد الشرع الذهاب إليه، لكن مرحلة انتقالية لخمسة أعوام زمن طويل، وإمساك المقربين بمفاصل السلطة الأساس مع أقل قدر من الخبرة والعلم هو وصفة لتركيب نظام يشكل الوجه الآخر للنظام المنهار، وترتيب الأولويات بما يعني تأخير المعالجة الضرورية للسوريين اللاجئين في الخارج والنازحين في الداخل، وهم يشكلون نحو نصف الشعب، ليس تسريعاً للنهوض الاقتصادي بمقدار ما هو إبطاء له، فما حدث في تفجير الكنيسة في دمشق ليس صاعقة في سماء صافية وقد سبقته مجازر الساحل والاعتداءات على جرمانا وصحنايا والسويداء، وما يحدث من قتل لأشخاص وعائلات بشكل يومي، ويوضع في باب الحوادث الفردية، هو في الواقع متأثر بمناخ عام لا تزال معالجته مقصرة أو بطيئة أو مجرد بيانات من ورق.
وليس أمراً قليل الدلالات أن يضع ديفيد أوتاواي ومارينا أوتاواي في كتاب “قصة أربعة عوالم في المنطقة العربية” العراق وسوريا ولبنان “في قائمة اللادول”، فما فعلته حرب سوريا عبر سياسة بشار الأسد وسياسة معارضيه في تيار الإسلام السياسي المتشدد هو قتل مفهوم المواطنة لمصلحة الهويات الطائفية، وما لم يتقدم بعد كما يجب هو مفهوم الشراكة الوطنية في إدارة البلد، وحسناً فعلت دمشق بالإعلان “أن المطلوب هو العودة للهوية الوطنية الجامعة والدخول في مشروع الدولة الوطنية السورية الجامعة”.
لكن السؤال هو: هل يمكن القول إن السلطة الانتقالية تعمل كل ما تستطيع لحماية الهوية الوطنية الجامعة من دعاة حرب الهويات، وتبني مشروع الدولة الوطنية السورية الجامعة؟
مهما يكن الجواب فإن الحاجة ماسة إلى الانفتاح في الداخل إضافة إلى الانفتاح الخارجي وعلى الخارج، فالانفتاح على الداخل يبدو في سرعة السلحفاة، والانفتاح على الخارج في سرعة الأرنب، شيء من “فورد بودعسة” (سيارة قديمة) وشيء من طائرة نفاثة.
ومن الوهم تجاهل التعقيدات في المسألة الكردية بعد حرب سوريا وقيام “قسد” والإدارة الذاتية بحكم شرق الفرات على مساحة لا تقل عن ثلث مساحة سوريا، فضلاً عن حماية القوات الأميركية للكرد والتحالف معهم ضد “داعش”، وإذا كانت المركزية واللامركزية وحتى الفيدرالية هي العنوان الكبير للخلاف بين الإدارة السورية وتجمع القوى الكردية، فإن سوريا ليست مشكلة بلا حل على طريق القول إن كل مشكلة لا حل لها ليست مشكلة.
والكل يعرف أن مشكلة سوريا لا يحلها نظام مركزي ولا نظام لا مركزي ولا نظام فيدرالي، فالنظام الرئاسي المركزي الشديد جعل سوريا صحراء سياسية بعدما كانت تنبض بالحيوية السياسية أيام النظام الديمقراطي البرلماني، والنظام اللامركزي الرخو يشكل خطورة على بلد ممزق عملياً وفي حاجة إلى توحيد، والنظام الفيدرالي الناجح في أميركا وسويسرا وألمانيا ودول عدة يصعب أن ينجح في سوريا ولبنان، حيث الخلاف على قضايا السياسة الخارجية والدفاعية التي يجب أن تكون في يد المركز.
أما الحل البسيط لمجتمع متنوع وتعقيداته مثل المجتمع في سوريا والمجتمع في لبنان فإنه النظام الديمقراطي في دولة مواطنة مدنية، لا أكثرية ولا حلف أقليات، وقبل أكثر من 2000 عام قال أرسطو في أثينا “إن الدولة هي جماعة مواطنين عاقلين أحرار لا جماعة مؤمنين”، ولا مكان ونجاح لدولة دينية في القرن الـ 21، ولن يصمد اليوم الرهان على ما سماها المحلل الفرنسي جيل كييل “الطبقة الثالثة من السلفية الجهادية”، و”كي نفهم الحياة يجب أن نتطلع إلى الوراء، وكي نحيا يجب التطلع إلى الأمام”، كما يقول الفيلسوف سورين كيركيغارد.
——————————–
الرئاسة السورية تدين الانتهاكات في السويداء وتتعهد بمحاسبة مرتكبيها
دمشق: «الشرق الأوسط»
16 يوليو 2025 م
أدانت الرئاسة السورية في بيان اليوم الأربعاء الانتهاكات التي وقعت في محافظة السويداء في جنوب البلاد، متعهدة بمحاسبة مرتكبيها.
وجاء في البيان: «تابعت الدولة السورية باهتمام بالغ الانتهاكات المؤسفة التي طالت بعض المناطق في محافظة السويداء مؤخرا. إن هذه الأفعال، التي تندرج ضمن السلوكيات الإجرامية وغير القانونية، لا يمكن قبولها تحت أي ظرف من الظروف، وتتنافى تماما مع المبادئ التي تقوم عليها الدولة السورية».
وأضاف البيان أن الحكومة السورية تدين بشدة «هذه الأعمال المشينة»، وتؤكد التزامها التام بالتحقيق في جميع الحوادث المتعلقة بها ومحاسبة كل من ثبت تورطه فيها.
وتابع: «إن أي جهة مسؤولة عن هذه الأعمال، سواء كانت فردية أو منظمات خارجة عن القانون، ستتعرض للمحاسبة القانونية الرادعة ولن نسمح بمرورها دون عقاب».
وأكدت الرئاسة أنها تضع أولوية قصوى لحماية الأمن والاستقرار في جميع أنحاء سوريا.
وأكملت في بيانها: «نؤكد لأهلنا في السويداء أن حقوقهم ستكون دائما مصونة، وأننا لن نسمح لأي طرف بالعبث بأمنهم واستقرارهم».
وارتفع عدد القتلى جراء أعمال العنف في السويداء إلى 248 قتيلا، وفق حصيلة أوردها «المرصد السوري لحقوق الإنسان» الأربعاء، في وقت أفاد مراسلان لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» بسماع دوي قصف متقطع في أنحاء المدينة.
واندلعت الاشتباكات الأحد في محافظة السويداء ذات الغالبية الدرزية بين مسلحين دروز وآخرين من البدو السنة على خلفية عملية خطف.
وجرى نشر قوات سورية بالمحافظة يوم الاثنين للسيطرة على المواجهات، لكن الأمر انتهى بها للاشتباك مع المسلحين الدروز. وتدّخلت إسرائيل بشن غارات جوية على القوات الحكومية الاثنين والثلاثاء، وقالت إن الهدف حماية الدروز.
وبعد ساعات من إعلان وقف لإطلاق النار، تجددت الاشتباكات بين قوات الحكومة السورية والمقاتلين الدروز صباح اليوم الأربعاء.
ووسّعت إسرائيل ضرباتها لتشمل مجمع الأركان العامة في دمشق، اليوم، بعدما اقتصرت الغارات في اليوم السابق على السويداء ودرعا في جنوب سوريا.
——————————-
محللان عسكريان: التصعيد الإسرائيلي بسوريا خطير ببعديه الداخلي والإقليمي
16/7/2025
يرى محللان عسكريان أن التصعيد الإسرائيلي في سوريا يرتبط بمساعي الاحتلال لفرض سيطرته على المناطق المتاخمة له، وبمحاولاته تقسيم سوريا وإضعافها عبر استخدام الورقة الطائفية التي فشل فيها في السابق.
واستغل الاحتلال الإسرائيلي الأحداث الجارية في محافظة السويداء جنوبي سوريا، واعتدى على الأراضي السورية، حيث قصف ظهر اليوم وسط العاصمة دمشق، بحسب قناة الإخبارية السورية، في حين أعلن مصدر أمني إسرائيلي أن الجيش أغار على مدخل مقر الأركان، في رسالة موجهة للرئيس أحمد الشرع بشأن أحداث السويداء، بحسب هيئة البث الإسرائيلية.
وتوعد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بمواصلة مهاجمة قوات الحكومة السورية حتى تنسحب من السويداء، التي شهدت مواجهات مسلحة بين مجموعات درزية وأخرى بدوية، وخلفت سقوط قتلى وجرحى.
وحسب العقيد الركن المتقاعد نضال أبو زيد، فإن الاحتلال الإسرائيلي يستغل أحداث السويداء من أجل استهداف سوريا، معتمدا على تحريك أذرعه واللعب على الورقة الطائفية، رغم فشله أكثر من مرة في ذلك.
فقد حاول الاحتلال الإسرائيلي استخدام ورقة العلويين في الساحل وورقة الأكراد في الرقة، ولكنه فشل في المحاولتين، وهو الآن يستخدم ورقة الدروز عبر أحد أذرعه وهو حكمت الهجري الذي يقول أبو زيد إن الاحتلال قد يوفر له السلاح والذخيرة كما حدث قبل عدة أشهر.
ورغم أن الجانب الأميركي قد طلب منه أمس خفض التصعيد وعدم قصف العمق السوري، فإن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو -يضيف أبو زيد في تحليل للمشهد السوري- قد اتخذ قراره بالتصعيد مستغلا جلسة محاكمته لإفسادها.
وفي السياق، أفادت وسائل إعلام إسرائيلية، اليوم الأربعاء، بتوقف مفاجئ في جلسة محاكمة نتنياهو -المطلوب لـ المحكمة الجنائية الدولية لارتكابه جرائم حرب في غزة- بعد تلقيه تحديثا أمنيا طارئا، مما دفعه إلى مغادرة قاعة المحكمة في تل أبيب.
كما ربط أبو زيد بين التصعيد الإسرائيلي في سوريا وبين “فشل الاجتماع الذي عقد في أذربيجان بين سوريا وإسرائيل”، ورفض الجانب السوري للمطالب وللضغوط الإسرائيلية.
سيناريو
وعن عبور دروز السياج الحدودي في منطقة مجدل شمس إلى داخل سوريا، قال أبو زيد إن هناك محاولات لإقناع الدروز في إسرائيل بضرورة العودة إلى سوريا من أجل دعم الدروز الموجودين في السويداء، رغم عدم وجود تواصل جغرافي بين الطرفين.
ورجح أن تكون إسرائيل بصدد إعادة استنساخ نموذج جنوب لبنان عندما شكلت مليشيات لحد، وهو سيناريو يطرح في مطابخ الأمن الإسرائيلية، لكن نجاحه غير مضمون لأن الدروز في سوريا ليسوا كتلة واحدة وهناك من يدين بالولاء للدولة السورية.
وفي تعليقه على أحداث السويداء، يرى الخبير العسكري والإستراتيجي العميد الركن حسن جوني -في تحليل للأوضاع في سوريا- أن التطورات المتلاحقة مقلقة وخطيرة وخاصة أنها بدأت تأخذ بعدا إقليميا مع التدخل الإسرائيلي الذي وصل حد قصف العاصمة دمشق وتوجيه إنذار إلى الحكومة السورية بوقف دخولها إلى السويداء وسحب عناصرها من هناك.
وقال إن التدخل الإسرائيلي جاء وفق وتيرة تخدم مصالحه، ويرمي لتحقيق أهداف إستراتيجية وهي إحكام سيطرته على المناطقة المتاخمة لإسرائيل، مشيرا إلى أن الاحتلال سيمارس ضغطه العسكري على سوريا، لأنه يرمي إلى تقسيم سوريا أو توزيعها بين كيانات طائفية لإضعاف البلد.
المصدر: الجزيرة
————————————
صحف عالمية: الفجوة تتسع بين دمشق وتل أبيب والأخيرة تواصل عزل نفسها
17/7/2025
ركزت صحف عالمية على التصعيد العسكري الإسرائيلي ضد سوريا الذي قالت إنه يعكس اتساع الفجوة بين تل أبيب ودمشق بشكل متزايد، رغم انفتاح الأخيرة على الحوار، مشيرة إلى أن إسرائيل تواصل عزل نفسها.
فقد لفتت صحيفة “وول ستريت جورنال” إلى أن الهجمات الإسرائيلية على العاصمة دمشق ومناطق أخرى “تفاقم الأزمة في سوريا رغم انفتاح القيادة الجديدة على الحوار من أجل وقف الأعمال العدائية”، وقالت إن توترات السويداء الأخيرة تظهر اتساع الفجوة بين الجانبين بشكل متواصل.
كما وصفت “واشنطن بوست” استهداف دمشق بأنه تصعيد إسرائيلي ضد القيادة السورية الجديدة التي تواجه اضطرابات طائفية داخلية، مشيرة إلى أن الولايات المتحدة التي اتخذت خطوات لتخفيف عزلة سوريا بما في ذلك رفع العقوبات “لم تدع إسرائيل علنا إلى وقف هجماتها”.
إسرائيل تعزل نفسها
وفي فرنسا، نقلت صحيفة “لوموند” عن باحثة متخصصة في متابعة الرأي العام الإسرائيلي أن إسرائيل “تعزل نفسها بنفسها بينما تغرق في أطول وأفظع حرب خلال تاريخها”. وقالت الباحثة إن هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، “مثال واضح على ما يمكن أن يحدث عندما يحاول الإسرائيليون عزل بعض مكونات المجتمع الفلسطيني”.
أما صحيفة “الغارديان” فنشرت تقريرا حمل انتقادات لاذعة من منظمات حقوقية للاتحاد الأوروبي بسبب رفض ممثليه تأييد أي عقوبات ضد إسرائيل على خلفية الحرب التي تخوضها في قطاع غزة.
وذكر التقرير أن المنظمات الحقوقية وفي مقدمتها العفو الدولية “اعتبرت الخروج من اجتماع عقد الثلاثاء الماضي دون معاقبة إسرائيل رغم كل الانتهاكات التي ترتكبها بمثابة خيانة للشعب الفلسطيني”.
خطوة خطيرة
وفي صحيفة “يديعوت أحرونوت”، سلط تقرير الضوء على حضور السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي، جلسة لمحاكمة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية”. وقال التقرير إن دبلوماسيين إسرائيليين كبارا، سابقين وحاليين، انتقدوا بشدة الخطوة باعتبارها تدخلا في الشؤون الداخلية.
ونقل عن أحدهم أن انتقاد سفير دولة عظمى للنظام القضائي الذي يعتبر درعا يحمي عمليات الجيش الإسرائيلي على الساحة الدولية “خطوة خطيرة جدا”.
المصدر: الجزيرة
————————–
الشرع في كلمة متلفزة: إسرائيل تحاول تمزيق وحدتنا.. والسويداء لن تكون ساحة فتنة
17/7/2025
وجّه الرئيس السوري أحمد الشرع مساء الأربعاء كلمة متلفزة، علّق فيها على الأحداث الدامية التي شهدتها محافظة السويداء، مؤكدًا أن ما جرى ليس سوى محاولة جديدة من الكيان الإسرائيلي لضرب استقرار البلاد وجرّ السوريين إلى صراع داخلي يخدم مصالح خارجية.
وفي مستهل كلمته، قال الرئيس الشرع: “لقد خرج شعبنا في ثورة من أجل نيل حريته، فانتصر فيها وقدم تضحيات جسيمة، ولا يزال هذا الشعب على أهبة الاستعداد للقتال من أجل كرامته في حال مسها أي تهديد”.
وأكد أن إسرائيل، التي لطالما سعت إلى ضرب الاستقرار السوري منذ سقوط النظام السابق، عادت مجددًا لمحاولة تحويل الأرض السورية إلى ساحة فوضى: “إن الكيان الإسرائيلي الذي عوّدنا دائمًا على استهداف استقرارنا وخلق الفتن بيننا منذ إسقاط النظام البائد، يسعى الآن مجددًا إلى تحويل أرضنا الطاهرة إلى ساحة فوضى غير منتهية، يسعى من خلالها إلى تفكيك وحدة شعبنا وإضعاف قدراتنا على المضي قدمًا في مسيرة إعادة البناء والنهوض”.
تحذير من سياسة زرع النزاعات والتقسيم
وحذّر الشرع من أن تل أبيب تواصل محاولات إثارة الصراعات والنزاعات داخل البلاد: “إن هذا الكيان لا يكفّ عن استخدام كلّ الأساليب في زرع النزاعات والصراعات، غافلًا عن حقيقة أن السوريين، بتاريخهم الطويل، رفضوا كلّ انفصال وتقسيم”.
رسالة تحدٍّ: لسنا من يبدأ الحروب لكننا نعرف كيف ننهيها
وفي لهجة تحدٍّ واضحة، أضاف الرئيس: “إنّ امتلاك القوة العظيمة لا يعني بالضرورة تحقيق النصر، كما أنّ الانتصار في ساحة معينة لا يضمن النجاح في ساحة أخرى، قد تكون قادرًا على بدء الحرب ولكن ليس من السهل أن تتحكم في نتائجها، فنحن أبناء هذه الأرض، والأقدر على تجاوز كلّ محاولات الكيان الإسرائيلي الرامية إلى تمزيقنا، وأصلب من أن تزعزع عزيمتنا بفتنٍ مفتعلة”.
وأكد الشرع أن الدولة السورية تدرك من يقف وراء الفتنة، ولن تمنح أعداء البلاد فرصة إشعالها: “نحن، أبناءَ سوريا، نعرف جيدًا من يحاول جرّنا إلى الحرب، ومن يسعى إلى تقسيمنا، ولن نعطيهم الفرصة بأن يورّطوا شعبنا في حرب يرغبون في إشعالها على أرضنا، حرب لا هدف لها سوى تفتيت وطننا وتشتيت جهودنا نحو الفوضى والدمار، فسوريا ليست ساحة تجارب للمؤامرات الخارجية، ولا مكان لتنفيذ أطماع الآخرين على حساب أطفالنا ونسائنا”.
الدولة السورية مظلة الجميع
وأضاف: “إنّ الدولة السورية هي دولة الجميع، وهي كرامة الوطن وعزته، وهي حلم كلّ سوري في أن يرى وطنه يعيد بناء نفسه من جديد، من خلال هذه الدولة، نتّحد جميعًا دون تفرقة، من أجل أن نعيد لسوريا هيبتها، ونضعها في مقدمة الأمم التي تعيش في أمن واستقرار”.
وتابع الرئيس السوري مؤكدًا ضرورة الاصطفاف الوطني خلف الدولة: “إنّ بناء سوريا جديدة يتطلب منا جميعًا الالتفاف حول دولتنا، والالتزام بمبادئها، وأن نضع مصلحة الوطن فوق كلّ اعتبارٍ فردي أو مصلحةٍ محدودة، إنّ ما نحتاجه اليوم هو أن نكون جميعًا شركاء في هذا البناء، وأن نعمل يدًا بيد لنتجاوز جميع التحديات التي تواجهنا”.
وشدد على أن “الوحدة هي سلاحنا، والعمل الجاد هو طريقنا، وإرادتنا الصلبة هي الأساس الذي سنبني عليه هذا المستقبل الزاهر”.
رسالة خاصة إلى أبناء الطائفة الدرزية
وفي رسالة مباشرة إلى أبناء الطائفة الدرزية، قال الرئيس الشرع: “أخصّ في كلمتي هذه أهلنا من الدروز الذين هم جزء أصيل من نسيج هذا الوطن، إنّ سوريا لن تكون أبدًا مكانًا للتقسيم أو التفتيت أو زرع الفتن بين أبنائها، نؤكد لكم أن حماية حقوقكم وحريتكم هي من أولوياتنا، وأننا نرفض أي مسعًى يهدف لجرّكم إلى طرف خارجي أو لإحداث انقسامٍ داخل صفوفنا، إننا جميعًا شركاء في هذه الأرض، ولن نسمح لأي فئة كانت أن تشوّه هذه الصورة الجميلة التي تعبّر عن سوريا وتنوعها”.
ثم تطرّق الشرع إلى ما حصل مؤخرًا في السويداء من صدامات مسلحة، موضحًا: “لقد تدخلت الدولة السورية بكلّ مؤسساتها وقياداتها، وبكلّ إرادة وعزم، من أجل وقف ما جرى في السويداء من قتالٍ داخلي بين مجموعات مسلحة من السويداء، ومن حولهم من مناطق، إثر خلافات قديمة”.
وأكد أن بعض الأطراف المحلية لم تتعاون مع جهود التهدئة: “بدلًا من مساعدة الدولة في تهدئة الأوضاع ظهرت مجموعات خارجة عن القانون اعتادت الفوضى والعبث وإثارة الفتن، وقادة هذه العصابات هم أنفسهم من رفضوا الحوار لشهور عديدة، واضعين مصالحهم الشخصية الضيقة فوق مصلحة الوطن”.
جهود الدولة لإعادة الاستقرار رغم تدخلات إسرائيلية
وأشار الرئيس إلى أن الدولة نجحت في استعادة الاستقرار رغم التدخلات الإسرائيلية التي حاولت عرقلة الحل السياسي: “لقد نجحت جهود الدولة في إعادة الاستقرار وطرد الفصائل الخارجة عن القانون، رغم التدخلات الإسرائيلية، وهنا لجأ الكيان الإسرائيلي إلى استهداف موسّع للمنشآت المدنية والحكومية لتقويض هذه الجهود، ما أدى إلى تعقيد الوضع بشكل كبير، ودفع الأمور إلى تصعيد واسع النطاق، لولا تدخل فعال للوساطة الأمريكية والعربية والتركية التي أنقذت المنطقة من مصير مجهول”.
وأوضح أن الحكومة واجهت خيارين مصيريين: “لقد كنا بين خيارين، الحرب المفتوحة مع الكيان الإسرائيلي على حساب أهلنا الدروز وأمنهم، وزعزعة استقرار سوريا والمنطقة بأسرها، وبين فسح المجال لوجهاء ومشايخ الدروز للعودة إلى رشدهم، وتغليب المصلحة الوطنية على من يريد تشويه سمعة أهل الجبل الكرام”.
لسنا من يخشى الحرب.. لكننا نغلّب مصلحة الشعب
وأضاف الشرع: “لسنا ممّن يخشى الحرب، ونحن الذين قضينا أعمارنا في مواجهة التحديات والدفاع عن شعبنا، لكننا قدّمنا مصلحة السوريين على الفوضى والدمار، فكان الخيار الأمثل في هذه المرحلة هو اتخاذ قرار دقيق لحماية وحدة وطننا وسلامة أبنائه، بناء على المصلحة الوطنية العليا”.
تفويض الفصائل المحلية والمشايخ لضبط الأمن
وفي خطوة تهدف إلى التهدئة، أعلن الرئيس تكليف قيادات محلية بإدارة الوضع الأمني: “لقد قرّرنا تكليف بعض الفصائل المحلية ومشايخ العقل بمسؤولية حفظ الأمن في السويداء، مؤكدين أن هذا القرار نابع من إدراكنا العميق لخطورة الموقف على وحدتنا الوطنية، وتجنب انزلاق البلاد إلى حرب واسعة جديدة قد تجرّها بعيدًا عن أهدافها الكبرى في التعافي من الحرب المدمرة وإبعادها عن المصاعب السياسية والاقتصادية التي خلّفها النظام البائد”.
وختم الرئيس السوري كلمته بالتشديد على سيادة القانون وحماية الأهالي: “فإننا حريصون على محاسبة من تجاوز وأساء لأهلنا الدروز، فهم في حماية الدولة ومسؤوليتها، والقانون والعدالة يحفظان حقوق الجميع دون استثناء، ونؤكد الحفاظ على وحدة البلاد واستقرارها وسلامة أهلنا والعمل على تأمين مستقبل أبنائهم، بعيدًا عن أي مخاطر قد تقوّض مسار النهوض والتعافي الذي نخوضه بعد تحرير بلادنا”.
المصدر: الجزيرة مباشر
——————————-
اجتماع طارئ لمجلس الأمن بشأن القصف الإسرائيلي على سوريا
سوريا تطالب مجلس الأمن بـ”إدانة غير مشروطة” للقصف الإسرائيلي وبـ”إجبار القوات الإسرائيلية على مغادرة الأراضي السورية”
العربية.نت والوكالات
17 يوليو ,2025
يعقد مجلس الأمن الدولي، الخميس، اجتماعاً طارئاً بشأن القصف الإسرائيلي على سوريا.
وأكد الممثل الدائم لباكستان عاصم افتخار أحمد، الذي ترأس بلاده الدورة الحالية لمجلس الأمن، أن الاجتماع سيعقد، الخميس، في الساعة 15:00 بتوقيت نيويورك.
وكانت سوريا قد دعت، الأربعاء، مجلس الأمن الدولي إلى الانعقاد في أقرب وقت ممكن “لبحث تداعيات العدوان الإسرائيلي على الأراضي السورية”، بحسب رسالة وجهها مندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة قصي الضحاك إلى رئيس مجلس الأمن.
وقال الضحاك في رسالته إن سوريا “تدين بأشد العبارات العدوان الإسرائيلي”، و”لا تقبل أي مبرر” من إسرائيل بشأنه.
كما أشار مندوب سوريا في رسالته إلى أن ما حدث هو “استمرار للسياسة العدوانية التي انتهجتها إسرائيل في الأشهر القليلة الماضية، وخلال هذه الفترة، دأبت إسرائيل على انتهاك اتفاقية فصل القوات لعام 1974، وإدخال قواتها إلى المنطقة العازلة، وانتهاك سيادة سوريا، والاعتداء على مواطنيها، وبناء قواعد عسكرية غير شرعية على أراضيها”.
وقال الضحاك إن سوريا تطالب مجلس الأمن والأمانة العامة للأمم المتحدة بـ”إدانة غير مشروطة للعدوان الإسرائيلي” وبـ”إجبار القوات الإسرائيلية على مغادرة الأراضي السورية”.
يأتي هذا بينما شنّت إسرائيل، الأربعاء، عدة غارات جوية على دمشق، بالإضافة لدرعا والسويداء.
واعتبرت سوريا الغارات الإسرائيلية على البلاد “خرقاً فاضحاً” لميثاق الأمم المتحدة وللقانون الدولي الإنساني، ودعت مجلس الأمن للتدخل العاجل لوضع حد لتلك الانتهاكات.
جاء ذلك في بيان لوزارة الخارجية السورية، تعقيباً على الغارات الإسرائيلية. وقالت سوريا إنها “تدين بأشد العبارات” هذه الغارات التي “طالت مؤسسات حكومية ومنشآت مدنية”، ما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى.
واعتبرت أن هذا “الاعتداء” يأتي في سياق “سياسة ممنهجة” تنتهجها إسرائيل “لإشعال التوتر وخلق الفوضى، وتقويض الأمن والأمان في سوريا”، بحسب البيان.
وحمّلت سوريا إسرائيل “المسؤولية الكاملة عن هذا التصعيد الخطير وتداعياته”، مؤكدة أنها “تحتفظ بكامل حقوقها المشروعة في الدفاع عن أرضها وشعبها بكل الوسائل التي يكفلها القانون الدولي”.
—————————–
كشفت عن تفاصيل مجزرة في السويداء.. الداخلية السورية: حكمت الهجري متخابر مع إسرائيل
16/7/2025
أعلنت وزارة الداخلية السورية، اليوم الأربعاء، انتهاء العملية العسكرية في محافظة السويداء بعد استعادة الجيش السوري السيطرة الكاملة على المدينة، متهمة شيخ عقل الطائفة الدرزية في سوريا، حكمت الهجري ومن معه بـ”التخابر مع إسرائيل“، والتحريض على الفوضى المسلحة ضد الدولة.
وقال المتحدث باسم وزارة الداخلية السورية، نور الدين البابا، للجزيرة مباشر إن “العملية العسكرية انتهت بعد توقيع اتفاق مشترك بين الدولة السورية ووجهاء طائفة الموحدين الدروز، أسفر عن تطهير السويداء من عصابات الفلتان الأمني والتيار الانعزالي”.
وأكد أن الشرطة العسكرية وقوات الأمن انتشرت داخل المدينة، بالتزامن مع دخول فرق الخدمات والصيانة.
وأضاف البابا أن حكمت الهجري أصبح “معزولا بعد افتضاح تعاونه مع إسرائيل”، مشيرا إلى أن “خطاباته الطائفية المقيتة واستجداءه التدخل الإسرائيلي فضحا حقيقة أهدافه، التي لا تمت لمطالب أهل السويداء بصلة، بل تسعى إلى تدمير السلم الأهلي لمصلحة المشروع الإسرائيلي”.
واتهم البابا الهجري بـ”السعي لحرق أبناء الطائفة الدرزية” من أجل مصالح خارجية، على غرار ما وصفه بـ”استخدام النظام السابق للطائفة العلوية في صراعاته الإقليمية”، مضيفا أن الطيران الحربي الإسرائيلي شن غارات على مواقع الجيش السوري وحواجز الشرطة لدعم “ميليشيات الهجري”.
مجزرة داخل مستشفى السويداء
وكشف المتحدث باسم الداخلية عن “مجزرة بشعة” ارتكبتها “ميليشيات” الهجري داخل مستشفى السويداء الوطني، حيث جرى “تصفية عدد من المدنيين والجرحى من الجيش وقوى الأمن بدم بارد، في محاولة لعرقلة الاتفاق السلمي وافتعال فوضى مسلحة داخل المدينة”.
وقال البابا إن “عدد قتلى الجيش وقوات الأمن بلغ حتى اللحظة نحو 150 شخصا، إضافة إلى عشرات الضحايا من المدنيين”، مرجعا ذلك إلى “الغدر بالاتفاق والتنسيق المفضوح بين ميليشيات الهجري والطيران الإسرائيلي”.
وبحسب المتحدث السوري، فإن الاتفاق الموقع مع وجهاء السويداء ينص على “دخول مؤسسات الدولة، ورفض أي تدخل خارجي في شؤون المحافظة، وإدماج الفصائل الوطنية في مؤسسات الدولة الجديدة، مع التعهد بمحاسبة من ارتكب انتهاكات وتعويض المتضررين”.
تحالف ثلاثي
واتهم البابا “ميليشيات الهجري” بتشكيل “تحالف ثلاثي” يضم “فلول النظام السابق، وعصابات تجارة المخدرات المرتبطة بإيران و”حزب الله“، والتيارات الطائفية الانعزالية “التي تعمل لصالح إسرائيل بهدف تقسيم سوريا إلى كانتونات طائفية وعرقية”.
وفي رده على سؤال بشأن القصف الإسرائيلي على دمشق، قال المتحدث إن الغارات استهدفت “مبنى رئاسة الأركان ومحيط القصر الرئاسي”، لكنها لم تحقق أهدافها بسبب “إخلاء المباني سابقا، مع بقاء الخسائر محصورة في الممتلكات، بينما الخسائر الأكبر تمثلت في استهداف القوات التي تؤمّن المدنيين في السويداء وريف دمشق”.
واختتم نور الدين البابا تصريحاته بالتأكيد أن “سوريا صامدة بوجه أي تدخل خارجي، وأن قوات الجيش والأمن تلتزم بأعلى درجات الانضباط، مع توقيف المتورطين في تجاوزات ضد المدنيين والتحقيق معهم وإحالتهم إلى القضاء”.
المصدر: الجزيرة مباشر
——————————
الشيخ يوسف جربوع: نرفض طلب الحماية من إسرائيل أو غيرها.. ونقف مع الدولة السورية
يوسف جربوع أكد أنه لم يطلب الحماية من إسرائيل أو من غيرها
17/7/2025
قال الشيخ يوسف جربوع شيخ عقل الموحدين الدروز إن هناك اختلافا في المواقف منذ أشهر، مع الشيخ حكمت الهاجري، أحد شيوخ العقل للموحدين الدروز، مشيرا إلى أنه “لا ينبغي أن نبني الأحلام على التدخلات الخارجية”.
وشدد جربوع، في مقابلة مع الجزيرة مباشر اليوم الأربعاء، على أن “أملنا في دولتنا السورية أن تكون الحصن الحصين لمحافظتنا، مثل باقي المحافظات السورية، وأن تكون هي مصدر الأمن والأمان”.
وتابع “من حقه (حكمت الهجري) أن يكون له وجهة نظره التي يثق بها كما أن لنا وجهة نظرنا التي نثق بها”، مضيفا “نتمنى في وقت قريب أن نكون ضمن خط واحد”.
“موقف الدروز كان دائما وطنيا”
وأوضح جربوع أن “موقف الموحدين الدروز كان دائما موقفا وطنيا ملتزما بمحيطنا العربي والإسلامي، وهذا موقف أهلنا في السابق، ونحن ملتزمون به، كما التزم به أهلنا، ونعتقد أنه الخيار الصحيح”.
وأكد جربوع أن “أغلبية أهلنا مع هذا الموقف المتميز”، وإن كانت هناك ملاحظات على أداء الحكومة الحالية، موضحا أن “منها ما يتعلق بالدستور ومنها ما يتعلق بمجلس الشعب ومنها ما يتعلق بأمور أخرى مرتبطة بشكل الدولة”.
وأشار إلى أن “هذه الملاحظات قابلة للنقاش والتطوير، إذ يمكن بعد اختيار مجلس الشعب إصدار مرسوم آخر يلبي طموحات السوريين”.
نرفض طلب الحماية
وعن طلب الشيخ حكمت الهجري الحماية الدولية للدروز، قال جربوع “لم أطلب أنا، ولا سماحة الشيخ حمود الحناوي، حماية من أحد، لا من إسرائيل ولا من غيرها”، موضحا أن الموضوع “يستغل سياسا في ظل ظروف المنطقة، ولخدمة مصلحة إسرائيل وليست مصلحة الدروز”.
وأضاف “نحن ضد تدويل ملف محافظة السويداء والدروز لأنه سوف يأخذنا لمصالح دول كبرى، وهي مصالح مرتبطة بمشاريعها وقد تتعارض مع مصالح الأقليات”.
وأشار إلى أنه “لا أحد من مشايخ عقل الموحدين الدروز طلب الحماية الدولية، باستثناء الشيخ حكمت الهجري”، موضحا أن هذ الأمر “يرتبط به وبالدول التي يتواصل معها”.
وأكد “نحن ثابتون على موقفنا بعدم التدويل أو طلب حماية دولية، وإذا أراد أن يستمر (حكت الهجري) في هذا التوجه فهذا رأيه، لكن نختلف معه”.
وقال نحن “مع دولتنا، حتى لو اختلفنا في بعض الأمور”، مضيفا أن “خطاب الحكومة يدعو لدولة العدالة والقانون ودولة المواطنة وهذا يحقق مطالب الشعب السوري”.
“ضربات مستنكرة”
وعن الضربات الإسرائيلية لدمشق وغيرها من المدن السورية قال جربوع “فوجئنا بهذه العمليات المستنكرة والمستغربة في هذا الوقت”، مشيرا إلى أن “ما حدث خالف توقعاتنا بقرب الوصول لحالة سلام”.
وأكد جربوع “نرفض هذه التعديات وكل تعد على سوريا هو تعد علينا، ونحن متضررون منها كما يتضرر آلاف السوريين”.
وأوضح أن الاتفاق الذي تم توقيعه اليوم مع وزارة الداخلية السورية جاء بعد أيام من دخول قوات وزارتي الدفاع والداخلية إلى السويداء لبسط الأمن والأمان.
“امتداد لتفاهمات سابقة”
وشدد على أن “الاتفاق مع الدولة السورية اليوم هو امتداد للاتفاقات والتفاهمات السابقة”، وأنه لم يتعرض لأي ضغوط من أجل التوصل إلى اتفاق مع الدولة السورية.
وأضاف أنه “بعد الاشتباكات التي أوقعت أعدادا كبيرة من القتلى والجرحى، كان لا بد أن نجلس مع المسؤولين لبحث آلية وقف إطلاق النار بالدرجة الأولى، وأن تعود قوات وزارة الدفاع إلى ثكناتها، والعمل على تفعيل دور وزارة الداخلية بالتعاون مع شبابنا، شباب محافظة السويداء، المنتسبين لوزارة الداخلية”.
وتابع “آمل أن تكون هناك مساعدة من أبناء المحافظة والدولة للخروج من المأزق من خلال الاتفاق الذي توصلنا إليه اليوم”.
المصدر: الجزيرة مباشر
—————————-
الهجري يحرض ضد الحكومة السورية ويناشد ترامب ونتنياهو التدخل
16 – يوليو – 2025
دمشق: واصلت الرئاسة الروحية للموحدين الدروز التابعة لحكمت الهجري، الأربعاء، تحريضها ضد الحكومة السورية بعد دخولها إلى مركز مدينة السويداء جنوبي البلاد، وأطلقت مناشدات لإسرائيل والولايات المتحدة للتدخل.
وقالت في بيان: “نناشد العالم الحر، وكل القوى الفاعلة فيه، ونتوجّه بندائنا إلى فخامة الرئيس (الأمريكي) دونالد ترامب، ودولة رئيس الوزراء (الإسرائيلي) بنيامين نتنياهو، وولي العهد (السعودي) الأمير محمد بن سلمان، وجلالة الملك (الأردني) عبد الله الثاني، وكل من يملك صوتا وتأثيرا في هذا العالم… أنقذوا السويداء”.
مناشدة المشيخة تأتي غداة إصدار الأردن والسعودية بيانين الثلاثاء، أعربتا فيهما عن دعمهما لإجراءات الحكومة السورية لبسط الأمن والاستقرار في السويداء.
وزعمت المشيخة أن أهل السويداء “يبادون ويقتلون بدم بارد، لا يُفرق القاتل بين صغير أو كبير، بين امرأة أو طفل، بين طبيب أو شيخ”.
وطالبت “المجتمع الدولي بالوقوف عند مسؤولياته الإنسانية والأخلاقية”.
وفي تعبير عن الخروج على إدارة الدولة، قالت: “لم نعد قادرين على التعايش مع نظام لا يعرف من الحكم إلا الحديد والنار، ومن السلطة إلا البطش والتنكيل”.
وتمثل الرئاسة الروحية لطائفة الموحدين الدروز المرجعية الدينية العليا للطائفة في سوريا، لكن هناك 3 مشايخ عقل (زعماء دينيون) للطائفة يتخذون مواقف قد تختلف أحيانا، وهم حكمت الهجري، وحمود الحناوي، ويوسف جربوع.
والثلاثاء، أكد جربوع أن أبناء محافظة السويداء جنوب سوريا، مع دولتهم ولا يقبلون أي توجه للخارج، وفق وكالة الأنباء السورية الرسمية “سانا”.
والأحد، اندلعت مواجهات بأسلحة متوسطة وثقيلة بين مجموعات مسلحة درزية وأخرى بدوية في السويداء، جراء قيام الطرفين بمصادرة مركبات بشكل متبادل، وفق مصادر محلية.
وأكدت المصادر أن معظم الضحايا من عناصر المجموعات المسلحة، بينما تضرر بعض المدنيين جراء الاشتباكات التي أسفرت عن أكثر من 30 قتيلا و100 جريح، وفق أحدث إحصائية نقلتها وكالة الأنباء السورية الرسمية “سانا”، مساء الاثنين.
وبعد سقوط نظام بشار الأسد أواخر عام 2024، بدأت قوات الأمن العام التابعة للحكومة الجديدة دخول محافظات البلاد، لكن رتلا تابعا لها آثر عدم دخول السويداء آنذاك وعاد إلى دمشق حقنا للدماء، بسبب رفض حكمت الهجري، أحد مشايخ العقل بالمحافظة.
وفي ظل ذلك، تولت عناصر من أبناء المحافظة مهمة تأمينها، لكنها لم تتمكن من ذلك ما دفع قوات الجيش ووزارة الداخلية إلى التدخل لإنهاء الانفلات.
(الأناضول)
————————–
سوريا.. رد وئام وهاب على السعودية والتعبير عن “ارتياحها” يثير تفاعلا بعد العمليات في السويداء
الشرق الأوسط
نشر الأربعاء، 16 يوليو / تموز 2025
دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN)—أثار بيان وزارة الخارجية السعودية، الثلاثاء، وتعبير المملكة عن “ارتياحها” للخطوات التي اتخذتها الحكومة السورية لضبط الأمن في منطقة السويداء في سوريا وتدخل القوات السورية لحفظ النظام فيها، تفاعلا واسعا بين نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي.
وقالت الخارجية السعودية في البيان المتداول: “أوضحت وزارة الخارجية أن المملكة العربية السعودية تابعت التطورات في الجمهورية العربية السورية الشقيقة، وأعربت عن ارتياحها حيال ما اتخذته الحكومة السورية من إجراءات لتحقيق الأمن والاستقرار والمحافظة على السلم الأهلي، وتحقيق سيادة الدولة ومؤسساتها على كامل الأراضي السورية بما يحفظ وحدة سوريا وأمنها ويحقق تطلعات الشعب السوري الشقيق”.
وتطرق البيان كذلك إلى الضربات الجوية الإسرائيلية التي نفذت داخل سوريا، ذاكرا: “كما أدانت المملكة استمرار الاعتداءات الإسرائيلية السافرة على الأراضي السورية، والتدخل في شؤونها الداخلية، وزعزعة أمنها واستقرارها في انتهاك صارخ للقانون الدولي، واتفاق فض الاشتباك المبرم بين سوريا وإسرائيل في عام 1974م.. وجددت المملكة دعوتها للمجتمع الدولي للوقوف إلى جانب الجمهورية العربية السورية الشقيقة، ومساندتها في هذه المرحلة، والوقوف أمام هذه الاعتداءات والانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة على سوريا”.
وأثار تعليق السياسي اللبناني، وئام وهاب، على بيان السعودية في تدوينة على صفحته بمنصة إكس (تويتر سابقا) قائلا: “بيان الخارجية السعودية تشريع لقتل الأبرياء في السويداء”، تفاعلا بين نشطاء منصات التواصل كذلك.
ويأتي البيان السعودي بعد عمليات قامت بها الحكومة السورية بعد أن أعلنت وزارة الداخلية السورية أن قواتها ستبدأ “تدخلا مباشرا” لفض النزاع الدائر في محافظة السويداء، جنوبي البلاد، بعد ليلة دامية أسفرت عن سقوط عشرات الضحايا بين قتيل وجريح على خلفية صراع مسلح بين فصائل عسكرية محلية وبعض عشائر البدو، الذي بدأ في حي المقوس وامتد إلى الريف الغربي في ظل تدخل فصائل من درعا وريف دمشق.
وكانت الاشتباكات قد اندلعت جراء قيام مجموعة مجهولة بسلب سائق سيارة خضار من السويداء ما بحوزته على طريق دمشق-السويداء، ضمن سلسلة من الانتهاكات التي شهدها هذا الطريق بحق المدنيين على مدار الشهرين الماضيين رغم تعهد السلطات السورية بحمايته في اتفاق تم التوصل إليه مع فعاليات دينية واجتماعية في السويداء في مايو/أيار الماضي.
وكنتيجة لهذه الحادثة، أقدمت مجموعة محلية مسلحة على خطف عدد من المواطنين المنتمين لعشائر البدو لتقوم فصائل مسلحة تابعة للعشائر أيضا بخطف عدد من المواطنين الدروز ما أدى لاشتعال صراع مسلح.
——————————
إسرائيل تشن غارات على سوريا، والمرصد السوري يعلن مقتل 250 شخصاً في اشتباكات السويداء
آخر تحديث 16 يوليو/ تموز 2025
أعلن الجيش الإسرائيلي، الأربعاء، مهاجمة بوابة الدخول إلى مجمع الأركان العامة التابع للسلطات السورية في العاصمة دمشق، فيما تجددت الاشتباكات مع مجموعات مسلحة في مدينة السويداء.
وعند الظهيرة، تحدث مصدران أمنيان لرويترز عن سقوط قتلى وجرحى في ضربة إسرائيلية جديدة على وزارة الدفاع وقوات الأمن في سوريا.
ونقلت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا) عن وزارة الدفاع السورية قولها: “بعد إبرام اتفاق وقف إطلاق النار مع وجهاء وأعيان مدينة السويداء، عادت مجموعات خارجة عن القانون إلى مهاجمة قوات الجيش والأمن الداخلي داخل المدينة”.
وأضافت: “تتابع قوات الجيش الرد على مصادر النيران داخل مدينة السويداء، مع مراعاة قواعد الاشتباك لحماية الأهالي ومنع تضررهم، وتحقيق عودة آمنة لمن غادروا المدينة إلى منازلهم”، وفق الوزارة.
ووصلت حصيلة القتلى في محافظة السويداء جنوب سوريا إلى 248 منذ اندلاع الاشتباكات الأحد بين “فصائل درزية ومسلحين من البدو”، وفق ما أفاد به المرصد السوري لحقوق الإنسان.
وأوضح المرصد أن القتلى يشملون، 71 من أبناء محافظة السويداء بينهم 4 أطفال وسيدتين، و156من عناصر وزارة الدفاع والأمن العام بينهم 18 من البدو، و21 بينهم 3 نساء أُعدموا ميدانياً برصاص عناصر من وزارتي الدفاع والداخلية.
إسرائيل تدعو لـ “ترك الدروز وشأنهم”
وحث رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الأربعاء المواطنين الدروز في إسرائيل على عدم اجتياز الحدود إلى سوريا، قائلا إن الوضع في جنوب سوريا “خطير للغاية” مما يعرض حياتهم للخطر.
صباح الأربعاء، نفذ سلاح الجو الإسرائيلي غارة استهدفت قوات سورية حكومية في السويداء، وفق وسائل إعلام إسرائيلية والمرصد السوري لحقوق الإنسان.
وتحدثت وكالة (سانا) عن استهداف طيران إسرائيلي مسير لمدينة السويداء أدى إلى “إصابات بين المدنيين”.
فجر الأربعاء، قال المرصد إن مقاتلات إسرائيلية شنّت غارات استهدفت مواقع عسكرية في طريق الثعلة والشقراوية بريف السويداء، ومحيط اللواء 52 في الحراك بريف درعا، حيث تتمركز قوات تابعة لوزارة الدفاع السورية، مما أسفر عن وقوع خسائر بشرية.
وتنفذ إسرائيل غارات على السويداء ومناطق محيطة منذ يوم الاثنين.
وقال بيان صادر عن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس : “يجب على النظام السوري أن يترك الدروز في السويداء وشأنهم، وأن يسحب قواته منها”.
وأضاف كاتس: “كما أوضحنا وحذرنا سابقاً … إسرائيل لن تتخلى عن الدروز في سوريا، وستُنفّذ سياسة نزع السلاح التي قررناها”.
وأضاف أن الجيش الإسرائيلي “سيواصل مهاجمة قوات النظام حتى انسحابها من المنطقة وسيرفع قريبا مستوى الرد ضد النظام إذا لم يتم استيعاب الرسالة”.
وطالب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو في فبراير/شباط بجعل جنوب سوريا منطقة منزوعة السلاح بشكل كامل، محذرا من أن حكومته لن تقبل بوجود القوات الأمنية التابعة للسلطات الجديدة قرب حدودها.
وقال الرئيس الروحي للطائفة الدرزية في إسرائيل، الشيخ موفق طريف، في رسالة وجّهها إلى رئيس الحكومة ووزير الدفاع، “عليكم أن تختاروا بين الشراكة مع الطائفة الدرزية أو مع داعش”.
وكان الزعيم الدرزي اللبناني وليد جنبلاط حذّر في 30 أبريل/نيسان من مغبّة التدخل الإسرائيلي في الشأن السوري الداخلي.
وقال جنبلاط إن إسرائيل تريد جرّ دروز سوريا الى “حرب لن تنتهي”.
ويتوزّع الدروز بين لبنان وإسرائيل والجولان المحتل وسوريا.
ودعا سفير واشنطن لدى تركيا الأربعاء إلى التراجع خطوة للوراء والتفاوض من أجل وقف إطلاق النار بمدينة السويداء السورية، وندد بالعنف ضد المدنيين.
وكتب السفير توم بيريك على إكس: “نندد بشدة بالعنف ضد المدنيين في السويداء. يتعين على جميع الأطراف التراجع خطوة للوراء والانخراط في حوار هادف يؤدي إلى وقف دائم لإطلاق النار، ويجب محاسبة الجناة”.
ونقل موقع “أكسيوس” عن مسؤول أمريكي قوله إن إدارة الرئيس دونالد ترمب طالبت إسرائيل بوقف غاراتها الجوية على القوات السورية جنوب البلاد.
وأشار المسؤول إلى أن إسرائيل أبلغت واشنطن بأنها ستتوقف عن تنفيذ الهجمات مساء الثلاثاء، بحسب ما أفاد مراسل أكسيوس باراك رافيد عبر منصة إكس.
وتحدّث الجيش الإسرائيلي عن عبور “عشرات المواطنين الإسرائيلين السياج الحدودي إلى داخل الأراضي السورية في منطقة مجدل شمس”، مشيراً إلى أن قواته تعمل على “إعادتهم بأمان إلى الأراضي الإسرائيلية”.
وفي السياق، دعا وزير الشتات الإسرائيلي، عميحاي شيكلي، إلى “اغتيال الرئيس السوري أحمد الشرع بشكل فوري”، وذلك في أعقاب تطورات الأوضاع الأخيرة في سوريا.
وكتب شيكلي عبر منصة إكس، “لا ينبغي لنا أن نقف مكتوفي الأيدي في مواجهة نظام الإرهاب الإسلامي المتمثل في تنظيم القاعدة”، على حد تعبيره. وشدد على ضرورة “محاربة نظام الإرهاب في سوريا”، على حد وصفه.
وأحصى المرصد السوري، منذ مطلع العام الحالي، 64 مرة قامت خلالها إسرائيل باستهداف الأراضي السورية، منها 55 جوية و10 برية، أدت تلك الضربات إلى إصابة وتدمير نحو 95 هدفاً بين مستودعات للأسلحة والذخائر ومقرات ومراكز وآليات.
وأدانت وزارة الخارجية السورية ما وصفته بـ”العدوان الإسرائيلي الغادر” الذي استهدف مناطق داخل الأراضي السورية وأسفر عن مقتل عدد من القوات المسلحة السورية ومدنيين.
واعتبرت الوزارة في بيان، الهجوم “انتهاكاً صارخاً لسيادة” سوريا و”خرقاً فاضحاً لمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة”.
وفيما أكدت دمشق “تمسكها الراسخ بحقها المشروع في الدفاع عن أراضيها وشعبها بكل الوسائل التي يكفلها القانون الدولي”، شددت على “حرصها على حماية جميع أبنائها دون استثناء وفي مقدمتهم أهلنا من أبناء الطائفة الدرزية”، وفق البيان.
وأعربت السعودية عن “ارتياحها حيال ما اتخذته الحكومة السورية من إجراءات لتحقيق الأمن والاستقرار والحفاظ على السلم الأهلي وتحقيق سيادة الدولة ومؤسساتها على كامل الأراضي السورية بما يحفظ وحدة سوريا وأمنها ويحقق تطلعات الشعب السوري”.
وأدانت وزارة الخارجية السعودية استمرار الاعتداءات الإسرائيلية التي وصفتها بالسافرة على الأراضي السورية والتدخل في شؤونها الداخلية وزعزعة أمنها واستقرارها، فيما اعتبرته انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي واتفاق فض الاشتباك المبرم بين سوريا وإسرائيل عام 1974.
استمرار الاشتباكات بين مسلحين دروز وآخرين من البدو في السويداء جنوبي سوريا
تحتوي هذه الصفحة على محتوى من موقع X. موافقتكم مطلوبة قبل عرض أي مواد لأنها قد تتضمن ملفات ارتباط (كوكيز) وغيرها من الأدوات التقنية. قد تفضلون الاطلاع على سياسة ملفات الارتباط الخاصة بموقع X وسياسة الخصوصية قبل الموافقة. لعرض المحتوى، اختر “موافقة وإكمال”
عقب دخول قوات الأمن الداخلي ووزارة الدفاع السورية وانتشارها في شوارع السويداء، شهدت المدينة “موجة نزوح كبيرة” للمدنيين، وفق منصة السويداء 24 المحلية.
وأكد المرصد السوري وجود “حركة نزوح جماعي لعدد كبير من العائلات من المدينة نحو القرى والبلدات الريفية المجاورة” مستنداً في ذلك إلى “تسجيلات مصورة ومقاطع نُشرت على وسائل التواصل الاجتماعي”.
وأعادت الاشتباكات بين مسلحين من الدروز من جهة والبدو من جهة أخرى، إلى الواجهة التحديات الأمنية التي تواجهها السلطات الانتقالية بقيادة الرئيس أحمد الشرع منذ وصولها إلى الحكم بعد الإطاحة بالرئيس بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول.
وتأتي أعمال العنف هذه، بعد قرابة شهرين من مواجهات قرب دمشق بين مسلحين دروز وقوات الأمن أسفرت عن مقتل 119 شخصاً. وعلى إثرها، أبرم ممثلون للحكومة السورية وأعيان دروز اتفاقات تهدئة لاحتواء التصعيد، تولى بموجبها مسلحون دروز إدارة الأمن في المنطقة.
وتُقدّر أعداد الدروز في منطقة الشرق الأوسط بأكثر من مليون، تتركّز غالبيتهم في مناطق جبلية في لبنان وسوريا والأراضي الفلسطينية والأردن.
ويقدّر تعداد الدروز في سوريا بقرابة 700 ألف يعيش معظمهم في جنوب البلاد حيث تعد محافظة السويداء معقلهم، كما يتواجدون في مدينتَيْ جرمانا وصحنايا قرب دمشق، ولهم حضور محدود في إدلب، في شمال غرب البلاد.
وقال مدنيون ومراسلون لرويترز في المدينة إن القوات الحكومية نهبت وأحرقت منازل وسرقت سيارات وأثاث من منازل يوم الثلاثاء.
وسمح شخص لمراسل من رويترز برؤية جثة شقيقه الذي قتل نتيجة تلقيه رصاصة في الرأس داخل منزله.
أما وكالة فرانس برس فقالت: “تخللت المواجهات عمليات إعدام ميدانية طالت مدنيين وحرق ونهب المنازل والمتاجر، وفق شهادات سكان وشبكة إخبارية محلية والمرصد”.
واتهم المرصد السوري “عناصر من جهاز الأمن العام باختطاف رجال ونساء من قرية جرين في الريف الغربي للسويداء”.
وأفاد المرصد بـ”قيام عناصر تابعة لوزارة الدفاع بعمليات تخريب ممنهجة طالت منازل وممتلكات المدنيين في عدد من قرى وبلدات ريف السويداء”.
واتهم هذه العناصر بـ”سرقة محتويات منازل وتكسير أبواب ونوافذ، قبل أن يعمدوا إلى إضرام النيران في بعضها، ما أسفر عن دمار واسع وخسائر مادية جسيمة”.
وشوهد رجال يرتدون زياً عسكرياً يحرقون وينهبون منازل ومتاجر ويضرمون النار في متجر خمور، وفق وكالة رويترز.
وأظهر مقطع مصوّر انتشر في منصات التواصل الاجتماعي 10 أشخاص على الأقل يرتدون ملابس مدنية مضرجين بالدماء داخل مضافة، طُرح بعضهم أرضاً وآخرون على أرائك، وبجانبهم صور لمشايخ دروز ملقاة على الأرض وأثاث مخرّب ومبعثر، وفق ما أفادت وكالة فرانس برس.
وتحدّث المرصد عن إعدام مجموعة مسلحة قال إنها تابعة للقوات الحكومية لـ”4 مدنيين دروز بينهم امرأة في مضافة آل مظلومة بقرية الثعلة” في ريف السويداء.
وقال إن “مجموعة مسلّحة تابعة لدوريات الأمن العام، أطلقت النار بشكل مباشر على ثلاثة أشقاء بالقرب من دوّار الباشا شمال مدينة السويداء، أثناء وجودهم برفقة والدتهم، التي شاهدت لحظة إعدامهم ميدانياً”.
وتحدثت الرئاسة السورية في بيان، عن “ضرورة التزام كافة الجهات العامة والخاصة المدنية والعسكرية بمنع أي شكل من أشكال التجاوز أو الانتهاك تحت أي مبرر كان انطلاقاً من حرص الدولة على صون الحقوق، وحقن الدماء، وسيادة القانون وضمان انتظام مؤسساتها”.
وقالت الرئاسة في بيان، إنها “كلفت الجهات الرقابية والتنفيذية المختصة باتخاذ الإجراءات القانونية الفورية بحق كل من يُثبت تجاوزه أو إساءته مهما كانت رتبته أو موقعه
بي بي سي
——————————
قيادي درزي بالسويداء: نحن مع الدولة السورية ولا نريد الحماية من أي جهة
16/7/2025
أكد ليث البلعوس، وهو قيادي فيما يعرف بحركة “رجال الكرامة” في السويداء جنوبي سوريا، لقناة الجزيرة دعمهم للدولة السورية التي قال إنها تحفظ كرامتهم، وانتقد ما وصفها بأصوات نشاز -لم يحددها- تطالب بالحماية الدولية وبتدخل إسرائيل في محافظة السويداء.
وقال إن موقفهم كان واضحا منذ بداية الثورة السورية وحتى سقوط النظام المخلوع ولن يتراجعوا عنه.
وتشهد مدينة السويداء توترا متواصلا، عقب مواجهات مسلحة بين مجموعات درزية وأخرى بدوية خلفت قتلى وجرحى، وعلى إثرها دخلت قوات تابعة للجيش ووزارة الداخلية السورية سعيا لضبط الأمن في المدينة.
وتأسف البلعوس لكون “زعامة دينية وسياسية بالمنطقة ودون أخذ رأي الناس أو إجراء استفتاء بالمحافظة تفردت بالرأي”، وقال إن “هناك من الزعامة من أخذ الطائفة بمنحى آخر، لكننا كأبناء محافظة السويداء نرفض ذلك ولا نقبله”، وأشار إلى أن هؤلاء يتحملون مسؤولية الدماء التي سالت في المحافظة، كما أن على الدولة السورية أن تلتزم بحماية الأبرياء.
وتعليقا على ما يعوق عملية الوصول إلى تفاهم بشأن محافظة السويداء، أوضح البلعوس أن “دخول القوات العسكرية والأمنية ما كان يجب أن يحدث، لكن تعنت الرأي الآخر المنفرد أدى إلى دخولها”، وقال إن هناك ما سماها تجاوزات على المدنيين في المحافظة، وإنهم من جهتهم “يطالبون الدولة السورية بوقف هذه الانتهاكات وتوثيق الجرائم التي تحصل حتى يكون هناك رد للحقوق المسلوبة وعدالة صحيحة في المنطقة”.
وبشأن التدخل الإسرائيلي في ملف الطائفة الدرزية، قال البلعوس إن موقفهم من إسرائيل واضح وصريح منذ بداية الثورة، وإنهم ليسوا بحاجة لأي جهة تحميهم، مؤكدا رفضهم للمشاريع الخارجية ولمشاريع التقسيم، وجدد القول “نحن مع الدولة التي تحفظ حقوقنا وكرامتنا ومع حفظ دماء الشعب السوري وكرامته ومع سوريا آمنة، ولا نقبل التجزئة أو التقسيم بأي شكل من الأشكال”.
وفي آخر تطورات الاعتداء الإسرائيلي على سوريا، أفاد مراسل الجزيرة بقصف إسرائيلي استهدف مقر هيئة الأركان السورية اليوم الأربعاء، في حين أعلن مصدر أمني إسرائيلي أن الجيش أغار على مدخل مقر الأركان في رسالة موجهة للرئيس أحمد الشرع بشأن أحداث السويداء جنوب البلاد.
وتوعد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بمواصلة مهاجمة قوات الحكومة السورية حتى تنسحب من السويداء، وذلك تزامنا مع تجدد الاشتباكات في المدينة بين قوات الأمن السوري ومجموعات مسلحة، وأكد الوزير الإسرائيلي: “لن نتخلى عن الدروز في سوريا وسنفرض سياسة نزع السلاح التي قررناها”.
وكانت قوات من وزارتي الدفاع والداخلية السورية قد دخلت مدينة السويداء الاثنين الماضي في محاولة لبسط السيطرة على الأحياء المضطربة لحفظ الأمن وإعادة الاستقرار.
وتُعد حركة “رجال الكرامة” أكبر وأبرز الفصائل المسلحة في السويداء وتأسست عام 2013 على يد الشيخ وحيد البلعوس الذي اغتيل في وقت لاحق، وكان الهدف من إنشائها حماية السويداء من التهديدات ومعارضة تجنيد أبناء المحافظة في جيش النظام المخلوع.
المصدر: الجزيرة
—————–
دول عربية تدعو للتهدئة في السويداء/ محمد كركص
16 يوليو 2025
دعت أطراف إقليمية ودينية ودولية إلى التهدئة في محافظة السويداء جنوبي سورية والتي تشهد اشتباكات، على الرغم من إعلان الحكومة السورية أمس وقف إطلاق النار، في وقت شددت فيه عدة جهات على ضرورة حماية المدنيين، ومنع التعديات، والحفاظ على وحدة الأراضي السورية في مواجهة التدخلات الخارجية، ولا سيما الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة.
وأعربت رابطة العالم الإسلامي في بيان لها عن “التضامن الكامل مع سورية حكومة وشعباً تجاه كل ما يهدّد أمنها واستقرارها وسيادتها في مواجهة محاولات زرع الفتنة بين مكوناتها والتدخل في شؤونها الداخلية”. وعبّرت الرابطة عن دعمها “جهود الحكومة السورية لحماية الشعب السوري بكل مكوناته والمحافظة على السلم الأهلي وبسط سيادة القانون في البلاد”، كما دانت “اعتداءات الاحتلال الإسرائيلي على الأراضي السورية وانتهاكاته المتواصلة لكل القوانين والأعراف الدولية ذات الصلة”.
وفي السياق الخليجي، قال وزير الدولة بوزارة الخارجية القطرية محمد الخليفي، إن “دولة قطر تتابع بقلق بالغ التطورات في السويداء”، داعياً إلى “اتخاذ كافة الإجراءات لضمان عدم تكرار هذه الجرائم”، ومحاسبة “كل الأطراف التي تسببت في سفك دماء المدنيين في السويداء”. وأضاف الخليفي أن قطر “تؤكد على عدم إفلات مرتكبي الجرائم المروعة في السويداء من العقاب”، مشدداً على “أهمية تكثيف الجهود لتوطيد السلم الأهلي في سورية من خلال الحوار”، كما دان “الاعتداءات الإسرائيلية على السويداء واعتبرها تعدياً سافراً”.
أما وزارة الخارجية الكويتية، فأعلنت ترحيبها بقرار وقف إطلاق النار في مدينة السويداء، ودعت إلى “تهدئة الأوضاع واتخاذ كل ما من شأنه حقن دماء الشعب السوري الشقيق”، كما عبّرت عن “إدانتها واستنكارها الشديدين للاعتداءات الإسرائيلية السافرة على أراضي الجمهورية العربية السورية”، مؤكدة أن تلك الاعتداءات “تمثل استمراراً لسلسلة الانتهاكات للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة”.
من جانبها، قالت وزارة الخارجية العراقية إنها “تعرب عن قلق العراق البالغ من تصاعد التوترات في سورية”، وتدين بشدة “التدخلات العسكرية المتكررة التي تقوم بها سلطات الاحتلال الإسرائيلي”، مشيرة إلى أن هذه التدخلات “تمثّل انتهاكاً صارخاً لسيادة سورية وتهديداً لاستقرار المنطقة”. وجددت الوزارة دعمها الكامل لأي “مساعٍ إقليمية أو دولية تسهم في إعادة الأمن والاستقرار إلى سورية”، مؤكدة “موقف العراق الثابت والداعم لوحدة وسلامة الأراضي السورية ورفضه لأي انتهاك يمس سيادتها أو يُعرّض أمن شعبها للخطر”.
وفي السياق ذاته، رحّبت وزارة الخارجية البحرينية عبر منصة “إكس” بإعلان الحكومة السورية وقف إطلاق النار في محافظة السويداء، معتبرة أنه “يسهم في تعزيز الأمن والاستقرار والحفاظ على السلم الأهلي”، وأكدت “موقف المملكة الثابت والداعم لأمن سورية واستقرارها وصون سيادتها ووحدة وسلامة أراضيها وتلبية تطلعات شعبها نحو السلام والتنمية المستدامة”.
وفي موقف مماثل، قالت وزارة الخارجية السعودية إنها “تابعت التطورات في الجمهورية العربية السورية الشقيقة، وتعرب عن ارتياحها حيال ما اتخذته الحكومة السورية من إجراءات لتحقيق الأمن والاستقرار والمحافظة على السلم الأهلي، وتحقيق سيادة الدولة ومؤسساتها على كامل الأراضي السورية بما يحفظ وحدة سورية وأمنها ويحقق تطلعات الشعب السوري الشقيق”. وأضافت الوزارة في بيان رسمي أن “المملكة تدين استمرار الاعتداءات الإسرائيلية السافرة على الأراضي السورية، والتدخل في شؤونها الداخلية، وزعزعة أمنها واستقرارها في انتهاك صارخ للقانون الدولي، واتفاق فض الاشتباك المبرم بين سورية وإسرائيل في عام 1974”. ودعت السعودية “المجتمع الدولي إلى الوقوف إلى جانب سورية، ومساندتها في هذه المرحلة والوقوف أمام هذه الاعتداءات والانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة”.
من جهتها، عبرت المقاومة الإسلامية الفلسطينية “حماس”، الثلاثاء، عن تضامنها الكامل مع سورية عقب الغارات الإسرائيلية التي أسفرت عن قتلى من عسكريين ومدنيين. واعتبرت الحركة في بيان نشرته على قناتها في “تليغرام” أن هذا العدوان يمثل “انتهاكًا صارخًا للقوانين الدولية”، داعية إلى مجابهته بكل قوة. وقالت إنها “تدين بأشد العبارات، العدوان الصهيوني الآثم على أراضي الجمهورية العربية السورية، والذي أدى إلى ارتقاء عشرات الشهداء من قوات الجيش والأمن والمواطنين المدنيين الأبرياء”.
وشددت على أن “العدوان الفاشي على سورية يمثل انتهاكا صارخا للقوانين الدولية، وهو استمرار للعربدة الصهيونية ومحاولات فرض وقائع الهيمنة والسيطرة، ضد شعوب ودول المنطقة”. ودعت الحركة الفلسطينية لمجابهة ذلك بكل قوة. وأضافت: “نؤكد تضامننا الكامل مع الإخوة في سورية، وندعو كل الدول العربية والإسلامية وأحرار العالم، إلى الوحدة والتعاضد لصد هذا العدوان الصهيوني المستمر، وكسر مخططات الاحتلال الإرهابي التي تستهدف إرادة وحرية واستقلال دول وشعوب المنطقة”.
—————————
هل التقى وزيرا خارجية سورية ولبنان نظيرهما الإسرائيلي في بروكسل؟/ نايف زيداني
العربي الجديد
16 يوليو 2025
قالت وسائل إعلام إسرائيلية، مساء الثلاثاء، إن وزيري الخارجية السوري أسعد الشيباني واللبناني يوسف رجي، شاركا في جلسة لوزراء خارجية دول الاتحاد الأوروبي دول الجوار في بروكسل بمشاركة وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر. وبحسب القناة فإن وزيري خارجية لبنان وسورية شاركا “بشكل غير معتاد” في لقاء بين وزراء خارجية أوروبيين ونظرائهم من الشرق الأوسط، مشيرة إلى أن وزير الخارجية اللبناني وافق بخلاف مرات سابقة على البقاء في الغرفة ذاتها مع ساعر. وزعمت القناة أن “الأجواء كانت هادئة ومريحة، رغم أن أكثر القضايا سخونة طُرحت هناك، من غزة وإلى إيران”.
وتعليقاً على اللقاء، قالت وزارة الخارجية اللبنانية، إن رجي شارك في مؤتمر دول الجوار مع الاتحاد الأوروبي وحضر جلسة موسعة شارك فيها وزراء الخارجية العرب لمنطقة البحر المتوسط (سورية – فلسطين – الأردن – مصر – المغرب)، أما الوزراء الذين لم يحضروا أي تونس وليبيا والجزائر فناب عنهم سفراؤهم المعتمدون في بلجيكا، بحسب ما جاء في بيان الخارجية.
وأشارت الخارجية في بيانها الذي قالت إنه جاء رداً على التأويلات الإسرائيلية والتفسيرات التي “تقصدت إعطاء مشاركة وزير الخارجية في المؤتمر أبعاداً مغايرة للواقع”، إلى أن لبنان يواظب على المشاركة في هذه الاجتماعات إلى جانب دول المتوسط منذ ثلاثين عاماً، كما أن “الاجتماعات من هذا النوع لا تقتصر على الاتحاد الأوروبي ودول المتوسط إنما تُسجل للبنان مشاركته السنوية في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة حيث تكون إسرائيل حاضرة أيضًا”.
وأكدت أن مشاركة الوزير تمت بالتنسيق مع رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام. وبحسب ما جاء في البيان فإن “لبنان فضّل تثبيت حضور بلاده وعدم التهرب ورفع صوته وصوت لبنان عالياً مسجلاً اعتراضه على استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي اللبنانية، مطالباً الدول المشاركة الضغط على إسرائيل للانسحاب ووقف اعتداءاتها المتكررة على لبنان”.
يأتي ذلك فيما يتصاعد الحديث عن احتمالية انضمام لبنان وسورية إلى اتفاقيات التطبيع مع إسرائيل، إذ قال المبعوث الخاص للرئيس الأميركي إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف في مارس/ آذار الماضي، إن تطبيع الاحتلال الإسرائيلي مع سورية ولبنان “أصبح احتمالاً حقيقياً”. وأضاف “تطبيع العلاقات بين لبنان وإسرائيل، ثم بين سورية وإسرائيل، يمكن أن يكون جزءاً من عملية أوسع نطاقاً لإحلال السلام في المنطقة”.
وفي نهاية الشهر الجاري، أكد وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر أن “إسرائيل معنيّة بتوسيع دائرة اتفاقات أبراهام”. وقال: “لدينا الاهتمام بضم دول جديدة كسورية ولبنان، جيراننا، إلى دائرة السلام والتطبيع”، موضحاً أن ذلك “من خلال المحافظة على مصالحنا الحيويّة والأمنية”. وفي مايو/ أيار الماضي، قال الرئيس السوري، أحمد الشرع، في مؤتمر صحافي مشترك مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، إن بلاده تخوض محادثات غير مباشرة مع إسرائيل عبر وسطاء بهدف تهدئة الأوضاع، في وقت تحدثت وسائل إعلام عن عقد لقاءات بين مسؤولين إسرائيليين وسوريين أكثر من مرة.
—————————–
إسرائيل تقصف دمشق وسط “انحسار المواجهات” بين الجيش والفصائل في السويداء/ عبد الله البشير و نايف زيداني
16 يوليو 2025
مصادر: “3 عناصر من القوات السورية استُشهدوا وأصيب آخرون” بالغارات
حركة رجال الكرامة تتهم قوات الحكومة السورية بخرق التفاهمات
الرئاسة الروحية للموحدين الدروز: “أهل السويداء يبادون”
قتل وأصيب عدد من عناصر الجيش السوري وأصيب مدنيون اليوم الأربعاء جراء غارات شنها طيران الاحتلال الإسرائيلي على محافظة السويداء والعاصمة دمشق، فيما بدأت قوى الأمن بعمليات تمشيط صباح اليوم لأحياء المدينة ذات الغالبية الدرزية، مع استمرار الاشتباكات مع المجموعات المسلحة المنتشرة فيها.
وقالت مصادر عسكرية لـ”العربي الجديد” إن 5 عناصر على الأقل من الجيش السوري قتلوا خلال قصف إسرائيلي على مواقع في مدينة السويداء ظهر اليوم الأربعاء ومطار الثعلة العسكري في ريف المحافظة جنوبي سورية، كما أصيب مدنيان جراء قصف اسرائيلي استهدف محيط قيادة أركان الجيش السوري في العاصمة دمشق.
وأعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي، في بيان اليوم الأربعاء، قصف بوابة الدخول إلى مجمع الأركان العامة التابع لوزارة الدفاع السورية في دمشق، وقال إنه “يواصل مراقبة التطورات والأعمال ضد المواطنين الدروز في سورية، وبناء على توجيهات المستوى السياسي يهاجم في المنطقة ويبقى في حالة تأهب للسيناريوهات المختلفة”. وفي بيان لاحق، قال جيش الاحتلال إنه عزز قواته عند السياج الأمني على الحدود مع سورية، ويجري “تقييماً متواصلاً للوضع، وبناء عليه يتم تحديد حجم القوات الضرورية لتنفيذ المهام العملياتية على الجبهات المختلفة”. وأكدت مصادر ميدانية لـ”العربي الجديد” استمرار تحليق الطائرات المسيرة الإسرائيلية في أجواء محافظة السويداء مع تكرار عمليات القصف واستهداف مواقع قوى الأمن وقوات الجيش السوري التي وصلت في وقت سابق صباح اليوم إلى مركز المدينة.
انسحاب بعض الفصائل من السويداء
ونوَّهت المصادر إلى أن المدينة تشهد حركة نزوح للأهالي باتجاه مناطق آمنة بعيدة عن مواقع الاشتباكات بين القوات السورية والمجموعات المسلحة داخل المدينة، بعد فتح القوات الحكومية ممرات آمنة لعبور المدنيين. ومع بدء قوى الأمن السوري عمليات تمشيط في الأحياء الشرقية للسويداء، صباح اليوم، استمرت الهجمات من قبل الفصائل المسلحة في المدينة، في محاولة لمنع انتشار القوات الحكومية، وفق مصادر عسكرية تحدثت لـ”العربي الجديد”. وذكرت المصادر أن بعض الفصائل المسلحة بدأت بالانسحاب إلى خارج مدينة السويداء، مشيرةً إلى أن بؤر المواجهات العسكرية بدأت بالانحسار، مع وصول قوات الجيش السوري إلى وسط المدينة.
في المقابل، قالت إدارة الإعلام والاتصال في وزارة الدفاع السورية لوكالة الأنباء السورية (سانا) إنه بعد إبرام اتفاق وقف إطلاق النار مع وجهاء وأعيان مدينة السويداء، عادت مجموعات خارجة عن القانون إلى مهاجمة قوات الجيش والأمن الداخلي، “وقد أكدنا في تعميماتٍ سابقة أحقية قوات الجيش في الرد على مصادر النيران”.
وأوضحت الإدارة أن “قوات من الجيش السوري ردت على مصادرة النيران داخل مدينة السويداء مع مراعاة قواعد الاشتباك لحماية الأهالي ومنع تضررهم وتحقيق عودة آمنة لمن غادروا المدينة إلى منازلهم”، موصية الأهالي بالتزام منازلهم والتبليغ عمّن تبقى من المجموعات الخارجة عن القانون.
لكن حركة رجال الكرامة التي تضم فصائل مسلحة في السويداء، كانت أعلنت مساء الثلاثاء، سقوط أكثر من خمسين قتيلًا وجريحًا من عناصرها في المواجهات بالمحافظة. واتهمت الحركة في بيان قوات الحكومة السورية بخرق التفاهمات التي تم التوصل إليها صباح الثلاثاء، والتي نصت على عدم الاقتراب من منازل المدنيين و”عدم المساس بأمنهم وكرامتهم”. وقالت إن المدينة شهدت عمليات اقتحام لمنازل المدنيين و”استخدام مفرط للعنف وعمليات إعدام ميداني”، إلى جانب انتهاكات أدت إلى سقوط قتلى وجرحى. واعتبرت ان “رد أبناء السويداء جاء في إطار “الدفاع عن النفس والحقوق”، مؤكدة أن “الحل السياسي الشامل، العادل، والجامع، هو السبيل الوحيد لإنهاء الأزمات” مع التشديد على ضرورة احترام كرامة الإنسان.
بدورها، ناشدت الرئاسة الروحية للمسلمين الموحدين الدروز في بيان صدر عنها اليوم، من وصفتهم بالعالم الحر والقوى الفاعلة والرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وولي العهد سمو الأمير محمد بن سلمان، والملك عبد الله الثاني، و”كل من يملك صوتًا وتأثيرًا في هذا العالم” لـ”إنقاذ السويداء”.
وجاء في البيان أن “أهل السويداء يبادون بدم بارد”، داعيا “أبناء الطائفة السنية في سورية إلى اتخاذ موقف واضح تجاه ما يحصل”. وقال: “لم نكن يوماً أعداء أو خصوما ولم نعد قادرين على التعايش مع نظامٍ لا يعرف من الحكم إلا الحديد والنار، ومن السلطة إلا البطش والتنكيل”، مضيفا: “نداؤنا لكم ليس سياسيًا، بل إنسانيًا وأخلاقيًا قبل فوات الأوان… أنقذوا شعبًا يُقتل لمجرد أنه طالب بالحياة والكرامة”.
في المقابل، أكد ليث البلعوس، القيادي في تجمع رجال الكرامة، خلال لقاء له اليوم الأربعاء على قناة “الجزيرة”، رفض التدخل الإسرائيلي في سورية، داعيا الدولة السورية لحماية المدنيين، ومؤكدا على وجود تواصل مع الحكومة السورية منذ سقوط نظام الأسد. وأشار البلعوس إلى أن “أطرافًا أخرى كان لها رأي مختلف بما يخص عدم التوجه للصدام المسلح مع الحكومة”، وقال: “تلك الأصوات النشاز التي تطالب بالحماية الدولية، واليوم -للأسف- قرأت أن هناك من يطالب بتدخل إسرائيل في المنطقة”. وأردف: “لقد حاولنا مرارًا الرجوع إلى سماحة شيخ العقل، وإلى المرجعيات الدينية والاجتماعية في المنطقة، إلا أنه لم يكن هناك موقف واضح تجاه الدولة السورية أو تجاه الشعب السوري”.
ما وراء التصعيد الإسرائيلي
وفي السياق، أوضح الباحث السياسي محمد المصطفى لـ”العربي الجديد” أن “التصعيد الإسرائيلي حاليا مرتبط بسببين مباشرين، الأول يتعلق بمحاكمة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بتهم الفساد، وارتداد التصعيد كان مباشرا بإيقاف المحاكمة. أما السبب الثاني فهو بعيد وذو طابع عسكري مرتبط بالقوات الدرزية في الجيش الإسرائيلي والحفاظ على ولائها وضمان عدم قيام حركات عصيان من خلال تلبية طلبات مشايخ عقل الطائفة في إسرائيل”. وتابع المصطفى: “بالتأكيد، التصعيد الإسرائيلي خطير ويعرقل التوصل لحالة تهدئة في السويداء، وإسرائيل تحاول جاهدة منع بسط الدولة السورية السيطرة على السويداء، بالرهان على المجموعات المسلحة المنتشرة فيها، لا سيما مجموعات المجلس العسكري التي تشير المعطيات إلى تلقيها الدعم من قبل إسرائيل”.
إدانة مصرية للاعتداءات الإسرائيلية
ودانت وزارة الخارجية المصرية، في بيان صدر عنها اليوم الأربعاء، الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على الأراضي اللبنانية والسورية، ووصفتها بأنها “انتهاكات سافرة لسيادة البلدين العربيين الشقيقين، وخرق واضح لقواعد القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة”. وأكد البيان أن “جمهورية مصر العربية تدين بشدة هذه الاعتداءات المتكررة، وتشدد على أهمية احترام سيادة كل من لبنان وسورية، ورفض أي تدخل في شؤونهما الداخلية”. كما جددت مصر تأكيدها “ضرورة الحفاظ على وحدة وسلامة أراضي البلدين”.
وأضافت الخارجية أن “هذه الانتهاكات الإسرائيلية المتكررة من شأنها أن تزيد من حدة التوتر، وتمثل عنصرًا أساسيًا في زعزعة الاستقرار في لبنان وسورية والمنطقة بأسرها، وذلك في وقت حرج تُبذل فيه جهود إقليمية ودولية حثيثة، بمشاركة مصرية فعالة، لخفض التصعيد ودعم الأمن والاستقرار الإقليمي”.
—————————-
وليد جنبلاط يرحب بإعلان وقف إطلاق النار في السويداء ويحذر من “الفخ الإسرائيلي“
2025.07.15
رحّب الزعيم اللبناني ورئيس الحزب “التقدمي الاشتراكي” السابق، وليد جنبلاط، بإعلان وزير الدفاع في الحكومة السورية، اللواء مرهف أبو قصرة، وقف إطلاق النار في محافظة السويداء، معتبراً أنها خطوة ضرورية نحو التهدئة، ومحذّراً في الوقت نفسه من الانجرار خلف ما وصفه بـ “الفخ الإسرائيلي”.
وفي تصريحات صحفية، شدد جنبلاط على ضرورة التوصّل إلى حل سياسي برعاية الدولة السورية في السويداء، مشيراً إلى أنّ بقاء السلاح الثقيل بيد الفصائل أمر غير مقبول، ويجب أن يُسلّم إلى الدولة السورية.
وانتقد جنبلاط ما سماه “تردداً” في مواقف بعض المرجعيات الروحية في الطائفة الدرزية، داعياً إياها إلى الابتعاد عن التصعيد والتحريض.
وأكد جنبلاط أن إسرائيل “لن تحمي أحداً”، مضيفاً أنها “تريد الفوضى في سوريا وتسعى لتشويه التاريخ العربي المشرقي للدروز وتحويله، لذلك يجب ألا نقع في الفخ الإسرائيلي”.
واعتبر الزعيم الدرزي أن وقف إطلاق النار يجب أن يشكّل مدخلاً لمصالحات محلية تقود إلى تسوية شاملة.
“التقدمي الاشتراكي”: لحظة للعقل والحكمة
من جهته، أصدر الحزب “التقدمي الاشتراكي” بياناً رحّب فيه بوقف إطلاق النار، معتبراً أنها “لحظة للعقل والحكمة والوعي”، داعياً إلى الالتزام التام بوقف إطلاق النار ومنع أي عمليات انتقامية تستهدف المواطنين أو أماكن العبادة أو المعالم التاريخية في المحافظة.
وشدد البيان على ضرورة أن تكون “مضافة سلطان باشا الأطرش” مركزاً جامعاً للسوريين كما كانت عبر التاريخ، مؤكداً أن حماية المواطنين وأمنهم مسؤولية الدولة، وواجب على العقلاء والوجهاء في السويداء التكاتف لإنهاء الأزمة.
ودعا الحزب “التقدمي الاشتراكي” إلى حوار حقيقي مع مختلف النخب السورية من أجل التوصل إلى حل سياسي شامل تحت سقف الدولة، واستيعاب الفصائل في إطار مؤسسات الدولة، وتنفيذ الاتفاقات المبرمة، مؤكداً استمرار اتصالاته لضمان عدم تجدد القتال وتحقيق الاستقرار في السويداء.
ودخلت القوات الحكومية السورية إلى مدينة السويداء، صباح اليوم الثلاثاء، في محاولة لاستعادة النظام وفرض الأمن في المحافظة، لأول مرة بعد ثلاثة أيام من الاشتباكات العنيفة مع مجموعات خارجة عن القانون على أطراف المدينة ووسطها، بالتزامن مع شنّ طائرات الاحتلال الإسرائيلي غارات جوية على تجمّعات للجيش السوري
وأعقب ذلك إعلان وزير الدفاع السوري مرهف أبو قصرة، وقفاً تاماً إطلاق النار في مدينة السويداء، بعد الاتفاق مع وجهاء المنطقة في السويداء، مع إبقاء القوات في حالة تأهب للرد على أي هجوم قد تتعرض له.
————————
فضل عبد الغني: التشاركية أساس الانتقال السياسي وما حدث في السويداء كان متوقعاً
2025.07.15
قال مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فضل عبد الغني، في تصريح خاص لموقع “تلفزيون سوريا”، إن ما يجري في السويداء محزن جداً على جميع الأصعدة، لكنه كان متوقعاً، معتبراً أن ما يحدث اليوم هو نتيجة غياب التشاركية في مسار الانتقال السياسي في سوريا.
وأضاف عبد الغني، اليوم الثلاثاء، أن الشبكة دعت منذ الأشهر الأولى إلى الانتقال من شرعية ثورية إلى تعددية سياسية، يكون جوهرها التشاركية، لأن الانتخابات غير ممكنة في السياق السوري الراهن.
وأكد أن النصر الذي تحقق في بعض المناطق لم يكن عسكرياً فقط، بل شاركت فيه جميع مكونات المجتمع، ولذلك كان من الواجب على الجهة المسيطرة أن تتنازل وتُشرك باقي القوى، لتتولد قناعة عامة بأن الجميع ممثلون في الحكم الجديد.
وأوضح أن طبيعة المراحل الانتقالية يجب أن تُبنى على التعددية والتشاركية، لا سيما في ظل غياب الأحزاب والانتخابات، مما يستوجب استدعاء ممثلين عن التيارات المجتمعية الحالية من عشائر وأعيان وطوائف. واعتبر عبد الغني أن هذه ليست مجرد أعراف أو انتماءات دينية، بل مكونات سياسية لا بد من دمجها.
ولفت إلى أنه كان ينبغي على الجهة المسيطرة أن تدمج هذه المكونات وتُشركها في الحكم، مشدداً على أن المشكلة في جوهرها سياسية وليست أمنية. وأكد أنه كان يجب أن يكون هناك إدماج حقيقي في مؤسسات الدولة، وتمثيل أوسع في الحكومة، ومشاركة في صياغة إعلان الدستور وتشكيل مجلس شعب بطريقة نظامية وقانونية.
وختم عبد الغني بالقول إن غياب هذا النهج التشاركي هو ما يؤدي إلى التوترات والصدامات، ليس فقط في السويداء، بل بين السلطة وكل مكونات المجتمع، من دروز وأكراد وعلويين ومسيحيين وحتى سُنّة، مؤكداً أن الدمج القسري والسيطرة بالقوة لا يمكن أن تؤديا إلى استقرار، بل إلى مواجهات عسكرية محزنة كما نشهد اليوم.
شهدت محافظة السويداء خلال الأيام الماضية مواجهات مسلحة، دفعت الحكومة إلى إرسال أرتال عسكرية إلى المنطقة لتهدئة الأوضاع، إلا أن الأمر تطور إلى اشتباكات مع الجيش السوري أيضاً.
وفي وقت سابق اليوم، أعلن وزير الدفاع السوري مرهف أبو قصرة عن وقف تام لإطلاق النار في السويداء، استجابةً للاتفاق مع وجهاء وأعيان المحافظة.
وأوضح أبو قصرة عبر سلسلة تغريدات على منصة (X) أن “القوات المقاتلة ستتعامل فقط مع مصادر النيران أو أي استهداف من قبل المجموعات الخارجة عن القانون”.
جاء إعلان وقف إطلاق النار بعد دخول قوات من وزارة الدفاع ومجموعات من وزارة الداخلية إلى مركز مدينة السويداء صباح اليوم، إثر اشتباكات مع “مجموعات خارجة عن القانون”.
تسليم المدينة إلى الأمن
وأفاد أبو قصرة بأنه تم إصدار تعليمات صارمة للقوات الموجودة في مدينة السويداء بضرورة تأمين الأهالي، والحفاظ على السلم المجتمعي، وحماية الممتلكات العامة والخاصة من ضعاف النفوس.
وأكد على بدء تسليم أحياء مدينة السويداء إلى قوى الأمن الداخلي حال الانتهاء من عمليات التمشيط، بهدف ضبط الفوضى، وعودة الأهالي إلى منازلهم، وإعادة الاستقرار إلى المدينة، مشيراً إلى أن قوات الشرطة العسكرية انتشرت داخل المدينة لضبط السلوك العسكري ومحاسبة المتجاوزين.
فعاليات دينية وشعبية ترحب
وسبق أن رحّبت فعاليات دينية وشعبية في محافظة السويداء بدخول قوات من وزارتي الدفاع والداخلية إلى المدينة صباح اليوم، داعيةً إلى وقف فوري لإطلاق النار لـ”ضمان حماية الأرواح”.
وأكدت الفعاليات، في بيان مصوّر نشرته شبكة “السويداء 24″، على “جهود مشيخة العقل طوال الأشهر الماضية لتجنيب المحافظة وأبنائها هذه المواجهة الدامية، عبر تفعيل الحوار مع الدولة السورية”.
وبحسب البيان: “كان اتفاق الأول من أيار خطوة في الاتجاه الصحيح، لكن كانت هناك جهات تسعى للتعطيل ونشر الفوضى، ونحمّلها مسؤولية سفك الدم القائم حالياً وتداعياته الاجتماعية”.
كذلك، رحّبت الرئاسة الروحية للمسلمين الموحّدين الدروز بدخول قوات وزارتي الداخلية والدفاع إلى السويداء، بهدف بسط السيطرة على المراكز الأمنية والعسكرية وتأمين المحافظة، في ضوء الأحداث الدامية التي شهدتها المدينة خلال الأيام الماضية.
لكن سرعان ما خرج حكمت الهجري، أحد شيوخ العقل في السويداء، ليزعم أن البيان صدر تحت ضغط من الحكومة في دمشق، داعياً إلى مقاومة قوات الجيش السوري والقوى الأمنية التابعة لوزارة الداخلية.
———————–
صحيفة فرنسية: لهذا قصفت إسرائيل دمشق
قالت صحيفة “ليمانيتي” الفرنسية إنه بينما كان جنوب البلاد يهتزّ بسبب الاشتباكات بين الدروز والبدو، تدخل الجيش السوري في السويداء. وكان ذلك ذريعة ممتازة لإسرائيل، التي تحتلّ هضبة الجولان، لمهاجمة العاصمة دمشق وادعاء الدفاع عن الطائفة الدرزية.
استُهدف مقر القيادة العامة للجيش السوري، والموجود عند مدخل ساحة الأمويين، بصواريخ إسرائيلية. وفي الوقت نفسه، أعلنت إسرائيل عن تعزيز قواتها على الحدود مع سوريا. وكتب وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، على منصة “إكس” بعد هذا الهجوم الجوي: “لقد بدأت الضربات المؤلمة”. وعاشت دمشق، الأربعاء، يوماً لم يكن سكان العاصمة يتوقعونه. فمنذ ثلاثة أيام، كانت أنظارهم مركّزة على الجنوب.
في 13 تموز/ يوليو، أدى اختطاف أحد الدروز على يد بدو إلى إشعال فتيل المواجهات. وبدأت الاشتباكات بين الطرفين، قبل أن يدخل الجيش النظامي السوري إلى السويداء، المدينة الرئيسية في منطقة الدروز، تُذكِّر “ليمانيتي”، مضيفةً أن ذلك كان يُعتبر بمثابة “قَصْد للحرب” بالنظر إلى الاتفاقات المبرمة قبل أشهر بين دمشق وبعض وجهاء الدروز، والتي تنص على أن الأمن يجب أن يكون من مسؤولية السلطات المحلية وقواتها، بالتنسيق مع مسؤولين تعينهم الحكومة المركزية.
إسرائيل تصب الزيت على النار
عند ظهر الأربعاء، أكّد الشيخ يوسف جربوع، الزعيم الروحي لدروز سوريا، “التوقف الكامل” لجميع العمليات العسكرية في السويداء من قبل جميع الأطراف. ووفقاً لوكالة الأنباء السورية “سانا”، تم التوصل إلى اتفاق جديد لوقف إطلاق النار، يتضمن نشر نقاط تفتيش أمنية وإعادة دمج المدينة بالكامل ضمن الدولة.
ومنذ اليوم السابق، لم تتوقف إسرائيل عن صبّ الزيت على النار، وسرعان ما امتدّ الحريق، تقول “ليمانيتي”، مشيرة إلى إعلان القوات الإسرائيلية يوم الثلاثاء أنها شنت ضربات ضد مركبات تابعة للقوات السورية التي دخلت السويداء. وقال وزير الدفاع الإسرائيلي: “كما أوضحنا وحذرنا، فإن إسرائيل لن تتخلى عن الدروز في سوريا، وستفرض سياسة نزع السلاح” في جنوب البلاد.
من جانبه، دان المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، توم برّاك، الهجمات التي تستهدف المدنيين في محافظة السويداء.
منذ كانون الأول/ ديسمبر 2024 وسقوط النظام السوري، تلعب إسرائيل على وتر الانقسام عبر تغذية الانشقاقات الطائفية، وتجد وكلاء محليين مستعدين للتحالف معها. كما أن الأقليات (الدروز، والعلويون، والأرمن، والأكراد) تشعر بشكّ عميق تجاه الحكومة الإسلامية الجديدة التي وصلت إلى السلطة، تتابع ”ليمانيتي”.
نحو تفكك سوريا؟
سريعاً ما أدركت تل أبيب كيف يمكنها استغلال المناخ الجديد الذي نشأ بعد انهيار النظام البعثي. فقد كان استقرار النظام يعتمد من جهة على منح بعض الاستقلالية للدروز (الجزرة)، ومن جهة أخرى على القمع الذي مارسه جهاز المخابرات الشهير (العصا)، تواصل “ليمانيتي”.
ومنذ نهاية العام الماضي، سعت الحكومة الإسرائيلية لتحقيق هدفين: الأول، إقناع جميع الدروز (في الجولان المحتل، وسوريا، ولبنان) بأنها حاميتهم الأفضل. والثاني، تأمين مزيد من الأراضي عبر التوغل أكثر في الداخل السوري والسيطرة على كامل جبل الشيخ (حرمون)، وهو موقع استراتيجي.
وما تزال الأهداف الحقيقية التي تسعى إليها إسرائيل غير واضحة، تقول “ليمانيتي”، متساءلة: “لماذا تقصف إسرائيل دمشق في حين أن هناك مسارا جاريا للتطبيع بين البلدين؟”. كما أن الولايات المتحدة رفعت العقوبات عن البلاد، وتمت إزالة اسم “هيئة تحرير الشام” التي يقودها أحمد الشرع، الرئيس المؤقت الحالي، من قائمة المنظمات الإرهابية. هذا الأخير، طوال تسعة أشهر، لم يحاول طرد الجيش الإسرائيلي الذي ترسّخ في جنوب سوريا، توضح “ليمانيتي”.
يبدو أن بنيامين نتنياهو يبحث عن زعزعة الاستقرار لمنع أي دولة من إعادة بناء نفسها وتحوّلها إلى قوة إقليمية، تقول الصحيفة الفرنسية، موضحة أن الأمر لا يتعلق بمحاربة الإسلاميين، إذ إن إسرائيل نفسها ساعدتهم في حربهم ضد بشار الأسد، بل هو استثمار في نقاط ضعف المجتمع السوري، مع توجيه رسالة إقليمية. وليس هناك ما هو أفضل من تأجيج الانقسامات الطائفية.
وهذا يحقق هدفين وفق “ليمانيتي: إعاقة تطور الدولة، وتنشيط قوى قد تهدد وجود الدولة الوطنية. وفي هذه الحرب المستمرة، ستجد إسرائيل دائماً الولايات المتحدة وجزءاً كبيراً من أوروبا إلى جانبها.
—————————
الاحتلال يلاحق عشرات السوريين ممن اجتازوا الحدود واختبأوا في إسرائيل/ نايف زيداني
17 يوليو 2025
تواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي، اليوم الخميس، بحثها عن سوريين دروز تقول إنهم اجتازوا الحدود خلال “الفوضى” التي شهدتها المنطقة أمس، واختبأوا. وتشير تقديرات مصادر أمنية إسرائيلية، إلى أن نحو ألف درزي إسرائيلي اجتازوا السياج الحدودي عبر هضبة الجولان السوري المحتل أمس، فيما بضع مئات من الدروز السوريين دخلوا إلى دولة الاحتلال الإسرائيلي “دون رقابة”.
وذكر موقع والاه العبري، أنه بعد جهود مشتركة من جيش الاحتلال الإسرائيلي، وقوات حرس الحدود والشرطة، تمكّنوا من إعادة جزء منهم إلى سورية، ووفقاً للتقديرات، لا يزال العشرات منهم مختبئين داخل إسرائيل، فيما تواصل قوات الاحتلال عمليات البحث عنهم، ومن المحتمل أن تشارك لاحقاً جهات من جهاز الأمن العام (الشاباك) في النشاطات الميدانية.
وتقود الشرطة عمليات البحث عنهم، بما يشمل محاولات لتحديد مواقع هواتف سورية داخل إسرائيل، إلى جانب التواصل مع المجتمع الدرزي في دولة الاحتلال. وبالمقابل، تقدّر إسرائيل بأن عشرات الدروز الإسرائيليين ما زالوا داخل سورية وتعمل من أجل إعادتهم. ووفقاً لمصادر عسكرية ميدانية، ساد الهدوء النسبي منطقة الحدود مقابل مجدل شمس خلال ساعات الليلة الماضية، باستثناء بعض التظاهرات المحدودة التي نظمها دروز إسرائيليون.
ووصل خلال الليل بعض سرايا جيش الاحتلال إلى منطقة الفرقة 210. وتمركز جزء منها لاحتمال حدوث تطورات وسيناريوهات متطرفة، وبعضها لتعزيز خط الحدود. وسيُجرى خلال اليوم تقييم للوضع بناءً على معلومات استخباراتية في المنطقة السورية، وسيتم اتخاذ قرارات حول ما إذا كان يجب الاستمرار في تعزيز المنطقة على جانبي الحدود.
وباشرت قيادة المنطقة الشمالية في جيش الاحتلال، الليلة الماضية، بتعزيز منطقة الحدود بعناصر أمنية، بما في ذلك سياج ثلاثي، وحواجز خرسانية لمنع وصول مركبات من الجانب الإسرائيلي، كما بدأت إصلاح السياج الذي تعرض للتخريب من دروز من إسرائيل، خلال المظاهرات واقتحام الحدود إلى داخل سورية. وتزعم جهات في جيش الاحتلال أن قواته لم تكن جاهزة أمس للتعامل مع الوضع على الحدود. وأفاد موقع واينت العبري اليوم، بأن الجيش الإسرائيلي لم يكن مستعداً بالأمس لوصول آلاف المحتجين إلى السياج الحدودي في هضبة الجولان، وبأنه يستعد الآن لنشر عوائق هندسية على الحدود خلال الساعات القريبة، من بينها هياكل هرمية، وحواجز أسمنتية مرتفعة، بين مجدل شمس وحضر.
ووجّهت جهات أمنية إسرائيلية، اليوم، انتقادات لسلوك الشرطة التي لم تسارع في الوصول إلى منطقة الحدود لمنع الإخلال بالنظام وعبور الحدود. ووفق “والاه”، استخدمت قوات الجيش الإسرائيلي في البداية وسائل لتفريق المظاهرات، ولكن في النهاية تقرر الامتناع عن أي احتكاك مباشر بالدروز الإسرائيليين. ووفقاً لمصدر أمني، هناك نية بإجراء تحقيق معمّق حول ما حدث خلال الأربع والعشرين ساعة الماضية على الحدود السورية.
في سياق متصل، انتقد زعيم المعارضة الإسرائيلية يئير لبيد الهجمات على دمشق أمس. وقال، في حديث لإذاعة “كان ريشت بيت” التابعة لهيئة البث الإسرائيلي اليوم: “أعتقد أنه من غير الصحيح زعزعة النظام في سورية، في ظل محاولة الأميركيين فحص إمكانية استقرار الدولة بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي. هذا مصلحة إسرائيلية، فإسرائيل تريد سورية مستقرة”. وأضاف لبيد أنه كان من الأفضل حماية الدروز في السويداء: “لدينا وسائل، لا حاجة لإرسال قوات إلى الداخل. نحن نعرف كيف نفعل ذلك، وقد فعلنا ذلك بالفعل”.
واعتبر لبيد أن “مهاجمة القصر في دمشق هي زعزعة للنظام. هذا ليس صحيحًاً من وجهة نظري، ولا يخدم أي هدف استراتيجي. على المستوى الفوري، علينا المساعدة في حماية الدروز، فقد حدثت هناك مذبحة لا يمكننا أن نسمح بها. الهجوم في دمشق لا يخدم هذا الهدف، وهو أيضاً سلوك غير منضبط”.
—————————
روايات متضاربة حول مجزرة مشفى السويداء/ فيصل الإمام
17 يوليو 2025لخصicon
ما زالت الأحداث التي جرت في مشفى السويداء الوطني، خلال يومي الأربعاء والثلاثاء الماضيين، مدار تراشق بالاتهامات بين الحكومة السورية وبين جماعات مسلحة في محافظة السويداء تعارض سيطرة الحكومة السورية على المحافظة وتؤيد مواقف رجل الدين حكمت الهجري الذي رفض الاتفاق بين الحكومة ووجهاء السويداء من شيوخ عقل وفصائل، وأورد كل طرف رواية تتهم الطرف الآخر بارتكاب مجزرة في المشفى الذي تنقلت السيطرة عليه خلال اليومين الماضيين بين القوات الحكومية، وبين المجموعات المسلحة المحلية.
وحمّلت الحكومة السورية مسؤولية “المجزرة التي ارتُكبت في مشفى السويداء الوطني” لمجموعات مسلحة محلية، وقالت إن هذه المجموعات كانت تسيطر على المشفى قبل وصول القوات الحكومية إليه. وقال المكتب الإعلامي لوزارة الصحة السورية إنه عُثر على عشرات الجثث داخل المشفى الوطني بعد انسحاب المجموعات المسلحة الخارجة عن القانون منه، وأفاد المكتب الإعلامي “العربي الجديد” أنه بعد تمكن كوادر الوزارة من الوصول إلى المشفى، عقب انسحاب المجموعات المسلحة من محيطه، عُثر على جثث قتلى من الأمن العام السوري والجيش السوري بالإضافة إلى مدنيين. وحمّل المصدر المسؤولية للمجموعات المسلحة التي كانت تسيطر على المشفى، مشيراً إلى أن القصف الإسرائيلي أعاق دخول المساعدات الطبية إلى المدينة.
بدوره، أوضح الحقوقي السوري، منهل العلو، أن ما حدث في مشفى السويداء هو مجزرة إبادة جماعية، وقال في منشور على منصة فيسبوك: “مجزرة إبادة جماعية وتطهير عرقي على الهوية ارتكبتها مليشيات الهجري بحق أكثر من 100 من عناصر الأمن وعشائر البدو المدنيين الجرحى والمصابين والمرضى أثناء تلقيهم للعلاج”، وأضاف العلو أن عمليات القتل استُخدمت فيها السكاكين والمشارط الطبية والأعيرة النارية والخنق والحقن وقطع الأوكسجين، مشيراً إلى أن النتيجة “جريمة حرب دولية متكاملة الأوصاف والأركان”، وقال إنها برسم “المجتمع الدولي ومحكمة الجنايات الدولية ومؤسسات حقوق الإنسان”.
من جانبها، أكدت مصادر ميدانية لـ”العربي الجديد” أن مدنيين من عشائر البدو في أحياء السويداء كانوا قد نُقلوا في بداية الاشتباكات إلى المشفى الوطني في السويداء لتلقي العلاج، وتدخلت عناصر أمنية لحمايته قبل حصاره من قبل المجموعات المسلحة التي أعدمت ميدانياً العناصر الأمنية في محيطه، وسمحت للكوادر من أبناء السويداء بمغادرته. ووفق المصادر، اكتُشفت المجزرة بعد اتفاق التهدئة ومغادرة المجموعات المسلحة، ووُثقت من قبل وزارة الصحة السورية، وأشارت إلى أن “المجموعات المسلحة المحلية، ومنها عناصر تابعون للمجلس العسكري، تمنع الإعلاميين من دخول المدينة تحت تهديد السلاح، منذ ساعات الصباح الأولى بعد سيطرتها على الطرق الرئيسة المؤدية للمدينة”.
وفي المقابل، أوردت صفحة “السويداء 24″، في منشور طويل، فجر الخميس، سرداً لما قالت إنه جرى في المشفى تنكر فيه حصول مجزرة وتتهم بالوقت نفسه قوات الأمن السوري بقنص مدنيين وجرحى، وادعت الصفحة أن الجثامين التي ظهرت في أحد الفيديوهات من المشفى والذي انتشر على صفحات التواصل الاجتماعي كانت “مكوّمة في قسم المشرحة وفي الممرات. ويعود ذلك إلى بلوغ برادات المشفى طاقتها الاستيعابية القصوى، وعدم توفر عدد كافٍ من العمال، وغياب أي طريق لنقل الجثث خارج المشفى نتيجة الاشتباكات التي كانت تدور في محيطه”.
وأضافت الصفحة، المقربة من المجموعات المسلحة في السويداء، أن “غالبية الجثامين تعود لأهالي محافظة السويداء، وبينهم مقاتلون من الفصائل المحلية. كما وُجدت جثث تعود لعناصر من قوات وزارتي الدفاع والداخلية، ممن قُتلوا في المواجهات المسلحة، ولم يكن من الممكن نقلهم إلى مشافي درعا”. وأضافت أن المشفى كان يعمل بكامل طاقته يوم الاثنين الماضي (حيث كانت الاشتباكات تدور بين المجموعات المسلحة وأبناء العشائر)، ضمن إمكانياته المحدودة والنقص الحاد في المواد الطبية والقدرة الاستيعابية، وفي مساء الثلاثاء “اندلعت اشتباكات داخل المشفى بين مقاتلين من السويداء وتلك المجموعة التابعة لـ”الأمن العام”، ما أدّى إلى مقتل عنصرين من الأخيرة ظهر جثماناهما في مقطع فيديو على بوابة المشفى، حيث انسحب معظم أفرادها من المبنى، فيما تُرك ثلاثة قناصين من الأمن تحصّنوا داخل مخفر المشفى واستهدفوا المدنيين والجرحى في قسم الإسعاف، مما أدى إلى خروجه عن الخدمة”.
وتابعت الصفحة أن المشفى خرج عن الخدمة أمس الأربعاء “بحلول الساعة الحادية عشرة والنصف صباحاً” نتيجة “القصف ونفاد المستلزمات الطبية اللازمة لعلاج المرضى. في الساعة الثانية والنصف بعد الظهر، اقتحمت مجموعة عسكرية تابعة لوزارة الدفاع المشفى واحتجزت الكادر الطبي، ونفذت عمليات إعدام ميداني بحق اثنين من المتطوعين المدنيين المناوبين، بالإضافة إلى عدد من الجرحى من أهالي السويداء. كما وردت شهادات عن توجيه إهانات طائفية للمرضى والمصابين في قسم الإسعاف”.
في غضون ذلك، قالت وكالة الأنباء السورية (سانا)، اليوم الخميس، إن مجموعات خارجة عن القانون قامت بالاعتداء على حي المقوس في مدينة السويداء، وارتكبت مجازر وانتهاكات بحق المدنيين، ونقلت “سانا” عن مصادر محلية أن مجموعات مسلحة هاجمت حي المقوس وارتكبت مجازر بحق النساء والأطفال، ونفذت تصفيات ميدانية وانتهاكات بحق أبناء المنطقة من العشائر والبدو. وأشارت المصادر إلى مقتل وإصابة عدد كبير من المدنيين. وأضافت أنه “ومنذ ساعات الصباح تم تسجيل حركة نزوح وتهجير قسري لعشائر البدو في ريف السويداء، وسط تهديدات من قبل مجموعات خارجة عن القانون باستهدافهم”، ويأتي ذلك رغم الاتفاق الذي أبرمته الحكومة السورية مع وجهاء السويداء، أمس الأربعاء، والذي ينص على تكليف بعض الفصائل المحلية ومشايخ العقل بمسؤولية حفظ الأمن في المحافظة.
————————–
الشرع يعلن تكليف الدروز مسؤولية حفظ الأمن في السويداء
لخميس 2025/07/17
أعلن الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع فجر الخميس أنه قرر تكليف فصائل محلية ورجال دين دروز “مسؤولية حفظ الأمن في السويداء”، المحافظة الواقعة في جنوب البلاد والتي شهدت منذ الأحد أعمال عنف طائفية أوقعت مئات القتلى.
وقال الشرع في خطاب إلى الأمة “لقد قررنا تكليف بعض الفصائل المحلية ومشايخ العقل مسؤولية حفظ الأمن في السويداء”، مشيراً إلى أن حكومته أرسلت قواتها إلى هذه المحافظة “لوقف اقتتال اندلع بين مجموعات مسلّحة من السويداء ومن حولهم من مناطق إثر خلافات قديمة”.
وأضاف أن القوات الحكومية نجحت في مهمّتها لكن إسرائيل لجأت إلى “استهداف موسع للمنشآت المدنية والحكومية لتقويض هذه الجهود مما أدى لتعقيد الوضع بشكل كبير” وهدّد بالدخول في “حرب مفتوحة مع الكيان الإسرائيلي”.
وأشاد الشرع بـ”التدخل الفعال للوساطة الأميركية والعربية والتركية التي أنقذت المنطقة من مصير مجهول”.
وإذ أكد الرئيس السوري الانتقالي أن “سوريا لن تكون أبداً مكاناً للتقسيم أو التفتيت”، تعهّد “محاسبة من تجاوز وأساء لأهلنا الدروز فهم في حماية الدولة ومسؤوليتها”.
وفي معرض شرحه للأسباب التي دفعته لسحب القوات الحكومية من السويداء وتسليم الأمن في هذه المحافظة للدروز، أوضح الشرع أن “هذا القرار نابع من إدراكنا العميق بخطورة الموقف على وحدتنا الوطنية وتجنب انزلاق البلاد إلى حرب واسعة جديدة”.
وأضاف “كنا بين خيارين: الحرب المفتوحة مع الكيان الاسرائيلي على حساب أهلنا الدروز وأمنهم وزعزعة استقرار سوريا والمنطقة بأسرها، وبين فسح المجال لوجهاء ومشايخ الدروز للعودة إلى رشدهم وتغليب المصلحة الوطنية”.
وتابع “لقد قدمنا مصلحة السوريين على الفوضى والدمار، فكان الخيار الأمثل في هذه المرحلة هو اتخاذ قرار دقيق لحماية وحدة وطننا وسلامة أبنائه بناء على المصلحة الوطنية العليا”.
وقُتل أكثر من 350 شخصاً منذ اندلاع أعمال العنف الطائفية في السويداء صباح الأحد، وفق حصيلة جديدة نشرها المرصد السوري لحقوق الإنسان ليل الأربعاء.
ومساء الأربعاء أعلنت دمشق بدء انسحاب قواتها من المحافظة إثر دعوة أميركية بهذا المعنى وغارات إسرائيلية عنيفة.
وأحصى المرصد مقتل 79 مقاتلاً درزياً و55 مدنياً، مقابل 189 قتيلاً من القوات الحكومية إضافة إلى 18 مسلحاً من البدو في أعمال عنف طائفية، ومقتل 15 عنصراً من القوات الحكومية جراء الغارات الإسرائيلية.
وجاء إعلان دمشق بدء انسحاب قواتها من المحافظة بعدما أشارت وزارة الداخلية مساء الأربعاء إلى التوصّل لاتفاق لوقف إطلاق النار في السويداء، يضم 14 بنداً، ينصّ أبرزها على إيقاف كل العمليات العسكرية بشكل فوري وتشكيل لجنة مراقبة من الدولة السورية وشيوخ دروز للإشراف على عملية التنفيذ.
وقصفت إسرائيل مجدّداً أهدافاً للسلطات السورية وهدّدت بتكثيف ضرباتها إذا لم تخرج القوات السورية من محافظة السويداء ذات الغالبية الدرزية.
——————————
تقسيم سوريا إلى “كانتونات”: خطة إسرائيلية تتعارض مع الأهداف الأميركية
الخميس 2025/07/17
يرى محللون إسرائيليون أن إسرائيل تسعى لاستخدام دعمها دروز سوريا، كوسيلة للدفع بخطة تقسيم البلاد إلى “كانتونات”، كانتون درزي في الجنوب، وكردي في الشمال، وربما علوي في الغرب، وهو ما يتعارض مع أهداف الولايات المتحدة.
“جزر دعم”
وقال الكاتب الإسرائيلي تسفي برئيل، إن إسرائيل قد تسعى لتأسيس “جزر دعم” عبر ذلك التقسيم، أو “امتدادات”، تمنع الرئيس السوري أحمد الشرع من إقامة دولة موحّدة، إلى جانب تقليص النفوذ التركي داخل سوريا.
وأضاف الكاتب في مقال لصحيفة “هآرتس”، أنه إذ كانت الخطة الإسرائيلية على ذلك النحو، فهي تتعارض، ليس فقط مع طموحات الشرع، إنما أيضاً مع أهداف الولايات المتحدة والدول العربية، موضحاً أن واشنطن تسعى بشكل صريح، لإقامة دولة سورية موحدة تحت سلطة مركزية واحدة.
كما لايزال الرئيس الأميركي دونالد ترامب، يرى في الشرع زعيماً شرعياً، ويدعمه سياسياً واقتصادياً، كجزء من رؤية استراتيجية إقليمياً تهدف إلى سحب القوات الأميركية من سوريا، وتسليم مهمة محاربة “داعش” لسوريا وتركيا، إلى جانب تعزيز التنسيق بين إسرائيل وسوريا والسعي لتطبيع العلاقات بينهما.
وأكد أن أي حرب إسرائيلية ضد نظام الشرع، حتى لو كانت بهدف حماية الأقلية الدرزية، لا تتماشى مع هذه الأهداف، ولا تنسجم مع الرؤية الأميركية الأشمل للمنطقة.
سياسة طويلة الأمد؟
ويتساءل الكاتب الإسرائيلي عما إذ كانت تل أبيب تعتمد سياسة طويلة الأمد تجاه سوريا، وكيف ستتماشى هذه السياسة مع حماية الدروز والهجمات ضد الإدارة السورية، زاعماً أن “التزام إسرائيل حيال الطائفة الدرزية ليس في موضع شك”.
لكن في الوقت عينه، قال إنه لا يمكن تجاهل مواقف بعض قادة الطائفة الدرزية الذين يرفضون التدخل الإسرائيلي، ويعتبرون أنفسهم جزءاً لا يتجزأ من الدولة السورية، ويريدون تعزيز التعاون مع الشرع، والتوصل من خلال ذلك إلى حماية حقوقهم السياسية، من دون أن يصبحوا “طائفة محمية” من إسرائيل.
كما تساءل عن سبب سماح الجيش الإسرائيلي للجيش السوري بالتقدم بدباباته نحو منطقة السويداء منذ البداية، في حال كان هدفه هو حماية الدروز، معتبراً أن إسرائيل تدخلت في الحدث من دون تحديد واضح لأهدافها، أو رؤية شاملة للساحة، إذ كان الهدف في البداية هو الحفاظ على “خطوط الفصل” لمنع “القوات المعادية” من الاقتراب من الحدود الإسرائيلية، عبر ضرب الدبابات، ثم توسعت الغارات بحجة حماية الدروز ودفع “النظام السوري” إلى التحرك سريعاً لوقف إراقة الدماء.
اتفاق وقف إطلاق النار
وقال برئيل في مقاله، إن اتفاق وقف إطلاق النار الذي أعلنه، أمس الأربعاء، شيخ العقل يوسف جربوع “سيخضع الآن لاختبار عملي على الأرض”، مصيفاً أنه يجب التعامل بحذر مع هذا الاتفاق، وخصوصاً أنه لم يتضح بعد مَن هم الذين وقّعوه ووافقوا على تنفيذه.
جربوع، هو أحد الزعماء الروحيين الثلاثة للطائفة الدرزية، ومعروف بدعمه التعاون مع نظام الشرع ومعارضته التدخل الأجنبي، بما في ذلك التدخل الإسرائيلي في الصراع الحالي، أو في شؤون الطائفة بشكل عام. وهو يعارض أيضاً إقامة حُكم درزي ذاتي، ويرى أن مستقبل الطائفة يجب أن يكون جزءاً لا يتجزأ من مستقبل الدولة السورية.
وحتى الآن، من غير الواضح أيضاً ماهية الميليشيات الدرزية التي وافقت على اتفاق وقف إطلاق النار، والتي تختلف ولاءاتها، بحسب ارتباطاتها بالزعماء الروحيين، كما لا توجد ضمانة بأن الحكومة السورية ستتمكن من فرضه على المجموعات التابعة له، والتي لم تندمج بعد ضمن الجيش الذي يحاول الشرع إعادة تشكيله.
————————–
مسؤول أميركي: أحداث السويداء لم تغيّر موقفنا تجاه سوريا
قال مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية إن سياسة بلاده تجاه سوريا لم تتغير عقب الأحداث الأخيرة في مدينة السويداء.
الخميس 17 تموز 2025
قال مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية إن سياسة بلاده تجاه سوريا لم تتغير عقب الأحداث الأخيرة في مدينة السويداء جنوب البلاد، مؤكداً ضرورة أن تُحاسب الدولة السورية المسؤولين عنها.
وأكد المسؤول في تصريح لوكالة «رويترز»، إن «الولايات المتحدة تدين بشكل لا لبس فيه أعمال العنف في مدينة السويداء، ذات الغالبية الدرزية، خلال الأيام الأخيرة»، مشدّداً على أن «على الحكومة أن تحقق في جميع التقارير المتعلقة بالانتهاكات وأن تُحاسب المرتكبين».
وحثّ المسؤول الأميركي، الذي طلب عدم الكشف عن هويته، جميع الأطراف على التراجع والانخراط في محادثات جدية، مؤكداً أن «جميع الأطراف يجب أن تتراجع وتنخرط في حوار هادف يؤدي إلى وقف إطلاق نار دائم».
وشدد على أنّ «الإدارة الأميركية لم تغيّر من سياستها تجاه سوريا بعد الأحداث الدامية في السويداء».
وفي وقتٍ سابق، أصدرت السيناتورة الديمقراطية، جين شاهين، بياناً بشأن الأحداث الأخيرة في محافظة السويداء جنوبي سوريا، مؤكدة على «دعم سوريا موحدة تحمي مصالح جميع المواطنين».
وأعربت شاهين، عن «القلق البالغ إزاء تصاعد العنف في سوريا، بما في ذلك قرار إسرائيل بشن ضربات جوية على دمشق والسويداء».
واعتبرت أن هذا التصعيد «يقوّض استقرار سوريا ويعرضه للخطر، كما يعرقل التقدم الذي أحرزه المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، توم برّاك، نحو تحقيق التطبيع بين سوريا وإسرائيل».
ودعت السيناتورة الأميركية السلطات السورية إلى الالتزام «بإعادة النظام إلى مناطق الدروز بشكل سلمي، وأن تسعى إلى محاسبة أي عنصر من عناصر قوات الأمن الذين ارتكبوا انتهاكات في المجتمعات الدرزية».
————————-
نتانياهو: قصفنا دمشق لحماية الدروز… وشيخ عقلهم هو من طلب التدخل!
رئيس الوزراء الإسرائيلي يتحدث عن “سبع جبهات”
قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو إن قرار بلاده بالتدخل عسكرياً في جنوب سوريا جاء استجابة لطلب مباشر من شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز في إسرائيل، موفق طريف، لحماية الدروز في منطقة جبل العرب.
وفي كلمة مصورة، أوضح نتانياهو أن إسرائيل وضعت “سياسة واضحة” تهدف أولاً إلى نزع السلاح من المنطقة الممتدة بين جنوب دمشق ومرتفعات الجولان، وثانياً إلى “حماية الدروز في جبل الدروز”، على حد تعبيره.
وأشار إلى أن الجيش السوري خرق تلك السياسة عبر إرسال قوات إلى المنطقة المنزوعة السلاح، مضيفاً أن هذه الخطوة ترافقت مع “مجازر ضد السكان الدروز”، ما دفعه، بحسب قوله، إلى إصدار أوامر مباشرة للجيش الإسرائيلي بـ”التحرك وبالقوة”.
وأكد نتانياهو أن سلاح الجو الإسرائيلي شن ضربات استهدفت ما وصفها بـ”عصابات القتل وناقلات الجند المدرعة”، مضيفاً أنه وسّع نطاق العمليات لتشمل وزارة الدفاع السورية في دمشق. واعتبر أن هذه الهجمات أدت إلى وقف إطلاق نار وانسحاب القوات السورية إلى داخل العاصمة، مشدداً على أن “السلام والطمأنينة لا يُفرضان بالتوسلات، وإنما بالقوة”، وأن هذه المقاربة تمثل “امتداداً لسياسة إسرائيل في التعامل مع التهديدات على سبع جبهات”.
وتوقف نتتنياهو عند اتصال تلقّاه من الشيخ موفق طريف، الذي قال له بحسب الرواية الإسرائيلية: “خلال المحرقة، عندما ذُبح اليهود، لم يستجب أحد لاستغاثاتهم. أما الآن، فنحن الدروز نُذبح ونستغيث بإسرائيل”. وأضاف نتنياهو: “قلت له إنه محق. لقد تصرفنا وسنواصل التصرف حسب الضرورة”.
—————————–
تصعيد خطير..”العصائب الحمراء” تتوعد نتانياهو برد دموي إذا استهدفت إسرائيل الشرع
مع استعداد الجيش الإسرائيلي لأيام من القتال داخل الأراضي السورية
وجهت مجموعة تطلق على نفسها اسم “العصائب الحمراء” ضمن صفوف الجيش السوري، تهديدًا مباشرًا إلى إسرائيل، متوعدةً برد دموي في حال تعرّض الرئيس السوري أحمد الشرع لأي أذى.
وجاء في بيانها التحذيري، الذي صيغ بالعربية والعبرية: “بسم الله الرحمن الرحيم، إلى نتنياهو ابن اليهودية، والله الذي لا إله غيره، إن آذيتم الرئيس السوري أحمد الشرع، ستتحول أرض الشام إلى أنهار من الدماء”.
التحذير أتى في أعقاب تصعيد عسكري غير مسبوق، إذ شن الطيران الحربي الإسرائيلي، صباح الأربعاء، أربع غارات استهدفت مبنى هيئة الأركان السورية الواقع في ساحة الأمويين وسط العاصمة دمشق. وسبق تلك الضربات، غارتان بطائرات مسيرة على المبنى ذاته، بحسب ما أفاد به مراسل قناة RT، الذي أشار إلى أن القصف الجوي أدى إلى تدمير المبنى بشكل كامل.
كما استهدف سلاح الجو الإسرائيلي محيط “قصر الشعب” الرئاسي الواقع على جبل قاسيون على أطراف دمشق، ما رفع منسوب التوتر داخل الأوساط السياسية والعسكرية في سوريا.
وفي السياق ذاته، كشفت القناة 12 الإسرائيلية أن الجيش الإسرائيلي يستعد لاحتمال انخراط في عدة أيام من القتال داخل الأراضي السورية، لافتة إلى تحريك وحدات عسكرية ونقل طائرات مسيّرة ومقاتلة نحو الجبهة الشمالية. كما ذكرت القناة أنه تم تجهيز الفرقة 98 لاحتمال نقلها من غزة إلى الجبهة السورية، مع ترجيحات بوصول لواء المظليين أيضًا إلى سوريا.
وبحسب المصدر ذاته، نفذت إسرائيل حتى الآن نحو 160 غارة جوية بطائرات مسيرة ومقاتلات حربية، استهدفت بشكل رئيسي مناطق في محافظة السويداء، إلى جانب مواقع في العاصمة دمشق.
وأكد مسؤول إسرائيلي للقناة: “نحشد قواتنا في مرتفعات الجولان ونستعد لعدة أيام من القتال”، مضيفًا أن هناك تبادل رسائل مستمر مع الإدارة الأميركية بشأن التطورات الأخيرة.
—————————-
نيوستيتسمان البريطانية: هذا هو الهدف الاستراتيجي الأكبر لإسرائيل في سوريا
مجلة نيوستيتسمان البريطانية، والتي نشرت مقالاً بعنوان: “حسابات إسرائيل في سوريا” للباحثَين راجان مينون ودانيال ديبيتريس.
قال الباحثان إن إسرائيل ربّما تبرّر اختراقها الأخير لسوريا بأنه “عملية إنسانية”؛ ففي إسرائيل يعيش حوالي 150 ألف دُرزي، متمركزين في الشمال. ويمثّل الدروز نحو 1.6 في المئة من إجمالي تعداد إسرائيل، كما أنهم يُعتبرون مواطنين مخلصين يخضع شبابهم للتجنيد العسكري.
لكن الهدف الاستراتيجي الأكبر لإسرائيل واضح، وفقاً للباحثَين، وهو يتمثل في استغلال ضَعف النظام السوري الجديد لفَرض منطقة أمنية منزوعة السلاح في الجنوب السوري لا وجود فيها لقوات مسلحة سورية، بما يطلق يدَ إسرائيل.
“ثم وقعتْ صدامات السويداء، ليمضي نتنياهو قُدماً في تنفيذ هذه الاستراتيجية”، بحسب الباحثين، لا سيما وأنه يقدّم نفسه بوصفه “حامي الدروز”.
ووفقاً للباحثَين، يمكن تعقُّب هذه الاستراتيجية الإسرائيلية المتشددة منذ سقوط نظام الأسد، حين سارعتْ إسرائيل بضرب مئات الأهداف العسكرية السورية بينما السوريون يتخبّطون، وسرعان ما عبر الجيش الإسرائيلي الخط الحدودي مع سوريا الذي حدّدته الأمم المتحدة في عام 1974، متوغلاً في الأراضي السورية.
وتؤمن إسرائيل، بحسب الباحثَين، بأنّ الأوضاع الإقليمية الراهنة مواتية لتنفيذ استراتيجيتها في سوريا؛ في ظل تراجُع النفوذ الإيراني، وسقوط النظام المحالف لإيران في دمشق، واستغراق النظام السوري الجديد في دوامة من التحديات العسكرية والاقتصادية والطائفية.
وعليه، فإن التدخل الإسرائيلي الأخير في سوريا، لم يكن بدافع إنسانيّ فقط، وإنما جاء في إطار استراتيجية قائمة على أساس الواقع السياسي بهدف السيطرة على جارتها الشمالية – سوريا، وفقاً للباحثَين.
ورأى الباحثان أن إسرائيل يمكن أن تساعد في إبرام اتفاق بين الدروز والحكومة المركزية السورية، يكون قائماً على أساس الحُكم الذاتي، أمّا بخلاف ذلك، فقد تترك إسرائيل للسوريين حَلّ مشاكلهم بأنفسهم.
وخلُص الباحثان إلى أن هذا الضَعف السوري قد يؤكّد عُلوّ اليد الإسرائيلية في الوقت الراهن، لكنه يُجذّر لعدوانٍ ولتهديد أمني مستقبليّ من الجارة الشمالية.
“بعد الهجمات الإسرائيلية الأخيرة، من الصعب أن نرى إلا أنّ إسرائيل تمضي قُدماً في تنفيذ استراتيجيها الراهنة – وهي استراتيجية لا مكان فيها للدبلوماسية”، وفقاً للباحثَين.
—————————–
“قصة السويداء هي قصّتنا نحن أيضاً في إسرائيل“
صحيفة معاريف الإسرائيلية، التي نشرت مقالاً بعنوان “مذبحة السويداء هي السابع من أكتوبر/تشرين الأول بالنسبة للدروز، وإسرائيل لا يمكن أن تقف مكتوفة الأيدي”، بقلم الجنرال الإسرائيلي منير ضاهر.
ورأى ضاهر أن اللحظة الراهنة هي “لحظة للصِدق” بالنسبة لدولة إسرائيل؛ فالدروز في إسرائيل يحاربون “كتفاً لكتف” مع الجنود الإسرائيليين، ويدفعون ثمناً غالياً من دمائهم.
لكن هذا التحالف ليس أحاديّ الجانب؛ فعندما يصرخ الدروز في سوريا، لا يمكن لإسرائيل أن تخفض رأسها وتقول: “إن هذا الأمر لا يخصّني” – إنّ إسرائيل عليها واجب أخلاقي بأن تتحرك، وفقاً لصاحب المقال.
“وتتحمّل إسرائيل مسؤولية استراتيجية بوقف المدّ الجهادي على حدودها الشمالية الشرقية، كما أنها ترتبط بروابط الدم والمصير مع الدروز الذين يُعتبرون حليفاً تاريخياً”، على حدّ تعبير الكاتب.
وفي ضوء ما تقدّم، تساءل الجنرال الإسرائيلي عمّا يتعيّن فِعله الآن؟
ورأى ضاهر أنه يتعين على الخارجية الإسرائيلية القيام بعمل دبلوماسي فوريّ لمنْع وقوع مذبحة في جبل الدروز جنوبي سوريا، وتسخير كافة الوسائل الدبلوماسية للضغط على روسيا والأردن والولايات المتحدة في هذا الاتجاه.
وعلى صعيد المساعدات الإنسانية، رأى صاحب المقال أنه، يتعين تدشين إطار عمل دُرزي-إسرائيلي-دوليّ لنقل المساعدات للدروز.
أيضاً، رأى الكاتب أنه يجب على المجتمع الإسرائيلي أنْ يعرف أنّ قصة السويداء هي أيضاً قصتنا نحن الإسرائيليين. “هذا ليس صراعاً يخوضه آخرون، وإنما هو صراع يخوضه حلفاؤنا، ورُفَقاء سلاحنا، ورِفاق دَربِنا”، على حدّ تعبيره.
وخلص الكاتب إلى القول إنه “يجب على الجيش الإسرائيلي تدمير كل القوات التي تقترب من منطقة السويداء”؛ فنحن لم نقف صامتين في وجه معاداة السامية في أوروبا، ولم نكتفِ بموقف المتفرّج إزاء مذبحة اليزيديين – فلماذا ينبغي علينا الصمت عندما يقاتل إخواننا الدروز دفاعاً عن وجودهم؟
واختتم الجنرال الإسرائيلي بالقول: “إذا كانت إسرائيل تمتلك قلباً، فهذا هو الوقت لكي تُظهر ذلك. إن عليها دَيناً حان وقتُ الوفاء به”.
—————————–
محمد بن سلمان يرحب بإجراءات الشرع لاحتواء أحداث سوريا
و17 يوليو 2025 م
رحب الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، بما أعلن عنه الرئيس السوري أحمد الشرع من ترتيبات وإجراءات لاحتواء الأحداث الأخيرة في سوريا.
جاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقاه ولي العهد السعودي من الرئيس السوري، يوم الخميس، أعرب فيه الأمير محمد بن سلمان عن ثقة بلاده في قدرة الحكومة السورية بقيادة الشرع على تحقيق الأمن والاستقرار.
ونوه الأمير محمد بن سلمان بالجهود التي يبذلها الشرع لاستمرار سوريا في مسارها الصحيح الذي يكفل المحافظة على وحدة سوريا وسلامة أراضيها، وتعزيز وحدتها الوطنية، وتكاتف جميع أطياف الشعب السوري وتلاحمه، وعدم السماح لأي بوادر فتنة تهدف إلى زعزعة أمنه واستقراره.
وشدد ولي العهد السعودي على أهمية مواصلة ما بدأته سوريا على جميع المستويات لتحقيق التقدم والازدهار الذي يتطلع إليه الشعب السوري، مجدداً التأكيد على موقف المملكة الثابت في مساندتها، والوقوف إلى جانبها، ورفض أي عمل يمس السلم الأهلي والاجتماعي جملة وتفصيلاً.
وجدد الأمير محمد بن سلمان موقف السعودية المُعلن بإدانة الاعتداءات الإسرائيلية السافرة على الأراضي السورية، والتدخل في شؤونها الداخلية.
وأكد ولي العهد السعودي ضرورة دعم المجتمع الدولي للحكومة السورية في مواجهة هذه التحديات، ومنع أي تدخلات خارجية في الشأن الداخلي السوري تحت أي مبرر.
من جهته، أعرب الشرع عن شكره للسعودية لمواقفها الداعمة لمساندة سوريا، وتقديره للدور الذي يقوم به ولي العهد من جهود ومساعٍ لدعم الأمن والاستقرار في سوريا والمنطقة.
—————————-
عودة التوتر بين مقاتلين من بدو سوريا ومقاتلين دروز في السويداء
نزوح وتهجير قسري.. و«الشبكة» توثق مقتل 14 شخصاً
دمشق – لندن: «الشرق الأوسط»
17 يوليو 2025 م
توتر الوضع الامني في محافظة السويداء مرة أخرى، في أعقاب سحب السلطات السورية قواتها بالكامل من محافظة السويداء في جنوب سوريا، فجر الخميس، فبعد إقدام ميليشيات تابعة لرجل الدين حكمت الهجري، على اقتحام منازل تعود لبدو السويداء، وإحراقها، شن مقاتلون من البدو بعد ساعات، هجوما مضادا على مقاتلين من الدروز.
وقال قائد عسكري من البدو السوريين لـ”رويترز”، إن مقاتلين من البدو شنوا هجوما جديدا في محافظة السويداء السورية على مقاتلين من الدروز، على الرغم من الهدنة التي أُعلن عنها أمس لإنهاء أيام من القتال الدامي.وأوضح القائد، أن الهدنة تنطبق فقط على القوات الحكومية وليس على البدو، وأن مقاتلي البدو يسعون لتحرير بدو احتجزتهم جماعات مسلحة درزية في الأيام الأخيرة.
وكانت مصادر إعلامية سورية أفادت بحدوث حالات نزوح بين بدو السويداء، عقب منحهم مهلة لمغادرة المدينة من قِبل مجموعات مسلّحة خارجة عن القانون، تتبع رجل الدين حكمت الهجري. في حين وثقت «الشبكة السورية لحقوق الإنسان»، في تصريحات مديرها لـ«الشرق الأوسط»، مقتل 14 شخصاً من العشائر من سكان السويداء، اليوم.
وقالت «وكالة الأنباء الرسمية (سانا)»، إن مجموعات خارجة عن القانون قامت بالاعتداء على حي المقوس داخل السويداء، وارتكاب انتهاكات بحق المدنيين فيه.
وذكرت مصادر محلية لوكالة «سانا»، أن تلك المجموعات هاجمت الحي، وارتكبت مجازر بحق النساء والأطفال، ونفّذت تصفيات ميدانية وانتهاكات بحق أبناء المنطقة من العشائر والبدو، مشيرة إلى مقتل وإصابة عدد كبير من المدنيين.
وأضافت المصادر، أنه ومنذ ساعات الصباح جرى تسجيل حركة نزوح وتهجير قسري لعشائر البدو في ريف السويداء، وسط تهديدات من قبل مجموعات خارجة عن القانون باستهدافهم.
من جهتها، وثّقت «الشبكة السورية لحقوق الإنسان» مقتل 207 سوريين -بينهم 7 سيدات (إحداهن توفيت إثر أزمة قلبية بعد تلقيها نبأ وفاة حفيدها) و6 أطفال، واثنان من الطواقم الطبية، أحدهما سيدة- بوصفها حصيلة أولية لأحداث السويداء في الأيام الأخيرة.
وقال مدير الشبكة، فضل عبد الغني، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن الشبكة وثقت، اليوم، مقتل 14 شخصاً من العشائر من سكان السويداء.
من جهة أخرى، أفاد مراسل تلفزيون سوريا، بانتشار فصائل محلية في السويداء، تزامناً مع حركة نزوح لعشائر البدو، وذلك عقب انسحاب قوى الأمن الداخلي والجيش السوري من المحافظة. وأشار المراسل إلى أنّ الفصائل المحلية بدأت مع ساعات الصباح الأولى عمليات تمشيط لأحياء المدينة وباقي القرى والبلدات في الريف.
وقال المراسل، إنّ الطريق الواصل بين محافظتي درعا والسويداء يشهد منذ ساعات الصباح، نزوحاً متقطعاً من عائلات عشائر البدو باتجاه درعا، خشية وقوع أعمال انتقامية. وأشار إلى أن عائلات من العشائر نزلت في مساجد ومدارس مدينة بصرى الحرير بريف درعا، بعد أن اضطرت للخروج من السويداء.
من جهتها، أفادت شبكة «شام» الإخبارية، بتوتر جديد تشهده محافظة السويداء بعد إقدام ميليشيات تابعة للهجري، منذ الأربعاء، تتمثل في اقتحام منازل تعود لبدو السويداء، حيث قامت بإحراقها ونهب محتوياتها، وطرد سكانها منها بالقوة.
وذكرت مصادر محلية أن الهجوم أسفر عن مقتل اثنين من أبناء البدو في المنطقة، وسط حالة من الذعر بين الأهالي، وخشية من توسع الاعتداءات إلى مناطق أخرى.
تأتي هذه الأحداث في سياق التوترات المتصاعدة التي تشهدها محافظة السويداء منذ بداية يوليو (تموز) الحالي، التي اندلعت إثر اشتباكات بين مجموعات مسلحة وقوات الجيش العربي السوري، خلال عمليات فضّ النزاعات في ريف المحافظة، وأسفرت عن سقوط قتلى وجرحى من المدنيين والعسكريين. كما شهدت المحافظة تحركات واسعة لقوى الأمن الداخلي في محاولة لإعادة الاستقرار وضبط المجموعات الخارجة عن القانون.
——————————–
ما خيارات سوريا لمواجهة إسرائيل بعد اشتباكات السويداء؟/ أحمد حافظ، ديانا جرار
17/7/2025
أجمع باحثون وخبراء في الشأن السوري على أن خيارات الحكومة السورية -في مواجهة التصعيد الإسرائيلي الأخير- تبقى محدودة، خاصة إذا كانت متعلقة بإمكانات الردع أو الرد العسكري، وذلك في ظل الظروف الدقيقة والمعقدة التي تتشكل فيها ملامح حكومة جديدة بعد انهيار نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد.
وتنوعت الخيارات التي ذهب إليها المحللون -في تصريحاتهم للجزيرة نت- بين تعزيز التلاحم الداخلي وأهمية معالجة الشروخ المجتمعية بوصفها المدخل الأساسي لنزع فتيل التدخلات الخارجية، وتفعيل دور الدبلوماسية الخارجية ضمن سياق التحركات الإقليمية والدولية والمراهنة على دور الحلفاء في الضغط على إسرائيل، والتركيز على الجبهة الداخلية وتجنب الانزلاق إلى مواجهات مفتوحة، وبناء الدولة ومقدراتها حتى تكون في وضع يسمح لها بمواجهة تهديدات الخارج وتمزقات الداخل.
وخلال الأيام الماضية، اندلعت في محافظة السويداء (جنوبي سوريا) اشتباكات بين مسلحين من الدروز وآخرين من العشائر البدوية، وسرعان ما امتدت رقعتها وأوقعت عشرات الضحايا من القتلى والمصابين.
وإثر هذه الأحداث، أعلنت إسرائيل أنها لن تتخلى عن الأقلية الدرزية في سوريا، وشنت سلسلة غارات على مواقع في محافظتي السويداء ودرعا وفي العاصمة دمشق، حيث استهدف سلاح الجو الإسرائيلي أمس الأربعاء مبنى الأركان العامة ووزارة الدفاع ومحيط القصر الرئاسي.
ورغم هذا التصعيد الإسرائيلي، وعقب الإعلان عن التوصل لاتفاق تهدئة في السويداء، فإن الرئيس السوري أحمد الشرع قال -في كلمة فجر اليوم الخميس- إن “الكيان الإسرائيلي يسعى منذ سقوط النظام البائد لتحويل أرضنا لأرض نزاع وتفكيك شعبنا” مؤكدا أنه “لا مكان لتنفيذ أطماع الآخرين في أرضنا وسنعيد لسوريا هيبتها وعلينا تغليب المصلحة الوطنية”.
وأمام هذه التطورات، وضع محللون عددا من التصورات التي يمكن أن تمثل خيارات أمام الرئيس السوري لمواجهة هذه الاعتداءات داخليا وخارجيا، ويمكن عرضها في التصور التالي:
وتقدم تصريحات لمدير مركز إدراك للدراسات والاستشارات باسل حفار رؤية متنوعة لطبيعة الخيارات المتاحة أمام القيادة السورية في مواجهة التصعيد الإسرائيلي، مشددا على أن معالجة الانقسامات والشروخ المجتمعية الداخلية تمثل المدخل الأهم لتحصين البلاد من التدخلات الخارجية، وأن توحيد الصف الوطني وتحقيق الاستقرار هما السبيل الأكثر فعالية لمواجهة التحديات الحالية والمستقبلية.
ويمكن ذكر تفاصيل تصريحاته للجزيرة نت في النقاط التالية:
خيارات المواجهة أمام السلطة السورية متعددة، ولا توجد اتفاقات أو محددات تلزمها بنهج واحد في الرد على التصعيد الإسرائيلي.
من الطبيعي أن تميل السلطة إلى الخيارات الأقل كلفةً وخطورةً والتي لا تلحق ضررا بسوريا ومصالح شعبها.
التدخل الإسرائيلي في سوريا يستند إلى وجود شروخ وخلافات مجتمعية بين مكونات الشعب السوري، وهي حالة موروثة من النظام السابق.
استمرار هذه الشروخ يوفّر فرصة “للأعداء” للتدخل في الشأن السوري، وتعد مادة دسمة للمناوئين لسوريا.
الحل الأمثل لمواجهة التصعيد الإسرائيلي هو معالجة الشروخ المجتمعية ونزع فتيل النزاعات، بما يؤدي إلى وحدة سوريا أرضا وشعبا وبسط سيطرة الدولة بشكل إداري وأمني وسياسي على كافة الأراضي.
سيطرة الدولة المنشودة ليست أمنية فقط، بل تشمل الإدارة وبسط الاستقرار والرضا المجتمعي بين كل فئات الشعب.
كلما اتجهت السلطة نحو وحدة المجتمع ومعالجة الخلافات من جذورها قلّت فرص التدخل والإساءة إلى سوريا.
أشار الرئيس السوري في خطابه الأخير إلى أن خيار المواجهة المفتوحة مع إسرائيل كان مطروحا، لكن فُضّل التوصل لاتفاق بشأن السويداء بدلا من التصعيد العسكري الداخلي.
وتتناول تصريحات الباحث في مركز جسور للدراسات وائل علوان -للجزيرة نت- الأهمية الكبرى للاعتماد على الدبلوماسية الخارجية خيارا وأولوية أمام الحكومة السورية لمواجهة التصعيد الإسرائيلي، مشيرا إلى ضرورة تفعيل الوساطات الإقليمية والدولية وإعادة تقييم الأدوات الدبلوماسية المتاحة بدلا من الانزلاق نحو المواجهة العسكرية المباشرة، خاصة في ظل حساسية الوضع الإقليمي والدولي.
——————————-
السويداء في محنتها الرهيبة: تلخيص وقائع خمسة أيام من الاشتباكات والجرائم
17-07-2025
الأحد 13/07/2025. اندلعت اشتباكات في حي المقوس في مدينة السويداء بين فصائل محلية ومقاتلين من العشائر التي تقطن الحي، على خلفية قيام مجموعة مسلحة على طريق دمشق-السويداء، في المنطقة الواقعة بين خربة الشايب والفيلق الأول بريف دمشق، باختطاف تاجر خضار وسرقة سيارته وكل ما يملك، ما أدى إلى غضب في السويداء على أثر الحادثة التي لم تكن الأولى من نوعها على هذا الطريق، أعقبته عمليات خطف متبادلة.
استطاعت الوساطات المحلية التوصّل إلى تسليم المختطفين والتهدئة في المدينة بعد سقوط قتلى ومصابين في الاشتباكات، لكن الاشتباكات في الريف الغربي استمرت تزامناً مع إعلان وزارتي الدفاع والداخلية عن تدخُّلهما.
انتقلت الاشتباكات من مدينة السويداء إلى أطراف المحافظة بعد بدء هجمات على قرى الطيرة وكناكر والثعلة في الريف الغربي، والصورة وحزم في مدخل السويداء الشمالي، وقامت المجموعات المُهاجمة بحرق بيوت في قرية الطيرة.
وقالت حركة رجال الكرامة في بيان لها يوم الأحد: «كل قطرة دم تسيل اليوم هي خسارة لسوريا التي ننشدها». وأضاف البيان أنّ «ما تشهده المحافظة من توتر خطير لا يخدم مصلحة أي طرف، بل يهدد السلم الأهلي ويمهد لحالة من الفوضى لا نرضاها لأهلنا ولا لوطننا»، حملت الحركة سلطة دمشق جزءاً من المسؤولية عندما أشار إلى تخليها عن مسؤوليتها في حماية الطريق الحيوي الواصل بين دمشق والسويداء.
الإثنين 14/07/2025. بحصيلة 50 قتيلاً بين يومي الأحد وظهر الاثنين، استمرت الاشتباكات في ريف السويداء الغربي، بعد إعلان وزارة الداخلية عن التدخل المباشر في السويداء بالتنسيق مع وزارة الدفاع. ترافقت الاشتباكات مع قصف بطائرات مُسيَّرة استهدفت قرى تعارة والدور والدارة، وبمشاركة فصائل تابعة لوزارة الدفاع في الهجمات.
أوردت وزارة الداخلية في بيان لها فجر يوم الاثنين: «نهيب بجميع الأطراف المحلية التعاون مع قوى الأمن الداخلي والسعي إلى التهدئة وضبط النفس، وتؤكد الوزارة أن استمرار هذا الصراع لا يخدم إلا الفوضى ويزيد من معاناة أهلنا المدنيين. كما نشدد على أهمية الردع في نشر القوى الأمنية في المحافظة، والبدء بحوار شامل يعالج أسباب التوتر ويصون كرامة وحقوق جميع مكونات المجتمع في السويداء».
بعدها وجَّه الناطق باسم وزارة الداخلية تهديدات ضمنية لفصائل السويداء في تصريحات لوسائل إعلام رسمية ظهر الاثنين، حيث أكّد نور الدين البابا أنّ الأمور تسير «نحو الحسم لصالح الدولة السورية، ضمن الرؤية التي وضعتها رئاسة الجمهورية».
على مستوى الوضع الإنساني قامت الفصائل المحلية بتأمين معابر آمنة لخروج المدنيين تدريجياً من القرى التي تشهد اشتباكات إلى عمق محافظة السويداء، كما قامت مجموعات من الفصائل أيضاً بتأمين عائلات عشائر البدو من نساء وأطفال لضمان سلامتهم من أي أعمال انتقامية عشوائية. تحدثت مصادر طبية عن نقص حاد في المستلزمات الطبية رغم أن المشافي الخاصة فتحت أبوابها وقدمت كل كوادرها ومعداتها بشكل استثنائي.
اعتمدت القرى على تبرعات الصيدليات والمستوصفات المحلية في تأمين نقاط طبية بمعدات إسعافية أولية.
شهدت مناطق متفرقة من محافظة السويداء انقطاعاً في التيار الكهربائي منذ منتصف ليل الأحد، فيما قالت وزارة التربية إنها أجلت امتحانات الشهادة الثانوية التي كانت مقررة الاثنين في المحافظة بسبب الأوضاع الأمنية.
الثلاثاء 15/7/2025. دخلت الفصائل التابعة لوزارتي الدفاع والداخلية مدينة السويداء بعد يومين من الاشتباكات، وأعلن وزير الدفاع مرهف أبو قصرة، في بيان نشرته وكالة سانا صباح الثلاثاء، عن وقف إطلاق النار في مدينة السويداء بعد الاتفاق مع الوجهاء والأعيان في المدينة. وطالب البيانُ مقاتلي الوزارة بالالتزام والرد فقط على مصادر النيران. وأضاف البيان أنّ قوات وزارة الدفاع ستبدأ بتسليم أحياء مدينة السويداء لقوى الأمن الداخلي حالما يتم الانتهاء من عمليات التمشيط.
ونشرت الوكالة الرسمية، تسجيلات مصورة قالت إنّها تُظهر سحب الآليات الثقيلة من مدينة السويداء تمهيداً لتسليم أحياء المدينة لقوى الأمن الداخلي. وأعلن أحمد الدالاتي، الذي عُين مؤخراً قائداً للأمن الداخلي في السويداء، فرض حظر تجوّل.
الرئاسة الروحية لطائفة المسلمين الموحّدين أصدرت بياناً تُرحب فيه بدخول قوات الدولة، وبعد حوالي الساعتين من البيان الأول، نشرت صفحة الرئاسة الروحية للطائفة على موقع فيسبوك تسجيلاً مصوراً يتضمن بياناً جديداً للشيخ الهجري، قال فيه إنّه تعرض لضغوط من السلطة في دمشق ودول خارجية لإصدار البيان السابق، وإنه أصدره لحقن دماء أبناء المحافظة، لكن السلطات بحسب البيان «نكثت بالعهد والوعد واستمر القصف العشوائي للمدنيين»، معتبراً أن ما يجري «إبادة شاملة».
بينما شهدت أحياء المدينة حركة نزوح للأهالي بعد دخول الفصائل التابعة لوزارة الدفاع، كما شهدت القرى التي دخلتها الفصائل غربي المدينة نزوحاً واسعاً أيضاً قبل ذلك. وانتشر خبر عن إعدام مدنيين في مضافة آل الرضوان في المدينة، فيما أفاد شهود عيان بارتكاب انتهاكات وإهانات بحق مقاتلين سلّموا سلاحهم في بعض الأماكن، كما شهدت معظم مناطق دخول الفصائل أعمال نهب وإحراق لبعض المنازل والمحال، وقام مقاتلون تابعون للسلطة بتدمير تمثال يرمز إلى الثورة السورية الكبرى ضد الاحتلال الفرنسي في دوار العمران على مدخل مدينة السويداء الغربي.
في محاولة للتهدئة عُقد اجتماع في مضافة المرجع الديني الشيخ يوسف الجربوع يضم مدير الأمن الداخلي في المحافظة أحمد الدالاتي وعدداً من وجهاء المدينة والمرجعيات الدينية في المحافظة، يهدف للاتفاق على وقف إطلاق النار في كامل محافظة السويداء، وضمان عدم حصول أي عمليات انتقامية بحق المواطنين أو أماكن العبادة أو الأماكن التاريخية.
من جهتها قالت الإخبارية السورية بأنّ الاجتماع الذي ضم أيضاً العميد شاهر عمران قائد الأمن الداخلي في درعا، لمناقشة انتشار القوات الأمنية في المحافظة وضبط الأمن والاستقرار بحسب وصف القناة الرسمية.
تمكن المقاتلون المحليون بعد ظهر الثلاثاء من استعادة السيطرة على معظم أحياء مدينة السويداء، لكن مقاتلي فصائل وزارة الدفاع تمكنوا ليلاً من الدخول مجدداً. ودارت معارك عنيفة عند دوار العمران في المدخل الغربي للمدينة وعند حي النهضة في شرقها، كما تعرضت أماكن عدة في المدينة لرمايات بصواريخ غراد ومدافع الهاون من جانب فصائل وزارة الدفاع، كما بثت حسابات مرتبطة بمقاتلين من وزارة الدفاع تسجيلات مصورة لاستخدام الطائرات المسيرة في المعارك. وقد استعاد مقاتلو وزارة الدفاع السيطرة على عدة مواقع في المدينة، منها المشفى الوطني حيث عززت حاجزها هناك بدبابة.
أعلن الأهالي عن اكتشاف عمليات إعدام جماعي بحق مدنيين في السويداء، وتم تأكيد قيام عناصر من فصائل وزارتي الدفاع والداخلية بإعدام عائلات بأكملها من بينها عائلة من آل رضوان وثلاثة أفراد من عائلة قرضاب. كما شملت الانتهاكات أعمال سطو وإحراق للمحال في مدينة السويداء، بالإضافة إلى إحراق ونهب عشرات المنازل في ريف السويداء الغربي.
تعرضت عائلة للاستهداف من قبل عناصر تابعين لوزارة الدفاع أثناء تجمعهم أمام المنزل بهدف النزوح عن المدينة، فيما أكدت مصادر أهلية وطبية مقتل الطبيب طلعت عامر والطبيبة فاتن هلال.
الأربعاء 16/72025. استهدفت إسرائيل قوات تابعة لوزارة الدفاع غربي السويداء فجر اليوم، وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتز إنّ على السلطات السورية أن «تترك الدروز في السويداء وشأنهم وتقوم بسحب قواتها»، مشيراً إلى أنّهم يتابعون تطبيق سياسة نزع السلاح الثقيل في الجنوب السوري. وكان مسؤول إسرائيلي قد قال قبل ذلك لوسائل إعلام إن «الجيش السوري نسّق معنا قبل دخول السويداء لكنه أخل بالاتفاق».
الطائرات الإسرائيلية استهدفت مواقع تنتشر فيها فصائل وزارة الدفاع في منطقة الشقراوية وقرب مطار الثعلة بريف السويداء الغربي، ما أدى إلى وقوع إصابات بين عناصر تلك الفصائل.
أصدرت الرئاسة الروحية للموحدين الدروز قبل ظهر الأربعاء بياناً ناشدت فيه الرئيس الأميركي ورئيس الوزراء الإسرائيلي وولي العهد السعودي وملك الأردن لإنقاذ السويداء. وأشار البيان إلى أنّ أهالي المحافظة «يُبادون، ويُقتلون بدمٍ بارد، لا يُفرّق القاتل بين صغير أو كبير، بين امرأة أو طفل، بين طبيب أو شيخ»، وأشار البيان إلى أنّ النداء ليس سياسياً بل إنساني لإنقاذ المدنيين قبل «فوات الأوان».
بعد سلسلة من التحذيرات، نفذت الطائرات الحربية الإسرائيلية غارات بعد ظهر الأربعاء على وسط دمشق دمرت أجزاء واسعة من مبنى الأركان في الأمويين، فيما قال الجيش الإسرائيلي إنه يستعد لمهاجمة أهداف إضافية تابعة للسلطة السورية.
تسببت مجمل هذه الأحداث بمئات القتلى والضحايا من المقاتلين والمدنيين، وليس هناك أرقام حتى اللحظة، مع استمرار الأزمة الإنسانية الخانقة في المدينة وسط انقطاع الكهرباء والمياه والمحروقات لليوم الثالث على التوالي، وغياب شبه تام لمستلزمات الرعاية الطبية. وأعلن المستشفى الوطني صباح الأربعاء عن عجزه عن إجراء عمليات جراحية بسبب نفاد المستلزمات، فيما توقفت فرق الهلال الأحمر عن العمل نتيجة الفوضى الأمنية وعمليات الإعدام التي طالت أطباء ومقدمي رعاية صحية. وزاد إغلاق المحال ونفاد المواد الأساسية من معاناة السكان، بينما تتواصل حركة نزوح عشوائية من الأحياء رغم استهداف سيارات مدنية واستمرار حظر التجول. من جهته، أعلن مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة تعليق أنشطة وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الشريكة في السويداء، مشيراً إلى نزوح كامل لسكان قرى عديدة.
وكان الشرع قد أصدر بياناً ظهر الأربعاء باسم رئاسة الجمهورية، أدان الانتهاكات بحق المدنيين في السويداء وتعهد بالمحاسبة، فيما استمرت الاشتباكات والانتهاكات في السويداء رغم ذلك، مع استمرار نداءات الاستغاثة والأوضاع الإنسانية الكارثية في المدينة ومحيطها حتى لحظة نشر هذا الملخص، فيما قال الشيخ يوسف جربوع لتلفزيون العربي بعد ظهر الأربعاء إن «ما يجري في السويداء يرقى إلى محاولة تطهير عرقي».
بعد الظهر، أعلن الشيخ يوسف جربوع عن التوصل لاتفاق يقضي بـ«إيقاف كامل لجميع العمليات العسكرية بشكل فوري، والتزام جميع الأطراف بوقف التصعيد العسكري»، و«تشكيل لجنة مراقبة مكونة من الدولة السورية والمشايخ الكرام للإشراف على تنفيذ وقف إطلاق النار وضمان الالتزام به»، و«نشر حواجز الأمن الداخلي والشرطة من الدولة ومنتسبي الشرطة من أبناء محافظة السويداء، في جميع أنحاء مدينة السويداء والمناطق المجاورة، بهدف تعزيز الأمن وحماية المواطنين»، و«تشكيل لجنة مشتركة لتقصي الحقائق والتحقيق في الجرائم والانتهاكات والتجاوزات التي حصلت وتحديد المتسببين مع تعويض المتضررين ورد الحقوق لأصحابها وفقاً للقوانين والأنظمة النافذة بسرعة القصوى».فيما أصدر الشيخ الهجري بياناً باسم الرئاسة الروحية للموحدين الدروز يرفض هذا الاتفاق.
الخميس 17/07/2025. في الرابعة فجراً ألقى الشرع خطاباً قال فيه إنّ حماية أبناء الطائفة الدرزية أولوية، وشدد على وحدة سوريا ورفض مشاريع التقسيم، متهماً إسرائيل بالسعي لزعزعة الأمن الداخلي، وأعلن فيه تكليف بعض الفصائل المحلية ومشايخ العقل باستعادة الأمن.
وكانت وزارة الدفاع قد أنهت سحب قواتها من محافظة السويداء ليلاً، معلنة عن اتفاق شامل يحمل نفس البنود المشار إليها أعلاه والتي أعلنها الشيخ يوسف جربوع. فيما أعلنت واشنطن وأنقرة عن التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في السويداء، بعد جهود وساطة مكثفة شاركت فيها عدة أطراف دولية. وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، وبحضور الرئيس دونالد ترامب، أشار إلى أن الأزمة في الجنوب السوري ناجمة عن «خصومات تاريخية» بين مكونات محلية، مؤكداً أن التواصل جارٍ مع دمشق وتل أبيب لخفض التصعيد.
وخلال ساعات النهار بدأت تتكشف تدريجياً معالم الكارثة التي حلت بمدينة السويداء وريفها الغربي، مع عثور الأهالي تباعاً على عشرات الجثامين في الأزقة، فضلاً عن اكتشاف تدمير ونهب وإحراق عشرات المحال التجارية والمنازل. وتتالت المقاطع المسربة التي يظهر فيها عناصر تابعون للسلطة أثناء ارتكاب انتهاكات متنوعة، تشمل إعدامات ميدانية.
بين الضحايا عائلات بأكملها تمت تصفيتها في المنازل، وتتحدث مصادر محلية عن نحو 500 جثمان حتى الآن، مع تأكيد تسليم جثامين 226 ضحية لعائلاتهم حتى ساعات الظهيرة. والعدد مرشح للارتفاع، في ظل صعوبة الإحصاء والتنقل في المدينة.
وبدأت حركة نزوح لعائلات من العشائر البدوية من قرى محافظة السويداء وحي المقوس في المدينة، بالتزامن مع اعتداءات على عائلات بدوية من قبل مسلحين في الفصائل المحلية، شملت أعمال قتل وإحراق منازل. فيما أصدرت الرئاسة الروحية لطائفة الموحدين الدروز بياناً يطلب «احترام أبناء عشائر البدو المسالمين، وعدم المساس بهم»، بالتزامن مع تجدد اشتباكات متقطعة بين مقاتلين عشائريين والفصائل المحلية في بعض قرى ريف المحافظة.
وقال الناشط المدني والإغاثي صالح أبو دقة للجمهورية.نت إن «الوضع الإنساني في مدينة السويداء على شفير كارثة، بعد خمسة أيام متتالية من انقطاع الكهرباء والماء والمحروقات، ما تسبب بأزمة خانقة وبصعوبة نقل الجثامين والمصابين إلى المشافي. المشفى الوطني بالكاد يتسع لأي مصاب أو مريض. الأفران متوقفة عن العمل، والمواد الغذائية والدوائية قاب قوسين أو أدنى من النفاذ من المخازن»
موقع الجمهورية
——————————-
الشرع: نعرف جيداً من يجرّنا إلى الحرب وسوريا ليست ساحة تجارب لمؤامرات خارجية وأطماع الآخرين
الشرع: “كنا أمام خيار المواجهة أو فسح المجال للتوافق الداخلي، واخترنا ما يصون الدم السوري”.
في أول تصريح تلفزيوني له منذ اندلاع أعمال العنف في محافظة السويداء جنوب سوريا، واستهداف وزارة الدفاع ومحيط قصر الشعب من قبل القوات الإسرائيلية، أكّد الرئيس السوري أحمد الشرع أن الدولة تدخلت بكل مؤسساتها لوقف الاقتتال الداخلي الذي شهدته المحافظة، ونجحت في ضبط الأمن وإعادة الاستقرار إلى المدينة التي شهدت مواجهات عنيفة خلال الأيام الماضية.
وأشار الشرع في تصريحه الذي بثّ فجر الخميس إلى أنّ الدولة لم تكن متفرّجة على ما شهده أهل السويداء، بل تحركت بكامل مؤسساتها لوقف الاقتتال ومنع انزلاق الأمور إلى فتنة أوسع، مؤكداً أن الحفاظ على وحدة الوطن والنسيج الاجتماعي السوري يمثل أولوية لا تهاون فيها.
وشدّد على أن سوريا ليست ساحة لتجارب مؤامرات خارجية أو أطماع إقليمية، وقال: “نعرف جيداً من يحاول جرّنا إلى الحرب، لكننا نختار طريق حماية الوطن وحقن الدماء، ولن نسمح للكيان الإسرائيلي أو لغيره بتحقيق أهدافه عبر الفتن أو التصعيد”.
وأوضح أن القيادة السورية كلفت بعض الفصائل المحلية ومشايخ العقل بالمساهمة في استعادة الأمن في السويداء ضمن تفاهم وطني شامل، مشيراً إلى أن دمشق فضّلت التهدئة على التصعيد. وأضاف: “كنا أمام خيار المواجهة أو فسح المجال للتوافق الداخلي، واخترنا ما يصون الدم السوري”.
وأكد الشرع أن أهل السويداء من الدروز يشكلون جزءاً لا يتجزأ من نسيج الوطن، موضحاً أن حمايتهم مسؤولية وطنية وأولوية لا تقبل الجدل، فهم شركاء في التاريخ والمصير.
ودعا إلى الالتفاف حول الدولة في هذه المرحلة المفصلية، مشدداً على أن بناء سوريا الجديدة يتطلب التمسك بالمصلحة الوطنية ووحدة القرار والتصدي لكل محاولات تفكيك البلاد.
وفي إشارة إلى التدخلات الخارجية، قال الشرع إن “الكيان الإسرائيلي لجأ إلى تقويض جهود ضبط الأمن في السويداء، مؤكداً أن الوساطات الأميركية والعربية والتركية كانت سبباً في احتواء الوضع”، مضيفاً: “لسنا ممن يخشى الحرب، لكننا قدمنا مصلحة الشعب على الفوضى، وكان خيارنا الأمثل حماية وحدة الوطن”.
وتأتي هذه التصريحات في ظل تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار في السويداء، الذي نص على وقف العمليات العسكرية فوراً وتشكيل لجنة مراقبة تضم ممثلين عن الدولة السورية ومشايخ عقل دروز. وقد بدأ الجيش السوري انسحاباً تدريجياً من المدينة تطبيقاً لبنود الاتفاق، فيما تستمر التحذيرات الإقليمية والدولية من تصاعد التوتر في الجنوب السوري.
وقُتل أكثر من 350 شخصاً منذ اندلاع أعمال العنف الطائفية في السويداء جنوبي سوريا صباح الأحد، وفق حصيلة جديدة نشرها المرصد السوري لحقوق الإنسان مساء الأربعاء، بينما أعلنت دمشق بدء انسحاب قواتها من المحافظة إثر دعوة أميركية بهذا المعنى وغارات إسرائيلية عنيفة.
وأحصى المرصد مقتل 79 مقاتلاً درزياً و55 مدنياً، مقابل 189 قتيلاً من القوات الحكومية إضافة إلى 18 مسلحاً من البدو في أعمال عنف طائفية، ومقتل 15 عنصراً من القوات الحكومية جراء الغارات الإسرائيلية.
وجاء إعلان دمشق بدء انسحاب قواتها من المحافظة بعدما أشارت وزارة الداخلية مساء الأربعاء إلى التوصّل لاتفاق لوقف إطلاق النار في السويداء، يضمّ 14 بنداً، ينصّ أبرزها على إيقاف كل العمليات العسكرية بشكل فوري وتشكيل لجنة مراقبة من الدولة السورية وشيوخ دروز للإشراف على عملية التنفيذ.
——————————
======================



