إشتباكات السويداء والتدخل الاسرائيلي السافر تحديث 19 تموز 2025

عن التدخل الاسرائيلي السافر في سورية الجديدة، ملف تناول “شهية إسرائيلية لتفتيت سوريا” – تحديث 15 تموز 2025
لمتابعة مكونات الملف اتبع الرابط التالي
التدخل الاسرائيلي السافر في سورية الجديدة
لمتابعة تفاصيل هذا الملف اتبع الرابط التالي
لمتابعة تفاصيل هذا الملف اتبع الرابط التالي
————————–
أحداث السويداء والمسألة الطائفية في سورية
19 يوليو 2025
المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات
شهدت محافظة السويداء، التي تبعد نحو 100 كيلومتر عن دمشق، جنوب سوريا، وتقطنها غالبية من المواطنين السوريين الدروز، أحداث عنف طائفي دامية خلال الفترة 13-17 تموز/ يوليو 2025، ذهب ضحيتها العشرات من أبناء المحافظة من المدنيين، وقوات الأمن السورية، وأبناء العشائر من البدو، وعناصر فصائل وميليشيات محلية. استغلت إسرائيل الأزمة التي اندلعت على خلفية حادث اعتداء على طريق دمشق – السويداء، وقدمت نفسها باعتبارها حامية للمواطنين السوريين الدروز في السويداء الذين تعرضوا لانتهاكات وجرائم قتل وثّقها رجال الأمن، وشنت غارات جوية ضد قوات الحكومة السورية التي حاولت استعادة السيطرة على المدينة وأجبرتها على الانسحاب، بموجب اتفاق مع بعض الوجهاء والأعيان، كما قصفت مؤسسات سيادية للدولة في دمشق.
وعلى إثر انسحاب القوات الحكومية، تعرض المدنيون البدو لمجازر انتقامية وعمليات تهجير، ارتكبتها ميليشيات محلية درزية؛ ما فتح الباب واسعًا أمام احتمال اندلاع صراع أهلي كبير. وتُعدّ هذه الأزمة آخر حلقة في سلسلة من المواجهات الطائفية المتنقلة التي بدأت في الساحل السوري في آذار/ مارس 2025، وانتقلت إلى مناطق تقطنها تجمعات درزية كبيرة في محيط دمشق (جرمانا، وأشرفية صحنايا) أواخر نيسان/ أبريل، وبات تكرراها يهدد، مع تعاظم التدخل الإسرائيلي، وحدة البلاد واستقرارها السياسي والاجتماعي.
أولًا: جذور الأزمة
شهدت السويداء التي حاولت أن تتجنب تداعيات الصراع، خلال سنوات الثورة السورية الأولى، مظاهرات واسعة ومستمرة ضد نظام بشار الأسد منذ مطلع عام 2023، وظلت خارج سيطرته حتى سقوطه في كانون الأول/ ديسمبر 2024. حاولت قوات الحكومة السورية الجديدة، بقيادة هيئة تحرير الشام، الدخول إلى السويداء لاستعادة السيطرة عليها باسم الدولة، لكن بعض الزعامات الروحية في المدينة، وعلى رأسها الشيخ حكمت الهجري، والفصائل المسلحة التي تدعمه، وأهمها المجلس العسكري في السويداء – وهو ميليشيا محلية تشكلت بعد سقوط الأسد، ويُعتقد أن لها ارتباطات بإسرائيل – رفضت السماح لها بدخول المحافظة.
وفي وقت لاحق أعلن الهجري أنه يرفض الاعتراف بالحكومة الجديدة، والتعامل معها، ووصفها بأنها مجموعة من التنظيمات الإرهابية المتطرفة. وعلى الرغم من الاتفاق على إعادة تفعيل مؤسسات الدولة ودخول محافظ جديد عيّنته دمشق، فإن التوتر ظل سيد الموقف. وتفاقم الوضع على نحو خاص، بعد صدامات ذات طابع طائفي وقعت، في نيسان/ أبريل 2025، في جرمانا وأشرفية صحنايا في ريف دمشق، حيث تقطن غالبية من المواطنين الدروز، وامتدت إلى أطراف محافظة السويداء، بعد انتشار تسجيل صوتي مزوّر منسوب إلى رجل الدين من الطائفة الدرزية، تضمّن عبارات مسيئة للنبي محمد؛ ما أثار موجة غضب واسعة، رافقتها موجة من التحريض والتعبئة الطائفية ونشر الشائعات على منصات وسائط التواصل الاجتماعي.
وبلغ التوتر ذروته في 21 أيار/ مايو، حينما اقتحمت مجموعات مسلحة درزية قصر المحافظ واحتجزته، مطالبة بإطلاق سراح أحد الموقوفين بتهم جنائية؛ ما حدا بالمحافظ إلى تقديم استقالته احتجاجًا. لكنه لم يلبث أن عاد إلى عمله، بعد التوصل إلى اتفاق مع أعيان السويداء ووجهائها وبعض فصائلها السياسية والعسكرية، تضمّن أيضًا الموافقة على انضمام نحو ألفَي عنصر من أبناء المحافظة إلى قوات الشرطة والأمن العام، والاستعانة بهم لفرض الأمن في المحافظة.
في 11 تموز/ يوليو، هاجم مسلحون بدو شاحنة خضار على طريق دمشق – السويداء، فاعتدوا على السائق وسرقوا الشاحنة. أدت هذه الحادثة إلى إطلاق سلسلة من العمليات الثأرية بين البدو والدروز، أيقظت خصومات تاريخية قديمة بين الطرفين، بدأت بعمليات خطف متبادلة لم تلبث أن تطورت إلى اشتباكات مسلحة أسفرت عن سقوط عشرات القتلى والجرحى من الطرفين.
في هذا السياق، قررت الحكومة التدخل لوقف القتال، محاولةً فرض سلطتها على المحافظة بعد تلقيها دعوة من أطراف محلية لإنهاء فوضى السلاح. لكن القوات الحكومية وقعت في كمين نصبته لها الميليشيات المعارضة لدخولها المدينة؛ ما أدى إلى مقتل عدد من العناصر وأسر آخرين. وقد أدت معارضة الهجري والقوى العسكرية التي تدعمه، والتي بدا واضحًا أنها تستند أيضًا إلى دعم إسرائيلي، إلى فشل عدة محاولات لوقف إطلاق النار، قبل انسحاب القوات الحكومية من المدينة، خاصة بعد ورود تقارير عن إعدامات ميدانية وانتهاكات ارتكبتها هذه القوات التي تمكنت من السيطرة على مركز مدينة السويداء.
ثانيًا: العامل الإسرائيلي
تحاول إسرائيل، منذ سقوط نظام الأسد، فرض وقائع جديدة في جنوب سوريا، حددها رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو في أمرين أساسيين: يتمثل الأول في تحويل منطقة جنوب سوريا الممتدة من الجولان إلى السويداء مرورًا بدرعا وريف دمشق إلى منطقة منزوعة السلاح، يحظر دخولها على قوات الحكومة السورية؛ أما الثاني فهو حماية الدروز، وهو الأمر الذي بات يشكّل، نتيجة وجود امتدادات عائلية ومذهبية درزية بين جنوب سوريا وشمال فلسطين، إحدى الأدوات التي يستثمرها نتنياهو للحصول على مكتسبات سياسية داخلية.
وكان المئات من دروز فلسطين عبروا الحدود مع سوريا، في محاولة للوصول إلى السويداء، في الوقت الذي تصاعدت فيه ضغوط القيادات الدينية الدرزية داخل إسرائيل على نتنياهو للتدخل عسكريًا في الأزمة، وهو ما حصل. وقد نفذت إسرائيل غارات جوية أصابت ما لا يقل عن 200 هدف داخل سوريا، استهدف بعضها قوات الحكومة السورية التي كانت تحاول استعادة السيطرة على السويداء من الفصائل المسلحة المحلية، لكن أكثرها لا علاقة له بأحداث السويداء، ومن ضمنها قصف مبنى الأركان العامة في دمشق والإغارة على أبنية تابعة لقصر الشعب، في رسالة الغرض منها النيل من هيبة الدولة السورية.
تستغل إسرائيل بوضوح التوترات والانقسامات الطائفية التي تشهدها سوريا، لإعادة رسم المشهد في الجنوب السوري، وصولًا إلى هدفها النهائي المتمثل في تفتيت البلاد إلى كانتونات طائفية. فما إن سقط نظام الأسد، حتى نفذت إسرائيل واحدة من أوسع حملاتها الجوية ضد سوريا، استهدفت مواقع وتجهيزات عسكرية على امتداد الجغرافيا السورية، من أجل إضعاف الدولة وحرمانها من قدراتها العسكرية ومنعها من بسط سيادتها على المناطق الواقعة جنوب دمشق. علاوة على ذلك، أوقفت إسرائيل العمل باتفاق فصل القوات لعام 1974، واجتاحت مناطق واسعة من الأراضي السورية، فاحتلت المنطقة العازلة وقمة جبل الشيخ وصولًا إلى مناطق في ريف دمشق، في محاولة لإنشاء منطقة منزوعة السلاح، وتحويل سوريا إلى دولة منزوعة السيادة عن مناطقها الجنوبية. وتحاول إسرائيل، لتسهيل حصول ذلك، استغلال عجز الإدارة السورية الجديدة عن قيادة حوار وطني وتبني عقلية دولةٍ تمثل جميع المواطنين، لتقديم نفسها باعتبارها حامية للدروز، كما راحت ترسل مساعدات إغاثية، وتعرض مغريات مالية، وخدمية، مما تعجز الحكومة السورية عن تقديمه.
وهذه هي المرة الثانية التي تستخدم فيها إسرائيل القوة ضد وحدات عسكرية تابعة للحكومة السورية، بدعوى حماية المواطنين الدروز السوريين؛ فقد سبق أن نفذ سلاح الجو الإسرائيلي غارات استهدفت محيط بلدة صحنايا في ريف دمشق، في نيسان/ أبريل 2025، تنفيذًا لتعليمات أصدرها رئيس هيئة الأركان باستهداف مواقع تابعة للحكومة السورية، في حال استمرار ما وصفه بـ “أعمال العنف ضد أبناء الطائفة الدرزية”. ولم يتوقف التدخل الإسرائيلي وقتها عند هذا الحد، بل شنت إسرائيل حملة قصف جوي واسعة، شملت محيط القصر الرئاسي في دمشق، إلى جانب العديد من المناطق السورية، اعتبرها نتنياهو ووزير الأمن، يسرائيل كاتس، في بيان مشترك بمنزلة “رسالة تحذيرية” إلى حكومة دمشق لمنع أي أذى قد يلحق بالدروز.
لم تقدّر الإدارة السورية الحالية حقيقة الموقف الإسرائيلي وخطورته. فإسرائيل تخطط للسيطرة على أجزاء سوريا الواقعة جنوب دمشق بوصفها منطقة نفوذ لها، أو تقسيم البلاد. ولا تعارض الولايات المتحدة الأميركية الخيار الأول. وترفض إسرائيل الانسحاب إلى خطوط الهدنة من عام 1974، إلا إذا سلّمت الإدارة السورية بالخيار الأول. لقد تبنت الإدارة الجديدة موقفًا متحفظًا، ربما بنصائح عربية وغربية، إلى درجة تجنب حتى إدانة القصف الإسرائيلي والاحتلال في بعض الحالات، وتجنب تكرار الثوابت الوطنية السورية بشأن الجولان وغيره، وكأنه خطاب النظام السابق لا خطاب الدولة الوطنية السورية الذي يوحد الشعب السوري خلفه.
وعلى أقل تقدير، لم يؤدِ هذا السلوك إلى النتائج المرجوة، فتمادت إسرائيل في نهجها إلى درجة قصف مباني المؤسسات السيادية. ثمة سوء تقدير للنيات الإسرائيلية، وثمة وهم بإمكانية تحييد دولة الاحتلال التي إذا لم ينجح خيارها الأول سوف تسعى لتقسيم سوريا. ولا بد من مواجهة هذه الخيارات. وهذا لا يكون بالاعتماد على دول متحالفة مع إسرائيل وتعتقد أنها تصنع معروفًا للإدارة السورية لمجرد القبول بها، بل اعتمادًا على وحدة الشعب السوري وبناء المؤسسات التي تمثله، فهي قادرة على إفشال مخططات إسرائيل، والتقليل من الاعتماد على نيات حلفائها، وعزل القوى التي تراهن عليها في الداخل.
ثالثًا: أزمة سياسية تجلياتها طائفية وأمنية
تعكس الصدامات الطائفية، التي استهدفت هذه المرة محافظة السويداء، أزمة سياسية عميقة، تتجلى في حالة من العنف الطائفي باتت تتنقل، منذ سقوط النظام، من منطقةٍ إلى أخرى، وذلك في غياب تجريم رسمي للتحريض والتعبئة الطائفيَين وعدم تبني خطاب رسمي يدينهما بصرامة وحزم. وصارت الصدامات على خلفية طائفية تشكل تهديدًا فعليًا لوحدة سوريا الترابية والمجتمعية. وتتزايد خطورتها، نتيجة لانتشار السلاح بيد الأفراد والجماعات المحلية، وامتناع السلطة عن بناء جهاز أمن داخلي وجيش بعقيدة دولة، عقيدة رسمية، لا عقيدة جماعة تسيطر على الدولة، وقوى حفظ نظام تعامل السوريين بوصفهم مواطنين من دون تمييز بموجب الانتماء المذهبي أو الطائفي أو على أساس الجنس، إضافة إلى عجز الإدارة السورية عن ضبط سلوكيات الفصائل المسلحة التي تتصرف باسمها أو ترتبط بها. تفسر هذه العوامل حالة انعدام الثقة بين أجهزة الدولة وأجزاء من الشعب السوري التي لا تعدّ الأجهزة الأمنية السورية ممثلة لدولةٍ تشمل جميع المواطنين، بل تمثل، شكلًا وخطابًا وممارسةً، جماعة عقائدية لديها مواقف مسبقة إزاء جماعات من المواطنين على أساس هويتهم.
وعلاوة على ذلك، يشعر جزء مهمّ من السوريين بحالة من التهميش والإقصاء؛ نتيجة الاستئثار بالسلطة من جماعةٍ واحدة، سيطرت على الدولة بعد إسقاط النظام، وانعكس ذلك في جميع الخطوات التي تم اتخاذها، بما في ذلك مؤتمر الحوار الوطني الشكلي الذي أُعدّ على عجل لكي يُحسب أنه عُقد تلبية لمطالب الخارج، إلى الإعلان الدستوري الذي حظر الحياة الحزبية وركّز كل السلطات بيد الرئيس، إلى تشكيل حكومة تبدو حكومة تكنوقراط ولكنها حكومة هيئة تحرير الشام بمشاركة غير حزبيين، حيث غاب التمثيل السياسي الفعلي لمختلف التيارات وفئات الشعب السوري بالحد الأدنى المطلوب في ظروف عدم القدرة على تنظيم انتخابات، وصولًا إلى التباطؤ في إطلاق مسار العدالة الانتقالية والإعلان عن نتائج التحقيق في أحداث الساحل الطائفية. لم يُحاسَب أحد من الذين ارتكبوا جرائم في الساحل السوري، ولا حتى أولئك الذين صوّروا جرائمهم ووثّقوها تباهيًا، بحيث لا تحتاج محاسبتهم إلى انتظار نتائج التحقيق. فكيف تُستغرب الانتهاكات في السويداء؟
إن الغوص في تفاصيل مثل “من بدأ؟”، و”من ارتكب الجرائم الأفظع؟” هو نوع من العبث، ودوران في الدومة ذاتها، وحرف الانتباه عن القضية الرئيسة التي تنتظر الحل منذ سقوط النظام، إنها مسألة بناء الدولة الحديثة ومؤسساتها، دولة المواطنين جميعًا. لقد سارت الإدارة السورية الجديدة في اتجاه معاكس، تمثّل في سيطرة جماعة على مفاصل الدولة في محاكاةٍ لحكم الحزب الواحد، وتهميش غالبية المواطنين والكفاءات والامتناع عن تمثيل جميع فئات الشعب السوري بحجة رفض المحاصصة، وتبنّي خطابٍ عقائدي لا يناسب تنوّع المجتمع السوري.
تحتاج الإدارة السورية إلى البدء من الداخل، لكي تكون قوية في الخارج ولسد ذرائع التدخل الخارجي في سيادة الدولة، وإلى التعامل مع أحداث السويداء باعتبارها جزءًا من هذه الأزمة السياسية التي تتطلب إعادة نظر في كل الخطوات التي اتُّخذت منذ سقوط النظام، بما في ذلك إطلاق مؤتمر حوار وطني تمثيلي حقيقي، تُدعى إليه القوى السياسية والمجتمعية السورية والشخصيات المستقلة، للاتفاق على “خارطة طريق للمرحلة الانتقالية”، وتشكيل حكومة وحدة وطنية، برئاسة الرئيس أحمد الشرع، وانتخاب لجنة لكتابة الدستور في إطار مؤتمر الحوار الوطني من شخصيات سياسية وخبراء قانون، وصولًا إلى إنتاج قانون أحزاب وقانون انتخابات جديد. فمن دون تشكّل إجماع وطني سوري على شكل الدولة ونظامها السياسي، بمشاركة جميع السوريين، لن تستطيع سوريا تجاوز المرحلة الانتقالية بيسرٍ وسلام وتهميش من يستقوي بالخارج داخل أي جماعة سكانية ومحاسبته قانونيًا، ووضع حد لتدخلات دولة الاحتلال التي تستهدف وحدة سوريا الترابية والمجتمعية.
———————————–
هل وقع أحمد الشرع في فخّ إسرائيلي/ عمر كوش
19 يوليو 2025
استغلّت حكومة اليمين المتطرّف في إسرائيل الأحداث في محافظة السويداء أخيراً، ووجدت فيها فرصةً سانحةً للقيام باعتداءات جديدة، فشنّت المقاتلات الإسرائيلية غارات على ما يزيد على 160 هدفاً في الأراضي السورية، طاولت عناصرَ من الجيش والأمن السوريَّيَن داخل السويداء وريفها ومحافظة درعا، وامتدّت لتشمل غاراتٍ على مقرّ الأركان العامة للجيش السوري ومحيط القصر الجمهوري، إلى جانب الدفع بفرقتَين عسكريتَين نحو الحدود مع سورية.
يكشف حجم هذه الاعتداءات أن الأهداف الإسرائيلية من ورائها لا تمتّ بصلة إلى ما تحاول تسويقه حكومة بنيامين نتنياهو حول “حماية الدروز السوريّين”، ولا تستند إلى مطالبة الشيخ حكمت الهجري (أحمد مشايخ العقل لطائفة الموحدين الدروز)، رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو بـ”التدخّل لحماية الأقلية الدرزية من الإبادة”، ولا إلى توسّل الشيخ موفق طريف لقيادة الجيش الإسرائيلي بالتدخل وغزو سورية، بل تتعلّق بشكل أساس بعدوانية إسرائيل ومصالحها الأمنية، وبمخطّطاتها التفتيتية والتقسيمية في سورية، الساعية إلى القضاء على المقدرات العسكرية والأمنية للدولة السورية، وإنهاكها، وعدم توفير أيّ فرصة لنهوضها، الأمر الذي يفسّر ما ذهب إليه وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر في قوله إن “وجود دولة سورية واحدة، ذات سيطرة وسيادة فعلية على جميع أراضيها أمر غير واقعي، لذلك فإن المسار المنطقي بالنسبة إلى إسرائيل للمضي قدماً هو تحقيق استقلالية مختلف الأقليات في سورية ضمن هيكل اتحادي فيدرالي”. وبالتالي، هدف إسرائيل من ذلك إنشاء كيانات فوضوية مسيطر عليها عند “حدودها”، بديلاً من دولة مستقرّة، ويُقدَّم التذرّع بحماية الدروز السوريين مبرّراً لما تقوم به إسرائيل من توغّلات لإنشاء منطقة عازلة في جنوب سورية، بغية فرض الهيمنة الإسرائيلية عليها، وعلى الأراضي السورية كافّة. وعليه، تسعى الحكومة الإسرائيلية إلى استغلال مسألة الأقليات في تشكيل دويلات صغيرة أو كانتونات، وعلى أساسها تريد أيضاً تحويل محافظات القنيطرة ودرعا والسويداء منطقةً عازلة، تشكّل العمق الاستراتيجي الضامن لأمن ما تسمّيه الجبهة الداخلية الإسرائيلية.
اللافت أن إرسال الحكومة السورية أرتالاً من الجيش وقوى الأمن جاء بعد إخطار الطرف الإسرائيلي بذلك من طريق الإدارة الأميركية وسواها، ولم تستهدفها إسرائيل إلا بعد توقيع اتفاق مع المرجعيات الروحية في السويداء في اليوم الأول من وصول قوات الجيش السوري إليها، أعربت فيه عن ترحيبها وموافقتها على تولي الدولة السورية مسؤولية حفظ الأمن في السويداء، ثمّ انقلب عليه حكمت الهجري، متذرعاً بأنه وقع عليه تحت ضغوط خارجية، وأنه لم يعد قادراً “على التعايش مع نظام لا يعرف من الحكم إلا الحديد والنار”. ولم يجد الهجري مخرجاً سوى طلب الحماية من “إبادة” مزعومة من حكومة إسرائيلية متهمة بارتكاب جريمة الإبادة الجماعية من محكمة العدل الدولية، ومن مؤسّسات في الأمم المتحدة، ومنظّمات أخرى حقوقية، ويرأسها نتنياهو المتهم شخصياً بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضدّ الإنسانية، ومطلوب مع وزير الدفاع السابق يوآف غالانت للمثول أمام محكمة الجنايات الدولية.
يشير تسلسل أحداث السويداء إلى وجود كمين أو فخ نصبته إسرائيل، ووقعت فيه الإدارة السورية ممثّلةً بالرئيس أحمد الشرع. ويبدو أنه استُدرجِ إليه متوقّعاً عدم تدخّل إسرائيل، لأن الأمر يتعلّق بفضّ الاشتباكات التي جرت بين مسلّحين من السويداء ومسلّحين من عشائر بدو السويداء، إلى جانب أن إسرائيل أظهرت في البداية عدم اكتراثها بتوجّه الجيش السوري إلى محافظة السويداء ودخوله إليها، لكن الأمور تغيّرت كثيراً بعد ذلك، لتشهد تدخّلاً إسرائيلياً عسكرياً سافراً غيّر مجرى الأحداث، فهاجمت المقاتلات والمسّيرات الإسرائيلية خارج حدود المحافظة، استُهدفت فيها مقرّات حكومية حسّاسة مثل قيادة الأركان ووزارة الدفاع، والقصر الجهوري، وبالتالي فإن الأمر تعدّى مسألة “حماية الدروز السوريين”، ولا يجد تفسيراً سوى في ممارسة المزيد من الضغوط على الشرع وحكومته للحصول على تنازلات لم يقدّمها في المفاوضات غير المباشرة، التي ترعاها أطراف عربية وإقليمية في أذربيجان وسواها، إذ يبدو أنها لم تحقّق ما تريده حكومة اليمين المتطرّف في إسرائيل.
ليس مستبعداً أن يكون الرئيس السوري أحمد الشرع قد استند إلى الموقف الأميركي، الذي تجسّد في تصريحات المبعوث الخاصّ للرئيس الأميركي إلى سورية توماس برّاك، التي دعا فيها القوى الكردية والدرزية إلى ضرورة الاندماج مع الدولة السورية، والتخلّي عن فكرة الكيانات الذاتية والمستقلّة. وقد وجد الشرع في الموقف الأميركي الإيجابي حياله (وحيال إدارته)، إشارات مشجّعة لتحقيق ما يطمح إليه في بسط سيطرة الدولة التي يرأسها على الأراضي السورية، بما فيها محافظة السويداء في جنوبي سورية، والمناطق التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في شمال شرقي سورية، والغاية من ذلك كلّه هو تقوية الدولة السورية عبر فرض سيطرتها، وتثبيت دعائم الحكم المركزي فيها.
يكشف الفخّ الإسرائيلي الذي تبعته اعتداءات إسرائيلية واسعة على الأرض السورية، أن ما تريده إسرائيل فرض إملاءاتها وشروطها على النظام الجديد، عبر توقيع اتفاقية مذلّة يتخلّى فيها عن مطالبته بالجولان الذي تحتلّه، ما يعني أن ما فشلت إسرائيل في تحقيقه عبر المفاوضات غير المباشرة مع الحكومة السورية، تريد تحقيقه عبر اعتداءاتها على الأرض السورية.
قد يشكّل انسحاب القوات السورية من السويداء مخرجاً مؤقّتاً للأزمة الحاصلة، لكن حلّ هذه الأزمة يتطلّب عملاً كثيراً كي تلتئم الجراح والشروخ التي خلّفتها الأحداث في النسيج السوري، بالنظر إلى الانتهاكات التي وقعت، وأعداد الضحايا الذين سقطوا في المواجهات. وبات المطلوب الدخول في مصالحة وطنية شاملة، والقيام بمحاسبة جدّية، بغية تقديم حلول لمعضلات سورية في مرحلة ما بعد سقوط نظام الأسد، عبر إعادة بناء الثقة بين مكوّنات الشعب السوري وتطمينها، وإشراك نخبها في بناء مؤسّسات الدولة بوصفهم مواطنين متساوين في الحقوق والوجبات، واعتماد المواطنة حجرَ أساس لبناء هُويَّة وطنية جامعة، تعزّز التلاحم الداخلي، الذي يُعدّ المدخل الأساس لنزع فتيل الأزمات وإغلاق أبواب التدخّلات الخارجية.
العربي الجديد
————————————-
أحداث السويداء.. هل أخطأت دمشق بقراءة الرسائل الأميركية؟
السبت 2025/07/19
أخطأت الحكومة السورية في تقدير طريقة الرد الإسرائيلي على انتشار قوات الجيش السوري في جنوب البلاد، مستندة على الرسائل الأميركية المشجعة التي تقول إن سوريا يجب أن تدار من قبل سلطة مركزية، وذلك بحسب ما قالته 8 مصادر مطلعة لوكالة “رويترز”.
التصعيد إسرائيلي فاجأ دمشق
وقالت المصادر إن الحكومة السورية تفاجأت بالتصعيد الإسرائيلي عبر استهداف القوات السورية وقصف دمشق، وذلك بعد اتهام القوات الحكومية بقتل العشرات في مدينة السويداء ذات الغالبية الدرزية.
وأضافت المصادر أن دمشق اعتقدت أنها حصلت على ضوء أخضر من الولايات المتحدة وإسرائيل لإرسال قواتها إلى الجنوب السوري، على الرغم من تحذيرات تل أبيب المستمرة من الإقدام على ذلك، خلال الأشهر الماضية.
وأوضحت أن الاعتقاد استند إلى تعليقات علنية وأحاديث خاصة من المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم باراك، إلى جانب المحادثات الأمنية الوليدة مع إسرائيل، إذ دعا باراك إلى إدارة سوريا بشكل مركزي “كدولة واحدة” بدون مناطق حكم ذاتي.
وأكد متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية، أن واشنطن تدعم وحدة الأراضي السورية، وأن “الدولة السورية ملزمة بحماية جميع السوريين، بما في ذلك الأقليات”، داعياً الحكومة السورية إلى محاسبة مرتكبي أعمال العنف.
قرار وطني
ونفى مسؤول كبير بالخارجية السورية للوكالة، أن تكون تصريحات باراك هي من أثّرت قرار نشر القوات، مؤكداً أن قرار الحكومة كان “وطنياً بحتاً”، وهدف إلى “وقف إراقة الدماء وحماية المدنيين ومنع تصاعد الحرب الأهلية”.
وكانت وزارة الدفاع السورية قد أرسلت، الاثنين الماضي، دبابات وقوات إلى محافظة السويداء، لوقف القتال بين قبائل بدوية وفصائل مسلحة داخل الطائفة الدرزية. وتعرضت تلك القوات لإطلاق النار من قبل الجماعات الدرزية المسلحة، بحسب مصادر سورية.
وقال مصدران، أحدهما مسؤول خليجي كبير، إن أعمال العنف المنسوبة للقوات السورية بالسويداء، ضمنها الإعدامات الميدانية وإذلال المدنيين الدروز، دفعت إسرائيل لتنفيذ غارات على تلك القوات، ووزارة الدفاع ومحيط القصر الرئاسي في دمشق.
من جانبه، قال مصدر سوري وآخر غربي مطلع على الأمر، إن دمشق اعتقدت أن المحادثات مع إسرائيل في أذربيجان قبل أيام، أنتجت تفاهماً بشأن نشر قوات في جنوب سوريا لإخضاع السويداء لسيطرة الحكومة.
وأمس الجمعة، أعلنت إسرائيل عن السماح بدخول محدود للقوات السورية إلى السويداء خلال اليومين المقبلين، قبل أن تُعلن سوريا بدورها، عزمها نشر قوة مخصصة لإنهاء الاشتباكات الطائفية.
إفراط بالثقة
وقال رئيس مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة أوكلاهوما جوشوا لانديس، إن الشرع تحرك بثقة أكبر من اللازم الأسبوع الماضي، وإن “المسؤولين العسكريين في حكومته أخطأوا في تفسير دعم الولايات المتحدة، كما أخطأوا في تفسير موقف إسرائيل من جبل الدروز (في السويداء) من محادثاتهم مع إسرائيل في باكو”.
وذكر مسؤول عسكري سوري للوكالة، أن المراسلات مع الولايات المتحدة، جعلت دمشق تعتقد أن بإمكانها نشر قواتها بدون أن تواجهها إسرائيل، مضيفاً أن المسؤولين الأميركيين لم يعقبوا لدى إبلاغهم بخطط نشر القوات، مما دفع القيادة السورية إلى الاعتقاد بأن هناك موافقة ضمنية على ذلك ولن تتدخل إسرائيل.
وقال دبلوماسي مقيم في دمشق، إن السلطات السورية كانت “مفرطة في الثقة” في عمليتها للسيطرة على السويداء، “بناء على الرسائل الأميركية التي اتضح أنها لا تعكس الواقع”.
وأكد المسؤول الخليجي الكبير، أن دمشق ارتكبت “خطأً كبيراً” في طريقة تعاملها مع السويداء، مضيفاً أن القوات السورية مارست انتهاكات شملت قتل وإهانة الدروز، ما منح إسرائيل فرصة لاستخدام القوة.
وقال مصدر مخابراتي من المنطقة، إن الشرع لم يسيطر على الأحداث على الأرض بسبب عدم وجود جيش منضبط واعتماده بدلاً من ذلك على خليط من جماعات مسلحة، غالبيتها ذات خلفية إسلامية متشددة.
تقسيم سوريا
وأكد المسؤول الخليجي وجود “مخاوف حقيقية من أن سوريا تتجه نحو تقسيمها إلى دويلات”، في ظل إراقة المزيد من الدماء وتزايد الشعور بعدم الثقة في حكومة الشرع بين الأقليات، فيما أكد مسؤول الخارجية السورية أن الهدف من عملية السويداء لم يكن الانتقام أو التصعيد، بل الحفاظ على سلام ووحدة البلاد.
ووفق “رويترز”، فقد شكّلت الغارات الإسرائيلية صدمة لبعض الأميركيين في سوريا، إذ قبل ساعات وصل مسؤولون تنفيذيون من ثلاث شركات طاقة من الولايات المتحدة إلى دمشق لحضور اجتماعات.
والخميس، قال متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية إن واشنطن “لم تدعم” الضربات الإسرائيلية على السويداء الأسبوع الماضي.
وقال العضو الرئيسي والمنظم، الرئيس التنفيذي لشركة “أرجنت” للغاز الطبيعي المسال جوناثان باس، إنه تلقى تطمينات كافية من واشنطن بأن العنف الذي اندلع في السويداء لن يتصاعد ويصل إلى دمشق.
————————-
دروس من حرائق السويداء/ بشير البكر
19 يوليو 2025
بسط سلطة الدولة السورية هو العنوان الرئيس لأحداث السويداء، التي تجدّدت يوم 14 من يوليو/ تموز الحالي، بعدما ظلّت تتفاعل عدّة أشهر، بسبب قرار الشيخ حكمت الهجري وأنصاره رفض التسليم بدخول قوات وزارتي الدفاع والداخلية للمدينة. ورغم لغطٍ كثير، فإن السبب الرئيس هو الضغط لانتزاع قرار باللامركزية، وهو ما يشكّل نقطة اللقاء مع مطالب قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، التي تسيطر على منطقة الجزيرة، أي ما يقارب ثلث مساحة سورية، و40% من ثرواتها.
وعلى غرار “قسد”، راهن الشيخ الهجري على الحماية الدولية التي طالب بها، وتجاوبت معه إسرائيل لتقصف داخل سورية أكثر من مرّة، ليس فقط في الأيّام الماضية، وقد وجدتها تل أبيب فرصةً مناسبةً كي تتدخّل عسكرياً، بحجّة حماية الطائفة الدرزية، في حين أن هدفها الأساس من وراء ذلك إضعاف موقف الدولة السورية التفاوضي، بشأن وقف الاعتداءات المتكرّرة والتوغّلات الإسرائيلية المتواصلة داخل الأراضي السورية، منذ 8 ديسمبر 2024.
ثمّة من له مصلحة في أن يربط بين رفض الهجري لبسط سلطة الدولة في المحافظة، والمطالب السورية بمرحلة انتقالية على أسس واضحة، تضع الأساس للدولة السورية الجديدة، كي تكون لكلّ مواطنيها. ويراد من هذا الربط إسقاط المسؤولية عن ظهر الهجري في جرّ الموقف إلى المواجهة العسكرية واستدعاء التدخّل الإسرائيلي. وحتى لا يتم خلط الأوراق، فإن أوّل ما صدر عن الهجري في بداية الأزمة، هو رفضه التام للإدارة الجديدة، التي شكّك فيها قبل أن تخطو خطواتها الأولى.
لم يكن للهجري وغيره أن تعلو أصواتهم، لو أن الإدارة الجديدة قطعت الطريق عليهم. فالديمقراطية والتشاركية ليستا مطلب أهل السويداء فقط، بل هما مسألة سورية، ضحّى من أجلها كلّ السوريين، وليستا منحةً من الإدارة الجديدة. وفي هذا الصدد هناك مآخذ كثيرة بدأت منذ مؤتمر الحوار في فبراير/ شباط الماضي، الذي كان شكلياً، وتشكيل الحكومة الذي لم يراعِ الكفاءة والخبرة، ومن بعد ذلك الإعلان الدستوري، والتوجّه إلى تعيين برلمان، من المرتقب أن تُعلَن تشكيلته في غضون شهر.
الخطاب الرسمي يؤكّد أسس بناء الدولة، لكن كلّ خطوة هي عكس ذلك، والمثال الصريح هو أن أغلب التعيينات في المراتب العليا من لون واحد، وهي تتم داخل دائرة مغلقة ضمن الأمانة العامة للشؤون السياسية، التي يشرف عليها وزير الخارجية أسعد الشيباني، وباتت تتصرّف حزباً حاكماً يُشرف على المؤسّسات الرسمية بصورة كلّية، بالإضافة إلى بروز ظواهر سلبية في ما يتعلّق بمصادرة الفضاء العام، والحريات الفردية، ومحاولة فرض نمط من الحياة لا يلقى قبولاً من شرائح في المجتمع.
الخطاب المتعالي والسلوك الإقصائي يجب وضع حدّ لهما وأن يخرجا من قاموس التداول نهائياً، ولا يمكن لذلك أن يحصل من دون خطوات ملموسة تعيد النظر بإدارة الدولة السورية من الألف إلى الياء، ليس بوصفها غنيمةً لطرف يستأثر بها ويمنعها على بقية السوريين، فاللحظة السورية التي بدأت لحظة سقوط نظام بشّار الأسد، لم تصل إليها سورية بفضل فصيل “هيئة تحرير الشام” وحلفائه فقط، بل هي حصيلة أكثر من نصف قرن من كفاح السوريين ضدّ حكم آل الأسد، والتاريخ شاهد على ذلك، وهناك محطّات مهمّة في الطريق، كمجزرتي حماة وحلب.
لا يمكن لطرف سوري أن يفرض رأيه وأسلوبه في الحكم على الآخرين لأنه يمتلك مفاتيح الدولة بيده. وما لم يتم الخروج من الدائرة الضيقة، بالانفتاح على المجتمع السوري المتنوع والمتعدّد، ستبقى سورية تنتقل من حريق لآخر.
العربي الجديد
————————–
أيام هزت السويداء وسورية/ بشير البكر
19 يوليو 2025
أيام هزت محافظة السويداء وبقية أنحاء سورية في وقت واحد، وكانت لها نتائجها المحلية والإقليمية والدولية، وبات واضحاً أن الشأن العام السوري ما قبلها لن يشبه ما بعدها، إذ إنها حرّكت مسألة توحيد الجغرافيا السورية، وبسط سلطة الدولة على محافظة ذات موقع استراتيجي ورمزية مهمة في تاريخ هذا البلد.
جرت العملية العسكرية في جو سياسي يلفّه الغموض حول المفاوضات بين السلطات السورية وإسرائيل، والتصريحات الأميركية المتواترة عن تطبيع العلاقات، ووضع صيغة للعلاقات بين سورية ولبنان، في وقت لم يصدر فيه بيان رسمي من سورية واسرائيل ولا عن الوسيط الأميركي، حول مواضيع المفاوضات الجارية منذ أشهر، وكل ما تداولته وسائل الإعلام لا يتعدى التسريبات عن عدة جولات عُقدت بداية في مناطق حدودية على مستوى خبراء أمنيين، ومن ثم تلتها جولتان؛ الأولى في أبوظبي والثانية في أذربيجان. ورغم أن الرئيس السوري أحمد الشرع حضر في المكانين، فإن المصادر السورية أكدت عدم مشاركته، وتضاربت الأنباء عن هوية الشخصية التي مثلت إسرائيل.
صوّرت بعض التصريحات الأميركية أن المفاوضات تجري بسلاسة كبيرة، وتتقدّم بسرعة، وهناك تفاهمات قد تنتهي إلى مفاجآت تتعلق بتوقيع اتفاق سلام بين الطرفين، تقود لانضمام سورية إلى “اتفاقات أبراهام” (اتفاقات التطبيع العربية مع إسرائيل)، وبدء عملية تطبيع. وذهبت أوساط دولية وعربية إلى تفسير هذا التسارع بأنه يتم ضمن صفقة رفع العقوبات عن سورية، بما في ذلك شطب “هيئة تحرير الشام” عن لائحة الإرهاب.
حسابات الإدارة السورية تجاه السويداء
وسط هذا التفاؤل المفرط، تراجعت نسبياً الاعتداءات وعمليات التوغّل الإسرائيلية داخل سورية، وجرى ربط ذلك بالتقدّم الحاصل في المفاوضات، وذهبت بعض التقديرات إلى أن المفاوض السوري نجح في سحب ذريعة التدخّلات الإسرائيلية في سورية لجهة لعب بعض الأوراق التي تشجع على تعزيز المشاريع الانفصالية في السويداء والجزيرة السورية. وضرب أصحاب هذه الأطروحة المثال في الجلسة الأخيرة التي عُقدت في دمشق بين وفد “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) والشرع، والتي لم تنته إلى نتائج تؤدّي إلى تحريك الموقف الجامد باتجاه تطبيق اتفاق 10 مارس/ آذار الماضي بين الشرع وقائد “قسد” مظلوم عبدي. وتحدث خبراء قريبون من الإدارة السورية عن تشدد أبداه الشرع في لقاء الوفد الكردي، يعود إلى سببين: الأول الموقف الأميركي الذي عبّر عنه المبعوث الأميركي توماس برّاك بدعم وحدة سورية، والثاني أن تقدّم المفاوضات المباشرة مع إسرائيل أسقط العامل الإسرائيلي من الحسابات السورية الداخلية لدى “قسد” والشيخ حكمت الهجري في السويداء، وهو الذي يعوّل على الحماية الإسرائيلية في حال استخدمت الإدارة السورية القوة العسكرية من أجل دخول المحافظة.
حين بدأت قوات وزارة الدفاع السورية دخول قرى محافظة السويداء ليل 13 يوليو/ تموز الحالي، كان السؤال الأول الذي طرحه المراقبون يتعلق بموقف إسرائيل، وجزم البعض بأن هناك تفاهماً بين السلطات الإسرائيلية والإدارة السورية حول بسط سلطة الأخيرة على المحافظة. وجرى تداول فرضيات كثيرة صبّت جميعها في أن هناك عملية مقايضة رعتها واشنطن بين الطرفين، الخطوة الأولى فيها سيطرة دمشق على السويداء. وارتفعت نسبة تصديق هذه الأطروحة حين بدت ردود الفعل الإسرائيلية يوم 14 من الشهر الحالي تحذيرية، حيث تجنّبت الضربات الإسرائيلية استهداف القوات السورية مباشرة. لكنها تطوّرت بعد ذلك على نحو مختلف، وكان أبرزها قصف مقر وزارة الدفاع، ووحدات من القوات السورية يوم 16 يوليو الحالي، وهو ما ألحق خسائر كبيرة في الأفراد والمعدات. ووصل القصف إلى محيط القصر الجمهوري في عملية تحذيرية للشرع مباشرة.
هناك تفسيران لتدخّل إسرائيل القوي منذ 16 يوليو، الأول يؤكد تراجع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن التفاهمات مع الإدارة السورية تحت ضغط الدروز في إسرائيل، الذين بدأوا حملة تجييش بوجه محاولة دمشق دخول السويداء. والثاني هو نصب فخ للإدارة السورية من أجل توريطها، وهز هيبتها وإضعافها وابتزازها بورقة محافظة السويداء من الآن فصاعداً، وهذا أمر ستكون له نتائج سلبية، فحتى لو دخلت السلطة السورية إلى المدينة وتسلّمت إدارتها، فإن قدرة إسرائيل على التدخّل بقوة تظل واردة في أي لحظة، وفي وسعها أن تُفشل أي توجّه رسمي لبسط سلطة الدولة في الجنوب، وبذلك سيبقى قرار الجنوب إسرائيلياً، وليس بيد الدولة السورية، وهذا أمر سينعكس في المفاوضات والترتيبات اللاحقة. وهذا ما يفسّر مسايرة الموقف الأميركي لإسرائيل، والذي لم يكن متناسباً مع التصريحات التي كانت تصدر عن المبعوث الأميركي لسورية في الأسابيع الأخيرة، والتي كانت تتحدث بقوة عن تأييد بسط سلطة الدولة السورية.
يُسجل على الدولة السورية أنها ارتكبت خطأين مهمين. الأول الدخول في العملية. تقول الرواية الرسمية إن الأمن العام تدخّل من أجل فضّ نزاع بين المحافظة والعشائر العربية التي هي على نزاع معها، ولكنه انجر للقتال ضد فصائل السويداء، وبعد ذلك انزلق أكثر ودخل المدينة، وهو الأمر الذي انتقل مباشرة للقتال ضد طرف من سكان المدينة. وتطور الأمر أكثر حينما فشل الأمن العام في السيطرة على المدينة، وتدخّل الجيش، وانضمت إليه مليشيات تسميها الدولة “خارجة عن القانون”، مع أنها تابعة لأمير حرب معروف عنوانه في دمشق، وهو شخص مشبوه متهم بتجارة المخدرات في زمن النظام السابق وحليف للحرس الثوري الإيراني.
الخطأ الثاني يتمثل في توقيت العملية، وعدم قدرة الإدارة السورية على حساب خطواتها سياسياً وعسكرياً، وهذا أحد العيوب التي تعاني منها الإدارة الجديدة، في عدم وجود رجال دولة قادرين على تقدير الموقف بدقة من جوانبه، حين يتعلق الأمر باتخاذ قرار على هذا القدر من الأهمية. ولذلك لم تصدر عن الدولة مطالعة سياسية صريحة تغطي العملية العسكرية، منذ اليوم الأول، وتركت للتطورات تحديد الموقف السياسي والإعلامي لحظة بلحظة. وحتى بيان انتهاء العملية وسحب الجيش لم يكن مقنعاً، فهو حصل بوساطة أميركية وتدخّلات عربية وتركية، مارست ضغوطاً على إسرائيل كي توقف عملياتها ضد القوات والمراكز العسكرية السورية.
العملية سريعة، لكنها أسفرت عن خسائر سياسية وبشرية ومادية، ولا تقل أثراً من حيث النتائج والدروس. النتيجة الأولى أن الدولة السورية خسرت رهان عودة السويداء إلى الدولة السورية في الوقت الراهن، وباتت المحافظة رسمياً في مهب النزاع الإسرائيلي السوري، وصار واضحاً أنه لا يمكن للدولة أن تبسط سلطتها وسيادتها هناك، إلا في سياق تفاهم مع إسرائيل، التي لن تضيّع فرصة كي تزيد من قوتها ونفوذها وحضورها. وبات الشيخ الهجري يدين بوجوده لإسرائيل التي استجابت لطلب حمايته، وصار محسوباً عليها، وحتى لو حصلت مصالحة بينه وبين الدولة السورية، فإنه أصبح في الضفة الأخرى، وعن هذه المعادلة سينتج أمر واقع أشد خطورة مما لو كانت السويداء محكومة على نحو غير مركزي.
النتائج
من الآن فصاعداً، تحوّلت مشكلة السويداء من شأن داخلي سوري إلى ورقة قوية بيد إسرائيل، تستخدمها في المفاوضات المقبلة بصدد الأراضي السورية المحتلة، التي تصر تل أبيب على أن تكون ذات طابع أمني، وتشمل المناطق التي سيطرت عليها بعد سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر/ كانون الأول الماضي، وربما تعمل إسرائيل على ربط أجزاء هذه المنطقة لتصبح عازلة بين الدولة السورية وإسرائيل.
النتيجة الثانية تتمثل في تهجير العشائر العربية من محيط السويداء، والذي بدأ ليلة وقف إطلاق النار، وتفيد معلومات إعلامية أن الذين غادروا المنطقة بسبب الخوف من انتقام أنصار الهجري كانوا يعوّلون على الدولة، لكن نتيجة تدخّل الجيش والأمن العام جاءت سلبية عليهم. وهناك وساطات وضغوط لإعادة هؤلاء، ترافقها حملة تجييش ضد الدروز في المحافظات السورية.
النتيجة الثالثة أنه صار من الصعب جداً على الدولة أن تفتح مع “قسد” موضوع تسليم السلاح والانضمام للدولة، ومثال السويداء ماثل أمام الطرف الكردي، الذي سيلجأ للقتال، وهو لا يقل عدداً وعدة عن جماعة الهجري، كما أن المساندة الإسرائيلية ليست صعبة، بل واردة سياسياً وتقنياً.
الدروس
أولاً، سقوط وهم الرهان على أن التطبيع مع إسرائيل يوقف تدخّلاتها في سورية، ويمنح الإدارة السورية أوراق قوة لحل مشاكل وحدة الجغرافيا السورية، وقد كان تصريح وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو معبّراً جداً، حين تحدث عن “حصول سوء تفاهم بين سورية وإسرائيل”. ثانياً، بطلان التعويل على الوعود الأميركية وزيارات المبعوث برّاك، بعدما تصور للمسؤولين السوريين أن سورية في ظل حكم الإدارة الجديدة مرشحة لأن تصبح قوة سياسية واقتصادية عظمى، خلال زمن وجيز، وأن الولايات المتحدة تتعهد ذلك، ولذلك قامت برفع العقوبات.
ثالثاً، ضرورة المراجعة السريعة لكل خطوات الإدارة الجديدة، بدءاً من مؤتمر الحوار الوطني، والإعلان الدستوري، وتشكيل الحكومة، والخطوات الجارية لتشكيل برلمان، وإلا فإنها باتت مهددة بخسارة الرصيد الذي حققته منذ سقوط النظام، خصوصاً على صعيد استقدام استثمارات أجنبية تضخ رأس مال في الاقتصاد السوري المتهالك. رابعاً، تخفيف الرهان على الخارج والالتفات إلى الداخل، ومهما كان حجم النجاحات الخارجية كبيراً، فإنه مهدد إن لم تستقبله أرضية داخلية متينة، تقوم على تلاقي مصالح الأطراف السورية كافة في الاستقرار وبناء الدولة الجديدة.
العربي الجديد
————————————
محنة الوطنية والدولة في سورية اليوم على قدم واحدة مجدداً/ ياسين الحاج صالح
19-07-2025
سورية غير مستقرة لأنها غير قابلة للاستقرار في صورتها الحالية. وهي غير قابلة للاستقرار لأنها تحاول السير على قدم واحدة، أهلية أمنية، في مجتمع متعدد على مستويات متعددة. وعملياً يعني ذلك وقوفاً مرهقاً وغير متوازن في الموقع نفسه، وفي النهاية الوقوع أرضاً. السابقة الأسدية مضيئة في هذا الشأن. فطوال عقود جرَّبَ النظام السير على قدم واحدة، قدم أهلية أمنية كذلك، وهو ما أدى إلى تحجر سورية وتأخرها في جميع المجالات، عن محيطها نفسه وليس عن عوالم متقدمة. وفي النهاية أفضى إلى السقوط.
هناك فوارق مهمة مع ذلك. لم يبدأ الحكم الأسدي بقدم واحدة، عسكرية أمنية، بل حاول اصطناع قدم أخرى سياسية، تمثلت في «الجبهة الوطنية التقدمية»، وهي تَجمُّع أحزاب «تقدمية» ممنوعة من النشاط في الجيش وبين الطلاب، وتحوز كلها من التمثيل ثلث أصوات المجموع، بينما لا يلزم غير ثلثي الأصوات لتمرير قرارات الجبهة، وهذان الثلثان مضمونان دوماً لحزب البعث، «القائد للدولة والمجتمع» بحسب دستور 1973 الذي صدر بعد تأسيس الجبهة عام 1972. كان ظاهراً أن هذه القدم لا تعمل، ولا حتى كعكاز، ومنذ أواسط السبعينيات، أخذ يتضح أن النظام مُتشكِّل كلياً حول أمنه الخاص. الجبهة صارت خردة سياسة بعد سنوات قليلة من تشكيلها.
اليوم، ليست هناك حتى محاولة لاصطناع قدم أخرى، تساعد البلد على التوازن، دع عنك السير إلى الأمام. هناك تطييفٌ سُنّي للقوى الأمنية والتشكيلات العسكرية، تُحاكي اعتماد الحكم الأسدي في أجهزته الأمنية وتشكيلاته العسكرية ذات الوظيفة الأمنية على موثوقيه الأهليين، المنحدرين من الجماعة العلوية. بل إن الحكم الأسدي عمل على توسيع قاعدة استناده حتى على هذا الصعيد الأمني، وبقدر معقول من الفاعلية. اليوم، يبدو أن الفكرة الضمنية قليلاً والصريحة كثيراً وراء التطييف الجديد تتمثل في أن السُنّيين السوريين أكثرية ديمغرافية، وأنهم ليسوا طائفة، هذا حين لا يقال إنهم «الأمة». لكن هذا باطلٌ من وجهة نظر الدولة الوطنية التي تقوم سورية عليها من حيث المبدأ: كيان سياسي بأرض لها حدود معلومة ومُعترَف بها دولياً، وشعب هو مجموع سكانها، ودولة هي مُركّب مؤسسات حكم، ذات ولاية عامة لأنها قائمة على تمثيل عام. فالأمة الوحيدة في الدولة الوطنية هي أمة المواطنين، ولا ولاية عامة لهذه الدولة دون تمثيل عام.
لقد احتجنا إلى الثورة السورية وظاهرة الانشقاقات عن جيش النظام الأسدي وأجهزة حكمه كي نُميّز بين دولة ظاهرة بلا سلطة ودولة باطنة هي مقر السلطة الحقيقي. الدولة الظاهرة، الحكومة والإدارة ومجلس الشعب والقضاء والتعليم، عامة التمثيل وإن قامت على محاصصة ضمنية، بينما الدولة الباطنة طائفية بقدر كبير. اليوم لدينا منذ الآن دولة ظاهرة لها حكومة تمثيلية بصورة ما (أدنى تمثيلاً مما في الحقبة الأسدية)، وقريباً مجلس شعب (معين عملياً) وإدارات (متعثرة)…، ثم دولة باطنة طائفية بصفاء أكبر. ومثلما في الحقبة الأسدية يبدو أن هناك خطاباً وطنياً ظاهراً، وخطاباً باطناً فئوياً ودينياً؛ وإذا طال العهد بهذه التركيبة، فربما نرى ارتساماً أوضح لمعارضة ظاهرة تعارض الدولة الظاهرة المسكينة (تعارض الوزيرة هند قبوات مثلاً) ومعارضة باطنة تعارض الدولة الباطنة، الأمنية الطائفية؛ ثم ربما تتمايز سجونٌ ظاهرة عن سجون باطنة، يجري في الأخيرة التعذيب والقتل مثل سجن تدمر في أيام الأسد الأب وصيدنايا في أيام وريثه.
الدولة الوطنية، والوطنية السورية، في محنة على مستويات متعددة. أولها وأخطرها هذا التطييف الواسع، العُصبوي والمتعصّب والعُصابي، الذي يجمع بين الاستناد إلى مثالِ الحكم الإسلامي وبين تسويغ نفسه انفعالياً بمظلومية سُنّية، مُعزَّزَين معاً بسردية تفوّق سُنّية تجمع هي نفسها بين «دين الله» و«فتح العالم»، أو بين اللاهوت الواحدي والمخيلة والذاكرة الامبراطوريتين. لكن ليس فقط لا يتوحد السوريون حول تصور إسلامي للحكم، بل السُنّيون أنفسهم لا يتوحدون على هذه الأرضية. السُنّيون السوريون ليسوا طائفة بالفعل، لكن ليس لأنهم «الأمة»، بل لتعدد بيئاتهم وعدم اجتماعها في أي وقت سابق على سياسة أو توجه بعينه (تنظر مقالتي في الجمهورية: السنيون السوريون والسياسة، 2013). بين المدينيين والريفيين، بين الشوام والحلبية والحماصنة والحموية مقابل الشوايا والحوارنة وغيرهم، بين الفلاحين والبدو، ثم بين الصوفيين والإخوان والسلفيين والسلفيين الجهاديين، تباينات متعددة، لا تتشكل منها حتى طائفة. وهذا رغم وجود فواعل تطييف تمثلت في الإسلاميين، الإخوان في وقت سبق، والسلفيين الجهاديين بعد الثورة السورية، ورغم سردية المظلومية.
وحتى لو سلَّمنا بأننا حيال جماعة أهلية أكبر من غيرها، فهذا لا يُغيّر من حقيقة أن السير على قدم واحدة، ولو أكبر مقاساً، غير ممكن. علماً أن التباينات المشار إليها للتو تُشكِّكُ في أي دلالة سياسية يمكن نسبتها إلى كون السنيين الجماعة الأهلية الأكبر. كان الحكم الأسدي قد كبّرَ مقاسَ قدمه، وبفاعلية، بضم منحدرين من جماعات أهلية سورية أخرى، لكنها ظلت قدماً واحدة.
الدولة الوطنية هي وحدة النظام الدولي المعاصر، وسورية قامت منذ نشأتها على هذا الأساس. في أوساط الإسلاميين، بمن فيهم الإخوان في هذا الشأن، تُقام مفاضلة بين الشريك الوطني والأخ الديني، قد تأخذ الشكل التالي: هل المسلم الصيني أقرب إليك أم المسيحي السوري؟ والإجابة الصحيحة هي المسلم الصيني. وهذا مَسلكٌ متنطعٌ وعدواني، يمنع تَشكُّلَ وطن ودولة وطنية والتزامات حقوقية وأخلاقية بين المواطنين. والواقع أنه قبل قليل، وإلى اليوم عند البعض، كان مَفخرةً وموقفاً مبدئياً لدى المنحدرين من تراث السلفية الجهادية، والإسلام السياسي بعمومه، رَفضُ الدولة الوطنية وأمة المواطنين، لمصلحة الدولة الإسلامية والأمة الدينية. لكن هذه لا تقوم اليوم دون تهجير وتطهير عرقي وإبادات كبيرة، لا يبدو أنها بعيدة عن مُخيلة بعض قوى الحكم الجديد.
والوجه الثاني لمحنة الدولة والوطنية السورية اليوم هو ما يبدو من ترتيب علاقات إقليمية ودولية للحكم الحالي، مَدارُها هو ضمان الاستقرار، ممّا كان دوماً أولوية القوى الغربية والعربية في سورية والشرق الأوسط، بما في ذلك طوال عقود الحقبة الأسدية. الاستقرار وليس الحقوق ولا الحريات ولا المساواة ولا الديمقراطية. ليس هناك خطأٌ في كسب أصدقاء في الإقليم والعالم وتحييد أعداء بقدر الإمكان، لكن فقط بقدر ما تستند هذه السياسة إلى توسيع دائرة الشركاء في الداخل وتحييد الخصوم وتضييق دائرة الأعداء إلى أقصى حد، أي بقدر ما يجري استبعاد الحرب من الداخل الوطني. ما جرى هو العكس. الحكم الجديد وسَّعَ دائرة الأعداء بسرعة قياسية ودخل في مواجهات عنيفة، ولم يكسب أي أصدقاء جُدد في الداخل. بتضييق قاعدة الحكم الداخلية والاكتفاء بتوسع دائرة الأصدقاء الخارجين (بما في ذلك فيما يبدو الاعتقادُ بصداقةِ الأميركيين)، جرى توجيه رأس السياسة وعنقها في سورية نحو الخارج مثلما في الحقبة الأسدية، وليس نحو داخل سورية وتكوينها المتعدد ومشكلاته الكثيرة، ومن باب أولى نحو رفاهه وتنمية الثقة بين جماعاته. وتتوافق أولوية الاستقرار مع تَحوُّل الدولة في الداخل إلى دولة أمنية، لا دولة حقوق، ولا دولة تنمية وخدمات. والدولة الأمنية، مثل الدولة الطائفية، ضدّ الدولة الوطنية. ويتعذر على أي حال في بلد مثل سورية أن تصير الدولة أمنية، متمركزة حول الأمن والاستقرار، دون الارتكاز على جماعة أهلية، موثوقة أكثر من غيرها، أي دون تطييف.
وما لا يبدو أن الحكم الجديد يدركه هو أن القوى الخارجية تريد محاربة داعش والجهاديين الأجانب (ضبطُ هؤلاء الأخيرين على الأقل)، وليس العلويين أو الدروز الذين لا يمثلون خطراً على تلك الدول (ولا على حُكم سوري تعددي واستيعابي).
والوجه الثالث لمحنة الدولة والوطنية السورية يتصل بالاقتصاد والموارد الوطنية، ويُحيل إلى الاستقلال والتبعية الاقتصاديين. لم يعد أحد يدافع عن التصور الاكتفائي أو الأوتاركي للاقتصادات الوطنية، أو «قطع الروابط مع السوق الرأسمالية العالمية» مثلما كان يدعو سمير أمين ومنظرو مدرسة التبعية. لكن يتعين أن تذهب الأولوية إلى رجحان وزن التفاعلات الاقتصادية الداخلية على الخارجية، والرساميل الداخلية، العامة والخاصة، على الرساميل الخارجية، واحتكار الدولة للموارد الاستراتيجية الأساسية. المعيارُ هو انكشافٌ اقتصاديٌ أقل، أي تَراجُعُ نسبة التبادلات التجارية مع الخارج إلى الناتج المحلي الإجمالي، وبالتالي استقرار اقتصادي أوسعُ قاعدةً وأوفى بحاجات السوريين. المنظورات الليبرالية الجديدة للفريق المسيطر الحالي تنذر بسيطرة أجنبية واسعة على الاقتصاد السوري ونزع وطنيته، وبالتالي نزع وطنية البرجوازية السورية المحتملة النشوء. في هذا لا تَعِدُ لَبرلة الاقتصاد بشيء أحسن من دَولَنته في الحقبة الأسدية: هيكل طبقي مشوه، برجوازيته وسيطة أو كومبرادورية، وطبقاته الأدنى منقسمة طائفياً وإثنياً.
أكثر من ذلك، لا يبدو أن محاربة الفقر الذي يشمل 90% من السوريين أولوية اقتصادية عند السلطات، وهو ما يُخرِجُ أكثرية السوريين من الحياة الوطنية التي يخرجهم منها كذلك تطييف الدولة واندماجُها من رأسها في البنى الإقليمية والدولية، وإطلاق يدها المُرجَّح في الداخل.
بدولة مُطيَّفة، واقتصاد تابع يتحكم به الرأسمال الأجنبي، وبروابط إقليمية ودولية مَدارُها الاستقرار، الوطنية السورية والدولة الوطنية في سورية في محنة، يُرجَّح أن تحكم على الاستقرار العزيز بأن يكون عزيزَ المنال.
مَسالِكُ الحكم اليوم ليست مسالك بناء الدولة العامة، ولا يبدو أن هناك مشروع دولة يجري السير نحوه. ما يجري هو مشروع شوكة وغلبة، قاعدته الصلبة ضيقة، سياسته طائفية، غير قادر على عقلنة نفسه كي يعقلن الحياة العامة في البلد. لا تستطيع «الدولة» أن توحد البلد بينما هي تُغرِّبُ بعدوانية قطاعات متسعة من الشعب، وليس من حقها أن تطالب أحداً بأن يكون وطنياً إن لم تكن هي دولة وطنية.
وظاهرٌ أن قوات «الدولة» لم تتصرف كجيش وطني في السويداء مؤخراً، كما لم تتصرف كجيش وطني في الساحل في آذار (مارس) الماضي. تصرَّفت بالأحرى كقوات أجنبية تحتل أرضاً معادية وتتعامل مع سكان معادين. وواضح أن تلك القوات لم تتلقَ تعليمات بالانضباط، والتعامل المهني والإنساني مع المدنيين، وأنها كررت في السويداء سيرتها المشينة ضد العلويين في الساحل، وهذا بعد أيام قليلة من الوقت المفترض لصدور تقرير «لجنة التحقيق في أحداث الساحل». كان من شأن صدور تقرير يروي الحقيقة ويَعِدُ بالعدالة أن يُسهم في رأب الصدع الوطني الجديد الذي تسببت به المجازر ضد العلويين، وربما أن يكون له مفعول تهذيبي على قوات الحكم الحالي. بدلاً من ذلك، رأينا في تموز (يوليو) مرة ثانية الفيلم الذي سبق أن رأيناه في آذار (مارس)، ولا يمتنع أن نراه ثالثة إن لم تجر إعادة بناء جذرية للقوات المسلحة على أسس وطنية ومهنية وإنسانية.
حيال الدروز في السويداء وحيال العلويين في الساحل وغيره كانت المعالجة أسوأ من المشكلة المفترضة، وهي (المعالجة) في طائفيتها وسفاهتها وافتقارها للوطنية وحسِّ الكرامة مُرشَّحة لأن تبقى في الذاكرات طويلاً. أسوأ من ذلك، أضعفت هذه المسالك معارضي الحكم الأسدي القدامى والمتطلعين إلى أوضاع أكثر حرية وعدالة بين العلويين، مثلما أضعفت بين الدروز الداعمينَ لمبدأ الدولة، والمُتطلّعين إلى سورية موحدة يشاركون فيها غيرهَم الانتماءَ لها والاعتزازَ بها.
وانتهت جولتها الأخيرة بعد ذلك إلى الفشل، فشل التعويل على ضامنين خارجيين لحسم صراعات داخلية، بدل توسيع شركاء الداخل لتحمُّل الضغوط الخارجية، وسير البلد إلى الأمام على قدمين اثنتين: السياسة والأمن، تعددية السياسة ووحدة السيادة، الحريات العامة وحكم القانون.
والخلاصة، أن الوضع غير مستقر لأنه لا يقبل الاستقرار، يَصنعُ الخصومَ والأعداءَ بوفرة، ولا يكسب أصدقاء جدداً في الداخل، وهذا بينما هو بالكاد يقف على قدم واحدة، غير متوازن.
استطراد
لم تمر أيام العار في السويداء دون عدوان إسرائيلي جديد، أسقطَ ضحايا من القوات السورية ودمَّرَ عتاداً، ومثّلَ عامل تعقيد وإزمان. إسرائيل اليوم فاعل ثالث يُضاف إلى الحكم في دمشق وتركيبة أهلية مسلحة في السويداء يقودها شيخ العقل حكمت الهجري. والأرجح أن إسرائيل كانت ستضرب قوات الحكم الجديد دون طلب من الهجري، لأنها فرصة لها للمزيد من إضعافه وتقويض فُرَص البلد في التعافي، وهو ما ثابرت عليه منذ ظهر 8/12/2024، يوم سقوط الحكم الأسدي. وكذلك من أجل إخراج مرتفعات الجولان المحتلة من أي تفاوض راهن أو مستقبلي، وحصر عمليات التفاوض بما جرى احتلاله من أراض في بضع الشهور الماضية.
لكن طلب الهجري دعم «فخامة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو»، بين آخرين منهم الرئيس الأميركي وولي عهد العربية السعودية وملك الأردن، يُضفي شرعية على الاعتداء الإسرائيلي ويطبِّعه، ويضع إسرائيل في موقع صاحب القول المقبول في شأن حماية الدروز في سورية. ولذلك أُقدِّرُ أن إسرائيل لم تتدخل لأن الهجري طلب، بل إنها طلبت منه أن يطلب تَدخُّلها في العلن، بينما يجمع بينهما موقف مُتقارب من الحكم السوري الجديد.
طلب الدعم الإسرائيلي مُستوجِب للإدانة بكلام واضح. إنه سابقة سيئة يمتنع ألا يكون لها ما بعدها من لواحق وذيول طويلة. وفي مثل هذا المقام المُخجِل، يشعر المرء بالحرج من الاضطرار للتذكير بأن إسرائيل وسَّعت احتلالها في سورية بعد احتلال سابق عمره يقترب من ستين عاماً، وأنها منهمكة منذ ما يقترب من عامين في عمليات جينوسايد في غزة وعموم فلسطين، وأننا حيال حكومة هي الأشد يمينية وعنصرية وتطرفاً في تاريخ الكيان الإبادي.
* * * * *
تبقى الأولوية بعد هذا كله لظهور بيئة سياسية داخلية تقوم على المشاركة والتعددية والثقة. وفي هذا الشأن مسؤولية من هُم في السلطة العمومية لا تضاهيها أي مسؤولية أخرى، لأنهم القوة العامة التي تتسبّبُ أسواءُ التفكير والقرار والتصرف من طرفها بالكوارث، وربما الانهيار الوطني، ولأن من شأن حُسن فعلها أن يولد انفراجاً عاماً وروحاً إيجابية بين عموم السوريين.
موقع الجمهورية
——————————–
برهان غليون: إسرائيل نصبت فخاً في السويداء لإكمال مخطط تقسيم سوريا
2025.07.17
اعتبر المفكر والسياسي السوري برهان غليون، أن الاحتلال الإسرائيلي نصب فخاً للحكومة السورية عندما أوهمها بأن المجال مفتوح أمامها لحل المشكلة في محافظة السويداء، وذلك بعد أن فشلت في انتزاع التنازلات منها.
ويأتي تدخل إسرائيل مؤخراً في تطورات الأحداث في السويداء، وفقاً لـ غليون، بهدف تحقيق طموحاتها المعلن عنها مسبقاً في تقسيم سوريا وعدم السماح لها أن تتحول إلى دولة ذات سيادة تحمي شعبها وتدافع عن مصالحه.
وقال غليون في لقاء خاص مع تلفزيون سوريا إن ما حدث مؤخراً في سوريا ليس مرتبطاً بالخلافات الحاصلة بين السوريين، إذ في كل المجتمعات يحدث أن يكون هناك خلافاً على وسائل العمل والغايات السياسية والأهداف، مؤكداً أن إسرائيل استغلّت تفجر هذه الخلافات لتفرض على سوريا سياسة الإذعان والخضوع وتقويض مصداقيتها وسيادتها كدولة.
“كسر الدولة وتقويض مصداقيتها”
وتمثّل الفخ الذي وقعت به الحكومة السورية، بحسب تعبير غليون، حين منح الإسرائيليون للحكومة السورية الشعور بأن الطريق أمامها مفتوح لتطبيع الوضع في الجنوب، واستعادة المبادرة في محافظة السويداء وحل الصراع القائم منذ 7 أشهر، وذلك قبل أن يتدخلوا ويستهدفوا قوات الحكومة من أمن وجيش.
ويشير غليون في هذا الصدد، إلى أن العملية الإسرائيلية في سوريا غير مرتبطة بقضية السويداء بقدر ارتباطها بكسر إرادة الدولة السورية وتقويض مصداقيتها وإظهار ضعفها أمام العالم وباقي القوى غير الراضية عنها.
إسرائيل تتجاوز خطوط أميركا
واعتبر أن الإسرائيليين لم يتراجعوا عن أهدافهم في تقسيم وتفكيك سوريا، رغم اهتمام الولايات المتحدة بأن تكون سوريا موحدة، واستغلوا الفرصة ليتجاوزوا الخطوط ويقلبوا الطاولة على حلفائهم الأميركيين وعلى السوريين وعلى الدولة السورية.
وأكد غليون مجدداً أن إسرائيل اعتبرت النزاع السوري ـ السوري في السويداء مناسبة للتدخل بحجّة “حماية الدروز” لضرب الأراضي السورية والتأكيد على أهدافها المعلن عنها سابقاً في انتزاع السلاح من الجنوب السوري وعدم السماح للقوات السورية بالتواجد هناك.
————————-
دمشق ـ السويداء: هل يمكن رأب الصدع؟
19 تموز 2025
لا تمثّل الحادثة التي قيل إنها فجّرت الأحداث العنيفة في مدينة السويداء، غير مؤشّر إلى وصول وقائع داخل سوريا والإقليم إلى محطّة كانت تتجه إليها بالضرورة، وهو أمر لم يمنع الأطراف الرئيسيين في المعادلة، الحكومة السورية، والعشائر، والدروز، من الانخراط فيها رغم المخاطر الجسيمة التي ستؤدي حكما إليها.
أظهرت العملية انكشافا على المستوى السياسي، أوضحه اعتبار وزير خارجية أمريكا ماركو روبيو ما حصل «سوء تفاهم»، في إحالة، على ما يظهر، إلى عبارة نُسبت للمبعوث الأمريكي، توماس براك، عن حق السلطة السياسية في دمشق في «بسط سيادتها على سوريا»، والتي فسّرها أصحاب القرار في دمشق على أنها موافقة أمريكية على دخول السويداء.
كشفت العملية أيضا عن قصور بالغ في الإدارة العسكرية، بدءا من ضعف المعلومات الأمنية حول حجم اتصالات وقوة تسليح العناصر المعارضة للسلطة داخل المدينة، مما أدى إلى وقوع الأرتال العسكرية ووحدات الأمن في كمائن دفعتها لانسحابات غير مدروسة مما أسهم بدوره في وقوع مزيد من القتلى كما حصل في مشفى السويداء.
أظهرت الأحداث ضعفا موازيا على الصعيد الإعلاميّ بشكل أظهر السلطة السورية كما لو كانت طرفا في نزاع وليست كحامية للسردية الوطنية السورية، ولكونها القوة اللازمة لفض النزاعات الأهلية، وهو ما تساوق مع انقسام أهليّ إلى خندقين واحتراب وتحريض وتهييج بشعارات ما تحت وطنية.
الأسوأ من كل ذلك هو ما حصل من أشكال الانتهاكات الأهلية، من الإعدامات الميدانية، إلى أشكال السلب والحرق والاعتداءات المهينة، ولا يفيد كثيرا السجال في وقائع انتهاكات أخرى قامت بها الجهات المعادية للسلطة، وشملت أيضا خطف مئات الأشخاص، وقتل العشرات، والتمثيل بالجثث، وتهجير العشائر من السويداء، فالموازنة لا تصحّ بين السلطة الواجب عليها تمثيل كل السوريين وبين ميليشيات تجاهر، بأشكال مباشرة أو غير مباشرة، بدعوات الانفصال الطائفية بل وإعلان الولاء لإسرائيل.
مفيد، من الناحية التاريخية هنا، التذكير بأن العشائر التي تقيم في أطراف السويداء الشمالية والشرقية (وفي قرية عرى غرب السويداء) كالشعيطات وعنزة وبني خالد والفواعرة، لديها امتدادات تاريخية وجغرافية سورية وعربية، وأنها تمثل قرابة ثلث السكان. مفيد، من جهة أخرى، القول إن الدروز، الذين انتقلوا على دفعات إلى جبل حوران منذ عام 1685 لجأوا إلى الجبل بعد مواجهات طائفية داخل الدروز أنفسهم ثم مع الموارنة في لبنان، وأن هذا يفسّر مخاوفهم من الانقسام الداخلي أو الاضطهاد، وأن نزاعات العشائر معهم لا تقتصر على المراعي والأرض بل تشتبك مع قضايا جنائية كتهريب المخدرات، الذي تحوّل إلى اقتصاد مواز خلال حقبة بشار الأسد، وقضايا إقليمية، كالعلاقة مع إسرائيل، وإيران (أحد زعماء العشائر، فرحان المرسومي، متهم بالعلاقة مع طهران وكذلك بعلاقات مع عصابات التهريب).
أدت العملية إلى إضعاف أركان الوطنية السورية، وإلى ظهور شرخ واضح في مفهوم السيادة، وإضعاف مساعي التوحّد الأهلي، وعزز مخاوف الدروز الجماعية وقوّى، بالتالي، شوكة رافعي ولاء الانفصال والاستقواء بإسرائيل، وهو ما أعطى دفعة أيضا إلى قوى محلية أخرى، مثل «قوات سوريا الديمقراطية» الكردية، فتعزّزت حجج رفضها للانضواء تحت الدولة السورية، كما أعطت ظلال أمل لفلول نظام الأسد الذين أشعلت محاولة انقلابهم مخاوف السلطات وجمهورها، كما أعادت بعض تحرّكات إيران حيث كشفت مصادر عن اجتماع أمني بين قيادات الحرس الثوري وميليشيات عراقية وضباط سابقين في النظام السوري، ناهيك عن امتداد التأثيرات والتوتر إلى أطراف في لبنان والأردن.
تطرح هذه التطوّرات اللافتة أسئلة سياسية وعسكرية وأمنية وإعلامية صعبة جدا على السلطة السورية، ويقع في رأسها، بالتأكيد، كيفية رأب الصدع في النسيج الأهليّ الذي حصل نتيجة أحداث السويداء، وما دام الرئيس أحمد الشرع أعلن تعزيز الخيار الأهليّ بدل الحرب، فالأولى بالسلطة، التي كانت ناجحة دبلوماسيا مع الخارج، أن تلتفت الآن إلى الداخل، وتجد لغة مشتركة للحوار وإعادة الاجتماع السوري إلى الاستقرار.
القدس العربي
————————–
عن استدخال العدو إلى النسيج السوري/ محمود الريماوي
19 يوليو 2025
لم يكن السوريون بحاجة إلى تذكيرهم بالعدو التاريخي لبلدهم وشعبهم، وبمن يستهين بسيادة البلاد وسلامة العباد، وبمن يهدّد بحرمانهم من الاستقرار ومن السّلام الداخلي، ومن فرصة التعافي وإعادة بناء ما هدمه النظام السابق في حربه على شعبه، وصولاً إلى استعادة الجولان المحتل، الذي تقطنه اليوم غالبية سورية تنتمي إلى الطائفة الدرزية، رفضت الهُويَّة الإسرائيلية، هُويَّة المحتل، وظلّت جيلاً بعد جيل على انتمائها إلى الوطن السوري وإلى العروبة. مع ذلك، لم تتوان العصابة الحاكمة في تل أبيب منذ اليوم الأول للتغيير في سورية عن استهداف المواقع والمراكز العسكرية، وقد واصلت تلك الحكومة اعتداءاتها من دون توقّف على الأراضي السورية منذ ديسمبر/ كانون الأول الماضي (2024)، وواكب اعتداءاتها العملُ على اختراق النسيج الوطني الاجتماعي، بمحاولة استمالة بعض ضعفاء النفوس والادّعاء بحمايتهم، في واحدة من مساخر الزمان، حين يلعب المعتدي دور الحامي، وحين يؤدّي اللص دور الأمين على مقدّرات الآخرين. وبينما ترتكب حكومة نتنياهو مجازر بشعة لا تتوقف في غزّة، فإنها تتقدّم في سورية منتحلة صفة المنقذ. غير أن تسلسل الأحداث في جنوبي البلاد يثبت أن الأيدي الإسرائيلية قد عبثت (وما زالت) علناً بالنسيج الاجتماعي، والأمن الوطني، وتقوّي من شوكة الخارجين عن إجماع شعبهم، بما في ذلك في السويداء الجريحة، حتى وصلت إلى استهداف العاصمة دمشق والمراكز السيادية فيها ومحاولة دفع البلاد إلى دائرة الفوضى، وتعطيل الحياة الطبيعية، وشلّ الاقتصاد. وليس هناك ما هو أعزّ وأحبّ على العقل الصهيوني من إشاعة الخراب والدمار حول دولته، وهو ما يفعله أركان هذه الدولة في لبنان وسورية، إضافة إلى غزّة والضفة الغربية.
وللمرء أن يلاحظ أن الجمهور السوري العريض (رغم مؤاخذاتٍ وجيهة)، في سائر المناطق ولدى مختلف المكوّنات، أبدى روحاً إيجابية في الحكم على مسار السلطة الجديدة، وجرى التوافق على دعمها ومنحها فرصةً كافيةً للتعامل مع التحدّيات الداهمة، ذات الطابع الأمني، التي مثّلتها على الخصوص فلول النظام السابق، ومنحها كذلك الفرصة لتوسيع دائرة تمثيلها وتصحيح الأخطاء المقترنة بحداثة العهد والتجربة السياسية. ومع التطوّرات الخطيرة المتسارعة، يلتقي السوريون مجدّداً على ضرورة التماسك الوطني في وجه الاعتداءات الإسرائيلية، وسدّ الثغرات التي يتسلّل منها هذا العدو، وكشف المتواطئين معه الذين لا يتوانون عن محاولة استدخال المحتلّين إلى المعادلات الاجتماعية، وإلى مفاصل الحياة الوطنية وإلى عقر الدار، ما يشكّل خطراً داهماً على سيادة البلاد ووحدة أراضيها، وعلى سلامة النسيج الوطني والاجتماعي. وعلى حاضر الوطن ومستقبله.
وبعبارات أوضح، يسعى المحتلّ الإسرائيلي إلى محاولة تكرار إلحاق مكوّن اجتماعي بعينه به، كما نجح في ذلك داخل المجتمع الفلسطيني للعام 1948، فيتجنّد أبناء ذلك المكوّن في صفوف جيشه وتحت رايته لخدمة المشروع الصهيوني، وفي عداء صريح مع شعبهم المتشبث بأرضه وجذوره وهُويَّته الوطنية (والعربية)، ومع أبناء شعبهم في الضفة الغربية وفي قطاع غزّة، الرازحَين تحت الاحتلال، اللذَين يتعرّضان لأقسى درجات التنكيل من الاحتلال، ومن جنوده وضباطه، وبعضهم ينتمون بكلّ أسف إلى ذلك المكوّن العربي الطائفي، وبينهم من شارك في حرب الإبادة ضدّ غزّة وسقط صريعاً هناك، فيما تتفاخر زعامتهم “الدينية” والاجتماعية هناك بما يسمونه “حلف الدم” مع الصهاينة في وجه أبناء شعبهم الفلسطيني وأمتهم العربية، ومن أجل تمكين الاحتلال من تصفية الوجود العربي والفلسطيني في أرض فلسطين التاريخية.
ومن الجلّي أن تكرار تلك السابقة الشاذّة في سورية، يقع في صُلب المشروع الإسرائيلي الراهن تجاه هذا البلد العربي وشعبه العزيز، بالسعي إلى اجتذاب شرائح منه للانسلاخ عن شعبها وأمتها، والالتحاق بالمشروع الصهيوني تحت عناوين بسط الحماية والأخوة المزعومة بين الحمل والذئب، بين أبناء البلاد والغزاة. وهو ما تطرّق إليه مراراً وتكراراً الزعيم الوطني اللبناني وليد جنبلاط، الذي استشعر وجود هذه المخاطر قبل وقوع الأحداث الدامية أخيراً، محذّراً من محاولة سلخ أبناء طائفة الموحّدين عن شعبهم وعن هُويَّتهم الوطنية والقومية، ومن بثّ الادّعاءات الجوفاء عن قومية مزعومة وكيان قومي درزي، بالتضادّ مع تاريخ طائفة الموحّدين، طائفة سلطان باشا الأطرش وكمال جنبلاط، في الانتماء إلى وطنهم وشعبهم وعروبتهم والوقوف في وجه الغزاة والمحتلّين، وهو ما تنبهت إليه مبكّراً الغالبية من أبناء محافظة السويداء، الذين تلاقوا في الالتفاف حول الدولة وقواها العسكرية، وإدانة الاحتراب الأهلي، وقطع الطريق على مَن يستدرجون التدخّل الأجنبي، وبالذات الاحتلال الغاشم، ويتاجرون بالدم السوري تحقيقاً لمطامح ضيقة وهزيلة تقامر بمصير سورية والسوريين، وليس بمنطقة بعينها، أو بمكوّن اجتماعي واحد فحسب. وهو ما عبّر عنه دروز الأردن (42 ألف نسمة وفق بعض المصادر) في بيان أصدروه تعليقاً على التطوّرات الدامية والانتهاكات الإسرائيلية، وقد ورد في البيان رفضهم كلّ أشكال التطبيع والتقسيم والارتهان للأجنبي، ووجّهوا “نداءً صادقاً ومخلصاً إلى الأهل في جبل العرب”، يحذّرونهم من استغلال صمودهم وتضحياتهم ذريعةً لتدخل الاحتلال الإسرائيلي في جنوب سورية “فهو لا يريد خيراً، وإنما يسعى لتنفيذ مخطّطات تقسيمية تستهدف كلّ سورية وليس السويداء”.
وبينما تثير التهديدات الإسرائيلية الحاجة إلى دعم عربي وإقليمي لسورية، يشكّل تعزيز الوحدة الوطنية الأساس لمنع تكرار هذه الفوضى الدموية، ما يتطلّب احتضان مبادرات اجتماعية وسياسية لتعزيز هذه الوحدة، عبر تكريس مبدأ المواطنة وإعلاء سيادة القانون، والقيام بمحاسبة حازمة وعادلة لمرتكبي الانتهاكات إلى أيّ طرف انتموا، ونشر نتائج هذه المحاسبة على الملأ، من قبيل توقيف من أقدموا على قصّ شوارب رجال، ونشر أسماء المرتكبين وصورهم والعقوبات التي أوقِعَت بهم، من أجل بناء الثقة والبرهنة على الجدّية، والتشارك مع المجتمع المدني والقوى السياسية في جبر الأضرار المادية والمعنوية التي لحقت بمحافظة السويداء، وذلك جنباً إلى جنب مع نشر تقرير لجنة تقصّي الحقائق في أحداث الساحل في مارس/ آذار الماضي، الذي تأخر صدوره على نحوٍ غير مبرّر.
العربي الجديد
——————————-
دمشق والهزيمة أمام إسرائيل بلا حرب/ عمر قدور
السبت 2025/07/19
كانت الرسالة الإسرائيلية واضحة يوم الأربعاء الفائت، إذ قصفت تل أبيب مبنى الأركان في دمشق، في حين كانت مسيَّراتها وطيرانها يقصفان قوات تابعة للسلطة السورية متوغّلة في السويداء، خصوصاً تلك المدعومة بالدبابات. القصف الإسرائيلي كان تذكيراً حادّاً ودموياً بخط أحمر سبق لتل أبيب إعلانه، وهو عدم السماح لقوات السلطة بالسيطرة العسكرية على جنوب دمشق، بمعنى أن القوات (أو الفصائل) التابعة للوزارة لا تملك حرية الحركة بدءاً من ضواحي دمشق الجنوبية.
عملياً، هذا يوسّع المنطقة منزوعة السلاح المنصوص عليها في اتفاق الهدنة عام 1974. ومن جهة أخرى، يضع الجنوب السوري بأكمله تحت العين الإسرائيلية التي يسهل عليها الاستعانة بأحدث الأسلحة عندما يقرر المستوى السياسي أن خطه الأحمر قد اختُرِق. الرسالة الإسرائيلية كانت قد أُعلِنت بوضوح تامّ مع أحداث العنف في جرمانا وأشرفية صحنايا أواخر نيسان الماضي، وحينها كان واضحاً أن الحزم الإسرائيلي دفع السلطة إلى تسوية لا تروق لها مع الدروز، وبالتالي كان واضحاً أن إسرائيل تتسلل من شقوق الداخل السوري لتلعب دور المايسترو في الجنوب بين مَن يُفترض أنهم أبناء الوطن الواحد.
تلك التسوية، بطعم الهزيمة، لم تُستوعب دروسها من السلطة، بوصفها الجهة التي تتحمل المسؤولية أولاً بحكم موقعها. ويعرف المتابعون أن حساباتٍ لإعلامييها حرّضت لأكثر من شهرين على الدروز، ولو أنها أحياناً استخدمت الشيخ حكمت الهجري كدريئة للتصويب. وثمة بين هؤلاء من ظهر بتسجيلات، وهو يستخدم لهجة أهالي السويداء على سبيل السخرية. وبينما كانت وكالات الأنباء تسرّب أخباراً عن قرب التطبيع بين السلطة وإسرائيل، كانت تلك الحسابات تتهم الدروز بالعمالة لإسرائيل.
الحسابات إياها احتفلت خلال الأسابيع الأخيرة بتصريحات المبعوث الأميركي إلى سوريا توم باراك، والتي اعتُبرت محابية جداً للسلطة السورية. ولم يُستنكر تكراره الحديث بسلبية عن اتفاقية سايكس-بيكو، بما ينطوي عليه من احتمالات تغيير الخرائط في المنطقة، ومنها ما هو مرتبط بالجولان. كان واضحاً أن الرضا الأميركي، ومن خلفه تقليدياً ما يُفهم أنه رضا إسرائيلي، هما الأهم من دون تقديم أي مبرر مقنع لهذه الحفاوة بالتصريحات، باستثناء ما يعنيه الرضا لجهة تكريس السلطة باكتسابها “شرعية” خارجية تقوّيها تجاه الداخل.
بموجب السياق نفسه، ظهر كأن السلطة في أفضل حالاتها لإخضاع السويداء. ثمة افتراض شائع جداً مفاده أن السلطة تم توريطها بإشارات إسرائيلية مضلِّلة، في المفاوضات الجارية بين الطرفين، والافتراض يستند في جانب منه إلى تصريحات أميركية عن وجود سوء تفاهم، أو سوء فهم، بين الطرفين. لكن، سواء صحّ هذا الافتراض أو لم يصح، من المؤكد أن حسابات السلطة كانت خاطئة تماماً. فعندما أرسلت قوات من وزارتَي الداخلية والدفاع توعّدت بالسيطرة على السويداء خلال ساعات، ثم بسبب القصف الإسرائيلي بدأ انسحاب القوات بعد الساعات الموعودة.
هي من الساعات الأكثر دموية منذ سقوط بشار الأسد، وحتى الآن لا يُعرف ما حصدته من الأرواح ومن إحراق بعض الممتلكات، ونهب واستباحة بعضها الآخر. ما نعرفه فقط، من خلال أسماء موثّقة للقتلى المدنيين، تجاوز المئة بعد أول إحصاء سمح به وقف إطلاق النار، في حين لم تُعلن حصيلة رسمية لقتلى القوات المهاجِمة، أو قتلى الفصائل المحلية في السويداء. في المجمل، ما حدث كان بمثابة قرار مغامِر، دُفِع ثمنه المئات من أرواح المدنيين ومنتسبي الجيش والأمن، إذا تغاضينا عن عناصر الفصائل المحلية بالنظر إليهم كعملاء لإسرائيل حسب ما دأب مناصر السلطة على ترويجه.
في الحصيلة النهائية لتلك الساعات الكارثية، هناك خسارة وطنية مادية ومعنوية في السويداء. وهناك إهانة هي الأكبر رمزياً خلال سنوات من القصف الإسرائيلي، إذ استهدف هذه المرة رمزاً سيادياً في العاصمة، بهدف الإذلال، لا لأي هدف عسكري. وإذا كانت نية الإذلال مفهومة إذ تصدر عن عدو، فالمستنكَر هو صدورها عن عناصر من وزارتي الدفاع والداخلية، أو عناصر مدعومة منهما، تولّت إهانة رجال السويداء المدنيين بقص شواربهم، وهو ما فعلته أيضاً القوات ذاتها أثناء اقتحام أشرفية صحنايا في نهاية نيسان.
الحسابات الموالية على السوشيال ميديا كانت خلال يومين سابقين قد راحت تهدد الدروز بالمقصّات، كناية عن التوعد بإذلالهم، وهو ما لم يكن موجَّهاً فقط لجماعة الهجري، مع تنويهنا بأن هذه جريمة ضد الإنسانية من حيث المبدأ، وكائناً من كان المستهدف بها. غداة انسحاب القوات الحكومية، خرجت مسيرات مؤيِّدة تفضح الخطاب المحايث للحملة على السويداء، فمثلاً في مسيرة كبيرة في حي الميدان في دمشق صدرت هتافات جماعية، بعضها يذكّر بهتافات شبيحة الأسد، وبعضها مستجد مثل: الله الغالب الله الغالب.. الأمن العام قصّ الشوارب. وفي مسيرة مماثلة في حماة رُفع على الأكتاف شخص يحمل مقصّاً كبيراً. ولا نريد التفصيل أكثر في الهتافات، لا المشينة منها طائفياً ولا الإبادية، فالأمثلة كثيرة من أماكن متفرقة.
وكما هو معلوم راحت المسيرات التحريضية تتغذى مما يُنشر على حسابات لمقرّبين من السلطة عن أعمال انتقام قامت بها فصائل درزية ضد البدو الذين حارب بعضهم مع القوات الحكومية. والمؤكد أن بعض الفيديوهات التي أثارت الغضب كان ملفّقاً، والمؤكد أيضاً وجود انتهاكات ضد البدو لم تُوثَّق بمصداقية بعدُ. في كل الأحوال، استُخدمت هذه الذريعة للدعوة إلى ما سُمّي “فزعة العشائر”، والكل يعلم أن هذه الفزعة هي غطاء لما تريده السلطة. ولم يتأخر أحد أعضاء لجنة السلم الأهلي العليا في شكر العشائر التي تداعت للهجوم على السويداء، بعد الانسحاب الاضطراري لقوات وزارتي الداخلية والدفاع، مستخدماً عبارات من قبيل: الآن نغزوهم ولا يغزوننا!
ربما تكون فزعة العشائر رسالة داخلية وخارجية في آن، شقها الداخلي في استخدام الحرب الأهلية سبيلاً لتطويع المتمردين على هذه السلطة، وشقّها الخارجي موجَّه إلى المايسترو الإسرائيلي، وعلى الطريقة المعروفة سابقاً، أي القول: إما أنا أو الفوضى على حدودكم. لكن، مهما كانت الرسالة، من المؤكد أن ثمنها باهظ مرة أخرى من أبناء العشائر ومن أبناء السويداء الذين سيتصدّون لهم. في الحصيلة الإجمالية، هي خسارة أخرى مضافة على الصعيد الوطني، لجهة إهراق المزيد من الدماء، وبإشراف من السلطة التي يُفترض بها الحرص على النسيج الاجتماعي السوري، فلا تلعب على تناقضاته كما فعل سلفها، وتكرّسها للمستقبل.
الأمر بهذا الوضوح: إذا كانت السلطة في حرب مع متمرّدين (كما تدّعي) فقد فشلت في حماية المدنيين، وهو التزام تقرّه المواثيق الدولية الخاصة بالحروب، ومن باب أولى أن يكون التزاماً أقوى تجاه المدنيين من أبناء الوطن. وهي أيضاً أدخلت عناصرها في مغامرة عسكرية فاشلة، ومكلفة من حيث الضحايا، ومن حيث سمعة هؤلاء العناصر على الصعيد الوطني، وأيضاً على صعيد هيبة المؤسسة التي ينتمون إليها.
هو فشل بمثابة فضيحة مؤسفة على العديد من المستويات، ويكفي النظر إلى تجارب دول حرة ديموقراطية لمعرفة ما يترتب على هذا النوع من الأخطاء الكارثية التي تودي بأرواح أبناء البلد. الأشد فداحة هو أن أحداً على مستوى عالٍ من السلطة، تحديداً من حلقتها الضيقة المعروفة، لم يظهر على الإعلام ليعتذر عمّا حدث، أو ليبدي أسفه على مقتل المدنيين الأبرياء، أو حتى على مقتل عناصر من الجيش والأمن العام. إنه، مرة جديدة، منتهى استرخاص الدم السوري، وهذا يُنذر بكوارث لا تتعلق بطوائف وأقليات، بل بسوريا كلها.
منذ تسلّمت هذه السلطة الحكم كان السبيل أمامها واضحاً لتوحيد السوريين، وهو تقديم النموذج الجذّاب لهم على صعيد احترام حقوقهم كمواطنين، وهذا في أصل ما قامت الثورة لأجله. هذا هو أيضاً السبيل لتحصين البلد ضد التدخل الخارجي المباشر على النحو الذي يفعله المايسترو الإسرائيلي في الجنوب، وبطبيعة الحال هذا سبيل معاكس لما حدث من هزيمة أمام إسرائيل بلا حرب. لقد عانى السوريون خلال عقد ونصف مما تكرر السلطة فعله بالسلم الأهلي، وهم بحاجة إلى دواء لا يكون من صنف الداء.
المدن
——————–
دمشق ومسألة السويداء/ بيار عقيقي
19 يوليو 2025
كلُّ من ظنّ أن في وسع السوريين الانتقال من نظام إلى آخر، في فترة لا تتجاوز الثمانية أشهر، من دون إرهاصات دموية، يجهل فعلياً حالات الانتقال المماثلة عبر التاريخ. أبرز النماذج أفغانستان ما بعد الاحتلال السوفييتي، والعراق ما بعد الاحتلال الأميركي، وليبيا ما بعد معمّر القذافي، واليمن ما بعد علي عبد الله صالح، وغيرها كثر. غير أن الحالة السورية، في الساحل أولاً، ثمّ في السويداء، تطرح تساؤلاتٍ جمّةً بشأن قدرة الحكم الجديد على استيعاب مكوّنات أو أقليات أو طوائف صغيرة، مهما كان اسمها، من جهة، وحول اعتقاد هذه الطوائف أن “الحماية” ممكنة خارج نظام الأسد، وتحديداً في ظلال نظام أحمد الشرع، بما يضمّ من تيارات محلية وأجنبية متشدّدة، من جهة أخرى.
لا تستقيم مثل تلك الحالة في سياقات تقليدية. لم يتعلّق الأمر قطّ بالعدد في سورية. العلويون، الذين حكموا البلاد تحت أجنحة حزب البعث، تمكّنوا من فعل ذلك مع الاستعانة بعائلات أو أرستقراطية سُنّية متغلغلة في الاقتصاد السوري، وعلى امتداد الجغرافية السورية. السُّنّة اليوم، حكّام سورية الفعليون، يعلمون أن هذه القوة لا تعني السحق، باسم “الخيانة” أو “الغدر”، بل إن مثل ذلك لا يحتاج إلى أكثر من تنفيذ ما قاله الشرع مراراً حول الاعتماد على كلّ الطوائف السورية لبناء سورية الجديدة. ذلك لأن ما يجري في السويداء لن ينتهي بانتهاء الدروز، إذا كان هناك مثل هذا التفكير. كذلك، لن ينتهي بانتهاء العلويين في الساحل ولا الأكراد في الجزيرة. في تلك المسألة يتجسّد تكرار الدور التهجيري للأسد بحقّ الشعب السوري عقداً ونيّف.
في المقابل، ليس فقط الدروز، بل أيضاً الأكراد، سعوا مرّات، جماعاتٍ أو أفراداً، إلى الحصول على حمايات دولية، لإحياء الآمال في بناء إدارة ذاتية على الأقلّ، في حال كان صعباً تشكيل دولة كاملة السيادة. في ذلك، ترجمة لظلم تعرّض له هؤلاء طوال الحكم البعثي، ولا يمكن هنا الانتهاء من الأسد والإبقاء على عقليته. وطبيعي أن تطلّعات السلطات الجديدة في دمشق، المتمتّعة بدعم دولي قلّ نظيره لأيّ سلطة انتقالية، تنحو نحو جمع السلاح وتوحيد القوى تحت راية الدولة المركزية. لكن تجربة الساحل دفعت الدروز والبدو وعشائر دير الزور والأكراد إلى التمسّك بسلاحهم. إذاً، هناك مشكلة وليس مطلوباً من السلطة أن تنتظر الآخر كي يبادر، بل تتحتّم عليها المبادرة، وضمن منطق استيعابي يسمح لها بتمتين قوتها المركزية لمصلحة كلّ شعبها لا لمصلحة أجزاء منه.
البديل عن ذلك لن يكون “قوةً قاهرةً”، سواء لوجود إسرائيل عنصراً استغلالياً للأزمات، أو أن “القوة القاهرة” أضحت أضعف ميدانياً بفعل الهجمات الإسرائيلية التي دمّرت عتاد الجيش السوري في الأشهر الماضية. “القوة القاهرة” تعني تكريس القهر فلا يعود يُسمح ببناء دولة فعلية يطمح إليها السوريون، وأولهم الشرع، ولا حتى تشكيل دويلات طائفية معترف بها دولياً. كأن سيناريو الحروب الأسدية الداخلية يتكرر 14 عاماً أخرى. فائض القوة هنا لن يُترجم سوى في إرساء القانون على الجميع، لأنه عدا ذلك، سيتراجع من يرغب حقاً في دعم السوريين، ولن يتردّد في تركهم لمصيرهم.
أمّا الإسرائيليون، الذين “يدافعون عن إخوانهم الدروز”، فأرادوا لحظةً علنيةً للخروج بمظهر “حماة أقلية مضطهدة”. وهو بأيّ حال ما تحدّث عنه وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، بقوله: “الأقلّيات في المنطقة ستحتاج إلى التماسك معاً”. وقتها لم يكن الأسد قد سقط، ولا أُقرَّ وقف إطلاق النار في لبنان. أمام دمشق مهمة تقضي بمنع تل أبيب من السيطرة على الجنوب السوري، لا تبدأ من حوار تقليدي ولا تنتهي بحلول جدّية، بل بفهم حقيقة أن تكرار حلول سابقة سيستولد المشاكل نفسها. هل يحتاج حكام دمشق إلى ذلك؟
العربي الجديد
—————————-
لُعبة أمم دامية على الساحة السورية/ ناصر زيدان
السبت 2025/07/19
لم يكُن ينقص سوريا المزيد من التضحيات والدماء، ولا مراكمة آلام جديدة، وما حصل في الأسبوع المُنصرم فاق كل التوقعات، ودفع الأبرياء في السويداء ثمناً غالياً، بينما خسرت الحكومة كثيراً من رصيدها ومن رجالها، وطال الحريق زوايا البلاد المُنهكة، وانغمست المجموعات المعنية بدافع القربى في تفاصيل الحدث، وتبين للجميع أن ما جرى ليس عملية فرض للنظام من قبل الحكومة على منطقة “متمرِّدة” بل تصفية حسابات إقليمية ودولية على الساحة السورية، شارك فيها عدد كبير من المؤثرين الخارجيين، وساهم في إشعال نارها متحمسين في الإدارة الجديدة، يفتقدون لأي خبرة استراتيجية، ومعهم بعض النافذين في المحافظة.
الإدارة الجديدة أخطأت في تشخيص الوضع، كما أخطأت في طريقة استطلاع رأي الأطراف المعنية، أو المؤثرة. وما تمَّ تسريبه من معلومات حول حصول هذه الإدارة على موافقة أميركية وإسرائيلية وعربية وتركية للقيام بعملية أمنية في محافظة السويداء، أساء للموقف، ولم يكُن في صالح الحكومة. وبعض الموافقات فيها شيء من الاستدراج، وقد تبين أن إسرائيل تحديداً انتظرت لكي تتورَّط القوات الحكومية ومن يسير تحت ظلها من المنحرفين بارتكاب تجاوزات وعمليات قتل شنيعة، لكي تستخدم ذلك ذريعة للعدوان على سوريا وضرب مواقع هامة فيها ليس لها علاقة بما يجري في السويداء (باعتراف صحيفة يديعوت أحرنوت 18/7/2025) بحجة حماية الموحدين الدروز، بينما هدفها تقويض الانطلاقة السورية الجديدة، وإنشاء منطقة منزوعة السلاح في جنوب سوريا، وتنفيذ مشروع تفتيتي للمنطقة التي تحيط بها، مستفيدة من الأخطاء التي حصلت. وما يؤكد ذلك عدم تحرُّك إسرائيل قبل العمليات لمنع ارتكاب التجاوزات التي طالت أبناء السويداء، وهي كانت قادرة على ذلك، باعتراف بعض المتعاملين معها من داخل الكيان ومن خارجه.
ملف الموحدين الدروز حساس وشائك منذ القِدم في سوريا وخارج سوريا، برغم أن عدد هؤلاء لا يتجاوز 1.5 مليون شخص في المنطقة برمتها، ولكن تأثيرهم السياسي والعسكري كان أكبر من حجمهم العددي في محطات هامة عبر التاريخ، لا سيما في مشاركتهم الفاعلة في معركة حطين ضد الصليبيين، وفي مقاومة حملة التمرُّد التي قام بها محمد علي باشا ضد الدولة العثمانية قبيل منتصف القرن التاسع عشر، وفي الثورة السورية الكبرى التي قادها أبن جلدتهم سلطان باشا الأطرش عام 1925 ضد الإنتداب الفرنسي. والرئيس السوري الأسبق أديب الشيشكلي قال عام 1954 “إن القضاء على أفعى المعارضين” لا بد أن يبدأ من قطع رأسها في السويداء، وهو قام بحملة شنيعة على المحافظة، ساهمت فيما بعد بإسقاط حكمه، وهروبه الى البرازيل، لكن أحد مواطني السويداء (نواف غزالة) تابعه الى هناك وقتله انتقاماً، وبعض الماكينة الإعلامية، أو التشويشية المحسوبة على حكومة الرئيس أحمد الشرع كشفت مثل هذا التوجه ضد السويداء قبل حصول الأحداث الأخيرة، واعتبرت أن القضاء على “التمرُّد” فيها، يضرب كل أشكال الاعتراض والتمرُّد في سوريا، بما فيها حالة القوى الكردية والمجموعات العلوية والحراك الديمقراطي المدني في المُدن ذات الغالبية السنية.
لكن الدروز بغالبيتهم الساحقة مؤيدون لوحدة سوريا، وغير معارضين للإدارة الجديدة، لكنهم يطالبون بدستور عصري وإنشاء دولة مدنية تحفظ حقوق وأمن كل المكونات بالتساوي، وهؤلاء لا يثقون بتركيبة القوى الأمنية المحسوبة على هيئة تحرير الشام ذات التوجه المُتشدِّد، وبعض هذه القوى دخل في لعبة تشجيع عناصر من جيرانهم البدو ضدهم، ويعتبرون عقيدة الجيش غير واضحة حتى الآن، والأخطاء التي حصلت في الساحل، لاسيما مجازر شهر آذار/مارس 2025، أثارت خشية كبيرة عند الدروز، وتأكد وجود عناصر متفلّتة داخل صفوف هذا الجيش، تُشبه بممارساتها عناصر تنظيم “داعش”، والواضح أن عدد من المعارضين للتوجهات الأوتوقراطية عند الإدارة الجديدة؛ يفضلون خيارات أخرى. واستهداف المطاعم والمراكز الثقافية، وتفاقُم الخطر الأمني، والخشية على السلامة الشخصية عند هؤلاء، جعل عدد منهم يراهنون على حمايات ذاتية او خارجية.
هناك تقاطع مصالح دولية وإقليمية حول ما يجري في سوريا، وهناك تعارضات مُقلقة أيضاً. وقيل أن المبعوث الأميركي طوم باراك هو الذي أعطى إشارة الموافقة على فرض الخيارات العسكرية لتأمين وحدة الأراضي السورية، وإسرائيل وافقت ربما بغرض استدراج الحكومة إلى المستنقع المؤلِم، ثم استغلَّت الأحداث لفرض منطقة أمان لها في الجنوب، وزيادة الشرخ في صفوف المكونات المجتمعية السورية، بينما تركيا ودول عربية تريد مساعدة الشرع على تثبيت سلطته لتتجنَّب العودة الى الفوضى، وإلى عدم استخدام الأراضي السورية في عملية صناعة وتهريب الممنوعات.
حكومة الرئيس الشرع فشلت في معالجة التحديات الداخلية حتى الآن، وهي ما زالت تستثمر في مخزون الكراهية الداخلية والخارجية للنظام البائد، وتستغل الدعم العربي والدولي لترسيخ نفوذها، ولم تُقدِم على توفير أي مقومات معيشية للمناطق البعيدة عن العاصمة، ولا سيما السويداء، وأبناؤها يعانون من فقرٍ مُدقِع، ومن فقدان للكهرباء وللمياه وللطبابة، ورواتب موظفي الدولة السابقين والمتقاعدين لا تُدفع في أوقاتها.
حرب السويداء الضروس، كانت كونية كما وصفها لنا أحد مواطني المحافظة الذي فقد أفراد من عائلته، في “لعبة أُمم” لا ذنب لهم فيها، ولا إمكانية لهم في التأثير على مجراها. لكن المفاجأة كانت في قدرة المُتعبين من أهالي السويداء على المقاومة والقتال الفردي الجسور، عندما وصل الأمر إلى حد النكث بالتعهدات التي أدت إلى توافق على دخول سلمي لقوات الحكومة، وحصلت الاعتداءات على كرامة الشيوخ والنساء والأطفال، وتبين أن شعار “فوق الأرض بكرامة او تحت الأرض بكرامة” واقعي وليس خيالي، ولا تنطبق في التعامل معه معادلة الربح والخسارة.
ما حصل في الحرب على أراضي السويداء؛ قد يكون عبرة مؤلمة للإدارة الجديدة في دمشق، ولبعض المراهنين على حمايات خارجية في آنٍ واحد. فمهما كبُرت التضحيات؛ لا خيار أمام الفريقين إلا الحوار والمصارحة والتسامح وصولاً إلى المصالحة الكبرى، لا سيما بين الجيران الأصدقاء والأخوة الألداء في المحافظة، وهي وحدها تحمي سوريا والسوريين.
المدن
—————————–
بدعم أميركي وإقليمي: الشرع يقارع نتنياهو لمنع “انسلاخ” السويداء؟
السبت 2025/07/19
في كلمته التي وجهها بعد الدخول الإسرائيلي على خطّ المواجهات التي شهدتها السويداء، واستهداف مبنى هيئة الأركان في دمشق، قال الرئيس السوري أحمد الشرع: “امتلاك القوة العظيمة لا يعني بالضرورة تحقيق النصر، كما أن الانتصار في ساحة معينة لا يضمن النجاح في ساحة أخرى”. حملت هذه العبارة أبعاداً كثيرة، ففتحت الباب أمام تحليلات وتأويلات لما يقصده الشرع. هناك من وضع سياق هذه العبارة في خانة الردّ على عبارة مبطّنة أو ملغومة استخدمها الإسرائيليون في المباحثات الأمنية التي جرت في أذربيجان. إذ، وحسب المعلومات، حصل خلاف على نقاط متعددة، من بينها تمسك سوريا بدخول قواتها العسكرية إلى السويداء والجنوب السوري، فقال الإسرائيليون “ليفعل ما يشاء”. احتملت هذه العبارة تأويلات كثيرة، فبقي التصميم على الدخول إلى السويداء. الأمر الذي رفضته تل أبيب، فتدخلت بقوتها.
العودة إلى الاتفاق
بالنسبة إلى سوريا لا مجال لأي إدارة ذاتية، ولا أي كيان انفصالي. وبحسب المعلومات أيضاً، فإن اتفاقاً كان قد أنجز قبل أسابيع حول السويداء، وقد وافق عليه الشيخ الهجري. ويقضي بتفعيل عمل مؤسسات الدولة ووزارة الداخلية والأمن العام في المحافظة مع ضم العديد من أبناء السويداء إلى المؤسسات الأمنية والعسكرية التابعة للدولة السورية. ولكن في حينها حصل الاعتداء على المحافظ ومبنى المحافظة ما أخّر تطبيق الاتفاق. وفق ما يؤكد مسؤولون سوريون، فإن إسرائيل هي التي عملت على تغذية الإشكالات ومنع تطبيق الاتفاق، لأن لديها أهدافاً استراتيجية تريد تحقيقها. أحد الخلافات الأساسية يتصل بمحاولة فرض منطقة عازلة ومنزوعة السلاح في الجنوب السوري، من درعا إلى السويداء والقنيطرة. وهو أمر ترفضه الدولة السورية.
خلاف آخر يتصل بالنقاط الإستراتيجية التي تتمركز فيها إسرائيل، كموقع تل الحارة في درعا، وهو موقع استراتيجي يطل على كل سهل حوران وعلى دمشق. وموقع “مرصد جبل الشيخ” الذي يكشف دمشق من الجهة الغربية. طالبت سوريا بالانسحاب الإسرائيلي من هذه النقاط، لكن تل أبيب رفضت ولا تزال. كما تحاول الضغط على سوريا أمنياً وعسكرياً، في سبيل الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان. وهو أمر يرفضه الشرع.
ضغوط أميركية
وقعت المواجهات التي دخلت إسرائيل على خطها سريعاً، وعبّر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن أهدافه، عندما أشار إلى خلق منطقة منزوعة السلاح في كل الجنوب السوري. في المقابل، تسارعت الاتصالات الإقليمية والدولية لوقف التصعيد الإسرائيلي ضد سوريا. اتصالات عديدة أجريت مع الشرع للتعبير عن التضامن مع دمشق. كما أن اتصالات أجريت بين الولايات المتحدة الأميركية، المملكة العربية السعودية، دولة قطر، وتركيا من أجل الوصول إلى وقف المواجهات وتهدئة الأوضاع. كل الاتصالات التي أجريت مع الشرع عبّرت عن دعمه واستمراريته. كثف الأميركيون من ضغوطهم على تل أبيب.
حصيلة الاتصالات التي أجريت مع الشرع، والمواقف التي أُبلغ بها، هي التي دفعته إلى البقاء على موقفه على الرغم من سحب قوات وزارة الدفاع السورية، ووزارة الداخلية والأمن العام من السويداء. علماً أنه خلال التواصل مع الأميركيين تم التعبير لهم عن مخاوف من حصول جرائم بحق البدو، كرد فعل على ما جرى في السويداء بحق الدروز. وجرت محاولات لمنع حصول أي مواجهات تؤدي إلى تأجيج الصراع، إلا أنها لم تنجح، ما أوصل الأمور إلى حافة الحرب الأهلية، خصوصاً بعد الاستنفار العشائري الذي شهدته سوريا كلها.
التسريب الإسرائيلي
حصلت الهجمة “العشائرية” المضادة باتجاه قرى الدروز، بالتزامن مع تفعيل الاتصالات للوصول إلى تهدئة الأوضاع. وتم اقتراح تجديد الاتفاق القديم. أي دخول قوات الأمن العام إلى السويداء، وإعادة تفعيل عمل الضابطة العدلية من قبل أبناء الدروز ومن عناصر آخرين من محافظات أو طوائف أخرى على أن تقوم الأجهزة الأمنية في وقف الاشتباكات بين الدروز والعشائر. وافقت مرجعيات السويداء على هذا الأمر ومن بينهم الشيخ حكمت الهجري، بينما كان هناك شرط من قبل القيادة السورية يقضي بأن يكون الاتفاق شاملاً، أي دخول الأمن العام على أن لا تدخل هذه القوات بمفردها كي لا تتعرض لأي أعمال عنف أو أعمال انتقامية بل ترافقها قوات عسكرية لوزارة الدفاع، بالإضافة إلى اندماج عناصر من الطائفة الدرزية بها، بالإضافة إلى اندماج مقاتلي الفصائل بالمؤسسات التابعة لوزارة الدفاع.
بقيت القيادة السورية مصرة على تحقيق الاتفاق القديم، وعدم الافساح في المجال أمام أي إدارة مستقلة أو ذاتية لأي محافظة، لأنه لو حصل ذلك في السويداء سيتكرر في محافظات أخرى، لا سيما في شمال شرق سوريا، وفي الساحل.
كان لافتاً التسريب الإسرائيلي عن دخول قوات الأمن العام إلى السويداء خلال 48 ساعة. فهذا يشير إلى الدخول الأميركي على الخط، وسط قناعة سورية بأن واشنطن تدعم الشرع، ولا تريد إضعافه أو خسارة تجربته. وهذا ما دفع الشرع إلى التمسك بمطالبه، خصوصاً أنه لاقى إلى جانب الدعم الأميركي دعماً إقليمياً وعربياً كبيراً من خلال الاتصالات التي تلقاها والبيانات التي صدرت. هذه القراءة لدى الشرع هي التي دفعته أن يطلق عبارته التي شغلت كثيرين، بأن الانتصار في ساحة معينة لا يضمن النجاح في ساحة أخرى. ولكن في المقابل هناك قناعة أخرى بأن إسرائيل لن تتخلى عن أهدافها ولن تقبل التراجع، خصوصاً أن نتنياهو يصر على فرض كل ما يريده بالقوة، وصولاً الى استخدامه عبارة “فرض السلام بالقوة”.
المدن
—————————-
في كذبة الوطنية السورية/ غازي دحمان
19 يوليو 2025
تثبت الأحداث المتواترة، والمتنقّلة في الجغرافيا السورية، أن الانتماءات الطائفية والعرقية، وحتى المناطقية، هي المحدّد الأساس لانتماء “الشعوب” القاطنة ضمن الإطار الجغرافي المسمّى سورية، في ظلّ بروز سردياتٍ لكلّ مكوّن، وتاريخ منفصل وخاصّ، في الغالب مبنيٌّ على الصراع ضدّ الأخر، الشريك أو العدو الرابض عند تخوم حدود المُكوِّن. …أين كانت كلّ هذه الضغائن مخبّأة، وكيف وُوريتْ في العقود الماضية، ولماذا خرجت بهذه البشاعة وفي صورة انفجار وقح، ينادي بالإبادة وبالتدخّل الخارجي وبالانفصال وبالثأر؟ وأين الوطنية السورية التي يمكن وصفها في هذه اللحظة بأنها أضعف المفاهيم والقيم، وأقلّها قدرة على التأثير والفعل؟
لافتٌ في الحالة السورية أن نُّخباً مثقّفةً ومتنوّرةً تقود هذا الانحدار المتسارع صوب الحرب الأهلية، والمشكلة أن كثيرين يسيرون في هذا المسار المهلك وكأنّهم ذاهبون إلى عرس، ويغطّى هذا الانحدار بشعارات حداثية خادعة، تُوظّف وتُلوى عنقها خدمةً لأهداف خاصّة، مثل ضرورة سيطرة الدولة واحتكارها السلاح، أو من حقّ الأقليات أن يكون لها خصوصيتها، وسواها من مبرّراتٍ تستخدمها أطراف المقتلة، ويصيغها في الغالب من يسمّون “نُّخباً مثقّفة”.
علينا الاعتراف الآن، وبعكس ما يُقال إن نظام الأسدَين هو من صمّم الحالة السورية لتكون على هذه الشاكلة، أن ذلك النظام، ورغم كلّ أخطائه، استطاع لملمة الشتات السوري ووضعه ضمن قالب اسمه الوطنية السورية، عبر إيجاد حالة من التآلف والتجانس، ولو بحدودها الدنيا، بين جماعات لم يكن لديها لا الرغبة ولا الإرادة لصياغة حالة وطنية، فوق طائفية أو قومية، نتيجة ظروف تاريخية شكّلت وعي الجماعات السورية، فصنعت كلّ جماعةٍ سرديّتها الخاصّة المبنية على الحذر والشكّ وعدم الثقة بالسوري الآخر.
بالقوة، أو من أجل أهداف سياسية، استطاع نظام الأسدَين لصق هذه المكوّنات المتنافرة في نسيج، صحيحٌ أنه مشوّه، لكنّه غير متفسّخ إلى حدّ الذهاب إلى الاحتراب ضرورةً وجوديةً ومدخلاً للتعبير عن الهُّويَّة. على الأقل خفّض التوتر الكامن داخل الجماعات بدرجة كبيرة، كما ساهم توزيع الظلم وتعميم الفقر والقهر بين المكوّنات في إيجاد مساحة، ولو ضئيلة، لتتقاطع عندها تلك المكوّنات تشاركاً في حمولات الألم والهمّ، تفرغ جزءاً كبيراً من شحنات الكراهية تجاه الآخر المختلف. لطالما بالغ نظام الأسدَين في الحديث عن وطنية سورية، في إطار كذبة، الهدف منها تثبيت السلطة وتصويرها حالة إجماع وطني وخيار مواطنين سوريين أحرار، فيما ظلّ مفهوم الوطنية غريباً بين المكوّنات السورية الغارقة في انتماءات ما قبل الوطنية، لم يصدّقها أحد من العامّة السوريين. وتكّشّف أن نخباً كانت تعاقر مفهوم الوطنية بوصفه مكياجاً للتجميل ليس أكثر، لاكتساب صفة الحداثة والتنويرية، الشروط اللازمة كي يحصل المثقّف على هذا اللقب، ومن دونها لن يُبهر أحداً، ولن يحتسب ضمن خانة المثقّفين.
كشفتنا وسائل التواصل الاجتماعي حدّ الفضيحة، عرّتنا من كلّ الأردية التي حاولنا، لا أن نستر بها انتماءاتنا الأولية، فقط، بل أن نقدّم أنفسنا أيضاً بصور بدا أنها كانت زائفةً وغير حقيقية. من يتابع وسائل التواصل يهاله هذا الحجم الكبير من الانحطاط والبؤس الثقافي وحتى المعرفي، يكتشف الفضيحة المؤلمة، أن بعض من سَمّوا أنفسهم قادة رأي ومثقّفين في سورية عُراة، بل كركوزات يبحثون عن الإعجابات التي يهديها لهم جمهور غافل، أو حتى موتور، من دون التفكّر بالمسار الخطير الذي يسلكونه وما قد يترتب عليه من تداعيات فجائعيه.
في سورية اليوم، الشيخ والطائفة والعشيرة هي الوطن، ومن هم خارج هذه الأقانيم أعداء موصوفون يجوز قتلهم، والانتصار عليهم فخر وعزّة، يُضاف إلى السردية الموصوفة التي تؤكّد استمرار الانتصار التاريخي على الآخر، بل تجزم بعراقة المكوّن وجدارته التاريخية. أمّا الآخر فهو من خامة أقلّ جودة، نسلاً وفكراً وأخلاقاً وقيمة. بات علينا الاعتراف بأنّ السوريين وصلوا بالفعل إلى مأزق خطير. الحروب الأهلية أصبحت واقعاً معاشاً، والتعايش أصبح من الماضي، والجدران تُرفع كلّ يوم بين المكوّنات. ما يحصل اليوم ليس مجرّد خلافات على قضايا سياسية معينة، ويا ليته كذلك، هو حالة من صراع شرس أقرب إلى الفجور، يذهب أطرافه إلى الاستقواء بالخارج.
السلطة التي باتت تعتقد أنها أمّنت شبكة حماية خارجية، لم يعد يهمّها بالتالي أيَّ صوت داخلي، والأطراف الأخرى التي تستقوي بالخارج، وتراهن على رغبة بعض الفاعلين الدوليين، ممّن خسروا جرّاء التغيير في سورية، في تقسيم البلد ليهدموا المعبد على الجميع. من الضروري لتجاوز كذبة الوطنية، صياغة مفهوم جديد لها، وإرجاع الخلافات إلى حقل السياسة، ومعالجتها بآليات مختلفة، ليس مطلوباً من الجميع أن يهيموا بحبّ الجميع، وليحتفظ كلٌّ بسرديته لنفسه، المطلوب ليس لشيء، بل لتجنّب المذبحة، أن يتوافق الجميع على صيغة قانونية ودستورية، مثل كلّ شعوب العالم، تحفظ وحدة البلد وتؤمّن استقراره، أمّا مفهوم الوطنية فيتوجّب بالفعل إلغاؤه من القاموس السياسي السوري، وفهم أننا مضطرون للتعايش مع بعضنا بعضاً، وتحت سقف قانون يسري على الجميع.
العربي الجديد
—————————
مسؤولية الأكثريّة في سوريا: حماية الوطن لا احتكاره/ مها غزال
السبت 2025/07/19
في سوريا ما بعد سقوط الأسد، تواجه البلاد سؤالاً وجودياً يتجاوز من يحكم ومن يعارض. إنه سؤال الهوية: من نحن؟ وكيف نعيد تركيب الاجتماع الوطني من دون أن نعيد إنتاج الكارثة ذاتها؟ وفي قلب هذا السؤال، تقف الأكثرية السنية أمام مرآة الذات: ليس لتتحقق من حضورها، بل لتتأمل في معنى هذا الحضور، وفي الطريقة التي ينبغي أن تكون فيها أمة لا طائفة، وأكثرية لا سلطة.
بعد عقود من الاستبداد الطائفي، حيث اختُزِلت الدولة في فئة، واختُزل الوطن في حكم العائلة، جاء انتقال الرئاسة إلى أحمد الشرع لا ليكون حدثاً سياسياً فحسب، بل لحظة تأسيسية في الوعي العام. الشرع، القادم من مناطق المعارضة، السنيّ الهُوية، يجد نفسه أمام إرث ثقيل من القطيعة، ومن خوف الأقليات، ومن تشوه العلاقة بين الهوية والدولة. وهنا، لا تكفي النوايا ولا تكفي الشعارات؛ بل يُطلب من الأكثرية السنية أن تبرهن – مرة أخرى – أنها ليست طائفة غاضبة، بل أمة راشدة.
الطوائف، بطبيعتها، تَتَعرف على نفسها من موقع القلق. تبني سرديتها حول مظلومية متخيلة أو واقعية، وتُسَوِّر وجودها بخوف دائم من الذوبان أو الإقصاء. أما السنّة، فليسوا كذلك. لم يعرفوا أنفسهم كطائفة، بل كجذر أصيل في نسيج الأمة. لم يحتكموا إلى “الاستثناء الطائفي”، بل إلى “الامتداد الطبيعي”. ولهذا، فإن غياب خطاب المظلومية عن خطابهم لم يكن غفلةً، بل وعياً بأن الشرعية لا تُنتزع بالشكوى، بل تُؤسس بالثقة.
في سوريا، لطالما تم التعامل مع السنّة بوصفهم الأمة. لم يُطالِبوا بـ”حصّة”، بل بوطن. لم يطلبوا اعترافاً، بل عدالة. ولهذا، حين سُلبوا من السياسة، لم يلجؤوا إلى الخنادق الطائفية كما فعل غيرهم، بل ظلوا حتى في لحظات الانكسار، يتطلعون إلى سوريا جامعة، لا إلى “سوريا السنية”.
لكن في لحظة ما بعد الأسد، تبدو مسؤولية الأكثرية أعظم من أي وقت مضى. فالأكثرية، خلافاً لما يُظَن، ليست حالة قوة بل حالة اختبار. أن تكون أكثرية يعني أنك الطرف الوحيد القادر على حماية الجميع، لا لأنك الأقوى، بل لأنك الأوسع صدراً. حين تخاف الأقليات، تبحث عن حماية طائفية. أما حين تخاف الأكثريّة، فإنها تهدد الدولة بأكملها. ولهذا، فإن الخوف ليس رفاهية متاحة لها.
الأكثريّة السنية في سوريا ما بعد النظام مطالبة بأن تعيد تعريف موقعها: لا بوصفها المنتصر، بل بوصفها الضامن. هي التي تحمي المسيحي، والعلوي، والدرزي، والإسماعيلي، والكردي، والشيعي، لا لأنها تملك الحق في الهيمنة، بل لأنها تملك الشرعية الأخلاقية في البناء. هذه ليست دعوة للتنازل، بل دعوة للفهم: وحدها الأكثريّة التي تتراجع خطوة إلى الوراء، تُمكّن البلاد من التقدّم خطوة إلى الأمام.
في لحظة ما بعد الطغيان، يسهل على الأكثريات أن تنزلق إلى منطق الانتقام: أن ترد على الإقصاء بإقصاء مضاد، وعلى الاستبداد باستبداد معاكس. لكن ما لا تدركه هذه اللحظة أن الأقليات حين تُقصى، تتحصن. أما حين تُقصي الأكثرية ذاتها، فإنها تفكك الدولة وتفتح الباب لتحالف الأقليات ضدها، تحالف لا يقوم على انسجام سياسي، بل على خوف مشترك من الغالب.
سوريا الجديدة لا تحتمل نسخة سنّية من نظام الأسد. لا تحتمل ثأراً طائفياً، ولا خطاباً طائفياً مقلوباً. ما تحتاجه، هو انتقال وعي الأكثرية من موقع “النجاة من الاستبداد” إلى موقع “الرعاية الوطنية”. من خطاب الردّ إلى خطاب التأسيس. من الشعور بالتهميش إلى تبني فكرة الدولة التي لا تهمّش أحداً.
الرئيس الجديد، أحمد الشرع، لا يواجه فقط مهمة ترميم المؤسسات، بل مهمة أخطر: ترميم الوعي العام. إعادة بناء الثقة بين مكونات المجتمع السوري، على أساس أن الدولة ليست مكافأة لطرف، بل بيتاً مشتركاً للجميع. ولا يمكن له أن ينجح في هذه المهمة إن لم تتحول الأكثرية من جمهور يطالب إلى ضامن يَمنَح. من كُتلة عددية إلى سندٍ أخلاقي للجميع.
هذه ليست رومانسية سياسية، بل شرط بقاء. لا بقاء لسوريا ما لم يشعر الجميع أنهم فيها شركاء لا ضيوفاً، مواطنون لا “أقليات مهددة”. وهذا الإحساس لا يصنعه خطاب دبلوماسي أو قانون توافقي، بل تصنعه روح الأكثرية إن عرفت موقعها الحقيقي.
ليست الأمة من يطلب الحماية، بل من يمنحها. وليست الأكثريّة من يخاف، بل من يُؤمِّن. في سوريا ما بعد الأسد، لا يمكن للسنّة أن يتصرفوا كطائفة، ولا يمكن أن يختزلوا أنفسهم في خطاب مظلومية. ذلك سيكون خيانة لتاريخهم، ولقيمهم، ولنموذج الدولة الذي لطالما حلموا به.
إنهم مدعوون اليوم لأن يكونوا أكثر من أغلبية: أن يكونوا وعياً وطنياً شاملاً، عماداً لوطن لا يتحرك بثارات الماضي بل بآمال المستقبل. فحين تُدرك الأكثريّة أنها مسؤولة لا لأنها الأقوى، بل لأنها الأكثر انتماءً، فإنها بذلك تكتب دستوراً غير مكتوب لسوريا الجديدة: سوريا التي لا تُبنى إلا بالأمم، لا بالطوائف.
المدن
————————–
في “غزوة السويداء”: الدولة (السورية) شرٌّ (لا بد منه)/ حسام الدين درويش
19 يوليو 2025
هذا النظام لا يمكن أن يُصلِح أو يُصلَح أو يساهم في أيّ إصلاح أو يسمح به، ولا خلاص لسورية والسوريات والسوريين إلا بالخلاص منه. هذا ما كتبته وقلته، مع كثيرات وكثيرين، في 2011، عن النظام الأسدي، وهذا ما يقوله عدد متزايد من السوريات والسوريين عن النظام الحالي.
وقد كان عدد من يتبنّى هذا القول ضئيلًا بعيد التحرير، لكن العدد ازداد بعد “مجازر الساحل”، حيث تمّ توثيق انتهاكات كثيرة وكبيرة قامت، وما زالت تقوم، بها أطراف مُنتميةٌ إلى السلطة الحالية أو مُتحالفةٌ معها أو محسوبةٌ عليها. وقد لا تعبّر كلمة “انتهاكات” عن فظاعة الجرائم التي تمّ ارتكابها في هذا الخصوص: قتل وسلب ونهبٌ وإحراقٌ للمُمتلكات وامتهان لكرامات الناس وإذلالهم بأبشع الطرق وأحطّها. باختصارٍ همجية لا تعرف قانونًا أو وطنيةً أو إنسانيةً أو خلقًا أو حياءً. وقد أقرّت السلطة نفسها بحصول انتهاكاتٍ، وشكّلت لجنة تحقيق. لكنّ كثيرين أبدوا تشكّكهم في مدى جدية السلطة في الكشف عن الحقائق ومعاقبة الجناة، ورأوا أنّ السلطة تتبع المثل القائل: “إذا أردت أن تميت قضية وتطمس الحقائق فشكّل لها لجنة”. وتعزّزت تلك الشكوك بعد تمديد مدّة عمل تلك اللجنة من شهر إلى أربعة أشهر، ثم امتناع السلطة، حتى الآن، عن الكشف عن تقرير تلك اللجنة، على الرغم من انتهاء المدّة المحدّدة لتسليمه.
وتفاقمت الشكوك المذكورة بعد “غزوة السويداء” الأخيرة حيث تكرّرت الانتهاكات المذكورة، وتبارز وتباهى بعض مقاتلي القوى التي أرسلتها أو دعمتها السلطة المركزية في ارتكاب الانتهاكات المذكورة وتوثيقها صوتًا وصورةً، من دون مراعاةٍ لشيخوخة شيخ أو للوطنية السورية أو لمدنية المدنيات والمدنيين أو لبراءة أو كرامة أيّ إنسانٍ. وإذا كان بعض مؤيّدي السلطة الحالية يبرّرون العمليات العسكرية في الساحل بكونها ردّ فعلٍ اضطرارياً على هجمات “الفلول” الغادرة التي أوقعت عددًا كبيرًا من الضحايا المدنيين وغير المدنيين، فإنّ عدم وجود مثل ذلك المبرّر في “غزوة السويداء” يبيّن أنّ المبرّر المذكور ليس إلا ذريعة لتنفيذ سياسة مُسبقة الصنع تسمح بتوظيف واستغلال وإفراغ ما في “القلوب/ العقول الموتورة المليانة”، كلّما رأت في ذلك صالحًا لها، وكلّما استطاعت إلى ذلك سبيلًا.
تفاءل كثيرون حين تحدّث رئيس السلطة الحالية، “منذ البداية”، عن “الانتقال من منطق الثورة إلى منطق الدولة”، ورأوا أنّ ذلك لا يعني التخلّي عن القيم أو الأهداف المُفترضة أو الفعلية للثورة السورية (قيم الحرية والكرامة والعدالة والمواطنة الديمقراطية) بل يعني أنّ ذلك الانتقال يمثّل مرحلةً ضروريةً لتحقيق الأهداف المذكورة. فالتخلّي عن منطق الثورة يعني التخلّي عن منطق الانقسام والتناحر بين أطرافٍ سوريةٍ متناحرةٍ، والانتقال إلى منطق الدولة التي تفرض سيادة القانون وتكون دولةَ مواطنة لكلّ مواطنيها. ولكن بعض خطابات وممارسات تلك السلطة، ولا سيما تلك التي حصلت في غزوتي الساحل والسويداء تعطي الانطباع بأنّ منطق تلك السلطة بقي، أحيانًا على الأقل، منطقًا فصائليًّا أحاديًّا إقصائيًّا، وأنه في أحيانٍ، ليست نادرةً، أدنى أو “أوطى” من منطقي الثورة والدولة في الوقت نفسه. ولهذا شدّد كثيرون على أنه، كان وما زال ضروريًّا أن تبتعد السلطة الحالية عن أن تبدو فصيلًا من الفصائل المُتناحرة، وأن تتبنى فعليًّا منطق الدولة وتتصرّف بمقتضاه، بحيث تكون سورية دولة كلّ السوريين، وليست دولة مسلمين/ سنة أو إسلاميين (فحسب) ولا دولة فصيلٍ حرّر، أو أسهم في التحرير، ويحقّ له وحده أن يقرّر. وعندما تتبنى السلطة المنطق المذكور، عمليًّا ونظريًّا، يمكنها الإسهام، الإيجابي والكبير، في تحقيق وحدة سورية أرضًا وشعبًا، أما عندما تكون (بعض) القوى العسكرية المُنتمية إلى تلك السلطة أو الموالية والتابعة لها والمُتحالفة معه فصائل منفلتة وغير منضبطة، فمن واجب تلك السلطة ضبطها قبل إفلاتها على الآخرين، بحجّة بسط سيطرة الدولة والحفاظ على هيبة الدولة. فهيبة الدولة تقاس أو تكون بمدى تهيّبها من المسّ بكرامات البشر وحرياتهم وحقوقهم. والدولة ليست خيرًا في ذاته، بل “الدولة شرٌّ لا بد منه”. و”ما لا بُدّ منه” في الدولة وما يجعلها تقدّم المسوّغات لوجودها هو قدرتها على أن تكون وطنًا لكلّ مواطنيها، وعلى أن تضبط علاقتها بهم والعلاقة بينهم بعدلٍ وإنصافٍ. وللأسف لا يبدو أنّ الدولة السورية الوليدة، مُمثلةً بالسلطة الجديدة المُهيمنة عليه، قادرةٌ على فعل ذلك مع السوريات والسوريين عمومًا، والأسوأ والأخطر من ذلك، وجود شكوكٍ واعتقاداتٍ بأنها لا تملك الرغبة أو الإرادة أو القناعة أو القدرة لفعل ذلك مستقبلًا.
هذا ما استنتجه كثيرون عندما تجسّدت الدولة السورية، الفعلية أو المزعومة، بمؤسّسات وفصائل وممارسات عسكريةٍ وأمنيةٍ إجراميةٍ، في غزوتي الساحل والسويداء، وافتقدت الدولة، بذلك، إلى “ما لا بُدّ منه” لتسويغ وجودها، فتحوّلت، من وجهة نظر كثيرات وكثيرين، إلى شرٍّ محضٍّ أو شرٍّ مطلقٍ ينبغي مقاومته والخلاص منه بأيّ ثمنٍ. فلكي تكون الدولة دولةً، بالحدّ الإيجابي الأدنى للكلمة، ولكي يكون لها هيبة تستحق الحفاظ عليها، ولكي يكون عنفها مشروعًا في مواجهة الفلول، المزعومين أو الفعليين، في الساحل والسويداء وغيرها من المناطق السورية، ينبغي أن تكون دولة قانون وعدالة وإنصاف لكلّ مواطنيها. أما محاولات فرض الوحدة القسرية بفصائل طائفية ذات ممارسات إجرامية غير مُنضبطة فلن تفضي إلّا إلى تعميق الشروخ المجتمعية والانقسامات السياسية الجذرية والتوتّرات والاحتقانات الإثنية والدينية والطائفية، وتفتيت أيّ معنى إيجابي لِمَا يمكن تسميته ﺑ “الوحدة الوطنية السورية”. وهذا ما يبدو أنه حصل فعلًا، للأسف، بُعيد غزوتي الساحل والسويداء.
التركيز هنا على ممارسات السلطة الحالية لا يعني نفي وجود أطرافٍ أخرى خارجة على الدولة والقانون وعليهما، ولديها ممارسات مشابهة أو قد تكون أكثر وحشية وإجراميةً منها، لكن الفصائل الأخرى المذكورة وممارساتها لا تستحق أن تكون موضوع نقد مماثلٍ لذلك الذي يمكن وينبغي ممارسته تجاه ممارسات السلطة التي تدّعي بحقٍّ أو من دونه، أنها ممثلةٌ للدولة السورية الحالية. فالفصائل الأخرى مجرّد فصائل أو عصابات خارجة على القانون وعليه، وينبغي للمرء ألّا يتوقّع منها ما ينبغي توقّعه من الدولة والسلطة المركزية الحاكمة. فلا تستوي الدولة والأطراف الأخرى، فإذا استوت وتصرّفت الدولة بمنطق الفصائل الخارجة على القانون عليه، لم تعد الدولة دولةً، بالمعنى الدقيق للكلمة، ولم يعد عنفها مشروعًا، ولم يعد يحقّ لها (المطالبة بحق) احتكار العنف المشروع. ومع تحوّل الدولة، أو المؤسّسات والقوى المُمثّلة لها إلى فصيلٍ بين فصائل أخرى متصارعة، يصبح عنفها المُمارس تجاه الفصائل والقوى أو الأطراف الأخرى جزءًا من حربٍ أهليةٍ، وليس ممارسةً لحقٍّ وواجبٍ مشروعين. رأى صديقٌ عزيزٌ، مُحقًّا، أنّ السلطة الحالية تنظر إلى الدولة بوصفها غنيمة (حربٍ) يحقّ لها وحدها امتلاكها والتصرّف بها، من دون حسيبٍ أو رقيبٍ، في حين أنّ قوى وأطرافاً أخرى تراها كعكة قابلة للتقسيم والتقاسم، فتنشغل كلّ منها بحصتها غير آبهةٍ بمصير (بقية أجزاء) الكعكة/ سورية المسكينة، وغير مكترثين بحقيقة أنّ الكعكة السورية كانت وما زالت مثل جسدٍ “إذا اشتكى منه عضو تداعى (أو ينبغي أن يتداعى) له سائر الجسد بالسهر والحمى”. وكلّ أعضاء الجسد السوري مُنهكة وعليها كلّها واجب التداعي المذكور، إذا أرادت شفاءها الذاتي الخاص.
سوريات وسوريون كثر يرون ضرورة وجود السلطة الحالية ويتخوّفون من أنّ سقوطها أو العمل على إسقاطها ومعاداتها جذريًّا ووجوديًّا سيخلق، على الأرجح، فراغًا كبيرًا ويؤدّي إلى ما هو أسوأ بكثير من الفوضى الكارثية الحالية. والقبول (الصادر عن قناعة مبدئية راسخة أو عن اضطرار بحكم ضرورات الأمر الواقع) أعطى السلطة الحالية فرصة كانت تبدو قبل أشهر قليلة مستحيلة. ويبدو، أحيانًا، أنّ سوريات وسوريين كثراً يريدون الخير والنجاح لتلك السلطة أكثر مما تريده هي لنفسها. وقد كان الأمل، وما زال، لدى سوريات كثر أن تستثمر تلك السلطة، ونستثمر جميعنا معها، تلك الفرصة لإعادة إحياء عظام سورية بعد أن أصبحت عظامها رميمًا. فعند تقييم الوضع الحالي والسلطة القائمة والآفاق الممكنة والمتوقّعة لسورية، دولةً ونظامًا سياسيًّا وأوضاعًا اقتصادية وخدمية وتربوية وإعلامية واجتماعيةٍ… إلخ، من الضروري أن نتذكّر، دائمًا، الحال الذي كانت عليه سورية في عهد النظام الأسدي الساقط، وعند سقوطه، إذ إن سورية، دولةً وشعبًا، مجتمعًا وأفرادًا، كانت في حالة موتٍ أو مواتٍ. وترافق سقوط النظام الأسدي مع سقوط (شبه) كامل للدولة السورية بمؤسساتها الأساسية: العسكرية والأمنية والإعلامية والخدمية إلخ. وما زال النظام الساقط يتحمّل المسؤولية الأكبر عن الأوضاع الحالية المذكورة. وعلى هذا الأساس، يبدو أن من يحاول توظيف ما حصل لسورية وفيها بعد سقوط النظام الأسدي، لتبييض صفحة ذلك النظام أو للتقليل من سوئه، أو للقول إنّ سقوطه كان أمرًا سيئًا لأنّه أقلّ سوءًا من غيره، يجهل أو يتجاهل ما فعله النظام الأسدي من فظائع بحيث إنه لم يترك سورية إلا ركامًا، بعد أن دمّرها، دولة ومجتمعًا، إنسانًا وحجرًا. وينبغي التشديد أنّ إبراز مسؤولية النظام السابق لا تنفي المسؤولية الكبيرة للنظام الحالي، بل تظهر حدودها ومحدوديتها النسبية والجزئية.
هناك (شبه) إجماع على أنّ الأوضاع الحالية في سورية كارثيةٌ وفي غاية السوء، لكن الاختلاف والخلاف هو على الطريق لمواجهتها والخلاص منها. وإذا كان عددٌ متزايدٌ من السوريات والسوريين يرى أنّ السلطة السورية الحالية كانت وما زالت دائمًا، أو أنّها قد أصبحت مؤخّرًا، جزءًا من المشكلة أو الأزمة التي تعيشها سورية، وليس بإمكانها حاليًّا ومستقبلًا أن تكون جزءًا من الحلّ الذي يساعد على الخلاص من الوضع السوري الكارثي الحالي، فإنّ، سوريات وسوريين كثراً ما زالوا يعتقدون و/ أو يأملون، في المقابل، بأن تكون السلطة الحالية جزءًا من الحل أو الخلاص المذكورين. وفي كلّ الأحوال، لتكون السلطة القائمة في مستوى الآمال المعقودة عليها، ينبغي لها أن تقوم بتغييرٍ جذريٍّ وسريعٍ في سلوكها وإدارتها للدولة في هذه المرحلة الانتقالية المفصلية العصيبة، بحيث تدرك وتحفظ الاختلاف بين النظام السياسي والدولة، فتبني الدولة السورية الجديدة، بمؤسساتها العسكرية والأمنية والتعليمية والإعلامية والخدمية، على أسسٍ وطنيةٍ مدنيةٍ، بعيدةٍ عن العقائدية الأيديولوجية الضيّقة، والفصائلية الجماعاتية الإقصائية، القائمتين على معايير النسب والانتماء والولاء الأهلي والعصبوي والعقائدي. ومن هنا ضرورة انفتاح الدولة والسلطة الحالية على كلّ الأطراف السياسية والأصوات المدنية والأهلية، والكفاءات المعرفية والإدارية والتقنية، وإشراكهم وإشراك أكبر عددٍ ممكنٍ من السوريات والسوريين في إدارة المرحلة الانتقالية وتقرير مصيرهم ومصير سورية الحالية والمُستقبلية، بدلًا مما يحصل الآن من استئثارٍ بالسلطة وتفرِّدٍ بالقرارات، حتى التي تمسّ هوية الدولة ودستورها ومؤسساتها الأساسية وتوجّهاتها الاستراتيجية، السياسية والاقتصادية وغيرهما. وفي المقابل، ينبغي للسوريات والسوريين جميعًا ممن ما زالوا يعلقون الآمال على السلطة الراهنة (وفقًا لإمكانيات كلّ شخصٍ وظروفه) الإسهام في عملية البناء المذكورة والتكامل مع جهود السلطة القائمة، في تلك العملية، بالمُساندة الممكنة والإشادة المستحقة، وبالنقد النزيه والصريح، الهدَّام لكلّ سلبيةٍ ممكنةٍ، والبنَّاء لكلّ إيجابيةٍ مُمكنةٍ.
هناك من أعلن، مسبقًا، فقدانه للأمل واستسلامه لليأس وقام بنعي سورية، ونعي كلّ أحلامنا بوطنٍ لكلّ السوريات والسوريين. لكن الوضع المأساوي الفظيع الذي يعيشه، أو يعيش في ظلّه، معظم السوريات والسوريين في سورية (وخارجها) بجعل اليأس ترفًا غير متاحٍ لهن ولهم ولنا جميعًا. وقد وصل اليأس عند بعض هؤلاء الأشخاص إلى درجة الدعوة الصريحة إلى مواراة الدولة السورية في التراب والعمل على دفنها والخلاص منها، وتوزيع أو تقسيم التركة بين الأطراف الإثنية والدينية والطائفية المختلفة، لأنَّ التعايش بين هذه الأطراف أصبح مستحيلًا بعد كلّ ما حصل ويحصل بينها ولكلّ منها. في المقابل، أرى مع كثيرات وكثيرين أنّ دعوات أيّ طرفٍ سوريٍّ إلى الانفصال والخلاص من سورية ومن بقية السوريات والسوريين، مستحيلة التحقيق عمليًّا وغير حصيفة سياسيًّا، وأرجّح أو أجزم أنها تسهم في تعميق الأزمة وازدياد المعاناة، أكثر فأكثر. ومعارضتي لهذه الدعوات ليست نابعةً من حميةٍ وطنيةٍ ترى الدولة السورية كيانًا مقدَّسًا ينبغي الحفاظ عليه بغضّ النظر عن كلّ شيءٍ آخر ومهما كان الثمن. فقيمة وجود الدولة السورية، مُرتبطة بقيمة الإنسان فيها وبمدى إسهام وجودها إيجابًا في تحقيق مصالح مواطنيها وسكانها عمومًا وحفظ حرياتهم وكراماتهم. ولأسبابٍ كثيرةٍ، سياسية وقانونيةٍ واقتصاديةٍ وإثنيةٍ وأمنيةٍ … إلخ، تبدو الدولة السورية الواحدة قدرًا لا يمكن تخطيه، في المستقبل البعيد والمنظور على الأقل، ولهذا كان وما زال خلاص أي طرفٍ سوريٍّ مرتبطًا بخلاص الأطراف الأخرى، ولا يتحقّق بالخلاص منها، كما يظنّ أو يتوهّم أو يُوهم، أحيانًا، بعض اليائسين، من جهةٍ، وبعض أصحاب النعرات التقسيمية الانفصالية، لأسبابٍ مختلفةٍ، من جهةٍ أخرى.
العربي الجديد
———————————-
السويداء ضمن الخرائط الإسرائيلية الجديدة/ أحمد سليمان العمري
19 يوليو 2025
في ظلّ صيف مُلتهب إقليميًا، لم تكن الاشتباكات التي اندلعت في محافظة السويداء السورية مجرّد أزمة أمنية محلّية بين قوات الأمن السوري والميليشيات الدرزية بإدارة شيخ العقل لطائفة الموحدين الدروز حكمت الهجري، بل هي فصلًا من مشهد إقليمي بالغ الدلالة، تُستخدم فيه الورقة الطائفية أداة لاختراق ما تبقى من سيادة الدولة السورية، وإعادة رسم الخرائط بما يُوافق أهدافًا إسرائيلية باتت تُعلن من دون مواربة.
الاشتباكات التي اندلعت قبل أيّام، وانتهت بعد تدخل الطائرات الإسرائيلية باستهداف هيئة الأركان ومحيط القصر الجمهوري في دمشق، كشفت عن حجم الاختراق الصهيوني للمعادلة السورية الداخلية.
لقد كان القصف خطوة محسوبة لفرض واقع سياسي وأمني جديد في الجنوب السوري، وهو ما تمخّض عنه اتفاق تهدئة أدى إلى انسحاب قوات الأمن السورية من محافظة السويداء؛ استجابة للوساطة الأميركية العربية.
ما يجري في الإقليم اليوم ليس إلا فصلًا جديدًا من مشروع أكبر يُراد له أن يُفكّك وحدة الدولة السورية، ويُغرق المنطقة في حالة دائمة من العجز عن تشكيل موقف موحّد أو ردع جماعي جرّاء تدخلات إسرائيلية مباشرة وصريحة في سورية، حتى أصبح التدخّل يتكرّر في وضح النهار، تحت أعين العالم، وفي صمت لافت من بعض العواصم المؤثّرة.
ورقة الطائفية
الزج بأسماء مثل الهجري وغيره، سواء كانوا مدفوعين أو مدفوعًا بهم، ليس إلّا توظيفًا لشخصيات محلية ضمن خارطة صراع إقليمي يُدار من خارج الحدود، ولا يمكن فصله عن مشروع إسرائيلي قديم متجدّد، يعمل على إعادة تشكيل الشرق الأوسط بما يخدم أجندته وتفوّقه، ويضمن تفتيت النسيج السياسي والاجتماعي من الأناضول إلى الخليج.
أما من يظنّ أنّ إسرائيل تتدخّل في سورية لنجدة أحد من مكونات المجتمع، فهو إمّا غافل لا يدرك طبيعة هذا الكيان، أو أنه جزء من اللعبة ذاتها. إسرائيل لا تنصر عربيًا ولا مسلمًا، ولا تدافع عن مظلوم، بل تقتات على القتل والفوضى والانقسام، وتستثمر في كلّ صراع داخلي لتوسيع نفوذها وتصفية حساباتها الاستراتيجية.
المعادلة أصبحت أكثر وضوحًا: إمّا أن تقف مع الدولة السورية (رغم كلّ ما يمكن أن يُقال عنها) بما تمثّله من استمرارية للبنية السيادية، أو أن تبارك مشروع التقسيم والتفكيك الذي باتت أطرافه الإقليمية والدولية معروفة بالاسم والعنوان.
سورية هنا ليست ساحة صراع، بل اختبار لحصانة الدولة العربية الحديثة في مواجهة الانهيار التدريجي.
ممر داوود
لا ينفصل ما جرى ويجري عن الحديث المتكرّر في الأوساط الإسرائيلية عن مشروع “ممر داود”، وهو المسار الذي أعلنته أدبيات صهيونية مبكّرة. ففي مُذكّرات “حاييم وايزمان” (أول رئيس لإسرائيل) أشار إلى توجّهات استراتيجية توسّعية للحدود، التي يراها الكيان الصهيوني طبيعية، تشمل مناطق واسعة تمتدّ من سفوح لبنان إلى أجزاء من سورية، وذلك لضمان وجود دائم وآمن في المنطقة ضمن مشروع الحركة الصهيونية.
ووقفًا لتقارير وتحليلات عسكرية إسرائيلية منشورة في بعض الأوساط، يُعتقد أن الممرّ الشرقي “الآمن” يمتدّ من الجولان عبر السويداء إلى البادية السورية والأردن كجزء من مفهوم العمق الاستراتيجي.
أمّا رئيس حكومة الاحتلال نتنياهو فصرّح في ديسمبر/كانون الأول 2024 أنّ إسرائيل ستبقى في جبل الشيخ حتى يتم التوصّل إلى ترتيب آخر، بينما شدّد وزير الخارجية جدعون ساعر الشهر الماضي على أن هضبة الجولان ستظلّ جزءًا من إسرائيل في أيّ اتفاق سلام.
وفي سياق متصل، أعدّت شبكة الجزيرة الإخبارية تحقيقًا عن “ممر داوود”، إضافة إلى تقرير آخر نشره موقع “ذا كرادل” الإنجليزي في 4 نيسان/إبريل 2025، قال فيه إنّ الهدف الخفي لإعادة رسم المشرق يُصوَّر كمسار جغرافي استراتيجي، يمتدّ من الجولان السوري المُحتل، مرورًا بجنوب سورية (السويداء ودرعا)، ثم عبر منطقة التنف والبادية السورية، وصولًا إلى دير الزور والحدود العراقية ـ السورية ضمن مناطق تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، ثم ينتهي في إقليم كردستان العراق.
وتكمن أهمية هذا الخط في ربط الجغرافيا المشتّتة بقوس نفوذ إسرائيلي غير معلن، يعتمد على تحالفات محلية لتأمين المسار وتمرير السردية الاسرائيلية بعيدًا عن العواصم الرسمية، وهو ما يُعدّ امتدادًا عمليًا لمفهوم “إسرائيل الكبرى” الذي يستند إلى رؤية توراتية للنفوذ من نهر النيل إلى نهر الفرات.
من الجولان إلى كردستان
من خلال ممر داوود، يُراد السيطرة على المثلث الحيوي السوري – الأردني – العراقي، وربطه بنفوذ تل أبيب عبر تحالفات غير مُعلنة مع قوى محلية، تحت شعارات مثل “حماية الأقليات” أو “منع تمدد النظام السوري”، لكن الحقيقة أن ذلك يستهدف تفتيت الدولة السورية، وحرمانها من أي قدرة على تمكينها من الوحدة الوطنية مستقبلًا.
التزامن بين ما يجري في السويداء، مع الأعمال الإسرائيلية الأخيرة بشأن قضم آلاف الدونمات في الضفة الغربية، وهدم المنازل الفلسطينية وبناء المستعمرات، يكشف عن خطّة شاملة لا تستهدف فلسطين وحدها، بل كل ما تبقى من بنى سيادة عربية، وكأن المخطّط الصهيوني قد بدأ بمرحلة التنفيذ الكامل، بعد عقود من التمهيد والحصار والإضعاف.
اللحظة الحرجة
في مواجهة هذا الواقع، لا مجال للحياد أو للقراءة العاطفية، فإمّا الوقوف في خندق حماية الدولة (أيًّا كانت تحفظاتنا عليها) أو أن نغرق في وهم الحياد، بينما يتآكل الوطن قطعة قطعة.
المشروع الصهيوني اليوم لا يُخفي نواياه، بل يمضي علنًا في تنفيذ ما عجز عنه لعقود: تفكيك الدولة السورية، وضرب وحدة أراضيها، وتسويق الانقسام باعتباره “حقّا” لمكوّنات مجتمعية يتم تأهيلها سياسيًا وعسكريًا لتكون بديلًا عن الدولة الأم.
الصراع في سورية اليوم هو صراع مشاريع توسّعية وليس طائفية كما يروّج لها. مشروع الدولة الواحدة والسيادة المستقلّة، في مواجهة مشروع التفتيت والهيمنة، وهذا الصراع لم يعد مؤجّلًا، بل يُحسم الآن؛ في الجولان، في السويداء، وفي كلّ حجر تهدمه الجرافات الإسرائيلية في فلسطين.
العربي الجديد
————————————-
سوريا وأزمة الطوائف والمذاهب… السؤال الإجباري والكبير/ سامح المحاريق
19 تموز 2025
ظهر ثلاث قيادات درزية في المرحلة الأخيرة، التي شهدت التوترات بين السلطة في دمشق والأقلية الدرزية في جنوب البلاد، ويمكن القول إن مواقف مشايخ العقل يوسف جربوع (المهادن) وحمود الحناوي (الوسطي) وحكمت الهجري (المتطرف) تمثل المواقف التي تتخذ عادةً داخل بنية الأقليات، إلا أن التركيز ينصب على الهجري، الذي يعتبر رجل إسرائيل وداعية التدخل الدولي لحماية الطائفة الدرزية التي عبرت بصراعات كثيرة مشابهة، ولم تكن بحاجة لهذه التدخلات، واستطاعت أن تحافظ على وجودها حتى في مرحلة تشكلها المبكر ضد الفاطميين، وأمام حملات العثمانيين العسكرية.
الأحداث الجارية تدور بين الدروز والقبائل البدوية، وتاريخيا لا يتبادل الطرفان المشاعر الطيبة، فطالما وجد الريفيون الدروز في القبائل البدوية كيانات تهدد موارد عيشهم، ولأنهم يتشكلون حول نواة طائفية صلبة تستشعر التهديد الدائم، فإن ردود فعلهم كانت أكثر شراسة من الريفيين من مسيحيين وسنة، وكثيرا ما قارعوا القبائل البدوية، وكان لرحالة مثل غيرتورد بيل التي توصف بصانعة الملوك في الشرق العربي، أن تلاحظ ذلك بوضوح أثناء رحلاتها في مطلع القرن العشرين، وهي ترى مرافقها البدوي يدعي الخرس، لتجنب أن يعرف مضيفوها من الدروز لهجة قبيلته، التي تقع على قائمة الثأر لديهم.
يُدفع بالهجري ضمن الاستقطاب القائم حاليا لدى المتابعين العرب، بالصورة التي تلحق الضرر بالطائفة الدرزية ككل، وبصورة غير مسبوقة سوى في نموذجها القائم داخل دولة الاحتلال، التي قامت بهندسة الطائفة بأدواتها الاقتصادية تجاه تطويع معظم أبنائها في منظومتها الخاصة، ويستغل الهجري الصبغة الدينية للنظام الجديد في دمشق ليستثمر في تحقيق كيان مستقل للدروز يمكن أن يسوقه لإسرائيل على أساس أن تشكل الحبل السري لوجوده الاقتصادي، ولا يتشارك معه الدروز في سوريا، ولا في بقية أنحاء العالم، خاصة ممن يرون أن ذلك يمثل انتحارا لطائفة تمتلك تاريخها الخاص ورؤيتها المتفردة لفكرة الدولة، ولديها في سيرتها الذاتية مواقف مشرفة في الثورات الوطنية على مستوى سوريا الكبرى.
بالنسبة لرجل عاش فترة طويلة من حياته بين التجاذبات والانشقاقات مثل الرئيس أحمد الشرع، فما يجري في جنوب سوريا، أمر طبيعي إن لم يكن متوقعا، وهو في مقابلته المبكرة مع الزعيم الدرزي اللبناني وليد جنبلاط، يدفع برغبة في تجاوز الصراعات الطائفية واعتبارها من التاريخ ومنفصلة عن الواقع في ممازحته الذكية: أحداث حصلت قبل 1400 سنة ما علاقتنا نحن بها؟
الخطاب لم يكن يومها موجها للدروز وحدهم، لأن وجودهم يعود إلى ألف عام مضت، ولكن الشرع يطرح هذه المقاربة لكل الطوائف الشيعية التي نشأت بعد حروب الإمام علي ومعاوية بن أبي سفيان، أمام زعيم لأحد أكثر تفرعات الشيعة غلواءً في مواقفهم وتأويلاتهم الدينية، للدرجة التي جعلت مرجعيات إسلامية سنية معتدلة مثل الأزهر تعتبرهم طائفة غير إسلامية. التصريح الدبلوماسي والمنفتح لم يكن كافيا لتهدئة الطوائف في سوريا، فثمة صراع لم يكن واردا تجنبه مع العلويين بسبب محاولات مناصري النظام السابق داخل الطائفة، ووجود طموحات لثورة مضادة تتزعمها وجوه جديدة من داخل الطائفة، وربما من الحلقة المقربة من الأسد نفسه. في بلد متعدد المكونات مثل سوريا ستبقى المسألة الطائفية مطروحة، وسيبقى المسيحيون يشكلون سؤالا مهما، والأكراد مسألة صعبة، والمفارقة الكبرى أن نظام الشرع ليس طائفيا بالمعنى المندرج في السياق السوري، لأنه لا يمثل الطائفة السنية، وهي تحمل مخاوفها الخاصة تجاهه ونسخته التي يقدمها من الإسلام، كما أن جانبا من قوة النظام يتشكل من عناصر غير سورية اندمجت في بنيته لأسباب عقائدية.
الصراع بين الدروز والبدو وهو المألوف، الذي يفترض أنه غير مقلق، يتطلب في مرحلة توثب إسرائيل، أن يدفع النظام بقدراته القتالية لضبط الأمن، وهذه مشكلة بالنسبة للدروز، الذين يرون في ذلك تهديدا وجوديا بوضعهم في مواجهة من يرونهم متطرفين مذهبيا، ولعلهم يتشككون في قدرة الشرع والحلقة الضيقة حوله من السيطرة على مقاتليه، الذين سيبقون مشكلة مفتوحة في سوريا. تكمن مشكلة الرئيس الشرع في قدرته الاستثنائية على إدارة التكتيك، وهو ما أثبته في العلاقة المضطربة مع تنظيم «داعش»، وما زال يحاول أن يطبقه حاليا بالقطعة، إلا أنه لم يقدم إلى اليوم رؤية استراتيجية لمستقبل سوريا. هل كان على سوريا من البداية أن تنشأ بوصفها دولة فيدرالية؟ خاصة أن الرؤية التي قدمت لعلمنة سوريا كانت تعني صراعا طائفيا مبطنا، وتأجيلا لأسئلة كبيرة وخطيرة، وكيف يمكن إدارة علاقات صحية مع بنى طائفية متوطدة في الأرض، ولديها خبرات في إدارة شؤونها مثل الدروز في السويداء، والإسماعيليين في مصياف، والعلويين على الساحل وجباله؟ على رأس الأولويات لدى السلطة في دمشق تفريغ الأزمة في الجنوب من طبيعتها الطائفية والمذهبية، ومن غير ذلك ستتدحرج كرة الثلج وتفرض واقعا كابوسيا يتسارع بأكثر من قدرة النظام في دمشق على إدارة التكتيكات اللازمة من أجل التهدئة والوصول إلى مرحلة من الاستقرار، وربما يخشى البعض من إتاحة الفرصة للنظام ليصل إلى هذه المرحلة، لأنه يضم عناصر تحمل رؤيتها المتطرفة والأحادية والأخروية ويمكن أن تسعى لتعميمها على جميع أنحاء سوريا ومواطنيها كافة.
ما هي الضمانات التي يمكن للرئيس الشرع أن يقدمها للطائفة الدرزية، لعزل الهجري؟ وأي قوى عربية يمكن أن تساعد في تحريك هذه الأزمة تجاه الحل، هل يمكن للأردن التدخل، لدى بعض الأطراف في لبنان مثل جنبلاط؟ خاصة أن الحديث عن فعل عربي مشترك أمر مستبعد تماما في هذه الظروف، وما هي الضمانات التي يمكن أن يقدمها الشرع في المقابل، من أجل المضي قدما تجاه استعادة القناعة بالدولة السورية وقدرتها على استيعاب جميع مواطنيها؟
مئات من الشخصيات السورية يمكن أن تشكل طوقا للنجاة في هذه المرحلة بدخولها في البنية المؤسسية السورية، ولكن يجب أن تفسح لها القوة على الأرض مكانا وأن تقبل بواقع يتجاوز مرجعيتها المذهبية الضيقة، وهذه القوة التي تشكلت منها هيئة تحرير الشام تحتاج إلى مراجعة شاملة، وإلى تحديد لهويتها وأولوياتها، وإلا فإن المحافظة على سوريا واستعادتها ستصبح مسألة مستبعدة مع الوقت.
لن تهدأ سوريا خلال الأشهر المقبلة، وربما تحتاج إلى سنوات، وستكون المعركة الأخيرة داخل النظام نفسه، وبعد أن يستنفد الفاعلية التي أحدثتها قوته الميدانية، التي رافقته من إدلب إلى دمشق أمام المتطلبات المؤسسية لإدارة الدولة، ولكن ما يجب على النظام أن يتحدث به مع القوى الحليفة والشريكة، وحتى مع بعض المتحفظين تجاه وجوده، هو تصوره لسوريا تستطيع البقاء والعودة من جديد وذلك بالسرعة والانفتاح اللازمين، وعدا ذلك، فإنه لا يمكن الحديث عن هدنة مقدمة مجانًا من الدول المتربصة بسوريا، التي ترى الظروف مهيأة بصورة غير مسبوقة لتحقيق اختلال تاريخي يفرغ المنطقة من قدرتها على التماسك وإعادة البناء.
الدروز لا يشكلون سوى جزء من المشكلة، ومحاولة شيطنتهم واحتوائهم بالعصا أو الجزرة ليست كافية، لأن الخريطة الطائفية والعرقية في سوريا هي السؤال الكبير المهمل، الذي تجاوزت عنه دمشق طويلا، وهو السؤال الصعب أمام الرئيس الذي أتى محمولا على أقصى تمثلات الطائفة السنية تطرفا على المستوى العقائدي والفكري.
كاتب أردني
القدس العربي
————————————
المسألة الدرزية الثقافية بالشكل الذي جرى فيه استبعادها/ وسام سعادة
19 تموز 2025
ليس للدروز، وهم الفرقة التأسيسية لتاريخ التشكّل الذاتي للكيانية الجبلية اللبنانية، قبل أن يهيمن عليها الموارنة نتيجة اتصال هؤلاء المبكر والحثيث بأسباب التحديث الأوروبي، وتفوّقهم العددي والزراعي، وامتلاكهم لتنظيم كنسي هرمي مركزي، فضلاعن تموْرن عدد وافر من العائلات الدرزية خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ـ أي، للمفارقة، في زمنٍ شهد تصاعد الاحتقان ثم التناحر بين الملتين ـ ليس للدروز، رغم كل ذلك، ورغم كونهم طائفةً تأسيسية في لبنان، عيدٌ أو يوم عطلة خاص بهم، دينيًا أو ثقافيًا، يميّزهم عن سائر الطوائف. إذ يعتبرون أن عيدهم الكبير هو عيد الأضحى، كسائر المسلمين. ولا يذكر كاتب هذه السطور أن دروز لبنان طالبوا، يومًا، بإدراج مناسبة تميّزهم في الروزنامة الحافلة بالأعياد والعطل، والمكرّسة لتعدّدية الطوائف اللبنانية ـ مع أنّ للتديّن الدرزي في لبنان جغرافيا من المقامات والزيارات.
وكما في لبنان، كذلك في سوريا، ليس للدروز في الروزنامة الرسمية سوى عيد الأضحى. فقد ارتبط تشكّل هوية جبل الدروز في جنوب ما يُعرف اليوم بـ«سوريا» بهجرة «المغلوبين» منهم بعد معركة عين دارا عام 1711 بين القيسية واليمنية في جبل لبنان، الذي كان يُعرف ـ وخصوصًا في قسمه الجنوبي ـ بجبل الدروز حتى ذلك الحين.
استأثرت القيسية بلبنان، وأُجلِيَت اليمنية إلى السويداء. وقد حافظ الانفصال الجغرافي بين الوجود الدرزي في ما بات يُعرف بجبل الدروز «السوري» (وامتداده الأردني) من جهة، وبين دروز الجولان ووادي التيم والشوف، بمعناه الأوسع، من جهة ثانية، على روابط المصاهرة والانتماء المشترك بين أبناء الملة، رغم الانشطار التهجيري الذي مارسه جزء من الطائفة على جزء آخر منها.
في إسرائيل، حدث ما لم يحدث لا لدروز لبنان ولا لدروز سوريا: صار لهم يوم عطلة ديني خاص، إلى جانب عيد الأضحى، هو عيد زيارة مقام النبي شعيب في أواخر شهر أبريل من كل عام. وغالبًا ما يُغفل هذا «التفصيل» وسط التركيز على عملية «أسرلة» الطائفة، من خلال شمول أبنائها بالتجنيد الإجباري، أسوةً بالشركس و«طائفة البدو» كما تسمّيها الدولة العبرية. غير أنّ تكريس «عيد الزيارة» في إسرائيل ليس تفصيلابسيطًا، ولا يمكن اختزاله بتفسير واحد جاهز. بطبيعة الحال، للمؤسسة الحاكمة مصلحة في «أثننة» الدروز، أي تحويلهم إلى مجموعة إثنية قائمة بذاتها، منفصلة عن عموم «عرب الـ48». أولابفعل خدمتهم العسكرية، وثانيًا لما يتيحه ذلك من إمكانية الإمساك بـ«المسألة الدرزية» العابرة للحدود في المشرق.
لكن خيار «الأثننة» الكاملة لدروز إسرائيل لا ينبع من فراغ. فهو يوظّف خصوصية إثنو-دينية قائمة فعلًا، ويقدّم لها عرضًا يعزّز حضورها الرمزي، بالقدر الذي قد يمنح طائفة باطنية شيئًا من الطمأنينة. إذ إنّ الدروز في العهد العثماني لم يُعترف بهم كملة مستقلة، وبعد حملات عاتية شُنّت ضدهم، أُبرم معهم تفاهمٌ ضمني يقضي بحقن دمائهم شريطة تظاهرهم بالانتماء إلى الإسلام السني الرسمي. فالإمبراطورية العثمانية لم تكن تقرّ بالاختلاف الديني إلا لليهود والمسيحيين، لكنها، في المقابل، لم تنظم «محاكم تفتيش» منهجية، وكان التظاهر بالإسلام السني كافيًا لبقاء سائر الفرق والجماعات ـ غير اليهود والنصارى ـ خارج دائرة الاضطهاد المنظّم. وهذا كان حال الدروز. وحدها إسرائيل سمحت للدروز بفتح ثغرة في هذا الترتيب العثماني المديد، حين شجّعتهم على اعتماد «عيد الزيارة» كمناسبة احتفالية خاصة بملّتهم.
ما الذي يستفاد من ذلك؟ أن إسرائيل وظّفت الاختلاف الإثني للدروز بأن «استكملته»، سيّجته، بحيث يبدو الدروز كأمّة صغيرة داخل إسرائيل وخارجها في آن معًا؛ تُعطي إسرائيل حافزًا إضافيًا لئلا تكون لها حدود ثابتة في الشمال والشمال الشرقي، من دون أن يعني ذلك التفكير في تحويل إسرائيل إلى دولة ثنائية القومية من أي نوع، كأن تكون دولة لليهود والدروز مثلًا. من هنا، نلحظ في السنوات الأخيرة تذمّر الشريحة الأكثر «تأسرلًا» من الدروز من تبعات إعلان إسرائيل «دولة يهودية».
ويُطرح السؤال: إذا كان إعلان إسرائيل دولة ثنائية القومية لليهود والعرب ـ علمًا أن أقل بقليل من نصف يهودها قدموا من بلدان عربية، ولهم «وجه عربي» بمعنى ما ـ قد يُثير «هاجسًا ديموغرافيًا» على اعتبار أن عرب 48 هم امتداد لفلسطينيي 67، فما الضير في أن تكون إسرائيل دولة ثنائية القومية بين اليهود والدروز، لا سيما وأن هذه الدولة قد بادرت إلى تحويل الدروز فيها إلى «قومية»؟ فلا يفترض أن هناك هاجسًا ديموغرافيًا في هذا السياق. لكن الأيديولوجيا التي تأسست عليها إسرائيل، وراحت تضاعف من طابعها الاستعماري والاستشراقي بدل أن تنساب إليها بعض الليونة، تجعل من المتعذر عليها مجرد التفكير في ذلك.
ومع ذلك، فإن هذا كله لا يُلغي أنه، في حين نجحت إسرائيل في توظيف اختلاف إثنو-ديني قائم لدى الجماعة، اكتفى لبنان بذهنية توزيع الحصص بين الطوائف، من دون استفهام جدي داخلي لطبيعة الاختلاف الثقافي بينها، ولا لتفاوته من حالة إلى أخرى. بل إن الأثر العثماني ـ القائم على استبعاد أي خصوصية رمزية رسمية للدروز ـ قد تعايش في لبنان مع النسق التوزيعي للمناصب والحصص والألقاب بين الطوائف.
أما سوريا، فقامت على أساس المكابرة التامة حيال فكرة الاختلاف الثقافي بين الجماعات، ولم يقتصر الأمر على الدروز دون سواهم. ففي بلدان أخرى، تُطعن حقوق الجماعات باسم حقوق الأفراد؛ أما في سوريا، فقد تطورت الحال ـ حتى قبل أن يهيمن البعثيون ثم الإسلاميون وبشكل لم ينفك يتفاقم ـ إلى وضع تُطعن فيه حقوق الجماعات والأفراد معًا.
التوظيف الإسرائيلي للاختلاف الإثني سيُقدّم لاحقًا الحجة لتحريم الاعتراف به بالكامل بذريعة «القومية العربية» و«الوطنية السورية» على حد سواء؛ وحتى بعد أن جرى تكريس التمييز الديني بين الناس لصالح دين الأكثرية أكثر فأكثر، فقد ظل التمسك بتحريم الاختلاف الثقافي من موقع أيديولوجيات الاندماج «الانصهاري» مع تحريمه من موقع أيديولوجية التمييز بين دائرتي الحق والباطل. وهذه صيغة تفخيخية بامتياز لسوريا اليوم.
ثم أن التطييف اللبناني المنهجي دفع بالأوهام في بلدان المشرق الأخرى إلى الاعتقاد بأنها «ليست طائفية»، ليست كلبنان. كان ذلك قبل أن يتبين أن مجتمعاتها تعاني احتقانًا والتهابًا أشدّ بكثير من كل ما عرفه التاريخ اللبناني، الحافل من جهته – لا جدال – بالاقتتال المتنوع بين الجماعات الدينية.
المفارقة أن عدوى الاقتتال بين الموارنة والدروز عام 1860 انتقلت إلى دمشق، حيث تحوّلت إلى مجازر ارتكبتها أوساط إسلامية، مستاءة من الإصلاحات العثمانية، بحق الروم. يومها، بدا المشهد تكامليًا بين «الدروز» و«السنّة» في مواجهة المسيحيين، مع أن التنافر بين الموارنة والروم لم يكن قد زال بعد، كما سيحدث لاحقًا في القرن التالي، تدريجيًا، وخصوصًا في لبنان، نتيجة «التموّرُن السياسي» لمعظم مسيحييه من غير الموارنة.
أما اليوم، فالمشهد مختلف كليًا. وهذا التقلب يُشير إلى أن التطييف سياسي بامتياز، لكنه عنيف بامتياز أيضًا. وهو لا يعني، في المقابل، أن المِلل هي «أحزاب»، بل جماعات لها مقدار معين من التبلور الإثني، ومن الحق في الاختلاف الثقافي، بما في ذلك الاختلاف الثقافي – الجغرافي. وطالما أن مثل هذه المسائل مستبعدة من دائرة النقاش، تحت طائلة الوقوع في فاحشة «الثقافوية»، فإن النقاش نفسه سيبقى مستبعدًا عن الجَد.
كاتب لبناني
القدس العربي
———————————
الانسحاب من السويداء بين الهزيمة وتجنب الفوضى/ إبراهيم العلبي
18/7/2025
بعد معارك استمرت يومين داخل محافظة السويداء مع فصائل درزية موالية للشيخ حكمت الهجري، تخللها تدخل إسرائيلي إلى جانب هذه الفصائل، قرر الرئيس السوري أحمد الشرع سحب قوات الجيش والأمن من المحافظة بالكامل، معلنا في كلمة مسجلة للسوريين فجر الخميس أنه اتخذ هذا القرار للحفاظ على وحدة البلاد وتجنيبها حربا مفتوحة مع إسرائيل.
وأكد الشرع أن الانسحاب جاء في إطار اتفاق مع جهات محلية في السويداء تقضي بتكليف بعض الفصائل المحليّة ورجال دين دروز “مسؤولية حفظ الأمن” في المحافظة. ونقلت الوكالة الفرنسية عن مقاتلين حكوميين على أطراف المحافظة أن “القوات الحكومية أنهت انسحابها فجرًا” يوم الخميس 17 يوليو/تموز الجاري.
وأسفرت معارك السويداء عن وضع البلاد عند منعطف ودرس وصفه خبراء بالخطير، وبينما رأى البعض في الخطاب الرئاسي وقرار الانسحاب خطوة لا بد منها لتجنيب البلاد مزيدا من التدمير، اعتبر معلقون وناشطون أن ما جرى هزيمة مكتملة الأركان للدولة السورية مقابل مسلحي السويداء وداعميهم الإسرائيليين، ملقين باللوم على الحكومة في إدارتها للموقف برمته.
الشرع: اخترنا تغليب المصلحة الوطنية
في 14 يوليو/تموز، قررت إدارة الرئيس الشرع إرسال الجيش وقوات الأمن الداخلي إلى محافظة السويداء لإنهاء اقتتال محلي بين فصائل درزية محسوبة على الهجري وبين مسلحين من البدو أشعله خطف سائق شاحنة على طريق السويداء دمشق، وتطور إلى عمليات خطف متبادلة ثم اشتباكات عنيفة بين الطرفين أودت بحياة العديد من الأشخاص.
وقوبل التدخل الحكومي بترحيب بعض الفصائل الدرزية الموالية لدمشق، ولكنه ووجه بالرفض من قبل الهجري والمجلس العسكري الموالي له فشنوا هجوما وزرعوا كمائن لقوات الجيش السوري مدعومين بتدخل جوي إسرائيلي واسع طال مركبات عسكرية وأسلحة ثقيلة، وحتى مبنى قيادة الجيش بالعاصمة دمشق، والذي لحقت به أضرار كبيرة إثر غارة إسرائيلية عنيفة بجانب غارة أخرى استهدفت محيط القصر الرئاسي.
وقال الشرع إنّ الموقف كان بين خيارين، إما “مواجهة مفتوحة مع إسرائيل على حساب أمن الدروز.. وإما فسح المجال لوجهاء ومشايخ الدروز للعودة إلى رشدهم، وتغليب المصلحة الوطنية على من يريد تشويه سمعة أهل الجبل”.
وبينما شدّد الرئيس على أنّ الدولة غلّبت مصلحة السوريين في تجنب الدمار، قال إنّها نجحت بإعادة الاستقرار و”طرد الفصائل الخارجة عن القانون في السويداء، رغم التدخلات الإسرائيلية” متعهدا بحماية المواطنين الدروز ومحاسبة كل من أساء لهم ورفض أي مسعى يهدف إلى جرهم لطرف خارجي أو إحداث انقسام.
ووجه الرئيس السوري خطابه لإسرائيل بقوله “لسنا من يخشى الحرب” مؤكدا أن “الكيان الإسرائيلي يسعى منذ سقوط النظام البائد لتحويل أرضنا لأرض نزاع وتفكيك شعبنا”.
وأضاف “نحن أبناء هذه الأرض والأقدر على تجاوز محاولات الكيان الإسرائيلي لتمزيقنا، فسوريا ليست ساحة تجارب لمؤامرات خارجية وأطماع الآخرين”.
أول خطاب خشن تجاه إسرائيل
يعد حديث الشرع عن عدم الخشية من الحرب، والاستعداد لها، التصعيد الأول من نوعه في اللهجة الدبلوماسية تجاه إسرائيل، في صورة تعكس تململا سوريا -فيما يبدو- من تعنت إسرائيلي راسخ وتمسك برؤية سوريا ممزقة، كما أعلن مسؤولون إسرائيليون مرارا.
وكان الرئيس السوري وأركان حكومته قد أرسلوا مرارا -منذ دخول قوات ردع العدوان إلى دمشق في 8 ديسمبر/كانون الثاني، عقب هروب رئيس النظام المخلوع بشار الأسد- برسائل تطمين إلى إسرائيل عبر الإعلام وعبر جهات إقليمية ودولية بشأن عدم نيتهم تغيير قواعد الاشتباك أو مضمون اتفاق فصل القوات المعمول به مع إسرائيل منذ عام 1974، رغم إعلان الأخيرة إنهاء الاتفاق من طرف واحد، بالتزامن مع توغل الجيش الإسرائيلي -عقب سقوط نظام بشار- في المنطقة العازلة بالجولان السوري المحتل.
ومع كل انتهاك إسرائيلي لأجواء سوريا واستهداف الأصول العسكرية لجيشها بعد تغيير النظام، كانت دمشق تعبر عن إدانتها، لكنها تتمسك بالتهدئة، وتواصل تقديم الضمانات لإسرائيل بعدم العمل على استهدافها، بل واتخذت خطوات للتعبير عن حسن النوايا، مثل إعادة متعلقات الجاسوس الإسرائيلي الأشهر في سوريا إيلي كوهين إلى إسرائيل، والدخول في مسارات تفاوض متعددة برعاية أطراف إقليمية ودولية، أملا في إرساء اتفاق يعيد إحياء اتفاق فصل القوات لعام 1974.
ولكن حسابات الحكومة السورية، فيما يتعلق بالسويداء تحديدا، واجهت تحديات أكثر تعقيدا مع تأكيد إسرائيل سابقا أنها ستمنع دخول القوات الحكومية وأي أسلحة ثقيلة تابعة لها إلى هذه المحافظة وعموم الجنوب السوري. إلا أن الهدوء -الذي ساد الموقف قبل التطورات الأخيرة وخوض مفاوضات مباشرة معها، بجانب تصريحات المبعوث الأميركي إلى سوريا توم براك بشأن وحدة سوريا- تسبب بقراءة خاطئة للموقف من قبل دمشق، بحسب ساسة ومحللين.
إسرائيل وتخدير الموقف الأميركي لدمشق
مع إقرار الرئيس الشرع أن إسرائيل سعت لتقويض وقف إطلاق النار في السويداء، لولا وساطة أميركية وعربية وتركية، رأى المفكر السياسي السوري برهان غليون أن الإسرائيليين “نصبوا فخا لسوريا” في ضوء الأحداث الأخيرة.
وأوضح غليون -في حديث تلفزيوني- أن الإسرائيليين “أعطوا الانطباع في البداية بأنهم لن يتدخلوا فيما يتعلق بملف السويداء، لكنهم في النهاية قلبوا المسألة إلى تحقيق أهدافهم التي كانت واضحة من قبل، لكنهم خففوا الحديث عنها مؤخرا، وهي تقسيم سوريا وتفكيكها وعدم السماح لها بأن تتحول إلى دولة ذات سيادة قادرة على حماية شعبها والدفاع عن مصالحه”.
وبحسب المفكر السوري، فإن ما حدث كان على الأغلب ردا من قبل إسرائيل على فشلها في انتزاع التنازلات التي كانت تأمل بانتزاعها من الحكومة السورية الراهنة، وذلك بعد تسريبات تفيد بأن الشرع رفض مطلبا بالسماح لإسرائيل بالاستمرار في تنفيذ عمليات عسكرية في البلاد بحرية بموجب اتفاق محتمل.
وقال غليون إن الإسرائيليين لم يواجهوا القوات السورية في السويداء بعد دخولها فحسب، بل استغلوها لتحقيق أهداف لا علاقة لها بالسويداء والدروز، وهي كسر إرادة الدولة الجديدة، وإظهار ضعفها أمام شعبها وأمام القوى التي ليست راضية عن الوضع، وتقويض مصداقيتها الدولية، معقبا بالقول “هذا ما لم تستطع السلطة توقعه منذ البداية ويبدو أن كلام المبعوث الأميركي خدرها”.
هزيمة وفشل حكومي
في رؤية تذهب أبعد مما ذهب إليه غليون، رأى ناشطون ومحللون أن ما جرى في السويداء، مع قرار سحب القوات السورية النظامية بالكامل من المحافظة، هو هزيمة كاملة للدولة وأجهزتها تعبر عن فشل حكومي في التعامل مع مجمل الموقف، لا سيما مع تداول مقاطع فيديو عبر وسائل التواصل الاجتماعي تظهر ارتكاب عناصر حكومية انتهاكات واسعة.
ومن جانبه اعتبر الكاتب والباحث السوري أحمد أبا زيد أن ما جرى “هزيمة كاملة، للدولة والشعب والوطن، وفشل كامل، عسكري وأمني وسياسي، وخطأ في اتخاذ قرار بلا دراسة تداعياته وإمكانية النجاح فيه، وخيانة كاملة ممن استقوى بإسرائيل وأجرم وكرّس العزلة والانقسام”.
ودعا أبا زيد في منشور على صفحته في فيسبوك إلى “مساءلة الأسباب” مضيفا “لم تكن الكارثة ولا موت مئات الشهداء وانقسام المجتمع حتمية تاريخية ولكن نتيجة قرارات ومسار متراكم لا يتحمل مسؤوليته طرف واحد”.
ويستند أبا زيد ومحللون آخرون في رأيهم إلى ما بدأ يتكشف بعد ساعات من خروج القوات الحكومية من السويداء، حيث بدا (رجل الدين الدرزي) الهجري المنتصر الأكبر، مع ورود تقارير عن قيام المليشيات الموالية له بتهجير البدو من حي المقوس في المدينة، بالتوازي مع صدور بيان عن الرئاسة الروحية بقيادته تدعو لفتح معبر حدودي مع الأردن وطريق باتجاه المناطق التي تسيطر عليها ما تسمى قوات سوريا الديمقراطية (قسد) شمال شرق سوريا.
ونشر الناشط السياسي السوري الدرزي ماهر شرف الدين صورة له مع الهجري في مضيفته وعلق عليها بالقول “قبل قليل في قنوات.. يدا بيد مع قائد النصر” في إشارة إلى الهجري.
ومن جهته، ركز عبد الرحمن الحاج الكاتب والباحث السوري رئيس مشروع موقف الذاكرة السورية المعنية بتوثيق أحداث الثورة السورية على قضية الانتهاكات التي ارتكبها عناصر حكومية في السويداء، قائلا “لم يعد مقبولا وجود مجموعات غير منضبطة، صارت صورة الدولة على المحك في الداخل والخارج، هذا أمر يمكن تفهمه من الجميع في الأشهر الأولى لإعادة بناء الجيش، لكن لا يمكن قبول ذلك بعد الآن”.
وقال الحاج في منشور له على صفحته في فيسبوك “يجب أن يكون كل حدث درسا، وهذا أحد الدروس الخطيرة لنا” داعيا السلطات الحكومية إلى إظهار الجدية اللازمة للمحاسبة.
نضج سياسي ودليل ثقة
في المقابل، يرى محللون آخرون أن تعهد الرئيس الشرع بمحاسبة المتورطين في انتهاكات ضد مدنيين في السويداء خيار صحيح، وعدّوه تعبيرا عن قوة الدولة لا ضعفها.
وقد اعتبر الكاتب والسياسي السوري وائل مرزا أن رئاسة الجمهورية اختارت “ممارسة أعلى درجات الانضباط السياسي والأخلاقي، بإدانة واضحة لأي انتهاكاتٍ تطال المدنيين، وبالتعهد الرسمي بالتحقيق والمحاسبة”.
ويضيف مرزا وهو رئيس معهد العالم للدراسات “لا يأتي هذا التصرف ضعفاً أو ارتباكاً، كما قد يتوهم البعض، وإنما هو علامة نُضجٍ سياسيّ ودليل ثقةٍ بالنفس، يؤكّد أن الدولة السورية -وهي تخوض معركةَ تثبيت الاستقرار وسيادة القانون- لا تحتاج إلى التغطية على الأخطاء، ولا إلى التجاهل أو التبرير”.
وفي هذا السياق، فإن الموقف الرسمي، في ظل هذا التوقيت الصعب والمؤلم، يُرسل -بحسب مرزا- رسالةً مزدوجة أولها إلى السوريين جميعاً بأن دولتهم لا تساوم على العدالة، ولا تختبئ خلف العواطف حين يتعلق الأمر بحقوقهم. وثانيها إلى القوى المعادية بأن من يمتلك زمام المبادرة الأخلاقية والسياسية هو الأقدر على صناعة مستقبلٍ مستقرٍّ ومستحق.
المصدر: الجزيرة
—————————–
سوريا إلى أين: ليست تحليلات بل معلومات/ د. فيصل القاسم
19 تموز 2025
ما تواجهه سوريا اليوم ليس مجرد أزمة عابرة، بل مرحلة مفصلية غير مسبوقة في تاريخها الحديث. فالأخطار التي تقترب منها تُنذر بكوارث حقيقية تفوق التصوّر، وتضع الجميع أمام مسؤوليات جسيمة. المؤشرات والمعلومات التي أملكها تؤكد أن سوريا مستهدفة، وأن هناك مخططات جهنمية جاهزة للتنفيذ، تعتمد بالكامل على تأجيج الصراعات الداخلية والاقتتال بين السوريين أنفسهم.
من هنا، فإن أولوية المرحلة يجب أن تكون «الاحتواء، ثم الاحتواء، ثم الاحتواء». لا مجال الآن للمزايدات أو المغامرات الدموية، ولا لأي اندفاع أهوج نحو التصعيد، فكل خطوة في هذا الاتجاه تصب في مصلحة أعداء سوريا، الذين يتحينون الفرصة للدخول من بوابة الفوضى بذريعة «إطفاء الحرائق»، بينما هم في الحقيقة يسعون لاستباحة الأرض السورية والسيطرة على قرارها ومستقبلها.
المعلومات المؤكدة، وأكرر، معلومات وليست تحليلات، تشير إلى أن هناك جهات كثيرة تتربص بسوريا وتنتظر لحظة الانفجار الداخلي لتُسقط ما تبقى من بنيان الدولة. كل المخططات الموضوعة حالياً تعتمد على تفجير الداخل السوري، وكل تحريض أو تجييش أو دعوات للانتقام، أو تحشيد للرأي العام، تمضي مباشرة في هذا الاتجاه. وعلينا أن ننتبه: التناحر الداخلي هو الوقود الذي يحتاجونه لتفعيل مشاريعهم.
ولهذا، فإن التهدئة اليوم ليست خياراً ناعماً أو ترفاً سياسياً، بل ضرورة وجودية. المطلوب فوراً هو ضبط النفس، إسكات الأصوات المتطرفة، ولجم الرؤوس الحامية التي تدفع البلاد دفعاً نحو المحرقة. هؤلاء، سواء عن قصد أو جهل، يسيرون في طريق يؤدي إلى كارثة جماعية لن ينجو منها أحد، وسيجرّون خلفهم الناس إلى حافة الهاوية.
ليس من البطولة أن يُسفك الدم السوري على أيدي السوريين. دم السوري حرام على السوري. وكل من يرفع اليوم شعارات الثأر والانتقام واستباحة مناطق سورية أخرى سيلتهمه الحريق أولاً، ومعلوماتي المؤكدة أن الذين يصفقون للفصائل التي تهدد الآخرين سيبكون عليها قريباً جداً لأنها ذاهبة إلى فخ مُعد لها بدهاء. هذا ما تؤكده المعلومات التي لديّ، لا التحليل ولا التخمين. ما هو قادم في حال استمرار هذا المسار لن يكون مجرد مواجهة، بل محرقة شاملة، خاصة لتلك الجماعات التي تعتقد أنها في موقع القوة.
أما المفاجأة الأخطر، فهي أن بعض الجهات التي كان يُظن أنها «مؤيدة» قد تنقلب بسرعة غير متوقعة، ومعطيات الساحة تشير إلى أن دمشق نفسها أصبحت هدفاً مباشراً في الحسابات المقبلة. نعم، العاصمة، بقلبها ومحيطها، هي الهدف التالي بسرعة صاعقة، ما لم يُضبط الإيقاع السياسي والأمني فوراً.
لكل من يملك تأثيراً أو صوتاً أو وعياً: المطلوب الآن هو التروي والحذر في كل خطوة. احتواء الأوضاع أفضل ألف مرة من تسعيرها. فكل تصعيد جديد يعني خطوة نحو الكارثة. القادم مخيف، مروّع، لا يُشبه شيئاً من الذي عرفناه سابقاً.
نحن نواجه في الواقع لعبة توريط أصبحت مفضوحة للقاصي والداني، والمشكلة أننا نسير بأقدامنا إلى الفخاخ المنصوبة أمامنا، وأن الذين يتظاهرون بأنهم مع سوريا ويريدون لها الاستقرار والازدهار، قد يكون هدفهم العكس تماماً. من جهة يطالبون بوحدة الأراضي السورية، وعلى أرض الواقع يدفعون السوريين إلى الاحتراب الداخلي، فيشجعون هذا الطرف على المقاومة، بينما يعطون الضوء الأخضر للحكومة للتدخل، ثم ينهالون عليها بالقصف. كلنا سمع المبعوث الأمريكي وهو يهاجم حتى اتفاقية سايكس بيكو في معرض دفاعه عن وحدة الأراضي السورية، لكن في الوقت نفسه نرى إسرائيل تنقلب على كل التطمينات الأمريكية وتضرب في قلب دمشق، وتتلاعب بالجميع. كل السوريين اليوم في لعبة الأمم مجرد أدوات ووقود لمشاريع الآخرين، لهذا يجب أن نكون جميعاً حذرين في كل خطوة. كم هو ساذج ذاك الذي يصفق للسوريين وهم يهددون بعضهم البعض بالغزوات. كلنا شاهد التطبيل والتزمير لبعض الفصائل وهي تتهدد السويداء على مواقع التواصل متناسياً أن المتقاتلين في النهاية سوريون. هل يسعدكم يا ترى حرق آلاف البيوت والمحلات التجارية في السويداء ونهب محتوياتها، وقتل آلاف الأبرياء والتنكيل بالمدنيين وإرهابهم ودق إسفين تاريخي بين السوريين؟ هل يسعدكم تهجير السوريين على أيدي بعضهم البعض؟ هل يسعدكم سقوط المئات من قوات الأمن؟ لا شك أن هناك جهات كثيرة شريرة متورطة في هذه اللعبة القذرة، لكن الأهم ألا نقع في شراكها وتحقيق أهدافها.
كل السوريين يريدون اليوم أن يحل الأمن والاستقرار والسلام في ربوع البلاد. كل السوريين يريدون حصر السلاح في أيدي الدولة. كل السوريين يمقتون فوضى السلاح، لهذا من الخطأ القاتل أن تحاول ضبط السلاح في منطقة، ثم تسمح لمناطق أخرى بامتلاك كل أنواع السلاح لاستخدامه ضد بقية السوريين. هذا ينعكس سلباً على الشعب كله، ويجعله يتردد في التخلي عن سلاحه. كيف تقبل منطقة بتسليم سلاحها إذا كانت منطقة أخرى تتباهى بسلاحها وتهدد به بقية السوريين والكل يصفق لها. صدقوني هذا خطأ قاتل يضر بنا جميعاً كسوريين وينعكس سلباً بالدرجة الاولى على صورة الحكومة، فهي بذلك كمن يطلق النار على قدميه. والمضحك أكثر أن هناك فصائل تقطع مئات الكيلومترات من أقاصي سوريا لتواجه أحد المكونات السورية، بينما هي في الحقيقة ترزح في مناطقها تحت احتلال فصيل داخلي آخر ينكل بها ليل نهار ويحتل ثلث الأراضي السورية ويتحكم بثرواتها. يا له من مشهد كوميدي هزلي. طبيب يداوي الناس وهو عليل. من الخطأ الفادح التغاضي عن هذه الهيستريا، بل يجب وقفها عند حدها فوراً لأنها ستكون وبالاً على الدولة قبل أن تكون وبالاً على نفسها وبقية السوريين. وللعلم فإن المتربصين بسوريا سعداء جداً بهذه المأساة الوطنية وينتظرون تطوراتها المرعبة كي يحققوا مصالحهم على دماء السوريين وأشلائهم.
ختاماً، هذه ليست نبوءات، ولا مقاربات تحليلية. هذه معلومات مؤكدة من قلب المشهد. والمخلص ليس من يصفق لك اليوم، بل من يقول لك الحقيقة حتى لو كانت مرّة.
وصديقك من صدقك… لا من صدّقك.
كاتب واعلامي سوري
القدس العربي
——————————–
إسرائيل وتدخلها في أحداث السويداء: نحن من يقرر مصير سوريا واللعبة الإقليمية
ظهر الأربعاء، أدركت هيئة الأركان بأن الأحداث الجارية في جبل الدروز بسوريا قد تهدد بتصعيد يخرج عن السيطرة، لهذا نقلت قوات من ساحة غزة إلى الجولان.
ثمة معضلة في لُباب أي قرار استراتيجي تعمل بين طرق لا يستوي أحدها مع الآخر. فقد كان في اعتبارات وقف أعمال الجيش السوري في السويداء ادعاءات مع وضد، مع مدى لا بأس به من المنطق. من جهة، ما كان يمكن لإسرائيل أن تتجاهل توقعات مواطنيه الدروز بالهرع لحماية أبناء الطائفة في سوريا، ممن تعرضوا للاعتداءات، بل وذبحوا بوحشية. من جهة أخرى، يجدر بإسرائيل أن تفكر جيداً بخطواتها في التدخل في دولة سيادية ترى احتمال لإنهاء حالة الحرب بمسيرة تسوية.
الاضطرار الذي دفع الجيش الإسرائيلي للتدخل المباشر ضد جيش سوريا الجديد وضرب رموز الحكم في دمشق، ينطوي على بعدين من المصالح الاستراتيجية: يندرج البعد الأول في الاعتبار الأخلاقي الصرف – ذبح مواطنين دروز على أيدي عصابات جهادية. كان متوقعاً من كل زعماء الدول الغربية ولا سيما الولايات المتحدة، الاعتراف بواجبهم الأساس بعمل كل ما في وسعهم لوقف أعمال ذبح كهذه.
البعد الثاني استراتيجي – براغماتي. في سوريا بعد نظام الأسد، تشارك بضع دول مجاورة تسعى لتحقيق نفوذ وقوة. والأتراك، بتنسيق مع قطر، يعملون على توسيع مجالات سيطرتهم الإقليمية. أما السعودية والأردن والعراق وكذا إيران، فلهم مصالح تتمثل في التواجد والنفوذ في سوريا. ولهم جميعاً مصلحة في التأثير على ميول تطور سوريا في المستقبل. في هذه النظرة، إسرائيل، كجارة، مهدد لا يحق لها أن تغلق على نفسها في نطاق “فيللا في الغابة”، متوقعة بموقف سلبي لشيء ما جيد يحصل.
احتكاك يستوجب استيضاحاً ثاقباً
إن حماية الدروز من قوات إسلامية جهادية، ستوفر لإسرائيل فرصة لأعمال عسكرية وإنسانية في المجال السوري وبث قوة تعبر عن مصلحة في نفوذ فاعل على ميول تطور سوريا.
ثمة من يحذرون من أن التدخل الإسرائيلي يحدث تغييراً سلبياً من حيث موقف نظام دمشق من إسرائيل لدرجة تفويت إمكانية التسوية والسلام، وكأن بضربها للجيش السوري، حرقت إسرائيل جسر السلام. غير أن مثل هذا الجسر لن يكون جسراً من ورق. أي جسر متين لنيل التسوية يجب أن يقوم على أساس اعتراف متبادل بالمصالح المتبادلة، وبينها المصلحة الإسرائيلية في حماية حقوق الطائفة الدرزية وباقي الأقليات في سوريا.
الشرع يعرف ويفهم مدى الالتزام الإسرائيلي بحماية الدروز، وإذا كان تجاهله عن وعي، فقد تلقت إسرائيل بذلك تعبيراً عملياً عن تقدير حقيقة التسويات مع السوريين. في هذا الجانب، وفرت أحداث هذا الأسبوع في جبل الدروز فرصة لإسرائيل كي تفحص مصالح الشرع في ميل التسوية مع إسرائيل، انطلاقاً من احتكاك يستوجب استيضاحاً ثاقباً.
الطريق الذي ستنجح إسرائيل في إيضاحه لكل الجهات في المنطقة بواجبها لحماية الدروز في سوريا، سيسمح لها أيضاً بالتأثير انطلاقاً من موقف قوة على اتجاهات تطور سوريا الجديدة. سيكون لأعمال إسرائيل تأثير في مفترق طرق بين الطريق إلى الاستقرار والازدهار في العلاقات المتبادلة، وبين نظام حدود يستمر في تهديد متبادل. في مثل هذا الموقف من السير السياسي الإسرائيلي إزاء سوريا، كان القرار بالتدخل العسكري هذا الأسبوع ضرورياً تماماً.
اللواء احتياط غيرشون هكوهن
إسرائيل اليوم 18/7/2025
القدس العربي
—————————–
السويداء تحت النار… أزمات إنسانية وانقسامات عميقة/ ضياء الصحناوي
19 يوليو 2025
خلّفت الاشتباكات الدامية المستمرة في مناطق متعددة من محافظة السويداء السورية واقعاً من الدمار والقتل والتهجير، وكشفت هشاشة خطيرة في المنظومة الإنسانية والخدمية بالمحافظة، لا سيما في خدمات الدفاع المدني والإسعاف والإطفاء.
اندلعت الاشتباكات العنيفة فجأة، لتترك الشوارع ممزقة، وعشرات المباني المدمرة أو المحترقة، وأعداداً كبيرة من الجرحى، بينما هناك نقص حاد في سيارات الإسعاف، وشح في المستلزمات الطبية الأساسية والأدوية، وضغط هائل على المستشفيات، وكل هذه عوامل حوّلت عملية إنقاذ حياة إنسان إلى معجزة.
في خضم هذه الفوضى، وجدت منظومة الدفاع المدني نفسها على خط المواجهة، بينما قدراتها محدودة نتيجة سنوات من الحرب والحصار الاقتصادي، ما جعلها عاجزة عن مواجهة الكارثة.
يقول سائق سيارة إسعاف، طلب عدم ذكر اسمه، لـ “العربي الجديد”: “كان المستشفى على بعد ثلاثة كيلومترات فقط، بينما خزان الوقود يشير إلى الصفر. اضطررنا لترك السيارة في الشارع، والركض لاستجداء لترات من الوقود لتشغيل السيارة، أو استجداء سيارة عابرة تسعف الجريح. حين عدنا كان قد فات الأوان، وفقدناه”.
بدوره، يقول أحد العاملين في الهلال الأحمر السوري لـ “العربي الجديد”: “نتعاون مع الأهالي في نقل الجرحى الذين نستطيع الوصول إليهم، ويتم ذلك أحياناً عبر البطانيات والحرامات، إذ لا نقالات كافية. نحاول عادة تسخير سيارات مدنية لإسعاف الجرحى، إذ لا تكفي سيارات الإسعاف المتوفرة لنقل المصابين في حال وقوع مجازر ترتكبها العصابات المنفلتة. نعمل في ظل خطر دائم، وصفارات الإسعاف لا تشكل حماية لنا، بل تجعلنا أهدافاً. تعرضت سيارتنا للاستهداف عدة مرات على الطريق، ونجوت بأعجوبة، لكن أحد زملائي استشهد، وشاهدت زملاء ومدنيين يُقتلون بينما يحملون جرحى على نقالات”.
وتؤكد مصادر محلية من السويداء أن النظام الصحي تجاوز نقطة الانهيار، وأن المستشفيات والعيادات والمستوصفات تعمل فوق طاقتها الاستيعابية، في ظل نقص الأدوية الحاد، ما يتسبب في وفيات يمكن تجنبها يومياً. ويزيد نقص الكوادر الطبية المؤهلة، إما بسبب الهجرة أو بسبب عدم القدرة على الوصول إلى أماكن العمل، الطين بلة.
يقول المتطوع يزن أبو هدير: “انقطع الماء عن المستشفى لأيام نتيجة فرض حصار من العصابات. كيف ننظف الجروح؟ كيف نعقم الأدوات؟ استخدمنا المياه المخزنة للشرب، ولجأنا إلى المطهرات حتى نفدت، وبعض الإصابات تلوثت بسبب عدم توفر مياه نظيفة. كنت في المستشفى لمدة أربعة أيام، وكان الوضع كارثياً، فالجثث تملأ الممرات، وأصوات الجرحى الذين ينزفون تتداخل بانتظار المساعدة، وكأن المستشفى ساحة قتال”.
وتواجه فرق الإطفاء جحيماً مختلفاً أمام الحرائق الناجمة عن القصف المدفعي والصاروخي والمتفجرات، والنيران التي أشعلها المهاجمون في بيوت ومتاجر المدنيين. والاستجابة البطيئة لفرق الإطفاء لا تعود بالضرورة إلى تقصير العاملين، والذين يخاطرون بحياتهم، بل إلى نقص فادح في المعدات، وعدم كفاية سيارات الإطفاء، إذ هناك سيارتان فقط في المحافظة كلها، بسبب وجود البقية في محافظة اللاذقية لإطفاء حرائق الغابات.
ويعيق انقطاع التيار الكهربائي ضخ المياه، وهناك شح كبير في الوقود اللازم لتشغيل الآليات، وكل هذه حواجز تحول دون السيطرة الفعالة على النيران المشتعلة، ما يزيد من حجم الخسائر المادية، ويطيل أمد المعاناة.
يقول رئيس فوج الإطفاء في السويداء، فادي الداود، لـ “العربي الجديد”: “نواجه نيراناً من كل الاتجاهات، فالحرائق تلتهم البيوت والمحال، وعناصرنا ينفذون عمليات إطفاء تحت وابل من الرصاص والقذائف. الأصعب دائماً هو شح المياه، ويعتمد الفوج على الآبار العاملة على المولدات، لكن ضغط المياه يكون منخفضاً للغاية، ومع نفاد المحروقات وانقطاع الكهرباء، نضطر لجر المياه يدوياً من خزانات بلاستيكية أو براميل. سيارات الإطفاء تقف عاجزة في مرات عديدة، لأن نقص المحروقات يمنع الوصول إلى بؤر النيران البعيدة”.
ويحكي المتطوع في الفرق الإغاثية، عمرو المحيثاوي، لـ “العربي الجديد”: “الظلام عدو آخر، فكيف تشخص الحريق ليلاً؟ وكيف تجد الجرحى؟ نستخدم كشافات الهواتف الشخصية. لكن انعدام الكهرباء يعطّل مضخات المياه، ويوقف أجهزة التنفس في المستشفيات، ما يزيد العبء بشكل لا يطاق”.
في خضم كل هذا الدمار، تطفو على السطح روايات المظلومية، ويعلو صوت أبناء الطائفة الدرزية التي تشكل الأغلبية الساحقة في المحافظة، معبرين عن شعور عميق بالمظلومية والتهميش. ويعيد كثيرون المشهد الحالي إلى سياسات سابقة، متهمين النظام السوري البائد بالتجاهل المتعمد لمطالبهم التنموية، وبتهميش دورهم السياسي، فيما حرصت المحافظة على درجة من الحياد النسبي طوال سنوات الحرب. ويرى كثير من الدروز الدمار والعنف اللذين استهدفا مدنهم وقراهم كاستهداف متعمد لهويتهم، ولكيانهم الاجتماعي، ما يعمق الشعور بالغبن، والخوف من المستقبل.
من جانب آخر، تبرز رواية مظلومية عشائر البدو، وهم أيضاً تعرضوا للتجاهل والتهميش على مدار سنوات، ويخشون من المستقبل بقدر الطائفة الدرزية.
ويقدر نشطاء محليون أن آلافاً من عائلات السويداء نزحت من مناطق القتال إلى أماكن يُفترض أنها أكثر أمناً، غالباً ما تكون مدارس أو مراكز مجتمعية، لكنها غير مجهزة لتلبية احتياجاتهم الأساسية، وتتفاقم أزمة الإيواء يوماً بعد يوم مع استمرار تدمير المنازل.
ويقول الناشط المدني علي الحسين لـ “العربي الجديد” إن “الحل العسكري الذي اعتمدته الحكومة في دمشق لم يجلب سوى المزيد من الدمار والمعاناة، فيما الثقة باتت معدومة، وهناك حاجة ماسة ومُلحة لوقف فوري لإطلاق النار، واتخاذ تدابير لحماية المدنيين، والبنية التحتية، بما فيها مراكز الدفاع المدني والمستشفيات، وفتح ممرات إنسانية آمنة لتوصيل المساعدات الطبية والغذائية العاجلة، وتخصيص دعم عاجل لمنظومة الدفاع المدني، يشمل توفير الآليات والمعدات والوقود والمواد الطبية الأساسية والأدوية لتمكينها من أداء دورها المنقذ للحياة”.
يضيف الحسين: “ننتظر بدء حوار مجتمعي جاد يقر بجروح الماضي، ويعترف بمظلوميات الأطراف، سعياً نحو مصالحة حقيقية لبناء مستقبل مشترك يضمن حقوق وكرامة الجميع، الدروز والبدو وسواهم. صمدت السويداء أمام عواصف كثيرة، وهي تواجه اليوم اختباراً وجودياً، فالمعاناة الإنسانية لا تميز بين هوية أو طائفة، وإنقاذ الأرواح وإعادة بناء ما دمّر يجب أن يكونا أولوية مطلقة، وهذا ما يتطلب جهداً محلياً صادقاً، ودعماً دولياً فاعلاً”.
العربي الجديد
———————————-
بدو السويداء… تهجير عشرات العائلات إلى درعا/ عبد الله البشير
18 يوليو 2025
يتواصل نزوح العائلات المنتمية إلى عشائر البدو في محافظة السويداء جنوب سورية، إلى مراكز إيواء في محافظة درعا المجاورة، بعد تهجير قسري واعتداءات انتقامية مارستها بحقهم مجموعات مسلحة درزية، وبالتزامن مع اشتباكات مستمرة بين مقاتلين من المجموعات الدرزية ومقاتلين من أبناء العشائر العربية.
ويبدو الوضع كارثياً مع تسجيل جرائم قتل بحق أبناء العشائر البدوية، حتى غير المتورطين منهم في الاشتباكات الدائرة. تقول حمدة نعيمي، وهي مهجرة من قرية المزرعة ذات الغالبية من عشائر البدو في ريف السويداء، لـ”العربي الجديد”، إن “المجموعات الدرزية المسلحة هجرت سكان القرية، ونفذت عمليات إعدام ميداني بحق أطفال ونساء. المجموعات الخارجة عن القانون طاردتنا، ولا نعرف شيئاً عن بقية أبنائها، إن كانوا أحياء أم أمواتاً، فقد قتلوا عدداً من أبنائنا في مجلس الرجال عند فرارنا من المنطقة. أنا موجود الآن في بلدة خربة غزالة بريف درعا، برفقة نازحين آخرين وصلوا إليها من أبناء العشائر العربية في السويداء، وأهالي البلدة يساعدون النازحين”.
بدورها، قالت سمرة أبو ثليث المهجرة من بلدة الحروبي في ريف السويداء لـ”العربي الجديد” إنها لا تعرف ما حل ببقية أفراد عائلتها، موضحة أن عناصر المجموعات المسلحة هجروا جميع أبناء القرية، وقتلوا عدداً من النساء فيها، وكان الوضع أشبه بمأساة. تضيف: “أقيم في الوقت الحالي مع بعض أفراد عائلتي في بلدة خربة غزالة بريف درعا، داخل مركز إيواء”.
وبدأت لجنة طوارئ شكّلها محافظ درعا أنور طه الزعبي بمتابعة أوضاع النازحين والمهجرين من أبناء محافظة السويداء الذين وصلوا إلى المحافظة خلال الأيام الماضية، وجلهم من عشائر البدو، للوقوف على احتياجاتهم، وتنسيق جهود المنظمات الإنسانية والمجتمع المحلي في تقديم الاحتياجات وتأمين المأوى.
ووفق الإحصائيات الصادرة عن المحافظة، تجاوز عدد العوائل التي غادرت السويداء عقب الاعتداءات التي تعرضت لها عشائر البدو الـ1000 عائلة، وغالبيتها هجرت على أيدي مجموعات خارجة عن القانون، وهذه العائلات وصلت إلى مناطق مختلفة في محافظة درعا، وهناك عملت لجنة المحافظة على تأمين مأوى مؤقت لهم، وتأمين مواد غذائية وغير غذائية، إضافة إلى الكثير من الاحتياجات الطبية للمرضى والحوامل والرضع.
من بلدة خربة غزالة بريف درعا، يقول الناشط المدني زياد البكاوي، لـ”العربي الجديد”: “أحدثنا مركز إيواء خربة غزالة بعد بسبب نزوح أهلنا من السويداء نتيجة الأحداث الدائرة هناك ضد المدنيين، والتي تفاقمت بعد نقض الاتفاق مع الحكومة السورية. المركز مكون من 14 غرفة، مع مستوصف صحي متنقل جهزناه بالكامل”.
وأوضح الستيني سعيد خالدي لـ”العربي الجديد” أنه غادر مدينة شهبا في ريف السويداء أمس، مضيفاً في حديثه: “وصلتنا أنباء عن تعرض أقارب لنا للقتل على يد مجموعات مسلحة، وأولادي أصروا على أن نغادر فوراً، لا سيما أننا نقيم في منطقة على أطراف المدينة، فحملنا بعض الأغراض وغادرنا، ووجدنا شاحنة على الطريق ساعدنا سائقها على الوصول إلى درعا مع عوائل أخرى”.
ويبيّن الخالدي أن ثلاثة من أفراد عائلته مفقودون ولا يَعرف عنهم شيئاً، بينما وصلتهم أخبار أنهم قتلوا خلال عمليات اقتحام للمسلحين المحليين. ليشير إلى أن الأخبار تصله عن حرق للمنازل وجثث لا تزال في الشوارع حتى الوقت الحالي.
ويقول عضو “تجمّع أحرار حوران”، الحقوقي عاصم الزعبي، لـ”العربي الجديد” إن الوضع كارثي في ريف السويداء، مشيراً إلى إحداث عدة مراكز إيواء في بلدات غصم، والغرية الشرقية والغربية، وخربة غزالة، والكرك الشرقي، والسهوة، والمسيفرة، ومعربة.
ويضيف الزعبي: “عائلات كثيرة في حالة صدمة بسبب الاستهدافات التي تعرّضوا لها، وما شاهدوه من فظائع خلال نزوحهم.
الصدمة التي تعرضت لها العائلات، وصعوبة وصول الكثير منهم إلى مناطق آمنة، لا يسمحان بالضغط عليهم في الوقت الحالي للحديث عن الظروف التي مروا بها”، لافتاً إلى أنّ “العائلات معظمها سلكت طرقات وعرة هرباً من الاعتداءات، وثمّة استهجان من أبناء العشائر العربية في المنطقة لعمليات القتل الانتقامية التي طاولت أبناءهم، وسط دعوات للثأر”.
وأكد مصدر محلي في مدينة السويداء وجود محاصرين من أبناء عشائر البدو ضمن المدينة، وأضاف المصدر لـ”العربي الجديد” وجود محاولات تهدئة لمنع قيام عناصر المجموعات المسلحة المحلية بعمليات إعدام ميداني لهم. وأشار إلى أن هذه الجهود قد لا تكون نافعة، وأن الظروف الإنسانية داخل مدينة السويداء صعبة في الوقت الحالي مع خروج المشفى الحكومي عن الخدمة، واستمرار حركة نزوح السكان باتجاه مناطق ريف السويداء الجنوبي، وخاصة مناطق صلخد.
وأشار المصدر إلى أن “المسلحين من أبناء عشائر البدو غادروا المدينة خلال انسحاب قوات الأمن منها، فيما بقيت بعض العوائل بمنازلها. جثث كثيرة لا تزال في شوارع السويداء، وهناك حاجة ملحة للأدوية مع وجود كثير من الجرحى والمصابين، والروائح الناتجة عن بدء تفسخ الجثث في مشفى السويداء لا تحتمل، وسط مخاوف من استمرار الاشتباكات بين مقاتلي العشائر والمجموعات المسلحة”.
وكشف أحد العاملين في منظمة “شفق” الإنسانية لـ”العربي الجديد”، أن فرق المنظمة القادمة من العاصمة دمشق، تعمل على جمع المعلومات المتعلقة بالنازحين الذين وصلوا إلى درعا، وتقييم الاحتياجات، ومعرفة أماكن وجود العائلات، وكيفية المساعدة. موضحاً: “ما زلنا في مرحلة جمع المعلومات، ولا توجد لدينا أية بيانات واضحة في الوقت الحالي، وهذه مرحلة ضرورية حتى يكون تدخلنا فعالاً وفق الأولويات والاحتياجات”.
ووثّقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان مقتل ما لا يقلّ عن 321 سورياً، من بينهم 6 أطفال و9 سيدات، وإصابة ما يزيد عن 436 آخرين بجروح متفاوتة خلال أحداث محافظة السويداء، فيما أعلن وزير الطوارئ وإدارة الكوارث السوري رائد الصالح تشكيل غرفة عمليات مشتركة للتعامل مع الأوضاع الإنسانية الناجمة عن هذه الأحداث.
ويقول مدير الشبكة، فضل عبد الغني: “جرى توثيق عشرات القتلى من أبناء عشائر البدو في محافظة السويداء، لكن الحصيلة النهائية لأعداد الضحايا لم تُحسم بعد بسبب صعوبة الوصول إلى بعض المناطق، وانعدام خدمات الاتصالات والإنترنت”.
العربي الجديد
———————————–
الصحافية والناشطة في زمن الثورة الجميل…كيف صارت زينة شهلا مُطارَدة بالعصي؟
السبت 2025/07/19
تعرضت الصحافية والمعتقلة السياسية السابقة زينة شهلا لاعتداء علني مساء الجمعة أمام مقر مجلس الشعب في العاصمة السورية دمشق، أثناء مشاركتها في وقفة صامتة حملت شعار “دم السوري على السوري حرام”.
وقالت شهلا في “فايسبوك” أن مجموعة من الشبان المسلحين بالعصي هاجموا المشاركين في الوقفة، ووجهوا لهم الشتائم والاتهامات بـ”الخيانة والعمالة”، قبل أن يلاحقوا بعضهم ويعتدوا عليهم بالضرب، فيما انتشرت صور ومقاطع فيديو لحادثة الاعتداء المروعة التي تعيد التذكير بحقبة نظام الأسد الذي واجه الثورة السورية السلمية العام 2011 بالطريقة نفسها.
وأوضحت شهلا، التي تشغل حالياً منصب مستشارة في لجنة المفقودين التابعة لرئاسة الجمهورية، أنها تعرضت شخصياً للضرب بعصا على يدها، قبل أن يقوم أحد المعتدين بصفعها على وجهها، مردداً شتائم تتعلق بشرفها، وقام المعتدي ذاته بتوثيق الحادثة ونشرها في وسائل التواصل، في خطوة وصفها حقوقيون بأنها “تحريض علني وانتهاك لكرامة النساء في المجال العام”.
وعلقت شهلا: “بتمنى هي الحادثة ما تمر مرور الكرام… هاد العنف المنفلت اليوم بطرقاتنا مانه حل… نحنا بحاجة لقوانين واضحة رادعة لهاد الخطاب، وبحاجة نرجع نحس بالأمان ببلدنا، والأهم بحاجة لحوار شامل… وبحاجة أهم شي للعدالة، العدالة لكل السوريين”.
وشهلا هي صحافية سورية، وناشطة مدنية وحقوقية بارزة، وواحدة من الأصوات النسائية القليلة التي واصلت العمل من داخل سوريا خلال سنوات الحرب، محافظة على خطاب إنساني نقدي يعكس معاناة الناس اليومية، ويركّز على قضايا التغير المناخي، التراث الثقافي، والانتهاكات الحقوقية. درست الهندسة المعلوماتية في جامعة دمشق، قبل أن تنتقل لاحقاً لدراسة الإعلام والاتصال.
ونشرت شهلا عشرات المقالات والتقارير في منصات عربية ودولية وكانت عضواً في زمالات صحافية دولية عديدة. وفي العام 2023، أطلقت مشروعها المستقل “تراث مسموع”، وهو أول بودكاست سوري يهتم بالتراث الثقافي غير المادي، ويهدف إلى توثيق ممارسات ثقافية وتقاليد مهددة بالاندثار بسبب الحرب والتغيرات المجتمعية ونال اهتماماً دولياً، خصوصاً أنه يقدّم رؤية بديلة لسوريا لا تقتصر على العنف أو النزاع المسلح، بل تحاول الحفاظ على الذاكرة الشعبية والهوية الثقافية.
أما سياسياً، فقد دفعت زينة ثمناً باهظاً لتمسكها بالموقف النقدي، إذ اعتقلت مرتين من قبل أجهزة الأمن السورية، ثم أفرج عنها لتتابع نشاطها الحقوقي من داخل البلاد، في بيئة معقدة وخطرة. وبعد سقوط نظام الأسد، اختيرت مستشارة في لجنة المفقودين التابعة لرئاسة الجمهورية، وهي لجنة تحمل طابعاً استشارياً غير تنفيذي، وتعنى بملف المعتقلين والمفقودين، التي ما زالت قضية مغيبة وثانوية في سوريا ما بعد الأسد.
والحال أن الوقفة التي نظمت أمام مجلس الشعب، بدأت يوم الخميس بشكل سلمي من دون حوادث، وهدفت إلى فتح قنوات الحوار بين السوريين في ظل اتساع رقعة العنف والحرب الطائفية، خصوصاً بعد تصاعد التوترات في محافظة السويداء ومناطق جنوب سوريا، ولم يرفع المشاركون شعارات سياسية أو حزبية، بل اكتفوا بعبارات إنسانية ترفض القتل والاقتتال الداخلي تحت شعار “دم السوري على السوري حرام”، ما اعتبره موالون للحكومة الحالية بأنه “تحريض مغطى” ضد الدولة.
وتساءل ناشطون: “ما الشيء المخيف في عبارة دم السوري على السوري حرام، حتى تقابل بهذه الوحشية والهمجية؟ ويذكّر المشهد بأساليب النظام السوري في السنوات الأولى للثورة، حين أطلق عناصر أمن بلباس مدني للاعتداء على المتظاهرين السلميين، مستخدمين اللغة نفسها من الشتائم والتخوين والعنف الجسدي.
وينتشر خطاب أجوف في مواقع التواصل يقول أن “الوقت غير مناسب للاعتصامات”، بحجة أن البلاد تمر بظروف معقدة، وهي العبارة ذاتها التي كررها نظام الأسد إعلامياً ودبلوماسياً في رده على منع التظاهر والاعتصامات والتجمعات في البلاد طوال عقود.
والاعتداء على شهلا وعشرات الصحافيين والناشطين والمدنيين، هذا الأسبوع وطوال الشهور الماضية، هو في جوهره اعتداء على فكرة السلم الأهلي وعلى الحريات الفردية والحقوق المدنية، وعلى محاولات بناء مساحات مدنية للحوار، كما أنه يكشف هشاشة الوضع الأمني، والفراغ القانوني الذي يسمح للعنف المنفلت أن يتحول إلى أداة ترهيب علنية ضد كل صوت حر أو مختلف. وأن يجري الاعتداء أمام البرلمان الذي يفترض أن يحمل رمزية للدولة المدنية والديموقراطية، هو حبة الكرز الصغيرة فوق كعكة الانتهاكات التي تجري في البلاد اليوم.
المدن
—————————
هل دفع أحمد الشرع ثمن توم براك؟/ فارس خشان
لم يعد سراً أنّ إسرائيل تتطلع إلى تقسيم سوريا وتحويلها إلى مناطق متعددة النفوذ، وهي تحاول، من دون شك، الاستفادة من حاجة الدروز إلى الحماية، في سياق سعي أطراف منهم إلى إقامة حكم ذاتي، من أجل تفعيل مشروعها. حاول الرئيس السوري أحمد الشرع إنقاذ نفسه من تجرع هذه الكأس المرة. تطلع إلى واشنطن التي خطب ود رئيسها دونالد ترامب مستعيناً بذلك بأركان أساسيين من حلفاء “البيت الأبيض”: تركيا التي سبق أن هنأها ترامب على الاستيلاء على سوريا، المملكة العربية السعودية التي قال الرئيس الأميركي إنّه لا يرد طلباً لولي عهدها الأمير محمد بن سلمان، والإمارات العربية المتحدة التي فاجأت المراقبين بإقامة علاقات ودية مع نظام أمسك به تنظيم من تنظيمات الإسلام السياسي! يؤمن الشرع أنّ خطط إسرائيل الهادفة إلى العبث بالاستقرار الجغرافي والديموغرافي تبقى حبراً على ورق من دون الموافقة الأميركية. عندما حاول الشرع، قبل أشهر، أن يفرض نفوذ نظامه على دروز سوريا بالتزامن مع تقدم المفاوضات مع أكرادها، وبعد “التجربة الحاسمة” مع علوييها، وبعد وضع مبادئ دستورية أثارت غضب “الأقليات”، لم يكن قد تمكن من تطبيع علاقته مع البيت الأبيض، بعد! التدخل الإسرائيلي لمصلحة دروز سوريا في ضوء أحداث ريف دمشق، دفعه إلى وقف اندفاعة “فرض سلطة الدولة على جميع مكوناتها” بانتظار ظروف مواتية. وظنّ الشرع أنّ هذه الظروف أتت. لم يصافح ترامب فحسب بل نال منه مديحاً استثنائياً، أيضاً. ولاحقاً تمّ رفع العقوبات الأميركية عنه وعن تنظيمه، “هيئة تحرير الشام” وتبعاً لذلك عن التنظيم المنبثق منه “جبهة النصرة”. ودخل في مفاوضات تجديد اتفاقية فصل القوات مع إسرائيل التي كانت قبل ذلك تتعاطى معه بعدائية، مصوّرة إياه بأنّه نسخة أخرى ليحيى السنوار، زعيم “حماس” الذي اغتاله الجيش الإسرائيلي في القطاع الفلسطيني المنكوب! ولكنّ الشرع بقي في حالة حذر شديدة، إلى أن جاءه المبعوث الأميركي توم براك، السفير “فوق العادة” في تركيا. براك أغرق الشرع بالمواقف الإيجابية. وقف معه في مواجهة “قسد” الكردية وأبلغه بأنّ واشنطن تريد سوريا دولة موحدة ومركزية وترفض مشاريع التقسيم والفدرلة المرسومة لها في الدوائر الإسرائيلية، وهي لا تريد أن تسمع بكيانات درزية وعلوية وكردية. ولم يبق كلام براك “حبيس” الغرف المغلقة. نقله إلى الإعلام، وقاله، بوضوح في لقاء حواري انعقد في الحادي عشر من تموز/ يوليو الجاري في نيويورك. بعد يومين على كلام براك، تحوّلت عملية سرقة تعرض لها أحد أبناء الطائفه الدرزية، على طريق السويداء-دمشق إلى شرارة مواجهة عسكرية دموية بين دروز هذه المحافظة الجنوبية وبين أبنائها البدو الذين حظيوا بدعم من عشائر درعا. وهنا أراد الشرع، تفعيل ثقته بوحدة سوريا تحت سلطته، فأرسل قوات تابعة له إلى السويداء، حيث دخلت بمواجهة مع بعض الفصائل الدرزية التي لا تريد أن تكون تابعة للحكومة السورية المركزية. في هذه اللحظات، بدت كلمات توم براك في مكان والواقع في مكان آخر، إذ دخلت صاحبة مشروع تقسيم سوريا على الخط. حذرت الشرع بداية، ثم انقضت عليه: قصفت مبنى الأركان في دمشق ومحيط قصر الشعب الذي يتخده الشرع مقراً رئيسيّاً له، بعدما كانت قد استهدفت القوات الحكومية في درعا ومحيطها وأغارت على دبابات كانت تتوجه نحو السويداء. ورسمت إسرائيل خطوطاً حمراً حول دروز سوريا عموماً وأعلنت نفسها حامية لهم ولكيانهم الجغرافي ملمّحة إلى ضمّهم، في ترتيب يتم العمل عليه، إلى دروز الجولان المحتل! وتوم براك الذي رفع الصوت لوحدة سوريا، بدأ يرفع الصوت لسلامة الدروز. تراجع الشرع تكتيكياً. ترك الأرض لصراع الدروز والبدو، وبدأ اتصالاته لإعادة إدراك واقعه. تواصل مع راعيه العسكري، رجب طيب إردوغان وراعيه العربي، محمد بن سلمان اللذين حركا وسائل الضغط على حليفهما دونالد ترامب! حتى تاريخه، يتقدم مشروع فصل السويداء عن سوريا بقوة. مخاطره أنه سوف يسحب نفسه في وقت لاحق على العلويين والأكراد، ومن ثم على كيانات سايكس-بيكو! على الأرجح، سيجد الشرع دعماً تركيا- سعودياً، ولكن لا أحد يستطيع أن يعرف المحصلة بعد. الخائفون من التقسيم يراهنون على رفض تركيا إقامة كيان كردي مستقل في سوريا كما على رفض السعودية التخلي عن العشائر العربية في جنوب سوريا! الراغبون بالتقسيم يعتبرون أنّ إسرائيل بإعلان نفسها حامية الدروز يستحيل عليها، في ضوء حاجتها إلى إعادة ترتيب شرق أوسط مختلف، أن تتراجع! وفي الحالتين، هناك شخص يحتاج إلى إعادة تثبيت صدقية ما به ينطق من إيجابيات تجاه الحكام: توم براك!
النهار العربي
——————————–
الشروخ النفسية والاجتماعية في مواجهات السويداء/ مشاري الذايدي
19 يوليو 2025 م
الشروخ النفسية والاجتماعية هي الأخطر من القتل والعِراك بين الناس، مع الوقت ربما ينسى الناس حرارة الفقد والجرح، بل ربما تعالى البعض على حدود الألم، لصالح السلام والصلح التام.
لكنّ بعض الأعمال القائمة على أساس الإهانة والحقد والشماتة والإذلال «المتبادل» هي الأخطر، لأنها تستمر طويلاً في النفوس، وتلد نوعاً آخر من الأحقاد… وهكذا.
ما يجري حاليّاً من حرب قبيحة في منطقة السويداء، جبل العرب، في جنوب سوريا، يجب على العقلاء -داخل سوريا- التدخّل فيها؛ لأنها من أخطر وأبشع وأقبح الحروب، بسبب آثارها على العلاقات الطبيعية بين الناس في سوريا.
الدروز جزءٌ أصيلٌ وقديمٌ من النسيج السوري، وعشائر حوران والسويداء من السنّة كذلك، والعربُ يقطنون حوران منذ ما قبل الإسلام، من أيام الغساسنة، وربما أقدم من ذلك.
لا يزايد أحدٌ على أحد، والعلاقات بين الناس، اجتماعياً وثقافياً، قديمة، وفيها كل ما في علاقات الجيران «العادية» شدّ وجذب، وصفاء وكدَر، إمّا بسبب التنافس التقليدي على الماء والمرعى والتجارة، وإمّا بسبب تهييج خارجي، لكن «الحوارنة» وبدو حوران، وأهل الجبل، ظلّوا عبر التاريخ جيراناً وشركاء في إقليم واحد.
هذا ما يجب استعادته اليوم، فهو «صمغ» الوحدة بين الناس والتناغم. هناك شيطنة متبادلة، خاصّة في ساحات السوشيال ميديا، المفلوتة، أو المرعيّة أحياناً من جهات جاهلة، أو عالمة بهدفها: «الفتنة».
حول صورة الدروز، بني معروف، في الصورة العربية الطبيعية أسوقُ لكم بعض الأمثلة العابرة:
النائب الأردني السابق، والمحامي والكاتب فيصل الأعور ذكَّرنا بمقالة له حول هذا الأمر، بما قاله أحد أشهر شيوخ البادية الأردنية العربية، الشيخ «حديثة الخريشا» من شيوخ قبيلة بني صخر، عن الدروز، حين قال:
العزّ عزّ الله والي الأنفاس والعزّ الآخر لابسين العمايم
عزّك بني معروف عالخيل جِلاّس وبمقابل الجمعين كلهم لزايم
يا الله يا والياً كل الأنفاس تَكُفُّ عنهم شر عايب وظالم
ومن أشهر ما قِيل عن الدروز في سياق النضال من أجل القضية الوطنية العربية والإسلامية، ما قاله أمير الشعراء، أحمد شوقي:
وَما كانَ الدُروزُ قَبيلَ شَرٍّ وَإِن أُخِذوا بِما لَم يَستَحِقّوا
وَلَكِن ذادَةٌ وَقُراةُ ضَيفٍ كَيَنبوعِ الصَفا خَشُنوا وَرَقُّوا
لمّا طارد الفرنسيون، ثم الإنجليز، سلطان الأطرش ورفاقه، لم يجدوا مهرباً إلا لـ«ابن سعود»، الملك العربي الأبيّ، عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل، وعن ذلك قال الأديب والسياسي العربي الإسلامي الإصلاحي شكيب أرسلان فيما كتبه: «ولمَّا أنذر الإنجليزُ الثُوّارَ السوريين بمغادرة (واحة الأزرق) أو أن يستسلموا إلى الفرنسيين، اضطر نحو ألف للاستسلام، لكن شقيقي عادل وسلطان باشا الأطرش وغيرهما من القُوَّاد أبوا الاستسلام، وقالوا للإنجليز: نحن قاصدون إلى أرض ابن سعود، فليس لكم أن تلحقونا إلى هناك، وليس لكم في أرض ابن سعود أدنى يد علينا».
هذه الروح التي يجب صونها اليوم.
الشرق الأوسط
————————————
اختبار ما بعد “غزوة السويداء”/ رفيق خوري
السبت 19 يوليو 2025
ليس أخطر على سوريا من الفوضى وفلتان السلاح خارج السلطة سوى العقلية السلفية التي تحرك حامل السلاح الرسمي
التجارب وراءنا ومن حولنا وأمامنا. ليس للدروز ولا للعلويين ولا للكرد ولا للمسيحيين مشاريع أو حلول خاصة. ولا حماية دولية لأية طائفة، وبالذات ادعاءات إسرائيل بحماية الدروز. فما يحمي الأكثرية والأقليات هو الدولة العادلة، دولة المواطنة التي لا تمييز فيها بحسب الدين أو المذهب أو العرق.
سوريا الجديدة تبدو، ولو من موقع مختلف، كأنها تسير على خطى سوريا القديمة التي انهار نظامها الأمني. والكل يبحث عن الترجمة العملية على الأرض لخطاب الرئيس أحمد الشرع ورهانه على “سوريا بكل أطيافها”.
وإذا كانت الجهود الأميركية والعربية والتركية أنقذت سوريا من خطر عظيم يشكله الاعتداء الإسرائيلي على قوات الإدارة الجديدة بحجة “حماية الدروز”، فإن الحاجة ماسة إلى جهود داخلية لإنقاذ سوريا من خطر أعظم في الداخل، خطر التكفير المرادف للقتل وسياسة التهميش ثم الاستئصال للأقليات والاشتباك حتى مع الأكثرية التي تؤمن بأنها “أمة وسط”، لا سلفية ولا متشددة. لا بل إن الذين يحاولون في دمشق إحياء الدولة الأموية يتحدثون عن دولة أخرى غير التي أسسها معاوية بن أبي سفيان، وكان المسيحيون في صدر دواوينها.
وليس أخطر على سوريا من الفوضى وفلتان السلاح خارج السلطة سوى العقلية السلفية التي تحرك حامل السلاح الرسمي، فالذهاب إلى فك الاشتباك في أي مكان يصبح فرصة للقتل والسلب والنهب، أما حفظ الأمن فإنه يتحول من حملة عسكرية إلى غزو كامل الأوصاف، من مذابح الساحل إلى “غزوة السويداء”، ولا إنكار بل مباهاة بالفظائع ضد المدنيين وتسجيلها في فيديوهات. ولم يكن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف يبالغ في الكلام على “قلق عميق إزاء التطهير العرقي الذي تنفذه جماعات متشددة في سوريا، تطهير عرقي حقيقي وقتل للناس على أساس عرقهم ودينهم”.
والسؤال هو، هل الأكثرية السنية هي الحاكمة أم أن كل السلطة في يد فريق سلفي جهادي؟ أين الوعود حول التمثيل الشامل في السلطة للمجتمع السوري المتنوع؟ وهل ينجح حكم سلطوي مركزي ضيق الإطار ولو مارس “الحكم بالشوكة”؟ وماذا لو اختفت الأقليات المسيحية والعلوية والدرزية والشيعية والإسماعيلية؟ هل تُحل المشكلات التي يحمل أثقالها السوريون أم إن سوريا لن تكون سوريا؟ وما هو البرنامج الذي يأخذ البلد من حفرة النظام السابق إلى جنة الإنجازات وصناعة المستقبل؟
الشيخ حسن البنا مؤسس حركة “الإخوان المسلمين” رد على من دعاه إلى كتابة برنامج للإخوان بالقول “الناس يجتمعون على مبادئ، لا على تفاصيل. وإذا دخلنا في التفاصيل فسنختلف ونتفرع ولا تنتهي الأمور إلى خير”، لكنه لم يتردد في الحديث عن “أستاذية للعالم”. وبالفعل، فإن الإسلام السياسي فشل عندما دخل في تفاصيل الحكم والسياسات الاقتصادية والمالية والتعليمية. ومن هنا حديث المتخصص الفرنسي في أمور الإسلام السياسي أوليفييه روا عن” صعود إسلام ما بعد الدولة”. وما تحتاج إليه سوريا اليوم هو الانتقال من فصائل ما دون الدولة إلى بناء الدولة، ولا دولة تبني على الإقصاء والتطرف، ولا مستقبل للدولة الأمنية فقط في عصر التكنولوجيا.
والتجارب وراءنا ومن حولنا وأمامنا. ليس للدروز ولا للعلويين ولا للكرد ولا للمسيحيين مشاريع أو حلول خاصة، ولا حماية دولية لأية طائفة، وبالذات ادعاءات إسرائيل بحماية الدروز، فما يحمي الأكثرية والأقليات هو الدولة العادلة، دولة المواطنة التي لا تمييز فيها بحسب الدين أو المذهب أو العرق. الدولة الديمقراطية التي لا مهرب من الذهاب إليها للحفاظ على سوريا ودورها، وإن كانت الإدارة الجديدة تتجنب حتى استخدام تعبير الديمقراطية. ولا مهرب أيضاً من المعادلة المكتوبة على الجدار، إما حل وطني للبلد وأهله وإما حرب أهلية دائمة، إما وطن يعرف كيف يحمي استقلال قراره وإما “ساحة” للصراعات الإقليمية والدولية. وسوريا عانت خلال 14 عاماً كثيراً من الصراعات على أرضها أبرزها الصراعات المرتبطة بالنفوذ الإيراني وأذرعه والمطامع الإسرائيلية في غياب الدور العربي، سوريا اللاعب الإقليمي صارت سوريا اللعبة الإقليمية والدولية.
وليس الانفتاح الأميركي والأوروبي والعربي على الرئيس أحمد الشرع وإدارته الجديدة سوى بداية لا نهاية. بداية فرصة لبناء دولة تعكس التنوع الاجتماعي الغني في سوريا التي صارت فقيرة اقتصادياً، لا مجرد نهاية للنفوذ الإيراني. بداية فرصة لصنع سوريا على صورة التحولات المتسارعة في المنطقة لا لصنع المنطقة على صورة سوريا الحالية، إذ لا شيء في مفاصل السلطة خارج أيدي “هيئة تحرير الشام”. ولا بد من ترجمة خطاب الشرع على أرض الواقع والذي يجب أن يتغير، وإلا فإن التغيير في سوريا يبقى شكلياً. فالإعلان الدستوري يحتاج إلى تعديل والمرحلة الانتقالية تحتاج إلى تقصير، وإذا كان بعض يطالب بعقد اجتماعي جديد فإن بعضاً آخر يحلم بكثير ويخاف على الحد الأدنى من التغيير في حال حدثت مفاجآت من النوع الذي كان مألوفاً في سوريا.
يقول جون برينان في مذكراته عن أيامه في إدارة وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية “لا أستطيع كشف كثير من سياسات أوباما في سوريا لأنها لا تزال سرية جداً”، وعلى رغم إيحاء الرئيس دونالد ترمب أنه يقول كل شيء عبر التلفزيون، فإن الدعم الأميركي للإدارة السورية الجديدة من دون أن تعكس التنوع في المجتمع لا يزال مملوءاً بشيء من الغموض والأسرار في إطار اللعبة بين تركيا وإسرائيل. وما عاد في الإمكان تأجيل الاختبار بعد غزوة السويداء وقبلها مجازر الساحل والتضييق على المسيحيين في دمشق وخلاف ما بعد اتفاق مارس (آذار) مع الكرد.
“يجب أن نملك القوة على النسيان لكي نستطيع أن نعيش” كما قال نيتشه.
—————————————-
مأساة السويداء تنكأ الجرح… هل تستمع السلطة لصرخة الجبل؟/ سوسن مهنا
ما حدث ليس مجرد صدام بين فصائل بل نتيجة لفراغ قيادي وانقسام نخبوي واستفراد بطائفة دفعت قسراً نحو الزاوية
الخميس 17 يوليو 2025 23:25
منذ عقود، تعرض جبل العرب لوصاية أمنية ثقيلة جعلت من كل شيخ مهدداً وكل ناشط ملاحقاً. ما يريده أهل السويداء اليوم هو أن تنتهي هذه المرحلة وأن يتعامل معهم النظام، أو الدولة الجديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع كشركاء، لا كخطر يجب احتواؤه. دروز السويداء يريدون أن يكونوا جزءاً من سوريا، لكن سوريا التي تحترم كرامتهم، لا تلك التي ترسل البدو مدعومين بالسلاح ليذلوهم، أو تلتزم الصمت حين تهان شوارب شيوخهم. يريدون دولة لا ميليشيات، وشراكة لا إذعان. يريدون وطناً يتسع لهم، لا نظاماً يذكرهم كل يوم بأنهم طائفة صغيرة يجب أن تصمت أو تعاقب.
ما شهدته محافظة السويداء في سوريا خلال الأيام الأخيرة لم يكُن وليد لحظة ولا نتيجة حادثة عابرة، بل هو تتويج لمسار طويل من التراكمات السياسية والاجتماعية والأمنية، بدأ مع انهيار الدولة المركزية، وتفاقم الفوضى في الجنوب السوري، فتحول الجبل إلى ساحة صراع غير معلن بين قوى داخلية وخارجية تسعى إلى تثبيت موطئ قدم.
في قلب هذا المشهد، برز الانقسام داخل المرجعية الدينية الدرزية كعامل حاسم في الوصول إلى الانفجار، فبدلاً من أن يخرج صوت واحد موحد يمثل الجبل ويدير التحديات بحكمة وصلابة، تعددت الأصوات والمواقف، وتضاربت الرؤى بين من يرى ضرورة الدخول في مسار تسوية مع النظام في دمشق، ومن يرفض أي تنسيق مع سلطة يعتبرها مسؤولة عن التهميش والانهيار، ولاحقاً الاقتتال وحمامات الدم.
وهذا الانقسام أربك الشارع وشتت القرار وفتح الباب لتدخلات خطرة من أطراف مسلحة، بدوية وتنظيمية، لا ترى في السويداء سوى فراغ قابل للاستثمار. وهكذا، ومع غياب خطة موحدة، تحولت بعض البلدات إلى جبهات، والكرامة التي كثيراً ما حمت الجبل، أصبحت عذراً لمعارك عبثية لم يربح فيها أحد، سوى أولئك الذين أرادوا إسقاط هيبة السويداء من الداخل.
وما حدث ليس مجرد صدام بين فصائل، بل نتيجة لفراغ قيادي وانقسام نخبوي واستفراد بطائفة دُفعت قسراً نحو الزاوية، ثم تركت تنزف وحدها. وما يحدث في السويداء ليس مجرد اشتباكات محلية بين أبناء جبل يذودون عن أرضهم وكرامتهم، وبين مجموعات قبلية مدعومة من النظام في دمشق وأجهزته الأمنية، بل هو استهداف ممنهج لهوية طائفة كاملة ومحاولة لإذلال مجتمع كثيراً ما كان عصياً على التطويع.
فمشاهد قص شوارب الشيوخ، ونتفها عن وجوههم في مشهد لا يحتمل، لم تكُن فقط إذلالاً لأفراد، بل كانت محاولة لقتل الرمز ولتكسير الهيبة وهزيمة النفس. في بيئة تقدس الشوارب كجزء من شرف الرجال وعلامة رجولتهم، جاءت هذه الإهانات كمجزرة معنوية لا تقل فظاعة عن إحراق البيوت والتمثيل بالجثث وإعدامات ميدانية وفظائع لم يكشف النقاب عنها بعد لأن هناك قرى وأحياء لا يستطيع الأهالي الوصول إليها حتى اللحظة، وتحذر مجموعات داخلية على تطبيق “واتساب” من أن بعض الأبنية ما زالت تضم مسلحين أو قناصين.
والأكثر وجعاً كان صمت الدولة السورية، أو بالأحرى تواطؤها، بداية المعارك، فالقوات التي دخلت تحت راية “التهدئة” كانت جزءاً من آلة التنكيل، أو سكتت عن المجازر وهي تقع أمام أعينها، وأمام أعين العالم في مشاهد وثقت بالصور والفيديوهات. وفي رأي بعض من استمزجت “اندبندنت عربية” آراءهم من داخل السويداء، أن “هذا ليس غريباً عليهم، فخلال عهد النظام السابق عومل الدروز كخزان بشري وجغرافي قابل للتهميش عند اللزوم، ولم يكُن تعامل النظام الجديد أفضل من حكم آل الأسد، وأن المجتمع الدولي استبدل ديكتاتور بديكتاتور آخر، وكأن انضباطنا التاريخي ورفضنا للفتن الطائفية أصبحا تهمة”.
اختبار أخلاقي وسياسي
الحقيقة أن ما جرى في السويداء هو امتداد لسياسة تطبق منذ عقود، تريد أن تفرض على الجبل خياراً مستحيلاً، إما الخضوع الكامل، أو الفوضى والتدمير. وعندما اختار الدروز أن يديروا شؤونهم بأنفسهم في معادلة لا سلاح فيها ولا عداء لأي طرف، جرى استفزازهم وسربت الميليشيات، ثم أطلق العنان للدم، لكن الجريمة هذه المرة كانت مزدوجة، دم أريق وكرامة انتزعت أمام الكاميرات.
أتذكر هنا مشهداً مر على وسائل التواصل عند سقوط نظام بشار الأسد، مذيع يسأل شيخاً درزياً جليلاً كان يجلس أمام داره، “لماذا أنت سعيد يا عم؟”، فأجاب الشيخ الثمانيني أنها “للمرة الأولى يا ابني منذ 50 عاماً، أجلس مرتاح البال أن لا استخبارات تراقبنا ولا نظام يقمعنا”. واستحضار هذه الحادثة للإشارة إلى مدى استبشار أهالي السويداء بسقوط النظام وانبثاق فجر جديد، لكن ذلك لم يتحقق حتى الآن.
وفي عالم ما بعد الثورة السورية، لا يمكن تبرير هذه المجازر بأنها “أحداث محلية”، فالدولة الجديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع أمام اختبار أخلاقي وسياسي حاسم. هل ستقبل أن تعامل أقلية تاريخية بهذه الوحشية؟ وهل تريد أن تبني سوريا على ركام مجازر السويداء؟
فالدروز ليسوا عبئاً، لكن كرامتهم خط أحمر، وهم شركاء أصيلون في صياغة مستقبل سوريا، كيف لا، وهم من مؤسسي الدولة السورية، وهم كانوا وقود الثورة السورية الكبرى التي اندلعت من جبل العرب، معقل الدروز، بقيادة سلطان باشا الأطرش بوجه المحتل الفرنسي حينها عام 1925 أي منذ 100 عام، لكن صورة الزعيم الوطني الكبير داستها أقدام الوافدين الجدد الذين دخلوا حاملين السيوف ومهددين بقتل “الخنازير الدروز”.
وأمام هذا الانهيار الأخلاقي، لم يعُد التنديد كافياً، بل يجب محاسبة الجناة والكشف عن المتورطين ووقف محاولات تركيع السويداء وإخضاعها بالقوة.
وأشار “المرصد السوري لحقوق الإنسان” إلى الكارثة الإنسانية التي تعصف بمحافظة السويداء، عقب أربعة أيام دامية من العنف والانتهاكات أودت بحياة مئات السوريين، وتسببت بدمار واسع في الممتلكات العامة والخاصة، وانهيار شبه كامل للواقع المعيشي والخدمي في المدينة. وتابع أن “السويداء تحولت اليوم إلى منطقة منكوبة، في ظل خلو الأسواق من المواد الغذائية والأدوية وغياب الخدمات الأساسية، إضافة إلى نهب المحال التجارية وحرق المنازل، وتضرر كثير المستشفيات والمراكز الصحية، مما جعل الحياة فيها أقرب إلى الانهيار الشامل”.
وطالب الرئيس الروحي لطائفة الموحدين الدروز في سوريا الشيخ حكمت الهجري بفتح ممرات باتجاه مناطق سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) والأردن، معلناً الحداد العام في المحافظة. وقال ضمن بيان “نطالب بفتح الطرق باتجاه الأخوة الأكراد وندعو جلالة الملك عبدالله الثاني في المملكة الأردنية الهاشمية إلى التوجيه بفتح معبر حدودي بين السويداء والأردن لما لهذه الطرق من أهمية إنسانية في هذه اللحظات الحرجة”.
وتحدث الهجري في بيان اليوم الخميس عن “لحظات عصيبة” تمر بها محافظة السويدا، بعد “استهداف المدنيين العزل وقتل الأبرياء بوحشية”، معلناً السويداء “بلداً منكوباً”.
حكومة دمشق تسحب قواتها من السويداء
كانت حكومة دمشق أعلنت سحب القوات السورية من السويداء، أمس ليلاً، وربط الإعلان ببيان وزارة الخارجية الأميركية الذي دعت خلاله سوريا إلى سحب قواتها للسماح بخفض التصعيد، كما ربط بالهجمات الإسرائيلية التي استهدفت فيها مجمع وزارة الدفاع والقصر الرئاسي، وتوعد تل أبيب بتدمير قوات الحكومة السورية التي تهاجم تجمعات درزية في جنوب سوريا وطالبتها بالانسحاب، ولاحقاً سرت معلومات عن أن الجيش الإسرائيلي يستعد لأيام عدة من القتال ضد النظام السوري.
وتلقت وحدة المظليين القتالية الأوامر بالاستعداد للتحرك نحو الشمال، والفرقة 98 تستعد لمغادرة غزة، وأعطى رئيس الأركان إيال زامير تعليمات بضرب أهداف تابعة لحكومة دمشق بكثافة متزايدة، فيما أشارت وسائل إعلام إسرائيلية إلى أنه “يتعين على الشرع أن يقرر ما إذا كان يريد حماية الدروز أو الموت”، وصعدت إسرائيل من لهجتها وصولاً إلى التهديد باجتياح بري.
حرب درزية “وجودية”
وكان رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو توجه إلى مواطني إسرائيل من أبناء الطائفة الدرزية بعد نجاح مئات منهم في العبور عبر السياج الحدودي إلى الأراضي السورية، قائلاً إن “الجيش الإسرائيلي يعمل وسلاح الجو يعمل وقوات أخرى تعمل، ونحن نعمل لإنقاذ إخواننا الدروز والقضاء على عصابات النظام (السوري)”. وتابع “والآن لدي طلب واحد منكم، أنتم مواطنو إسرائيل. لا تعبروا الحدود”، موضحاً أنه إضافة إلى أن من يعبرون الحدود “يخاطرون بحياتهم وقد يقتلون أو يُخطفون”، فإنهم أيضاً “يضرون بجهود الجيش الإسرائيلي”، وقال “لذلك، أطلب منكم، عودوا لدياركم ودعوا جيش الدفاع الإسرائيلي يعمل”.
وجاء تحرك الدروز بعد أن حثت قيادتهم الروحية في إسرائيل جميع أبناء الطائفة على الاستعداد بجميع الوسائل الممكنة لعبور الحدود بهدف “مساعدة الإخوة المذبوحين في سوريا”، ودعا الزعيم الروحي للطائفة الدرزية في إسرائيل الشيخ موفق طريف، نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس إلى “الوفاء بالتزاماتهما بحماية الدروز في سوريا”.
وعبر بيان نقلته صحيفة “تايمز أوف إسرائيل”، أعرب طريف عن قلقه إزاء ما وصفه بـ”مجزرة مروعة ووحشية” تحدث في جبل الدروز جنوب سوريا، حيث “يقتل مدنيون أبرياء، نساءً وأطفالاً وشيوخاً بدم بارد”، وانتقد عدم اتخاذ الجيش الإسرائيلي والحكومة الإسرائيلية “أي إجراء حقيقي لوقف هذا القتل، على رغم تعهداتهما الصريحة”. وطالب بشن “غارات جوية فورية تحبط القوات الإجرامية العاملة جنوب سوريا”، محذراً من أن عدم اتخاذ إجراء حاسم سيؤدي إلى “تفاقم الأزمة بيننا ودولة إسرائيل بصورة خطرة وغير مسبوقة”.
وأشار إلى أنه “على نتنياهو وكاتس أن يختارا الشراكة مع الطائفة الدرزية أو مع ’داعش‘”، واصفاً عدم ردع القوات السورية الحكومية بأنه “انهيار عميق ومؤسف في التحالف التاريخي والأخلاقي بين دولة إسرائيل والطائفة الدرزية”، ولفت إلى تضحيات الدروز في إسرائيل خلال “حرب دولة إسرائيل ضد أعدائها”. وتابع أنه “يجب إجبار النظام السوري على الانسحاب من السويداء، فهذه معركة وجود”. ودعا القيادة الروحية للطائفة الدرزية ورؤساء السلطات الدرزية إلى “أيام حداد وطني وإضراب عام”.
وتداولت وسائل التواصل الاجتماعي فيديو للشيخ طريف خلال اجتماع مع جنرالات من الجيش الإسرائيلي يبدو فيه غاضباً وارتفع صوته. وكانت إسرائيل تعهدت بـ”حماية دروز سوريا وإقامة منطقة منزوعة السلاح جنوب البلاد”.
الشرع: “الدروز جزء من نسيج الوطن، وحمايتهم أولوية”
وفي أول تصريح للشرع حول الأحداث الأخيرة في السويداء والغارات الإسرائيلية التي رافقتها، وصف بأنه “الأقوى” منذ توليه السلطة في سوريا، اتهم إسرائيل بـ”خلق الفتن داخل سوريا”، وأضاف أنها “تسببت في تصعيد الوضع (في محافظة السويداء) بتصرفاتها”.
وتوجه الشرع إلى المواطنين الدروز، قائلاً “نرفض أي مسعى يهدف إلى جرّكم لطرف خارجي أو إحداث انقسام داخل صفوفنا”. وتابع “أصبحنا أمام خيارين إما مواجهة إسرائيل أو إصلاح جبهتنا الداخلية”، مضيفاً “لسنا ممن يخشون الحرب، ونحن الذين قضينا أعمارنا في مواجهة التحديات والدفاع عن شعبنا، لكننا قدمنا مصلحة السوريين على الفوضى والدمار”، وأعلن “تكليف الفصائل المحلية وشيوخ العقل مسؤولية حفظ الأمن في السويداء”.
وأكد “سنواجه محاولات خلق الفوضى بالوحدة… سوريا لن تكون مكاناً لخلق الفوضى، ولن نسمح بجرّ سوريا إلى حرب جديدة”، مشدداً على رفض “أية محاولة لتقسيم البلاد”. وقال الشرع إن “الدروز جزء من نسيج الوطن، وحمايتهم أولوية”، متعهداً بـ”محاسبة من تجاوز وأساء إلى أهلنا الدروز” في السويداء.
استهداف قنوات… محاولة لكسر عمامة الاعتدال
وحصلت “اندبندنت عربية” على معلومات خاصة أفادت بأن الشيخ حكمت الهجري كان هدفاً للاغتيال في محاولة لتحييده، وبالفعل تعرضت بلدة قنوات، أي مسقط رأس الشيخ الهجري، للقصف براجمات صواريخ وحلقت مسيّرات “شاهين” فوق دارته. فقنوات ليست مجرد بلدة، بل هي إحدى أبرز الحواضن الرمزية للقيادة الدينية، ومركز ثقل روحي وتاريخي للجبل، ومن يهاجم قنوات يعرف جيداً ماذا يفعل. فالرسالة لم تكُن عسكرية، بل سياسية خالصة، أي كسر الهالة التي تحيط بالشيخ الهجري وشل قدرته على التأثير وتحجيم نفوذه داخل الطائفة، كما أن الشيخ الهجري لم يكُن يوماً داعية حرب، بل بقي طوال الأعوام الماضية صوتاً للتوازن والعقل، رافضاً عسكرة الجبل أو تحويله إلى منصة لأي مشروع إقليمي. وهذا تحديداً ما جعله مزعجاً لكل من يريد حسم الأمور بالسلاح، للنظام الذي يضيق ذرعاً بأية مرجعية مستقلة ولخصومه الذين يريدون استقطاب الجبل لمعسكراتهم.
وسابقاً وبعد المجازر التي حصلت في بلدتي جرمانا وصحنايا الدرزيتين في مايو (أيار) الماضي، أظهرت السلطة في دمشق وجهاً مختلفاً، فلم تدِن العنف ولم تحاسب المجرمين، بل حاولت قطف ثماره سياسياً، ففي الكواليس دارت محاولات لعزل الشيخ الهجري، أو في الأقل تجريده من غطائه الشعبي وإحلال شخصيات بديلة أكثر “مرونة”، لكن استهداف قنوات جاء بنتائج عكسية، فزاد من شعبية الهجري وأعاد تكثيف الالتفاف حوله كصوت وحيد لم يساوم. ومحاولة تحييده لم تكُن مجرد خطأ سياسي، بل مقامرة على حساب وحدة الجبل واستقراره.
هل نكثت الحكومة السورية بتعهداتها تجاه السويداء؟
ليس سراً أن الشيخ حكمت الهجري كان يحاول منذ أعوام أن يحافظ على توازن دقيق من خلال الحفاظ على كرامة الطائفة الدرزية وتجنب الانزلاق إلى صدام مباشر مع النظام السابق، ومع رفضه القاطع لأي استتباع أو إملاءات من دمشق أو من خارجها. وتمترس الرجل خلف خطاب ديني معتدل ووسطي ومسؤول، رافضاً عسكرة الجبل أو جره إلى مشاريع انفصال أو تحالفات خارجية، لكن خلال أحداث الأيام الأخيرة، بدا واضحاً أن الحكومة السورية الجديدة استدرجت الشيخ الهجري إلى مصيدة سياسية، فبادئ الأمر أرسلت وفوداً رسمية تحمل وعوداً بالتهدئة، وتعهدات بسحب المهاجمين وعدم المساس بالأهالي، ثم فجأة انقلبت المعادلة. جرى الهجوم على القرى، فأحرقت البيوت وارتكبت مجازر وأهين الشيوخ أمام الكاميرات.
ولا يمكن تفسير هذه الوقائع إلا بأحد أمرين، إما أن الدولة السورية لا تملك السيطرة الكاملة على ميليشيات البدو والمسلحين الذين يعملون تحت عباءة بعض أجهزتها، أو أنها مارست “الخديعة” عمداً واستخدمت الوعود كأداة تخدير لتفجير الوضع من الداخل وإظهار الدروز لاحقاً كمن تمردوا على الدولة.
وفي الحالتين، فإن ما جرى هو نكث صريح بالاتفاق مع الشيخ الهجري واعتداء على موقعه الروحي والاجتماعي، وكأن المطلوب كان تهميش مرجعيته وإضعاف قراره.
احترام الخصوصية الدينية للدروز
لكن ما جرى في السويداء ليس مجرد اعتداء على طائفة، بل اختبار لوطن كامل. “اندبندنت عربية” تحدثت إلى أكثر من شخص في السويداء، أيضاً ومن خلال تتبع المزاج الشعبي والسياسي في تلك المحافظة ومنذ عام 2011 حتى اليوم، يمكن القول إن دروز السويداء يريدون شيئاً بسيطاً لكنه يبدو مستحيلاً حتى اللحظة، أن يُتركوا بكرامتهم. ووفقاً لكثر مهنم، هم لا يسعون إلى السلطة، ولا يطمحون إلى حكم سوريا أو تفكيكها، ولا يرغبون في التحول إلى “كيان مستقل” كما اتهموا زوراً، ولكن ما يريدونه حقيقة يمكن تلخيصه في بعض العناوين، وهي الأمان والكرامة، فأبناء السويداء لا يطلبون أكثر من أن يعيشوا بسلام في أرضهم من دون أن يفرض عليهم الانضمام إلى معسكرات النظام أو الميليشيات. ويريدون أن تحترم خصوصيتهم المجتمعية والدينية، وألا تهان رموزهم ولا تستباح مناطقهم تحت ذرائع واهية.
وما يطالبون به هو الحد الأدنى من الإدارة الذاتية، فهم ليسوا انفصاليين، لكنهم جربوا غياب الدولة وانكشاف الجبل في وجه الفوضى، فبنوا شكلاً من الإدارة المحلية، أمنية وخدمية، عبر “رجال الكرامة” وغيرهم، فقط لسد الفراغ ومنع الانهيار، وجل ما يريدونه هو إدارة شؤونهم بكرامة، لا أكثر، كما يرفضون عسكرة الجبل، فالدروز بطبعهم وتاريخهم ليسوا أهل ميليشيات ولا مرتزقة.
ورفض الدروز أن يكونوا جزءاً من حرب النظام السابق ضد أبناء درعا، عملاً بشعار رفعته قياداتهم الروحية وهو “دم الدم السوري على السوري حرام”، كما رفضوا دخول الجماعات الجهادية إلى الجبل. ويريدون الحفاظ على سلاحهم للدفاع، لا للاعتداء أو الخوض في مشاريع إقليمية.
وما يطالب به دروز السويداء الآن ليس طائفياً، بل وطنياً، فهم يطالبون بدولة تحكم بالقانون لا بالولاء، وتعترف بجميع مكوناتها وتكفل حقوقهم. والدولة التي يتطلعون إليها لا تحاصرهم لأنهم أقلية ولا تستخدمهم كورقة.
الانفكاك عن وصاية أجهزة الأمن
منذ عقود، تعرض جبل العرب لوصاية أمنية ثقيلة جعلت من كل شيخ مهدداً وكل ناشط ملاحقاً. وما يريدونه اليوم هو أن تنتهي هذه المرحلة وأن يتعامل معهم النظام، أو الدولة الجديدة بقيادة الرئيس الشرع كشركاء، لا كخطر يجب احتواؤه. ودروز السويداء يريدون أن يكونوا جزءاً من سوريا، لكن سوريا التي تحترم كرامتهم، لا تلك التي ترسل البدو مدعومين بالسلاح ليذلوهم، أو تلتزم الصمت حين تهان شوارب شيوخهم. يريدون دولة لا ميليشيات، وشراكة لا إذعان. ويريدون وطناً يتسع لهم، لا نظاماً يذكرهم كل يوم بأنهم طائفة صغيرة يجب أن تصمت أو تعاقب.
————————–
الدروز والبدو جنوب سوريا… تاريخ العداء وجولاته/ صبحي فرنجية
محاولات لا تتوقف لتفتيت البنية الاجتماعية
آخر تحديث 19 يوليو 2025
احتدام الصراع بين بعض فصائل السويداء والبدو في المحافظة، الذي بلغ ذروته خلال منتصف شهر يوليو/تموز الجاري، بالتزامن مع التدخل الإسرائيلي في سوريا واستهدافه العاصمة السورية والجيش والأمن الداخلي بحجة حماية الدروز في سوريا، كان سببا في انفجار توتر أكبر على مستوى سوريا.
هبت العشائر العربية لدعم البدو في مواجهة “المجلس العسكري”، إحدى الفصائل المسلحة الدرزية، وسط مؤشرات بامتداد الصراع وخروجه عن السيطرة والإطار الجغرافي في السويداء، ومخاوف من تحوله إلى صراع بطابع طائفي وعشائري.
هذا التطور أثار مخاوف دول إقليمية من ارتداداته على أراضيها التي تحتضن هي الأخرى عشائر عربية ومكونات درزية، ما عجل بالدعم والضغط الدولي لإنهاء الخلاف وتفعيل جهود الوساطة لتحقيق اتفاق بين الدولة السورية وإسرائيل على وقف إطلاق النار تمهيدا لضبط الأمن في الجنوب السوري الذي شهد وصول عشرات آلاف المقاتلين المدججين بسلاحهم. وأعلنت الرئاسة السورية وقفا فوريا وشاملا لإطلاق النار في محافظة السويداء. وقال الرئيس السوري أحمد الشرع إن “الدولة السورية تمكنت من تهدئة الأوضاع رغم صعوبة الوضع لكن التدخل الإسرائيلي دفع البلاد إلى مرحلة خطيرة تهدد استقرارها نتيجة القصف السافر للجنوب ولمؤسسات الحكومة في دمشق. وعلى أثر هذه الأحداث تدخلت الوساطات الأميركية والعربية بمحاولة للوصول إلى تهدئة الأوضاع”.
وأضاف الشرع قائلا: “مع خروج الدولة من بعض المناطق بدأت مجموعات مسلحة من السويداء بشن هجمات انتقامية ضد البدو وعائلاتهم، هذه الهجمات الانتقامية التي ترافقت مع انتهاكات لحقوق الإنسان دفعت باقي العشائر إلى التوافد لفك الحصار عن البدو داخل السويداء”.
مجلس الأمن عقد اجتماعا ناقش فيه التطورات الأمنية في سوريا، ودعوات عربية ودولية لوقف القتال فورا ودعم الدولة السورية في جهود ضبط الأمن في المنطقة، ووقف الهجمات الإسرائيلية التي باتت تُعقد المشهد السوري وجهود دعم الاستقرار في البلاد، وتُعمق حالة الفوضى التي يُغذيها انتشار وانفلات السلاح بيد السوريين.
كما صدر بيان عن وزراء خارجية السعودية والأردن والإمارات والبحرين وتركيا والعراق وعُمان وقطر والكويت ولبنان ومصر، يوم 17 يوليو/تموز الجاري أكدوا فيه أن الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على سوريا هي خرق فاضح للقانون الدولي، واعتداء سافر على سيادتها، واعتبروا أنها تزعزع أمن سوريا واستقرارها ووحدة وسلامة أراضيها ومواطنيها، وتقوض جهود الحكومة لبناء سوريا الجديدة بما يحقق تطلعات وخيارات شعبها.
علاقة تاريخية معقدة
محافظة السويداء يسكنها خليط من السوريين، من دروز، وسنة فيهم البدو، ومسيحيين، فالدروز يتوزعون بشكل رئيس في القنيطرة ومدينة السويداء وبعض القرى التابعة للسويداء، والبدو يتوزعون في أحياء مثل المقوس، المشورب، الحروبي، ورجم الزيتون، إضافة إلى الدياثة والشقراوية، وفي مدينة شهبا وقرى الأصلحة والرحا والكفر وعريقة والمزرعة وولغا وقم والخرسا، كما ينتشرون في مناطق أخرى، وفي بعض الأحيان يكون انتشارهم على شكل رعي الأغنام. وينتشرون في بادية الشام المفتوحة على البادية ومناطق اللجاة. في حين يتوزع المسيحيون بشكل رئيس في مدينة السويداء وشهبا وبلدات مثل القريا وأم الرمان وخربا وغيرها.
يعود الخلاف بين الدروز والبدو في محافظة السويداء إلى عقود من الزمن، وذلك مع بدء هجرة الدروز من لبنان إلى سوريا واتخاذهم منطقة جبل العرب كموطن لهم في القرن الثامن عشر، المنطقة هذه كان يتخذها البدو كمراعٍ لهم وأماكن انتشار جغرافي، ومع مرور الوقت وبدء الدروز العمل بالزراعة بدأت تظهر خلافات بين الطرفين حول الرعي وأحقية استخدام الأراضي والاستفادة منها، خلافات تزايدت وتناقصت خلال عشرات السنوات، وسط محاولات كثيرة بين عقلاء المكونين حل الخلاف، حتى إن البعض بينهم دخل بشراكات اقتصادية في سبيل تقوية العلاقة وتحقيق مصالح مشتركة.
الخلافات أخذت طابع الهدوء مع الثورة السورية الكبرى، حيث وقف الطرفان صفا لصف، وقاتلوا معا، فاتسمت السنوات الطوال بعد الثورة السورية الكبرى بأنها سنوات سلم تخللتها خلافات تتدخل الفعاليات العشائرية والدينية لحلها. إلا أن حقبة حافظ الأسد أخذت منحى أكثر عنفا بين الطرفين، وذلك في رغبة من حافظ الأسد حينها إشعار أهالي السويداء الدروز بالتهديد من البدو وتصدير نفسه كحامٍ لهم، في الوقت الذي كان نظامه يدير تحركات بعض المحسوبين عليه من البدو ضد الدروز في السويداء. والعكس صحيح أيضا، فحافظ الأسد عمل على دعم البدو وتصوير نفسه لهم بأنه هو معهم ويدعمهم، فكانت أجهزة الأمن السورية تخلق المشكلة وتتدخل لحلها.
ومع استلام بشار الأسد الحكم عام 2000 اندلعت إحدى أكبر الإشكالات بين الدروز والبدو والتي روج لها نظام بشار الأسد حينها باسم “أحداث البدو”، وبحسب ما ذكرت كثير من الدراسات والأهالي فإن الإشكالية بدأت عندما وجد الأهالي في السويداء حمارا نافقا في إحدى مقابر السويداء وبعض المضايقات بحقهم من قبل ضباط وعناصر يتبعون للنظام من البدو، ما خلق حالة من الفوضى بين الطرفين تحولت إلى اشتباكات مسلحة، ولأن البدو حينها كانت لهم السلطة العليا من ناحية حيازة السلاح، اضطر الأهالي في السويداء إلى طلب الحماية من النظام حينها، وكادت أن تسبب المظاهرات في السويداء حالة من التمرد ضد النظام، فتدخل حينها وضبط الوضع، وبفعل ذلك تمكن النظام من تعزيز وجوده الأمني والعسكري أكثر وأكثر داخل السويداء، وبدأ باستغلال ورقة حمايتهم من البدو كعامل لضمان هدوئهم وانحيازهم له. وكانت أجهزة النظام الأمنية تستخدم ضباطا من الطرفين في خدمة تأجيج الخلافات وحالات الخطف بين الطرفين، ويتدخل عبر آخرين يتبعون له لحل الخلافات، لتبقى حالة الاستعداد والتوتر موجودة في صفوف البدو والدروز الذين جمعتهم ذات الأرض لعقود طوال.
ومنذ عام 2000 حتى بداية الثورة السورية عام 2011، شهدت العلاقات بين الطرفين توترات واستفزازات وتدخل الوجهاء وأطرف من النظام لحل الإشكال، وكل ذلك يتم بإدارة من قبل أجهزة الأمن السورية. مع اندلاع الثورة السورية وبداية الاشتباكات بين المعارضة السورية والنظام، بدأت الأطراف جميعها تتسلح وتتجهز، ومن بين هذه الأطراف البدو والدروز الذين بذلوا جهودا كبيرة في عمليات التسليح، حتى إن بعض الشخصيات من الطرفين امتهن تجارة السلاح وتهريبه.
البدو انقسموا في توجهاتهم، منهم من وقف على الحياد، والبعض انضم للجيش السوري الحر، وآخرون ذهبوا باتجاه الانضمام لتنظيم “داعش” إضافة إلى مجموعات عملت مع النظام وأفرعه. السويداء حاولت البقاء على الحياد، إلا أن النظام السوري عمل مرات عديدة على زج السويداء في الصراع، بحجة ضرورة حماية أنفسهم من البدو، وبدأ بخلق جماعات مسلحة عديدة داخل السويداء أبرزها الدفاع الوطني والأمن العسكري الذي لعب دورا في تمويل وإنشاء عصابات وجماعات مثل مجموعة درع الشرق ويوسف الباشا وأسياج الجبل وغيرها، كما لعبت قوى أخرى للنظام في خلق مجموعات لها، ففرع أمن الدولة كانت “مجموعة جهاد الجربوع” تتبع له، والمخابرات الجوية تبعت لها “قوات الحق” وعصابات أخرى.
مع اشتداد حالة الصراع بين النظام والمعارضة، دخل “حزب الله” اللبناني على خط تجنيد أفراد له في صفوف البدو والدروز ودعم مجموعات لخدمة أجنداته والعمل في التهريب، ومن بين هذه المجموعات “مجموعة أيمن زهر الدين” و”المقاومة الشعبية”، و”مجموعة عماد شروف”، وغيرها. إضافة إلى التعاون مع عصابات من البدو لخدمته أو التعامل معه في ملفات التهريب.
وفي مواجهة تحركات النظام، وسعيه لتعميق الهوة بين الدروز ومحيطهم البدوي والعشائري، نشأت في السويداء حركة “رجال الكرامة” بقيادة وحيد البلعوس التي وقفت في وجه عمليات التجنيد وإلزام الشباب في السويداء بخدمة العلم، إضافة إلى هدف حماية السويداء من أي تهديد يواجهها، ومع مرور الوقت ونتيجة خلافات داخل حركة “رجال الكرامة” نشأت عنها حركة أخرى تحت اسم “شيخ الكرامة” بقيادة ليث وفهد البلعوس وتحمل ذات الأهداف. ومع بدء انتفاضة السويداء في 2020-2021، ظهرت أيضا جماعة جديدة هي تجمع “أحرار الجبل” بقيادة سلمان عبد الباقي، جميع هذه المجموعات لعبت دورا في الحد من التدخلات بين أبناء المحافظة، وحاولت حل النزاعات بين صفوفهم بالتعاون مع فعاليات من البدو.
صراع القوى على كسب السويداء.. بذريعة البدو
شكل عام 2018 عاما فاصلا في الجنوب السوري، حيث تم التوصل إلى اتفاق بين النظام السوري بدعم ورعاية روسية وبين فصائل المعارضة السورية في الجنوب، ما أطلق عليه حينها اتفاق التسوية الذي بموجبه خرج من الجنوب السوري كل من يرفض التسوية، في حين بقي من رفض الخروج أو قبل بالتسوية، الاتفاق الذي تم التوصل إليه وسط قبول أميركي حينها كان يشترط أن تضمن من خلاله روسيا عدم وجود نفوذ إيراني في الجنوب يهدد أمن إسرائيل.
هذا الشرط خلق حالة من الصراع بين القوى الرئيسة الداعمة للنظام (روسيا/إيران)، وبدأ كل طرف منهما محاولات لتعزيز نفوذه من خلال كسب تأييد المكونات المختلفة في الجنوب، في الوقت نفسه كان يحاول النظام أيضا تثبيت أقدامه كلاعب ثالث في المنطقة، هذا الصراع كان أحد جوانبه محاولات حثيثة من قبل الأطراف الثلاثة الحصول على دعم من الفعاليات في درعا، البدو، الدروز. ونتيجة تضارب الأهداف لدى القوى الثلاث تضاربت معها ديناميكيات التعايش بين البدو والدروز في السويداء. فالميليشيات الإيرانية بدأت محاولات تجنيد في درعا لتأمين بقاء نفوذها في الجبهة الجنوبية المقابلة للجانب الإسرائيلي كورقة قوة، كما عملت على تجنيد شباب من البدو للعمل معها في عمليات التهريب، وفي الوقت نفسه سعت إلى تشكيل عصابات وميليشيات في السويداء تعمل معها وتحاول إقناعها أن الغاية من دعمها حمايتهم من البدو.
روسيا أيضا عملت على استقطاب الشباب في السويداء للانضمام في الفيلق الخامس، وعملت جاهدة على فتح قنوات تواصل وتنسيق مع حركة “رجال الكرامة” بحجة أنها تسعى للسلم الأهلي والحفاظ على أمن المحافظة، كما عملت في نفس الوقت على زرع الخوف في نفوس الأهالي في السويداء عبر الصمت عن هجمات نفذتها قوى من الفيلق الخامس وبعض البدو على قرى درزية في السويداء، وصمتت أيضا عن رد الجماعات في السويداء على تلك الهجمات.
أما النظام وعبر أجهزته الأمنية فقد عمد إلى تعزيز الخلاف بين البدو والدروز، ودفع لإنشاء ودعم عصابات بين الطرفين تعمل في التهريب والابتزاز، فكانت ذراعه في خلخلة توازنات القوى، وعرقلة جهود كل من روسيا وإيران للتفرد بالجنوب، يُضاف لها الاستفادة من هذه العصابات في عمليات إنتاج وتهريب المخدرات، وخصوصا الفرقة الرابعة وأذرعها في المنطقة.
وفي العام نفسه أيضا، حصلت أقوى هجمات “داعش” ضد الدروز في السويداء والتي راح ضحيتها أكثر من 250 قتيلا من السويداء، هجوم “داعش” الذي حصل يوم 25 يوليو/تموز من عام 2018، وذلك عبر قيام انتحاريين بتفجير أنفسهم في مدينة السويداء وبعض القرى، وليدخل بعدها عناصر التنظيم ويقتلوا المدنيين والمقاتلين في السويداء. هجوم “داعش” استغلته القوى الثلاث، خصوصا مع وجود مزاج لدى بعض الجماعات المسلحة في السويداء متحضر لاتهام البدو بتسهيل عملية وصول “داعش” إلى المنطقة ومشاركتها معها. حلفاء النظام التقطوا ذلك المزاج وحاولوا تعزيزه في خطوات منفردة لكسب ود الأهالي والفصائل في السويداء بحجة مساعدتهم أمام خطر البدو.
وفي عام 2019، عرض النظام السوري على عشائر من البدو مساعدتهم وتسهيل عودتهم إلى قراهم في منطقة الأصفر، مقابل مساعدته والعمل معه سواء في عملياته العسكرية أو عمليات تهريب المخدرات، إلا أن غالبية تلك العشائر رفضت العرض مؤكدة أن عودتهم إلى قراهم في تلك الفترة خطر على السلم الأهلي وعلى عائلاتهم وسط حالة التجييش التي تعيشها المنطقة بين البدو والدروز.
كما برزت تداعيات صراع إيراني-روسي لكسب تأييد السويداء في علاقة البدو والدروز، والتي شهدت توترا عاليا وسط محاولات الأمن العسكري تجنيد عشائر البدو وتقليبهم على الدروز وتشجيعهم على الانضمام إلى الميليشيات المدعومة من إيران، في الوقت الذي تحاول فيه تلك الميلشيات نفسها تجنيد خلايا تتبع لها في السويداء بحجة حمايتهم من البدو.
عوامل وصراعات محمومة للقوى منذ عام 2018 حتى لحظة سقوط النظام عمقت الخلافات بين الدروز والبدو، وأصبحت العصابات والمجموعات التي تتبع لتلك القوى تقف عقبة في وجه كل جهود شيوخ العقل وشيوخ العشائر وأصحاب الرأي بين الطرفين لتخفيف حدة الخلاف، وارتفعت وتيرة الخطف والاغتيالات بين الطرفين بشكل متزايد خلال السنوات اللاحقة.
ومع سقوط النظام، استمرت حالة التوتر بين الطرفين عبر حالات الخطف المتبادل، وعلى الرغم من كل جهود التهدئة التي قامت بها الدولة السورية الجديدة بمساعدة مشايخ العقل وبعض القوى العسكرية في السويداء، وشخصيات عشائرية من البدو، فإن حالة التوتر وصلت حالة انفجار كبير مطلع شهر يوليو/تموز الجاري، باشتباكات بين “المجلس العسكري” الذي تم تأسيسه بعد سقوط الأسد، وبين عشائر البدو. وعند محاولة الدولة السورية التقدم لحل الخلاف وفرض الأمن، تدخل الجانب الإسرائيلي وقصف مراكز عسكرية وقيادية تتبع للدولة السورية من بينها مبنى هيئة الأركان السورية والقصر الرئاسي في دمشق، ما عقد المشهد كثيرا وخلق حالة من التوتر والغضب بين الأطراف. وخلقت الهجمات الإسرائيلية حالة من الفوضى العامة مع إعلان الدولة السورية سحب قواتها من الجنوب لمنع دخول سوريا “حربا مفتوحة” مع إسرائيل، وقيام مسلحين من “المجلس العسكري” في اليوم التالي بهجمات على قرى البدو في ريف السويداء. وهي هجمات أججت الصراع وتسببت في حالة نفير عام لدى العشائر في سوريا لدعم البدو في مواجهة قوات “المجلس العسكري” في السويداء، وتوتر هدد الأمن الإقليمي بالانفجار نتيجة جو مشحون جدا تعيشه مكونات الدروز في كل من لبنان وإسرائيل، والعشائر العربية في الدول الإقليمية.
مستقبل الصراع
عقود من الخلافات بين البدو والدروز في السويداء لم تكن ببعد طائفي، فهي بدأت كخلاف اقتصادي محلي، ليصبح ذلك الخلاف عاملا استغلته القوى المتعاقبة على المنطقة، وذلك في خطوة منها للسيطرة على الجنوب السوري من خلال تفتيت البنية العشائرية والعائلية فيه، والعمل مع تلك البنيات بشكل منفرد، تخلق بينها خلافات حينا، وتتدخل لحل تلك الخلافات حينا آخر، لتبقى السويداء عبر عقود من الزمن متوترة، تحاول التعايش فيما بينها، وسط جهود حثيثة من قبل العُقلاء فيها لرأب الصدع الذي لم تتوقف عقود الأسد وخلفاؤه عن استغلاله وتعميقه لتحقيق لمصالحها.
ومما لا شك فيه أن الاقتتال الأخير بين البدو وبعض فصائل السويداء سيكون له أثر كبير على البنية الاجتماعية والأهلية في المنطقة، خصوصا مع سقوط عشرات القتلى والجرحى بين الطرفين، وتأزيم حالة السلم الأهلي باتهامات متبادلة بين الطرفين بارتكاب جرائم بحق بعضهم البعض، يُضاف إليها شعور لدى كثير من أهالي المنطقة من البدو وبعض المدنيين في مناطق أخرى من سوريا بأن “المجلس العسكري” في السويداء كان سببا في تدخل الإسرائيلي وقصفه للعاصمة دمشق وأرتال من الأمن العام والجيش السوري.
تقف الدولة السورية والسوريون اليوم أمام أحد أبرز الامتحانات على مستوى ترميم الشرخ ورأب الخلاف بين بعض مكونات السويداء ومكونات من البدو، وتخفيف حالة الاحتقان الحاصلة بين السوريين بشكل عام خصوصا مع سقوط قتلى وجرحى نتيجة الاشتباكات الدامية بين الأطراف على مدار أيام، وحملات التجييش بين الطرفين والتي تُغذيها أطراف داخلية وخارجية ليس من مصلحتها استقرار سوريا.
وهي جهود جماعية تتطلب ضمان تفعيل دور الدولة في المحافظة، ودعم جهودها في ضبط السلاح وإجراء التحقيقات اللازمة لمحاسبة المتورطين بقتل المدنيين على اختلاف توجهاتهم الدينية والاجتماعية، تفعيل وتقوية صوت العقل والفعاليات المدنية والدينية والعشائرية الداعمة للسلم الأهلي، وتمكين جهود المجتمع المدني وبرامج السلم الأهلي وفض النزاعات. وذلك في محاولة لاحتواء الصراع الحالي، وقطع الطريق على كل الأطراف الداخلية والخارجية الساعية لتجديد وتعميق الخلاف الذي يهدد سوريا والإقليم على حد سواء، وضبط تداعيات الاشتباكات الأخيرة وتداعيات التاريخ الطويل من التوتر بين مكونات المحافظة في المستقبل الآمن والمزدهر الذي يسعى السوريون جميعا لتحقيقه.
المجلة
—————————-
كلمة السر “الدولة”/ عالية منصور
آخر تحديث 19 يوليو 2025
بعد أكثر من 4 عقود خاض فيها “حزب العمال الكردستاني” العمل المسلح ضد تركيا، أعلن زعيم الحزب عبدالله أوجلان من داخل سجنه في جزيرة إمرالي في تركيا إنهاء العمل المسلح والدخول في العمل السياسي الديمقراطي.
يقرأ البعض هذا التحول الكبير ضمن السياق التركي-الكردي. وإن كان لا يمكن تجاهل هذا السياق، إلا أن النظر للصورة من خارجها يُظهر أن هذا التحول يأتي من ضمن تحولات كبرى في المنطقة لا تقتصر على “حزب العمال الكردستاني” ولا على القضية الكردية والسياسة التركية فحسب. سياق بدأت معالمه تظهر بعد عملية “طوفان الأقصى”، وما لحقها من تطورات في لبنان نتيجة “حرب الإسناد”، وفي سوريا وسقوط نظام الأسد بعد عقود في الحكم و14 عاما من انطلاق الثورة ضده.
بعد “حرب الإسناد” التي شنها “حزب الله” والخسائر الكبيرة التي لحقت به، ازداد الضغط السياسي الدولي والإقليمي على لبنان لنزع سلاح ميليشيا “الحزب”، وأيا كانت المناورات وحملات التذاكي التي يخوضها “الحزب” وبعض اللبنانيين، إلا أن لبنان أمام خيارين، إما تسليم سلاح “الحزب” للدولة وإما استمرار الضربات الإسرائيلية على مواقع لـ”الحزب” ومن تبقى من قياداته وعزل لبنان عن العالم بسبب تراخيه في موضوع السلاح. ما يحصل إلى ذلك الحين هو تفاصيل تحدد أي لبنان سيختار اللبنانيون.
رئيس الوزاء العراقي بدوره قبل أيام وفي حديث لصحيفة “الشرق الأوسط” أكد أن العراق لن يقبل بوجود أي سلاح خارج نطاق مؤسسات الدولة، مشيراً إلى أن ذلك “واحد من الأركان المهمة والأساسية لبناء الدولة العراقية”، الأمر قد يبدو معقداً مع شرعنة “الحشد الشعبي” في العراق وانطواء فصائل طائفية تحت رايته، لكن الدولة التي تحدث عنها السوداني وتبنيه شعار “العراق أولاً” لا يمكن أن تبنى في ظل وجود فئة مسلحة تخضع لقرارات طائفية وميليشياوية لا لقرارات سياسية تتخذها الدولة العراقية.
وفي غزة التي لا زالت تحت القصف والقتل والحصار، أحد أبرز شروط الوقف الكامل لإطلاق النار هو إنهاء سلاح “حركة المقاومة الإسلامية” (حماس)، فـ”حماس” ليست السلطة المركزية وإن كانت قد سيطرت على الحكم في غزة. وبالمفهوم المؤسساتي هي فصيل مسلح، ميليشيا ولست دولة.
الوضع الأكثر تعقيدا هو سوريا، بعد 14 عاما من الصراع المسلح، فإن السلاح المتفلت هو السمة الأبرز مهما حاول البعض ادعاء العكس، وقد برهنت الأحداث والمجازر الأخيرة أن السلاح لن يأتي إلا بالمزيد من الويلات على السوريين.
هو ليس فقط سلاحا درزيا أو كرديا أو عشائريا أو سلاح الفلول والميليشيات التي حاربت مع الأسد، بل هناك أيضاً سلاح الفصائل التي حاربت ضد الأسد وإيران، واليوم وبعد الإعلان عن انتهاء الثورة وبداية زمن بناء الدولة لا يمكن أن يتم تجاهل أي سلاح خارج إطار الدولة الوليدة.
مسار بناء هذه الدولة طويل وشاق، ولكن كما ذكرت سابقاً، فالبناء يجب أن يكون على أسس صحيحة، وتجربة لبنان والعراق ماثلة أمام الجميع، لا يمكن بناء دولة بوجود السلاح ولا يمكن تأجيل موضوع السلاح لأنه سيكون دوماً العائق أمام ترسيخ مفهوم الدولة.
الدولة ليست حاكماً ولا حزباً ولا فئة، بل هي الإطار المؤسساتي الضامن لجميع أبناء هذه الدولة.
تصدر أصوات من هنا وهناك تبرر عدم تسليم السلاح انطلاقا من أن السلطة في دمشق غير منتخبة أو فئوية، بعض هذه الأصوات كانوا من أشد المعارضين لحمل السلاح خلال الثورة، بعضهم الآخر ضد سلاح ميليشيات ومع سلاح ميليشيات أخرى، هذا كله يدل على قصر نظر في رؤية المشهد العام وفهم منطق “الدولة”.
ثمة أخطاء وتقصير لا يمكن إخفاؤهما تقع فيهما السلطة في سوريا، ولكن تصحيح هذه الأخطاء وتقويم التقصير لا يتم بالعمل المسلح بل بالانخراط في العمل السياسي، بين موالين ومعارضين، والإعلان عن مؤتمر حوار وطني مفتوح الأفق، فليتحاور السوريون وليتفقوا ويختلفوا بالكلمة لا بالرصاص.
كلمة السر اليوم هي “الدولة”، انتهى زمن الميليشيات، واستقرار سوريا هو العامل الأساسي لاستقرار المنطقة، وما الدعم العربي والدولي وتحديداً الأميركي للسلطة في دمشق إلا دليل على أن زمن دعم الميليشيات قد ولى.
فهل يفهم الجميع في المنطقة، حكومات ومعارضين، أن السلاح لم يعد من وسائل العمل السياسي كما اعتدنا في هذه البقعة الجغرافية لعقود؟ وهل يملك البعض جرأة أوجلان بالإعلان عن إلقاء السلاح والاتجاه نحو العمل السياسي؟
لا خيار آخر إن أردنا أن نتحول من طوائف وقبائل إلى مواطنين، ومن ساحات صراع إلى دول. وفي المقابل على الحكومات أن تساهم في بناء دول مؤسساتية، وعلى الدولة السورية أن لا تقع في فخ النموذج العراقي وذلك بشرعنة وجود ميليشيات مسلحة والسكوت عنها لأنها موالية للسلطة لأن هذا الفخ سيقود لفشل الدولة واختطافها من قبل هذه القوى المسلحة أيا كان مبرر وجودها.
كما أن عليها الإعلان عن خطوات واضحة وواقعية لإعادة بناء المؤسسات الأمنية من جيش وقوى أمن لحماية جميع السوريين.
المجلة
—————————-
من جبل العرب إلى شرق الفرات.. أنقرة وتل أبيب على صفيح سوريا الساخن/ سمير صالحة
2025.07.19
كلما اشتعلت إحدى جبهات الداخل السوري، وتدخلت إسرائيل عسكريًا، في مشهد بات يتكرر في الآونة الأخيرة، تعود إلى الواجهة سيناريوهات المواجهة العسكرية المباشرة بين أنقرة وتل أبيب، واحتمالات اقتراب موعدها. فهل نشهد صدامًا عسكريًا تركيًا- إسرائيليًا على خلفية ما يجري في السويداء وجوارها، وتحت غطاء إسرائيلي يُروّج لحماية الدروز؟ وكيف ستتعامل أنقرة مع أية مطالبة سورية بالتدخل العسكري للوقوف إلى جانبها في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية اليومية على المدن السورية؟
عين تركية على السويداء، وأخرى على شرق الفرات
تقلق تعقيدات المشهد الميداني والسياسي والعسكري الأخيرة في السويداء وجوارها تركيا حتمًا، فهي تتعارض مع حساباتها السورية، وتهدد مصالحها بعد دخولها الواسع على الملف، ودعمها لتسهيل المرحلة الانتقالية، التي بدأت بتسجيل إنجازات سياسية وإنمائية واقتصادية واسعة في الداخل والخارج، بقيادة الرئيس الشرع وفريق عمله.
تقول الرئاسة السورية إنه، تجنبًا للتصعيد ولإتاحة الفرصة أمام جهود التهدئة، تم سحب القوات العسكرية من السويداء. ويؤكد الشرع: “إن التدخل الفعّال للوساطة الأميركية والعربية والتركية هو الذي أنقذ المنطقة من مصير مجهول”، من دون أن يهمل الإشادة بجهود الدولة التي نجحت في إعادة الاستقرار وطرد الفصائل الخارجة عن القانون، رغم التدخلات الإسرائيلية.
يبرز الشرع بشكل متوازن الدعم الخارجي لسوريا كي تتجاوز هذه المحنة، ويركز أيضًا على جهود مؤسسات الدولة باتجاه التهدئة. لكن الواقع الميداني ما زال معقدًا ومقلقًا في جنوبي سوريا، ويحتاج إلى خطة أمنية عاجلة تضع حدًا للخروقات والتجاوزات الحاصلة. بعض الأطراف المحلية لم تلتزم بالاتفاقيات، رغم انسحاب القوات العسكرية السورية من المنطقة، لكن إسرائيل تتحرك بثقلها العسكري والميداني والسياسي لفرض شروطها على الجميع هناك.
تل أبيب هي أول من يهمه فشل هذه الجهود، لأنها تتعارض مع حساباتها السورية. وهي تتحرك لدفع بعضهم نحو إشعال فتن مذهبية وعرقية، تهدف إلى إعادة تقاسم الجغرافيا السورية وتوزيع النفوذ، معوّلة على ورقة الكونفدراليات، إذا لم تحصل على ما تريده خلال مفاوضتها دمشق. وإلا، فما الذي يقصده رياض حجاب، ولمن هي رسالته، عندما يعلن أن تقسيم سوريا مرفوض تحت أي ذريعة وضمن أي اتفاق، وأن الترتيبات الجانبية التي تُبرم بمعزل عن الشعب السوري مرفوضة بالكامل؟
من الواضح تمامًا أن التدخل الإسرائيلي المباشر يهدف إلى تحقيق هذه الأهداف، ولتسهيل مهمة بعض اللاعبين المحليين باتجاه إزالة “العقبات” العرقية والديمغرافية، في الطريق نحو دمج المنطقتين، ولعب ورقة شريحتين مهمتين في المكوّن السوري .
بدأ بعضهم في الداخل السوري يطالب بفتح خط تواصل ميداني-جغرافي بين السويداء وشرق الفرات. الغاية هي تسريع عملية تعقيد المشهد، والانتقال بما يجري في السويداء وأطرافها إلى مناطق شرق الفرات.
توحيد الجبهات ضد الدولة السورية المركزية، والربط بين مجموعات الهجري وقوات سوريا الديمقراطية، يتطلب السيطرة على منطقة البادية السورية، التي تشمل – بتوزيعها العسكري والسياسي القائم اليوم – أجزاء من ريف دمشق الشرقي، والبادية، وتدمر، ودير الزور، وهي مأهولة بشكل أساسي بقبائل عربية، وليست منطقة تماس مباشر بين الدروز والأكراد. وبالتالي، فإن سكان هذه المنطقة هم الثقل والمحدد الأول المعني هنا.
المواجهة ستكون إذًا بين من يدعم مثل هذا المخطط، وبين من سيحاول عرقلته، لأنه يستهدف وحدة سوريا، ويعني التقسيم الذي تدعمه وتريده إسرائيل.
التصريحات والمواقف الصادرة عن القيادات السياسية التركية في اليومين الأخيرين قد تساعدنا على فهم ما يقلق أنقرة، وقد يدفعها للتحرك:
تعتبر الخارجية التركية أن التدخل العسكري الإسرائيلي وقصف دمشق خطوة تهدف إلى زعزعة استقرار البلاد. “الهجمات الإسرائيلية على دمشق، بعد تدخلاتها العسكرية في جنوبي سوريا، تُمثّل عملية تخريبية تستهدف جهود سوريا لضمان السلام والاستقرار والأمن”.
ويقول وزير الخارجية هاكان فيدان: “ينبغي على إسرائيل التخلي عن سياساتها التي تُزعزع الاستقرار قبل فوات الأوان. سياسات إسرائيل لا تُشكّل خطرًا على المنطقة فحسب، بل على نفسها أيضًا”.
أما المتحدث باسم وزارة الدفاع التركية، العميد البحري زكي أكتورك فيكرر أنه “سبق أن أعلنا أننا سنقدّم كل الدعم الممكن لتعزيز قدرات الدفاع السورية ولدعمها في مكافحة الإرهاب، في حال طُلب منا ذلك”. فهل الرسالة موجّهة نحو السويداء؟ أم شرق الفرات؟ أم الساحل السوري؟
أعلن فيدان قبل فترة أن هناك “خريطة طريق جديدة في سوريا ستكون نموذجًا في التاريخ، وضعت بجهود حثيثة من الرئيس التركي، بالتعاون مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والسعودية، وبمساهمة دول أخرى “.
قد تدخل تل أبيب في عقد صفقات ومقايضات وتتراجع عن مخطط من هذا النوع بضمانات أميركية، هذا إذا لم تكن واشنطن جزءًا من المشروع. لكن التحسّب لمخطط الالتفاف على مسألة الخط الفاصل لا بد أن يُؤخذ بعين الاعتبار، خصوصًا وأن نتنياهو يردد أن “دمشق تجاوزت خطين أحمرين هما: المنطقة منزوعة السلاح، والدروز”. فما الذي يمنع أن يحدثنا غدًا أو بعد غد عن اختراق الخطوط الحمراء التي تتحدث عنها تل أبيب في شرق الفرات، حيث الأكراد هذه المرة؟
تحاول إلهام أحمد تبسيط ما يجري: “بيننا وبين تركيا قناة تواصل مفتوحة. تتم مناقشة قضايا تتعلق بشمال شرقي سوريا، القضية الكردية، والحل السياسي في سوريا، بالإضافة إلى مواضيع تهم تركيا “. لكن مظلوم عبدي يردد: “نتلقى من أهلنا في السويداء دعوات لإنشاء ممرات آمنة للمدنيين ووقف الهجمات ضدهم “.
ومن هنا جاءت تصريحات وزير الخارجية التركي حول أن ” بلاده تلقّت معلومات بشأن محاولة وحدات حماية الشعب استغلال الاشتباكات الجارية في محافظة السويداء، وأن رسالتنا لهم هي ، لا تستغلوا هذا الاضطراب وتدخلوا في وضع غير مرغوب فيه”.
ما يقلق أنقرة ليس فقط ممارسات إسرائيل في جنوبي سوريا، بل أيضًا احتمالات تشجيع “قسد” في شرق الفرات على استغلال الفرصة للتصعيد مع دمشق، متخلّية عن كل الاتفاقيات والتعهدات المقدّمة.
التحرك التركي المكثف على أكثر من صعيد يهدف إلى قطع الطريق على هذا المخطط، الذي ينسف كل الجهود التي بذلتها هذه العواصم، ويحاول إبقاء ملف التقسيم والتفتيت الذي يريده بعضهم فوق الطاولة . التنسيق التركي-العربي بات ضروريًا وملحًا أكثر من أي وقت مضى، وقبل أن يفوت الأوان، إذا كانت الرغبة ما زالت موجودة في دعم السلطة السورية الجديدة بقيادة الشرع.
تلفزيون سوريا
————————————-
السؤال الذي لم يخضع لتفكير نقدي: لماذا يجب أن تبقى سوريا موحدة؟/ إياد الجعفري
2025.07.19
لماذا يجب أن تبقى سوريا موحدة؟ نعتقد أن قلّة ممن يقرؤون هذه السطور فكروا بحيادية أو تمعنوا بإجابة موضوعية مباشرة لهذا السؤال. هناك إجابة غير مباشرة ومعلّبة، يمكن أن تخطر على بالنا، مما تم تلقينه لنا بحِسٍّ “شعاراتي”. ترتبط هذه الإجابة بسرديات “المؤامرة” ورغبة المتآمرين الخارجيين، بتقسيم سوريا، بهدف إضعافها. فسوريا مقسّمة، يعني سوريا ضعيفة. وهو ما يخدم أعداء سوريا –في هذه الحالة، إسرائيل بالدرجة الأولى-.
ندعي في مقالنا هذا، أن الإجابة أعلاه، دوغمائية. لم يسبق أن خضعت للتفكير النقدي، في محاولة تفكيكها، والكشف عن مدى دقتها. وبناءً عليها، بُنيت بروباغندا نظام الأسد طوال عقود حكمه. وكما نذكر، اتهم النظام الثائرين عليه عام 2011 بأنهم أدوات لمؤامرة خارجية هدفها تقسيم سوريا. وردد منظّروه وإعلاميوه ذات البروباغندا، وعملوا على تعبئة مناصريه باستخدامها، إلى جانب جملة أدوات أخرى.
واليوم يُستخدم ذات الحِسّ “الشعاراتي”، المتعلق بضرورة دفع الدم ضريبةً للحفاظ على “وحدة سوريا”. لكن، يندر أن نجد نقاشاً خارج الصندوق حول: لماذا يجب أن تبقى سوريا موحدة؟ فقط للتذكير، فسوريا التي نعرفها، رُسمت حدودها بإرادة خارجية، كما نعرف جميعاً. وحينما نتذكر هذه الحقيقة، يصبح السؤال ملحاً: لماذا يجب أن تبقى سوريا موحدة؟
قد يستنكر البعض طرح هذا السؤال أساساً، من زاوية أن لا أحد جادٌ بفكرة تقسيم سوريا، على الأقل في أوساط السوريين. فحتى أنصار الحكم الذاتي، من الأكراد والدروز، لا ينادون بالانفصال عن سوريا. لكن، اتهام هؤلاء بأن نواياهم انفصالية، وأنهم يخدمون أجندة خارجية لتقسيم سوريا، يشكّل الرافعة الأساسية للتعبئة المقصودة أو غير المقصودة، حيالهم. مما يجعل محاولة البحث عن إجابة نقدية لهذا السؤال، أكثر إلحاحاً: لماذا يجب أن تبقى سوريا موحدة؟
وفي سياق محاولة تفكيك هذا السؤال، نجد سؤالاً مرتبطاً به، وأكثر مباشرة منه: هل من الأفضل للسوريين أن يكونوا ضمن دولة واحدة متنوعة المكونات أم أن يكونوا في دول عدّة كل منها تمثّل مكوّناً خاصاً؟ أولى الأجوبة التي تطالعنا على هذا السؤال، هو درجة تعقيد التداخل الديمغرافي – الجغرافي، بين مكوّنات الدولة السورية، مما يجعل انفصال أي منها، في كيان سياسي خاص بها، شبه مستحيل. إلا باستخدام أدوات “الغَلَبة”. أي مكوّن يغلب على باقي المكوّنات. وهي ذاتها الإشكالية التي يواجهها “الكيان” السوري اليوم، وتخلق حالة الصراع بين مكوناته. أي، رغبة كل مكوّن ألا يخضع لحالة “الغَلَبة” من جانب مكوّن آخر. فالتقسيم لن يحل حالة الصراع بين مكونات سوريا. فكلما قسّمت، ظهرت لديك تناقضات تتطلب المزيد من التقسيم. هذا من جانب. من جانب آخر، تطالعنا معضلة أكبر، تتعلق بالأضرار الاقتصادية للتقسيم. مثلاً، لو انفصلت محافظة السويداء، في دولة خاصة بها، فهي ستفقد الوصول إلى موارد هامة، وستخسر الكثير من مدخلات الإنتاج ومصادر الدخل لأبنائها.
بطبيعة الحال، نحن هنا لا نخبر القارئ بشيء مفاجئ. إذ نعتقد أن معظم السوريين –وهذا ما نأمله- على دراية كافية، بالأضرار الاقتصادية للتقسيم، على مصالحهم، وبمختلف مكوناتهم. إذاً، لماذا تلقى دعوات “انكفائية” نحو حكم ذاتي –على الأقل-، قبولاً واسعاً، لدى بعض المكونات؟ بطبيعة الحال، هم لا يضحون بمصالحهم خدمة لأجندات خارجية! هم ببساطة، يعانون من إشكالية رفض “الغَلَبة”. أي “غَلَبة” مكوّن آخر عليهم، وخضوعهم له. وهو ما يحيلنا لسؤال آخر ذي صلة: هل فرض وحدة سوريا باستخدام أدوات القوة أفضل من سيناريو التقسيم؟ نجد جواباً من تاريخنا الخاص. فسوريا في عهد حافظ الأسد، كانت دولة “ذات سيادة” وفق المعايير المتعارف عليها، وذات وزن في السياسات الإقليمية، وموحدة بالقوة. هل وفّر ذلك استدامة لهذه الوحدة؟ وهل جنّب البلاد دورات عنف تكررت مراراً؟ وكيف كانت خاتمة هذه التجربة بعد خمسة عقود، أي تجربة فرض “سيادة الدولة” بالقوة؟! وهكذا، ومن وحي تجربتنا الخاصة، نستطيع القول إن فرض الوحدة في سوريا، بالقوة، لا يوفّر استقراراً مستداماً.
وهناك جانب آخر من تجارب الشعوب، قد يحيلنا إلى إجابة ملهمة، بخصوص سؤالنا الرئيسي. وهو مثال، الاتحاد الأوروبي. لماذا تسعى دول متقدمة صناعياً وعلمياً، وذات وزن دولي –في معظمها-، لتترابط معاً؟ الجواب كما يعلم الكثيرون، هو الاقتصاد. كلما اتسع السوق المتاح للإنتاج ولليد العاملة ولحركة النقل، دون قيود، كلما انعكس ذلك إيجاباً على مجمل الاقتصادات المنضوية في إطار هذا السوق.
قد تكون النقطة الأخيرة، كلمة السرّ في الحاجة إلى سوريا موحدة. وهو ما يحيلنا للعوائق الاقتصادية المتعلقة بالتقسيم. وحدة سوريا، جغرافياً وديمغرافياً، يعني سوق أكبر، وإنتاج أقوى، وأيد عاملة متاحة بصورة أفضل، وحركة نقل دون قيود، ضمن هوامش أبعد. والعكس صحيح تماماً. لكن، هل يمكن تحقيق هذا الهدف الاقتصادي من الوحدة، بأسلوب القوة والقهر؟ يتحقق ذلك كما أشرنا سابقاً –في تجربة نظام الأسد-، على مدى تاريخي قريب، لكنه لا يتحقق بصورة مستدامة. أي أن توحيد سوريا، بأسلوب “الغَلَبة”، لا يوفر استقراراً بعيد الأمد.
كان هدفنا من هذه الأسئلة التشريحية أعلاه، أن نساهم –إن أمكن- في الدفع نحو إعمال العقل، بدل “الغرائز” المتعلقة بالانتماءات ما دون الوطنية، والتي بات صوتها أعلى في خضم ما حدث في السويداء. ولتفكيك ذلك، يتطلب الأمر التفكير من خارج الصندوق الكلاسيكي المتعلق بمؤامرة خارجية، ومتآمرين راغبين بتقسيمنا بهدف إضعافنا. يتطلب الأمر أن نسأل أنفسنا بصدق: لماذا نريد أن نكون في دولة واحدة؟ نزعم من جانبنا، أن مصلحة جميع السوريين، بكل مكوناتهم، في ذلك، مرتبطة بحياة اقتصادية أفضل، يمكن أن تتحقق كلما أتيح تحرك السوري (بوصفه منتج أو يد عاملة)، ضمن سوق أكبر. وفي حين يجرنا التفكير “الغرائزي – الطائفي والقبلي”، الانغلاقي، إلى سوق أصغر، وإلى أفق اقتصادي أضيق، يقودنا التفكير “الوطني – العابر للحساسيات ما دون الوطنية”، نحو أفق اقتصادي أرحب، بمرات. وهذا ما تعلمته شعوب عدة، فانفتحت على بعضها، رغم تاريخ العداوات العميق بينها (مثال فرنسا وألمانيا، شاهد على ذلك). لكن، كي يتحقق هذا الهدف من الوحدة، نحن بحاجة لأن تكون الوحدة مبنية على قبول كل المكونات. كي تتحقق حرية التنقل والإنتاج ضمن السوق السورية كاملة، دون قيود أو مخاوف. وهذا يعني أن سوريا الموحدة يجب أن تبنى على شراكة بإرادة كل مكوناتها، كي تحصل على مستقبل مستقر وأفق اقتصادي رحب، بشكل مستدام.
بناء على ما سبق، نقول إن الدعوات إلى مؤتمر حوار وطني جديد، وحقيقي، وخارطة طريق جديدة لمستقبل سوريا، تُشرك الجميع، ليست دعوات بعيدة عن الصواب والحكمة، أو كلام تنظيري غير قابل للتحقيق، بل العكس هو الصحيح. وبدلاً من تكرار تجربة نظام الأسد، بفرض “سيادة الدولة” و”هيبتها” بالقوة والقهر، بصورة تخلق مقومات انفضاض هذه الوحدة عند أول منعطف محتمل، علينا أن نتعلم من تجربتنا الخاصة، وتجارب الشعوب الأخرى، ونشتق سبيلاً جديداً مختلفاً، هذه المرة.
—————————–
ما بنود الاتفاق السوري- الإسرائيلي بشأن السويداء
أعلنت وزراة الداخلية السورية، اليوم السبت 19 تموز، عن بنود اتفاق وقف إطلاق النار في مدينة السويداء، الذي جاء بعد المفاوضات التي جرت بين الرئيس السوري للمرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، ورئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بدعم من الولايات المتحدة الأمريكية وتبنته تركيا والأردن وجيرانهما.
ووفقًا لوزارة الداخلية فإن الاتفاق ينص على التالي:
وقف شامل لإطلاق النار ووقف العمليات العسكرية بجميع أشكالها من جميع الأطراف.
تشكيل لجنة مراقبة مشتركة، من ممثلين عن الدولة السورية والمشايخ لمراقبة وقف إطلاق النار.
نشر حواجز أمنية مشتركة في مدينة السويداء والمناطق المجاورة لتعزيز الأمن.
الاستعانة بضباط وعناصر من أبناء محافظة السويداء لتولي المهام الأمنية والإدارية.
احترام حرمة المنازل والممتلكات ومنع الاعتداء أو التجاوز على أي منطقة داخل السويداء.
التوافق على آلية لتنظيم السلاح الثقيل والخفيف بالتعاون مع الوزارات المعنية، بما يضمن إنهاء مظاهر السلاح خارج الدولة مع مراعاة الخصوصية الاجتماعية والدينية للسويداء.
تحقيق الاندماج الكامل لمحافظة السويداء ضمن الدولة السورية، واستعادة السيادة الكاملة على أراضيها وتفعيل مؤسسات الدولة فيها.
إعادة تفعيل جميع مؤسسات الدولة في السويداء، وفقًا للأنظمة والقوانين السورية.
العمل على ضمان حقوق جميع المواطنين من خلال قوانين تضمن العدالة والمساواة وتعزيز السلم الأهلي.
تشكيل لجنة مشتركة لتقصي الحقائق والتحقيق في الجرائم والانتهاكات وتحديد المسؤولين عنها، وتعويض المتضررين.
تأمين طريق دمشق- السويداء من قبل الدولة، وضمان سلامة المسافرين.
العمل الفوري على توفير الخدمات الأساسية بما فيها الكهرباء والمحروقات والخدمات الصحية.
إطلاق سراح المعتقلين وكشف مصير المفقودين في الأحداث الأخيرة.
تشكيل لجنة مشتركة لمتابعة تنفيذ بنود الاتفاق.
تناقض مع بيان الرئاسة الروحية
بدورها، أصدرت الرئاسة الروحية للمسلمين الموحدين الدروز في سوريا، بيانًا يوضح بنود الاتفاق الذي جاء بعد المفاوضات التي جرت برعاية دولية.
ويقود الرئاسة الروحية الشيخ حكمت الهجري أحد أبرز الرافضين لانتشار القوات الحكومية في السويداء.
وتنص بنود الاتفاق التي نشرتها الرئاسة الروحية عبر “فيسبوك” على:
يتم نشر حواجز تابعة للأمن العام خارج الحدود الإدارية لمحافظة السويداء، بهدف ضبط الاشتباك ومنع تسلل أي مجموعات إلى داخل المحافظة.
يمنع دخول أي جهة إلى القرى الحدودية لمدة 48 ساعة من وقت الاتفاق، وذلك لإتاحة الفرصة لانتشار القوى الأمنية من الطرف الآخر، تجنبًا لأي هجمات مباغتة.
ما تبقى في الداخل من أبناء العشائر في مناطق المحافظة يُسمح لهم بالخروج الآمن والمضمون مع ترفيق مؤمن من الفصائل العاملة على الأرض دون أي اعتراض أو إساءة من أي طرف.
تُحدد معابر الخروج الآمنة للحالات الطارئة والإنسانية عبر بصر الحرير وبصرى الشام.
ضبط تحركات المجموعات الأهلية ومنعها من الخروج خارج الحدود الإدارية لمحافظة السويداء، وتجنب أي استفزازات أو تحركات قتالية.
يُحمّل أي طرف بشكل منفرد أي تصرف خارج إطار هذا الاتفاق، كامل المسؤولية عن انهيار التفاهمات المبرمة.
وبعد التوصل إلى اتفاق وقف النار في السويداء جنوبي سوريا، وجه الرئيس السوري في المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع خطابًا، يفضي بانتشار قوى الأمن فيها.
وقال الشرع، في خطاب مصور، إن “الأحداث الأخيرة التي شهدتها محافظة السويداء شكّلت منعطفًا خطيرًا”، معتبرًا أن “الاشتباكات العنيفة بين هذه المجموعات كادت تخرج عن السيطرة لولا تدخل الدولة السورية لتهدئة الأوضاع.
“الدولة السورية تمكّنت من تهدئة الأوضاع رغم صعوبة المشهد”، بحسب الشرع، “لكن التدخل الإسرائيلي دفع البلاد إلى مرحلة خطيرة تهدد استقرارها، نتيجة القصف السافر على الجنوب وعلى مؤسسات الحكومة في دمشق، وعلى إثر هذه الأحداث، تدخلت الوساطات الأمريكية والعربية في محاولة لتهدئة الوضع”.
وبحسب مراسل عنب بلدي فإن قوى الأمن انتشرت عصر اليوم في الريف الغربي لمحافظة السويداء، بينما تتواصل الاشبتاكات بين قوى العشائر وفصائل محلية داخل حدود السويداء حتى الآن.
كيف بدأ التوتر
اندلع التوتر في محافظة السويداء، بخطف متبادل بين عشائر على تخوم السويداء وفصائل محلية، تطور إلى اشتباكات مسلحة، تدخلت بعدها قوات وزارة الدفاع والداخلية.
وبينما توصلت الحكومة إلى اتفاق مع وجهاء وقادة محليين، رفض آخرون الاتفاقية وشنوا هجمات مضادة بغطاء إسرائيلي.
تخللت الحملة الأمنية لقوات وزارة الدفاع والداخلية انتهاكات بحق مقاتلين ومدنيين، وهو ما قوبل أيضًا بانتهاكات من الفصائل المحلية التي شنت الهجوم المضاد، والتي استكملت هجومها باتجاه قرى البدو.
وكان الرئيس السوري في المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، أعلن انسحاب قوات وزارتي الدفاع والداخلية، من السويداء، لتجنب “مواجهة مفتوحة مع إسرائيل”، تاركًا إدارة المحافظة لوجهاء الطائفة الدرزية وفصائل محلية.
بعد الانسحاب شهد الجنوب السوري تعبئة عشائرية وهجمات مركزة ضد الفصائل المحلية في السويداء، وسط انتهاكات تنسب للقوى العشائرية، قبل التوصل إلى اتفاق اليوم بين سوريا وإسرائيل.
عنب بلدي
——————————-
=======================



