إشتباكات السويداء والتدخل الاسرائيلي السافر تحديث 18 تموز 2025

عن التدخل الاسرائيلي السافر في سورية الجديدة، ملف تناول “شهية إسرائيلية لتفتيت سوريا” – تحديث 15 تموز 2025
لمتابعة مكونات الملف اتبع الرابط التالي
التدخل الاسرائيلي السافر في سورية الجديدة
لمتابعة تفاصيل هذا الملف اتبع الرابط التالي
لمتابعة تفاصيل هذا الملف اتبع الرابط التالي
————————-
الشرع والهجري: جذور متشابكة والتربة أعمق/ صبحي حديدي
لن تُمحى بسهولة، إذا كانت ستُمحى أصلاً في أيّ زمن منظور، مشاهد التصفيات العشوائية والإعدامات الميدانية وأفانين التحقير الجسدي الأشنع والإهانات اللفظية الأبشع، وشتى الانتهاكات التي شهدتها محافظة السويداء مؤخراً؛ مع اندلاع المواجهات المسلحة الدموية بين مجموعات مسلحة تتبع بعض العشائر، وميليشيات منظمة مسلحة بدورها تتبع (حتى يثبت العكس) لشيخ العقل حكمت الهجري. وعلى نحو انفرادي، فاجع ومأساوي وعميق الغور إنسانياً ووطنياً، كيف ستطوي الذاكرة السورية المعاصرة فظائع المشفى الوطني في السويداء، أو مشهد رفع علم دولة الاحتلال الإسرائيلي على أحد أسطح المدينة. تلك الويلات، بصرف النظر عن هويات مرتكبيها وانتماءاتهم العشائرية أو الدينية أو الطائفية، ليست وحشية وهمجية وبهيمية فحسب، فهذه توصيفات الحدود الدنيا؛ بل هي تمثيلات فعلية وميدانية لخطوط في الانحياز السياسي والإيديولوجي الإقصائي، تحرّك الغرائز وتؤجج الأحقاد.
وبهذا المنظور، إذا جاز استخدام المفردة هنا، فإنّ المقاتل في صفوف هذه المجموعة العشائرية المسلحة أو تلك الميليشيا المذهبية قد يرتكب جرائمه من باب إعلاء راية قبائل الشعيطات، أو نصرة الشيخ الهجري، أو تلبية نفير جهادي ما؛ لكنّ الدوافع الأعمق التي تحرّك أدوات العنف الأقصى في بنيانه الذهني الإجمالي تضرب بجذورها في تربة أعمق وأشدّ تشابكاً واختلاطاً وتذبذباً وتشوّشاً، قد تبدأ من خلفيات تاريخية واجتماعية وثقافية وتربوية، ولكنها يندر ألا تنتهي عند السياسة كخطّ أكبر ناظم للانحياز، حتى في أنساقه الأشدّ انقياداً واتّباعاً.
وهو منظور يدفع إلى تحميل مسؤولية مقتل العشرات من السوريين، ممّن أريقت دماؤهم خلال المواجهات الأخيرة، إلى فريق سياسي أوّل يزعم أنه الدولة، أو انتقل إليها من عقلية الفصيل والميليشيا، ويَفترض أنه مخوّل بفضّ نزاعات أهلها متى شاء وكيفما اتفق؛ وإلى فريق سياسي ثانٍ يزعم الانفراد بالعقل الروحي لطائفة الموحدين الدروز في سوريا، يفتي ذاتياً بأنه مخوّل بإدارة شؤونهم وتحصيل حقوقهم وتحديد واجباتهم، متى شاء وكيفما اتفق. وإذا توجب على القاتل من المجموعات المتقاتلة، العشائر والدروز والفصائل، أن يُحاسب كمجرم حرب في دولة قانون وقضاء، ذات يوم قريب أو بعيد؛ فإنّ جريمته، اليوم وللتوّ، تقع أيضاً على عاتق الفريقين المخوّلَين ذاتياً، وإنِ بنِسَب متفاوتة تبعاً لأشكال ومضامين «التخويل» دون سواه.
ليس مقبولاً عقلياً، وهو بالتالي مدعاة حساب ومساءلة، أن يعلن الرئيس الانتقالي أحمد الشرع أنّ رئاسته باتت الدولة، بعد أن كان يقود «هيئة» جهادية وفصائلية؛ ثم يسكت، منذ سبعة شهور ونيف، على انفلات السلاح والفصائل والميليشيات «الخارجة عن القانون» حسب توصيف مؤسساته وأجهزته، وأن يخلي لها الساحة كي تهرّب وتُفسد وتتاجر بالكبتاغون وتقتتل فيما بينها أو مع خصوم لها. وليس مقبولاً عقلياً، وبمستوى قد يكون أقلّ درجة في الحساب والمساءلة، أن ينظر الهجري إلى الشرع كـ»مطلوب للعدالة الدولية»، وأن يُلزمه بحماية طريق دمشق ـ السويداء ولكن من دون السماح بدخول جندي واحد إلى المدينة، ويبقيها تحت سيطرة «مجلس عسكري» محلي، ويمنح ذاته الحقّ في طلب الحماية الدولية، واستصراخ دولة الاحتلال الإسرائيلي التدخل لحماية دروز جبل العرب من «العصابات المسلحة التي تسمي نفسها زوراً حكومة».
وللمرء أن يضيف إلى هذه الثنائية، القائمة على اختلالات شتى راهنة وأخرى آتية، حقيقة أولى تقول إنّ الشرع لا يبدو مسيطراً تماماً على جميع الفصائل التي قاتلت معه في «المحرّر»، ثم نفرت تحت قيادته إلى حلب وحماة وحمص ودمشق، قبيل فرار بشار الأسد؛ وأنه، استطراداً، لم يضمن انفلات بعض تلك الفصائل في ارتكاب مجازر الساحل السوري تحت غطاء دحر فلول النظام البائد، أو تكرار فظائع مماثلة في السويداء تحت غطاء فضّ الاشتباك بين المتقاتلين. وللمرء إياه أن يضيف حقيقة ثانية، موازية ومكمّلة، مفادها أنّ الشيخ الهجري ليس الناطق الوحيد بلسان دروز جبل العرب؛ وثمة مشايخ عقل يخالفونه الرأي ويحثون على الالتحاق الفوري بركب الجمهورية الوليدة، لأنّ البديل هو تجذّر الفوضى وحال الاقتتال داخل المحافظة.
وفي أيّ طراز من الجدل بين هاتين الحقيقتين، ثمة ما يحيل إلى خلاصة مأساوية ومحزنة ومحبطة في آن: هل الأداة المباشرة، شبه الصماء وشبه العمياء والعشوائية غالباً، هي التي يتوجب أن تُلام أوّلاً، وتُلصق بها وحدها الآثام والانتهاكات والفظائع؛ أم الجدير بالملامة الأكبر، والأَوْلَى، هو المحرّك الذي يشغّل الأداة، سواء انطوت نواياه على الخير أم الشرّ؟ قد يصحّ، كما سيقول مناصر للرئيس الانتقالي، أنّ إدخال الجيش والأمن العام إلى السويداء دونه خرط القتاد، واستدعاء القصف الإسرائيلي، ولهذا تأخر وتلكأ، وذاك ترجيح وارد بالطبع؛ ما خلا أنه قد يليق بقائد «هيئة» جهادية أياً كانت تحوّلاته، لكنه يبخس الكثير من موقع رئيس دولة، حتى إذا لم يكن منتخباً.
وقد يصحّ، كما سيقول مدافع عن استئثار الهجري بالقرار الشعبي والطائفي الدرزي، إنّ للمحافظة خصوصيات تستوجب هذه الحزمة أو تلك من الحقوق، ولأبنائها تجارب دامية مع الجهاديين في سنوات سابقة، ومن حقها أن تتوجس خيفة من السلطات الانتقالية. وهذا بدوره مرجّح، إذا تغافل المرء عن حقيقة إبرام أربعة تفاهمات سابقة بين دمشق والمرجعيات الروحية الدرزية في المحافظة، وأنّ بعض تاريخ الهجري قابل للطعن من جانب علاقاته مع النظام البائد، وبعض الفصائل والميليشيات المذهبية العراقية، وضباط الاحتلال الروسي.
غير خالٍ من المغزى أنّ الرئيس الانتقالي التزم الصمت المطبق حول ما يجري في بلد بات هو رأس السلطة التنفيذية فيه، شاء المرء أم أبى، وما دامت أيّ صيغة لانتخابات حرّة ونزيهة غير متوفرة في ظروف سوريا الإحصائية والاقتصادية والأمنية والإدارية؛ وظلت أجهزته تعد بكلمة وشيكة، حتى خرج بها في ساعة متأخرة من نهار ممضّ طويل. أمّا الهجري فقد اختار النهج المعاكس تقريباً، إذْ وافق على نداء تهدئة صدر عن الهيئات الروحية، ثم انقلب عليه بعد ساعتين فقط لأنه «مذلّ» وفُرض من دمشق، ليخرج لاحقاً بإعلان رافض لبيان تهدئة ثانٍ أصدرته الفعاليات الروحية والمدنية، فيتوعد الملتزمين به، ويناشد «دولة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو» إنقاذ السويداء.
ولعلّ الإشارة في السطور السابقة إلى نِسَب متفاوتة، في إلقاء المسؤولية على عاتق الشرع والهجري، لا تبدأ من تفصيل أكثر خطورة وعاقبة من ذاك الذي يخصّ تزويد دولة الاحتلال الإسرائيلي بذريعة مسرحية فاضحة للتدخل في الشأن السوري؛ ليس كما فعلت مراراً منذ سقوط نظام كان بمثابة حارس لها في سهول وهضاب الجولان السوري المحتل، إذْ لم تكن في حاجة إلى ذرائع، بل لاستهداف صفة الشرع السيادية عبر قصف محيط القصر الرئاسي، والنيل من رمز سوريا العسكري ودكّ مدخل رئاسة الأركان. وقد يمرّ زمن، غير طويل، قبل أن تتضح مفارقة مضحكة، لعلها مبكية أيضاً: الذين اتهموا الشرع بالهرولة نحو التطبيع، من أهل «الممانعة» خصوصاً، سوف يحارون في تفسير الضربة الإسرائيلية للعاصمة دمشق: هل تتكفل بتعزيز شعبية الشرع في ناظر السوريين، كرافض أو معاند أو عالي السقف والتطلّب في ملفّ التطبيع، يطلق تسمية «الكيان» على دولة الاحتلال؟ أم تقول ضمناً إنها رسالة «عتاب» شديدة التدمير، ودفعة أولى على حساب مفتوح، لأنّ الشرع لم يهرع سريعاً وكما ينبغي نحو أحضان التطبيع؟
الأرجح، في كلّ حال، أنّ التاريخ لن يتسامح مع الاثنَين المخوّلَين ذاتياً، الشرع والهجري؛ إذْ يتحمل كلّ منهما مستويات شتى من المسؤولية، إزاء إراقة دماء عشرات الضحايا الأبرياء، وإبطاء أو عرقلة مسارات استشراف سوريا الجديدة.
كاتب وباحث سوري يقيم في باريس
القدس العربي
——————————
هل اغتالت “الهيئة” الحكومة في دمشق؟/ نجيب جورج عوض
18.07.2025
بيّنت مذبحة السويداء المروّعة، وتسليط الضوء على سلطة “هيئة تحرير الشام” فيها، وانكشاف أيديولوجيتها أمام العالم أجمع، ومن ثم انسحابها من المحافظة وتركها تحت إدارة ذاتية وتحت هجمات فصائل محسوبة على البدو، أن إسرائيل قد نجحت في إيقاع أحمد الشرع و”الهيئة” في فخ عميق، مدروس، وشديد المكر، فخ قد يبتلع كامل الجنوب السوري ويديره لعقود طويلة.
من “الهيئة” إلى “الدولة”
بعدما أعلنت “هيئة تحرير الشام” حلّ نفسها، وانضواء الفصائل تحت وزارتي الدفاع والداخلية، وما رافق ذلك من تهليل دولي وصل حدّ رفع الهيئة من قوائم الإرهاب، بالتزامن مع معطيات موضوعية خلال الأشهر الخمسة الأخيرة، بدأت من مجازر الساحل وانتهت بمجازر السويداء، تكشف لمن يريد أن يرى وتقول لمن يريد أن يسمع، إن مسار القتل في سوريا يتسارع وقد يبلغ مداه الأقصى.
تمّ التوغل في تطبيق سياسة العنف التأسيسي واستراتيجية الترهيب التمكيني. وتمّ تخدير جمهور واسع من أهل سوريا بحقن عالية من الخطابات الشعبوية الانتصارية، عن سلطة قيل لهم إنها أعادت الاعتبار والهيبة والعزوة الى تاريخهم “الأموي المجيد”، وأنها أعادتهم إلى القيادة والانتصار والكرامة، وأنهم اليوم من سيقرّرون، كونهم وحدهم من حرّروا، ووحدهم من ظُلموا واختبروا المقتلة من دون سواهم من أطياف المجتمع السوري.
هذا كله شكّل الأرضية التي وقفت عليها إدارة “هيئة تحرير الشام”، وراحت عبر “سلطة الشيوخ” تمارس سياسة تفكيك الدولة (قتل القانون والدستور، قتل المواطنة والمدنية، قتل الإدارة والحوكمة، قتل التماسك والتعدّد المجتمعي، قتل الثقافة، قتل الحريات، قتل المؤسسات، وقتل الطبيعة)، والآن توسّع حدود قتل الجماعات تمهيدًا لتفتيت الكيان السوري ووأد إمكانية إعادة خلقه من الداخل.
اليوم، ومع مذبحة السويداء، وما ارتكبته قوى “الأمن العام” و”وزارة الدفاع” التابعة لحكومة دمشق، ها هي الفصائل التي تكشف علامات بعض مقاتليها عن انتماءاتهم، تجعل حكومة دمشق المشكّلة حديثًا، تدفع ثمن تهاونها وتساهلها مع “الهيئة” وارتكاباتها، وثمن استخدامها كتائب الهيئة لتطبيق سياسة العنف التأسيسي. وها هي إسرائيل تستغل نقطة الضعف تلك، وتستغل رفض حكومة دمشق لاحتضان السوريين وبناء دولة مدنية دستورية قائمة على القانون والتعدّد وحقوق الجميع، لتُنزل بها أشد الضربات، مستفيدة من الجرح السوري النازف في الجنوب.
سبق وقلنا لحكومة دمشق إنها يجب أن تحاسب المتورطين في مذبحة الساحل، لكنها لم تستمع. واليوم، دعونا الشرع وإدارته الى وقف القتل في السويداء، ولكن، هذه المرة أيضًا، لا هو ولا “هيئته” سمع أو استجاب، لأنه اعتقد أنه وضع إسرائيل وأميركا وأوروبا في جيبه، بعدما رفعوا عنه العقوبات والتصنيفات السابقة، وبعدما أدخلوه في نشوة انتصار وصورة إعلامية مدروسة جعلته يعتقد أنهم أعطوه الضوء الأخضر لتحويل سوريا كلها إلى “الإمارة”، التي ساعدته تلك الدول أصلاً على خلقها بين عامي 2018 و2024 في شمال سوريا.
تقول الأحداث إن الشرع ومن حوله كانوا يُجرّون بأقدامهم إلى فخٍّ محكم، قاد أخيراً إلى هزيمتهم في السويداء، وتعرضهم لانتهاك السيادة من إسرائيل وضرباتها (واجتياحها المحتمل للجنوب).
ها هي الإدارة في دمشق تدفع ثمن أوراق فشلها، التي منحتها إسرائيل، واكتملت آخر فصول سياسة القتل في سوريا. فبدلاً من أن يتّجه الشرع وإدارته إلى الداخل السوري بأذرع مفتوحة ووطنية حقيقية، ويحتضنوا أهالي سوريا ويتخلّوا عن “الهيئة” ويعاقبوا جرائمها وجرائم أمرائها ومشايخها، تعالوا على الداخل السوري وراحوا يتعاملون معه باستهتار، وغرقوا في عمليات العلاقات العامة التسويقية في الخارج طمعًا بمكاسب إعادة الإعمار والاقتصاد.
سبق وقلنا للشرع وإدارته، إن عليهم أن يتحرروا من عبء الاعتماد على “الهيئة” وتسليمها إدارة البلد الداخلية، ونصحناه باحتضان الشعب السوري بكل أطيافه، وكان هذا الشعب سيساعده على التخلص من نير “الهيئة” إن كان عاجزًا عن ذلك.
واليوم، مع ذهاب كل هذه النصائح أدراج الرياح، ومع هزيمة الشرع في السويداء وخداعه من إسرائيل، تكتمل فصول القتل التي بدأت منذ خمسة شهور.
من اغتال من؟
أولاً، هل نشهد قيام أبو محمد الجولاني بقتل أحمد الشرع؟
خلال الشهور الماضية، جهد الجولاني في إقناع العالم والسوريين بأنه خلع بذلة الجهاد والإرهاب، ولبس بذلة جديدة هي بذلة رئيس دولة مدني منفتح وتسامحي، يريد أن يخدم الشعب ويحتضن تعدديته، ويجعل سوريا للجميع.
وظّف الشرع ماكينة إعلامية وتسويقية ضخمة من جمهور الهيئة لمساعدته في إقناع السوريين بذلك، لكنها تألفت فقط من إعلاميين ووزراء ومديرين وقيادات ورجال أعمال وأصحاب رأي أساؤوا إليه والى صورته أكثر مما أفادوها.
ومع تساهل الشرع مع كتائب الهيئة وممارساتها اليومية ضد السوريين، حتى توظيفها حديثاً في السويداء ضد الدروز، نتساءل:
هل قتل أبو محمد الجولاني أحمد الشرع؟
هل دفن قائد الميليشيا وأمير الحرب رئيس الدولة ومدير مرحلتها الانتقالية المدني؟
حكومة “الديكورات الخارجية”
ثانيًا، هل قتلت “هيئة تحرير الشام” إدارة المرحلة الانتقالية التي أسسها الشرع؟
كنا نأمل أن ينشئ جهازًا حكوميًا يتولى إدارة سوريا خلال المرحلة الانتقالية، وفق استراتيجية تسمح للمدنيين والتكنوقراط بتولي شؤون الحكم. لكن انتهى به الأمر إلى تشكيل حكومة صورية لا تتجاوز كونها ديكورًا خارجيًا، تخفي خلفها المديرين الحقيقيين: أمراء الميليشيات ومشايخ الهيئة.
وعلى رغم وجود محاولات خجولة من بعض أفراد الإدارة للتحرر من سيطرة مجالس الشورى وتشخيصات الهيئة، إلا أن مأساة السويداء تدفعنا لنسأل:
هل عمدت “هيئة تحرير الشام” إلى قتل إدارة المرحلة الانتقالية؟
هل وصلنا إلى النهاية: من قتل الدولة وتحويلها إلى “لا-دولة”، وصولًا اليوم إلى قتل الإدارة وتحويلها إلى “زعامة مماليك إقطاعيات”؟
نحو اللامركزيّة
أحداث اليوم توحي بأن الجولاني و”الهيئة” قد يعودان إلى المشهد، بينما يُدفن أحمد الشرع والإدارة الانتقالية تحت تراب سوريا الممزوج بدماء أبنائها.
فهل بقي أمام سوريا خيار سوى التخلي عن مشروع الجمهورية المركزية الرئاسية؟ إن كان الأمر كذلك، فإننا نتجه إلى ما اقترحناه منذ البداية: نظام جمهوري اتحادي وحكم لا مركزي.
يفتح نجاح الدروز في فرض إدارة ذاتية الباب واسعًا أمام تطبيق هذا النموذج في مناطق الأكراد ثم الساحل.
ولعلّ هذا يكون أهون الشرور، مقارنة بمشروع تقسيم إسرائيل سوريا إلى كيانات منفصلة. في ظل هذا التهديد، يبقى النظام الاتحادي خيارًا أرحم: يُزيل المركزية، لكنه لا يُنهي وحدة البلاد بالضرورة.
لكن، هل تسير سوريا نحو هاوية لا قعر لها؟
المعطيات لا تشير إلى أن مسار القتل قد انتهى، ولا إلى وجود من يعمل على وقفه.
الشارع المناصر للهيئة ما زال غارقًا في نشوة الانتصار، ولا يبدو أن ارتكابات الهيئة تذكّره بممارسات نظام الأسد التي عاناها.
وكأن المشكلة لم تكن الاستبداد نفسه، بل هوية المستبد.
فريق الجولاني الإعلامي يواصل الإنكار والتبرير والتنمر على كل من يفتح فمه للنقد.
وإسرائيل وأميركا وأوروبا – بل وحتى دول عربية مؤثرة – تواصل دعم الجولاني وهيئته، وتمنحهما هامش اعتراف يكفي لتثبيت سلطتهما.
أما باقي فئات الشارع السوري وفعالياته الديمقراطية فهي أقلية، مهمشة، محاربة، لا تملك إلا صوتها، في بلد قُتلت فيه السياسة والعقل والرأي الآخر.
إلى أين سوريا؟
إلى هوة بلا قرار؟
إلى أرض محروقة ومجتمع مدمَّر؟
إلى حلم ضائع في تقاسم الغنائم وتوزيع الأدوار بين أطراف خارجية؟
هل نحمد الله إن صرنا جمهورية اتحادية؟ أم نبكي على أطلال وطن لم يبقَ منه سوى اللا-دولة؟
هل قتل الجولاني الشرع؟ وهل قتلت الهيئة الإدارة؟
– باحث سوري
درج
————————————
ملاحظات على الوضع في سورية قابلة للتعميم عربياً/ أسامة أبو ارشيد
18 يوليو 2025
تختزل الفتنة الطائفية في محافظة السويداء السورية جملة من التحدّيات التي لا ينحصر نطاقها في سورية وحدها، بل قد تجد تعميماً لها في دول أخرى في المنطقة، وهو ما يستدعي مقارباتٍ أمنيةً جديدة تعيد موضعة إسرائيل تهديداً أمنيّاً مطلقاً، لا يمكن الوثوق به حليفاً أو طرفاً محايداً، حتى ولو وُقِّعتْ معه اتفاقات سلام. تتعامل إسرائيل مع المنطقة بأسلوبين. الأول، منطق الوحش الضاري المتأهب دوماً للانقضاض على الفريسة، وهو ما يعني أن الوحش الضاري لا يعترف بشركاء، بقدر ما يقارب الجميع على أنهم منافسون أو فرائس فحسب. الثاني، منطق الفيروس الخبيث والانتهازي، المتأهب دوماً للفتك بأيِّ جسد تَضْعُفُ مناعته، ذاتياً أو لأسباب خارجة عن إرادته، وهو (الفيروس) متى ما استوطن جسداً هزيلاً فإنه يعمل دوماً على إبقائه منهكاً مستنزفاً، فيحرمه فرصة استعادة توازنه وقوته، ومن ثم طرد الفيروس الخبيث منه.
من هنا، تبرير إسرائيل عدوانها على سورية بذريعة “حماية الدروز” فيها، ومحاولتها فرض منطقة منزوعة السلاح في الجنوب السوري برمّته، والانتقاص من سيادة الدولة في أراضيها، وربّما تقسيمها مستقبلاً، أمر قابل للتعميم في دول مثل مصر والأردن. أمّا لبنان، فهذا الأمر قائم اليوم بالفعل في جنوبه، بل يمكن الزعم إن هذا الواقع قائم كذلك في شبه جزيرة سيناء منذ معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979، التي تحدّد عدد القوات ونوعية الأسلحة المصرية فيها. لكن الأخطر أن أيَّ ارتباك أو اهتزاز أو فوضى في أيٍّ من دول المنطقة قد تستغلّه إسرائيل للتدخّل فيها، بذرائع شتى، تراوح من مزاعم الحفاظ على أمنها القومي، إلى حماية أقليات دينية أو عرقية، أو حتى سياسية مهمّشة أو مستهدفة.
نعود إلى السياق السوري وما يطرحه من جملة تحدّيات أخرى قابلة للتعميم، ومن ثمَّ الاستغلال والتوظيف من إسرائيل أولاً، وأطراف أجنبية أخرى، ثانياً. أهم هذه التحدّيات التي ينبغي الانتباه إليها عربياً هي المتعلقة بمفهوم الأغلبية والأقلية في سياق المواطنة. ولنكن واقعيين وموضوعيين منذ البداية، ثمَّة مشكلة في مفهوم المواطنة والمساواة بين مكوّنات المجتمع في دول عربية كثيرة، وهو ما ينشئ مساحةً يمكن أن ينفذ عبرها الفيروس الأجنبي المُدمِّر. لكن هذا الخلل البنيوي في هيكل المواطنة عربياً لا يقوم على أسس دينية ومذهبية وعرقية فحسب، بل نجده قائماً على أسس أيديولوجية وسياسية كذلك. مثلاً، هل يمكن لموضوعيٍّ أن ينكر أن المعارضين السياسيين في جُلِّهم، إن لم يكن في كلِّ الدول العربية، لا يتمتّعون بالحقوق نفسها، بينما يطلب منهم واجبات إضافية لإثبات ولائهم ومواطنتهم؟
مثلاً، من أكثرهم تمتعاً بحقوق المواطنة في مصر، المصريُّ المسلمُ السُّنّي المحسوب على جماعة الإخوان المسلمين، أم المصريُّ القبطيّ؟ أظن الإجابة معلومة. الفارق، أن أقباط مصر حين يتم التمييز الجائر بحقهم يجدون من يدافع عنهم دولياً، أمّا المعارضون، حتى ولو انتموا إلى الأغلبية السكّانية في دولة ما، فلا يجدون من يدافع عنهم، إذا كان نظام تلك الدولة مرضيّاً عنه غربياً، كما في مصر، وتونس، والأردن، والسعودية، والإمارات… إلخ. ومع ذلك يختار بعضهم التعامي عن الحقائق، لا عجزاً عن رؤيتها، ولكن تحيّزاً وتواطؤاً.
المتلازمة الأخيرة هي ما نجده في تعامل بعضهم مع الوضع في سورية. هل وقعت انتهاكات وتجاوزات بحقّ الدروز من بعض قوات الأمن والجيش الرسمية؟ قطعاً. لا ينكر ذلك إلا عديم مروءة ومفتقد النزاهة والموضوعية. الأمر نفسه يقال عمَّا جرى في الساحل السوري ضدّ العلويين في مارس / آذار الماضي. وهنا، الدولة السورية مطالبة بأن تتعامل بحزم مع تلك التجاوزات والانتهاكات بحقّ مدنيين على خلفية هوياتهم المذهبية. لكن، بما أننا نتحدّث في سياق الموضوعية والنزاهة، لماذا يصرّ بعضهم على إغفال السياقات والمقدّمات؟ ألم تبدأ اشتباكات الساحل السوري بهجمات من فلول بشّار الأسد على قوات الأمن والدفاع السوري، قتل فيها عشرات منهم بطريقة وحشية؟ ألم يطالب بعض العلويين إسرائيل بالتدخّل لحمايتهم من الحكومة المركزية؟ الأمر نفسه رأيناه يتكرّر في السويداء. أيُّ دولة تلك التي تقبل أن تكون واحدةً من محافظاتها مستقلة عنها؟ وأيُّ دولة تلك التي تقبل أن تصرَّ أقلية مذهبية فيها على أن يكون لها مستوى من المواطنة أعلى من بقية مكونات المجتمع السوري، أغلبية كانت أم أقلية؟
لا يطالب تيار الرئيس الروحي للموحدين الدروز في سورية، حكمت الهجري، بمواطنة متساوية، بل يريد دولة مستقلة في السويداء تكون تحت الحماية الإسرائيلية. “نناشد العالم الحر، وكلّ القوى الفاعلة فيه، ونتوجّه بندائنا إلى فخامة الرئيس (الأميركي) دونالد ترامب، ودولة رئيس الوزراء (الإسرائيلي) بنيامين نتنياهو، وولي العهد (السعودي) الأمير محمّد بن سلمان، وجلالة الملك (الأردني) عبد الله الثاني، وكلّ من يملك صوتاً وتأثيراً في هذا العالم… أنقذوا السويداء”. هكذا قال الهجري في بيان أصدره يوم الأربعاء الماضي. لم يكتفِ بذلك المستوى من الاستقواء على الدولة بإسرائيل، ذلك أن الأردن والسعودية أصدرتا بيانين أعربتا فيهما عن دعمهما إجراءات الحكومة السورية لبسط الأمن والاستقرار في السويداء، إذ أضاف “لم نعد قادرين على التعايش مع نظام لا يعرف من الحكم إلا الحديد والنار، ومن السلطة إلا البطش والتنكيل”. ما الذي يعنيه ذلك غير التمرّد على سلطة الدولة والسعي للاستقلال عنها، متلفّعاً بالدعم الإسرائيلي العدواني الذي “لبى” نداءه؟
وجد موقف الهجري هذا مؤازرةً من تيّارٍ درزيٍ في إسرائيل هو جزء من منظومة قمعها واحتلالها، بزعامة موفق طريف، ولكنّه وجدَ رفضاً من زعامات درزية سورية ولبنانية وطنية، مثل شيخ عقل الطائفة الدرزية السورية يوسف جربوع، والزعيم اللبناني الدرزي وليد جنبلاط.
مرّة أخرى، لا جدال في أن المواطنة هي أرضية الحقوق والواجبات، بغضّ النظر عن خلفيات أصحابها الدينية، والمذهبية، والعرقية، والأيديولوجية، والسياسية. لكن هذا لا يعطي للأقليات الحقَّ في أن تتجاوز على حقوق الأغلبية عبر التترّس وراء صورة نمطية تفترض استضعافها، أو عبر الاستقواء بالخارج. حتى الغرب “الديمقراطي” الذي يتعاطى معه بعضهم أنه يقدّم النموذج الأرقى للمواطنة المتساوية، فيه أغلبية وفيه أقلية، وعلى كلّ المستويات، دينياً، ومذهبياً، وعرقياً، وأيديولوجياً، وسياسياً. ليس صحيحاً أن الجميع متساوون في الحقوق، ومع ذلك لا يعني هذا أن نستورد الأعطاب في المواطنة الغربية إلى المواطنة الحقَّةِ المتساوية التي ننشدها عربياً. لكن، مرّة أخرى، لا يمكن لمجتمع أو دولة أن يقوما ويعملا من دون أغلبية ومن دون أقلية، هذا هو واقع الحال، وهذا هو العدل متحقّق نسبياً، إذ لا توجد عدالة مطلقة في هذه الدنيا. كلّ مجتمع محتاج إلى آليات تحول دون نشوء ديكتاتورية أغلبية، وكذلك ديكتاتورية أقلية.
في سورية، عاشت الأغلبية أكثر من ستة عقود تحت نير أقلية مذهبية وأيديولوجية وسياسية، وسيحتاج الأمر بعض وقتٍ حتى تُطَوَّر مرجعيات دستورية، وقوانين، وأفكار، وسياسات، وآليات لتحقيق توازنات المواطنة، بحيث تتحوّل الأغلبية والأقلية إلى ديناميكيات مجتمع حيٍّ، لا إلى مناطحة كباش. أمّا من كان يظنّ أن وضعه الأقلويُّ، مذهبياً أم عرقياً، يخوّله الحقَّ في أن يستقوي بإسرائيل المجرمة على دولته وشعبه، حيناً لا تصبح المسألة مسألة مواطنة، بل قطع دابر فتنة من جذورها. وكلمة أخيرة موجّهة إلى العرب المنادين بالتطبيع مع إسرائيل. اعتبروا ممّا تفعله هذه الأخيرة في سورية، إن كنتم ما زلتم تصرّون على عدم الاعتبار ممّا يجري في قطاع غزّة والضفة الغربية، فما أنتم في المقاربة الإسرائيلية إلا رؤوس تنتظر أوان قطفها. ألم تملّوا من كثرة ما يردّد نتنياهو (بدعم من الولايات المتحدة) أن الغاية الكبرى اليوم إعادة تشكيل الشرق الأوسط. أين كلّنا جميعاً، نحن وأنتم؟
العربي الجديد
————————
هل تعرضت الدولة السورية للخديعة من إسرائيل؟/ أمين ناصر
17 يوليو 2025
حتى ما قبل اندلاع المعارك في السويداء، بدت الدولة السورية وكأنها تركت هذا الملف المعقّد لأهله. المحافظة بقيت لفترة طويلة منطقة رمادية، تتخبط فيها القوى الدرزية بين مشاريع محلية متضاربة في ظل غياب شبه تام للدولة، وكأن دمشق اتبعت تكتيك “الانتظار والمراقبة”، تاركة الدروز ينهك بعضهم بعضاً، سياسياً وأمنياً.
وفي لحظة مفصلية، بدأت تطفو على السطح أنباء عن مفاوضات سورية-إسرائيلية برعاية أميركية، وأُعلن اقتراب توقيع اتفاق أمني بين دمشق وتل أبيب في البيت الأبيض في سبتمبر. هذه التطورات عززت الانطباع بأن الدولة السورية بدأت تقرّب المسافات نحو تسوية إقليمية، وأن ملف السويداء سيكون جزءاً من هذا التفاهم غير المُعلن.
ولكن، فجأة، انفجرت الاشتباكات بين بعض عشائر البدو (ذات الغالبية السنية) ومجموعات درزية في السويداء، وهو ما اعتُبر لحظة مثالية من وجهة نظر السلطة السورية للتدخل و”إغلاق ملف السويداء بالكامل”. وهنا بدأت دمشق التحرك بآليات عسكرية ثقيلة نحو المحافظة، مدفوعة بافتراض أن إسرائيل لن تتدخل عسكرياً، بما أن المفاوضات جارية، بل أفادت تقارير إعلامية بأن سورية أبلغت إسرائيل بتحركاتها العسكرية، ما يشير إلى وجود تفاهم ضمني أو على الأقل تنسيق آني.
خلال الساعات العشرين الأولى، بدا المشهد في صالح الدولة السورية: تقدم عسكري ميداني، وتقهقر للمسلحين، وصمت إقليمي لافت. ولكن الحدث المفصلي جاء مع تراجع الشيخ حكمت الهجري عن الاتفاق مع دمشق، وإعلانه أنه وقّع تحت الضغط، ثم مطالبته بحماية دولية. هذا الموقف المفاجئ سرعان ما تبعته غارات جوية إسرائيلية كثيفة، استهدفت الآليات السورية وأوقعت خسائر بشرية كبيرة، ما أدى إلى تراجع الجيش مجدداً، وعودة السيطرة الميدانية للمجموعات المسلحة الموالية للهجري.
في هذه اللحظة، بدت الدولة السورية وكأنها وقعت في فخ مُحكم. فهل كانت فعلاً ضحية خديعة إسرائيلية مدروسة؟ أم أنها أخطأت في تقدير المواقف المحلية والدولية؟
خديعة دبلوماسية مزدوجة
تبدو الدولة السورية وكأنها خُدعت على مستويين:
الخديعة السياسية والدبلوماسية: راهنت دمشق على أن المفاوضات مع إسرائيل ستمنحها غطاءً غير مباشر لحسم ملف داخلي مزمن دون تدخل خارجي. هذا الرهان ربما استند إلى وعود أميركية أو إشارات إسرائيلية ضمنية. لكن عندما انقلبت موازين القوى في الداخل السويدائي، كانت تل أبيب أول من تدخل – مباشرةً – لإفشال تقدم الجيش السوري، وهو ما أظهر أن التفاهمات الموعودة لم تكن سوى فخ مؤقت لجرّ دمشق إلى مواجهة غير محسوبة.
الخديعة المحلية أو الفشل الاستخباراتي: افترضت الدولة أن بعض قوى السويداء، خصوصاً المعارضين للهجري، سيلتزمون الحياد أو يسهل استمالتهم، لكن ذلك لم يتحقق. وانقلاب الشيخ الهجري على الاتفاق، ومن ثم مطالبته بالحماية الدولية، أدّى إلى إعطاء شرعية وهمية لتدخل خارجي، وتحديداً إسرائيلي.
أخطاء دمشق الاستراتيجية
بصرف النظر عن وجود خديعة من عدمها، فإن الدولة السورية أخطأت في إدارة ملف السويداء على أكثر من صعيد:
التسرع في الحسم العسكري دون تأمين البيئة السياسية المحلية داخل السويداء.
غياب الخطة لتطويق السويداء جغرافياً وتحويلها إلى جزيرة معزولة يمكن التحكّم فيها لاحقاً.
الفشل في بناء حواضن درزية موالية للدولة عبر منح امتيازات سياسية أو عسكرية أو رمزية لأبناء المحافظة.
الاعتماد على منطق القوة دون أن يسبقه حوار أو تفاهم محلي حقيقي، وهو ما سهّل على الأطراف المناوئة شيطنة التحرك العسكري.
الأخطر من ذلك، ما يراه البعض بوادر عقلية جديدة في دمشق تتعامل مع الأقليات، وبخاصة الدروز، بمنطق الإقصاء أو الإهمال، بدل احتوائهم واستيعابهم في مشروع وطني جامع. وهذا ما يزيد من هشاشة الموقف السوري داخلياً ويعرضه للتمزق من أطرافه.
بين الطموح الإقليمي والانكشاف المحلي
السويداء لم تكن اختباراً عسكرياً فقط، بل اختباراً لقدرة الدولة السورية على استيعاب المكونات المختلفة ضمن مشروع سياسي جامع. فبدلاً من تحويل المحافظة إلى قلعة معزولة قابلة للضبط، تورطت الدولة في صدام مباشر مكشوف، دفع فيه الجيش ثمناً باهظاً.
وإذا لم تعالج دمشق هذا الفشل بخطة جديدة تقوم على شق الصفوف داخل السويداء، واحتواء الشخصيات المعارضة المعتدلة، وتقديم بدائل سياسية واقتصادية جذابة، فإنها قد تجد نفسها تغرق في مستنقع أخطر مما ظنت.
أما المراهنة على وعود إسرائيل، فهي تكرار ممل لأخطاء تاريخية دفعت بها دول كثيرة ثمناً غالياً. فهل تتعلم دمشق الدرس قبل فوات الأوان؟
العربي الجديد
——————————-
إسرائيل توقد نار حرب أهلية في سوريا!
ليست هناك إحصاءات علمية لمواقف السوريين بعد سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون أول/ديسمبر 2024 لكن يمكن التوقع أن أغلبية سكان ذلك البلد تنفّسوا الصعداء وفرحوا بالنهوض من كابوس الحكم الدكتاتوري منذ عام 1970، وعقابيل الحرب الوحشية التي شنّها النظام عام 2011، وحصدت أرواح مئات الآلاف وهجّرت قرابة نصف الشعب.
كانت مظاهرات «ساحة الكرامة» في مدينة السويداء، معقل الدروز في سوريا، ضد النظام، بؤرة الحرّية الوحيدة، والشعلة المتبقية من الثورة، في المناطق التي يسيطر عليها حكم الأسد، كما كانت بعض الفصائل العسكرية المعادية للأسد، مثل «رجال الكرامة»، من أوائل من وصلوا إلى العاصمة دمشق من المنظمات العسكرية في جنوب البلاد، لاستقبال الفصائل القادمة من الشمال بعد خوضها معارك حلب وحماه وحمص، فالتقى بذلك القادمون من المناطق المحررة في إدلب وريف حلب مع ثوار درعا والسويداء، في إشارة إلى اتحاد السوريين المأمول لتأسيس نظام سياسي جديد يقود إلى الأمن والاستقرار والعدالة والتنمية.
انعكست هذه الوقائع برغبة عامة من السوريين، وعلى رأسهم الدروز، في المشاركة في فعاليات التأسيس للجمهورية الجديدة كالحوار الوطني والإعلان الدستوري والمؤسسات الناشئة وتقاطرت شخصيات سياسية وإعلامية درزية معروفة للالتقاء بالرئيس الانتقالي أحمد الشرع والوزراء المكلفين والساسة والإعلاميين والنشطاء من كافة أنحاء سوريا والمهجر.
من جهتها، ومنذ اللحظات الأولى لسقوط نظام الأسد، سارعت إسرائيل إلى ضرب مئات الأهداف العسكرية السورية، والتوغّل البرّي، والاعتداءات على السكان، بشكل شبه يوميّ، فيما بدأت، على المستوى السياسيّ، دعم نزعات الانفصال والعداء للنظام الجديد، فأخذ مسؤولوها الكبار يشدّدون على دعمهم لاستقلال الكرد و«حماية الأقليات»، وعلى رأسها الدروز.
انتهزت إسرائيل في الحالة الأخيرة، الظروف الاقتصادية الصعبة في محافظة السويداء، والروابط التي خلقها الدعم المادي الشهري الذي تقدّمه المرجعية الدينية الدرزية في إسرائيل إلى جهات دينية محددة في السويداء، وانبثق، بشكل مفاجئ، ما سمّي «مجلس السويداء العسكري»، الذي ضمّ عناصر من فلول النظام السوري السابق، وأظهر ميلا متزايدا لدعم دعوات الانفصال عن الوطن السوري الأم والتعاون مع إسرائيل.
إضافة إلى الثقب الأسود الكبير الذي أدخل النظام السابق البلاد فيه، والكارثة الهائلة ممثلة بملايين اللاجئين والمهجرين والمدن المدمّرة والاقتصاد المتداعي بفعل النهب المستشري والفساد والعقوبات العالمية، واجهت حكومة الشرع تحديا أمنيا، تمثّل بمحاولة فلول نظام الأسد السيطرة على الساحل السوري لفصله عن البلاد، ورغم إعلان اتفاق مع «قوات سوريا الديمقراطية» التي تسيطر على مناطق رئيسية في سوريا، فإن مجرياته لم تتجسّد تقدما على الأرض، مما أبقى مخاطر الانفصال، واستغلال إسرائيل لها قائمة، وما لبثت الاشتباكات في مناطق جرمانا وأشرفية صحنايا في ريف دمشق، واللتين تسكنهما أغلبية درزية، أن وضعت الحكومة في مواجهة مباشرة أخرى مع الدروز، وكانت هذه اللحظة التي تطابقت فيها استراتيجية إسرائيل لإضعاف النظام السوري مع إمكانيات استغلال شعار «حماية الدروز»، وكانت أيضا لحظة تداعي «شهر العسل» الذي مثّلته الفترة الأولى لسقوط النظام مع السويداء، وأدت الانتهاكات المؤلمة مع دخول قوات النظام، وما تبعها من انتهاكات معاكسة، لحظة تصدّع فظيع للنسيج الأهليّ.
من جهة أخرى، ذكّرت اشتباكات الحكومة مع «حزب الله» على الحدود اللبنانية بالمخاطر التي مثّلها الحزب الذي شارك بقوة في دعم النظام السابق، وأعاد تفجير انتحاريّ أدى لمصرع العشرات في كنيسة بدمشق، تذكير الحكم الجديد بالمخاطر والضغوط التي تمثّلها منظمات «الجهاد المسلّح» السنّية المتطرّفة، والميليشيات الأخرى المنتظمة ضمن النظام ولكنّها لم تخضع بشكل كاف لمنطق الدولة التي تحمي كل سكانها، ولا تمثّل فصيلا أو اجتهادا متشددا ضمن الطائفة السنية.
في تعليق على الأحداث الأخيرة في السويداء، خلص مقال لباحثين بريطانيين في مجلة «نيوستيتسمان» البريطانية المحافظة، إلى أن الهدف الاستراتيجي الأكبر لإسرائيل واضح وهو استغلال ضعف النظام السوري الجديد لفرض منطقة أمنية منزوعة السلاح في الجنوب السوري يطلق يد إسرائيل، وأن الصدامات الأخيرة سمحت لبنيامين نتنياهو، رئيس وزراء إسرائيل، بالمضي بتنفيذ هذه الاستراتيجية مقدّما نفسه بوصفه «حامي الدروز»، رغم أن ما فعلته تل أبيب، على حد قولهما، «لم يكن بدافع إنساني».
يمضي كاتب إسرائيلي، في مقال نشر في صحيفة «هآرتس»، أمس الخميس، خطوة أبعد في هذا التحليل بقوله إن إسرائيل تسعى لاستخدام دعمها دروز سوريا كوسيلة للدفع بخطة تقسيم البلاد إلى «كانتونات»، درزي في الجنوب، وكردي في الشمال، وربما علويّ في الغرب، وهي خطط تبدو ورديّة إذا رفعت تحت شعارات الفدرالية واللامركزية، لكنها في ظل قوى تجمع بين فلول النظام في الغرب، والمستفيدين من الهيمنة الكردية على حقول النفط في الشمال الشرقي، والطامحين للانفصال في الجنوب، وراع إسرائيليّ لهذه العملية، ليست غير وصفة لحروب أهلية ودمار ما بعده دمار.
القدس العربي
———————————–
بعد أحداث السويداء والعدوان الإسرائيلي/ معن البياري
18 يوليو 2025
ليكُن ما بعد أحداث السويداء والعدوان الإسرائيلي الواسع على مواقع سيادية وعسكرية في دمشق غير ما قبلها. وحدَها هذه النصيحة التي في وُسع الواحد منا أن يُزجيها لأهل القرار في سورية. … ولمّا دلّت كلمة الرئيس أحمد الشرع في ختام نهار أول من أمس، الدامي والصعب، على حكمةٍ عالية، عندما أكّدت وظيفة الدولة في حماية كل مواطنيها، وفي تأشيرها إلى فئةٍ ليست الدولة وجهتَها، ولا تأتلف مع المجموع العام في بيئتها وفي بلدها، ولا تستحي من الارتباط مع عدوّ السوريين، ولمّا جاء هذا الخطاب من رأس الدولة بعد اتفاق تسويةٍ يفترض به أن يُنهي الاقتتال البغيض الذي راح فيه مدنيون عزّل في جرائم موصوفة، فذلك يسوّغ لنا أن ننتظر تنزيل الذي سمعناه من الرئيس الشرع عملاً مُعايَناً، مع متابعةٍ مدقّقةٍ لتنفيذ الاتفاق المُؤمل أن يكون الأخير من نوعه، فيرتاح أهل السويداء الكرام، وهم الذين طالما عانوا من الغُبن والتهميش والإقصاء، ومن قلّة الخدمات في قرى محافظتهم وبلداتها، ما يجعل تدشين مشروع تنميةٍ وتطويرٍ في مختلف المرافق والبنيات في هذه الأرض السورية من أولوياتٍ مرسّمة معلنة.
وعندما نكون، في المبتدأ والمنتهى، مع بسط الدولة السورية سيادتها على كل نواحيها، ومع حقّها في استخدام كل ما يُعينها على هذا، وإنْ يلزم أن تسبق السياسة ومنافذ الحوار أي خياراتٍ أخرى، وقد قالت الحكومة السورية، وهي صادقة، إنها بادرت إلى هذا الحوار مع الوجهاء والمراجع الدرزية في السويداء، وظلت واحدة منها ترفض كل الصيغ المطروحة لتجنيب الجميع أي تأزيمٍ وأي توتير، عندما نكون مع هذه البديهيّة، أي حضور الدولة وسلطتها في السويداء وغيرها، فإننا، في العموم، نفترض ألا نصادف أي شذوذٍ في ممارسة أي عنصرٍ في هذه الدولة، أياً كانت منزلتُه ومرتبته. ولئن لا يجوز أن يجري التغافُل عن جرائم قتلٍ وإعداماتٍ اقترفتها عناصر فالتةٌ في واحدٍ من تشكيلاتٍ لا معنى لوجودها ولا لتسلّحها، في أفرادٍ من الأمن العام، وقد شوهدت ممارساتٌ مفزعةٌ في هذا، فإنه، في الوقت نفسه، لا يجوز التهاون مع الذين تعمّدوا إذلال سوريين كبار وصغار، بحلق شواربهم، في ممارساتٍ مهينة، وقد جاءت الأخبار على قتل مسنٍّ بعد تعاملٍ مشينٍ كهذا معه. وإذ وعد الرئيس الشرع بمحاسبة كل هؤلاء، فالمنتظر إسراعٌ في أن يُشاهَدوا في محاكم عاجلة، ويُساقوا إلى حيث يلزم أن يكونوا، بعد تجريدهم من مواقعهم العسكرية والأمنية. ومع التسليم بالحساسية الخاصة في الحديث عن رجال أمن وعسكر في أي دولة، فإنك لا تملك غير أن تصرّح بالبديهي، وموجزُه أن رجال الأمن والجيش في سورية الجديدة يحسُن فيهم أن يتأهلوا على غير الذي نراهم عليه وهم يجولون في النقاط والشوارع والميادين. والصور التي طيّرتها وسائط الميديا من السويداء، وشوهد فيها أفرادٌ مسلّحون من السلطة يرتكبون هذه الشناعات لا يجوز التسامح معها، فقد ساهمت في تعزيز منظورٍ شائع السلبية عن مؤسّسة الأمن والجيش في سورية عموماً.
وإذ استثمر العدو الصهيوني الأحداث المؤسفة في السويداء بعدوانٍ واسع، فإنه يذكّر بالمؤكّد عنه. وفي الوسع أن يقال هنا إن التمادي في استهدافه سورية وسيادتها إلى هذا السفور شاهدٌ على أنه لم يحصّل شيئاً من السلطة الحاكمة في دمشق، وهو يطالبها بإذعانٍ مهين، عندما يريد فرض معادلةٍ أمنيةٍ تغاير ما تلزمه به اتفاقية 1974 التي قالت سورية الجديدة إنها تلتزم بها أساساً لأمن الحدود. والظاهر هنا أن الشرع عندما ينطق بتسمية إسرائيل كياناً، في خطابه أول من أمس، لا يعطي فقط دليلاً على أن المفاوضات غير المباشرة مع هذا الكيان لم تنته إلى ما هو ملموس، وإنما يرجّح أن كل ما جرى تداوله من منقولاتٍ على لسان الشرع لزوّارٍ جالسوه، من قبيل إن إسرائيل ليست عدوّاً، وإن فرصة تلوح للسلام معها، إمّا انها لتسويقٍ تكتيكي، أو لأغراض استكشافٍ ما لا ندري عنه، أو أنها جملٌ مبتورةٌ من سياقٍ لم يُخبرنا به من نقلوها عن الرجل. وأيا كان الحال، لا تفاوض إسرائيل أحداً، وإنما تعمل على فرض منظورها الخاص، والعدواني من قبل ومن بعد، وتحاول هذا مع الرئاسة السورية الجديدة، لعلها تنال منه ما تريد…. ولأن ما بعد أحداث السويداء والعدوان في ساحة الأمويين غير ما قبلهما، فإن المأمول أن ينتهي القيل والقال الكثيران عن تطبيعٍ محتملٍ أو مرجّح أو مقبلٍ أو متوقعٍ أو … بين سورية وإسرائيل.
—————————
البسطار والمقصّ وكرامة الإنسان المهدورة/ حسان الأسود
18 يوليو 2025
يقول الفيلسوف سبينوزا: “كل تحديد نفي”، فالتحديد جمعٌ لعناصر الشيء وتأطيرٌ لها ضمن وصفة تعريفية سهلة الفهم والحفظ، وهو، في الوقت نفسه، استبعادٌ لعناصر أخرى من هذا الشيء المحدّد، وتغييبٌ لها عن تعريفه لئلا تتداخل معه فتشوّش على صفائه ونقائه المرجوّ لإدراكه وفهمه وحفظه نقشاً في الذاكرة. هكذا عرّف الفلاسفة الحرية والعبودية، الكرامة والمهانة، الغنى والفقر، العلم والجهل، الرقيّ والانحطاط…، وكذلك حدّدت الأديان الإيمان والكفر، الجنّة والجحيم، الخير والشر، الملائكة والشياطين….، فكان ذلك كلّه بمثابة أدواتٍ اخترعها البشر لتقريب الأشياء والمواضيع إلى فهمهم المقولب بنماذج تصنيفية جاهزة. لم يُبنَ العقلُ البشري ليكون حاضراً في النقد والفحص والتجريب على الدوام، بل الظاهر أنّ النمطيّة كانت هي الأساس في تركيبتنا الذهنية، وعلى الضدّ من ذلك كان التفكير خارج الأنماط والنماذج والقوالب المعتادة هو الاستثناء. من هنا، واجه الأنبياء والفلاسفة والمفكرون والعلماء والفنانون والأدباء عنتاً وصَلَفاً من البشر الذين خاطبوهم بالجديد المُحدث. مردّ ذلك استسهال البشر الثبات واستصعابهم التغيير، وركونهم إلى التصنيف الواضح البسيط، وهذا من العوامل التي ساهمت بإذكاء أسباب الاقتتال بين البشر. بالمقارنة بين عالمنا وعالم الحيوان، نجد أنّ البشر وحدهم الذين يتحاربون على أسس التصنيف التي ابتدعوها لتمييز مجموعاتهم عن بعضها، دينيّاً كان أم قوميّاً أم حتى ثقافيّاً، بينما لا نجد حروباً في عالم الحيوان أبداً، هناك صراعٌ وفق أسس دورة الحياة والطبيعة وقوانين البقاء لا أكثر.
في سعيه الدائم إلى التعريف والتحديد والتصنيف، اخترع الإنسان الصور والنقوش والرموز، ثم طوّر الأخيرة لتصبح أبجدياتٍ تحمل حروفاً وكلمات. وباللغة، صنع معجزته البشرية، التي هي الحضارة بكل ما تحتويه من علوم وفلسفات وآداب. في مراحل متأخّرة من تطوّرنا، وبعد دخولنا عصر التكنولوجيا المتقدّمة ثم عصر المعلوماتية والذكاء الصناعي، عادت الصور والرموز لتأخذ دورها في مساحات التعبير البشري. الصورة الآن قادرة على تخطّي الحواجز، فهي تعبر من خلال التكنولوجيا الحديثة كل بيت وكل دولة من دون استئذان. والصورة قادرة على القفز عن أسوار اللغة، فهي تخاطب الحصيلة المعرفية المتكوّنة والمتراكمة في الذهن البشري عبر آلاف السنين، لتنقل إليها الرسالة من دون كلام مسموع مرافق، ومن دون كتابة أيضاً. أمّا الرمز فإنّه يختصر المفاهيم ويقرّبها ويضعها جملة واحدة في متناول اليد. عندما نشاهد الصليب أو الهلال أو النجمة السداسية أو المطرقة والمنجل أو غيرها من الرموز، يصنّف ذهننا مباشرة مجموعة هائلة من العناصر ليضعها في خانةٍ واحدة. يمكن أن يرى في الصليب المسيحية وعالماً كاملاً من خلالها ممتدّاً منذ الإمبراطورية البيزنطية بكل فلسفته وعقيدته وإنجازاته الفكرية، بكل حروبه وفنونه وإنجازاته العلمية. يمكن أن يرى في الهلال الإسلام بكل تاريخه وإنجازاته وفلسفته وعقيدته وعناصر تكوينه، بكل دوله وشعوبه والإرث الذي تركه في الحضارة البشرية. هكذا يمكن النظر إلى الصورة وإلى الرمز باعتبارهما ممكناتٍ أصيلةً في الاختصار والتحديد والتصنيف.
هذا كله مقدّمة للولوج إلى صلب المقالة، وكان لا بدّ منه لشرح ما يمكن أن تحمله الصورة من دلالاتٍ ومعانٍ ومعلوماتٍ ورسائل ضمن خطوطها وألوانها. وصورتنا التي سنتكلّم عنها اليوم هي صورة الرجل المسنّ من أهل السويداء التي ظهرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وهو يتعرّض للإهانة على أيدي مجموعة من الشباب بعمر أحفاده، يقابلها صورة جنود الجيش الأسرى وجثثهم بعد قتلهم والتنكيل بهم. بغضّ النظر عمّا رافق العمليات العسكرية في جرمانا وصحنايا قبل أشهر من انتهاكات مشابهة تمثلت في حلق شوارب شبابٍ دروز ولحاهم بطريقة مذلّة ومهينة، وبغضّ النظر أيضاً عمّا رافقها من صور وتسجيلات مقابلة تهين شباب الجيش والأمن العام، ستبقى هذه الصورة رمزاً لإهانة آدمية الإنسان وليس كرامته أو رجولته فحسب. ستعلق هذه الصورة في ذاكرة السوريين والسوريات طويلاً، ربّما عشرات السنين، كما علقت صور جنود بشار الأسد وهم ينتفون لحى الشيوخ أو وهم يدوسون أجساد الناس أو يدنّسون المقابر وينبشون الجثث. ستختزل الصورة قروناً من الغربة بين سكّان المنطقة، وسترفع عالياً جدران البغضاء والكراهية والحقد الأعمى. ليس الموضوع مجرّد إهانة رجلٍ مسنٍّ فحسب، وليس الحديثُ عن مسؤولية هذه الجهة أو تلك عمّا وصلت إليه الأمور، وليس الحدث مقتصراً على حالة فردية تمكن مساءلة القائمين عليها، إنّها منظومةٌ متكاملةٌ ونمطٌ واضحٌ من أنماط التفكير التي لا بدّ من مقاربتها للوصول إلى جوهرها الحقيقي.
من أين أتينا، نحن السوريين، بهذا العنف كله، ولم هو موجّه ضدّ بعضنا بعضاً بشكلٍ لا يُعقل، ما الأسباب، وهل ثمّة مشكلة وجودية تدفعنا إلى التناحر المقيت هذا، أم هي التصنيفات الجامدة التي اخترعناها عن بعضنا وسقيناها حتى باتت غاباتٍ سوداء تحجب الشمس ونورها عن أرضنا المشتركة؟ ما الذي ينقصنا لنجلس مع بعضٍ للحوار والنقاش، هل العقائد والقوميات وحدها المسؤولة عن هذا الشقاق، أم عقلياتنا هي المسؤولة عن ذلك كله، وهل نحن قبليّون وطائفيّون ومذهبيّون ومتعصبون لمرجعياتنا ما تحت الوطنية هذه، أم ما هو خطبنا؟ هل نحن شعب سوري واحدٌ فعلًا كما رفعنا طيلة سنوات الثورة، أم نحن قبائل وطوائف وشراذم مجموعات بشرية؟
ما الذي كان يدور في أذهان المجرمين الذين كانوا يهينون هذا الكهل الطاعن بالسن؟ وما الذي كان يدور في عقول أولئك الأوغاد الذين نصبوا كميناً لعناصر الجيش الآتين لفض الاشتباكات فقتلوهم ورقصوا على جثثهم؟ ألم يفكّر أيٌ من هؤلاء بأنّ والده أو جدّه أو ابنه قد يكون في يومٍ ما مكان الضحايا المعتدى عليهم؟ ما هو المبرّر الذي يمكن أن يتبادر إلى أذهان هؤلاء عندما يضعون رؤوسهم على مخدّاتهم ليلاً؟ هل ثمّة تبرير لمعاملة أهلهم السوريين هكذا؟ يحارُ المرءُ حقيقةً بأسباب كلّ هذه الهمجية وهذا التوحّش. أين كل هذا من الأديان وتعاليمها، أين هو من المروءة والأخلاق الحميدة والتربية المنزلية على احترام كبار السن وحرمة الإنسان حيًا وميتًا؟ هل تحجّرت المشاعر وتجمّدت القيم وانتفت الشهامة والمروءة والنخوة في عروقنا إلى هذا الحد؟
مرعبة هذه الصور وقاتمة، وسترسل رسالات خاطئة إلى الداخل كما إلى الخارج، لن يطمئنّ أحدٌ الآن على نفسه أو عرضه أو ماله أو كرامته، ليس الأقليات العددية فحسب، بل والأكثرية القومية الدينية. ليس العرب السنّة كتلة واحدة صمّاء، ولا يقبلون جميعًا أن يتمّ تصنيفهم تحت هذا الشعار، ولا أن يتمّ اختزالهم بهذه السلطة أو تلك أو استلحاقهم بهذه الجماعة أو تلك. الغالبية الساحقة من الشعب السوري تريد دولة مواطنةٍ متساوية، تريد دولة قانونٍ ومؤسسات، تريد دولة كرامةٍ وحرياتٍ وحقوق إنسان، ليس هذا مقتصراً على فئة دون غيرها، وليس من مطالب الأقليات دون الأكثرية، إنّها مطالبُ غالبية السوريين والسوريات المشروعة والمحقّة. فهل تدرك السلطة أنّ وقت التغيير قد حان، وهل تدرك خطورة الانقسام الحاصل وتبادر إلى رأب الصدع وتسارع إلى مشاركة كلّ السوريين والسوريات في الدولة الجديدة، أم ستستمر بالسير في طريق العنف؟ وهل تدرك الجماعات الخارجة على الدولة أنّها ستخسر وسيخسر معها الشعب السوري وسورية كلها، أم ستبقى لغة البسطار والمقصّ والدم السائدة؟
العربي الجديد
——————–
السويداء وما بعدها/ حسام كنفاني
18 يوليو 2025
هل فعلاً انتهت الاشتباكات والانتهاكات في السويداء بالاتفاق الذي قيل إنه أبرم بين الدولة ومشايخ المنطقة من الدروز؟ وهل كان التدخل الإسرائيلي الغاشم خوفاً على الدروز أم يحمل رسائل سياسية وعسكرية إلى الحكومة السورية، ومن خلفها المنطقة بأسرها؟
لم يأت انفجار الاشتباكات في السويداء مفاجئاً، بل كان نتيجة تراكمات من التوترات مرتبطة بالبدو في المنطقة من جهة، والسلطة الجديدة من جهة أخرى، في وجود آراء متضاربة في السويداء حول ضرورة سيطرة ما يمكن تسميتها القوات النظامية على الوضع في الأرض، إذ لا تفاهم بين القيادات الروحية في السويداء على هذا الأمر. ففي مقابل أصوات العقل التي تدعو إلى التفاهم، كانت هناك أصواتٌ تدعو إلى التصعيد، والتمسّك برفض انتشار القوات النظامية. الأمر نفسه في الجبهة المقابلة، فالتوجّهات نحو الحسم بالقوة كانت موجودة لدى بعض المسؤولين في النظام الجديد، بينما هناك أصوات تدعو إلى التروي حقناً للدماء، ومنعاً لانفلات العنف الطائفي في البلاد.
وبين الطرفين كانت تطلّ إسرائيل برأسها، ليس من باب “حماية الدروز”، كما تحاول دولة الاحتلال تسويقه، ويجاريها في ذلك أصوات قليلة من داخل السويداء، بل وفق حساباتٍ استرتيجيةٍ تريد الجنوب السوري خالياً من السلاح الثقيل، وربّما منطقة منزوعة السلاح، باعتبار أنها لا تريد تكرار تجربة الجنوبَين اللبناني والفلسطيني.
كانت هذه المعايير واضحةً للجميع، وعلى أساسها كانت الأوضاع في الجنوب السوري معلقةً إلى حين الوصول إلى تفاهمات، سورية إسرائيلية بالدرجة الأولى، وهو ما كانت تتولّاه الولايات المتحدة عبر فتح قنوات تواصل غير مباشرة مع الطرفَين.
لكن هناك ما تغيّر بعد زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى أذربيجان، وما قيل عن لقاء سوري إسرائيلي هناك. ومن قراءة تطوّرات ما تلا هذا اللقاء، هناك احتمالان لا ثالث لهما، إما أن المفاوضات فشلت في الوصول إلى تفاهم أمني في الجنوب، بالتالي حاول الرئيس السوري فرض أمر واقع على إسرائيل، وهذا مستبعد، أو أن هناك من نصب فخّاً للشرع، وأوحى له بأن الدخول إلى السويداء هو فقط “قرار سيادي سوري”.
تحرّك البدو المفاجئ في الجنوب، والذي يمكن ربطه باعتبارات داخلية وخارجية كثيرة، كان الذريعة التي على أساسها جاء تحرّك “القوات النظامية”، التي اتضح أنها أبعد ما تكون عن النظام في ظلّ ما ارتكتبه من انتهاكات بحقّ المواطنين الدروز، كبارهم وصغارهم، وهو ما دفع الرئاسة السورية نفسها إلى الخروج ببيانٍ عنيف يندد بالسلوكيات “الإجرامية” المرتكبة في السويداء. وهو تعبيرٌ غير مسبوق، حتى في التعليق الرسمي على مجازر الساحل لم تُستخدم مثل هذه اللغة. لكن هذه اللغة لن تكون مفيدةً إذا لم تقرن بأفعال محاسبة حقيقية وليست شكلية، خصوصاً أن العناصر الذين ينفّذون هذه الانتهاكات لا يتوانون عن تصوير أنفسهم، وبالتالي، من المفترض أن يكونوا معروفين للأجهزة أو الفصائل التي ينضوون تحتها، قبل انضمامهم إلى “الجيش الوطني”.
المحاسبة العلنية هنا أساسية إذا أرادت السلطات الجديدة منع انجرار سورية إلى احتراب أهلي، وربما تقسيم، خصوصاً أن هناك ملفات لم تحسم بعد، وأخطرها ملف قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، الذي قد يؤدّي التعامل معه بالطريقة نفسها إلى وضعٍ أسوأ بكثير ممّا حدث في الساحل والسويداء.
من المبكّر القول إن ملف الاقتتال في السويداء قد طوي، فالدماء لم تبرد بعد، والرؤوس لا تزال حاميةً، وتزيدها سخونةً الاعتداءات الإسرائيلية التي وصلت إلى المقارّ الحكومية والقصر الرئاسي في قلب دمشق، في رسالة سياسية واضحة للحكام الجدد، وربما لحكام المنطقة بأسرها.
من المهم أن يكون الحكم الجديد في سورية قد قرأ رسالة النيات العدوانية الإسرائيلية هذه، واستنتج أن التقارب مع دولة الاحتلال ليس حلاً للمشكلات السورية، والحلّ يبدأ بحوار وطني حقيقي وانفتاح فعلي على المكونات السورية كافة. يوحي خطاب الشرع بجزء من هذا الفهم، بانتظار الجزء الثاني.
العربي الجديد
———————-
السويداء مرآة أزمة أعمق/ ناصر السهلي
18 يوليو 2025
تعيش سورية أزمة تتجاوز السياسة والأمن والقدرة العسكرية، لتطاول بنية الدولة وفكرتها الوطنية. ومشهد السويداء هو انعكاس لانفصام يتسع بين الخطاب والواقع، وسط عجز عن بلورة مشروع وطني جامع يواجه الاحتلال ومسائل الطائفية والارتهان للخارج.
الهجوم الإسرائيلي الأخير على دمشق والمنطقة الجنوبية ترافق مع تصريحات تقول: “لم نكن نتوقع العدوان”. فهل يُعقل ألا تتوقع مؤسسة حكم وقوى وطنية استمرار هذا النهج المتغول والمتوعد منذ ديسمبر/كانون الأول الماضي؟ وهل معقول أن يكون الجولان، المحتل منذ عقود، خارج الأولويات الوطنية، السلطوية ومن خارجها، في تلمس مستقبل البلد؟
الأخطر أن بعض الخطابات روّجت لما يسمى “مشتركات” مع الاحتلال تحت عنوان التطبيع أو “الواقعية السياسية” في تجاهل لحقيقة مشروعه الاستعماري القائم على تقسيم المجتمعات إلى طوائف وهويات هشّة يمكن تدجينها.
وفي السويداء، ظهرت أيضاً محاولات احتكار منتحل لتمثيل الدروز، وتقديمهم حليفاً مزعوماً لإسرائيل بزعم “الأخوة”، رغم أن دروز الجولان رفضوا الأسرلة، رغم الضغوط والمغريات. فهل يسأل المهرولون نحوها أهلهم هناك عن هذا الرفض؟ وعن النظرة العميقة لهم من دولة أبرتهايد تضطهد “عرب الداخل” عموماً وتقتل عشرات آلاف الأطفال والنساء في غزة؟
المشكلة لا تُختزل بالانتهازيين، بل تتجذر في غياب خطاب وطني جامع يعيد الاعتبار للمواطنة. حين تغيب الدولة القادرة على تمثيل كل مواطنيها، تبرز مشاريع الانقسام والاحتماء بالطائفية والخارج، تماماً كما تريد إسرائيل؛ كيانات أقلوية، تفتقر للسيادة، وتطلب الحماية من المحتل، بما هو بوابة لما يسمى “تسيّد العصر الصهيوني”، الذي لا يخفي مقاصده عتاة التطرف الصهيوني-الديني التلمودي، تمدداً إلى حيث يصل حذاء العسكرية الاستعمارية الإحلالية ودباباتها.
في ظل هذا الواقع، تُصدر واشنطن خطاباً منافقاً يدعو لوقف القتال، بينما العربدة الإسرائيلية استمرت بلا رد سوري. على كل، يمكن للسوريين التوجه إلى العرب المتحالفين مع واشنطن، الذين يعلنون دعم وحدة سورية واستقرارها، للضغط باتجاه سياسة عربية فاعلة توقف التدهور، وتكسر منطق العجز، كما مع غزة، حتى لا تنزلق الأمور إلى انفلات شامل.
ما تحتاجه سورية ليس إدارة أزمة، بل مراجعة وطنية شاملة تعيد تعريف الهوية السورية، وتبني مشروعاً يحصّن الداخل. لأن الوطن لا يُحمى بالتمنيات، بل بوحدة الموقف، والاعتراف أن الجولان محتل، وأن الرد يبدأ من الداخل، لا من باب تل أبيب، ولا بالخضوع لها أو بالتسليم بتوغلها على الأرض، ولا بإظهار هزال سياسي ـ إعلامي ـ دبلوماسي، على نسق: “نريد سلتنا بلا عنب”. تلك السياسات لا فائدة منها مع هذا الكيان الراغب بإشعال الحرائق في كل المنطقة.
العربي الجديد
————————————–
لا تسمحوا لقاسم سليماني بالانتصار/ محمد صبرا
2025.07.18
خرجت إيران من سوريا مدحورة بعد سقوط المجرم الهارب بشار الأسد، وانهار كل ما بنته من ميليشيات ومؤسسات مدنية وتعليمية واقتصادية، لقد شكلت لحظة الانتصار السوري في 8/كانون الأول 2024، لحظة فاصلة في تاريخ منطقة الشرق العربي، وكان يفترض بهذه اللحظة أن تؤسس لمسار جديد يشكل نقيضاً للمسار الذي حاولت إيران وأذرعها في المنطقة أن تبنيه، والذي أسميه عادة بمنظومة “الدول ذات الحدود السائلة”، ففيلق القدس الذي كان يتحرك من طهران إلى بيروت غير عابئ بحدود وطنية أو بسيادة دول، مثل نموذجاً لبروز دور الفواعل العسكرية غير الحكومية، وهذا ما أدى لدمار كامل في مفهوم الدولة الوطنية سواء في العراق أو سوريا أو لبنان.
وبالعودة للتاريخ بدأت هذه الفواعل تأخذ دوراً بارزاً في أعقاب يوم 22/شباط عام 2006 عندما دمر انفجار القبة الذهبية لمقام الإمامين علي الهادي والحسن العسكري في سامراء، وبغض النظر عن الطرف الذي نفذ هذا الهجوم، فقد أعقبه عمليات قتل وانتقام طائفية استهدفت مساجد ومناطق سنية، وانهارت بعدها كل محاولات المصالحة الوطنية، وبرزت الميليشيات الشيعية كقوة مسلحة شبه منظمة، وشهدت البلاد تشكيل فصائل مثل “جيش المهدي” و”عصائب أهل الحق”، التي نفذت عمليات تطهير عرقي واسعة النطاق، وتدخل فيلق القدس بقيادة قاسم سليماني، لتعزيز التنسيق بين هذه الجماعات وتسليحها، وتنظيم عملها.
ومع اجتياح تنظيم “داعش” للعراق عام 2014، أعلن المرجع الشيعي علي السيستاني فتوى “الجهاد الكفائي”، التي استندت إليها الحكومة لتشكيل “الحشد الشعبي”، وهو مظلة جمعت فصائل مسلحة متعددة، بعضها كان قد تأسس بعد تفجير سامراء، وتحوّل الحشد إلى قوة موازية للجيش، وارتبط بشكل وثيق بالحرس الثوري الإيراني الذي قدم له التدريب والدعم اللوجستي والاستخباري.
هذا السرد القصير ضروريٌ للوصول إلى فهم بعض تداعيات الحوادث التي تجري الآن في السويداء، فتحت عنوان محاربة ” الفصيل الخارج عن القانون”، والمدعوم من الهجري، تتم دعوات تحشيد وتجييش داخلي منقطعة النظير، وبغض النظر عن أسباب ما حدث في السويداء والأطراف المتورطة فيه، وأهدافها، إلا أن ما يهم الآن هو رصد سلوك السلطة وطريقة تعاملها مع هذه الحوادث، ولا سيما أننا نرى بوادر استنساخ للتجربة العراقية، ولا نقصد بالتجربة العراقية موضوع المحاصصة الطائفية، بل تحديداً اختطاف الدولة العراقية من قبل ميليشيات شيعية مسلحة تحت مسمى ” الحشد الشعبي”، وهيمنتها على جميع مجالات الحياة، ونشوء شبكات مصالح بين زعمائها، أدت إلى انهيار الاقتصاد العراقي، وتراجع مستويات الدخل نتيجة للنهب التي يقوم بها زعماء هذه الميليشيات إلى الحد الذي بات العراق الثري يتخبط في دوامة من الفوضى، ولإحكام سيطرة الميليشيات على الحكم، فإنها تغذي العداء الطائفي بين السنة والشيعة، حتى تحولت مناسبات عاشوراء لاستعراضات مليونية، تمارس فيها كل أنواع التحريض الطائفي.
للأسف ما نخشاه الآن في سوريا أننا ننزلق إلى هذه التجربة سواء عن قصد أو غير قصد، فالسلاح الخارج عن سلطة الدولة هو سلاح غير شرعي، سواء كان سلاحاً مدعوماً من حكمت الهجري كالمجلس العسكري في السويداء، أو سلاحاً مدعوماً من السلطة كسلاح العشائر، وهذا السلاح وانتشاره والترويج له والتهليل لحامليه – وهو بالمناسبة شبيه بالتحشيد الذي جرى في العراق – سيقود سوريا بلا شكل لتشكيل “حشد شعبي” سني على غرار الحشد الشعبي العراقي الشيعي، وهذا الحشد سيمنع عملياً من بناء الدولة السورية، كما منع من بناء الدولة العراقية.
إن قاسم سليماني الذي قتلته غارة أميركية عام 2020، والذي عمل جاهداً في سوريا لتأسيس ما يعرف بالقوات الرديفة، يتقلب الآن فرحاً في قبره، وهو يراقب دعوات النفير العام التي تطلقها العشائر العربية في سوريا للتوجه إلى السويداء، ويتقلب فرحاً وهو يرى الترويج الإعلامي الذي يخرج من مقربين من السلطة لهذا الحشد الشعبي الجديد، وللأسف فقد انتصر قاسم سليماني على السوريين جميعاً سنة ودروزاً، لأن نموذجه المناوئ لوجود الدولة، هو الذي ينتصر الآن في سوريا، في ظل تشجيع السلطة على وجود سلاح غير شرعي بأيدي المدنيين، ما دام هذا السلاح معها، ورفضها لسلاح غير شرعي ما دام هذا السلاح يقف ضدها، وهنا نقع في تناقض بين الدولة والسلطة، لأن منطق الدولة لا يقبل بأي سلاح سواء كان يؤيد السلطة أو يعارضها، ولذلك على السلطة أن تبدأ بنزع كل سلاح خارج عن الدولة، وليس الاكتفاء بنزع السلاح المناوئ لها، وتشجيع السلاح الموالي لها، فأساسيات تعريف الدولة، هو أن تحتكر هي وحدها للقوة العسكرية، من دون أي شريك آخر، أيا كان توصيفه وأيا كان سبب وجود السلاح بيده، ومهمة الدولة حماية كل مواطنيها، وليس دفع جزء منهم للتسلح لتحقيق الأمن الذاتي، وترْك البلاد مفتوحة لحالة من الاحتراب الأهلي، فشل في تنفيذها نظام المجرم الهارب عبر أربعة عشر عاماً من عمر الثورة، رغم هول المجازر والمذابح التي ارتكبها.
إن مهمة قمع التمرد العسكري الذي بدأه الهجري، برفضه للتغيير الذي حدث في سوريا، تقع على عاتق السلطة وليس على عاتق المواطنين، سواء كانوا من العشائر أو من سواها، وإن كانت السلطة عاجزة في هذه المرحلة عن النهوض بهذه المهمة، فلا يجوز لها تحريض (أو السماح بتحريض) جزء من السكان ضد جزء آخر منهم، أو على أقل تقدير لا يجوز لها الصمت إزاء دعوات النفير العام، التي تملأ ساحات المدن السورية ومآذن المساجد، ووصلت إلى الجامعات، إن التصدي لظاهرة النفير العام، ضروري في هذه المرحلة، وعلى السلطة أن تتخذ موقفاً واضحاً منها، وأن ترفضها بشكل لا لبس فيه، وذلك لنتمكن كسوريين من إعادة بناء دولتنا ووطننا على أسس حديثة بعيدا عن الغرائز العصبية والتحشيد الطائفي.
تلفزيون سوريا
——————————–
هل تحاول إسرائيل إشعال حرب طائفية في المنطقة؟/ عدي محمد الضاهر
2025.07.18
منذ تأسيس “دولة إسرائيل” عام 1948، ظلّ المشهد الإقليمي مشحوناً بالعداء والتوجس والتوتر المستمر، لكن على مدى العقود الأخيرة، بدا أن المواجهة العسكرية المباشرة لم تعد السبيل الوحيد لإسرائيل، خصوصاً بعد أن أدركت أنها تعيش وسط بحر من التناقضات الطائفية والعرقية القابلة للاشتعال في أي لحظة.
السؤال الذي يتكرّر في الدوائر السياسية والفكرية العربية هو: هل تحاول إسرائيل عمداً إشعال حرب طائفية في المنطقة، عبر تحركاتها في سوريا والعراق ولبنان، وعبر دعمها لأطراف عرقية أو طائفية محددة؟ للإجابة على هذا السؤال لا بد من تحليل مزيجٍ معقد من التاريخ، النوايا، الأدوات، والنتائج.
النية: هل توجد إرادة استراتيجية إسرائيلية لتأجيج الطائفية؟
الجواب لا يمكن أن يكون مباشراً بـ”نعم” أو “لا”، لكنه يصبح واضحاً حين نتأمل في مبدأ أساسي تردّد في بعض الوثائق والتصورات الإسرائيلية القديمة مثل “خطة يينون” في ثمانينيات القرن الماضي، والتي تصورت مستقبلاً يتم فيه تقسيم الدول العربية إلى كيانات صغيرة على أسس طائفية وعرقية، ربما لا تكون هذه الخطة وثيقة مهمة رسمياً بقدر مضمونها الذي عكس تفكيراً قائماً على أن تفتيت المحيط العربي يصب في صالح إسرائيل.
ولعل الأكثر وضوحاً هو أن النخبة الإسرائيلية سواء كانت عسكرية أو سياسية تدرك أن أكثر ما يهدد أمن إسرائيل ليس الحرب التقليدية، بل التحالف العربي الموحد حول قضية فلسطين، لذلك، فإن تفكيك هذا التحالف، وتفتيت المجتمعات العربية من الداخل عبر تأجيج الصراعات المذهبية أو العرقية، يبدو هدفاً غير معلن لكنه حاضر في الاستراتيجية الإسرائيلية، على الأقل من حيث الاستفادة القصوى من الانقسامات القائمة، إن لم يكن في صناعتها مباشرة.
القدرة: كيف تسهم إسرائيل في تغذية الطائفية عملياً؟
رغم أن إسرائيل لا تملك القدرة الجغرافية ولا الديمغرافية لاختراق كل دولة على حدة بشكل علني ومباشر، فإنها تمتلك قدرات استخباراتية عالية، ونفوذاً سياسياً وإعلامياً، وعلاقات مع أطراف داخلية في بعض الدول تتيح لها أن تلعب دوراً غير مباشر لكنه مؤثر في الصراعات الطائفية.
في لبنان:
إبان الحرب الأهلية اللبنانية (1975–1990)، نسجت إسرائيل علاقات مباشرة مع بعض الميليشيات المسيحية المسلحة، لا سيما “القوات اللبنانية” بقيادة بشير الجميل، وقدّمت لها دعماً عسكرياً واضحاً.
اجتياح بيروت عام 1982 لم يكن فقط بهدف إخراج منظمة التحرير الفلسطينية، بل كان أيضاً لتكريس حالة من الانقسام الداخلي الذي يخدم مشروع إسرائيل طويل الأمد في إضعاف الكيانات الوطنية عبر الطائفية، ليس ذلك فحسب، بل إن المذابح التي جرت في “صبرا وشاتيلا” كانت بتواطؤ إسرائيلي ميليشياوي في لحظة شديدة الطائفية والدموية أودى بلبنان إلى حالة مستمرة من التشرذم والانقسام.
في العراق:
بعد الغزو الأميركي للعراق، عام 2003، تحوّلت البلاد إلى ساحة مفتوحة لصراع طائفي حاد، وفي حين كان المشهد محكوماً بتنافس سني شيعي، وتفجيرات طائفية دامية، ظهر ما يشبه الإجماع في بعض الأوساط بأن إسرائيل قد تستفيد من هذا الانقسام، حيث تشير التقارير إلى تعاون سري أو دعم لوجستي لأطراف كردية، لا سيما في فترة استفتاء الانفصال الكردي عام 2017، إذ كانت إسرائيل الدولة الوحيدة التي أعلنت دعمها العلني لانفصال إقليم كردستان.
هذا الموقف عزّز مشاعر الريبة لدى العرب والتركمان والشيعة والسنة العراقيين، واعتُبر محاولة لإشعال فتنة قومية داخل العراق المتعب أصلاً من جراحه الطائفية.
في سوريا:
منذ اندلاع الثورة السورية، عام 2011، اتبعت إسرائيل سياسة حذرة ظاهرياً لكنها نشطة وذكية في الخفاء، تهدف إلى استثمار الصراع بما يخدم مصالحها الاستراتيجية بعيدة المدى وزرع بذور الشك والخوف بين مكوناتها الطائفية والعرقية.
تلعب إسرائيل على وتر “فرق تسد ” بين السنة والعلويين والمسيحيين والأكراد، ولكن الأهم من ذلك، هو ما بدا في السنوات الأخيرة من محاولات إسرائيلية للتقرب من الطائفة الدرزية في جنوبي سوريا، لا سيما في السويداء والمناطق المحاذية للجولان المحتل.
تحت غطاء “حماية الأقليات”، روّجت إسرائيل لفكرة أن بقاء الدروز محايدين أو حتى متحالفين ضمنياً معها، قد يضمن لهم الحماية من أي تهديد عبر تلك المناطق.
وفي هذا السياق، قدّمت إسرائيل دعماً غير مباشر، سواء من خلال التنسيق الأمني المحدود أو الرسائل الإعلامية التي تستهدف خلق نوع من الانفصال النفسي والسياسي بين الدروز والدولة السورية الجديدة، هذا النوع من الدعم لا يتم عبر قنوات رسمية فقط، بل من خلال شبكات اتصالات عائلية ودينية بين دروز الجولان المحتل ودروز سوريا.
الهدف من هذا الأسلوب ليس حماية الدروز كما يُروَّج، بل هو تفكيك المجتمع السوري من الداخل، وتحويل الطوائف إلى كيانات منفصلة تبحث عن حماية خارجية بدلاً من الولاء للدولة المركزية.
وهكذا، تخلق إسرائيل نموذجاً يناسب رؤيتها لخريطة الشرق الأوسط الجديدة: سوريا مقسّمة، ضعيفة، طائفية، غير قادرة على أن تكون جزءًا من أي مشروع يهدد إسرائيل.
من جهة أخرى، فإن هذه السياسة تساعد نتنياهو في تحقيق هدفين استراتيجيين:
ضمان تفكيك أي قوة سورية قد تهدد إسرائيل مستقبلاً.
تصدير الأزمات من الداخل الإسرائيلي إلى الخارج، حيث إن إبقاء السوريين في حالة حرب وفوضى دائمة يُبقي الجبهة الشمالية مشغولة، ويمنع أي توحد عسكري أو سياسي قد يُشكل تهديدًا.
بهذه الطريقة، يعمل نتنياهو على حماية كيانه من الانقسام أو الانهيار الداخلي، من خلال إبقاء الجوار السوري ممزقاً ومشغولاً بذاته، وهو ما يحقق له شرط “الدولة القلعة”، القوية من الخارج، حتى لو كانت هشة داخلياً، على أمل تجاوز “لعنة الثمانين عاماً”، التي تخشاها النخب الإسرائيلية، والتي شهدتها دول يهودية سابقة في التاريخ مثل مملكة الحشمونائيم.
من الاستفادة إلى التوريط
الأخطر في الدور الإسرائيلي ليس بالضرورة التدخل المباشر، بل خلق بيئة تسمح للصراعات الطائفية بالتفاقم، ثم الاستفادة منها أمنياً وسياسياً، هذه الحروب تستنزف دولاً مثل سوريا ولبنان والعراق، وتُضعف جيوشها، وتحرف بوصلتها عن دعم القضية الفلسطينية أو مواجهة إسرائيل، كما تتيح أيضاً لإسرائيل أن تُقدّم نفسها للعالم على أنها “واحة استقرار” وسط “بحر من الكراهية والصراعات”، وهي صورة تخدم دعايتها الدولية بقوة.
كيف يمكن صد هذا الدور؟
صدّ الدور الإسرائيلي في تغذية الطائفية لا يكون فقط بإدانته إعلامياً، بل عبر بناء مناعة داخلية في المجتمعات العربية، وهو ما يتطلب:
خطاب ديني عقلاني ومعتدل يواجه الطائفية ويحاصرها فكرياً.
تحصين الهوية الوطنية فوق الهويات الفرعية، بحيث لا تكون الطائفة أو العرق مدخلاً للفتنة.
كشف الدور الإسرائيلي بشكل موضوعي من دون الوقوع في فخ الخطاب العاطفي أو التهويل غير المدروس.
تعزيز التكامل الإقليمي العربي، خاصة في المخابرات والأمن والدبلوماسية، لرصد ومحاصرة أي تدخل خارجي يُشعل الانقسام.
دعم ثقافة التعريف بالعدو الواعية التي لا تسقط في فخ الثنائيات السنية الشيعية أو العربية الكردية أو الدرزية السنية، بل تُعيد تعريف العدو بوضوح.
ختاماً، قد لا تملك إسرائيل مفاتيح كل الحروب الطائفية في المنطقة، لكنها بالتأكيد تعرف كيف تستثمرها، وكيف توجّه نارها نحو خصومها، وإذا لم تتحرك المجتمعات العربية بوعي كامل لتفكيك عوامل التوتر الداخلية، فستظلّ إسرائيل قادرة على اللعب على خطوط التماس الطائفية، من دون أن تطلق رصاصة واحدة.
الحرب الطائفية، إن اشتعلت، لن تُبقي ولن تذر ولكن النار لا تشتعل من بعيد.. بل تحتاج دوماً إلى حطب محليّ، والمهمة الأخلاقية والسياسية الكبرى هي أن نمنع أيادينا من أن تكون هي الحطب.
———————————-
العودة إلى الشعب لوقف النزيف واستعادة الدولة/ ميشال شماس
2025.07.18
تمرّ سوريا اليوم بمنعطف مصيري إثر الأحداث الدامية التي وقعت في السويداء، والهجوم الإسرائيلي الغادر على مواقع داخل البلاد، في وقت بات فيه الخطاب السياسي السوري يفتقر إلى البوصلة ويغرق في انفعالات محلية وإقليمية متباينة.
مع إدانتي الشديدة للعدوان الصهيوني الغادر على سوريا، وأسفي الشديد للضحايا من المدنيين والعسكريين الذين قضوا في الأحداث المؤلمة بالسويداء، أرى أن قرار الهجوم على السويداء كان عملاً متهوراً، ويدلُّ على قصر نظر وضعف في القراءة السياسية.
ما حصل لم يكن مجرد مواجهة عسكرية أو رد فعل ميداني، بل لحظة مؤلمة تعرّت فيها هشاشة القرار السياسي، وفُضحت خلالها الثغرات البنيوية في مؤسسات الدولة، وأُعيد فيها طرح السؤال الأهم: ما هي سوريا التي نريد؟
من هنا، فإن العودة إلى الشعب، بكل مكوناته وأوجاعه، لم تعد ترفاً سياساً أو خياراً ضمن سلسلة خيارات، بل أصبحت ضرورة وطنية ووجودية لإنقاذ ما تبقّى من وطنٍ ممزق، ولإعادة بناء دولة تستحق اسمها.
ما جرى في السويداء لم يكن وليد لحظة، بل تتويجاً لتراكمات من الإقصاء والارتجال والضياع في الرؤية السياسية، والهجوم عليها، أياً كانت مبرراته الأمنية، كان قراراً متسرعاً غير مدروس، افتقر إلى الحكمة وقراءة المعطيات الدقيقة، وأسفر عن خسائر بشرية مروعة، وخلق شرخاً عميقاً بين الدولة وأبناء الطائفة الدرزية، الذين لطالما كانوا جزءاً أصيلاً من النسيج السوري.
كذلك، فإنّ العدوان الإسرائيلي الغادر الذي أعقب ذلك، كان بمنزلة استغلال خسيس للفوضى الداخلية، وجاء ليضعف من عزيمة السوريين جميعاً، مستهدفًاً الرمزية الوطنية، ومستخفاً بالسيادة السورية.
“لا وطن يُبنى على التشفي أو الثأر”
في ظل هذا المشهد، ظهرت بعض الأصوات التي احتفت بما حصل وكأنه انتصار لمكونٍ أو هزيمة لفصيل، أو مناسبة للشماتة والتصفية السياسية مع الحكومة الانتقالية أو دعوة لمقاطعة السويداء، أنا لستُ مع هذه اللغة أبداً، لأن “الوطن لا يُبنى على الثأر والتشفي”، بل على العدالة، المصالحة، والمحاسبة.
الدم السوري هو واحد، والمحنة الوطنية لا تُقاس بالتخندق الطائفي، بل بالقدرة على تخطيها، وإن الاحتفاء بالخسارة البشرية لأسباب سياسية هو جريمة أخلاقية، لا تقل بشاعة عن إهانة الناس والتمثيل بجثث الضحايا وقتل المدنيين.
في هذا السياق، أتوجه بالدعوة إلى الحكومة السورية، وإلى الرئيس أحمد الشرع بشكل خاص، أنه آن الأوان لإجراء مراجعة نقدية شاملة لكل السياسات الأمنية والاستخبارية والإعلامية المتّبعة خلال الأشهر الثمانية الماضية، فلا يمكن الاستمرار بنفس المنهج والوجوه، من دون مساءلة أو تعديل.
لا يمكن أن يبقى من اتخذوا قرارات الهجوم، ومن غذّوا الانقسام، على رأس مواقعهم من دون محاسبة حقيقية، ولا يمكن أن تستعيد سوريا ثقة شعبها من دون الكشف عن الحقيقة، وتحقيق العدالة، وردّ الاعتبار لكل من أُهين أو أُزهقت روحه باسم الوطنية المزيفة.
بناء على ما سبق، أقترح على الحكومة السورية اتخاذ خطوات سياسية وإعلامية واجتماعية عاجلة، يمكن أن تعيد بناء الثقة بين الدولة والشعب:
الدعوة لعقد مؤتمر وطني شامل، يتضمن تمثيلاً فعلياً لكل الطوائف والمكونات، بمن فيهم أبناء السويداء وقادة الرأي من جميع المناطق، بهدف صياغة خارطة طريق حقيقية، بعيداً عن الصيغ الجاهزة والولاءات القبلية والعشائرية، ويجب أن يقوم هذا المؤتمر على قاعدة المواطنة المتساوية، لا المحاصصة ولا التكليف الديني.
الإسراع بتشكيل هيئة العدالة الانتقالية، كهيئة مستقلة تضم قضاة وحقوقيين وممثلين عن الضحايا مشهود لهم، تضمن محاسبة عادلة لا انتقامية، وتُعيد الاعتبار لكل من تعرّض لانتهاك. فلا مصالحة بلا عدالة. ولا عدالة بلا شجاعة سياسية.
إعادة ضبط الخطاب الإعلامي، بحيث يكون الإعلام السوري منبراً للوحدة الوطنية، لا للتحريض والكراهية، والعمل على تكوين خطاب وطني جامع يواجه الطائفية والتطرف وخطاب الكراهية، ويسهم في بناء ثقافة المشاركة والاحترام المتبادل، لا في تمزيق النسيج الاجتماعي.
دعم الرموز الوطنية في السويداء، على الدولة السورية أن تدعم بوضوح الشخصيات الوطنية في السويداء الذين رفضوا الاستقواء بالخارج، وتعيد بناء العلاقة معهم على أساس الشراكة والمصير الوطني المشترك، بحيث تبقى البوصلة موجهة نحو سوريا لكل أبنائها، من دون تمييز ديني أو عرقي أو سياسي.
وقف أي تطبيع غير شفاف مع العدو الصهيوني، التطبيع لا يُفرض ولا يُستدرج، خاصة عندما يأتي بعد عدوان وسفك دماء. السيادة الوطنية لا تُباع في المزاد، ولا يجب أن تكون ورقة تفاوض في لحظة ضعف داخلي.
سوريا تحتاج إلى عقلٍ راشد لا فكر متشدد
ما نحتاجه اليوم ليس أميراً دينياً، ولا زعيماً منفلتاً يعتلي عرش الطائفية، بل قيادة رشيدة متواضعة، تؤمن بأن الشعب هو الأصل، وأن الحوار هو الطريق، وأن الخوف من النقد هو أول درجات الفشل السياسي.
من يحتكر القرار ويرفض الإصلاح، فهو يُعيد إنتاج الاستبداد القديم بثوب جديد. ومن يعتقد أن السلاح سيحفظه من المحاسبة، فهو واهمٌ يجر البلاد إلى كارثة أعمق.
الانقسام خطر، والطائفية لعنة، والتشفي خيانة. ومسؤوليتنا اليوم، أفراداً ومؤسسات، أن نعيد ترميم الثقة، ونفتح باب المحاسبة، ونرد الاعتبار لكل مواطن سوري شعر بالخذلان.
ليس المهم من يحكم، بل كيف يحكم، وليس المهم الخطاب، بل الأفعال التي تتبعه، والعودة إلى الشعب ليست خياراً بين خيارات، بل هي الشرط الأوّل والأساسي لاستمرار سوريا كدولة وكيان ومجتمع، الرحمة لشهدائنا من المدنيين والعسكريين، والشفاء العاجل للجرحى، والسلام لكل من أُهين حلمه بسوريا أجمل.
تلفزيون سوريا
————————————
السويداء بين لعنة الجغرافيا وهشاشة الوطنية/ أمين قمورية
2025-07-18
لا تزال سوريا في دائرة الخطر. ما يجري في السويداء اليوم ليس “فتنة عابرة”، بل تكملة لسياسة تستهدف تفكيك البلد وتكريس انقسامه وشرذمته على أساس مناطقي، طائفي وعرقيّ. ومن شأن استفحالها إضعاف الوطنيّة السورية والتشجيع على طلب الحماية من الخارج والدفع ببعض السوريّين نحو الارتماء في الحضن الإسرائيلي، وتالياً رسم أقصر الطرق نحو تقسيم سوريا وتفتيت وحدتها الوطنية.
الدروز مكوّن صغير في سوريا لا يتجاوز عددهم 3 في المئة من إجمالي عدد السكّان، ومناطقهم لا تنعم بالثروات الطبيعية والموارد، وتمركزهم الجغرافي على التخوم الإسرائيلية قد يكون أحد أسباب لعنتهم وجعلهم فريسة تجري مطاردتها. يدفع إقصاؤهم وتخوينهم ببعضهم إلى التطرّف وطلب الحماية الإسرائيلية. ساهم بعض رجال الدين لديهم في صبّ الزيت على النار، واستساغ لعبة التعبئة ومدّ اليد إلى الخارج وغذّى الميليشيات الطائفية بما تريده من إمداد خطابيّ وتهييجيّ. ويتناسى بعضهم أنّ المطالبة بالتغيير الديمقراطي تقتضي من المُطالِب أن يتحرّر أوّلاً من تعصّبه الطائفي. والديمقراطية ليست مطلباً درزيّاً خاصّاً بل تقتضي مناقشتها في سياق سوريّ عامّ. طبعاً، لا تنقص إسرائيل الإرادة ولا التخطيط للاستثمار في الانقسام الطائفي وتغذيته، لا حبّاً بالدروز ولا بالأكراد، بل سعياً إلى إضعاف سوريا وجرجرتها إلى أحشر الزوايا لأخذها رهينة في بازار الهيمنة الإقليمية.
الدروز مكوّن صغير في سوريا لا يتجاوز عددهم 3 في المئة من إجمالي عدد السكّان، ومناطقهم لا تنعم بالثروات الطبيعية والموارد
لا ثقة متبادلة بين الجانبين
لا يثق الرأي العامّ بالسويداء بالحكومة السوريّة الحالية، ونيّاتها، وطريقة نظرتها إلى السوريين والتعامل معهم. يمتلكه القلق والخوف من المستقبل، وتضاعف ذلك بعد أحداث القتل في الساحل السوري، وتأخُّر صدور تقرير لجنة التحقيق الخاصّة بهذه الأحداث التي شكّلتها الرئاسة السورية. في المقابل لا تثق الحكومة بنيّات بعض الجهات في السويداء، وطريقة عملها وخياراتها الخارجية.
لكن في بلد متنوّع طائفيّاً وعرقيّاً المطلوب من “الأكثريّة” أن تستوعب “الأقليّة” لا العكس. لكنّ المطلوب أيضاً من الأقلّية ألّا تفرض خيارها الخاصّ ورؤيتها على الآخرين. في سوريا الجديدة جرى اختصار “إشراك الجميع” بتسمية وزير درزيّ وآخر علويّ كرديّ ووزيرة مسيحية، وتُرك الجيش والقوى الأمنيّة وأجهزة الاستخبارات للميليشيات الإسلامية. بينما احتكرت “هيئة تحرير الشام” وحدها تعيين معظم المحافظين الـ 14 للمحافظات السوريّة. وعلى الرغم من محاولة السلطة تعيين قيادات شرطيّة محليّة، لم يبدّد ذلك المخاوف، بل عزّزت التعيينات الفوقيّة القناعة لدى أبناء السويداء بأنّ السلطة لا ترى فيهم شريكاً، بل ملفّ أمنيّ يجب ضبطه لا التفاعل معه.
المواطنة حجر الأساس
يكون تطمين المكوّنات بالمساواة والمشاركة في صنع القرار كلّ بحسب حجمه وقوّة تمثيله التي تحدَّد لاحقاً في صناديق الاقتراع عبر انتخابات حرّة لا يزال السوريون ينتظرون تحديد موعد لها. المواطنة هي حجر الأساس لبناء هويّة وطنيّة جامعة وسلم أهليّ مستدام ومؤسّسات دولة. عكس ذلك هو تطبيق ديكتاتورية الأكثريّة الطائفية التي لا تقلّ وطأة عن ديكتاتورية الأقليّة التي حكمت سوريا سابقاً وأوصلت البلاد إلى ما وصلت إليه. سوريا تحتاج إلى إعادة إعمار وطنية قبل إعادة إعمار المناطق المدمّرة والمدن والشوارع.
ليست المشكلة في السويداء وحدها، بل في ما تمثّله من تعبير حيّ عن المعضلات السوريّة المتراكمة: التهميش، فقدان الثقة واستثمار الذاكرة الجريحة في صناعة حاضر مأزوم.
لا يثق الرأي العامّ بالسويداء بالحكومة السوريّة الحالية، ونيّاتها، وطريقة نظرتها إلى السوريين والتعامل معهم. يمتلكه القلق والخوف من المستقبل، وتضاعف ذلك بعد أحداث القتل في الساحل السوري
تتحوّل هذه المشكلة خطراً داهماً مع تزايد المؤشّرات المقلقة إلى وجود مشروع خارجي يعيد رسم خريطة الدولة السورية على أسس مذهبية وعرقية، بما يفتح الباب أمام فوضى شاملة قد لا تتوقّف عند حدودها الجغرافيّة. ويكشف المشهد السوري عن تقاسم فعليّ للنفوذ بين قوى إقليمية ودولية:
تركيا تعزّز وجودها في الشمال السوري بدعم مباشر لفصائل موالية لها.
إسرائيل تمارس خبثها لتثبيت منطقة عازلة في الجولان والجنوب، تحت ذريعة حماية أمنها القومي. وتتطلّع إلى تسوية تقضي بضمّ نهائيّ للجولان.
الولايات المتّحدة توفّر الغطاء السياسي لهذه التفاهمات، في إطار رؤية أكبر لإعادة تشكيل المنطقة. وتشير التقارير إلى أنّ الاجتماعات السرّية التي عُقدت في أذربيجان بين ممثّلين عن الرئيس أحمد الشرع ومسؤولين إسرائيليين وأميركيين، تضمّنت مناقشة مستقبل الجنوب السوري، بما في ذلك احتمال منح السويداء حكماً ذاتيّاً موسّعاً، وهي خطوة تهدّد وحدة سوريا وسيادتها.
دول عربية عدّة تسعى إلى توسيع دورها السياسي والأمنيّ والاقتصادي في سوريا، فيما السعودية تتحرّك وتسعى عبر قنوات عدّة للحفاظ على وحدة سوريا ومنع تفكيكها حتّى لا تعمّ الفوضى المنطقة برمّتها ويؤدّي سقوط حجر الدومينو السوري إلى انهيارات مماثلة في العراق والأردن ولبنان وصولاً إلى دول الخليج وتطويقها بحزام نار ملتهب.
ما يجري في سوريا ليس شأناً داخليّاً فحسب، بل معركة فاصلة بين مشروعين: مشروع يسعى إلى حماية الدولة الوطنية ومؤسّساتها، وآخر يهدف إلى تمزيقها وتحويلها إلى ساحة صراع مذهبي وعرقي. إنّ إنقاذ سوريا من براثن الفوضى مسؤولية جماعية يتعيّن على العرب أن لا يكونوا بعيدين عنها، ويبدأ بوقف التدخّلات الخارجية ودعم مسار سياسيّ جامع يحفظ وحدة التراب السوري ويقضي على الفكر المتطرّف.
لم تعد حمايةُ سوريا من مخاطر التفتيت والتطرّف خياراً، بل ضرورة لحماية الاستقرار في عالمنا العربي بأسره، فالمنطقة اليوم تموج بالتحوّلات. تهدّد التصدّعات الجيوسياسية خرائطها وتُعيد تعريف العلاقة بين الأرض والسيادة، بين الدولة ودورها، وبين الحدود ومعناها. صارت حدود لبنان وسوريا ولبنان وفلسطين مفتوحة للإسرائيلي وحدود دول أخرى مهدّدة أيضاً بالإزالة. الحديث عن انتهاء صلاحيّة سايكس بيكو القديم الذي صنعه المستعمر صار على ألسنة المبعوثين الأميركيين. قد يذهب القديم لكنّ الجديد الموعود لا يبشّر بما هو أفضل. لم يعد خافياً أنّ خرائط جديدة تُرسم بالدم في الغرف السود، منطلقها دفن القضيّة الفلسطينية، لكنّ هدفها تعميم نموذج فلسطين في المنطقة: دول مستباحة سيادتها وأرضها والقرار.
أساس ميديا
————————————
جبهة الجنوب السوري: تصدّع السيادة وانفجار الخصوصية/ مها غزال
الجمعة 2025/07/18
لم تكن محافظة السويداء يوماً على هامش المشهد السوري، كما حاول النظام تصويرها طيلة سنوات الصراع. فهذه المحافظة، التي حافظت على مواقف واضحة ومعارضة لنظام الأسد، وتحولت إلى منبر احتجاجي متواصل، باتت خلال الأسابيع الأخيرة مسرحاً لانفجار أمني وعسكري واسع. بدا النزاع في ظاهره محلياً محدود النطاق، إلا أنه سرعان ما كشف عن تشابكات معقدة تتقاطع فيها حسابات دمشق، ومطامع تل أبيب، وتوازنات الإدارة الذاتية، وتحركات طهران، ومواقف تركيا، فضلاً عن الرسائل الإقليمية والدولية.
انطلقت شرارة الصراع من واقعة اختطاف، ليست جديدة على منطقة اعتادت الفوضى الأمنية وحالات الخطف المتبادل كوسيلة لحل النزاعات. غير أن التصعيد أخذ طابعاً مختلفاً، فتحوّل إلى مواجهة دامية بين الدولة ومكونات محلية ذات طابع اجتماعي–عسكري، ترافقت مع تصعيد سياسي إقليمي امتد من البادية الشرقية ليبلغ قلب العاصمة دمشق.
في خلفية المشهد، كانت المفاوضات بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) تنهار، والعشائر العربية ضمن “قسد” تغيّر مواقعها السياسية، فيما تحوّلت مناطق الجنوب إلى ساحة لتصفية الحسابات الدولية، ضمن رسائل متبادلة بالنار والضغط السياسي، تحمل في طياتها ملامح مرحلة جديدة في مسار الصراع السوري.
السويداء لم تنفجر فجأة. بل كانت تسير نحو هذه المواجهة بخطى بطيئة ولكن ثابتة، وسط غليان اجتماعي داخلي ومحاولات حثيثة من دمشق لاستعادة السيطرة على المحافظة التي أصبحت “منطقة رمادية”، خارجة عن سيادة الحكومة من دون أن تقع تحت نفوذ أي مشروع بديل. واليوم، بعد هذه الأحداث، يُطرح سؤال مصيري: هل انتهت “خصوصية السويداء”؟ أم نحن أمام إعادة صياغة لدور الجنوب السوري في معادلة ما بعد الأسد؟
من فشل التفاهمات إلى اشتعال الجنوب
في لحظة بدت فيها فرص التهدئة بين الإدارة الذاتية والحكومة السورية أكثر هشاشة من أي وقت مضى، شكّل فشل اللقاء الأخير في دمشق – الذي كان يفترض أن يرسي أسس تفاهم أولي حول مستقبل اللامركزية – نقطة تحول خطيرة انعكست مباشرة على الجبهات الصامتة في الجنوب.
وبينما كانت الأنظار تتجه شرقاً، حيث باشرت دمشق خطوات تصعيدية عبر ردم الطرق المائية على نهر الفرات لقطع الإمداد عن “قسد”، بدأت مؤشرات الانقسام تتعمّق داخل الأخيرة. عشائر عربية بارزة، تمثّل الكتلة القتالية الأكبر ضمن “قسد”، أصدرت بيانات متتالية أعلنت فيها دعمها لموقف دمشق، مطالبة بفتح قنوات تنسيق مباشر ورفض الفيدرالية.
هذا التحول لم يكن رمزياً بل فعلياً، وهدد وحدة “قسد” بشكل مباشر. مصادر رفيعة من داخل القيادة الكردية صرحت لـ”المدن” أن هناك مخاوف جدية من انفجار داخلي.
بموازاة ذلك، تحركت طهران بصمت. فقد كشفت مصادر خاصة عن اجتماع أمني رفيع في منطقة “حصيبة” العراقية الحدودية، ضمّ قيادات من الحرس الثوري الإيراني و”حزب الله العراقي” بزعامة “أبو راما”، فضلاً عن ضباط سابقين في النظام السوري، أبرزهم المقدم محمد (مدير فرع أمن الدولة السابق في البوكمال)، وضباط من “الفرقة الرابعة”، برعاية من “الحاج عسكر”، المسؤول الإيراني عن الملف السوري. جميعهم على ارتباط مباشر بشيخ عشيرة المرسومي فرحان المرسمومي.
وبينما كانت هذه التحركات تُدار بصمت، تلقى الزعيم اللبناني وليد جنبلاط تحذيرات استخباراتية مبكرة، أعقبها اتصال مع نائب وزير الخارجية الروسية ميخائيل بوغدانوف، أكّد فيه أن “الهجوم لن يحدث”، ضمن تفاهم روسي يهدف إلى تجميد خيار الفيدرالية، وفق مصدر مطلع تحدث لـ”المدن”.
تفجّر الاشتباكات… رسائل بالجملة والنار
اندلع التصعيد الأخير في السويداء بعد توتر أمني متصاعد، تُوّج بهجوم واسع شنّته ميليشيات بدوية مسلحة من محيط المدينة. وقد أظهر أحد مقاطع الفيديو مقاتلاً يوجه تحية مباشرة إلى الشيخ فرحان المرسومي، في إشارة سياسية فاقعة لتداخل العشائري بالخارجي.
الهجوم انطلق من الأطراف الغربية للمدينة وامتد إلى أحياء سكنية داخلية، تخللته عمليات قتل جماعي بحق مدنيين، أبرزها في مضافة آل رضوان، إلى جانب اقتحامات ونهب في شارع القنوات وساحة المشنقة، حسب شهادات محلية موثقة.
في ظل هذه التطورات، رأت الحكومة السورية فرصة للتدخل. وقبل 24 ساعة من الهجوم، نُقل عن المبعوث الأميركي إلى سوريا، توماس بارك، تصريح مفاده أنه من حق الحكومة السورية أن تبسط سيادة الدولة، كما ركز في تصريحاته أن سوريا ستكون دولة مركزية موحدة. واعتُبر هذا التصريح بمثابة ضوء أخضر غير مباشر.
بدأت قوات من الدفاع والداخلية بالتحرك من محيط درعا والسويداء، دون تنسيق، ما أدى إلى ارتباك عملياتي كبير وتعرضها لكمائن مباشرة.
ومع اتساع رقعة الاشتباكات، نفذ الطيران الإسرائيلي غارات مركزة على مواقع الفصائل البدوية في محيط داما وقرية نمرة، ثم على طرق الإمداد من كناكر.
في الأثناء، وافق الشيخ حكمت الهجري على اتفاق وقف إطلاق نار بضمانات محلية، لكنه تراجع لاحقاً، مؤكداً أنه وقّع تحت الضغط. مصادر محلية أشارت إلى أن الهجري تلقى تطمينات من “قسد” بدعم الجبهة، واتصال من الشيخ موفق طريف من الجولان أكد فيه أن تل أبيب “لن تسمح بكسر السويداء”.
في المقابل، نشطت المبادرات المدنية بقيادة ليث البلعوس ونشطاء من “المدنية أولاً” و”السويداء الحرة”، الذين دعوا إلى إنهاء التصعيد ورفض التدخلات الخارجية.
ارتباك رسمي، وصعود خطاب اللامركزية
الخطاب الرسمي الصادر عن حكومة أحمد الشرع تجنب تحميل الدروز أو مشيخة العقل أي مسؤولية، واصفاً ما جرى بأنه “خلافات تاريخية بين أطراف محلية”. أما الإعلام الرسمي السوري فتحدث عن “مجموعات خارجة عن القانون” دون تحديدها، فيما وصف الإعلام الكردي عبر “ANHA” ما حدث بأنه نتيجة لفشل التفاهم مع دمشق، وقال قيادي في الإدارة الذاتية دران جيا كرد، إن الانتهاكات الممنهجة التي طالت المكون الدرزي في الجنوب السوري، تؤكد بوضوح الرفض العميق للتعددية الثقافية والدينية من قِبل وزارة الدفاع الانتقالية والمؤسسات التابعة لها”.
وحذر من أن استمرار هذه الممارسات يدفع بسوريا نحو مزيد من التشظي والتفتت على المستويين السياسي والاجتماعي، ويضع جميع المكونات السورية أمام تحدٍّ خطير وممنهج، وطالب الحكومة الانتقالية أن تبادر إلى مراجعة شاملة وعاجلة لنهجها في التعامل مع الداخل السوري، والبدء بحوار وطني جاد ومسؤول مع مختلف المكونات، مع احترام خصوصية كل مكون وهويته الثقافية والدينية.
وأضاف أنه من الضروري أن تنخرط السلطات الانتقالية في دمشق بجدية في عملية الحوار الوطني، وأن تُقدم على تنازلات فعلية عبر نقل بعض الصلاحيات إلى السلطات المحلية، بما يعزز الثقة ويكرس مفهوم الشراكة، كما حمل السلطات الانتقالية المسؤولية الكاملة عن الخطاب الطائفي التحريضي، سواء عبر منابرها الإعلامية أو من خلال الخطاب “الشعبوي” المنتشر في الشارع ومواقع التواصل الاجتماعي.
السويداء بعد المعركة… بين تسوية قسرية وانتصار رمزي
في ختام ثلاثة أيام من التصعيد، انسحبت القوات الحكومية من السويداء إثر قصف إسرائيلي مباشر استهدف مبنى الأركان في دمشق، في رسالة هي الأوضح حتى الآن بشأن حدود التدخل الإسرائيلي. وتم تكليف مشيخة العقل بإدارة الملف الأمني في المدينة.
رغم أن الحكومة الانتقالية أبدت مرونة في خطابها، عبّرت دوائرها عن امتعاض كبير من إدارة المعركة، مطالبة بمحاسبة المسؤولين عن فتح جبهة دون تحضير استخباراتي.
في المقابل، أبدى وجهاء ومثقفون دروز قلقاً من تحول “النصر المحلي” إلى عزلة استراتيجية، وسط مؤشرات على انفتاح بعض القيادات الميدانية على تل أبيب.
تركيا تدخل على الخط: اتفاق دفاع مشترك أم نفوذ بديل؟
في ظل الانكفاء الحكومي والتصعيد الإسرائيلي، طرحت أنقرة اتفاق دفاع مشترك مع الحكومة السورية الجديدة، وهو عرض طالما لمحّت به منذ سقوط الأسد، لكن دمشق كانت تتحاشاه خشية وصاية إقليمية.
وفي مؤشر لافت، كتب أبو الفرقان، أحد كبار ضباط الاستخبارات التركية، على “إكس”: “لقد حان الوقت لعقد اتفاقية دفاع مشترك تُعيد التوازن إلى سوريا وتحميها.”
بالتوازي، صرح وزير الخارجية التركي هاكان فيدان بأن بلاده ستستخدم “طرقاً جديدة وأكثر فاعلية لدعم سوريا”، في تصريح فُسّر بأنه يتجاوز الإغاثة نحو شراكة أمنية–سياسية.
وفيما تواصل تل أبيب فرض واقع “الجنوب منزوع السلاح”، تتطلع أنقرة إلى توسيع نفوذها عبر أدوات مباشرة، بينما تبدي دمشق توجسها من التنازلات العسكرية خشية وصاية جديدة باسم “الشراكة”
السويداء كنقطة تحوّل… وسيناريوهات ما بعد المواجهة
ما جرى في السويداء أعاد تعريف السيادة في سوريا الجديدة. لقد عرّى هشاشة الدولة الأمنية، وأبرز ديناميكية المجتمعات المحلية، وأعاد الإقليم إلى قلب المعادلة بصيغ أكثر جرأة وعلنية.
تقف حكومة الشرع أمام مفترق حاسم: إما الانفتاح على تفاهمات لامركزية تُنهي إرث المركزية القسرية، أو الانزلاق إلى مواجهة جديدة، هذه المرة مع الداخل المجتمعي لا مع خصوم خارجيين.
دروس السويداء باهظة… لكن تجاهلها سيكون أفدح كلفة
المدن
———————————
نتنياهو يضربُ دمشق.. ماذا حصلَ في “باكو”؟/ ابراهيم ريحان
2025-07-18
ماذا في كواليس التّوصّل إلى اتّفاقٍ لوقف إطلاق النّار بين إيران وإسرائيل؟ وكيف تمّ الاتّفاق على ضرب قاعدة العديد الأميركيّة في دولة قطر؟ وهل كانَت…
ماذا وراء الهجوم الإسرائيليّ العنيف على مؤسّسات الدّولة السّوريّة؟ وما علاقة المُفاوضات غير المُباشرة بين دمشق وتل أبيب بما حصلَ في السّويداء؟ ولماذا تُصرّ إسرائيل على عنوان “حماية الدّروز”؟
ليسَ سِرّاً أنّ سوريا وإسرائيل تخوضان مُفاوضاتٍ غير مباشرة للتّوصّل إلى اتّفاقٍ أمنيّ يؤدّي إلى إنهاء حالةِ التّوتّر والتّصعيد الذي تُبادرُ إليه تل أبيب في المنطقة المُمتدّة من العاصمة دِمشق إلى مدينة درعا في أقصى الجنوب.
لماذا هاجمَت إسرائيل دمشق؟
تُخاضُ هذه المُفاوضات عبر قناتَيْن أساسيّتَيْن:
عبر وساطة تُركيّة – أذربيجانيّة، حيثُ شهِدَت العاصمة باكو عدّة جولات من المُفاوضات كانَت آخِرتها الأسبوع الماضي.
عبر وساطةٍ أميركيّة في العاصمة التّركيّة أنقرة، يقودها المبعوث الأميركيّ إلى سوريا وسفير واشنطن لدى أنقرة توم بارّاك.
ليسَ سِرّاً أنّ سوريا وإسرائيل تخوضان مُفاوضاتٍ غير مباشرة للتّوصّل إلى اتّفاقٍ أمنيّ يؤدّي إلى إنهاء حالةِ التّوتّر والتّصعيد الذي تُبادرُ إليه تل أبيب
واجهَت المفاوضات بين دمشق وتل أبيب عقبات عديدة أبرزها:
تمسّك تل أبيب بالمطالبة بالتّنازل السّوريّ عن منطقة الجولان المُحتلّ والاعتراف بالسّيادة الإسرائيليّة على الهضبة التي تُسيطرُ عليها إسرائيل منذ حزيران 1967.
تُريد تل أبيب إقراراً سوريّاً ببقاء قوّاتِها على قمم جبل الشّيخ السّوريّة، التي دخلتها قوّات الاحتلال بعد سقوط نظام آل الأسد في كانون الأوّل الماضي.
اعتبار منطقة الجنوب السّوريّ من الكسوة جنوب دمشق إلى الحدود مع الأردن منطقة عازلة لا يدخلها الجيش السّوريّ الجديد، مع ضمان حرّيّة الحركة للجيش الإسرائيليّ تجاه ما يُسمّيه أيّ “تهديدٍ” أو خرقٍ للاتّفاق إلى عمق 30 كلم.
في المُقابل تتمسّكُ دِمشق باتّفاق فضّ الاشتباك لعام 1974، الذي ينصّ على هويّة الجولان السّوريّة ويحدّد منطقة الفصل بين القوّات السّوريّة والإسرائيليّة. وتعتبر دمشق الجنوب السّوريّ منطقة سيادة سوريّة يكون ضبط الأمن فيها من مهامّ القوّات المُسلّحة السّوريّة على اختلافِ مُسمّياتها، من الجيش أو قوّات الأمن العامّ.
بعدَ جولة التّفاوض السّوري – الإسرائيليّ الأخيرة في أذربيجان، وتمسُّك الجانب السّوريّ بمطالبِهِ، وقعَت الاشتباكاتُ بين بعض عشائر البدو في بادية السّويداء وأهالي المنطقة ذات الغالبيّة الدّرزيّة.
دَفعَت هذه الاشتباكات الحكومة السّوريّة إلى إرسال قوّات الأمن العامّ مع تعزيزات محدودة من قوّات الجيش التّابعة لوزارة الدّفاع، سُرعان ما انسحبَت من المنطقة نحوَ دمشق ما إن مالت الكفّة لمصلحة القوّات السّوريّة.
تُريد تل أبيب إقراراً سوريّاً ببقاء قوّاتِها على قمم جبل الشّيخ السّوريّة، التي دخلتها قوّات الاحتلال بعد سقوط نظام آل الأسد في كانون الأوّل الماضي
الفخّ الدّرزيّ
لكنّ ما حصلَ بين البدو والدّروز لم يكن سوى فخّ إسرائيليّ لاستدراج الذّرائع لتطبيق ما تُريده تل أبيب بالقوّة، وهو فرضُ توسيع المنطقة العازلة لتشمل كامل الجنوب السّوريّ بالنّار. فالذّهاب إلى حملة عسكريّة جوّيّة في سوريا تحت عنوان “حماية الدّروز” لن يلقى معارضةً بالدّاخل الإسرائيليّ لأسباب عديدة:
العلاقة بين إسرائيل والطّائفة الدّرزيّة في فلسطين التّاريخيّة تعود جذورها إلى عام 1948. إذ تعترف إسرائيل بالدّروز مُجتمعاً منفصلاً عن عرب الدّاخل وبديانتهم ديانةً مُستقلّة، وهم يحملون الجنسيّة الإسرائيليّة منذ قيام إسرائيل 1948. ولم تتعرّض البلدات الدّرزيّة لهجمات من العصابات الصّهيونيّة في حرب 1948 ولم يُهجّروا من بلداتهم الـ19 المُنتشرة في منطقة الجليل.
كما ينخرطُ دروز فلسطين التاريخيّة في المجتمع الإسرائيليّ ويُشكّلون قوّة لا يُستهان بها في الجيش والحياة السياسية الإسرائيلية.
ترسيخ حرّيّة الحركة والتّلويح بغزو دمشق
هذه العوامل اتّخذها نتنياهو حجّة لتبرير تدخّله العسكريّ في سوريا تحت عنوان “حماية الدّروز” لفرضِ ما يُريد من انسحابٍ للجيش السّوريّ من منطقة الجنوب. فهو أيضاً يُريدُ أن يُرسّخَ مبدأ “حرّيّة الحركة” الذي تقومُ عليه عقيدته الأمنيّة والعسكريّة في المنطقة منذ ما بعد السّابع من أكتوبر. وقد يكونُ من العبث التّوهّم أنّ نتنياهو قامَ بالضّربات على سوريا من دون تنسيق أو رضا أميركيّ، بمعزل عن التّصريحات التي خرجَت من وزارة الخارجيّة الأميركيّة عن شعورها بالقلق من الغارات على سوريا.
لجأَ نتنياهو إلى العنفِ المفرط في سوريا، هدفه رسم شروط التفاوض مع دمشق بالنّار. ولذلك سارعَ إلى استهداف مبنى وزارة الدّفاع وقيادةِ الأركان وباحة القصر الجمهوريّ.
استهداف وزارة الدّفاع والقصر الرّئاسيّ جاءَ بعد ضربتيْن تحذيريّتيْن من طائرةٍ مُسيّرة على مدخل وزارة الدّفاع وأعلى المبنى قبل الاستهداف بساعةٍ لإخلاء المبنى.
كما تشير روايةٌ أخرى إلى أنّ تل أبيب أخطَرت دمشق عبر وسطاءٍ بضرورة أخلاء هذه المباني قبل استهدافها. وهذا يُفسّر غياب الخسائر البشريّة جرّاءَ هذا الاستهداف تحديداً.
لجأَ نتنياهو إلى العنفِ المفرط في سوريا، وهدفه رسم شروط التفاوض مع دمشق بالنّار
أرادَت تل أبيب الإيحاء أنّها قد تذهبُ إلى ما هو أبعد من الغارات على قوّات الجيش السّوريّ لفرضِ شروطها.
عزّزَ ذلكَ نقلُ فرقتيْن عسكريّتَيْن، منها الفرقة 98 إلى الجولان المُحتلّ. وهي فرقة تضمّ 5 ألوية، منها “لواء المشاة 35″ و”لواء عوز” ووحدتا “ماجلان” و”إيجوز” وكتيبة دبّابات. وتضمّ هذه الفرقة وحدها ما يصل إلى 20 ألف جنديّ.
تعمل هذه الفرقة في العمليّات البرّيّة وشاركت في غزو لبنان 1982، وحرب تمّوز 2006، وحرب لبنان 2024، وحرب غزّة المُندلعة منذ تشرين الأوّل 2023. وهي فرقة مُتخصّصة بالعمليات التي تتطلّب إجراءات سريعة وحاسمة، وصُمّمَت في الأساس للدّفاع عن التهديدات من سوريا ولبنان.
كان الهدف من نشر الفرقتين القول إنّ تل أبيب لن تتوانى عن التوغّل برّاً في جنوب سوريا، وربّما إلى مشارف دمشق لفرضِ ما تريد، خصوصاً أنّ وحدات من الجيش الإسرائيليّ تتمركَز على بُعد 18 كلم من العاصمة السّوريّة على قمم جبل الشّيخ.
استطاع نتنياهو بفائض القوّة وفي ذروة التغوّل السّياسي – العسكريّ الإسرائيليّ أن ينال انسحاب الجيش السّوريّ من الجنوب وأن يُقدّمَ إسرائيل كحامية للأقلّيّات في المنطقة، حيث فشلت إيران ومحورها. لكنّ الطّبيعة الدّيمغرافيّة لسوريا وللمنطقة بشكلٍ عامّ قد تجعلُ هذا العنوان صالحاً على المدى القريب، وليسَ على المدى الاستراتيجيّ.
—————————-
الانسحاب من السويداء بين الهزيمة وتجنب الفوضى/ إبراهيم العلبي
18/7/2025
بعد معارك استمرت يومين داخل محافظة السويداء مع فصائل درزية موالية للشيخ حكمت الهجري، تخللها تدخل إسرائيلي إلى جانب هذه الفصائل، قرر الرئيس السوري أحمد الشرع سحب قوات الجيش والأمن من المحافظة بالكامل، معلنا في كلمة مسجلة للسوريين فجر الخميس أنه اتخذ هذا القرار للحفاظ على وحدة البلاد وتجنيبها حربا مفتوحة مع إسرائيل.
وأكد الشرع أن الانسحاب جاء في إطار اتفاق مع جهات محلية في السويداء تقضي بتكليف بعض الفصائل المحليّة ورجال دين دروز “مسؤولية حفظ الأمن” في المحافظة. ونقلت الوكالة الفرنسية عن مقاتلين حكوميين على أطراف المحافظة أن “القوات الحكومية أنهت انسحابها فجرًا” يوم الخميس 17 يوليو/تموز الجاري.
وأسفرت معارك السويداء عن وضع البلاد عند منعطف ودرس وصفه خبراء بالخطير، وبينما رأى البعض في الخطاب الرئاسي وقرار الانسحاب خطوة لا بد منها لتجنيب البلاد مزيدا من التدمير، اعتبر معلقون وناشطون أن ما جرى هزيمة مكتملة الأركان للدولة السورية مقابل مسلحي السويداء وداعميهم الإسرائيليين، ملقين باللوم على الحكومة في إدارتها للموقف برمته.
الشرع: اخترنا تغليب المصلحة الوطنية
في 14 يوليو/تموز، قررت إدارة الرئيس الشرع إرسال الجيش وقوات الأمن الداخلي إلى محافظة السويداء لإنهاء اقتتال محلي بين فصائل درزية محسوبة على الهجري وبين مسلحين من البدو أشعله خطف سائق شاحنة على طريق السويداء دمشق، وتطور إلى عمليات خطف متبادلة ثم اشتباكات عنيفة بين الطرفين أودت بحياة العديد من الأشخاص.
وقوبل التدخل الحكومي بترحيب بعض الفصائل الدرزية الموالية لدمشق، ولكنه ووجه بالرفض من قبل الهجري والمجلس العسكري الموالي له فشنوا هجوما وزرعوا كمائن لقوات الجيش السوري مدعومين بتدخل جوي إسرائيلي واسع طال مركبات عسكرية وأسلحة ثقيلة، وحتى مبنى قيادة الجيش بالعاصمة دمشق، والذي لحقت به أضرار كبيرة إثر غارة إسرائيلية عنيفة بجانب غارة أخرى استهدفت محيط القصر الرئاسي.
وقال الشرع إنّ الموقف كان بين خيارين، إما “مواجهة مفتوحة مع إسرائيل على حساب أمن الدروز.. وإما فسح المجال لوجهاء ومشايخ الدروز للعودة إلى رشدهم، وتغليب المصلحة الوطنية على من يريد تشويه سمعة أهل الجبل”.
وبينما شدّد الرئيس على أنّ الدولة غلّبت مصلحة السوريين في تجنب الدمار، قال إنّها نجحت بإعادة الاستقرار و”طرد الفصائل الخارجة عن القانون في السويداء، رغم التدخلات الإسرائيلية” متعهدا بحماية المواطنين الدروز ومحاسبة كل من أساء لهم ورفض أي مسعى يهدف إلى جرهم لطرف خارجي أو إحداث انقسام.
ووجه الرئيس السوري خطابه لإسرائيل بقوله “لسنا من يخشى الحرب” مؤكدا أن “الكيان الإسرائيلي يسعى منذ سقوط النظام البائد لتحويل أرضنا لأرض نزاع وتفكيك شعبنا”.
وأضاف “نحن أبناء هذه الأرض والأقدر على تجاوز محاولات الكيان الإسرائيلي لتمزيقنا، فسوريا ليست ساحة تجارب لمؤامرات خارجية وأطماع الآخرين”.
أول خطاب خشن تجاه إسرائيل
يعد حديث الشرع عن عدم الخشية من الحرب، والاستعداد لها، التصعيد الأول من نوعه في اللهجة الدبلوماسية تجاه إسرائيل، في صورة تعكس تململا سوريا -فيما يبدو- من تعنت إسرائيلي راسخ وتمسك برؤية سوريا ممزقة، كما أعلن مسؤولون إسرائيليون مرارا.
وكان الرئيس السوري وأركان حكومته قد أرسلوا مرارا -منذ دخول قوات ردع العدوان إلى دمشق في 8 ديسمبر/كانون الثاني، عقب هروب رئيس النظام المخلوع بشار الأسد- برسائل تطمين إلى إسرائيل عبر الإعلام وعبر جهات إقليمية ودولية بشأن عدم نيتهم تغيير قواعد الاشتباك أو مضمون اتفاق فصل القوات المعمول به مع إسرائيل منذ عام 1974، رغم إعلان الأخيرة إنهاء الاتفاق من طرف واحد، بالتزامن مع توغل الجيش الإسرائيلي -عقب سقوط نظام بشار- في المنطقة العازلة بالجولان السوري المحتل.
ومع كل انتهاك إسرائيلي لأجواء سوريا واستهداف الأصول العسكرية لجيشها بعد تغيير النظام، كانت دمشق تعبر عن إدانتها، لكنها تتمسك بالتهدئة، وتواصل تقديم الضمانات لإسرائيل بعدم العمل على استهدافها، بل واتخذت خطوات للتعبير عن حسن النوايا، مثل إعادة متعلقات الجاسوس الإسرائيلي الأشهر في سوريا إيلي كوهين إلى إسرائيل، والدخول في مسارات تفاوض متعددة برعاية أطراف إقليمية ودولية، أملا في إرساء اتفاق يعيد إحياء اتفاق فصل القوات لعام 1974.
ولكن حسابات الحكومة السورية، فيما يتعلق بالسويداء تحديدا، واجهت تحديات أكثر تعقيدا مع تأكيد إسرائيل سابقا أنها ستمنع دخول القوات الحكومية وأي أسلحة ثقيلة تابعة لها إلى هذه المحافظة وعموم الجنوب السوري. إلا أن الهدوء -الذي ساد الموقف قبل التطورات الأخيرة وخوض مفاوضات مباشرة معها، بجانب تصريحات المبعوث الأميركي إلى سوريا توم براك بشأن وحدة سوريا- تسبب بقراءة خاطئة للموقف من قبل دمشق، بحسب ساسة ومحللين.
)
إسرائيل وتخدير الموقف الأميركي لدمشق
مع إقرار الرئيس الشرع أن إسرائيل سعت لتقويض وقف إطلاق النار في السويداء، لولا وساطة أميركية وعربية وتركية، رأى المفكر السياسي السوري برهان غليون أن الإسرائيليين “نصبوا فخا لسوريا” في ضوء الأحداث الأخيرة.
وأوضح غليون -في حديث تلفزيوني- أن الإسرائيليين “أعطوا الانطباع في البداية بأنهم لن يتدخلوا فيما يتعلق بملف السويداء، لكنهم في النهاية قلبوا المسألة إلى تحقيق أهدافهم التي كانت واضحة من قبل، لكنهم خففوا الحديث عنها مؤخرا، وهي تقسيم سوريا وتفكيكها وعدم السماح لها بأن تتحول إلى دولة ذات سيادة قادرة على حماية شعبها والدفاع عن مصالحه”.
وبحسب المفكر السوري، فإن ما حدث كان على الأغلب ردا من قبل إسرائيل على فشلها في انتزاع التنازلات التي كانت تأمل بانتزاعها من الحكومة السورية الراهنة، وذلك بعد تسريبات تفيد بأن الشرع رفض مطلبا بالسماح لإسرائيل بالاستمرار في تنفيذ عمليات عسكرية في البلاد بحرية بموجب اتفاق محتمل.
وقال غليون إن الإسرائيليين لم يواجهوا القوات السورية في السويداء بعد دخولها فحسب، بل استغلوها لتحقيق أهداف لا علاقة لها بالسويداء والدروز، وهي كسر إرادة الدولة الجديدة، وإظهار ضعفها أمام شعبها وأمام القوى التي ليست راضية عن الوضع، وتقويض مصداقيتها الدولية، معقبا بالقول “هذا ما لم تستطع السلطة توقعه منذ البداية ويبدو أن كلام المبعوث الأميركي خدرها”.
هزيمة وفشل حكومي
في رؤية تذهب أبعد مما ذهب إليه غليون، رأى ناشطون ومحللون أن ما جرى في السويداء، مع قرار سحب القوات السورية النظامية بالكامل من المحافظة، هو هزيمة كاملة للدولة وأجهزتها تعبر عن فشل حكومي في التعامل مع مجمل الموقف، لا سيما مع تداول مقاطع فيديو عبر وسائل التواصل الاجتماعي تظهر ارتكاب عناصر حكومية انتهاكات واسعة.
ومن جانبه اعتبر الكاتب والباحث السوري أحمد أبا زيد أن ما جرى “هزيمة كاملة، للدولة والشعب والوطن، وفشل كامل، عسكري وأمني وسياسي، وخطأ في اتخاذ قرار بلا دراسة تداعياته وإمكانية النجاح فيه، وخيانة كاملة ممن استقوى بإسرائيل وأجرم وكرّس العزلة والانقسام”.
ودعا أبا زيد في منشور على صفحته في فيسبوك إلى “مساءلة الأسباب” مضيفا “لم تكن الكارثة ولا موت مئات الشهداء وانقسام المجتمع حتمية تاريخية ولكن نتيجة قرارات ومسار متراكم لا يتحمل مسؤوليته طرف واحد”.
ويستند أبا زيد ومحللون آخرون في رأيهم إلى ما بدأ يتكشف بعد ساعات من خروج القوات الحكومية من السويداء، حيث بدا (رجل الدين الدرزي) الهجري المنتصر الأكبر، مع ورود تقارير عن قيام المليشيات الموالية له بتهجير البدو من حي المقوس في المدينة، بالتوازي مع صدور بيان عن الرئاسة الروحية بقيادته تدعو لفتح معبر حدودي مع الأردن وطريق باتجاه المناطق التي تسيطر عليها ما تسمى قوات سوريا الديمقراطية (قسد) شمال شرق سوريا.
ونشر الناشط السياسي السوري الدرزي ماهر شرف الدين صورة له مع الهجري في مضيفته وعلق عليها بالقول “قبل قليل في قنوات.. يدا بيد مع قائد النصر” في إشارة إلى الهجري.
ومن جهته، ركز عبد الرحمن الحاج الكاتب والباحث السوري رئيس مشروع موقف الذاكرة السورية المعنية بتوثيق أحداث الثورة السورية على قضية الانتهاكات التي ارتكبها عناصر حكومية في السويداء، قائلا “لم يعد مقبولا وجود مجموعات غير منضبطة، صارت صورة الدولة على المحك في الداخل والخارج، هذا أمر يمكن تفهمه من الجميع في الأشهر الأولى لإعادة بناء الجيش، لكن لا يمكن قبول ذلك بعد الآن”.
وقال الحاج في منشور له على صفحته في فيسبوك “يجب أن يكون كل حدث درسا، وهذا أحد الدروس الخطيرة لنا” داعيا السلطات الحكومية إلى إظهار الجدية اللازمة للمحاسبة.
بدء انسحاب قوات الجيش العربي السوري من السويداء تطبيقا للاتفاق المبرم بين الدولة السورية ومشايخ العقل في المدينة، وبعد انتهاء مهمة الجيش في ملاحقة المجموعات الخارجة عن القانون.
نضج سياسي ودليل ثقة
في المقابل، يرى محللون آخرون أن تعهد الرئيس الشرع بمحاسبة المتورطين في انتهاكات ضد مدنيين في السويداء خيار صحيح، وعدّوه تعبيرا عن قوة الدولة لا ضعفها.
وقد اعتبر الكاتب والسياسي السوري وائل مرزا أن رئاسة الجمهورية اختارت “ممارسة أعلى درجات الانضباط السياسي والأخلاقي، بإدانة واضحة لأي انتهاكاتٍ تطال المدنيين، وبالتعهد الرسمي بالتحقيق والمحاسبة”.
ويضيف مرزا وهو رئيس معهد العالم للدراسات “لا يأتي هذا التصرف ضعفاً أو ارتباكاً، كما قد يتوهم البعض، وإنما هو علامة نُضجٍ سياسيّ ودليل ثقةٍ بالنفس، يؤكّد أن الدولة السورية -وهي تخوض معركةَ تثبيت الاستقرار وسيادة القانون- لا تحتاج إلى التغطية على الأخطاء، ولا إلى التجاهل أو التبرير”.
وفي هذا السياق، فإن الموقف الرسمي، في ظل هذا التوقيت الصعب والمؤلم، يُرسل -بحسب مرزا- رسالةً مزدوجة أولها إلى السوريين جميعاً بأن دولتهم لا تساوم على العدالة، ولا تختبئ خلف العواطف حين يتعلق الأمر بحقوقهم. وثانيها إلى القوى المعادية بأن من يمتلك زمام المبادرة الأخلاقية والسياسية هو الأقدر على صناعة مستقبلٍ مستقرٍّ ومستحق.
المصدر: الجزيرة
————————
أم الأقليات تستعرض في سورية وما بعدها/ وائل قنديل
18 يوليو 2025
بنظر الكيان الصهيوني، كلّ دولة عربية بمثابة مساحة مُتاحة لفرض النفوذ الإسرائيلي. ونظرياً وعملياً، تمضي تل أبيب في تنفيذ رؤيتها للشرق الأوسط الذي تريده مسكونة بيقين أنّها المالك الحصري لهذه المنطقة ومديرها العام، وليس الآخرين الجالسين في مقاعد الحكم العربية سوى مجموعة من الولاة والمحافظين، من سلطتها معاقبتهم ومكافأتهم وتغييرهم أو تثبيتهم وقتما تشاء.
وفي سورية الجديدة، يتجلّى النموذج الأوضح لهذا التصوّر الصهيوني، إذ تضرب وتعاقب وتحمي وتأمر وتنهى وتفرض سيطرتها على الأراضي والأجواء، من دون ردّة فعل واحدة من دمشق أو شقيقاتها العربيات، المزعومات، وكأنّ ثمّة قراراً عربياً بالإجماع قد صدر بالخضوع للمنطق الإسرائيلي الأميركي الذي أعلنه دونالد ترامب في خطاب النصر على الديمقراطيين يناير/ كانون الأول الماضي “سنغير كل شيء في المنطقة لصناعة شرق أوسط جديد” ليتولى نتنياهو الشرح بالقول “تقوده إسرائيل وتهيمن عليه”.
هذا ما تطبّقه تل أبيب بشكل عملي في سورية، إذ تعلن الوصاية على السويداء ومناطق الدروز، وتحدّد للنظام السوري نطاق حركته وتوقيتاتها وحجمها، وتعاقبه بالضرب العنيف إن لم يمتثل، تضربه في قلب دمشق وعلى أطرافها، وتقدّم نفسها للشعوب العربية “أم الأقليات” تحميها وتطعمها وتسقيها وتكسوها وتذهب إليها وتستقبلها كما تشاء، من دون أن يشعر النظام العربي بإهانة أو يستشعر عاراً تاريخياً وحضارياً يتمدّد تحت سرير نومه العميق.
ما تراه يتحرّك أمامك على الأرض منقولٌ بالحرف الواحد من عشرات بل مئات الكتب ودراسات مراكز البحوث العربية والدولية المُكدّسة فوق أرفف المكتبات منذ أكثر من خمسين عاماً معبّأة بهذه السيناريوهات التي تنفجر في وجوه الجميع الآن، وعنوانها الرئيس “اللعب بورقة الأقليات لتقطيع أوصال الوطن العربي وتقسيم دوله”. هذه السيناريوهات الماثلة أمامك عمرها أكثر من خمسين عاماً انعقدت حولها عشرات الندوات العلمية ودارت مئات المناقشات والمناظرات المُتلفزة، تحذّر من انفجار قنبلة تقسيم الدول العربية المركزية، لكنهم وحدهم، الزعماء العرب الملهمين الذين لا يخطئون البتة، لم يهتموا بهذا الأمر ولم يستمعوا إلى آلاف الصرخات في البريّة تنصحهم بالتصالح مع شعوبهم ومجتمعاتهم ومصالحة هذه المجتمعات على نفسها بفتح المجال لتثبيت قيم المواطنة العادلة والديمقراطية والحكم الرشيد، قبل أن ينفُذ المتربّصون من ثغرة الأقليات.
كم ألف مرّة قرأت هذا الرأي بصياغات تختلف باختلاف قائليه من المفكّرين السياسيين والمثقفين منذ رحل الاستعمار وترك لنا “سايكس بيكو” ترتع في جغرافيتنا وتاريخنا “إن الاستراتيجية الغربية تجاه المنطقة منذ منتصف القرن التاسع عشر تنطلق من الإيمان بضرورة تقسيم العالم العربي والإسلامي إلى دويلات إثنية ودينية مختلفة، حتى يسهل التحكم فيها” ؟
كم مائة مرة سمعت وقرأت عن التحذير من انفصال جنوب السودان عن شماله منذ سبعينيات القرن الماضي، أو عن انفصال شمال العراق في دولة كردية، أو تمزيق سورية طائفياً وعرقياً، مع تحذيرات من سيناريوهات مُماثلة في مصر وفي الجزائر؟
كانت السخرية والاتهامات بالمبالغة والتضخيم ردّة الفعل الوحيدة من حكّام عرب كانوا يشعرون بالثقة والغرور بينما النار تشتعل في أحذيتهم وتمتدّ إلى سراويلهم، حتى انهدمت دول وتقزّمت أخرى واقتيدت إلى بيت الطاعة التطبيعي جبراً أو اختياراً. حتى وصلنا إلى لحظة باتت إسرائيل تسلك وكأنها المالك الحصري لمنطقة الشرق الأوسط، والمُتحكّم فيه سياسياً واقتصادياً، وعلى دول المنطقة أن تعي ذلك وتلتزم به، أو لتُغادر الجغرافيا وتشطب نفسها من الإقليم، ومن يتمرّد على هذه الوضعية الجديدة فسوف يعاقب.
لم تعد دولة الاحتلال تخفي شيئًا من أحلامها ومشاريعها، بعد أن انتقلت من التسلّل إلى الاقتحام في وضح النهار، حتى صارت تعلنها في خطب حكامها الرسمية وعلى شاشات التلفزة، كما فعل وزير ماليتها، ممثّل الصهيونية الدينية المتطرّفة سموتريتش في وثائقي القناة الفرنسية arte الذي أذيع في أكتوبر/ تشرين الأوّل الماضي، وحدّد فيه ملامح إسرائيل الكبرى. فحين سألت المحطة الفرنسية الوزير الصهيوني النافذ عن تصوّره لشكل “الدولة” أجاب بأنها دولة يهودية تُدار وفق قيم الشعب اليهودي، ثم سُئِل عن حدودها، هل سيادة إسرائيل من البحر إلى نهر الأردن فقط؟ أم أنها ستحتل الضفة الأخرى من نهر الأردن؟ فيجيب سموتريتش بابتسامة الواثق “شيئاً فشيئاً بالنسبة لكبار حكمائنا الدينيين قدر القدس أن تمتد إلى دمشق”.
هذا عن العاصمة، كما يحلم بها الصهيوني، أما عن الدولة وكما أظهر وثائقي القناة الفرنسية، فإنها تشمل الأراضي الفلسطينية وأيضاً أراضي في الأردن وسورية ولبنان والعراق ومصر وحتى في السعودية.
هذه إسرائيل الجديدة تعلن نفسها أيها العرب.. فهل فيكم رجل رشيد؟
العربي الجديد
—————————
دمشق.. إسرائيل تقصف والشرع يخطب!!/ د. عصام تليمة
18/7/2025
المشهد في سوريا يتحول بشكل سريع، لا يدركه إلا من ينظر إلىه بصورة كلية، من حيث الموقف من الربيع العربي، والثورات المضادة، ليدرك أن المشهد متكرر في دول أخرى عربية، تخلصت من الحاكم المستبد، بثورة شعبية، سواء كانت بيضاء أم مسلحة، وهو ما نراه في تجدد أحداث السويداء في سوريا، والانتقال إلى مربع الاستعانة بالجيش الإسرائيلي من حكمت الهجري أحد قيادات الدروز الدينية، وتدخل الكيان بالفعل بضرب دمشق، بذريعة حماية الدروز، رغم صدور كلام عاقل عن حكماء وطنيين منهم، برفضهم ذلك، وأن أفضل الحلول لهم هو الوحدة في سوريا.
في ظل هذا التوتر، لم يصدر عن سوريا رد عسكري على الاعتداء الإسرائيلي، بل قام الرئيس السوري أحمد الشرع فجر الخميس بإلقاء بيان، عبر فيه عن إدانة ما حدث، وأنهم لن يفرطوا في حق الشعب السوري، الذي ناضل ولديه استعداد لنضال مستمر حتى يستقر حكم الثورة. وما جرى من اعتداء إسرائيلي، وخطاب للشرع، يستدعي وقفات مهمة للسوريين ولغير السوريين، من المشتغلين بالسياسة سواء عن طريق الثورة البيضاء أو الثورة المسلحة.
خلاف وتناقض حول الخطاب والحدث:
اختلفت ردود الأفعال حول الخطاب، فمنهم من وصفه بالبطل الشجاع، ومنهم من وصفه بأنه مجرد ظاهرة صوتية، سيتكلم وفقط، وليس لديه من أدوات سوى الكلام، وعلى مدار أيام متتالية دأبت صفحات وقنوات، على نقل ما يحدث في السويداء من باب وصم الشرع وحكمه بالإرهاب، لتجاوزات حدثت، لا يقر بها عاقل، ولا صاحب خلق، ويجب محاسبة من قاموا بها، من حلق للحى وشوارب أشخاص من الدروز، بينما لم يصدر عن هذه المنصات إدانة للاستعانة بالعدو الصهيوني، ونفس الشخصيات والصفحات، يحدث في بلادها تنكيل للمعارضين، واستحلال لهم في الشوارع والسجون والمنافي، وكان موقف جل هؤلاء ليس الصمت، بل التأييد والتحريض.
ولذا الأولى في هذه المواقف ألا يتحدث عنها إلا من له إلمام، أو شبه إلمام بالحالة من جل أطرافها، أما الحديث عن حدث من جهة واحدة، وصم الآذان، وغلق الأعين والعقول عن بقية الجهات، فهو تزوير وتدليس في الأمر، وهو ما حدث من أطراف أخرى، راحت تتناول الحدث من خلال الموقف الديني لطائفة الدروز، وهو كلام خاطئ، فالدروز ككل المذاهب والفرق والطوائف، فيها الصالح والطالح، فيها الوطني والخائن، فإذا كان هناك حكمت الهجري يستعين بالاحتلال، فهناك وليد جنبلاط الرافض لذلك، ولذا من الرشد في هذه المواقف ألا نفقد البوصلة، وألا نخلط الأوراق.
شرع ما قبل الدولة وما بعدها:
لقد تغير رد فعل الشرع في المشكلات التي تواجهه عن الشرع قبل تولي السلطة، وهو ما عده البعض ضعفا، وهو في واقع الأمر عند الإنصاف: ليس ضعفا، بقدر ما هو البعد عن المغامرة التي لا يملك فاتورتها، في ظل أوضاع صعبة اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا، فرغم ما ورد في بيانه من رفض العدوان، والإصرار على بيان حق الشعب السوري، في عدم انتهاك سيادته، إلا أن إعلان الحرب المفتوحة في هذا التوقيت، ليس لصالحه ولا لصالح سوريا.
وهنا يأتي الفرق بين الفرد الذي يعمل وفق فصيل مسلح يثور على السلطة المستبدة، أو بين قائد لهذا الفصيل المسلح، وبين أن تتوسد السلطة فيها بعد ثورة تطيح بهذا المستبد، ومطلوب منك البناء، وبناء علاقات قبل نسف أنظمة، أو إزالتها من الحكم، وهو أمر كانت أصواتنا تبح فيه بعد ثورة يناير، أن الثورة يجب أن توازن بين الميدان والمؤسسات، ولا تظل المؤسسات مرهونة برشد أو مراهقة من ينزلون الميدان بعد خلع مبارك، ولم يفهم الإسلاميون ذلك، ولا معارضوهم المتعجلون للأسف.
ضربت سوريا يوم ضربت إيران:
أما الرسالة التي يجب على السوريين أن يتوقفوا أماما طويلا، ليستفيدوا منها في مستقبلهم، فهو البعد عن العاطفة وقت تحكيم العقل، وترجيح المصالح، فقد نالت ألسنة وأقلام بعض السوريين كثيرا من الكتاب المصريين وغيرهم، ممن نظروا للحرب بين إيران وإسرائيل نظرة كلية، ولم يقفوا بها عند وقوف إيران إلى جانب بشار وقت الثورة حتى سقوطه، فقد كنا نرى أنه ليس من مصلحة المنطقة كلها أن تخرج إسرائيل منتصرة من معركتها مع إيران، ليس حبا في إيران، ولا بغضا في أهل سوريا، ولا نسيانا لآلامها، بل لأن المعادلة ستكون مزيدا من التغول الإسرائيلي، وهو ما رأيناه الآن، كلما ضيق على نتنياهو أو هدد بالمحاسبة في إسرائيل، أو هدد سياسيا، ذهب إلى ضرب عاصمة عربية أو إسلامية.
وظن كثيرون من الإخوة السوريين أن هزيمة إيران، وقصم ظهرها في هذه الحرب، سيكون ردا لجزء من حقهم عليها، بينما كان ذلك وبالا، وهو ما أثبتته الأيام، وبرهنت عليه، وهو ما كنا نحذره ونخشاه، وظنوا أن التسريبات التي خرجت بلقاءات بين المسؤولين السوريين فيما يتعلق بالتطبيع، ووعود بعدم تشكيل تهديد للكيان، كل ذلك كفيل بتركهم يبنون دولتهم، وينجحون ثورتهم!
وهو ما نبه إليه الكثيرون من أهل السياسة، والفهم للأمور بالنظر إلى مآلاتها، فليس شرطا أن يكون هزيمة خصم لك انتصارا لك، أو ردا لبعض حقك، أحيانا يكون بقاء خصمك في مواجهة خصم آخر، دون نصر لأحدهما على الآخر، هو سبب من أسباب بقائك، وابتعادك عن لهب نيرانه وعدوانه، وهو ما لم يفهمه الكثيرون إلا متأخرا.
من علماء الأزهر، حاصل على الدكتوراه في الفقه المقارن
الجزيرة
——————————
ثنائية السلاح وفشل الدولة: سوريا نموذجا/ سعد بن طفلة العجمي
المعارضون للحكومة يتهمونها بالتواطؤ مع الممارسات الطائفية وتلك مصيبة ولكن المصيبة الأعظم إن كانت حكومة الشرع غير قادرة على محاسبة هذه العناصر المنفلتة
الجمعة 18 يوليو 2025
تلعب إسرائيل دوراً خبيثاً في إشعال نار الفتنة بين الدروز وتدعي حمايتهم، وهي تحتل من الجنوب الغربي السوري ما يقارب نصف مساحة الجولان المحتل نفسه، وهناك فلول لنظام الأسد لا تزال تحلم بالمستحيل وعودته للحكم، وهناك عملاء وخونة يرتهنون لإسرائيل ومخططاتها لتفتيت سوريا وفصل جنوبها الغربي عن باقي البلاد تمهيداً لقيام كيانات طائفية عرقية درزية وعلوية وكردية وسنيّة، وقد بلغت العربدة بإسرائيل أن تقصف للقصر الرئاسي في قلب دمشق الأربعاء الماضي.
الصومال واليمن وليبيا والسودان ولبنان والعراق، دول عربية فاشلة وإن بدرجات، ففشل الدولة العراقية ليس كفشل السودان أو اليمن مثلاً، وفشل ليبيا لا يشابه فشل الصومال، وكي لا نغرق في الجدل فعلينا تعريف الدولة الفاشلة، فهي الكيان السياسي الذي يفشل في فرض الأمن وتقديم الخدمات الأساس ونشر سيادة القانون بما يخلق ثقة لدى المواطن بالدولة، والمحاور الأساس التي تحدد درجات الفشل بالنسبة إلى دولة ما هي الأمن وسيادة القانون وتوفير الخدمات الأساس وحضور دولة القانون داخل حدود الدولة، وحضور تمثيلها خارج حدودها، والعامل الذي تشترك فيه الدول العربية الفاشلة التي ذكرتها أعلاه هو عامل ثنائية السلاح وثنائية السلطة أو حتى تعددها داخل حدود الدولة، ففي الصومال هناك حكومة في العاصمة مقديشو ولكن هناك انفصال لشمال البلاد يسمى جمهورية أرض الصومال وعاصمتها هرجيسيا، وبين الجمهوريتين أراض شاسعة من الفوضى تثير الرعب فيها فصائل مسلحة أشهرها تنظيم “الشباب” الذي لا يزال يسرح ويمرح وسط البلاد وجنوبها، ويرتكب أعمالاً إرهابية دامية ضد الدولة والناس الأبرياء.
وفي ليبيا يقدر عدد التنظيمات المنفلتة بـ 350 فصيلاً مسلحاً، أشهرها “مجلس مصراته العسكري” و”كتائب الزنتان” و”المجلس الوطني الليبي” بقيادة المشير خليفة حفتر، أما في السودان فهناك حرب ضروس بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، فقد اقتتل الجيشان ولا يزالان منذ الـ 14 من أبريل (نيسان) 2023، وحصد الاقتتال بينهما أكثر من 40 ألف قتيل وأضعافهم من الجرحى مع 4 ملايين مهجر خارج السودان و12 مليون نازح داخلي، وخسائر مادية جسيمة يصعب حصرها.
أما في اليمن فالحوثي انقلب على السلطة اليمنية الشرعية في سبتمبر (أيلول) 2014 واندلعت حرب مدمرة بين الطرفين أدت إلى تدخلات عربية ودولية نتج منها ملايين القتلى والجرحى والنازحين والجوعى والمرضى والمهجرين، وفي لبنان خلقت إيران “حزب الله” كمخلب لها عام 1982، مما ورّط الدولة وباقي مكونات الشعب في حروب مع إسرائيل والسوريين والمكونات الداخلية، ولا يزال يرفض تسليم سلاحه والاندماج في الدولة مشكلاً دولة داخل الدولة اللبنانية.
وفي العراق تشكل “الحشد الشعبي” كرديف للجيش العراقي الذي يرى مراقبون أنه تحول إلى امتداد للحشد الشعبي ولكن بزي عسكري مختلف، وقد تشكل “الحشد” عام 2014 ويضم اليوم أكثر من 60 فصيلاً مسلحاً تدين غالبيتها بالولاء لإيران، ولها موازنة مستقلة ولا تخضع لقوانين الدولة وسيادتها، مشكّلة بذلك دولة داخل الدولة العراقية الضعيفة، ولذلك فإن فشل هذه الدول العربية مرادف لثنائية السلاح وضعف الدولة.
اندلعت قبل أيام معارك في محافظة السويداء السورية التي تضم دروزاً وعشائر سنيّة وأقلية مسيحية، نتج منها حتى كتابة هذه المقالة 500 قتيل ومئات الجرحى والمشردين، وتخلل الاقتتال انتهاكات بشعة ضد السكان المحليين بدوافع طائفية وعنصرية متشددة من قبل العناصر “الداعشية” نفسها التي ارتكبت بشائع الساحل في مارس (آذار) الماضي ضد العلويين.
تلعب إسرائيل دوراً خبيثاً في إشعال نار الفتنة بين الدروز وتدعي حمايتهم، وهي تحتل من الجنوب الغربي السوري ما يقارب نصف مساحة الجولان المحتل نفسه، وهناك فلول لنظام الأسد لا تزال تحلم بالمستحيل وعودة الأسد للحكم، وهناك عملاء وخونة يرتهنون لإسرائيل ومخططاتها لتفتيت سوريا وفصل جنوبها الغربي عن باقي البلاد تمهيداً لقيام كيانات طائفية عرقية درزية وعلوية وكردية وسنيّة، وبلغت العربدة بإسرائيل أن تقصف القصر الرئاسي في قلب دمشق نهار الأربعاء الماضي.
العوامل الخارجية للمخططات والمؤامرات ضد سوريا هي عوامل لا تعفي الدولة السورية من مسؤولية الأحداث، ولن يجهض هذه المخططات سوى دولة سورية ناجحة لا فاشلة، وأول مؤشرات نجاح الدولة هو سيادة القانون وتطبيقه على الجميع من دون تمييز، كما جاء في خطاب الرئيس السوري أحمد الشرع فجر أمس الخميس، فالعناصر الذين ارتكبوا شنائع الساحل ضد العلويين في مارس الماضي هم نفسهم الذين تسربت شنائعهم في السويداء على مدى الأيام الماضية، وعدم محاسبتهم ولجم قطعانهم الموتورة سيفقد الناس الثقة بالدولة، وستتحول البلاد إلى “حارة كل مين إيدو إلو”، وهذا ما يتمناه أعداء سوريا الجديدة.
المعارضون للحكومة السورية الجديدة يتهمونها بالتواطؤ مع الممارسات الطائفية البغيضة التي ترتكبها عناصر دموية متطرفة، وإن صدق هذا الاتهام فتلك مصيبة، ولكن المصيبة الأعظم إن كانت حكومة الشرع غير قادرة على محاسبة وإزاحة هذه العناصر المنفلتة، لأن ذلك يعني ثنائية السلاح وثنائية الدولة، وبالتالي فشل مشروع الدولة السورية الجديدة، وهذا ما لا يتمناه أي محبّ لسوريا وشعبها ومستقبلها.
———————————
بعد قصف دمشق… هل تستهدف إسرائيل أحمد الشرع؟
واشنطن : «الشرق الأوسط»
18 يوليو 2025 م
صعَّدت إسرائيل من وتيرة هجماتها على سوريا، الأربعاء، باستهداف العاصمة دمشق، وهو ما اعتبرته مجلة «نيوزويك» الأميركية أخطر أزمة يواجهها الرئيس السوري أحمد الشرع في ولايته التي بدأت منذ سبعة أشهر، مع تكثيف إسرائيل لعملياتها، وسط تصاعد العنف الطائفي في السويداء.
وأضافت المجلة أن الرئيس السوري ربما يكون قد كسب ود الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لكنه قد يُدرج قريباً على قائمة أهداف إسرائيل.
وذكرت أن العمليات الإسرائيلية هي الأشد كثافةً في سوريا منذ أن شنّ الجيش الإسرائيلي حملة غارات واسعة النطاق ضد أهداف عسكرية، واستولى على مزيد من الأراضي الجنوبية، في أعقاب سقوط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد مباشرةً.
وتابعت أنه، مع تصاعد حدة خطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، رغم دعوات الشرع لخفض التصعيد، قد يصبح الرئيس السوري الجديد هدفاً، كما حدث مع العديد من كبار أعداء إسرائيل خلال الأشهر الـ21 الماضية من صراع تل أبيب مع محور «المقاومة» المتحالف مع إيران، الذي كان الشرع أيضاً من أشدّ معارضيه.
وقال رضا منصور، السفير الإسرائيلي السابق الرئيس التنفيذي الحالي لمنظمة «يهود يثرون للدروز»، لنيوزويك: «أثبتت إسرائيل مؤخراً أنها إذا شعرت بأن قائداً معيناً – مثل الأمين العام السابق لـ(حزب الله)، حسن نصر الله، أو قادة الجيش الإيراني، أو زعيم (حماس) – يُشكّل تهديداً واضحاً لأمنها القومي، فإنها ستتحرك».
وأضاف منصور: «إنها حقيقة. لقد حدث ذلك خلال العامين الماضيين. ولن يكون هذا الخيار الأول لإسرائيل. ربما تُدرك إسرائيل أنها قد تُشعل فتيل فوضى في سوريا، لكن الأمر يعتمد على ما إذا كان هو مَن بدأ هذه الفوضى أصلاً، فعندئذٍ يجب منح الفرصة لقادة آخرين».
ولفتت المجلة إلى أن منصور من بين عدد من الشخصيات البارزة في المجتمع الدرزي الإسرائيلي الذين دعوا إلى تدخل عسكري إسرائيلي، بسبب تقارير عن مقتل ما يصل إلى مئات الدروز السوريين، بينهم نساء وأطفال، في الأيام الأخيرة، على يد قبائل بدوية يُزعم أنها مدعومة من قوات الأمن السورية، التي تضم عدداً من الميليشيات الأجنبية والمحلية.
وذكرت أن الاشتباكات الدامية بين القوات السورية والميليشيات في الضواحي الجنوبية ذات الأغلبية الدرزية في دمشق، فبراير (شباط)، دعت نتنياهو إلى إطلاق أول تهديدات رئيسية بشأن مصير هذه الأقلية، وعاد العنف إلى الظهور، في أبريل (نيسان)، مما استدعى تحذيرات أكثر حدة من إسرائيل، وبدا أنه خفَّت حدّته لفترة، في مايو (أيار)، ليعود للظهور مجدداً في الأيام الأخيرة. واغتنم المسؤولون الإسرائيليون الفرصة لتصوير بلادهم حارسةً لحقوق الأقليات في المنطقة.
وكتبت سوسن ناطور حسون، الدبلوماسية في السفارة الإسرائيلية لدى الولايات المتحدة، في مقال رأي نشرته مجلة «نيوزويك»، الخميس: «نحن عازمون على ردع النظام عن إيذاء الدروز، من خلال ضمان نزع السلاح الكامل من الحدود مع سوريا، والعمل على الدفاع عن قيمنا المشتركة، وحماية الأقليات».
وأضافت: «يجب أن يعلم الجميع أن دروز سوريا يمثلون آخر رمز للتعددية وتنوع الأقليات في المنطقة ذات الأغلبية العربية».
وفي المقابل، أعلن الشرع أن حماية الدروز «أولوية» لحكومته، واتهم إسرائيل بـ«محاولة جرّ سوريا إلى الحرب والانقسام».
وقال منصور: «لا يمكن لإسرائيل أن تدع جنوب سوريا يتحول إلى لبنان أو غزة. لقد تعلمنا درساً مؤلماً للغاية من تلك الأماكن التي ترددنا فيها بشدة في التحرُّك. لقد انتظرنا طويلاً ودفعنا ثمناً باهظاً للغاية. لذا، فإن المزاج العام الإسرائيلي الآن هو بذل كل ما في وسعنا لمنع تكرار سيناريو هجوم حركة (حماس)، في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023».
وتشمل هذه الاستراتيجية فرض «منطقة عازلة» عبر جنوب سوريا، من دمشق إلى مرتفعات الجولان، بما في ذلك السويداء، كما أكد نتنياهو خلال تصريحاته الخميس.
وذكر منصور أنه «إذا لم يلتزم الشرع بالدفاع عن حقوق الدروز في الجنوب، فقد يواجه إنشاء منطقة حكم ذاتي بحكم الأمر الواقع، على غرار القوات الكردية المدعومة من الولايات المتحدة التي تأسَّست في الشمال الشرقي بالسنوات الأولى من الحرب الأهلية».
وقال منصور: «سيساعد الدروز إسرائيل على تحقيق الاستقرار في جنوب سوريا، من خلال منحهم حكماً ذاتياً هناك، وسيكون ذلك، في رأيي، مفيداً للجميع».
وأضاف: «إنه مفيد لإسرائيل، ومفيد للدروز. وإذا لم تُدرك الحكومة في دمشق أهمية توحيد البلاد، فسيكون ذلك ثمن سياستها».
ولفتت المجلة إلى أن موقف إدارة ترمب قد يكون حاسماً، فبالإضافة إلى حجب الدعم عن الضربات الإسرائيلية الأخيرة، دافعت الولايات المتحدة أيضاً عن وحدة سوريا وسلامة أراضيها، وهي رسالة عززها دور البيت الأبيض في التفاوض على اتفاق متعثِّر الآن يندمج بموجبه حليفها الكردي، «قوات سوريا الديمقراطية»، في الحكومة المركزية.
وبينما لا يزال ترمب مقرّباً من نتنياهو، أقام الزعيم الأميركي أيضاً علاقات وثيقة مع الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، الذي يُنسب إليه الفضل في إقناعه برفع العقوبات عن سوريا في مايو.
وانتقد إردوغان بشدة الجهود المزعومة لتقسيم سوريا، خلال اجتماع لمجلس الوزراء، يوم الخميس، وقال: «لم نوافق على تقسيم سوريا، أمس، ولن نوافق عليه إطلاقاً اليوم أو غداً. أولئك الذين يحلمون بإنشاء ممر بين جنوب وشمال سوريا على حساب وحدة أراضي البلاد لن يتمكنوا أبداً من تحقيق أهدافهم».
وأضاف: «سنعيقهم تضامناً مع إخواننا وأخواتنا السوريين، أما أولئك الذين يتورطون في مشاكل مع إسرائيل فسيدركون، عاجلاً أم آجلاً، أنهم أخطأوا تقديراً فادحاً».
—————————
السويداء في عتمة شاملة/ رشا الأطرش
الجمعة 2025/07/18
السويداء في عتمة شاملة. عتمة انقطاع الكهرباء لخمسة أيام متتالية. وعتمة اتصالات، بلا انترنت ولا هواتف أرضية فيما الهواتف الخلوية تفرغ بطارياتها وقلما يتسنى شحنها بـ”شحطة” او اثنتين. عتمة إعلامية مطبقة. الأخبار تأتي بالتواتر، وكل تلفزيون ومنصة حسب أجندتها السياسية وتمويلها وانتمائها. الصحافيون الأجانب يتواصلون مع ناشطين، يحثونهم على إيجاد طريقة لإيصالهم إلى السويداء لتغطية ما يجري، ليرى العالم، فهم ممنوعون من الوصول، كما يُخبرون. يُقال لهم إن الطريق إلى السويداء خطرة و”الدولة” لا تستطيع حمايتهم. مَن يقطع الطريق؟ يتساءلون.
الأخبار المضللة والمزيفة تبلغ مداها، تغذي الفتنة، تجيّش بالكراهية. نعم، قُتل وهجّر البعض من الأخوة والجيران البدو. وصرّح العديد العديد من أبناء السويداء باستنكار ذلك. عدد قتلى البدو؟ لا نعرف. ألم نقُل إن الجنوب الدامي مُكفّن بالعتمة؟ لكن الكثير من الصور مزيّف. الكثير من الأخبار المتداولة بكثافة، مزيّف. وفيديوهات الدروز الذين يحمون مسجد السويداء واللاجئين إليه، الشيخ القائل لجيرانه وأهله من البدو “الكبيرة فيكم أمّنا والصغيرة ابنتنا”، ويستضيفون عشرات العائلات من الجيران البدو في بيوتهم ومضافاتهم يحمونهم بما أوتوا من بواريد وأرواح، هذه الفيديوهات لا تجد مَن يشاركها بالقدر الكافي، فالمعميّون كثر. لمصلحة مَن كل هذا الظلام والتضليل؟
تضارب المعلومات مرعب، يقتل، يشلّ، يُميت من الخوف، كل دقيقة. نداءات الاستغاثة بلا مجيب. تُقدّر أعداد النازحين من أبناء السويداء بنحو 15 ألف عائلة، هذه أرقام اليومين الماضيين فقط، والحبل على الجرّار. الطلاب الدروز في جامعة حلب يهربون، يتم تخويفهم، طردهم، الاستقواء عليهم وتهديدهم. يهربون إلى الجيران الأكراد. والسويداء ما زالت بلا صوت إلا المخنوق الطالع من حلاوة الروح، بلا صورة إلا الشحيحة البطيئة أو المُجتزأة، بلا معلومة مؤكدة، ما زالت وحيدة ومستباحة…إلا من رحم الربّ. لا كهرباء، لا ماء، لا دواء، لا معدات طبية، مُحاصرة كأنها عدوة ويُقال إن كل ما يُعمَل فيها هو لبقائها سوريّة، في “حضن الوطن”… فهل يطعن الحضن أولاده؟ المشفى خرج عن الخدمة تكراراً بعدما استُهدف مراراً، ليس فقط بالنار، لكن أيضاً بتزوير هويات الجثث التي لم تعد البرادات المُطفأة تتسع لها. جنون! جنون وشرّ محض.
يُحكى عن الحوار. الحوار بالدم؟ يُحكى عن تسليم السلاح لـ”الدولة”، ويُخصّ بالمطلب أبناء السويداء دون مهاجميهم من الجوار ومن أنحاء الجغرافيا السورية. هذا اسمها الأدق الآن، الجغرافيا السورية. فبعد مجازر الساحل، وتفجير كنيسة الدويلعة بدمشق وتخريب كنيسة قرية الصَّوَرَة الكبيرة، ومذابح جرمانا وصحنايا، والاعتداءات على الأكراد، في غضون سبعة شهور فقط من “انتصار الثورة”،… بعد ذلك كله، ليس ما يشي بدولة أو وطن. فلا دولة تصدر بياناً رسمياً تُسمّي فيه مقاتلي السويداء “مجموعات خارجة على القانون من داخل المحافظة” في مقابل “مسلحين من المناطق المجاورة”. ولا وطن يخرج مسؤولوه الرسميون ليخطبوا أو يصرّحوا من دون كلمة تعزية للأهالي.
السويداء تنزف، ويتيمة، ويُطلب منها أن تموت بصمت، أن: إخرسوا وموتوا، لا تطلبوا حماية، موتوا بهدوء، تعقّلوا وموتوا ودعونا نذبحكم ونرشّكم في الساحات ونكدّس جثثكم في الميادين وأمام بمنازلكم رائقين، تأدبوا حينما نقتحم بيوتكم بـ”أدب وأخلاق” لنسحب الرجال إلى الخارج ونُعدمهم إعداماً فورياً، إهدؤوا واصمتوا حين ندعوكم خنازير ونزجركم كي تعووا أمام الكاميرا ونحلق شوارب شيوخكم لتكونوا سوريين بحق، سوريين مطيعين، فالدرزي الجيد الآن هو الدرزي الميت، المحروق بيته ومتجره، المهجّر والنازح.
الناشطون بالكاد يتمكنون من بث تحديثات المجزرة في وسائل التواصل الاجتماعي، الإبادة الممنهجة لجماعة أهلية، لطائفة بأكملها، تطهير عرقي، عن التعريف الكُتُبي الأصلي للعبارة نتحدث. بالكاد يتمكن الناشطون من التنقل للتصوير والتوثيق وإحصاء القتلى. لكنهم يفعلون بالرمق المتبقي. يحاولون، مخاطرين بحيواتهم، التوثيق بالأسماء والقرى. عائلات بكاملها مقتولة في بيوتها والمضافات. العدد بحسب آخر تحديثات “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” 321 قتيلاً منذ 13 تموز 2025، لكنه يربو على 500 بحسب الناشطين، بينهم أطفال ونساء ومسنّون. والأرجح أن الرقم أكبر، صعوبة الإحصاء تشير إلى ذلك، والقتل المستمر يحتّم رقماً أكبر في الآتي من الأيام. أفراد يحكون عن اغتصاب نساء قبل قتلهن. يحكون عن عائلاتهم. سيأتي يوم ويصبح التأكد بالأدلة والشهادات ممكناً…ألم نقل إن التعتيم شامل؟ لا منظمات دولية ولا صحافة على الأرض. سيأتي يوم للتأكيد أو النفي، إن ظلّ في السويداء من يُخبر، إن ظلّ حجر على حجر بعد هذه المذبحة الممنهجة والمنظّمة التي ستُحفَر في التاريخ وسيُكتب عنها طويلاً طويلاً لسنوات.. مثلما أن الجرح سيبقى عميقاً نازفاً لسنوات، والشرخ السوري-السوري هاوية بلا قاع.
السطور لا تتسع، الفضاء لا يتسع لسرد قصص الضحايا، المدنيين، العزّل. الكل يراها في السوشال ميديا، إن أراد الرؤية، إن امتلك ربع ضمير…بين أبناء الجِلدة والتاريخ والحرية الأولى التي وضع مدماكها سلطان باشا الأطرش، ثم جاء يومٌ وداس عليها أحد المهاجمين. يومٌ لم يكن لأحد أن يتخيّله… أليس هذا الوطن الذي للجميع، كما قال سلطان الثورة والكرامة العربية بأسرها؟ جاء من يكذّب سلطان، يكذّب شعاره أن الدين لله، وربما يتضح أن الوطن ليس اليوم للجميع. يا حيف، على ما غنّى سميح شقير في باكورة قيامة السوريين على حُكم الأسد وحزبه الآثم، وبعدما استباح المجرم البائد أهل درعا وأطفالها، غنّى سميح: اللي بيقتل شعبه خاين. نعم يا سميح، والآن أبناء السويداء الذين سمّوا ساحتهم الداعمة للثورة على الأسد “ساحة الكرامة”. تيمور خير الدين يشهد، روحه المزهوقة ظُلماً وهواناً في بيته، تشهد. قُتل تيمور، وفي منشورات نعيِه صورته وزوجته الحامل بابنتهما، قبل سنتين في “ساحة الكرامة” مع علَم الثورة السورية. كانا يحملان لافتة كتبا فيها “إلى ابنتنا ريتا التي لم تولد بعد…الآتي أجمل في سوريتنا الحرة”. ريتا صارت يتيمة الأب في سوريا “الحرة”.
تالة، عمرها 9 سنوات. ابنة نسرين وحسام الشوفي، الثنائي المعروف بواحدة من أحلى قصص الحب في السويداء. تالة لن تكبر أكثر. قُتلت بالرصاص. يا حيف. شاب في فيديو كان يبثه مباشرة، متقوقعاً في إحدى زوايا بيته، يهمس، يناشد كل من يسمعه لإغاثته. الغزاة على بعد خطوات منه، في بيته المنخور بالرصاص. نسمع خطواتهم، ونيرانهم. كمُشاهدي أفلام الرعب، نسمع ونشاهد. يا حيف.
العائلة التي مرّت بالسيارة، شاب وأمه وأخته. أوقفوها. أنزلوا الشاب. أعدموه بالرصاص قبل أن ينبس بحرف. فقط لأنه شاب. فقط لأنه ابن السويداء. فقط لأنه درزي. ما الجريمة العرقية/الإثنية/الطائفية إن لم تكن هذه؟ أمَر القتَلة النساء الباقيات في السيارة بإكمال الطريق. احتفظوا بجثة ضحيتهم أمام عيون عائلته. ممنوع حتى دفن جثث الأحبة. كيف يختلف هؤلاء عن النظام البائد الذي “ثاروا” ضده وساندهم أهل هذه الأرض الغارقة الآن بدماء أولادها، حرفياً؟!
ينابيع الدم جزيلة على أرضيات البيوت وفوق مصاطب مضافات استحالت خراباً. الدماء والجثث في الشوارع، بعض الجثث مقطوع الأطراف. مُعتدٍَ يظهر بوجهه واضحاً، يصوّر نفسه وخلفه النار الناشبة في أحد البيوت عند أطراف السويداء، “نحن حرقنا فوق”، ويغنّي آخر “بالحب منعمّرها”، وتعلو الضحكات. أحد المتفوهين بـ”خَنزَرة وكَلبَنة” الضحايا لا يكتفي، يحث رفيق سلاحه على المرور بالسيارة فوق جثة شيخ مسنّ. “تم الدعس”، يقول مبتهجاً.
القتلى في السويداء بالمئات. ضحايا. فلتخجل كلمة “شهداء” من كل استخداماتها. الضحية هي القانون، هي كلمته، وهو وليّ دمها. سيأتي يوم ويُبعث القانون من موته، هذا هو اليوم المنشود الُمشتهى.
الشهيد يسقط دفاعاً عن قضية، والسقوط في مذبحة إبادية لا قضية فيه. الوجود المحض، والدفاع عنه، لا يفترض أن يكون قضية. الوجود المحض للبشر في أرضهم، في بيوتهم، في شوارعهم، في أسلوب حياتهم، في معتقداتهم، هذا الوجود إن تم حفظه فذلك من طبيعة الآدميين الأسوياء والقانون والله. وإن مُسَّ بهذا الوجود الأصل، فذلك جريمة الجرائم، خطيئة الخطايا، سِمة سفاحين يُحسبون على البشر خطأً. فكيف إن كانوا أبناء البلد؟ بل كيف إن كانوا مرتزقة أجانب لفظهم الكوكب ولمّتهم “سوريا الجديدة”؟ لا انتهاكات هنا. الانتهاك هَنّةٌ في سياقٍ حمّال أوجه. هنا الجريمة الجريمة الجريمة.
المدن
——————————
حتى نستفيد من درس السويداء قبل فوات الأوان!!/ محمود الحسين
الجمعة 2025/07/18
بعد أربعة عشر عاماً من النزاع المسلح الذي شنه النظام السوري وميليشياته الطائفية على الشعب السوري، وانتصار الثورة السورية وولادة حكومة جديدة، لا تزال سوريا تواجه تحديات جسيمة ومعقدة، تستوجب معالجة جادة وعميقة لقضايا جوهرية تمهيداً لبناء مستقبل مستقر وسلام مستدام. ولعلّ الدرس الأهم المستخلص من أدبيات ما بعد النزاع هو أن الدول الخارجة لتوّها من صراعات مسلحة تكون بيئات هشّة وعُرضة لانفجارات أمنية مفاجئة، وتدهور داخلي قد يصل حدّ التدويل.
ومن هذا المنطلق، بات من الضروري على جميع الأطراف في المشهد السوري — من حكومة، ومجتمع مدني، ونخب سياسية وحقوقية، ومواطنين — أن تدرك حجم التحديات التي تعترض طريق التعافي، وأن توحّد جهودها من أجل تجاوزها، وصولاً إلى دولة تكفل حقوق جميع أبنائها وتصون كرامتهم دون تمييز.
لقد كشفت أحداث السويداء الأخيرة حجم الهشاشة التي تعانيها البلاد. فالتصعيد العسكري، ودخول قوات الأمن والجيش إلى المحافظة، وما تبعه من اشتباكات داخل المدينة مع مليشيات تابعة لحكمت الهجري، ثمّ الدعوات الصادرة عنه إلى تدخل الاحتلال الإسرائيلي، والذي تجسّد فعلياً في قصف عدة مدن سورية كدمشق وريفها، والسويداء، ودرعا، والقنيطرة، وما نتج عن ذلك من سقوط ضحايا وإصابات بين المدنيين والعسكريين؛ كل ذلك زاد من تعقيد المشهد، وأدى في نهاية المطاف إلى انسحاب القوات التابعة للحكومة السورية وبالتالي سيطرة مليشيات حكمت الهجري مجدداً على محافظة السويداء وما تبعه ذلك من ارتكاب مجازر طائفية بحق البدو والعشائر من أبناء محافظة السويداء، مما يُنذر بتفجر الوضع في ظل الهشاشة الأمنية التي تعاني منها سوريا على طول البلاد وعرضها.
ومن أجل تفادي هذا النوع من العنف والانتقام الطائفي، ومن أجل المضي نحو سلام حقيقي ومستقر، يجب أن تكون حادثة السويداء جرس إنذار ودرساً بالغ الأهمية لجميع السوريين، وعلى رأسهم الحكومة الحالية.
ولذلك، فإن الأولوية في المرحلة المقبلة يجب أن تتركّز على أربع مسارات متكاملة.
أولاً: تفعيل المشاركة السياسية
في قلب أي عملية تحول سياسي ناجحة، تكمن ضرورة فتح الحيز السياسي وعدم مصادرته. لا يمكن أن تبنى دولة دون إشراك جميع مكوناتها من الأعلى إلى الأسفل ومن القاعدة إلى القمة. فالمشاركة السياسية لا تعني فقط إصدار البيانات السياسية وتشكيل اللجان والمجالس والتركيز على القضايا الشكلية. بل تتطلب تمكيناً حقيقياً للمواطنين والمجتمع المدني في صياغة السياسات، وبل وأخذ هذه التفاصيل على محمل الجد. إن إغلاق الحيز السياسي وعدم السماح بإنشاء الأحزاب السياسية وعدم إشراك الأطراف الفاعلة والتي لديها رغبة حقيقة في بناء الدولة ومؤسساتها، سوف يؤدي ذلك إلى حالة من الانغلاق في المشهد السياسي، وبالتالي تراكم الأسباب رويداً رويداً التي سوف تؤدي إلى تفجر المشهد عندما تسنح لها الظروف بذلك. إن السماح بعمل الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني، وعدم التدخل في حياة الناس أو التضييق على حرياتهم، هو الأساس لأي تعافٍ مجتمعي أو سياسي، بل سيمهد الطريق نحو عملية الاستقرار والتعافي التي يأملها الجميع.
ثانياً: ضبط الحالة الفصائلية
بعد قرار حل الفصائل وإعلان ضمها واندماجها داخل مؤسسة الجيش، لم تنصهر هذه الفصائل بشكل كامل، مما جعل حالة الانضباط لدى البعض منها وتضارب ولاءاتها أمراً يُنذرُ بنتائج سلبية على الحكومة. وقد سُجّلت عدد من حالات القتل والانتهاكات الممنهجة بحق المدنيين خلال الفترة الماضية كمجازر الساحل، والأكثر من ذلك هو تصوير الأمر والتفاخر به، الأمر الذي يخالف القانون الدولي لحقوق الإنسان على اعتبار إنه يُطبق في أوقات السلم والحرب. ولذلك لا بدّ من احترام كرامة المواطنين وعدم التعدي عليهم. والتعامل بشكل لائق يحفظ هيبة الدولة التي يطمح لها جميع السوريين، ولا ينبغي التهاون بذلك، لأن لذلك تبعات كارثية. عندما يشعر البعض أن عناصر الدولة تتقصد إهانة مواطنيها وامتهان كرامتهم، مع عدم تفعيل مفهوم المحاسبة ووضع قواعد صارمة تجّرم هذه التصرفات ومن يرتكبها فأن ذلك سوف يؤدي إلى مزيد من الاحتقان وبالتالي انفجار المشهد في لحظة ما. ولذلك لا بد من وجود إرادة حقيقية جادة لضبط هذه التصرفات وضمان عدم تكرارها حتى تقف الدولة على مسافة واحدة أمام جميع مواطنيها. مع ضرورة الاستفادة من الضباط المنشقين سابقاً عن نظام الأسد الذين لديهم خبرة كبيرة في العمل العسكري المؤسساتي.
ثالثاً: العدالة الانتقالية
إن العدالة الانتقالية ليست ترفاً أو خياراً أخلاقياً فقط، بل ضرورة سياسية واجتماعية لتفكيك إرث العنف والطائفية. بعد أكثر من عقد من المجازر التي طالت السوريين، ولا سيما العرب السنة منهم، بطرقٍ مختلفة عبر البراميل المتفجرة إلى السلاح الكيماوي، ومن الحصار إلى الإخفاء القسري في صيدنايا وغيرها من السجون سيئة الصيت— فإن تجاهل هذه الجرائم سيؤدي إلى إنتاج دورة جديدة من الانتقام والدم. وفقاً لتقرير صادر عن مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان في العام 2023، فإن “غياب العدالة يزيد من هشاشة مرحلة ما بعد النزاع، ويهدد الاستقرار السياسي والاجتماعي”. إن تطبيق العدالة الانتقالية حاجة مُلحة لإعادة بناء تماسك مجتمعي حقيقي في المجتمعات الخارجة من النزاع. وعليه فأن العدالة الانتقالية لا تعني الانتقام، ولا تعني التسامح غير المشروط، بل تعني الاعتراف بالضحايا وجبر ضررهم، ومحاسبة الجناة وفق القانون، وتقديم ضمانات بعدم التكرار. أما سياسة “اذهبوا فأنتم الطلقاء”، فستزرع بذور الحرب القادمة، خاصة في ظل الجراح المفتوحة والانتهاكات الموثقة.
رابعاً: الحوار الوطني الجاد
في أي عملية انتقال سياسي ناجح، يعد الحوار الوطني الشامل والجاد قاعدة أساسية لا يمكن تجاوزها أو استبدالها بالمقاربات الأمنية أو الحلول الآنية والشكلية. وفي السياق السوري، تبرز أهمية هذا الحوار أكثر من أي وقت مضى، بالنظر إلى الاستقطاب والانقسام العميق الذي يعانيه المجتمع، والانهيار الكامل في منظومة الدولة، ووجود سلطة ناشئة تحاول ترتيب المشهد الداخلي وفق مسارٍ واحد من الأعلى إلى الأسفل.
الحوار الوطني الحقيقي هو ذلك الذي يُبنى على أسس الشراكة الفعلية بين جميع المكونات السياسية والمجتمعية، دون إقصاء أو تهميش. فلا يمكن الحديث عن عقد اجتماعي جديد في سوريا دون أن يشارك فيه الجميع على قدم المساواة، بما في ذلك الأصوات التي تُظهر موقفاً معارضاً للحكومة، والمجتمع المدني، وجميع المكونات ولا سيما المتأثرة بشكل كبير من الحرب، كالنازحين واللاجئين وذوي الضحايا من المجازر الطائفية على زمن النظام البائد.
الحوار الحقيقي لا يمنع فقط تكرار الحرب، بل يفتح الباب أمام بناء دولة تعاقدية حديثة، حيث تُستبدل الولاءات الطائفية والعرقية بولاء مدني ووطني جامع. إنه الطريق الوحيد لتجديد العقد الاجتماعي السوري، وإعادة الثقة بين المواطن والدولة، وطيّ صفحة الاستبداد والإقصاء والتهميش.
وقد شدد برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في تقريره الصادر عام 2020 “دعم القدرات المحلية لمنع النزاعات“ على أن الحوار الوطني الجاد “يشكل حجر الأساس لأي سلام مستدام، خاصة في المجتمعات المنقسمة عرقياً وطائفياً، حيث تسهم المشاركة الجامعة في تبديد المخاوف وتعزيز الأمن المجتمعي.
وفي الختام فأن الحالة السورية معقدة، والمرحلة الحالية حرجة جداً. فالبلاد خرجت من رحم نظام استبدادي دموي، وشهدت حرب إبادة على أساس طائفي استمرت لأكثر من عقد من الزمن، ولم تصل لمرحلة الاستقرار بعد. وفق أدبيات النزاع، فإن مرحلة ما بعد الحرب تكون غير مستقرة وهشة، والمجتمع فيها مهدد بانزلاقات يُصبح فيها خط العودة أمراً بالغ الصعوبة. والتاريخ مليء بالعبر، ولنا في بعض الدول المحيطة أمثلة حية وكما قالت العرب سابقاً: “السعيدُ من اتعظ بغيره”، فهل نستطيع الاستفادة من دروس الآخرين قبل فوات الأوان؟
المدن
———————–
سوريا “منزوعة الأقليات”… نموذجاً!!/ نبيل بومنصف
بلغ غلوّ بعض الدول المنخرطة بقوة في “هندسات” المرحلة الانتقالية في سوريا بعد سقوط النظام الأسدي حدوداً تجاوزت كل المعايير الطبيعية، حين صارت ترفع في وجه لبنان “نجاحات وإنجازات” الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع نموذجاً معيارياً على لبنان اتباعه والاقتداء به للحصول على مليارات الدعم المطلوبة وإلا تخلف عن كل دول محيطه. صُمّت آذان اللبنانيين بهذه المعادلة الناشئة التي أخذت أشد تأثيراتها على ألسنة الموفدين الأميركيين والسعوديين وبعض الأوروبيين، وكان بديهياً أن تعتبر هذه المعادلة وسيلة إيجابية في أهدافها القصيرة والبعيدة المدى لحث لبنان على عدم إسقاط فرصة نادرة لبسط السيادة الحصرية للدولة ونزع كل سلاح غير شرعي وإعادة النهوض الاقتصادي والإنمائي. من غير الممكن طبعاً تجاهل خطورة أن يبرز القصور اللبناني عن التقاط الفرصة الدولية والعربية لإعادة بناء هيكل الدولة فيه، والإفادة القصوى من لحظة دولية إقليمية تتيح له نهوضاً لم ينجز بعد حتى منذ ما بعد بدء الطائف. إذ إن معالم “الجرجرة” في ملفات استكمال بسط السيادة والإصلاح الجذري وكذلك بمستوى أخطار مواجهة الكارثة المتدحرجة للنازحين السوريين، لا يحتاج إبرازها وتسليط الأضواء عليها إلى عناء شديد ولو نالت الحكومة والعهد ثقة متجددة في مجلس النواب قبل يومين. ولكن هذا الواقع المترهل والخطير بترهله، لا يحجب ما يتعين إبرازه بدون قفازات أو تمويه أو مداهنة أو عداء حيال مجريات التطورات الجنونية والدراماتيكية في سوريا سواء بسواء، لأن الربط الكارثي بين أحداث “الشقيقة” ولبنان راهناً عاد ينذر بأسوأ التداعيات على لبنان سواء من بوابة استهداف الدروز أو من بوابات الأمن الحدودي الفالت والخطر المستدام لتوافد ألوف جديدة من النازحين السوريين بدل عودة ما يناهز المليونين المقيمين في لبنان إلى بلادهم. منذ ما قبل اندلاع الجولات الدموية الأخيرة في السويداء كانت صورة الانتقال السلس المتمدن في سوريا عرضة للتشكيك الكبير مع تواصل العنف الطائفي والمذابح الفردية والجماعية التي أذكتها تداعيات تفجير كنيسة مار إلياس في دمشق، فبدا مجدداً مصير الأقليات كافة في سوريا بمثابة جرس إنذار بالغ الخطورة حيال الصورة الزاهية الزهرية التي حاولت الدول الداعمة للشرع تعميمها بلا نجاح إطلاقاً. اتخذ الواقع الدامي ذروة تفجيره للصورة “المدولة” للحكم الانتقالي السوري بعدما أسقطت واشنطن كل العقوبات وأزالت صفة التنظيم الإرهابي عن “جبهة النصرة” في تزامن كارثي مع سيلان حمامات الدماء في السويداء والتدخل غير المحسوب إطلاقاً بهذا الحجم لإسرائيل. أفدح ما تعود إليه الذاكرة اللبنانية المجايلة للحرب في لبنان في هذه اللحظة، هي “حرب الجبل” التي كانت مزيجاً دموياً من فتنة طائفية وتدخلات إقليمية أفضت إلى كارثة مرعبة بين الموحدين الدروز والمسيحيين، تحت تورط إسرائيلي إقليمي استلزم شجاعة فائقة في زمن الطائف لإحلال مصالحة الجبل التاريخية لشفاء أبناء الطائفتين من آثارها، ولكن الجاري في سوريا صار أشد فداحة نظراً لاتساعه المرعب بما يهدد بتجاوز الكارثة الحضارية المدنية التي حصلت سابقاً في العراق بتهجير الأقليات بعد المذابح الأصولية “الجهادية” التي استهدفتهم، فيما تبدو سوريا الآن على مشارف مصير أسوأ وأخطر. بذلك نتساءل كيف للدول المفتتنة بالحكم الانتقالي الحالي في سوريا أن ترفعه بعد الآن نموذجاً معيارياً للبنان وغير لبنان، فيما الفشل الكارثي في تثبيت أمن سوريا ووقف المذابح الطائفية ولجم تجفيف البلاد من الأقليات ومنع استهدافها ولجم إسرائيل عن القضم والتدخل الحربي، صار العنوان الفادح لمرحلة تنذر أقله بسقوط متجدد للسلطة فيها وعودة الفوضى الدامية على الغارب؟
النهار العربي
———————–
سوريا على حافة تهديد المنطقة/روزانا بومنصف
أفضت التحركات الطائفية التي حصلت في لبنان على خلفية الأحداث في السويداء والدخول الإسرائيلي على الخط “دعما للدروز”، إلى تظهير الخطر الكبير في دفع إسرائيل المنطقة إلى التفتيت والشرذمة انطلاقا من سوريا.
الزعيم الدرزي وليد جنبلاط، البعيد النظر وذو التجربة الطويلة، كان من أبرز المحذرين من أن “تدمير مبنى وزارة الدفاع السورية لا علاقة له بحماية الدروز”، في إشارة واضحة إلى أنهم قد يكونون وقودا لمشروع إسرائيلي أكبر لم تلبث مؤشراته أن ظهرت في حرص واشنطن على وقف التصعيد الإسرائيلي الذي ينذر بالقضاء على استثمارها في النظام الجديد الذي رفعت العقوبات عنه ومنحته فرصة تهدد إسرائيل بتبديدها من جهة، وتنذر بدفع المنطقة إلى فوضى مخيفة من جهة أخرى، إذ من المؤكد أنها قد تعيد إيران إلى الواقع السوري.
تحدث الرئيس الأميركي دونالد ترامب مكررا ما قاله وزير خارجيته ماركو روبيو عن “سوء فهم بين إسرائيل وسوريا” وعن مساع تبذلها واشنطن لاحتواء التصعيد. فيما تُعدّ ضربات إسرائيل للقصر الرئاسي ووزارة الدفاع في سوريا استهدافا معنويا قاسيا لنظام أحمد الشرع في ظل عدم القدرة على الرد على اعتداءات إسرائيل أولا، وأكثر، في ظل محادثات بينه وبين إسرائيل لم تمض أيام على إجرائها في أذربيجان على نحو محرج للشرع في تطويعه أكثر من إسرائيل تحت طائلة تجويف سلطته أو تظهير صعوبة سيطرته على الأراضي السورية، بما يفتح الأبواب أمام احتمالات قد تؤدي إلى تفكيك سوريا وتفتيتها أو تدخلات أخرى من جانب تركيا في الدرجة الأولى.
هذا السيناريو قد يؤدي إلى صراع إقليمي أوسع تم تجنبه في الحرب على إيران، لكنه قد يتفاقم في سوريا ولا سيما مع إتاحة المجال لتنظيمات متطرفة في إعلاء شأنها أكثر، وهي لا تزال موجودة بقوة، ما يهدد دول المنطقة وليس سوريا وحدها. والحال أن إضعاف الشرع وفرض شروط لتراجع سيطرته وتحدي شرعيته، سيرسمان علامات استفهام كبيرة حول قدرته على استكمال سيطرته على مناطق أو مكونات سورية أخرى. هذا الباب يفتح على مصراعيه، ليس على المستوى السوري فحسب بل على مستوى دول المنطقة التي اندفعت إلى دعم سوريا الجديدة تخوفا من انهيارات تؤدي إلى تفكك المنطقة وعدم استقرارها على مدى طويل جدا.
ولهذا ارتفع مستوى الاستنفار الإقليمي من الدول الداعمة لسوريا الجديدة خوفا عليها ومنها في الوقت نفسه، فيما أثارت الاعتداءات الإسرائيلية أسئلة كبيرة حول التمايز الأميركي – الإسرائيلي إزاء سوريا، والمدى الذي تتيحه واشنطن لإسرائيل، في ما يتخطى تحييد بنيامين نتنياهو الأنظار الإسرائيلية عن “تنازلات” لاتفاق في غزة أو حماية لحكومته.
دخول إسرائيل على الخط ليس لإتاحة انخراط دروز الجولان في دعم اتجاهات الصراع مع النظام في سوريا فحسب، بل لتوجيه ضربات تنال من سيادتها وهيبة السلطة فيها، وهو ما ساهم في تعقيد مشهد داخلي معقد أصلا في ظل ما وصفه وزير الخارجية الأميركي بأنه “خصومات تاريخية قديمة العهد، بين مختلف المجموعات في جنوب غرب سوريا، وهذا الأمر أفضى الى وضع مؤسف”، في إشارة إلى الاشتباكات بين الدروز والبدو في سوريا. من جهة أخرى، هناك الانقسامات الدرزية الخطرة في ظل استدعاء البعض للخارج، وفق ما حذر وليد جنبلاط، ورئاسة روحية للطائفة الدرزية عبرت بقوة عن حتمية البقاء تحت لواء الشرعية السورية.
وهناك أيضا ما لا يقل أهمية، وهو الانتهاكات التي ارتكبتها الجهات الأمنية الفاعلة، ولا سيما إذا كانت من خارج أوامر السلطات السياسية، ما يفيد بوجود تمرد مستمر تردد أنه كان موجودا أيضا في مجزرة الساحل السوري مع العلويين، وهو ما يهدد بتقويض قدرة النظام السوري على إرساء استقرار أمني طويل الأمد في البلاد.
وقد ترك عدم محاسبة السلطة السورية علنا العناصر المسؤولة عن المجزرة ضد العلويين، تداعيات كبيرة في سوريا وصلت مؤشراتها بقوة إلى لبنان ولمسها اللبنانيون، على الأقل في نزوح علوي كان واضحا في شهري نيسان/أبريل وأيار/مايو الماضيين في شكل خاص، وقد انضم إلى هذا النزوح العلوي نزوح مسيحي ازدادت حدته على خلفية ثلاث محطات، إحداها ما حصل مع العلويين، وما كان حصل مع الطائفة الدرزية في جرمانا والسويداء في أيار/مايو الماضي، ثم الانفجار الإرهابي الذي تعرضت له كنيسة مار إلياس الأرثوذكسية اليونانية في دمشق، في أكبر هجوم ضد الأقلية المسيحية في سوريا منذ عقود.
ويُفترض ان يعرف الحكم الجديد في سوريا، كما البعثات الأجنبية، أن مخاوف الأقليات تكبر أكثر فأكثر على خلفية هذه التطورات، فيما ترحّل هذه الأقليات فتياتها وحتى فتياتها إلى لبنان ودول الجوار من دون ضجيج، في ظل المخاوف التي لم تجد طمأنة لها على رغم الجهد الذي بذله الرئيس السوري أحمد الشرع، وذلك بعد تتابع هذه الأحداث واتساع هوة انعدام الثقة بين السلطات الجديدة وهذه الإقليات.
النهار العربي
————————————-
سوريا في محنة جديدة مفتوحة الأمد/ د. آمال موسى
18 يوليو 2025 م
إن ما يُحدد موقع أي دولة أو طرف في التفاوض والتأثير ليس التحالفات ومدى تقديم شروط الطاعة والولاء وخفض الجناحين، وإنما تُحدده القوة والعدة والعتاد، وما إذا كنت تتفاوض من منطلق انتصار أم هزيمة.
لذلك -مع الكثير من العربدة- لا تجد إسرائيل أي حرج في استباحة سوريا، وشن الضربات منذ الساعات الأولى من سقوط نظام بشار الأسد إلى الآن وغداً.
تُروّج في بعض التغطيات الإخبارية لضربات إسرائيل في مناطق عدة في سوريا وتوسعها في الجولان جملةٌ استفهامية، تتضمن تساؤلاً حول ما إذا كنا حالياً نعيش «مرحلة إسرائيل بلا سقف؟».
وفي الحقيقة يبدو لنا هذا السؤال فارغاً من أي معرفة بإسرائيل التي فعلت ما فعلته من عدوانها على غزة، والقضاء على رموز في المقاومة الفلسطينية وفي «حزب الله»، والإطاحة بنظام بشار الأسد، وضرب إيران وتصفية عدد من علمائها… استثمرت إسرائيل في القتل والتنكيل والاغتيالات والحرب من أجل ألا يكون لها أي سقف، فالذي يحصل منذ تاريخ 23 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 إلى اليوم هو ضرب السقف تلو السقف، كي تتوسع إسرائيل في السماء أكثر من الأرض، ذلك أن استباحة سماء سوريا تعني الكثير في لغة الدفاع والسيادة والقوة.
لنتفق أولاً أنه لا يمكن استباحة دولة قوية، وإسرائيل اشتغلت على هذه الاستباحة كثيراً، فهي نتاج استثمارها في تدمير أسس قوة الجيش السوري، ولم يكن سلوكاً اعتباطياً عندما قامت إسرائيل في الساعات الأولى من سقوط نظام الأسد بضرب مستودعات الذخيرة العسكرية في الجيش السوري. لقد سارعت إلى قطع مخالب الجيش، وإضعافه كي لا يُشكل لها أي مصدر مقاومة وتحدٍّ وهي تستبيح السماء السورية. وهو الأمر نفسه الذي يجعلها تقول الآن بهدوء وثقة إنها ستُدافع عن الدروز في سوريا مثلاً.
في هذا المسار من صناعة الاستباحة، والتمهيد الشامل المكثف لها، نضع ضربات الكيان الإسرائيلي للقوات السورية، ولا مبالاتها بكل خطابات الطمأنة التي قام بها رئيس سوريا الجديد تجاه إسرائيل، وهي خطابات تتعهد بمصادقتها بدل استعدائها.
والمؤسف أن هذه الضربات الإسرائيلية، والاستباحة، والعربدة في أرض سوريا وسمائها، هي عاملٌ يمنع سوريا من التعافي، ومن أن تقف على قدميها كما يليق ببلدٍ في عراقتها، وفي ثرائها الإنساني، وقدراتها الكامنة فيها. سيظل هدف إسرائيل الدائم أن تكون سوريا قابلةً للاستباحة من طرفها، وألا تتجاوز مخالبُها الحدَّ المسموح به من الظهور.
لنكن صريحين: لم تستفق إسرائيل بعد من كابوس سوريا الشوكة في حلقها. لن تتفلت من كابوس الطوق الذي كان خانقاً لها ومهدداً لها، رغم أنها نجحت في كسر هذا الطوق وتشتيته وفك الارتباط الذي كان حاصلاً بين إيران وسوريا و«حزب الله».
عنوان المرحلة الجديدة: ممنوع أن تكبر سوريا، ويجب ألّا تتعافى. المطلوب الدوران في حلقة مفرغة من الصراعات والضعف. وهنا للتذكير، فإسرائيل لم تستهدف ثكنات الجيش السوري ومستودعاته وذخيرته فحسب، بل ضربت الكليات والآثار، ودمرت جزءاً هائلاً من البنية التحتية. وهو سيناريو بات مكشوفاً ومعلوم المقاصد. فالهدف هو عدم ظهور المخالب مجدداً، وأن تكون سوريا في وضع قابل للاستباحة، ومنع كل الأسباب التي يمكن أن تجعل منها قوة تهديد.
إن سوريا الآن فعلاً في محنة. لن يُسمح لها بتجاوز الخط الأحمر في التعافي، وفي التنمية، وفي مقدار القوة، ولن يقتصر الأمر على الجانب العسكري، بل إنه سيشمل كل المجالات التي تغذي قوة الدولة. وهنا يكمن مأزق سوريا في الوقت الراهن. كما أن كون سوريا تخلَّصت من النظام السابق فإن ذلك لن يمحي تاريخ الممانعة، وتدرك إسرائيل جيداً أن وجودها في المنطقة مرتبط بقوتها، وبدور الولايات المتحدة الأميركية في تغذية هذه القوة ودعمها والذود عنها، وأيضاً وجودها وأمنها مرتبطان بشكل عضوي غير قابل للنقاش، وبضعف الدول المحيطة بها والرافضة لها. بمعنى آخر، فإن إسرائيل ليست لها فرضية تقوم على بناء علاقات صداقة وتعايش مع غزة وسوريا ولبنان… فتاريخ الصراع المملوء بالدم والقهر والتنكيل وبانعدام السلام لا يحمل نقطة واحدة بيضاء يمكن أن ينبت فيها أمل في السلام… اللهم سلام السماء المستباحة، وسلام دون سقف وتعايش يقوم على الإرغام وليس على التفاوض، وذلك باعتبار أن التفاوض يحتاج إلى موازين قوى، والقدرة على استباحة سماء مَن يستبيح سماء وطنك.
كل العلامات تدل على أن رحلة التعافي في سوريا طويلة، ووتيرتها مرتبطة بإخفاقات إسرائيل وتزعزع قوتها، وهو ارتباط لا تبني عليه الشعوب عزتها.
الشرق الأوسط
—————————
عشائر البدو ودروز السويداء… «مظلوميات» التاريخ والجغرافيا
روايات متضاربة عن عمق الانقسام وقلق الهوية والاغتراب عن دمشق
سلطان الكنج
18 يوليو 2025 م
تعيش محافظة السويداء، الواقعة في جنوب سوريا، على صفيح ساخن، بعد أحداث دامية شهدتها في الأيام الماضية واشتباكات بين مكوناتها المحلية والقوات الأمنية. وليست هذه الأحداث بمعزل عن التحولات العميقة التي يشهدها المشهد السوري كله؛ إذ تُلقي بظلالها على مستقبل التعايش والسلم الأهلي في منطقة غنية بتنوعها الثقافي والاجتماعي والديني.
وبينما تحاول الدولة في دمشق بسط نفوذها على كامل الأراضي السورية، تتجدد مطالب المكونات المحلية بحقوقها و«خصوصيتها»، مما يخلق معادلة معقدة تهدد بزعزعة الاستقرار في محافظة ذات أهمية استراتيجية كبيرة.
وتتشابك في السويداء خيوط تاريخية قديمة من العلاقات المتوترة بين العشائر البدوية والمجتمع الدرزي، تُضاف إليها تحديات الحاضر المتمثلة في الوضع الاقتصادي المتدهور وغياب الخدمات الأساسية، وتصاعد نشاط المجموعات المسلّحة وسلطة حديثة الولادة في دمشق. هذه العوامل مجتمعة تجعل من السويداء بؤرة توتر سريعة الانفجار، وتطرح تساؤلات جدية حول قدرة الأطراف المعنية على إيجاد حلول مستدامة تضمن الأمن والاستقرار للجميع.
فالروايات متضاربة ومتشابكة، وكل طرف يقدم سرداً للأحداث يختلف جذرياً عن الآخر، ينطلق ليس فقط مما حدث قبل يومين وإنما مما اعتمل في النفوس من ترسبات الماضي ويعكس عمق الانقسام وغياب الثقة بين المكونات.
مرجعيات وفصائل
تتوزع الزعامات في السويداء بين مرجعيات دينية وعائلات لكل منها وجهاء وقادة بثقل ميداني متفاوت، وتحالفات وخصومات سياسية متباينة. كما تنقسم الفصائل العسكرية الدرزية بين قوى توالي حكومة دمشق وأخرى تعارضها بوضوح.
ويعد «فصيل مضافة الكرامة»، بقيادة ليث البلعوس (وهو ابن وحيد البلعوس)، حليفاً لحكومة دمشق، إلى جانب سليمان عبد الباقي قائد فصيل «أحرار جبل العرب».
في المقابل، تقف فصائل معارضة أبرزها «المجلس العسكري في السويداء» و«لواء الجبل»، ويبلغ عدد عناصرها نحو 3000 مقاتل، في موقع متقارب من توجهات حكمت الهجري.
وبرز أخيراً تحالف جديد يضم «درع التوحيد» وفصائل أصغر مثل «قوات العليا»، و«شيخ الكرامة»، و«سرايا الجبل»، و«جيش الموحدين»، تحت اسم «قوى مكافحة الإرهاب» أو «حزب اللواء السوري»، وأعلن هذا التحالف قطيعة كاملة مع دمشق بعد خطاب الهجري الأخير، في 15 يوليو (تموز)، الذي رفض فيه البيان الحكومي بالتوصل إلى اتفاق مع وجهاء السويداء لوقف النار ودخول القوات الحكومية.
بالإضافة إلى ذلك، هناك فصيل «حركة رجال الكرامة» بقيادة أبو حسن يحيى الحجار، وهو فصيل كبير نسبياً، وهو الآخر يعارض حكومة دمشق.
تباين التكتل الديني
تتمركز المرجعيات الدينية التقليدية لدى الطائفة الدرزية في سوريا في بيوت آل الهجري، وآل الحناوي، وآل جربوع، وقد شكلت عبر عقود المرجع الأعلى في الشؤون الدينية والاجتماعية التي تنظم وتيرة الحياة بتفاصيلها، وحافظت على موقعها بصفتها مصدراً شرعياً معترفاً به داخل المجتمع المحلي وفي العلاقة مع العاصمة.
لكن في السنوات الأخيرة، بدأ هذا التكتل الديني يشهد تبايناً في المواقف. ففي حين لم يكن للشيخ حكمت الهجري حضور قوي في السابق، فقد أصبح اليوم أحد أكثر الأصوات رفضاً لحكومة دمشق وسياساتها، ونسج علاقة متينة مع المرجع الديني الأعلى لدروز فلسطين وإسرائيل، موفق طريف، مما دفع البعض إلى عدّه رأس التيار المعارض داخل المرجعيات الدينية.
في المقابل، يفضل المرجع الروحي يوسف جربوع ذو الثقل الديني والمجتمعي، التفاهم مع حكومة دمشق، ويحرص على الحفاظ على قنوات التواصل معها وبسط الدولة سيطرتها على السويداء.
ويتخذ الموقف نفسه ليث البلعوس وابن القائد وحيد البلعوس، ويترأس مجوعة مقاتلة كانت معارضة بشده للنظام السوري السابق المتورط في اغتيال والده عام 2015، ولكنه الآن مقرب من حكومة الرئيس أحمد الشرع.
ونشأت هذه الحركة في سياق سياسي وعسكري معارض تاريخياً لدمشق، وتحالفت مع قوى محلية وخارجية مثل الزعيم اللبناني وليد جنبلاط، لكنها لا تُعد مرجعيات روحية، ولا تحظى بشرعية دينية داخل الطائفة، ويقتصر تأثيرها على الجانب الميداني.
ويعكس هذا المشهد انقساماً غير مسبوق داخل البنية الدينية التقليدية في السويداء، بين مرجعيات تحاول الحفاظ على العلاقة مع الدولة، وأخرى تنحاز تدريجياً لموقف شعبي رافض للسلطة، في وقت تبحث فيه قوى أخرى عن توازن بين الانتماء الوطني والخصوصية الدينية والسياسية للطائفة.
رواية العشائر البدوية
وسط هذه الحالة المركّبة، نشبت الأحداث الأخيرة وبدأت تأخذ أبعاداً إقليمية حتى بعد وقف تبادل إطلاق النار بين أبناء السويداء والقوات الحكومية التي انسحبت أخيراً من المنطقة، لتعود النيران وتستعر بين الدروز والعشائر البدوية التي تقدم نفسها مكوّناً يعاني من تهميش تاريخي ومستمر.
فحسب المحامي محمد أبو ثليث، وهو عضو «مجلس عشائر السويداء» وابن إحدى العشائر البدوية المتاخمة والمتخاصمة مع الدروز، فإن «البدو هم الضحايا الدائمون، يُحمّلون مسؤولية أحداث لم يفتعلوها، ويُعدّون الحلقة الأضعف» في صراع القوى بالمنطقة.
«المظلومية» في هذه الراوية موغلة في القدم. إذ تركز على أن الدروز، القادمين إلى الجبل قبل نحو قرنين من الزمن، سعوا إلى «خنق العشائر تدريجياً» وبسط سيطرتهم، مما أدى إلى «حرمان البدو من سبل العيش التي تعتمد أساساً على تربية المواشي، وهو ما دفع بنصف عشائر جبل العرب إلى الهجرة القسرية تباعاً نحو الأردن وريف دمشق ودرعا مقابل توسع نفوذ الدروز القادمين من لبنان وفلسطين».
وضرب أبو ثليث مثالاً برئيس مجلس النواب الأردني السابق، سعد هايل السرور، وهو سوري الجنسية حتى اليوم، ووالد هايل السرور الذي كان رئيس البرلمان السوري قبل الوحدة بين سوريا ومصر.
ويعتقد البدو أنهم هم «أبناء الأرض الأصليون»، وأن ما حدث هو استمرار لظلم تاريخي حرمهم من حقوق المواطنة، بما في ذلك الوظائف والتمثيل السياسي والخدمات في سياق الصراع على الهوية والجغرافيا.
ويرى المحامي محمد أبو ثليث، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر يجب أن يُعالج من جذوره الحقيقية، مشيراً إلى أن البدو يُحَمّلون المسؤولية «لأن الطرف الآخر لا يجرؤ على مواجهة الفاعلين الحقيقيين».
ويطالب ممثل العشائر بأن تقوم عشائر الجبل، أو ما يُعرف بـ«أهل الجبل»، ببسط سيطرتها ورفع الظلم الواقع على أبناء العشائر، مشيراً إلى أن هذه الشريحة عانت من «ظلمَين متداخلَين»، على حد وصفه، «ظلم نظام البعث والأسد، وظلم الجيران. فنحن لم نحصل على حقوق المواطنة، لا في الوظائف، ولا في التمثيل السياسي، ولا حتى في الخدمات الأساسية التي هي حق لكل إنسان».
ويختتم أبو ثليث بالقول إن «البدو لا يريدون المواجهة، ولا يملكون القدرة عليها. كل ما يتمنونه هو أن يعيشوا بسلام مع جيرانهم، لأنه لا أحد يستطيع إلغاء الآخر. ومنذ سقوط النظام البائد، تمنى أبناء العشائر أن تتدخل الدولة لضمان الحماية، وتأمين أبسط الحقوق لافتاً إلى أولوية أن يوجه النقاش حول مستقبل (جبل العرب) وحل المشكلة من جذورها».
هوية قلقة على الدوام
يقول أستاذ الفلسفة السياسية في جامعة باريس، المتحدر من السويداء، خلدون النبواني، في حديث إلى «الشرق الأوسط»، إن الطائفة الدرزية، مثل أي أقلية، تعيش شعوراً دائماً بالخطر والتهديد، مما يدفعها إلى التكتل حول هويتها الخاصة والتمركز حولها دفاعاً عن الذات.
ويشير النبواني إلى أن هذا التمركز لا يقتصر على المستوى الرمزي أو الثقافي، بل يمتد إلى التمركز الديموغرافي، موضحاً أن العلويين يتمركزون في جبال الساحل، والدروز في جبل العرب، مما يعكس الميل الجماعي لدى هذه الأقليات إلى التكتل في مناطق محددة تعزّز تماسكها الاجتماعي وترسّخ الهوية الخائفة والقلقة باستمرار.
ويقول النبواني: «نشأة الطائفة الدرزية نفسها كانت حركة تمرد سياسي وثقافي على الإسلام السني التقليدي، ولذلك نشأ معها شعور دائم بالحاجة إلى الاحتماء والتكاتف الداخلي، والتعاضد الاجتماعي، وهو ما نراه حتى اليوم في مؤسسة الزواج، حيث يندر التزاوج خارج الطائفة».
وكما في أصغر نواة مجتمعية مثل الأسرة، ينسحب هذا الموقف على الإدارة العامة والتمثيل السياسي، حيث سجلت حالات رفض لتعيين محافظين أو قادة من خارجهم، منذ ثلاثينات القرن الماضي وحتى آخر محافظ عينته حكومة أحمد الشرع، وأثار رفضه واستقالته ثم عودته، لغطاً كبيراً.
ففي عهد أديب الشيشكلي (1951 – 1954)، تدهورت العلاقة بشكل حاد مع دمشق؛ إذ اتهم الشيشكلي الدروز بالتآمر، وقصف «جبل العرب» بالمدفعية عام 1954، متسبباً بقتل وتهجير وعداوات طويلة الأمد بين أبناء السويداء والحكم المركزي. ومع وصول حزب البعث إلى السلطة عام 1963، اتبعت الدولة سياسة «الاحتواء الناعم» تجاه الدروز، عبر تعيين شخصيات رمزية من أبناء الطائفة في بعض المناصب، مع الإبقاء على رقابة أمنية صارمة على السويداء.
رفض الدويلة والانفصال
رغم هذا الانكفاء النسبي، فإن «الدروز يدركون أنهم لا يستطيعون العيش في عزلة تامة عن محيطهم»، كما يوضح النبواني؛ بل إن علاقتهم بالمحيط شرط من شروط بقائهم، مشيراً إلى مفارقة تاريخية لافتة: «حين منح الاحتلال الفرنسي الدروز دويلة في السويداء، تم رفضها والتمرد عليها بشكل واضح، بل إن سلطان باشا الأطرش رفض الدخول في أي مفاوضات تتعلق بكيان درزي منفصل، وقاد الثورة السورية الكبرى ضد الفرنسيين، مؤكداً أن السويداء جزء مؤسس في الدولة السورية».
ويخلص النبواني إلى أن التاريخ السياسي للطائفة يُظهر رفضاً ثابتاً لفكرة الانفصال، لأسباب متعددة، من بينها استحالة قيام كيان مستقل، ولكن أيضاً بسبب تعاليم دينية تقوم على عدم مواجهة السلطة. ويشرح: «حين ثار سلطان باشا الأطرش على الفرنسيين، عارضه شيوخ الدين؛ لأن فرنسا كانت تعدّ سلطة قائمة، وتم عدّ ما قام به تمرداً، بل إن بعض رجال الدين سعوا إلى إبعاده عن الطائفة».
ويتابع: «هذه التقاليد الدينية تكرّس مبدأ الاحتماء بالسلطة وليس الاصطدام بها، مما يجعل من الدروز جماعة تميل إلى التكيف مع الدولة أكثر من رغبتها في مواجهتها أو الانفصال عنها».
ويرى النبواني أن هذه العلاقة المعقدة بين الالتفاف على الهوية والخوف من العزلة تخلق مفارقة جوهرية في البنية النفسية والسياسية للطائفة، ما يجعل الدروز ممسكين بهويتهم الخاصة من خلال حاجتهم الدائمة إلى الآخر، «فلا هم قادرون على الاستمرار من دون هذا المحيط، ولا يمكن لهم الذوبان الكامل فيه».
الرواية الحكومية
بالعودة إلى الأحداث الأخيرة، تركز الرواية الحكومية على مفهوم سيادة الدولة وحقها في امتلاك السلاح وواجبها في فرض الأمن والنظام، وتصور الأحداث على أنها مواجهة مع عناصر مسلحة «لجأت إلى الثأر» وتهدد الاستقرار. ويُعدّ تدخل الدولة استجابة حتمية للفوضى وتهديد الأمن، مع تأكيد «تقديم التضحيات في سبيل استعادة كامل السيادة». هذا المنظور يرى في أي مقاومة لسلطة الدولة تحدياً يجب التعامل معه بطريقة أمنية، بغض النظر عن دوافعه السياسية أو الاجتماعية الكامنة.
ويقول خالد عبد الكريم، وهو مسؤول في جهاز الأمن الداخلي، إن تدخل الدولة في السويداء وريفها كان ضرورياً «لفض الاشتباكات وحماية المدنيين» من «جماعات خارجة عن القانون» تهدد حياة الناس وسيادة الدولة، لكنها تعرضت لكمائن من جماعات مسلحة تنشط في أطراف بعض البلدات، مما دفعها إلى التعامل العسكري المباشر.
ويضيف عبد الكريم، في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «لقد قدمنا عدداً كبيراً من الشهداء في صفوف الجيش والأمن الداخلي، وأسر بعض عناصرنا ومُثِّل بجثثهم»، مؤكداً أن القوات الأمنية عملت على حماية المدنيين وممتلكاتهم «من جميع الأطراف، بما فيها بعض المجموعات البدوية التي لجأت إلى الثأر».
فهد أبو حيدر من سكان جرمانا يتحدث إلى موفق أبو شاش رجل دين درزي عقب اشتباكات دامية في جرمانا سوريا 5 مايو 2025 (رويترز)
فهد أبو حيدر من سكان جرمانا يتحدث إلى موفق أبو شاش رجل دين درزي عقب اشتباكات دامية في جرمانا سوريا 5 مايو 2025 (رويترز)
استهداف يولّد استهدافاً
في المقابل، يقدم بعض أبناء السويداء من أمثال منذر محيي الدين، أحد منظمي «اعتصامات ساحة الكرامة» خلال حكم النظام السوري السابق، رواية ثالثة تتقاطع في بعض جوانبها مع روايتي عشائر البدو والحكومة.
فقد شدد محيي الدين، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، على أن الشرارة انطلقت بـ«هجوم منظم» من قِبل مجموعات بدوية مسلّحة استهدفت عدداً من بلدات المحافظة. ورأى محيي الدين أن ما يحدث ليس مجرد اضطراب أمني ظرفي، بل هجوم من هذه المجموعات التي اعتادت قطع الطرق والتضييق على المدنيين الدروز. وأكّد محيي الدين أن هذه المجموعات «دخلت منذ يومين برفقة عناصر أمن وتوغلوا في الأحياء بحجة فرض الأمن، لكن فعلياً حدثت عمليات نهب وسرقة وقتل».
ووفق ما قاله محيي الدين فان أبناء السويداء يشعرون بأنهم تعرّضوا لهجوم بطريقة «الفزعة البدوية»، ويقول: «طالبنا مراراً بحماية المدنيين لكن لم يستجب لنا أحد. إنه استهداف واضح للسويداء وأهلها»؛ مما قطع آخر أواصر الثقة. وحذّر محيي الدين، في ختام حديثه، من أن حالة الاحتقان هذه قد تؤدي إلى «عمليات مقابلة من أبناء السويداء رداً على ما فعلته المجموعات البدوية ومن يدعمها، وهي عمليات لن تتوقف مستقبلاً، بل قد نشهد اقتتالاً طائفياً طويلاً ما دامت المعالجة الوحيدة لهذه الأحداث أمنية فقط».
لكن موقف الحكومة بقي «حذراً جداً»، وحاولت قدر المستطاع «ألا تُستدرج بوصفها طرفاً في الصراع» كما يقول لـ«الشرق الأوسط» الباحث وائل علوان، موضحاً أن المشكلات بين أبناء السويداء ومحيطهم المكون من العشائر البدوية تاريخية، وقام النظام السابق بالاستثمار فيها لإضعاف المجتمع في الجنوب السوري. وعدّ علوان أن «الصراع ليس مفتعلاً وعناصره موجودة لكن هناك من قام بتأجيجه». ولفت علوان إلى تقاطع مصالح أطراف خارجية، مثل إيران وروسيا وإسرائيل، مع أطراف داخلية مثل «قسد» أو مجموعات مرتبطة بحكمت الهجري أو فلول النظام السابق تستفيد كلها بحسبه، من أي فوضى تواجه الحكومة السورية.
ويصف علوان المجموعات المسلحة في السويداء بأنها «ميليشيات ما دون الدولة، وهي من عاق فرض الحكومة سيطرتها واستهدفتها واستدرجتها»، وبالنتيجة سيترتب على الحكومة فرض سيادتها على جنوب البلاد لتفادي أي سيناريوهات مستقبلية.
وبينما تدخل السويداء في موجة عنف جديدة، ضحيتها هذه المرة عشائر البدو الذين دخلوا مرحلة تهجير جماعي، تقف البلاد كلها عند مفترق طرق حاسم. فالتوترات المتصاعدة تهدد بزعزعة الاستقرار وتعميق الانقسامات المجتمعية التي تفاقمت طوال عقود بين المكونات الاجتماعية والدينية وأفضل ما يعكسها هذه الروايات المتضاربة للأحداث الأخيرة.
لذلك؛ فإن التحدي الأكبر الآن على حكومة دمشق هو استعادة الثقة مع «جبل العرب» بكل مكوناته وتجاوز الحلول الأمنية والبحث عن حلول سياسية واجتماعية تعالج جذور الأزمة، مثل توزيع عادل للثروة والسلطة، وضمان تمثيل جميع المكونات، وإصلاح الخدمات الأساسية، وإيجاد صيغة للتعايش مقبولة بما يضمن سيادة القانون ووحدة النسيج الاجتماعي تُبعد البلاد عن الصراعات الداخلية وتقطع الطريق على التدخلات الإقليمية والدولية.
الشرق الأوسط
——————————————-
حماية الدروز آخر هموم نتنياهو وعينه على أهداف توسعية في الجنوب السوري
بعد رفض الشرع القبول بمنطقة منزوعة السلاح من دمشق وحتى الحدود الأردنية والإسرائيلية
تل أبيب: نظير مجلي
17 يوليو 2025 م
ما من شك أن هناك مشكلة جدية يعانيها بنو الطائفة المعروفية، الدروز، في سوريا، لكن هذه هي آخر هموم رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو. وإذا كان أفلح في إقناع الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، بأن عملياته الحربية استهدفت حمايتهم، وأنه لا بد من «هزة رسن قوية» لتحذير الرئيس السوري، أحمد الشرع، بأن نظامه يصبح في خطر إذا لم يوقف الاعتداءات في السويداء، فإنه من الصعب إقناع أبناء وبنات المنطقة بذلك.
أولاً، الدروز في سوريا يتعرضون لاعتداءات منذ سنة 2011، وقد بدأها نظام بشار الأسد، قبل تجرؤ ميليشيات بدوية على تنفيذ هجماتها عليهم، ولم تتدخل إسرائيل في أي مرة. ومن يعتقد بأن نتنياهو قرر التحرك استجابة لمطلب الدروز في إسرائيل، فإنه لا يعرف حقيقة العلاقات بين الحكومات الإسرائيلية والطائفة العربية الدرزية، خصوصاً في عهد نتنياهو.
دروز إسرائيل، رغم تقبلهم فرض الخدمة الإجبارية على أبنائهم في الجيش الإسرائيلي منذ عام 1958، يعانون من سياسة تمييز عنصري واضحة. قراهم تعاني من نواقص شديدة، مثل جميع البلدات العربية الأخرى وربما أكثر. أراضيهم نهبت لصالح تطوير البلدات اليهودية المجاورة. وهناك ألوف البيوت مهددة بالهدم بدعوى أنها بنيت من دون ترخيص، فحكومة نتنياهو سنت قانوناً يُدعى «قانون كامنتس»، يجعل الهدم قانونياً ثابتاً وراسخاً. وقد توجت حكومة نتنياهو هذه السياسة ضدهم وضد سائر العرب، بسنها قانون القومية الذي يمنح اليهود حقوق التفوق العرقي عليهم.
فإذا كان الدروز الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية ويخدمون في الجيش الإسرائيلي يحصلون على تعامل مثل هذا، فهل يعقل أن نتنياهو يريد حماية إخوتهم وأقربائهم في سوريا؟
وأكثر من ذلك، متابعة الأحداث في الأيام الثلاثة الماضية، تبين أن إسرائيل تقاعست طويلاً عن حماية دروز سوريا عندما تعرضوا للهجوم البشع من مسلحين، يومي الاثنتين والثلاثاء. وإذا كانت قررت أن تسمح لنفسها بضرب قوات الجيش السوري، فلماذا لم تفعل ذلك عندما بدأت الدبابات تتحرك من دمشق وانتظرت حتى وصلت إلى السويداء؟ ولماذا قررت قصف مقرات ترمز إلى الدولة السورية، مثل رئاسة الأركان ووزارة الدفاع، فهل هذا يعين الدروز بشيء؟ وإذا كانت تعتقد بأن الحكومة السورية برئاسة الشرع، هي التي تقف وراء الاعتداءات على الدروز، لماذا لم تستخدم قنوات التنسيق المباشرة التي توجد الآن بين تل أبيب ودمشق، أو محطة الوسيط التركي أو الوسيط في عاصمة أذربيجان؟
إن خروج رئيس المعارضة الإسرائيلية، يائير لبيد، بموقف معارض بشدة للهجوم على سوريا، وانضمام قوى كثيرة في الإعلام إلى موقفه ومن ضمنها شخصيات من اليمين العقائدي، أمثال البروفيسور إيال زيسر، يؤكد أن هناك أهدافاً أخرى للغارات الإسرائيلية، ولبيد يعرف الكثير، إذ إنه بحكم القانون يطلع على أسرار الدولة الدقيقة.
ماذا حصل في الأيام الأخيرة؟
ما حدث يدل على أن نتنياهو لم يهتم بحماية الدروز، بل إنه يهتم باستغلال الاعتداء عليهم لأغراض سياسية وأمنية أخرى.
أولاً، منذ سقوط نظام الأسد، وهو يسعى إلى تنفيذ مخطط إسرائيلي قديم لتقسيم سوريا حتى لا تكون دولة قوية. وبادر إلى تنفيذ 500 غارة جوية تمكن خلالها من تحطيم 85 في المائة من القدرات الدفاعية للجيش السوري. وكان لقاء الرئيس ترمب مع الرئيس الشرع في الرياض «يوم نكبة» عند نتنياهو، إذ رأى في ذلك انهياراً لطموحاته، وقرر ألا يرفع الراية البيضاء، وانتظر الفرصة لانتهازها حتى يعيد طموحاته إلى الصدارة.
ثانياً، عندما دفعه الرئيس ترمب إلى مفاوضات مع الحكومة الجديدة في دمشق، أراد نتنياهو إبرام اتفاق سلام ينعكس فيه توازن القوى بين البلدين، وتعترف بموجبه سوريا بضم الجولان إلى إسرائيل.
ولكي يحقق ذلك، احتل قمم جبال الشيخ ومنطقة أخرى شرق مرتفعات الجولان أقام فيها تسعة مواقع عسكرية ثابتة، وراح يمارس الضغوط الحربية بواسطة الاستمرار في تنفيذ الغارات وتنويعها لتشمل كل الأراضي، شمالاً وجنوباً وغرباً وشرقاً.
ولما رفض السوريون ذلك، وأبدوا الاستعداد للانضمام إلى اتفاقيات إبرهيم بمستوى التنسيق والتفاهمات الأمنية، بدأ يخطط لأن يحصل على اعتراف سوري باحتياجات إسرائيل الأمنية – أي القبول بأن تكون المنطقة من دمشق وحتى الحدود الأردنية والإسرائيلية منزوعة السلاح، لا يدخل الجيش السوري إليها آليات ثقيلة، والقبول بإقامة حزام أمني على طول الحدود بعرض 3 : 5 كيلومترات من ضمنها المواقع التسعة المذكورة.
الرئيس السوري لم يستطع الموافقة على شروط مثل هذه، فقرر نتنياهو ممارسة الضغط العسكري عليه، وفقاً لمبدأ «السلام الناجم عن القوة». وأرفق عملياته الحربية بضغط سياسي وإعلامي أيضاً، يزعم فيه أن «الشرع لم يتخل عن ماضيه في جبهة النصرة، وأن قواته شريكة في تنفيذ المذابح ضد الدروز، مثلما كانت شريكة في الهجوم على كنيسة مار إلياس التي قتل فيها 25 شخصاً، والهجمات على العلويين في بلدات الساحل».
لذلك، فإن نتنياهو يستغل الوضع حتى النهاية، وهذا يعني أن هناك حاجة ماسة لتفويت الفرصة عليه، وإحداث تغيير في الأوضاع في سوريا يتم فيها وضع حد لانفلات السلاح والمجموعات الخارجة عن القانون، وإقناع كل شرائح المجتمع بأنها شريكة في البناء الجديد لسوريا. لقد وصف الكاتب الإسرائيلي، الدكتور تسفي برئيل، نتنياهو، كالفيل «دخل إلى الحدث بخطوة كبيرة مثل الفيل دون تحديد الأهداف ورؤية شاملة للساحة». وللفيل صفات أخرى: الجلد الغليظ والدوس الفظ، وتحطيم القوالب.
الشرق الأوسط
—————————
هل تتحول السويداء إلى ساحة تصفية حسابات إقليمية؟
15 يوليو/ تموز 2025
تبدو جولة العنف الحالية، في محافظة السويداء جنوب سوريا، ممتدة أكثر من سابقاتها، إذ تجددت الاشتباكات في المحافظة الأربعاء 16 تموز/يوليو، لليوم الرابع على التوالي، منذ اندلاعها الأحد الماضي، في وقت تسعى فيه قوات مشتركة، من الجيش والأمن الداخلي، إلى استكمال فرض سيطرتها على المدينة، بينما يجري المبعوث الأميركي إلى دمشق، توماس باراك، اتصالات لدعم جهود التهدئة في المحافظة ذات الأغلبية الدرزية.
ويبدو السؤال الأهم والذي ينشغل به كثيرون داخل سوريا وخارجها، هو لماذا باتت السويداء، بؤرة لتوترات متكررة، منذ الإطاحة بحكم الرئيس السوري السابق بشار الأسد، وقدوم السلطة الجديدة للبلاد؟ وتشير الرواية المتداولة، لآخر جولة من الاشتباكات في السويداء، إلى أن الاشتباكات الدامية الأخيرة، اندلعت بين” مقاتلين دروز وعشائر من البدو” بعد تعرض شاب درزي من أبناء السويداء للسلب والضرب على يد رجال من أبناء العشائر قبل أن يطلق سراحه وهو بحالة حرجة.
وفي الوقت الذي يُرَد فيه التوتر، الحاصل في محافظة السويداء، منذ قدوم السلطة الجديدة، إلى عداءات بين جماعات خارجة عن القانون، تبدو رواية سوريين من السويداء، ومحافظات سورية أخرى على وسائل التواصل الاجتماعي، غير متفقة مع هذه الرواية.
ويعتبر هؤلاء أن ما شهدته السويداء، من اشتباكات مؤخرا، لايمكن رده فقط إلى عداءات بين جماعات درزية، وأخرى عشائرية من البدو، لكن ما حدث من وجهة نظرهم هو مجرّد “شرارة”، أشعلت ناراً تتراكم دوافعها يوما بعد يوم في ظل واقع سياسي معقد.
ويضيف هؤلاء أن السبب الجذري، لما يحدث في السويداء وغيرها من المناطق، هو شعور متفاقم لدى عدد من المكونات السورية – من بينها الدروز والأكراد والعلويين والمسيحيين وشريحة من السنة – بأن المسار السياسي الحالي لا يُمثلهم.
الأعنف منذ شهور
تمثل اشتباكات السويداء الأخيرة، أعنف جولة من العنف الطائفي، التي تشهدها المحافظة منذ شهور، كما تعد الأولى منذ توقيع اتفاق تهدئة بين ممثلين عن الحكومة السورية، وأعيان دروز، بعد اشتباكات عنيفة بين الدروز وقوات الأمن، في نيسان/ إبريل وأيار/ مايو الماضيين، أوقعت عشرات القتلى. ووفقا للمرصد السوري لحقوق الإنسان، فإن عدد قتلى الجولة الأحدث من العنف في السويداء، يقارب 250 شخصا منذ اندلاعها الأحد الماضي.
وكان وزير الدفاع السوري مرهف أبو قصرة، قد أعلن الثلاثاء 15 تموز/يوليو، وقفاً تاماً لإطلاق النار في السويداء عقب الاتفاق مع وجهاء المدينة، وذلك بعد ساعات من بدء دخول قواته إليها، بالتزامن مع اشتباكات عنيفة وقصف إسرائيلي.
وأفادت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا)، بأن الجيش السوري بدأ بسحب الآليات الثقيلة من السويداء، تمهيداً لتسليم أحياء المدينة لقوى الأمن الداخلي.
من جانبه قال الشيخ حكمت الهجري ، الرئيس الروحي لطائفة المسلمين الموحدين الدروز في سوريا، في كلمة مصورة وجهها لأبناء السويداء، إن البيان الصادر مؤخراً باسم الرئاسة الروحية، والذي تضمن ترحيباً بدخول قوات الداخلية والدفاع إلى المدينة، جاء تحت الضغط والإكراه، وليس بمحض إرادتهم.
وكان البيان الذي نُشر في وقت سابق من اليوم، باسم الرئاسة الروحية، قد تضمن ترحيباً بتدخل قوات الدولة ودعوة لتسليم السلاح، ما أثار استياءً واسعاً بين الأهالي، الذين شعروا أن البيان لا يعكس حقيقة موقف القيادة الروحية.
نقطة صراع اقليمي
بعيدا عن الأسباب والتعقيدات الداخلية، في محافظة السويداء السورية، تبدو المنطقة وفقا للعديد من المراقبين، بقعة يتجسد عليها الصراع المكتوم، بين قوتين إقليميتين هما إسرائيل وتركيا.
وقد شن الطيران الحربي الإسرائيلي سلسلة غارات على دمشق الأربعاء 16 تموز/ يوليو، مستهدفا مبنى الأركان العامة ووزارة الدفاع ومحيط القصر الرئاسي، في حين أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن رسائل التحذير لدمشق انتهت وتوعد بما أسماها “ضربات موجعة”، وذلك عقب تجدد الاشتباكات العنيفة في السويداء جنوب البلاد.
وقال كاتس في تصريحات سنواصل العمل بقوة في السويداء لتدمير القوات التي هاجمت الدروز حتى انسحابها، مضيفا أن القصف استهدف “هدفا قريبا من القيادة العامة بدمشق والضربات ستستمر بالتصاعد ما لم تستوعب الرسالة”.
وكان الجيش الإسرائيلي قد نشر بصورة متزامنة مع دخول القوات السورية، للسويداء، مقطع فيديو، يظهر فيه استهداف دبابات سورية، بين بلدتي المزرعة وسميع، غرب السويداء، وقوله في بيان رسمي إن هذه الدبابات، كانت تتقدم باتجاه المدينة، وهو ما اعتبره تهديداً أمنياً محتملاً لإسرائيل على حد قول البيان.
من جانبهما، أكد كل من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، ووزير دفاعه يسرائيل كاتس، أنهما أصدرا تعليمات للجيش الإسرائيلي، بضرب قوات الحكومة والأسلحة التي أدخلت إلى السويداء .
وأكد نتانياهو وكاتس في بيان لهما أن “جيش الدفاع الإسرائيلي لن يسمح بوجود تهديد عسكري في جنوب سوريا وسيواصل مراقبة التطورات”. وأضافا أن إسرائيل “تلتزم بمنع الإضرار بالدروز في سوريا”، مشيرين إلى “رابطة الأخوّة العميقة التي تربط بين مواطني إسرائيل الدروز وأبناء طائفتهم في سوريا، سواء من خلال علاقات تاريخية أو عائلية”.
وكانت إسرائيل قد كررت مرارا، أنها ملتزمة بالدفاع عن الطائفة الدرزية في سوريا، منذ تولي النظام الجديد سدة الحكم في دمشق، في وقت يعتبر فيه محللون، أن دخول إسرائيل بقوة على خط السويداء، ربما يهدف إلى كسب موقع متقدم، في أي مفاوضات مستقبلية، مع النظام الجديد في سوريا، في ظل ما تروج له الولايات المتحدة، من احتمالات للتطبيع بين دمشق وإسرائيل.
تركيا
على الجانب الآخر تبدو تركيا، مهتمة بالاستقرار في سوريا، ومنع إسرائيل من التدخل فيها، خاصة في تلك المرحلة الانتقالية المليئة بالتحديات، وترى أن الاستقرار في سوريا يمثل عنصرا مهما لأمنها القومي.
وكانت تركيا قد طالبت الاثنين 14 تموز/يوليو، الحكومة السورية بالتحرك العاجل، لحسم التوترات الأمنية المتصاعدة في السويداء ، داعية إلى اعتماد الحوار المحلي، سبيلاً لاستعادة الأمن والاستقرار.
وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية التركية، أونجو كيتشيلي، في بيان مقتضب عبر منصة (إكس): ” في ظل أعمال العنف المتزايدة في جنوب سوريا، نأمل أن تعمل الحكومة السورية على إنهاء هذا العنف بأسرع ما يمكن من خلال الحوار المحلي، لضمان استعادة الأمن والاستقرار”.
وأكد كيتشيلي على تمسك أنقرة بوحدة وسلامة الأراضي السورية، قائلاً إن “سيادة سوريا ووحدتها يجب أن تكونا الأولوية في هذه العملية”، مضيفاً أن تركيا ستواصل التعاون مع الشركاء الدوليين لدعم جهود تحقيق الاستقرار والمصالحة في البلاد.
———————————-
لماذا تهتم إسرائيل بالأقليات والإثنيات؟/ بلال التليدي
في زيارتي للولايات المتحدة ضمن فعاليات الزائر الدولي سنة 2010، لفت انتباهي الاهتمام الأمريكي الكثيف بالأقليات والإثنيات، والعدد الهائل من المكاتب التمثيلية لمختلف الطيف الإثني والديني في العاصمة واشنطن، وسمعت طيلة الزيارة التي خصصت للحوار بين الأديان والتعرف على التعددية الدينية في الولايات المتحدة الأمريكية، أسطوانة متكررة تحاول تفسير هذه الظاهرة في علاقة بالنموذج الديمقراطي الأمريكي، وأنه يقوم على احترام حقوق الأقليات وضمان الحريات الدينية، وأنه لهذا الغرض، تتابع الخارجية الأمريكية وضع الحريات الدينية ووضع الأقليات في العالم، وتصدر تقريرين سنويين خاصين بكل دولة على حدة، الأول يتابع وضعية حقوق الإنسان بشكل عام، والثاني، يتابع وضعية الحرية الدينية بشكل خاص.
ولدى استقرائي لأكثر من عشرين تقريرا للخارجية الأمريكية حول وضعية الحريات الدينية بالمغرب صدرت بشكل متتال منذ أن أصدر الكونغرس الأمريكي سنة 1998 قانونا يلزم الخارجية الأمريكية بأن تحيل عليه تقريرا سنويا حول الحريات الدينية الدولية، تأكد لدي بأن الأجندة التي تحكم الولايات المتحدة الأمريكية في تعاطيها مع قضية الحريات الدينية هو خلق أقلية مسيحية إنجيلية بالمغرب تتمتع بنفس الوضع القانوني الذي للطائفة اليهودية، ومن ثمة، ممارسة قدر كبير من الضغط لتغيير النظام الدستوري المغربي، وبشكل خاص موقع الإسلام في البناء الدستوري والتشريعي، بما يعني ذلك إنهاء الشرعية الدينية للدولة (إسلامية الدولة) والقطع مع نظام إمارة المؤمنين، لصالح دولة علمانية، حيادية.
المفارقة، أن هذه الاستراتيجية الأمريكية التي تستعمل ورقتي الحرية الدينية والأقليات الدينية والإثنية كمدخل للضغط على الدول والتدخل في قرارها السيادي، وربما الاشتغال على أجندة التقسيم، تتبنى السياسة الإسرائيلية نفس مفرداتها، فنجد باحثا معروفا في مركز موشيه دايان هو بريس مادي وايزمان، نذر نفسه منذ أكثر من ثلاثين عاما لدراسة الشأن المغاربي، وبشكل خاص المسألة الأمازيغية، يكتب كتابا بعنوان: «الهوية البربرية»، فضلا عن عشرات من المقالات والأوراق البحثية حول الهوية الإثنية للمغرب، والتوترات الإثنية والسياسية في المنطقة المغاربية، ويبلور بشكل جد مبكر، أطروحة إثنية، تعتبر أن المغرب لما كانت هويته أمازيغية، لم يكن له أي مشكل مع إسرائيل، وأن المشكلة بدأت حين بدأ المغرب يبتعد عن هذه الهوية، ويقترب من الهوية العربية الإسلامية، وأن مدخل إصلاح العلاقة بين المغرب وإسرائيل (التطبيع) يمر ضرورة عبر إحياء الهوية الأمازيغية، وأن أكبر عائق يمنع ذلك هو الحركات الإسلامية والقومية، لأنها في اعتقاده تمارس ضغطا على السلطة وتمنعها من التقدم إلى التطبيع.
ملخص أطروحة هذا الباحث الإسرائيلي، هو العمل على إيجاد حليف داخلي يقوم بدور إزالة العائق النفسي والفكري أمام التطبيع الإسرائيلي المغربي، وأن المرشح للقيام بهذا الدور هو الفاعل الأمازيغي على أساس أن يضطلع ببث خطاب منافس ومقاوم لخطاب الحركة الإسلامية والحركات القومية، ويقنع الجمهور بأن قضية الصراع العربي الإسرائيلي هي شأن لا يعني المغرب الأصيل (ذي الهوية الأمازيغية).
يقدم هذا الباحث في دراسته «إسرائيل والعلاقات مع الدول المغاربية حقائق إمكانات» (2009) عدة دواع للرهان الإسرائيلي على الحركة الأمازيغية، منها كونها ليست معنية بالدفاع عن الرصيد الحضاري العربي الإسلامي ولا ملتزمة باستحقاقاته، وأنها تستلهم خطابها من النموذج الغربي الكوني، وتتبنى فكرة سمو المواثيق الدولية على التشريعات الوطنية، ولأنها تعني بمشاكل الوطن الحقيقية وليس قضية الصراع العربي الإسرائيلي، ولأنها لا تتبنى خطابا معاديا لإسرائيل.
هناك من سيدفع بحجة أن الأمازيغ يشكلون الأكثرية لا الأقلية بالمغرب، لكن، هذا بالتقدير الإثني وربما الديمغرافي والتاريخي، لكن في واقع الأمر، هناك اندماج بين مكونات الطيف الإثني بالمغرب، سواء على مستوى الموقف الوطني أو على مستوى الموقف من القضية الفلسطينية، وهدف تل أبيب هو استعمال الهوية الإثنية لضرب هذا الاندماج الوطني ومحاولة إحداث فرز على مستوى الموقفين معا، حتى يتأسس القول بحيادية المغرب عن قضية الصراع العربي الإسرائيلي، ويكون له مستند من الهوية التاريخية، وينشأ تبعا لذلك انقسام مجتمعي يكون الموقف من إسرائيل حافزه ومغذيه، ولعل رفع شعار «تازة قبل غزة» في أوساط بعض النخب، يبرز إلى حد كبير النجاح النسبي لهذه السياسة الإسرائيلية، فتشكل ذلك هذه النخب الأقلية المدعومة التي يراهن على تاريخية الهوية الأمازيغية المغربية لجعلها بعد ذلك الأغلبية الحاسمة.
نورد هذه الخلفية الإثنية لنفهم بشكل أكثر تفصيلا رهانات تل أبيب على الدروز في سوريا ودفعها بذريعة حماية الأقليات لابتزاز النظام السوري وإرغامه على توقيع اتفاق أمني مع إسرائيل، يؤمن لها بقاء منطقة السويداء بعيدة عن سلطة الجيش وقوات الأمن السورية، وكيف تمسك تل أبيب بهذه الورقة لتحقيق أكثر من رهان استراتيجي.
من الواضح، أن الأفق الاستراتيجي البعيد لتل أبيب هو تقسيم سوريا إلى كنتونات إثنية، وخلق دويلات إثنية كردية ودرزية وعلوية، وأن مطلبها الآني، هو خلق حزام أمني متوغل أكثر في الأراضي السورية على تخوم الجولان المحتل، وتشكيل حليف قوي داخل هذه المنطقة، يعتمد أساسا على الأقلية الدرزية. ولذلك، كلما اقتربت الدولة السورية من تحقيق هدف بسط يد الدولة على كل الأراضي السورية، واندماج كل الأقليات في الدولة الوطنية، تحركت تل أبيب بكل قوة، لأن نقيض استراتيجيتها في سوريا هو أن تتأسس الدولة الوطنية في سوريا وتؤمن وحدة ترابها، وأن يمتد نفوذها لكل الأراضي السورية، وأن تندمج الأقليات ضمن نسيجها الوطني.
تقوم الاستراتيجية الأمريكية والإسرائيلية على خلق التنافر بين مكونات الوطن، والعمل على جعل الاندماج الوطني أمرا مستحيلا، والاقتراب من الأقليات والإثنيات، ومحاولة تشجيعها على الانفصال أو على الأقل الخروج عن النسيج الوطني.
في المثال العراقي، انتقد الكثيرون سياسة واشنطن وكيف اتجهت بحمق نحو تقويض بنية الدولة (الجيش، الأمن، الإدارة عبر استهداف كوادر حزب البعث أو المقربين منه) لكنهم لم يفهموا في الجوهر العمق الاستراتيجي الأمريكي، فواشنطن كانت تدرك أنه ليس بعد سقوط الدولة سوى انتعاش الطائفية والإثنيات، ورهن مصير أمة بصراعات وميليشيات لا تنتهي، والحكم على حلم بناء الدولة والأمة الموحدة بالإعدام.
في الواقع، تتكيف الاستراتيجية الأمريكية والإسرائيلية في الرهان على قضية الأقليات، فليس القصد دائما أو ابتداء هو تقويض الدولة، وخلق حالة فوضى إثنية وطائفية، فهذه الحالة يتم اللجوء إليها حين تكون شروطها ناضجة كما في المثال العراقي، لكن في المثال السوري، تتجه الاستراتيجية الإسرائيلية إلى منع اكتمال عقد الدولة، أي عرقلة سعيها نحو توحيد مواطنيها وإدماج أقلياتها، وفي المنطقة المغاربية، أقصى ما كانت ترجوه الاستراتيجية الإسرائيلية هو خلق حليف لها (الحركة الأمازيغية) يعينها على إيجاد مدخل للتطبيع، لكن هذا التكيف والاستيعاب لخصوصيات المناطق العربية الإسلامية، لا يعني الجمود على هدف واحد، فكلما تحقق الهدف القريب، تم المرور لما هو أبعد منه، حتى يصير الهدف المركزي أي تقويض الدولة، أو خلق الفوضى، أو التقسيم واجب الوقت بالنسبة للسياسة الإسرائيلية.
في السويداء، فشلت تل أبيب في تحقيق رهاناتها، رغم الضربات العسكرية التي استهدفت الرموز السيادية للدولة السورية، لكنها أبدا، ستستمر في اللعب بورقة الدروز حتى تحقق هدفها القريب، أي جعل المنطقة منزوعة السلاح، وإبعاد الجيش وقوات الأمن التابعة للنظام السوري عنها، وفرض واقع منطقة أمنية تراقبها إسرائيل يوميا، وتمنح نفسها حرية الحركة كلما قدرت أن تهديدا ما يقترب منها.
وفي المغرب لن يتوقف مخطط تقسيم المغرب على أساس إثني، ولا يخبو جزء من هذا الرهان إلا لأن الأهداف القريبة لم يكتمل تحقيقها، وحالما تصير واقعا يقترب هدف التقسيم أكثر.
ما ينبغي أن يستوعبه صناع القرار السياسي العربي، أن ورقة الأقليات والإثنيات ستكون مكلفة إن لم يتم تأطيرها دستوريا وتشريعيا، بما يلزم من القواعد التي تقوي الاندماج الوطني في الدولة، وحقوقيا وثقافيا، بما يحصنها من الاقتراب من العدو الخارجي.
كاتب وباحث مغربي
——————————
صحف عالمية: خطوط إسرائيل الحمراء في سوريا تغرقها أكثر في الصراع
18/7/2025
هيمنت التطورات الميدانية المتلاحقة في سوريا وقطاع غزة على اهتمام كبرى الصحف الإسرائيلية والعالمية، ومحاولة إسرائيل فرض نفسها سيدة للشرق الأوسط الجديد.
وذكرت صحيفة وول ستريت جورنال أن خطوط إسرائيل الحمراء في سوريا تُغرقها أكثر في الصراع، مضيفة أن إسرائيل استغلت فرصة انهيار نظام بشار الأسد لتدمر القدرات العسكرية السورية.
ووفق الصحيفة الأميركية، فقد زادت إسرائيل -منذ ذلك الحين- مطالبها الملحّة على سوريا، ومنها منطقة منزوعة السلاح جنوب دمشق، ووعدت بالتدخل عسكريا إذا لزم الأمر.
ولفتت الصحيفة إلى أن هذه المقاربة تضع إسرائيل في صراع متصاعد مع دمشق، وفي مواجهة مباشرة مع تركيا.
وتساءل تحليل في صحيفة ليبراسيون الفرنسية عمَّن سيوقف إسرائيل التي أصبحت الفاعل الرئيسي في زعزعة استقرار الشرق الأوسط.
كما تساءلت: كيف يمكن منع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو -المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية– من تدمير ما تبقى من مصداقية القانون الدولي، بدعم أميركي وسلبية أوروبية؟
وخلص التحليل إلى أن قصف دمشق يكشف عن رغبة قادة إسرائيل في أن يصبحوا سادة الشرق الأوسط الوحيدين وسط الفوضى التي شاركوا في هندستها.
بدوره، قال موقع ستراتفور الأميركي إن واشنطن تصارع لإيجاد إستراتيجية فاعلة في سوريا بعد سقوط نظام الأسد.
ورأى الموقع أن الإستراتيجية الأميركية تتأرجح حاليا بين التفاعل المحدود مع سوريا والابتعاد عنها، مضيفا أن هذه الإستراتيجية قد تُسفر عن نتائج غير مرغوب فيها إذا لم تبقَ واشنطن منخرطة في الشأن السوري بشكل استباقي.
تطورات غزة
وسلطت مجلة إيكونوميست البريطانية الضوء على حجم معاناة الفلسطينيين الساعين للحصول على الإعانات، وطرق تعامل جيش الاحتلال الإسرائيلي والمرتزقة المكلفين بأمن المكان، وأهمها استسهال إطلاق النار وغلق أبواب المركز كلما قدّروا بأن ذلك ضروري.
ووفق تقرير المجلة، فإن الفلسطينيين يواصلون الموت من أجل الغذاء، ورغم ذلك تواصل إسرائيل الزعم بأن تلك المراكز تعمل بنجاح.
وفي الشأن الإنساني أيضا، نشرت صحيفة غارديان البريطانية مقالا للطبيب الأسترالي تينمنه دينه عن الوضع الإنساني والطبي في غزة اعتبر فيه أن الذين يصفون المتطوعين الغربيين في غزة بالأبطال مخطئون.
وشدد الطبيب على أن عمله متبرعا في غزة وتعامله مع الناس جعله يقتنع بأن البطولة والشهامة يجسدهما أهالي القطاع، وبينهم الأطفال، ومنتسبو القطاع الطبي الذين تمسكوا بالحضور إلى مواقع عملهم كل يوم طوال أكثر من 650 يوما هي عمر الحرب.
من جهته، ذكر مقال في صحيفة هآرتس أن الجيش الإسرائيلي يقود حملات تطهير عرقي في الضفة الغربية المحتلة وحرب إبادة غير مسبوقة ولم يُبقِ منها حجرا على حجر.
وحسب المقال، فإن إسرائيل تعمل في آنٍ واحد على مسارين: إبادة جماعية في غزة وتطهير عرقي في الضفة الغربية، داعيا إلى الاهتمام بممارسات إسرائيل بحق سكان الضفة.
المصدر: الصحافة الأميركية + الصحافة الإسرائيلية + الصحافة البريطانية + الصحافة الفرنسية
—————————–
باحثان: موقف الشرع من إسرائيل رسالة بفقدان الثقة وعدم جدوى الضغط العسكري
اعتبر صحفيان سوريان أن موقف الرئيس أحمد الشرع، الجديد حمل رسالة حادة لإسرائيل تفيد بفقدان ثقة دمشق بها، وعدم جدوى الضغط العسكري في وقت يُجري فيه الطرفان مفاوضات غير مباشرة للتوصل إلى تفاهمات.
وتعقيبا على خطاب متلفز للشرع، قال الصحفيان السوريان قتيبة ياسين، وعلي عيد، إن “الكيان الإسرائيلي يسعى لاستهداف استقرار سوريا، وزرع الفتن بين أبنائها، ولا يزال الشعب السوري على أهبة الاستعداد للقتال من أجل كرامته في حال مسّها أي تهديد”.
وأضاف الشرع، أن “الكيان الإسرائيلي يسعى إلى تحويل أرضنا إلى ساحة فوضى غير منتهية، يسعى من خلالها إلى تفكيك وحدة شعبنا، وإضعاف قدراتنا على المضي قدمًا في مسيرة إعادة البناء”.
خطاب الشرع، جاء بعد أن شنّ الجيش الإسرائيلي عدوانا كبيرا على سوريا الأربعاء، شمل غارات جوية على أكثر من 160 هدفا في 4 محافظات هي السويداء ودرعا المتجاورتين، وريف دمشق ودمشق، التي قصف فيها مقر هيئة الأركان ومحيط القصر الرئاسي.
وأعلنت وزارة الصحة السورية مقتل 3 أشخاص وإصابة 34 جراء الغارات على وسط العاصمة دمشق.
دلالات كثيرة
ويرى ياسين، أن “الخطاب حمل نبرة عالية ضد إسرائيل، ولأول مرة يصف الشرع الاحتلال بأنه كيان، بعد خداع تل أبيب للحكومة السورية، حيث تجري مفاوضات غير مباشرة بين الطرفين من أجل تفاهمات، بينما عمدت إسرائيل إلى نصب فخ حاولت فيه جر سوريا لمربع الحرب”.
وأكد أن “نتنياهو بعدوانه على سوريا قلب الطاولة على دمشق، وعلى الولايات المتحدة الضامن في المفاوضات غير المباشرة، كما يريد افتعال مشاكل إضافية للهروب من واقعه الداخلي الهش”.
وسبق أن قال الشرع، في اجتماع مع وجهاء محافظة القنيطرة (جنوب) في يونيو/ حزيران الماضي، إن دمشق تجري مفاوضات مع تل أبيب عبر وسطاء لوقف انتهاكاتها، بينما نفت الحكومة السورية مزاعم وسائل إعلام عبرية بعقد لقاءات مباشرة بين مسؤولين سوريين وإسرائيليين.
وبشأن فحوى الخطاب، قال ياسين: “كان واضحا، ويحمل دلالات كثيرة، لا سيما أن الشرع تحدث عن فرضية الحرب في أكثر من موضع، وهنا أشير إلى نقطة مهمة، وهي أن الرئيس السوري لديه خبرة قتال 20 عاما، وهو متمرس”.
ولفت إلى أن “الشرع، أراد إيصال رسالة لإسرائيل بأن الحرب لو وقعت، فستدخل المنطقة كلها في أتون صراع خطير جدا”.
كما اعتبر أن “الشرع يريد أن يقول لإسرائيل: لم أعد أثق بكم ولا بكلامكم ولا حتى بالضمانات الأمريكية”.
وبشأن الموقف الإسرائيلي المحتمل من خطاب الشرع، قال ياسين، إن تل أبيب “سوف تستثمر كثيرا في السويداء بعد الخطاب، لا سيما أن جلّ المقاتلين الذين يقاتلون مع حكمت الهجري (أحد الزعماء الروحيين للدروز) هم من فلول النظام البائد، إذ لا تزال صور بشار الأسد معلقة في بيوت بعضهم”، وفق قوله.
وعن التطورات في السويداء، ذكر الصحافي السوري أن “خطاب الشرع، يحمل رسالة تفيد بوجود أصوات وطنية كثيرة في السويداء، إلا أن الهجري، يحاول خطف القرار ويضع الأهالي في صدام مع السوريين، لكنه لن ينجح”.
وخصّ الشرع، في كلمته، المواطنين الدروز، بالقول: “هم جزء أصيل من نسيج هذا الوطن، وسوريا لن تكون أبدًا مكانًا للتقسيم أو التفتيت أو زرع الفتن بين أبنائها”.
وأضاف: نؤكد لكم أن حماية حقوقكم وحريتكم هي من أولوياتنا، وأننا نرفض أي مسعىً يهدف لجرّكم إلى طرف خارجي، أو لإحداث انقسام داخل صفوفنا”.
خطاب متزن
ووصف ياسين الخطاب بأنه “متزن ولا يوجد فيه استجداء، حيث سمّى الأمور بمسمياتها حين خاطب الدروز بصيغة وطنية لأنهم جزء من أبناء الوطن”.
وفي معرض وصفه للغة الجسد في خطاب الشرع، قال إن الرئيس السوري “لم يكن يقرأ من ورقة كالخطابات السابقة، بل كان كلامه واضحا حينما أعرب عن عدم خشيته الحرب، وبأن السوريين قضوا سنوات طويلة في حربهم مع نظام الأسد”.
ولفت إلى أن إدارة الحكومة السورية للسلام جيدة، ولكن إدارة الحرب أهم من ذلك بكثير.
وفي هذا السياق، أشار ياسين، إلى “جملة مهمة في خطاب الشرع حينما خاطب الإسرائيليين بشكل مباشر قائلا: امتلاككم القوة لا يعني امتلاككم النصر، وكأن الشرع يريد أن يقول للاحتلال إن السوريين ظلوا صامدين 14 عاما رغم براميل الأسد، وبإمكانهم مواصلة القتال، لكنهم يتطلعون للسلام والتنمية”.
وختم ياسين، تصريحاته بالقول: “بعد الخطاب، هناك التفاف شعبي كبير حول الشرع، والسوريون يخوضون اليوم معركة وجود”.
بدوره، قال عيد، إن الخطاب يظهر عدة جوانب، أبرزها أن سوريا وإسرائيل ليستا على نفس الصفحة بما يخص محادثات السلام غير المباشرة، إذ تسعى تل أبيب لمفاوضة الرئيس السوري تحت الضغط.
وأشار إلى أن إسرائيل هي من افتعلت كل الأحداث في الجنوب، وبالتالي ردّ الشرع بأن أدوات التفاوض تحت الضغط غير مقبولة حتى لو اضطرت دمشق لسحب قواتها من السويداء حقنا للدماء.
دعم السعودية وتركيا لسوريا
أما الجانب الثاني في خطاب الشرع، فهو إشارته إلى “حرص السعودية وتركيا على دعم سوريا، فضلا عن دور كبير لأنقرة في هذا الصدد، وهو ما يزعج إسرائيل من شكل العلاقة بين البلدين الجارين”، وفق عيد.
ولفت الصحافي السوري إلى أن “الجانب الثالث متعلق بالوضع الداخلي في سوريا، فهناك محاولة لمنع قيام الدولة وصولا إلى التقسيم، وهذا ما ورد في الخطاب من خلال تأكيد الشرع بقوله: لا تقسيم في سوريا”.
وتنفذ إسرائيل منذ أشهر عدوانا عسكريا متكررا على سوريا، رغبة في جعل جنوب البلد العربي “منزوع السلاح”، مع زعم بـ”حماية الدروز” هناك.
ودخلت قوات من الجيش السوري الإثنين السويداء، بعد أن اندلعت مواجهات بأسلحة متوسطة وثقيلة بين مجموعات مسلحة درزية وأخرى بدوية في السويداء، جراء قيام الطرفين بمصادرة مركبات بشكل متبادل.
وأكدت مصادر أن معظم الضحايا من عناصر المجموعات المسلحة، بينما تضرر بعض المدنيين جراء الاشتباكات التي أسفرت عن أكثر من 30 قتيلا و100 جريح، وفق أحدث إحصائية نقلتها وكالة الأنباء السورية الرسمية “سانا”، مساء الإثنين.
وبعد سقوط نظام بشار الأسد أواخر عام 2024، بدأت قوات الأمن العام التابعة للحكومة الجديدة دخول محافظات البلاد، لكن رتلا تابعا لها آثر عدم دخول السويداء آنذاك وعاد إلى دمشق حقنا للدماء، بسبب رفض حكمت الهجري، أحد الزعماء الدينيين للدروز بسوريا.
وفي ظل ذلك، تولت عناصر من أبناء المحافظة مهمة تأمينها، لكنها لم تتمكن من ذلك ما دفع قوات الجيش ووزارة الداخلية إلى التدخل لإنهاء الانفلات.
(الأناضول)
——————————————–
الشبكة السورية: مقتل 321 شخصا وإصابة المئات في محافظة السويداء منذ 13 تموز
2025.07.18
وثقت الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان في تقرير لها، مقتل ما لا يقل عن 321 سورياً، بينهم 6 أطفال و9 سيدات (إحداهن توفيت إثر أزمة قلبية بعد تلقيها نبأ وفاة حفيدها)، وإصابة ما يزيد عن 436 آخرين بجروح متفاوتة الخطورة في محافظة السويداء، وذلك خلال الفترة الممتدة من 13 تموز 2025 وحتى تاريخ نشر هذا التقرير، وذلك استناداً إلى المعلومات الأولية المتوفرة والتي تمكنت الشَّبكة من التحقق منها.
ويأتي هذا التصعيد في سياق اشتباكات عنيفة وأعمال عنف متصاعدة، شملت عمليات قتل خارج إطار القانون، وقصفاً متبادلاً، إلى جانب هجمات جوية نفذتها قوات الاحتلال الإسرائيلي.
وتشمل الحصيلة الأولية ضحايا من المدنيين، بمن فيهم أطفال وسيدات وأفراد من الطواقم الطبية، إضافة إلى مقاتلين من مجموعات عشائرية مسلحة من البدو، وأخرى محلية خارجة عن سيطرة الدولة من أبناء المحافظة، إلى جانب عناصر من قوى الأمن الداخلي ووزارة الدفاع التابعة للحكومة السورية.
وأكدت الشَّبكة أنَّ هذه الحصيلة تخضع لعمليات تحديث مستمرة وهي أولية، وتعكس ما تم التحقق منه حتى لحظة إصدار التقرير، على أن يجري تحديثها تباعاً مع ورود المزيد من المعلومات. ولا تزال الجهود جارية لتصنيف الضحايا بحسب الجهة المسؤولة عن الانتهاكات، وتمييز صفتهم بين مدنيين ومقاتلين.
وأشارت الشبكة السورية إلى أنه انطلاقاً من “منهجيتها المعتمدة في توثيق الضحايا، والمبنية على قواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان، لا تقوم الشَّبكة بتوثيق حالات مقتل المسلحين المنتمين إلى مجموعات خارجة عن سيطرة الدولة في حال قضوا خلال الاشتباكات، باعتبار ذلك لا يشكل انتهاكاً لحقوق الإنسان”. في المقابل، تُوثّق الشَّبكة مقتل أي شخص بعد إلقاء القبض عليه باعتباره جريمة قتل خارج نطاق القانون.
وتؤكد الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان أنَّها تتابع التطورات الميدانية في محافظة السويداء، وتواصل العمل على التحقق من تفاصيل الحوادث والانتهاكات المرتكبة، وتوثيقها استناداً إلى إفادات مباشرة وأدلة متاحة، وذلك في إطار سعيها الدائم لتحديد صفة الضحايا وتوثيق المسؤوليات القانونية المترتبة على مختلف الجهات المشاركة في تطورات الأحداث الجارية.
توصيات حقوقية إلى الحكومة السورية
وجهت الشبكة السورية لحقوق الإنسان مجموعة من التوصيات للحكومة السورية، وسط تصاعد أعمال العنف والقتال في محافظة السويداء ودعت الشبكة إلى:
ضبط استخدام القوة بما يتوافق مع المعايير القانونية الدولية، والامتناع عن أي استخدام مفرط أو عشوائي للأسلحة في المناطق المأهولة، لما لذلك من تهديد مباشر لحياة المدنيين وتقويض للاستقرار المجتمعي.
ضمان وصول المساعدات الإنسانية بشكل عاجل وفوري إلى المناطق المتضررة، وتأمين ممرات آمنة لوصول فرق الإغاثة، وتقديم الدعم الطبي والنفسي للمصابين، ولا سيما الأطفال والنساء.
فتح تحقيقات مستقلة وشفافة في جميع الانتهاكات المبلّغ عنها، بما في ذلك القتل خارج نطاق القانون، والاختطاف، والاحتجاز التعسفي، والمعاملة المهينة، تمهيداً لمساءلة المتورطين، وتعزيز ثقة المجتمع بمؤسسات العدالة.
حماية المراكز المدنية الحيوية، مثل المدارس والمستشفيات ودور العبادة، ومنع استخدامها لأغراض عسكرية أو تعرّضها لأي اعتداء، والعمل على تحييدها بشكل كامل عن دائرة النزاع.
احترام مبادئ القانون الدولي لحقوق الإنسان من قبل جميع الأطراف، وتأكيد التزامات الدولة في هذا الإطار.
دعم دور المؤسسات المحلية والمجتمعية في تسوية النزاعات، عبر تعزيز مبادرات الحوار الأهلي والوساطات المدنية، وإشراك الوجهاء والقيادات المجتمعية والدينية في جهود التهدئة ومنع التصعيد.
الحد من الخطاب التحريضي والطائفي على وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، والترويج لخطاب الوحدة الوطنية والسلم الأهلي، عبر إجراءات رقابية ومبادرات توعية مجتمعية فعالة.
ضمان الشفافية والمساءلة في العمليات الأمنية التي تنفّذها الجهات الرسمية، مع ضرورة إبلاغ السكان مسبقاً بأي إجراءات قد تمس حياتهم اليومية، كفرض حظر التجوال أو تنفيذ الحملات الأمنية، وتوفير آليات تظلّم فعالة.
تشجيع الإعلام المحلي والوطني على أداء دور مسؤول ومتوازن يرتكز على توثيق الوقائع دون إثارة النزاع، والمساهمة في تعزيز ثقافة حقوق الإنسان والسلم الأهلي.
تقديم الدعم الشامل للضحايا وذويهم، بما يشمل الرعاية النفسية والاجتماعية، والتعويض العادل، والاعتراف بمعاناتهم، ودمجهم في مسارات العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية.
تفعيل برامج التوعية والتثقيف في مجالات حقوق الإنسان، وقيم التسامح والتعددية والمواطنة، خصوصاً في المناطق المتضررة من النزاع، بالتعاون مع منظمات المجتمع المدني والمبادرات المحلية.
الاستفادة من الخبرات الوطنية والدولية في مجال إدارة الأزمات، وتطوير آليات استجابة سريعة للنزاعات المحلية تقوم على الوقاية والوساطة والمشاركة المجتمعية، بعيداً عن الحلول العسكرية وحدها.
مراجعة مسار الانتقال السياسي الذي جرى بشكل مركزي، والعمل على توسيع قاعدة المشاركة المجتمعية والتعددية في مختلف مؤسسات الدولة.
—————-
==================



