إشتباكات السويداء والتدخل الاسرائيلي السافر تحديث 20-21 تموز 2025

عن التدخل الاسرائيلي السافر في سورية الجديدة، ملف تناول “شهية إسرائيلية لتفتيت سوريا” – تحديث 15 تموز 2025
لمتابعة مكونات الملف اتبع الرابط التالي
التدخل الاسرائيلي السافر في سورية الجديدة
لمتابعة تفاصيل هذا الملف اتبع الرابط التالي
لمتابعة تفاصيل هذا الملف اتبع الرابط التالي
======================
إشتباكات السويداء 21 تموز 2025
——————————
ماذا بعد جرعة “الطائفية” في سورية؟/ سميرة المسالمة
21 يوليو 2025
في وقت تختصر الناشطة السورية زينة شهلا وزملاؤها، بتفاعلهم الإيجابي مع الأحداث الجارية في السويداء، صفحات كثيرة من الدراسات، والنقاشات الحامية، في محدّدات السلم الأهلي، برفعهم شعارات مثل “وقف إطلاق النار”، “دم السوري على السوري حرام”، “نرفض التدخّلات الإسرائيلية”، فيعاد التركيز على ضرورة العودة إلى الحوار الوطني الجامع، والتلاقي لكسر صمت الهزيمة أمام الفتنة والحرب… في الوقت نفسه، يتصدّر، في الجانب الآخر من هذا الصمت الإيجابي، مشهد آخر لنجوم “الميديا” ونشطائها وهم يتنافسون في تبادل الاتهامات حول مسؤولية كلّ طرف عن الصراعات والحرب الطائفية، ويدفعون نحو “تهويش” يتجاوز حدود سورية، كما يهدّد استقرارها من الداخل.
وفيما تستهدف بعض هذه الدعوات المزيد من تفتيت هُويَّة السوريين، يُفاجأ المتابع بالأدوار الجديدة لإعلام بلا هُويَّة، إذ تُقدّم بعض شاشات القنوات التلفزيونية المتنوّعة تغطياتها الأحداث الجارية وفق منطق “السبق الصحافي”، من دون تحرّ أو تدقيق، أو متابعة لما ينفي أو يؤكّد الخبر، بل وتجد في المجادلات والتكهنات والتحريض، والتحريض المضادّ، أدواتٍ جاذبة للمشاهدين، بغضّ النظر عن المهنية أو الاستناد إلى أدلّة واضحة، خصوصاً حين تصدُر هذه السرديات من بعض نجوم “السوشيال ميديا”، الذين يطلقون على أنفسهم صفات مثل “محلّل سياسي” أو “إعلامي”، أو حتى مقرّب من السلطات.
ولا يقتصر الأمر على سيل التخيّلات التي تبثّ، بل يتعدّاه إلى المبالغة والتجرّؤ على الواقع، وبثّ البغضاء، والتلويح بحرب لا هوادة فيها، وأحياناً، تحويل الأمنيات الشخصية إلى “حقائق” يروّجون لها، وكأنها مسارات حتمية، وفق بروشور يدّعون امتلاكه حصراً دون غيرهم، بل إن بعضهم (إعلاميين) لا يجد حرجاً في التبشير بتسوياتٍ وخرائطَ نفوذ جديدة، أو في التهديد بنهايات وشيكة لحكومات وزعامات قائمة، كما لا يتأخّرون في دعم الاقتتال الطائفي والترويج لأسبابه، ودعم مخرجاته، في تخلّ واضح عن مضمون رسالة الإعلام ومبادئ العمل الحيادي.
ولعلّ من المؤسف أن ذلك كلّه يُروَّج تحت مسمّياتٍ مضلِّلة، من قبيل “تحليل الواقع” أو “قراءة الميدان”، بينما في جوهره لا يعدو خطاباً تعبوياً يعيد تدوير الكراهية ويستثمر في انقسامات السوريين، لا لشيء، إلا لزيادة المتابعين أو تلميع موقع سياسي ما، أو طائفي. تعكس هذه الظاهرة الإعلامية التي تنشط غالباً في فترات التوتر أو الانسداد السياسي فشلاً عميقاً في بناء سردية وطنية مشتركة، وتؤكّد غياب أدوات النقد الموضوعي لصالح اجترار خطاب الاصطفاف أو المداهنة، أو الوصولية.
الخطورة في هذا المشهد حالة الجمهور المستسلم والمتلقّي مثل هذه الظواهر، ما جعل بعض النُّخب الثقافية والإعلامية تتماهى مع هذا النمط، على مبدأ “الجمهور عاوز كدا”، متناسية دورها في إنتاج معرفة مسؤولة تساهم في رأب الصدع لا تعميقه، وتبتعد من المحاسبة المهنية لصالح استعراضات فردية، ومزاودات على مواقف الآخرين، ما يترك السوريين العاديين (ممّن دفعوا الثمن الأكبر) بلا منصّات تحترم معاناتهم، وتقدّم لهم وعياً بديلاً من هذه السوق الصاخبة.
في مثل هذا السياق، تصبح الحاجة ماسّة إلى إعلام ينحاز للعقل، لا للغرائز، ويطرح الأسئلة الجوهرية، ما السبيل إلى التماسك الوطني؟ وكيف نوقف إعادة إنتاج أسباب الانفجار السوري؟ ومن المستفيد من بقاء الخطاب الطائفي حيّاً؟ وما دور الإعلام في بناء مصالحة لا تتجاهل العدالة والمحاسبة من دون التخلّي عن ثقافة التسامح وبناء الثقة بالمستقبل؟ وهل يمكن للإعلام أن يسلّط الضوء على المشتركات لا الفواصل، وعلى فرص النجاة لا انتقامات الماضي؟
الإعلام السوري (اليوم) أمام اختبار أخلاقي لا يقلّ أهمية عن التحدّيات السياسية: إمّا أن يكون أداة لصناعة المستقبل، أو ظلّاً باهتاً لصراعات ماضٍ لم يعد يحتمل البقاء ولا يصلح لأن يلبس من جديد. فسورية، التي تعيش واحدة من أسوأ أحداثها المجتمعية، هي فعلياً مقبلة على تحوّلات، ليس آخرها سقوط نظام الأسد ومدّ يد الغرب لها وانفتاحها على جوارها الإقليمي، فهذه تحوّلات لا تُبنى على أسماء بعينها، بل على مؤسّساتٍ وشرعياتٍ جديدة، تُنتجها تسويات محلّية هي بأهمية التسويات الدولية المُعقَّدة ذاتها. لهذا، فإن دور الإعلام يجب أن يتحوّل من الترويج الأعمى والتهويل والتخدير، وبالأحرى من التبصير، إلى التفكيك والتفسير، لا من أجل اصطفاف جديد، بل من أجل إنتاج وعي قادرٍ على التعامل مع المستقبل بواقعية ومسؤولية، ويتطلّع إلى سورية تتسع لنا جميعاً بمكوناتنا ومرجعياتنا ولغاتنا كلّها.
العربي الجديد
——————————
السويداء: مرآة الفزعة والدولة في سوريا/ مالك الحافظ
ما الذي يعنيه تعويم العُصبة بدلاً من المؤسسات؟
21-07-2025
من مشهد السويداء الأخير، حيث اختلط الردّ الأمني العسكري للسلطة الانتقالية بملامح انتقام عشائري، ولم يَعُد ممكناً التمييز بين ما يصدر عن منطق الدولة وما يُستدعَى من ذاكرة العُصبة، بدا أن اللحظة السورية تسير على خيط رفيع بين دولة لم تُبنَ بعد، وجماعة طُلِبَ منها أن تملأ مكانها. لم تكن الانتهاكات التي شهدتها المحافظة مجرّد انفلات ميداني، بقدر ما كانت تجلياً مكثفاً لفكرة أكثر خطورة تتمثل في أن السلطة حين تعجز عن التنظيم، أو لا تجد طريقاً لفرض رؤيتها سوى بالإكراه والإقصاء، تُفسِحُ المجال للعنف كي ينظّم نفسه بنفسه.
فهل يصح لسلطة تقول إنها تؤسّس لدولة جديدة أن تُقصي بالقوة كل من يرفض رؤيتها السياسية أو الدينية أو الأمنية، وكيف يمكن أن تُبنَى الدولة على ركام المشروعية الجماعية، أو على اختبارات الطاعة المفروضة بالقهر.
الفزعة، بوصفها ردَّ فعل جماعي سريع، تنتمي في أصلها إلى بُنى ما قبل الدولة، حين كانت القبائل والعصبيات تواجه الخطر بالتجييش الفوري. لكنها حين تتحوّل إلى وسيلة إدارة يومية لدى سلطة ما، فإنها تكشف عن خلل بنيوي في مفهوم الحُكْم نفسه. إن القبول بأن يتقاتل السوريون على خطوط الدم، هو سقوط أخلاقي وسياسي لا يمكن تبريره بحسابات الضرورة أو موازين القوة. وما جرى كان انعكاساً لانهيار الدولة كمفهوم، حين لم تعد تملك ما تقدّمه سوى الغياب، ولم تعد تملك من الشرعية سوى ما تمنحه لمنطق «الفزعة».
في هذه اللحظة، حيث تُستدعَى الهويات المغلقة كأدوات ضبط، تتشكّل ملامح نظام يقوم على ردّات الفعل؛ ويحكم بالتعبئة؛ ويُقيم سلطة على تجنيد الولاءات. وهنا يُمكن لنا طرح سؤال جذري يسبر احتمالات وجود طريق في سوريا الحالية لبناء شرعية لا تستند إلى منطق الغلبة، وإنما إلى العقل العام، والمواطنة، والسيادة المشتركة.
تأسيس غير مُعلَن لنظام ردِّ الفعل
ليست الدولة مجرد جهاز إداري أو هيكل بيروقراطي، وإنما هي كما يصفها هيغل «تحقيق العقل في التاريخ»، أي لحظة التجلّي الأرقى للعقل العمومي المُشترَك، حين يُرفَع العنف من مرتبة الفعل الغريزي إلى مرتبة القانون. أمّا العُصبة في المقابل، فليست سوى التجلّي الأدنى للغريزة الجماعية، حين يُصبح الولاء للدم أو الطائفة أو العشيرة أعلى من الانتماء للوطن أو القانون.
في منطق الدولة، تتراجع الهويات الجزئية أمام الهوية السياسية الكبرى، التي تُبنى على المواطنة والمؤسسات والدستور. بينما في منطق العصبة، تذوب السياسة في الولاء، وتُختزَل السيادة في صراخ الغلبة وسوط النصرة.
ورغم أن منطق «الفزعة» ليس جديداً في البنية الاجتماعية السورية، إلا أن حضوره في المرحلة الانتقالية الراهنة اتخذ طابعاً بنيوياً أكثر منه طارئاً. ففي ظل افتقار السلطة الانتقالية لأدوات احتواء متوازنة للصراعات، قد يكون من المألوف لديها أن يُستدعَى الحشد الغريزي والردّ الفوري بوصفه أداةً للضبط. وهكذا، تتقدّم الفزعة لتملأ فراغ الحوكمة، فتتجاوز حدود كونها استجابة ظرفية لتغدو لاحقاً نمطاً مُكرَّساً لإنتاج السيادة.
ما رأيناه في السويداء هو طغيان منظومة الطاعة القسرية، سواء من خلال خطاب القوة أو من خلال الإذعان لهيبة الجماعة، على أي محاولة لبناء عقل عام تَشارُكي. الفزعة في جوهرها، هي نمط من إنتاج الطاعة خارج العقل، تُقصي من لا يتماهى معها، وتُجرِّمُ من يطلب التبرير أو التفسير أو الحوار.
إن السلطة حين تُنتج ذاتها من خلال استدعاء دائم للانفعال والخطر، فإنها تُعيد تعريف الشرعية من خارج القانون، وفقاً لتحليل ديدييه فاسان، عالم الأنثروبولوجيا والسوسيولوجيا الفرنسي، فتُصبح «الاستجابةُ السريعة» بديلاً عن السيادة المؤسسية، ويُعاد بناء الحضور السلطوي على أساس الحدث.
وهكذا، يُمكن أن تتحول الفزعة تدريجياً إلى بنية حُكْم موازية، تُدير منطق القوة عبر حس الطوارئ، وتُعيد تنظيم العلاقة بين المجتمع والدولة على قاعدة الخوف. وهذا هو التحوّل الأخطر؛ حين تغدو الدولة غير قادرة على تنظيم العنف، فتتركه يتنظّم بنفسه، باسم الضرورة.
يرى رينيه جيرار أن المجتمعات البشرية في لحظات التأسيس غالباً ما تخلق لحظة عنفٍ أصلي، يجري فيها توحيد الجماعة حول «ضحية قربانية»، يُلقَى عليها كل التهديد والتناقض. وهذا ما يحدث تماماً حين تُستدعَى الفزعة ضد فئة بعينها. يلتفّ المحيط العشائري حول فكرة الردّ، ويتحوّل العنف إلى ما يشبه الطقس الجماعي، الذي لا يؤسس لعدالة، وإنما لشرعية جديدة تستند إلى الدم والثأر لا إلى الدستور والقانون.
الدولة، في المفهوم السياسي الحديث، تحتكر السلاح ليس بوصفه أداة قمع، بل باعتباره تجسيداً لعقد اجتماعي يُنظِّم استخدام العنف، ويُخضِعه لمنظومة قانونية–مؤسسية عادلة. لكن في الحالة السورية الراهنة، ما نراه هو العكس تماماً. السلطة الانتقالية تُفرِّغُ العنف ولا تُديره، لتحلّ الفزعةُ محل الدولة وتحلَّ العصبةُ مكانَ المؤسسات.
إن ما حدث في السويداء كان تجلياً صريحاً لمنطق سياسي قائم على تعبئة جماهيرية مبنية على الهويّة والانفعال. هذه الفزعة التي عبرت البلاد من أقصاها إلى أقصاها لم تُعترَض، ولم تُساءَل، وكأنها تحظى بتفويض غير مكتوب، يقضي بأن السلطة يمكنها أن تُفوِّض الأمن لغيرها، متى شاءت، ولمن شاءت. وهذا التفويض، بحدّ ذاته، يُعد إعلاناً عن عجزها عن أداء وظائف الدولة، ويُرسّخ تصوراً خطيراً؛ أن من يمتلك السلاح يمتلك القرار، وأن من يجتمع تحت راية العصبية أكثرُ شرعية ممّن يطالب بدولة عادلة.
السؤال الأهم هنا، كيف يمكن لمنظومة قائمة على التنادي الجماعي أن تُنتج دولة قانون في سوريا، وكيف يمكن لمنطق الفزعة أن يحكم بشرعية التسوية السياسية أو العقد الاجتماعي.
الدولة حين تُدار بالخوف
الدولة في جوهرها سلطةٌ ودور؛ فإن ضمرت أدوارها سَهُلت إزاحتها، وإن اكتفت بالسطوة دون الوظيفة تسربت شرعيتها من بين يديها، وتحوّلت إلى عبء أكثر من كونها ضرورة.
في الأساس، الدولة لا تُقاس فقط بامتلاك السلطة، بل بقدرتها على صياغة أدوار واضحة تعطيها شرعيةً ومعنى. وعندما تبدّد هذه الأدوار، يصبح من السهل الاستغناء عنها وترك الأمور تتقوّض لصالح العصبيات.
إذا راجعنا مفهوم العصبية الجديدة كما طوّره إرنست غلنر، نُدرك أن السلطة الانتقالية تواجه أزمة شرعية وكذلك أزمة بنيوية، فهي تُعيد إنتاج الولاءات العضوية باعتبارها أدوات ضبط. في هذه الحالة، تصبح السلطة بمثابة مُوازِن مؤقت بين العصبيات، وليس طرفاً مُؤسِّساً لعقد وطني.
وهذا ما حذّرَ منه أيضاً شارلز تيلي، حين اعتبر أن بناء الدولة الحديثة مرّ عبر تحييد العصبيات المسلحة، وليس عبر توظيفها. الدولة التي تعتمد على ميليشيات أو فزعات مؤقتة سرعان ما تفقد قدرتها على التحكّم في دوائر العنف التي تطلقها، وتتحوّل إلى ما يشبه «الشركة الأمنية المؤقتة»، بلا عُمق مؤسسي ولا مشروعية قانونية.
لعلّ أخطر ما في منطق الفزعة، أنه يعتمد على غياب البديل لتبرير استمراره. «نحن أو الفوضى»، عبارة يمكن أن تتكرر بصيغ مختلفة، وقد سمعناها في سوريا في مراحل مختلفة؛ لكنها بالعموم تفضح البنية العميقة للسلطة، فيكون حكماً قائماً على صناعة الفراغ، ثم تقديم العصبة كحلٍّ وحيد لهذا الفراغ، بوصفها الضامن الحصري للاستقرار الظاهري. لكن هذه المعادلة لا تلد سوى مزيد من الارتهان، إذ يُعاد إنتاج الخوف ليُعاد إنتاج الطاعة، وتُختزل الدولة في جماعة نجاة طارئة. وهكذا تُغتال فكرة الدولة من داخل بنيتها، حين تصبح القوة المجرّدة عن القانون هي المرجعية الوحيدة الممكنة.
ما يُثير القلق في هذا النموذج أنه لم يعد مقتصراً على حدث معيّن أو منطقة محددة. لقد رأينا هذا المنطق نفسه سابقاً في الساحل السوري، حين خرجت جماعاتُ «نصرة»، وارتكبت جرائم ضد المدنيين دون أن تُحاسب أو تُدان حتى الآن، بل جرى تبرير فعلها بحجة ملاحقة «فلول» النظام السابق أو أن من قام بها فصائل غير منضبطة.
ما يجري، إذاً، ليس سوى تعويماً للعصبة بوصفها بديلاً عن المؤسسات. وهذا التعويم يأتي من السلطة نفسها، التي اختارت أن تنزع عنها عباءة الدولة، وتلبس رداء الجماعة كلما ضاقت بها الخيارات.
إن ما نشهده في سوريا اليوم، تحت مظلة السلطة الانتقالية القائمة، ليس سوى إعادة إنتاج للعنف في صورة «نجدة جماعية» تُجمِّلُ نفسها بخطاب الضرورة، وتدّعي أنها استجابة للحظة انهيار شامل. لكن الحقيقة المُرَّة أن هذه الفزعة المستدامة تُقصي المؤسسات، وتُحوّل الطوارئ إلى قاعدة، واللاشرعية إلى عُرف سياسي. إنها تُعيد تعريفها كجماعة ناجية من السقوط، تقف على أنقاض المجتمع، وتفرض ذاتها باعتبارها شرط النجاة الوحيد.
في سوريا اليوم، نعيش صراعَ منطقين؛ منطق الدولة كمشروع عقلاني للمُواطَنة والحُكْم، ومنطق العُصبة كاستعادة دامية لذاكرة الغزو والردّ. السلطة الانتقالية، حين تتبنّى الفزعة أو تتواطأ مع أدواتها، فإنها ترتدّ عن الدولة كفكرة، وتفتح الباب لحُكْم الجماعة.
موقع الجمهورية
——————————–
مأزق إستراتيجي: تدخل إسرائيل في محافظة السويداء السورية/ شفيق شقير
التدخل الإسرائيلي العسكري في سوريا، على خلفية أحداث السويداء، يشير إلى أن إسرائيل لم تتخلَّ عن إستراتيجية إضعاف سوريا التي كانت قد اعتمدتها ضد النظام السابق، وهي مستمرة فيها وإن بوسائل وادعاءات مختلفة.
21 يوليو 2025
مقدمة
اندلعت مواجهات في 13 يوليو/تموز 2025، بين الدروز والبدو في محافظة السويداء، إثر اعتداء مسلحين يُعتقد أنهم من البدو على شاحنة خضار على طريق دمشق السويداء، فتوسعت إلى اشتباكات دامية بلغت ذروتها بتدخل عسكري إسرائيلي استهدف دمشق نفسها، تحت عنوان حماية الدروز، ودفع الجيش السوري للخروج من محافظة السويداء. يأتي التصعيد الإسرائيلي رغم جنوح النظام الجديد في سوريا إلى عدم المواجهة مع إسرائيل، ورغم وقوف واشنطن المعلن مع سوريا الجديدة، بعد أن رفعت عنها العقوبات، وسعت لدمجها في “اتفاقات السلام” في المنطقة.
أفضى الحراك السياسي الإقليمي والدولي بخصوص مواجهات السويداء إلى اتفاق حظي بدعم الأردن وواشنطن، يتضمن تثبيت وقف إطلاق النار، ونشر قوات الأمن السورية في محافظة السويداء، وإطلاق سراح المحتجزين لدى كل الأطراف ضمن جهود المصالحة في المحافظة، وإدخال المساعدات الإنسانية. لكنه يبقى اتفاقًا هشًّا، مع تدخل إسرائيل في الشأن الداخلي السوري، واحتفاظها بما تدعيه من حق في نصرة دروز سوريا.
يركز هذا التعليق على فهم السياق الذي يمكن وفقه فهم التصعيد الإسرائيلي، والاتجاه الذي ينحو إليه.
سياقات
لا يمكن تأكيد تراجع التصعيد أو عدم تكراره بين البدو والدروز في محافظة السويداء، لأن أصل النزاع ليس مع الدولة السورية، بل منشؤه خلافات تاريخية تتجدد من حين إلى آخر بين عشائر البدو والدروز. ويحتاج دائمًا إلى تدخل ورعاية الدولة السورية لتحول دون تفاقمه، بوصفها الحاضنة لكل فئات الشعب السوري، بغضِّ النظر عن أي موقف من أي مكون سوري من الحكم الجديد.
من جهة، لا يمكن تجاهل أن هناك من التفت من دروز السويداء إلى إسرائيل بوصفها الراعي الممكن، وقد تشكل بديلًا عن سلطة الحكم الحالي، ما ينقل الأزمة إلى مستوى أكثر تعقيدًا بدل حلها ويؤسس لانعدام الثقة بين فئات من دروز السويداء وباقي المكونات الوطنية. ومن جهة أخرى، يغذي هذا النزاع التوتر المحلي بين الدروز وجيرانهم، وقد يتجاوز سوريا إلى بقية أماكن انتشارهم في العالم العربي.
أما التصعيد الإسرائيلي العسكري ضد دمشق فيمكن إدراجه في سياقين اثنين.
الأول: وهو أكثر ارتباطًا بسياق الأحداث، تعلَّلت إسرائيل فيه بأنها تتعرض لضغوط من المجتمع الدرزي المحلي، وأرسلت ما يفيد بهذا الخصوص إلى مسؤولين سوريين. فجاء تدخلها العسكري تحت ذريعة حماية الدروز في سوريا، لأنهم يشكلون امتدادًا اجتماعيًّا ودينيًّا لـ”أقلية روحية” في إسرائيل، وهذه الأقلية جزء من مكونات السلطة السياسية، وكذلك من الجيش الإسرائيلي الذي يخوض حربًا في غزة والضفة وعلى الحدود مع لبنان. وكان اشتداد الحرب على حزب الله في لبنان بذريعة “استهداف” الحزب، في 27 يوليو/تموز 2024، لقرية مجدل شمس “الدرزية” ووقوع مجزرة هناك. وقد رفض حزب الله يومها هذه الاتهامات ووصفها بالادعاءات الكاذبة.
من الواضح أن إسرائيل تريد الحفاظ على استمرار موقف التيار الرئيسي الدرزي إلى جانبها، لاسيما في حربها الراهنة. وهذا التيار يمثله موفق طريف، “الرئيس الروحي للطائفة الدرزية في إسرائيل”، الذي يرى أن “ما حدث في 7 أكتوبر يحدث الآن في السويداء”، وطالب إسرائيل بالتدخل في سوريا. يمثل هذا النهج استمرارًا وتعزيزًا لما عُرف تاريخيًّا بـ”تحالف الدم”، ويقوم على مشاركة الدروز الواسعة في الجيش الإسرائيلي مقابل تعزيز دورهم كأقلية في إسرائيل. ولا تخلو تداعياته من طابع إستراتيجي يتعلق بطموحات إسرائيل التوسعية. فهو يمكِّن إسرائيل من الادعاء بأنها تملك حق التدخل في دول عربية من أجل حماية الدروز. ويعطيها مبررًا للتوسع في المناطق الحدودية مع سوريا ولبنان حيث يشكِّل الدروز، خاصة في جبل الشيخ ومحيطه، مكونًا مهمًّا. وقد أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ذلك بالقول: إن تدخل إسرائيل في السويداء أسس لمنطقة “منزوعة السلاح” تمتد من الجولان إلى “جبل الدروز”. وهو هدف كانت تسعى إليه إسرائيل منذ سقوط نظام الرئيس بشار الأسد، وسعت لتوسعة المنطقة العازلة في جنوب سوريا، وتأسيس منطقة منزوعة السلاح.
الثاني: له طابع إستراتيجي إسرائيلي أكبر تجاه سوريا، وهو سابق على الحكم السوري الحالي. فقد كانت إستراتيجية “الحملة بين الحروب” العسكرية الإسرائيلية، إبان الثورة السورية (2011-2024)، تركز على استهداف الجماعات المسلحة المؤيدة لإيران، وتسعى إلى إضعاف سوريا بشكل مستمر ومطَّرد، بالتوازي مع جهد سياسي لإدامة ضعف سوريا وانقسامها ومحاصرتها ومنعها من التعافي. كما حرصت حينها أيضًا على إضعاف المعارضة السورية، وفضَّلت بقاء نظام الرئيس الأسد ضعيفًا ومعزولًا بدل قيام أي حكم بديل.
وقد أسفرت تطورات المنطقة بعد “عملية طوفان الأقصى” والحرب الإسرائيلية على لبنان، عن حكم جديد في دمشق أبدت إسرائيل قبولها به، لأن من مصلحتها استقرار حكم معادٍ لمحور إيران أو مستقلٍ عنه. وكان من المفترض أن تتخلى عن إستراتيجية إضعاف سوريا وتمضي لعقد اتفاق مع النظام الجديد، بغضِّ النظر عن طبيعته ومستواه، سواء أكانت ترتيبات أمنية بناء على هدنة 1974، أم كان أكثر من ذلك. لكن بقيت لدى إسرائيل هواجس تجاه الرئيس السوري أحمد الشرع بسبب خلفيته الإسلامية، ومن تداعيات ذلك، أنها مع سقوط نظام الرئيس بشار الأسد، وجَّهت ضربة واسعة لسوريا استهدفت مخازن الأسلحة والعتاد العسكري والقواعد العسكرية التي خلَّفها النظام السابق، كي لا تقع بيد الحكم الجديد. كما وسَّعت من مجال المنطقة العازلة الحدودية مع سوريا، بما في ذلك السيطرة على قمة جبل الشيخ.
وبالنظر إلى ما جرى في السويداء من تدخل إسرائيلي عسكري، وعلى مستوى عال من الحدة، استهدف وزارة الدفاع ومحيط القصر الجمهوري، لا يمكن التأكد من أن إسرائيل تخلَّت عن إستراتيجية إضعاف سوريا بالفعل. ربما لا تزال تلتزم بها كما شأنها مع النظام السابق وإن بوسائل وادعاءات مختلفة، أي إنها لا تزال تعمل على إضعاف النظام الجديد أيضًا وقد تفضِّل إسقاطه واستبداله.
لا شك أن المضي بهذه الإستراتيجية هو تخلٍّ عن مكاسب لإسرائيل بحكم الواقع، ويتناقض مع السعي الأميركي والعربي لاستقطاب سوريا إلى “محور الاعتدال” وإشراكها مع إسرائيل في ترتيبات أمنية على الأقل، فضلًا عن “عملية سلام” محتملة. وتتناقض أيضًا مع سياسة “قطع الطريق” على نفوذ إيران ومحورها في المنطقة، لاسيما أن سوريا الأسد كانت تشكِّل الحلقة الرئيسية فيه، وهي التي سمحت لحزب الله، كما يؤكد، بمراكمة ترسانته من الأسلحة الثقيلة، وربطت طهران ببيروت.
تبدو إسرائيل كأنها تطلب الشيء ونقيضه، ولا يمكن الجزم بموقفها على المدى البعيد والنهائي: ما إذا كانت ستقبل بالحكم الجديد في سوريا أم أنها ستحاربه. وقطعًا تبدو الحكومة الإسرائيلية الحالية غير جاهزة لاتخاذ قرار بهذا الصدد.
على صعيد إقليمي أوسع، لا يخلو الموقف الإسرائيلي من استهداف لتركيا، لاسيما أنها الراعي الأساسي للحكم الجديد في دمشق، وقد حالت إسرائيل سابقًا دون أن يكون لتركيا قواعد عسكرية أساسية في سوريا. لذلك، لن تكتفي إسرائيل بإضعاف إيران في الإقليم، بل ستسعى لإضعاف تركيا أيضًا وستعمل ضد سياسات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على وجه التحديد في المنطقة، لأنها تعده خصمًا لها. وقد أعلن هو مرارًا رفضه لسياسات إسرائيل وحكومتها المتطرفة. يمكن فهم ذلك باعتباره جزءًا من سياق الحرب على غزة، لأن إسرائيل تسعى لاستعادة قوة الردع على مستوى الإقليم بعدما تصدعت داخليًّا جرَّاء عملية “طوفان الأقصى”. وعلى الأغلب يستمر نتنياهو في المرواحة بين الجبهات لتصدير أزماته للخارج، لأن الخروج من حالة الحرب دون أن يحقق إنجازات كبيرة أو أن يحظى بضمانات تحول دون إسقاط حكومته، سيعرِّضه للمساءلة والمحاكمة، وستنهي مسيرته الشخصية والسياسية معًا.
اتجاهات
هناك ثلاثة مفاتيح تسهم في تحديد وجهة التطورات الحالية في السويداء وفي عموم سوريا.
أولًا: لا شك أن العامل الإسرائيلي في مقدمة العوامل المؤثرة سلبيًّا في سوريا. كلما انحسر تدخل إسرائيل في سوريا فإن أملها في التعافي سيتحسن، وكلما زاد تدخلها فيها فإن انفجار الأوضاع وفرص انقسام سوريا أرضًا وشعبًا يتعزز. وما دامت الحرب في غزة مستمرة، وعودتها إلى لبنان محتملة، فإن تداعيات ذلك على سوريا مستمرة. ويمكن الاستنتاج بسهولة أن الحكم الجديد في سوريا لا يعتبر الحكومة الإسرائيلية الحالية مؤهلة لأي اتفاق جدي لأنها حكومة حرب، ولن تلتزم بأي اتفاق معه.
ثانيًا: اتجاه علاقة سوريا مع الولايات المتحدة الأميركية، فهي تنعكس على سوريا سلبيًّا وإيجابيًّا، سواء على موقع سوريا الإقليمي أو دورها في عملية السلام أو الترتيبات الأمنية مع إسرائيل. يحرص الرئيس الأميركي دونالد ترامب على مراكمة إنجازاته، وتعد سوريا الجديدة من أهمها، فقد عادت للتقارب مع الخليج العربي، وهي لا تمانع الانخراط في عملية سلام عربية.
ثالثًا: سياسات الحكومة السورية، سواء على صعيد إداراتها أو في علاقتها بمواطنيها بمختلف انتماءاتهم الطائفية والسياسية. فقد أعطت الحكومة السورية الأولوية لرفع العقوبات وتأمين العلاقة مع الجوار، وحظيت بمساعدة متفاوتة من تركيا ودول الخليج بوجه خاص وتجاوبت معها واشنطن. فمصلحة هؤلاء جميعًا تقتضي وحدة سوريا واستقرارها. لكن على الصعيد الداخلي، يواجه الحكم الجديد تحديات صعبة، أهمها ما يسمى “ملف الأقليات” وبسط سلطة الدولة على كامل الأراضي السورية، وإعادة توحيد أجهزة الدولة العسكرية والأمنية وضبطها. فضلًا عن ذلك، أسهم تأخر تعافي سوريا اقتصاديًّا، مع وجود شكوك لدى فئات من الشعب السوري وبعض الدول بشأن خلفية الحكم الجديد ونواياه، في عدم تحقيق إنجاز كبير على هذا الصعيد. وهذه الشكوك تبرز كلما واجهت دمشق صعوبات أو ضعفت أمام استحقاق، فقد واجه الحكم الجديد مثلًا عند بسط سلطته على دمشق أسئلة حول تطبيقه للشريعة وإبعاده للمتطرفين والمقاتلين الأجانب.
رابعًا: الموقف العربي والتركي، وقد صدر على هذا الصعيد بيان مشترك عن دول الخليج، إضافة إلى مصر ولبنان وتركيا، أكدت فيه رفضها كل التدخلات الخارجية في سوريا. ولا شك أن تعاضد مواقف هذه الدول إضافة إلى الأردن، المحاذي للجنوب السوري، سيعزز من مناعة سوريا وقوتها؛ لأن هذه الدول تتشارك النفوذ والتأثير في سوريا بمستويات متفاوتة. مع العلم بأن الأردن أدى دورًا أساسيًّا في التوصل لوقف إطلاق النار في السويداء.
خاتمة
يمكن لأحداث السويداء أن تُفهم في سياق الأحداث الطائفية المؤسفة في منطقة المشرق، خاصة عند غياب الدولة أو ضعفها مع تغول الجماعات الطائفية وترسخ خطابها. وبالنظر إلى السياق الحالي، فإن سوريا والدول العربية المعنية تملك القدرة على التعامل معها وتجاوزها، خاصة إذا كان هناك إجماع عربي على حلها، كما تبدو عليه الحال في الأزمة الراهنة. إلا أن التدخل الإسرائيلي من شأنه أن يخرجها عن إطارها الطائفي المحلي ليربطها بترتيبات المنطقة ونظامها الإقليمي. وقد يفتح هذا التدخل على المدى المتوسط على تدخلات أكبر للمسِّ بالحدود، خاصة في سوريا ولبنان، بهدف توسيع نفوذ إسرائيل المباشر في منطقة المشرق العربي.
هذا لا ينفي أن إسرائيل تواجه معضلة بهذا الخصوص، لأن تغيير المعادلة في سوريا سينعكس تغييرًا في معادلة المنطقة برمتها. وقد يزيد ذلك من الإضرار بإسرائيل بدلًا من زيادة مكاسبها. إن انسحاب الجيش السوري من السويداء قد يكون ألحق ضررًا كبيرًا بسمعة الحكم الجديد، وقد يؤثر على إدارته السياسية والأمنية في دمشق، وسينعكس على محاولات توحيد سوريا ومن أهمها المفاوضات مع “قسد”. لكن إضعاف النظام الجديد بقدر ما يؤثر على استقرار سوريا فإنه يؤثر على استقرار المنطقة، سواء على المدى القصير أو المتوسط والبعيد. فعدم الاستقرار سيضعف قدرة النظام على ضبط الحدود وقد تصبح سوريا فريسة للفوضى، وفي كلتا الحالتين ستزيد احتمالات عودة الفاعلين الإقليميين إلى سوريا، ومنهم إيران والجماعات المسلحة، وهو الأمر الذي تحذره إسرائيل.
إن كانت إسرائيل تريد المضي في إستراتيجية إضعاف سوريا وبنفس الوقت تريد من السلطة السورية الإمساك بحدودها، فإنها تطلب أمرًا بعيد المنال إلا إذا كانت ستمضي بحروبها إلى النهاية لإخضاع عموم الإقليم وكل الفاعلين فيه.
نبذة عن الكاتب
شفيق شقير
باحث في مركز الجزيرة للدراسات، متخصص في شؤون المشرق العربي، والحركات الإسلامية. حاصل على درجة الدكتوراه في الدراسات الإسلامية (فرع القانون والفقه وأصوله). تغطي اهتماماته البحثية الأزمات الداخلية في المشرق العربي والنزاع العربي-الإسرائيلي، وكذلك التيارات الإسلامية السُّنِّية والشيعية، والجماعات الجهادية، ومقولاتها الفكرية والفقهية وتوجهاتها السياسية. له مشاركات وبحوث عدة، منها: حزب الله: روايته للحرب السورية والمسألة المذهبية، “علماء” التيار الجهادي: الخطاب والدور والمستقبل، الجذور الأيديولوجية لتنظيم الدولة الإسلامية، الحراك اللبناني: السياق العربي وتحديات نسخة الطائف الثالثة.
مركز الجزيرة للدراسات
————————————-
السويداء بين التدخل العسكري والفراغ الأمني: تموضع وانتكاس
المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة
نشر في 20 تموز/يوليو ,2025
مقدمة
شكّلت محافظة السويداء مساحةً استثنائيةً في الخريطة السورية منذ عام 2011، إذ حافظت مدّة طويلة على نوعٍ من الحياد بين النظام والمعارضة، إلا أنها بعد سقوط نظام الأسد، في كانون الأول/ ديسمبر 2024، أخذت تدخل تدريجيًا في مرحلة جديدة من التفاعلات الأمنية والعسكرية، أدت إلى صدامات داخلية، وتدخلات إقليمية، واصطفافات معقّدة. وقد كشفت الاشتباكات التي بدأت فيها، في منتصف تموز/ يوليو 2025، حجمَ الهشاشة البنيوية التي يعانيها الجنوب السوري، حيث أظهرت أنّ الصراع تجاوز مسألة إعادة بناء الدولة وعودة مؤسساتها إلى المحافظة، وبات يدور حول إعادة ضبط التوازن بين المكونات المحلية، والفصائل المسلّحة، والسلطة الانتقالية في دمشق.
تسعى هذه الورقة إلى تفكيك مشهد الاشتباك في السويداء، وكشف دواعيه وأطرافه ونتائجه، وذلك من خلال تحليل مراحله الميدانية، وبنية الفصائل الفاعلة، وتقييم أدوار القوى الإقليمية والدولية، ولا سيما الولايات المتحدة وإسرائيل، لفهم حالة السويداء هل تمثل نموذجًا لحالة محلية عابرة، أم أنها باتت منصة لإعادة تعريف مفهوم السيادة والفواعل في الجنوب السوري؟
خلفية الأحداث
عادت الزعزعة الأمنية في محافظة السويداء إلى الواجهة، بعد شهرَين من التوترات التي حدثت في مدينتي جرمانا وأشرفية صحنايا، وبدأت التوترات في السويداء باشتباكات بين عشائر بدو المقوس، والمجلس العسكري في المحافظة، على إثر عمليات خطف بين الطرفَين. وكانت بداية التوتر خطف شاب على طريق السويداء-دمشق، في 11 تموز/ يوليو 2025، إذ اتهمت المجموعات المحلية في بلدة عريقة )الريف الغربي من السويداء) عشائر البدو بخطف الشاب، وردّت المجموعات المحلية باختطاف 9 من مدنيي العشائر، ثم اختطف البدو لاحقًا 4 مدنيين، وأدت هذه الحوادث إلى مواجهة مباشرة بين الطرفين، أوقعت 37 قتيلًا على الأقل. ويبيّن الشكل (1) التسلسل الزمني لحوادث الخطف.
الشكل (1)
على خلفية هذه الحوادث، تدخّلت القوات الحكومية التابعة لوزراتي الدفاع والداخلية، في 15 تموز/ يوليو 2025، ولكن المواجهات في المحافظة تحوّلت إلى مواجهةٍ بين القوات الحكومية، وميليشيات مسلّحة مقربة من الشيخ حكمت الهجري[1] وفصائل محلية رفضت التدخل العسكري الحكومي في المحافظة، مثل “رجال الكرامة”. وسُجلت انتهاكات عديدة من مختلف الأطراف، وفي خضمّ هذه التطورات، ظهرت أخبار تتحدث عن عبور مئات الدروز من مرتفعات الجولان إلى السويداء نصرة لأهلها، فازداد الوضع في المحافظة تعقيدًا.
وعلى الرغم من التقدّم الذي حققته القوات الحكومية على الصعيد العسكري، عبر فرض سيطرتها على المحافظة بشكل تدريجي، فإنها انسحبت من المدينة، بعد ضغوط دولية تزامنت مع تصعيد إسرائيلي ضدّ قوات الحكومة تمثل بقصف محاور السويداء، واستهداف مبنى قيادة الأركان في دمشق بـ 4 غارات. وبدأت عمليات الانسحاب في 17 تموز/ يوليو، عبر تفكيك الحواجز الأمنية، وإعادة انتشار محدود على أطراف الريف الشرقي، مع إبقاء بعض الوحدات في مواقع مراقبة متقدمة، ونُقلت المهام الأمنية رسميًا إلى الشرطة المدنية، في ما بدا استجابة لتفاهمات مرحلية، تهدف إلى تخفيف التوتر الميداني واستيعاب مطالب محلية وإقليمية، إلا أن هذا الانسحاب أوجد فراغًا أمنيًا في المحافظة، استغلته ميليشيات محلية مرتبطة بالشيخ حكمت الهجري، لبسط سيطرتها على عددٍ من المناطق، وتنفيذ عمليات استهداف لمدنيين من أبناء عشائر البدو عبر مداهمة مناطقهم واعتقال أعداد منهم. وكردة فعل على تلك الانتهاكات، بدأت مجموعات عشائرية بتنظيم تحركات مسلّحة، انطلاقًا من الريف الغربي لمحافظة السويداء، ما أسفر عن دخول المواجهات المسلّحة مرحلة جديدة، وهي تحشيد عشائري إضافي من خارج السويداء باتجاه المدينة لمواجهة المجموعات المسلحة في المدينة.
وفي اليوم التالي 18 تموز/ يوليو، توسّعت دائرة المواجهة عبر انخراط فصائل عشائرية، وقدوم فزعات عشائرية من كل المحافظات السورية، في مواجهات مباشرة ضد تشكيلات مرتبطة بالمجلس العسكري المحلي وميليشيات تابعة للشيخ حكمت الهجري، وامتدت الاشتباكات إلى أرياف السويداء الشمالية الشرقية والشمالية الغربية والغربية، وسُجّلت خلالها خسائر بشرية ومادية متبادلة، في ظل غياب كامل للقوات الحكومية عن الاشتباكات. وتميزت المعارك بطابع متحرك دون قدرة أي طرف على تثبيت خطوط تماس واضحة، مما عكس هشاشة المشهد الأمني.
في السياق نفسه، شكّلت السيطرة العشائرية على بلدة الصور الكبيرة (الريف الشمالي للسويداء) تطورًا لافتًا في ميزان القوى المحلي، نظرًا لموقع البلدة الاستراتيجي كممر لعددٍ من القرى ذات الأهمية اللوجستية، واندلعت مواجهات عنيفة في بلدة (تعار)، التي تمثل عقدة جغرافية تربط بين محاور متعددة في الريف، ما منحها أهمية ميدانية مضاعفة ضمن النزاع الجاري.
الجيش السوري الجديد في السويداء
شكّلت قوات الجيش السوري الجديد التي تضمّ مقاتلين من فصائل سابقة ومجموعات محلية جرى دمجها، العمودَ الفقري للتدخل العسكري في السويداء، وشاركت في العمليات وحدات عسكرية متخصصة انتشرت في مناطق الاشتباك بهدف فرض وقف الاقتتال، وشملت هذه الوحدات عناصر من المشاة المدرّعة المزودة بدبابات وآليات ثقيلة. ومن خلال تتبّع التطورات الميدانية (كما تبيّن الخريطة رقم 1)، يتبين أن وحدات مدرّعة تقدّمت من ريف درعا باتجاه قرى غرب السويداء وصولًا إلى أطراف المدينة، حيث سيطرت القوات على قرية المزرعة وعدة قرى محيطة، وفرضت طوقًا محكمًا على مشارف المدينة من جميع الجهات، تخلل هذا التقدّم نصب حواجز وإغلاق مداخل القرى، لمنع تسلل عناصر مسلحة من الخارج بذريعة حماية المدنيين.
خريطة رقم (1)
ويُرجَّح أن مقاتلي “اللواء الثامن” السابق المنحدرين من درعا، الذين دُمجوا مؤخرًا ضمن قوات الجيش، كانوا جزءًا من القوة المهاجمة في ريف السويداء الغربي، بفضل معرفتهم الجغرافية وخبرتهم القتالية في الجنوب. وفي سياق العملية، برزت مشاركة تشكيلات عدة من الجيش السوري الجديد، يبيّن الجدول الآتي أبرزها:
في سياق العمليات، برز اسم مجموعة فرحان المرسومي[2]، ضمن المشهد العسكري في السويداء، كأحد الفاعلين غير النظاميين المرتبطين بتحركات وحدات موالية للحكومة السورية الانتقالية، إذ ارتبط حضوره في محافظة السويداء بظهوره العلني في تسجيلات مصوّرة إلى جانب مجموعة مسلّحة غير رسمية، قدّمت نفسها بوصفها تابعة له وأعلنت ولاءها لفرحان المرسومي[3]، وتعكس هذه المشاركة تحديات مرتبطة بحدود الشرعية والضبط المؤسسي داخل التشكيلات العسكرية، وتطرح إشكاليات حول أثر العناصر غير النظامية في ديناميات الأمن المحلي وتوازنات القوة في محافظة السويداء.
المجموعات المسلحة في السويداء: التحالفات والخلافات
خلال سنوات الثورة، تباينت ظروف تأسيس الفصائل والميليشيات المسلحة في السويداء وتعددت أهدافها، واستمر ذلك حتى بعد سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ ديسمبر 2024، إذ تبلورت التحالفات العسكرية ومطالب المجموعات المسلحة بعد سقوط نظام الأسد[4]، ومع التوترات الأمنية الأخيرة، تشكلت تحالفات ضمن المعارك، كان أبرزها مشاركة “رجال الكرامة” في الاشتباكات، ولكن في مواجهة العشائر والقوات الحكومية التي كانت تحاول الدخول للمدينة[5]، على الرغم من أن التحالف الذي أنشأته حركة “رجال الكرامة” مع “شيوخ الكرامة” و”أحرار الجبل” كان مؤيدًا للاتفاق مع الحكومة، الذي نص على تفعيل دور الضابطة العدلية والمؤسسات الشرطية من أبناء المحافظة.
وشاركت تلك الفصائل المحلية في الاشتباكات الدائرة، معترضة على الحملة الأمنية للقوات الحكومية، مما أحدث تغيرًا في خارطة التحالفات في المدينة، ومع أن مطالب تحالف حركة “رجال الكرامة” أظهرت تباينًا مع مطالب المجلس العسكري، فقد كان هناك توحّد في مطالبهم التي نصت على وجوب انسحاب القوات الحكومية من المدينة، وتصديهم لقوات العشائر، وهذا يُفضي إلى تراجع العلاقة بين الحكومة السورية وحلفائها السابقين، إذ أصبح احتمال الاعتماد على فصائل محلية كنواةٍ يمكن دمجها ضمن الجيش السوري الناشئ (على غرار تجربة فصيل أحمد العودة في درعا) ضعيفًا، ومن ثم لا بدّ من وضع خطةٍ لسحب السلاح بشكل متوازٍ من كل مكونات المحافظة، مع مأسسة لقوات وزارة الداخلية ضمنها، بحسب الاتفاق الذي ينص على أن يكون أبناء المحافظة هم مكون الضابطة العدلية والمؤسسة الشرطية.
التدخل الإسرائيلي في الأحداث
مظاهر التدخل المباشر
يمثل التدخل الإسرائيلي في السويداء امتدادًا لمقاربة أمنية اسرائيلية قائمة على منع أي إعادة تموضع عسكري سوري قرب الجولان، ضمن سياسة الردع الاستباقي التي تتبناها إسرائيل منذ أعوام، وتعززت بعد أحداث السابع من أيلول/ أكتوبر 2023. فمنذ 16 تموز/ يوليو 2025، شنّت إسرائيل ضربات جوية استهدفت آليات ومواقع عسكرية سورية، امتدت من أطراف السويداء إلى ريف درعا والعاصمة دمشق، من ضمنها مبنى هيئة الأركان ومحيط قطنا، وبحسب تقارير وزارة الصحة السورية قُتل 3 مدنيين وأُصيب 34 آخرون، نتيجة الضربات على مبنى هيئة الأركان ومحيط القصر الجمهوري بدمشق[6]، وتُظهر الخريطة رقم (2) تفصيلًا للضربات الإسرائيلية التي استهدفت العاصمة دمشق وريفها، في 16 تموز/ يوليو 2025[7]، ويوضح الجدول الضربات الإسرائيلية التي استهدفت محافظتي السويداء ودرعا:
الخريطة رقم (2)
جدول يوضح الضربات الإسرائيلية التي استهدفت محافظتي السويداء ودرعا
في المقابل، غابت بشكل شبه كامل التدخلات الإسرائيلية، خلال اشتباكات 18 تموز/ يوليو، التي اندلعت بين مجموعات عشائرية وميليشيات محلية في السويداء، في ظل غياب تام لقوات الحكومة السورية الانتقالية، ويوضح هذا التباين أن دوافع إسرائيل تركّز على ضبط التحركات العسكرية النظامية قرب حدودها، فيما تُترك النزاعات المحلية لتتفاعل دون تدخل مباشر، ما يكشف الطابع الانتقائي في تدخلها، بحسب هوية الأطراف الفاعلة، وليس وفق اعتبارات إنسانية أو حماية مجتمعية.
الدوافع الإسرائيلية
يمثل التدخل الإسرائيلي الأخير في محافظة السويداء امتدادًا لنمط تفاعل تحكمه اعتبارات أمنية واستراتيجية، وإن ظهر في خطابه العلني طابع “حماية الدروز”، فبينما رُبطت الغارات بمطالب داخلية إسرائيلية صادرة عن مكونات درزية ترتبط اجتماعيًا بدروز الجولان وفلسطين، تشير القراءة التحليلية إلى أن هذا التبرير يُوظَّف كغطاء دبلوماسي لتقنين سلوك ميداني يهدف إلى ضبط إعادة التموضع العسكري الحكومي في الجنوب السوري.
في هذا السياق، يُفهَم التدخل ضمن استراتيجية إسرائيلية طويلة الأمد تسعى إلى منع نشوء أي بنى عسكرية في جنوب سورية يُحتمل أن تُهدّد أمن الحدود، فعلى الرغم من تغير طبيعة السلطة المركزية في دمشق، ما تزال تل أبيب تنظر بريبة إلى أيّ تحرك عسكري ممنهج، وإن كان من طرف الحكومة السورية الانتقالية، وتشير أنماط التصعيد السابقة، خصوصًا منذ 2018، إلى أن إسرائيل أرست معادلة ردع غير رسمية، تُحدد فيها شروط الحضور العسكري في المنطقة الجنوبية، بدعم من أطراف دولية كروسيا والولايات المتحدة، والغارات التي استهدفت مواقع في السويداء ودرعا ودمشق، ومنها منشآت حساسة كمبنى هيئة الأركان ومحيط القصر الجمهوري، لا يمكن فصلها عن هذا الإطار، فهي تؤكد استمرار العمل الاسرائيلي بسياسة الردع الاستباقي.
وإلى جانب الأبعاد الميدانية، يُحتمل أن تشكل هذه التطورات جزءًا من ديناميكيات تفاوض غير علنية بين الحكومة السورية الانتقالية وإسرائيل، حيث تبدو محافظة السويداء مسرحًا لتبادل الرسائل السياسية، وقد تزامن التصعيد العسكري مع تسريبات عن قنوات خلفية تبحث قضايا استراتيجية، كملفّ الجولان، ما يعكس توظيفًا مزدوجًا للضغط العسكري والدبلوماسي من قبل إسرائيل، مستفيدة من حاجة الحكومة الانتقالية إلى نيل اعتراف سياسي خارجي، بعد العزلة السياسية التي صنعها نظام الأسد. ومن جانب آخر، يمكن تفسير موقف دمشق الرافض لهذه الغارات، رغم تراجع دورها الميداني، كمحاولة لاستثمار الحادثة سياسيًا، سواء من خلال تسليط الضوء على المخاطر التي تواجه المكوّن الدرزي، أو عبر السعي لتحريك مواقف دولية منددة بالتدخلات الإسرائيلية، وتندرج هذه القراءة ضمن سعي دمشق لاستعادة أدوار تفاوضية عبر قنوات أممية أو إقليمية دون الوجود الفعلي على الأرض.
بهذا المعنى، لا يُعدّ التدخل الإسرائيلي مجرد استجابة لمطالب داخلية أو لحماية الأقليات، إنما يُعدّ أداة ميدانية لإعادة تثبيت التوازنات الأمنية الهشة في الجنوب السوري، ضمن مقاربة استراتيجية أوسع تُوظف الخطاب الإنساني في خدمة أهداف ردعية.
الموقف الأميركي من أحداث السويداء
كان الموقف الأميركي من الأحداث في السويداء فاعلًا ومؤثرًا، حيث برزت مواقف المبعوث الأميركي الخاص إلى سورية، توم باراك، الذي رفض وجود تشكيلات عسكرية خارجة عن سيطرة الدولة، داعيًا دمشق إلى ضبط النفس وتفادي استخدام القوّة ضد المدنيين[8]. وصرّحت الخارجية الأميركية بأنها ترفض استخدام العنف ضد المدنيين، وطالبت بالتحقيق في الانتهاكات ومحاسبة الجناة، وأشارت إلى أن السياسات الأميركية تجاه سورية لم تتغير[9]. إلا أن خطاب باراك تحوّل نحو التركيز على البعد الإنساني والدعوة إلى الحوار، وهو ما عكس وجود حالةٍ من التردد داخل الإدارة الأميركية، بين دعم بنية الدولة المركزية من جهة، وتفادي الاصطدام بالمكوّنات المحلية من جهة أخرى. ومع ذلك، تجنّب باراك توجيه انتقاد مباشر للهجمات الإسرائيلية، وأعرب عن عدم رغبة بلاده في التصعيد. وقد عُدّ ذلك على نطاق واسع قبولًا ضمنيًا باستخدام القوة، كأداة ضغط.
ولم تُظهر الإدارة الأميركية اعتراضًا قويًا أو إدانة للتدخلات الإسرائيلية، رغم استهدافها مؤسسات حكومية، بل بدت متفهمة لها، وأعلنت أنها لا تريد التصعيد بين سورية وإسرائيل. ويبدو أنها سمحت لإسرائيل باستخدام الضربات كوسيلة ضغط، معتبرة الأمر “سوء تفاهم”، كما وصفه وزير خارجيتها، ويشير السياق العام إلى أنّ اللقاءات التي جرت في باكو، بتاريخ 12 تموز/ يوليو 2025، بين مسؤولين سوريين وإسرائيليين، أدّت إلى نشوء انطباعٍ مضلّل لدى الجانب السوري[10]، إذ تم نقل رسالة إسرائيلية تؤكد ضرورة التنسيق المسبق قبل أيّ تحرك عسكري سوري نحو الجنوب، إلا أنّ الوفد السوري فسّر ذلك على أنه ضوء أخضر غير معلن للانتشار في محيط محافظة السويداء، وقد ساهمت بعض التسريبات الصحافية في ترسيخ هذا الفهم، مشيرة إلى وجود تباينات في تفسير تفاهمات غير مكتوبة حول آليات ضبط الحدود، ما خلق اعتقادًا بأنّ إسرائيل قد تتغاضى عن تحركات محدودة للجيش السوري، مقابل التزامه بعدم استهداف الفصائل الدرزية [11].
من جانب آخر، يبدو أن الولايات المتحدة، وإن تفهمت دوافع إسرائيل، تخشى من تصعيد ينفلت عن السيطرة ويُفجّر الوضع الإقليمي، ولا سيما أن الواقع الجديد بعد سقوط نظام الأسد أوجد نظامًا منفتحًا على تفاهمات أمنية، وهذا ما يدفع الإدارة الأميركية إلى دعم نموذج “الاستقرار” أي حكومة مركزية مستعدة للتعاون الأمني معها، لذلك سعت أميركا إلى التهدئة عبر دعوة كل الأطراف للحوار، وساهمت أميركا في عقد الاتفاق الذي أُعلن يوم 19 تموز/ يوليو، بين إسرائيل وسورية، لوقف إطلاق النار، ودخول قوات الأمن إلى السويداء لفض الاشتباك بين الأطراف، ودعا توم باراك “الدروز والبدو والسنّة إلى إلقاء أسلحتهم، والعمل على بناء هوية سورية جديدة”[12].
وبرز خلال الأحداث دعم أميركي واضح للرئيس الانتقالي أحمد الشرع، بوصفه الشريك القادر على ضبط الأوضاع، مع تلميحات إلى تفاهمات أمنية مستقبلية بينه وبين واشنطن، وأظهرت تصريحات وزير الخارجية ماركو روبيو، وتواصل السيناتور جو ويلسون مع قيادات درزية، أن الشرع بات يحظى بقبول أميركي، ولا سيما أنه أظهر مرونة واستجابة لنصائح عربية وأميركية بطلب الانسحاب من السويداء، ويبدو أن هذا الدعم نابع من قناعةٍ بأنه يمكن العمل معه ضمن ترتيبات إقليمية، ويبدو أن واشنطن ترى في السويداء حقل اختبار لمدى جدية الرئيس الشرع في تطبيق سياسة مختلفة أكثر تصالحًا مع منطق الشراكة الأمنية، وتريده أن يكون قادرًا على ضبط الأمن، بلا تجاوز للخطوط الحمراء الأميركية – الإسرائيلية.
ويمكن توصيف المقاربة الأميركية في الجنوب السوري بأنها شكل من أشكال “الاستقرار المنضبط”، فهي تسعى إلى تجنّب الانفجار الأمني من دون الالتزام بمسار ديمقراطي فعلي، مما يؤدي إلى ترسيخ نماذج من الحكم الانتقالي غير التشاركي، وعلى الرغم مما تُبديه السياسة الأميركية من مرونة وتوازن، فإنها تكشف عن هشاشة بنيوية ناجمة عن إدارة متناقضة للأولويات الأمنية والسياسية، ما يُنذر بعدم قدرتها على الصمود في مواجهة أزمات لاحقة.
واللافت أن واشنطن استخدمت ملف السويداء كأداة لتمرير رسائل سياسية متعددة، أولها إلى دمشق، حين طالبت بسحب القوات الحكومية من المدينة، في لحظة تصعيد إسرائيلي، بهدف تفادي أي صدام مباشر قد يهدد التفاهمات غير المعلنة مع تل أبيب، وثانيها إلى الدروز في إسرائيل، حيث تحاول الولايات المتحدة الحفاظ على ولاء الطائفة للمنظومة السياسية الإسرائيلية، ومنع أي تحركات تضامنية عابرة للحدود قد تخلخل الاستقرار الداخلي الإسرائيلي، وأرادت واشنطن من الدروز أن يكونوا “هادئين” لا مستقلين، فدعمت انسحاب الجيش السوري، بعد تحقيق مكاسب رمزية، ثم دفعت باتجاه الحوار.
في المجمل، يُظهر الموقف الأميركي تجاه أزمة السويداء بُعدًا براغماتيًا، يتمثل في السعي لحماية الاستقرار الهش دون تقديم رؤية متماسكة لمستقبل الدولة السورية، وهذا ما يجعله أقرب إلى إدارة أزمة منه إلى استراتيجية مستدامة، وتكشف أحداث السويداء عن كونها منصة لإعادة ترتيب العلاقة بين دمشق وتل أبيب، برعاية أميركية، واختبارًا لقدرة الحكومة السورية على فرض سيطرة الدولة، دون تجاوز الخطوط الإسرائيلية. وفي الوقت نفسه، تمثل ورقة ضغط تستخدمها واشنطن في مفاوضاتها مع الأطراف كافة، حيث تبقى حماية أمن إسرائيل الثابت الوحيد في هذه المعادلة، في حين تُستخدم الأقليات كأدوات مساومة، فالموقف الأميركي من أحداث السويداء يُفهم بشكل أفضل، إذا وُضع في سياق “الاستقرار- أمن إسرائيل”، وهو موقف لم يُبنَ على رؤية لسورية كدولة قابلة للتعددية والشراكة، بل كساحة لإعادة التموضع الأميركي في الشرق الأوسط دون تكلفة سياسية أو عسكرية.
وتعكس أزمة (سوء الفهم) في باكو، وما تلاها من تطورات ميدانية في السويداء، هشاشةَ قنوات التواصل غير الرسمية بين الجانبين السوري والإسرائيلي، وتُبرز الحاجة الملحّة إلى آليات تفاوضية واضحة ومضمونة، تقي من الانزلاق نحو مواجهات غير محسوبة. هذا الهدف لا يمكن تحقيقه إلا من خلال آلية مراقبة فعّالة، وضمانات إقليمية متوازنة لا تتجاهل متطلبات الاستقرار في سورية.
المواقف العربية والدولية
شهدت أحداث السويداء تفاعلًا عربيًا ودوليًا فوريًا وكثيفًا، إذ سارعت معظم الدول العربية إلى تبنّي موقف داعم لما وصفته بـ “عودة مؤسسات الدولة”، وتأييد حكومة دمشق بما يكفل وحدة سورية وسلامة أراضيها، من خلال تأييد الاتفاق الذي أنهى الاشتباكات داخل السويداء، وتأكيد ضرورة محاسبة المسؤولين عن التجاوزات، وتوفير ضمانات لعدم تكرار العنف[13].
ولم تكن هذه التصريحات مجرد تعبير عن موقف أخلاقي، بل تحمل في طياتها بعدًا سياسيًا استراتيجيًا يتمثل في إضفاء شرعية على حكومة الرئيس الشرع، التي بدأت تنال اعترافًا فعليًا كسلطة جديدة قابلة للتعامل والتنسيق، ويعكس هذا التوجه كذلك رغبة عربية في احتواء التوترات ضمن الإطار السوري الرسمي، بدلًا من الانزلاق إلى صيغ الحماية الدولية أو التقسيم، وهو ما بدا جليًا في رفض الدول العربية لأي تدخل إسرائيلي في الجنوب، دون تنسيق مع الأطراف العربية الفاعلة. ويُمكن عدّ هذا الموقف استمرارًا لنهج عربي يقوم على دعم الاستقرار والنظام العام، لكنه يشترط وجود قيادة سورية عقلانية ومرنة، لا تعيد إنتاج الوحشية الأمنية، وفي الوقت نفسه لا تسمح بتمدد الفوضى.
هذا الانخراط العربي يعكس قناعة لدى الدول العربية بأن نموذج “إدارة الأزمات” لم يعد مجديًا، وأن ترك الجنوب السوري دون مرجعية واضحة سيخلق فراغًا تملؤه قوى دولية متنافسة، وأن هناك خشية من أن تستغل إسرائيل الفوضى لتوسيع تدخلها العسكري، مما يدفع إلى تفضيل التعامل مع حكومة دمشق، ما دامت مستعدة للتهدئة، وضبط الفصائل، والتفاهم مع المحيط العربي. وهذا الحذر من الفوضى لا ينفصل عن الاعتبارات الأردنية، حيث تنظر بقلق إلى أن حدوث فوضى في السويداء قد يُعيد تفعيل شبكات التهريب، أو يفتح الباب أمام موجات لجوء جديدة، أو يعيد نشاط خلايا متطرفة على الحدود، الأمر الذي يفسر تأييد الأردن الصريح لاستعادة الجيش السوري لمواقعه، ضمن اتفاق مع القوى المحلية، وليس عبر الاجتياح.
من جانب آخر، اتخذت تركيا موقفًا واضحًا، حيث حرصت على التذكير الدائم برفضها لسياسة إسرائيل التوسعية في المنطقة، لكنها في الوقت نفسه تجنبت الخوض في تفاصيل الأزمة، واكتفت بالتأكيد على وحدة الأراضي السورية، والدعوة إلى حوار إقليمي شامل. ويعكس هذا الموقف التركي إدراكًا لتعقيدات الملف السوري، إذ ترى أنقرة أن الأحداث في السويداء قد تفتح الباب أمام مزيد من الفوضى على حدودها الجنوبية، وأن تصاعد التوتر في السويداء قد يؤثر سلبًا في توازنات الشمال السوري، ويفتح الباب أمام تداخل ملفات شرق الفرات والجنوب السوري، وهو ما تسعى تركيا لتجنبه.
أما روسيا، فقد اختارت الصمت التكتيكي، وامتنعت عن الإدلاء بأي موقف علني تجاه ما يجري في السويداء، في خطوةٍ تعكس تحوّلًا في مقاربتها لسورية وتعاملها مع الواقع الجديد، وبدا أنها لا تُمانع إعادة تموضع الحكومة في السويداء ما دام ذلك لا يُؤثر في ما تبقى من نفوذها، ولا يؤثر في تفاهماتها مع تل أبيب، ولا يدخل أطرافًا غربية إلى المعادلة من خارج التفاهم الروسي الأميركي غير المعلن، ويبدو أن موسكو تترقب نتائج المرحلة الأولى من حكم الشرع، لتُقرر مدى الانخراط معه لاحقًا، لكنها في الوقت الراهن تلتزم سياسة الحياد الإيجابي المشروط.
على الصعيد الغربي، الأوروبي خاصة، تبدو المواقف مترددة أحيانًا، حيث لا يوجد إجماع أوروبي واضح تجاه ما يجري، وإن كان هناك تخوّف من عودة النهج الأمني في معالجة أزمة السويداء، لكن التصريحات في معظمها جاءت داعمةً لحكومة الشرع، ويتخوف الأوروبيون من أن يؤدي تصاعد الأحداث في السويداء إلى موجة لجوء جديدة أو إلى عودة نشاط التنظيمات المتطرفة.
وفي هذا السياق، تُصبح أحداث السويداء مرآةً لانعكاسات التوازنات الإقليمية والدولية، ويبدو أن الأطراف كافة تتعامل مع الحدث من منطلق “إدارة المشكلة”، لا حلّها، فالعرب والأتراك يريدون تطويق الأزمة، والروس يراقبون، والأوروبيون يحلّلون، والأميركيون ينظمون تفاهمات ويتوسطون بين حكومة الشرع وإسرائيل، وتبقى إسرائيل الطرف الوحيد الذي يملك حرية الحركة العسكرية، مدفوعة بهاجس الأمن.
اتفاق وقف إطلاق النار
شكّل الاتفاق على وقف إطلاق النار الذي أعلن يوم 19 تموز/ يوليو 2025، بعد التوصل إليه بوساطة أميركي ودعم عربي كبير، نقطة تحوّل في مسار الأحداث في السويداء، ولا سيّما بعد فشل اتفاق سابق شبيه بسبب خرقه من أطراف عدة، ورفض الشيخ حكمت الهجري والموالين له للاتفاق، ويأتي بعد تصاعد الاشتباكات بشكل كبير في السويداء، ودخول العشائر العربية المعركة نُصرةً للبدو في السويداء الذين تعرضوا لمجازر على يد بعض القوى الموجودة في المحافظة، وأسفرت الاشتباكات عن سقوط عشرات القتلى والجرحى، ودفعت بالأوضاع إلى حافة الانفجار الأهلي.
وينص الاتفاق على وقف شامل لإطلاق النار، ودخول القوات التابعة لوزارة الداخلية إلى المحافظة، لفض الاشتباك بين البدو والفصائل الدرزية، ودمج المحافظة، إداريًا وأمنيًا، ضمن بنية الدولة، ودخول المساعدات الإنسانية، وتأمين خروج المختطفين والمحتجزين، وفتح ممرات إنسانية لخروج المدنيين والمحاصرين.
مع ذلك، يواجه الاتفاق جملةً من التحديات التي قد تهدد استدامته، أبرزها:
– ضعف الثقة بين قسم من المكوّن الدرزي والحكومة في دمشق.
– تعقيد البنية الفصائلية داخل السويداء.
– خرق الاتفاق من الأطراف المشاركة في الاشتباكات، أو من أطراف أخرى، مما يشعل الاشتباكات مجددًا.
– عدم التزام إسرائيل بالاتفاق وخرقه.
– موقف الشيخ حكمت الهجري المتقلّب.
– استمرار الخطاب التحريضي والطائفي من كل الأطراف، في الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي.
وعلى الرغم من إعلان وقف إطلاق النار في 19 تمّوز/ يوليو، برعاية أميركية، فإن نصوص الاتفاق لم تُحدّد بشكل واضح آليات تنفيذ بنوده، فقد تم الحديث عن دمج إداري وأمني لمحافظة السويداء من دون تحديد جدول زمني أو ضمانات واضحة[14]، ولم يتطرّق الاتفاق إلى مصير الفصائل المسلحة المحلية، ما دفع عددًا من الزعامات الدرزية، وعلى رأسهم الشيخ حكمت الهجري، إلى التشكيك بجدية الاتفاق، والتعبير عن تحفّظاتهم علنًا، أما بند إدخال المساعدات الإنسانية، فهو أيضًا غير محكَم، إذ لم تُحدّد الجهة المسؤولة عن الإشراف على عملية التوزيع، ما يفتح الباب أمام احتمالات خرق الاتفاق من أي طرف يرغب في إعادة إشعال التوتر.
خاتمة
لطالما شكلت السويداء حالة خاصة في الجغرافية السياسية السورية، وفي المرحلة الراهنة أضحت ساحة اختبار فعليّة لمدى قدرة الحكومة الانتقالية على إدارة التنوّع المجتمعي، ومدى قدرتها على إنتاج شرعية توافقية، حيث تحوّلت السويداء من مجرد ساحة محلية للصراع، إلى منصة إقليمية لتصفية الحسابات وإعادة ضبط التوازنات، وقد استخدمت إسرائيل التدخل العسكري كأداة ردع استباقي ضد إعادة التمركز السوري العسكري الحكومي، وضمن أدوات رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو لإدارة التوازنات والخلافات داخل حكومته، في حين تبنّت واشنطن سياسة “الاستقرار المنضبط”، القائمة على دعم الحكم المركزي، بشرط خضوعه لشروط الأمن الإقليمي وضمن حدود الهيمنة الإسرائيلية المتصاعدة في مرحلة ما بعد تحجيم ايران وقطع أذرعها في المنطقة، وفي المقابل، أظهرت الحكومة السورية الانتقالية في البداية قدرة نسبية على احتواء التصعيد، وإدارة الملف عبر التفاوض والتنسيق مع الفاعلين الدوليين والعرب، لكن المعطيات المتوافرة تشي بوجود عدم دقة في قراءة الواقع الإقليمي والرسائل السياسية/ الأمنية في خضم تعقيدات العلاقات الإقليمية الراهنة، إلى جانب التحديات الهيكلية العميقة المتعلقة ببناء الثقة مع المكونات المحلية في البلاد ولاسيما في محافظة السويداء.
إن اتفاق وقف إطلاق النار الذي أُبرم في 19 تموز/ يوليو، برعاية أميركية، ليس سوى محطة مؤقتة، ما لم يُتبع بخطوات سياسية جدية، تضمن الدمج الأمني والإداري للمحافظة ضمن مؤسسات الدولة، وتعزّز تمثيل المكونات المحلية في مراكز القرار، وتضع حدًا للتدخلات الخارجية، ذلك بأن استقرار السويداء لن يكون مجرد استقرار موضعي، بل سيكون اختبارًا لقدرة الدولة السورية الجديدة على ترسيخ نموذج حكم تشاركي عادل. وإن مستقبل الجنوب السوري، والسويداء تحديدًا، سيعتمد على قدرة الحكومة على الانتقال من منطق ضبط السلاح إلى منطق بناء الشرعية واستعمال أدوات الدولة بعيدًا عن امتدادات مرحلة ما قبل سقوط النظام، ومن الاستجابة للضغوط الدولية إلى تلبية المطالب المجتمعية، في معادلة لا تستقيم إلا بسيادة كاملة، وعدالة متوازنة، وتوازن داخلي منضبط يحظى باعتراف الخارج.
[1] اعتمدت الورقة مصطلح “ميليشيات” للدلالة على المجموعات المسلحة التي تؤدي إلى زعزعة الأمن، إما عبر تجارة المخدرات أو المطالب بالانفصال عن دمشق، واعتمدت مصطلح “فصائل” للدلالة على الفصائل المحلية التي لم تمتهن تجارة المخدرات أو عمليات الخطف كمصدر دخل لها.
[2] كان يتمتع بعلاقات متينة مع دوائر النفوذ السابقة المرتبطة بنظام الأسد وطهران، لا سيما مع الحرس الثوري الإيراني وبعض وحدات الفرقة الرابعة بقيادة ماهر الأسد، وتُنسب إليه أدوار سابقة في تسهيل انتشار النفوذ الإيراني في شرق البلاد،
[3] فيديو نشر في 14 تموز/ يوليو 2025، https://bit.ly/4nYDXJg
[4] يمان زباد، السويداء بعد سقوط الأسد: قراءة في تحولات القوى العسكرية والمطالب السياسية، مركز حرمون للدراسات المعاصرة، 13 آذار/ مارس 2025، شوهد في 19 تموز/يوليو 2025، الرابط: https://bit.ly/44RxsiE
[5] بيان صادر عن حركة رجال الكرامة عبر صفحتها على الفيسبوك، 13 تموز/ يوليو 2025، شوهد في 19 تموز/ يوليو 2025، الرابط: https://bit.ly/4kOqelo
[6] عدوان إسرائيلي عنيف على دمشق: ثلاثة قتلى و34 مصابًا، العربي الجديد، نشر في 16 تموز/ يوليو 2025، شوهد في 18 تموز/ يوليو 2025، https://bit.ly/3IE84FG
[7] تم اعتماد الضربات التي وثقت إما عبر الوكالات الرسمية أو عبر مصادر المركز في الجنوب السوري.
[8] مبعوث واشنطن لسوريا يدين “العنف ضد المدنيين” في السويداء، صحيفة يني شفق، 16 تموز/ يوليو 2025، شوهد في 19 تموز/ يوليو 2025، الرابط https://bit.ly/4eYG7UZ
[9] واشنطن: لا تغيير في السياسة الأميركية تجاه سوريا، موقع العربية، 17 تموز/ يوليو 2025، شوهد في 17 تموز/ يوليو 2025، الرابط: https://bit.ly/40q33ql
[10] Arab News, Syrian, Israeli officials meet in Baku: Diplomatic source in Damascus, Published on 12 July 2025, Seen on 19 July 2025, https://bit.ly/451p945
[11] Investing, Syria believed it had green light from US, Israel to deploy troops to Sweida, Published on 18 July 2025, Seen on 19 July 2025, https://bit.ly/44WyHNo
[12] تغريدة لتوم باراك المبعوث الأمريكي إلى سوريا على منصة X، بتاريخ 19 تموز/ يوليو 2025، الرابط: https://x.com/USAMBTurkiye/status/1946333767918080341
[13] سوريا.. بيان من 10 دول عربية وتركيا يعدد 6 نقاط لدعم دمشق، CNN بالعربية، 18 تموز/ يوليو 2025، شوهد في 19 تموز/ يوليو 2025، الرابط: https://bit.ly/4f4aMk6
[14] Reuters, Clashes rage in Druze region as Syria struggles to enforce ceasefire, Published on 20 July, Seen on 20 July, https://bit.ly/44Fapcb
تحميل الموضوع
مركز حرمون
——————————–
مأساة اتخاذ موقف في سوريا/ أحمد نظير أتاسي
اذا كنت مراقبا للاحداث في سوريا، في الماضي والان وفي المستقبل، وتشعر انك بحاجة لاتخاذ موقف (من قتل من ولماذا) فأنت في ورطة حقيقية. اذا لم تجعلك التفاصيل الغامضة تظهر بمظهر الجاهل، فالتعميمات ستتكفل بالباقي. واذا تغلبت على التفاصيل والتعميمات وكنت من العباقرة فالاصطفافات ستقضي على ما تبقى من عبقريتك الفذة. هذا بالاضافة الى أثر الشلال الذي يؤدي الى تفعيل مستويات مختلفة من العلاقات من المحلي وصولا الى العالمي.
السويداء: مجموعة عشائر، بعضها بدوي وبعضها قروي من بني معروف (ثقافة متشابهة من ناحية العشائرية والنزعة الحربية والاهتمامات الاقتصادية). هناك ايضا ميليشيات وفصائل متعددة تابعة لاطراف لا تعرفها ولتمويل لن تستطيع الوصول الى اصله وفصله. والجميع يتحدث باسم طائفة، والجميع يدعمه تجمع من رجال دين. هذا الوضع موجود في كل مناطق سوريا، لكن تعقيد السويداء هو القدرة على ادعاء تمثيل طوائف. المليشيات ورجال الدين وقادة القبائل يتحدثون باسم مجموعات اكبر منهم، اولا مجتمعات السويداء، وثانيا امتدادات طائفية وعشائرية وقومية خارج السويداء. بالاضافة الى ذلك هناك دولة متعثرة في دمشق تريد ان تفرض نفسها في هذه البقعة المنسية، ودولة قوية في اسرائيل ترى السويداء القاحلة نقطة استراتيحية. انها وصفة خطيرة. لكنك لا تزال مصرا على الواجب الاخلاقي في اتخاذ موقف
الحدث الاول: ايقاف سيارة شحن يزعمون ان فيها خضار. بالطبع انت لا تعرف ماذا فيها. المنطقة مليئة بالتهريب من المخدرات الى السلاح والخضار. فصيل بدوي (غير محدد) يوقف الشاحنة التابعة لفصيل معروفي (غير محدد). يتبع ذلك اشتباكات. ويتم تفعيل شبكة الفزعات والتحالفات. شبكة هائلة تتخطى حدود المحافظة، بقية فصائل الطرفين في المنطقة، رجال الدين، الحلفاء الاقليميين. لا احد يعرف عن الحدث اي شيء. ولا احد سيعطي اية تفاصيل من اجل الحفاظ على القدرة في التجييش.
التدخل الاول: اي تدخل لطرف ثالث بين طرفين سيزيد فرص الفوضى. هذه نظرية فيزيائية. حكومة دمشق التي تريد فرض سيطرتها في السويداء، وهي في هذا تريد فرض مشروع اكبر يتوقف عليه دعم الداعمين لان حكومة دمشق طرف في شبكة توازنات اقليمة اكبر منها بكثير، لكن تدفق الاموال يتوقف على اي طرف تختار. انها تعتقد ان هناك فرصة في المعمعة. لكن ما هي ادوات هذه الحكومة؟ انها حكومة هواة لا يملكون الا التجييش الطائفي وفصائل بيك آبات مع مضادات الطيران. وبكل ثقة يرسلون فصائلهم، غير المنضبطة، للتدخل واجبار احد اطراف الصراع القائم على الاستسلام لهم. كعادتهم، لا يعرفون الا ارتكاب المجازر، يرتكبون المجازر الطائفية. يعتدون على المدنيين. وخبراتهم العسكرية المفقودة تؤدي الى مقتل الكثير من الجنود الاغرار. عندها، وبما انها تزعم انها دولة، الجميع يبدأ بالاهتمام. انت عزيزي القارئ ومئات من المهتمين تريدون ايضا التدخل نصرة لقضاياكم التي لها او ليس لها علاقة مباشرة مع ما يجري في السويداء. عندها تبدأ معركة السرديات. الفصيل البدوي يصبح عندها سني، والفصيل المعروفي يصبح عندها درزي. طبعا فهذه هي اللغة التي تتحدثها الحكومة. يستفيق الناس على صور مجازر، وتبدأ الاصطفافات. اذا كنت درزيا ودمك حامي فأنت لا ترى الا الطائفة ككتلة واحدة وتريد حمايتها. واذا كنت سنيا او كنت تناصر الحكومة فانك ترى طائفة مارقة. كل انسان يرى مستوى التعميم المناسب له. بالطبع المليشيات المنخرطة في الحدث فجأة اصبحت تتكلم لغة طائفية، اصبحوا سنة ودروز وليسوا فقط مهربين واصحاب حواجز طيارة. هنا نرى فعل المعلومات الناقصة والتعميمات الخاطئة والاصطفافات.
التدخل الثاني: عندما يتفعل لاعب جديد فانه يؤدي الى تفعيل لاعبين محتملين من نفس الحجم والمقام. اذا تدخلت حكومة دمشق، ستتدخل حكومة اسرائيل. معركة التوازنات الاقليمية مستعرة في باكو ودمشق وانقرة وتل ابيب. الحكومة استخدمت الخطاب الطائفي المناسب لاهدافها، اذن ستستخدم اسرائيل الخطاب الطائفي المقابل، انها تدعم الدروز وتدعي حمايتهم. انها سلسلة عجيبة تشبه سلسلة التحالفات التي ادت الى الحرب العالمية الاولى التي اعقبت اغتيال الدوق النمساوي فرديناند في صربيا. اسرائيل تضرب قوات دمشق ومقر الاركان والقصر الرئاسي لترسل رسالة. ليست رسالة بخصوص التهريب والخضروات وانما رسالة بخصوص تحالفات دمشق التي لا ترضى عنها. الهجري يتدخل لان الدولة تدخلت على مستوى يستدعي تفعيل دوره. الهجري عنده ادواته التي تجمع تحالفه مع اسرائيل وموقعه كرئيس روحي لطائفة كاملة وكذلك داعم لمليشيات محلية. ادواته تشبه ادوات الحكومة، شوية تجييش للطائفة الدرزية، مع مطالب علمانية لا يفهم معناها، مع طلب تدخل عالمي مفهوم كتدخل اسرائيلي، الوصفة السورية. ويستفيد في الوقت نفسه محليا من خلال تصفية اعداء مليشياته في سوق التهريب. ويتفوق على منافسيه من مشايخ الدروز في تمثيل الطائفة المستهدفة. في هذه الحال النظرة الطائفية تفعلت ولا احد يرى الا خطرا وجوديا. ويتدخل المثقفون الدروز لنجدة الطائفة لكن بروح مثقفة فيتحدثون عن هجوم مغول العصر الحديث، ولا احد يفهم هل هم السنة ام فصائل الجولاني او البدو. المستويات اختلطت والتعميمات اصبحت القاعدة. ويتدخل مثقفوا السنة مدعين ان البدو سنة وان السنة تعرضوا للابادة وهم لم يدخلوا الى بيت بدوي غي حياتهم ولو كان العشاء خاروف.
النتائج غير المتوقعة: قلت ان اية لعبة بأكثر من لاعبين ستكون عرضة للفوضى. تدخل دمشق خلق مشاكل على مستويات عالية لها تأثيرات محلية. القصف الاسرائيلي اضطر قوات دمشق على الانسحاب لكن بعد ان ارتكبت مجازر طائفية. انسحاب هذه القوات اعطى دفعة من الثقة للمليشيات الدرزية (انها درزية الان) لتثبت وجودها، اولا كمليشيات تسيطر على السوق، ثانيا كقوة طائفية تدعي حماية الطائفة من حكومة دمشق، وثالثا كحليف محتمل لاسرائيل القوة الاقليمية المتدخلة. تبدأ هذه المليشيات بحملات تطهير ضد العشائر البدوية. بالطبع لا بد من قتل المدنيين مقابل المدنيين المقتولين في السويداء، وثانيا لا بد من الانتقام من عائلات المليشيات البدوية، عصفورين بحجر واحد. اطراف اخرى تراقب وخاصة حكومة دمشق فجعلت من قتل عائلات البدو مجازر طائفية بحق السنة اي الطائفة التي تدعي حمايتها. انه تكتيك قد يجعل الحكومة تحول خسارتها الفادحة الى انتصار معنوي. يقوم اعوان الدولة في كل المحافظات باخراج مسيرات “عفوية” لنصرة الحكومة والثأر للجنود المحليين الاغرار الذين ماتوا في السويداء. الناس تريد ان تذهب الى الجهاد، ضد من لا أحد يعرف، ضد الدروز ام الهجري ام اسرائيل ام الفصائل البدوية ام …. من يريد الدولة فالدولة في خطر، ومن يريد الطائفة السنية فالطائفة في خطر، ومن يريد ارضاء الدولة فهذه فرصة عظيمة. تحول الصراع الى سني درزي على مستوى الدولة وليس فقط على مستوى المحافظة.
فاذا كانت ادواتك البسيطة مجرد اتخاذ موقف او اصدار بيان (اذا كنت حزبا صغيرا تجيد لغة البيانات) فإنك في ورطة حقيقية: من هم الاوادم ومن هم الاشرار؟ اية لحظة بداية ستختار؟ وهل ستنظر الى المستوى المحلي ام الوطني السوري ام الاقليمي ام العالمي؟ وحتى على المستوى المحلي هل ستنظر الى شاحنة الخضروات ام الى الفصائل العشائرية ام الى الفصائل الطائفية ام الى المشايخ ام الى المتدخلين من مختلف المستويات؟ لكن انت لم تفهم ما يجري. لكنك تعتقد ان ١٤ سنة من الحرب الاهلية جعلتك تفهم خوافي الامور. لقد اكتشفت حقيقة الحياة وحقيقة الازمة. انها طبيعة الانسان الحقيرة، انها العشيرة الفلانية او الفصيل الفلاني، انها الطائفة، انها الدولة، انها المعارضة، انها اسرائيل، انها امريكا، انها يد القدر. انت تفهم وتتخذ موقفا وتخرج لنصرة هذا او ذاك وتزيد الطين بلة. خليك بالدم السوري، خطاب جيد، الدم السوري على السوري حرام. لا بأس، موقف وطني ويعطي رسالة جيدة ويدعم انتاج دولة تنظر الى مواطنين وليس الى طوائف. خليك في الدم السوري على السوري حرام، خليك اعقل من الجولاني واعقل من الهجري وبالتأكيد اعقل من الحاجز الطيار الذي بدأ المشكلة. انا متأكد ان احدهم سيعلق، “اصلا انت ما فهمان شي وعم تتحامل على جماعتي”.
الفيس بوك
——————————–
إدارة أزمة أم هندسة مستقبل.. ما الدور الإقليمي في ملف السويداء؟
2025.07.20
طرحت الدلالات السياسية لاتفاق وقف إطلاق النار بين سوريا وإسرائيل تساؤلات عميقة حول مدى التحوّل الذي تشهده خريطة التفاهمات في الجنوب السوري، وسط مشاركة فاعلة لأطراف إقليمية ودولية، في اتفاق غير مسبوق من حيث الأطراف والملفات التي تضمنها.
الاتفاق الذي أُعلن عنه بوساطة أميركية وبدعم أردني، خرج عن الإطار التقليدي لمجرد تهدئة ميدانية، ليمنح تل أبيب دوراً غير مباشر على طاولة تبحث في ملف سوري داخلي بامتياز، ما أثار انتقادات واسعة بشأن مدى المساس بالسيادة الوطنية السورية، والتداخل بين المسارات العسكرية والسياسية.
المباحثات الثلاثية التي جمعت وزيري خارجية سوريا والأردن بالمبعوث الأميركي الخاص لسوريا يوم أمس، ركزت على خطوات تنفيذية عاجلة، من بينها نشر قوات الأمن السورية في السويداء، والإفراج عن المحتجزين، وتقديم مساعدات إنسانية، في موازاة دعم المصالحة المجتمعية، ما يعكس سعياً لإنهاء التوتر الأمني المتصاعد في المحافظة.
بدوره، حذّر الرئيس السوري أحمد الشرع، في خطاب متلفز من محاولة بعض الشخصيات المحلية استغلال الوضع للدفع باتجاه أجندات انفصالية، مدفوعة بدعم خارجي، مؤكداً أن بعض المجموعات المسلحة تسعى لإعادة إشعال الصراع، رغم التزام الدولة بتقديم الخدمات والدعم لمحافظة السويداء منذ تحرير البلاد.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، برز الدور الأردني كلاعب محوري يسعى لتطويق الأزمة، خاصة أن السويداء تُعد امتداداً حدودياً مباشراً للمملكة، وبينما يرى مراقبون أن الاتفاق قد يشكّل مدخلاً لتحولات في قواعد الاشتباك، فإن السؤال الأبرز يبقى: من يرسم حدود المرحلة المقبلة، في ظل تداخل الملف الأمني بالسياسي، والإقليمي بالمحلي؟
“سوريا تمر بمرحلة حساسة”
قال وزير الإعلام الأردني السابق، سميح المعايطة، إن بلاده تدرك تماماً حجم الأزمة في سوريا، مشيراً إلى أن سوريا دولة تمر بمرحلة حساسة، وتحاول أن تستعيد استقرارها، وتبحث عن تنمية اقتصادية حقيقية بعد رفع العقوبات، وتسعى إلى حلول للمشكلات الداخلية التي تواجهها.
وأوضح المعايطة في لقاء مع تلفزيون سوريا، أن الأردن حرص منذ البداية على أن يبقى ما يجري في السويداء شأناً سورياً داخلياً، وأن يتم التوصل إلى توافق سوري – سوري، إلا أن تطورات الأحداث واتجاهات معروفة دفعت بالقضية نحو مسار آخر، ما أتاح للطرف الإسرائيلي الدخول على خط المعادلة، رغم أن الأصل أن تبقى داخلية سورية بحتة.
وأضاف أن إسرائيل لديها مشروع في المنطقة، وتسعى إلى تقسيم سوريا عبر استغلال نقاط الضعف الأمنية، وتطرح اتفاقات وفق شروطها الخاصة، مبيناً أن الأردن كان واعياً لهذا التوجه، وسعى مبكراً إلى تطويقه، بما يضمن عدالة الحل ويحافظ على مرجعية الدولة السورية، انسجاماً مع الموقف العربي الذي أكد مؤخراً على دعم سوريا كوطن لكل السوريين.
وأكد أن تفاصيل ما جرى في السويداء ذات طابع داخلي، لكن الأردن عمل مع الأطراف الإقليمية، وعلى رأسها الولايات المتحدة وتركيا، للمساهمة في إنجاح الاتفاق الذي تم التوصل إليه، آملاً أن يتحول هذا الاتفاق إلى واقع ملموس ومستدام على الأرض.
وشدد المعايطة على أن الأزمة في السويداء تؤثر بشكل مباشر على الأردن، نظراً لكونها محافظة حدودية، موضحاً أن أي انفلات أمني أو تدفق للمسلحين قد ينعكس على الأمن الأردني، ولذلك، فإن السعي الأردني يستند إلى هدفين أساسيين: دعم الدولة السورية واستقرارها من جهة، وحماية الأمن الأردني من جهة أخرى.
ولفت أن بلاده ستظل داعمة لأي حل يضمن تنفيذ الاتفاق، والعمل مع الأطراف الضامنة لضمان صموده واستمراره، ومنع العودة إلى حالة الاقتتال والفوضى والخطف التي كانت سائدة، داعياً إلى تعامل إيجابي وجاد من جميع الجهات المعنية لتفادي الانهيار مجدداً.
الدور الأميركي في الاتفاق
قال حازم الغبرا، المستشار السابق في وزارة الخارجية الأميركية، إن الولايات المتحدة تتابع عن كثب تطورات الوضع في سوريا، مؤكداً أن واشنطن معنية بنجاح التجربة السورية الجديدة، وبتفادي أي اضطرابات داخلية أو توتر مع دول الجوار، لا سيما في ظل التصعيد الأخير الذي باغت الجميع في جنوبي البلاد.
وأضاف الغبرا أن سرعة التصعيد الميداني، وما رافقه من تدخل إسرائيلي مباشر، استدعى العودة العاجلة إلى طاولة الحوار والدبلوماسية، مشيداً بالدور التركي والأردني في تهدئة الموقف ونزع فتيل الأزمة، لكنه لفت إلى أن هذه الجهود لا تعني نهاية المشكلة، بل تشير إلى بداية مرحلة جديدة تتطلب عملاً أكثر عمقاً.
وأشار إلى أن واشنطن بدأت بالفعل نقاشات داخلية حول مستقبل العلاقة مع سوريا، من بينها سرعة رفع العقوبات، لكنه اعتبر أن التحرر من نظام الأسد لا يكفي، إذ تبقى المعركة الأهم هي تحرير “العقل السوري” من تركة نظام الأسد، في إشارة إلى التحريض على العنف الذي ما زال منتشراً عبر منصات التواصل الاجتماعي، وما حدث مؤخراً في حي الصالحية من قمع للمعتصمين السلميين.
وانتقد الغبرا ما وصفه بالتسرع في بعض خطوات الحكومة السورية الجديدة، مشيراً إلى أن مؤتمر الحوار الوطني الذي عُقد في آذار الماضي لم يكن كافياً للخروج من ظلام العهد السابق، داعياً إلى تخطيط جاد لإعادة بناء العلاقة بين السوريين، بعيداً عن أدوات الماضي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة للمساعدة، لكن الدور الأساسي يجب أن يبقى سورياً خالصاً، وبقيادة الدولة الجديدة.
كما شدد على ضرورة التعامل الجاد مع ملف الأقليات، معتبراً أنها تحتاج إلى ضمانات إضافية وطمأنة واضحة، خاصة في ظل الخطابات التحريضية التي تستهدفهم من قبل بعض المواطنين على وسائل التواصل، قائلاً إن استقرار سوريا يتطلب معادلة اجتماعية جديدة، تبدأ من دمشق، محذراً من أن الفشل في تحقيق ذلك سيؤدي إلى تكرار الأزمات بشكل أكثر خطورة.
“انزلاق خطير”
قال الباحث والمحلل السياسي الدكتور محمود حمزة إن ما جرى في السويداء يكشف عن انزلاق خطير في المشهد السوري، بعد دعوات علنية لتدخل إسرائيلي مباشر، مشيراً إلى أن قصف العاصمة دمشق مؤخراً من قبل إسرائيل جاء – حسب رأيه – لإرضاء حكمت الهجري، الذي وصفه بأنه “ينادي بأفكار غير معقولة وغير واقعية”.
ورأى حمزة أن الهجري بات يتصرف بما لا يترك مجالاً للشك بأنه مرتهن لقوى خارجية، وأنه ارتكب خيانة عظمى بحق الشعب السوري عبر دفع السويداء إلى مواجهات دموية، بمساندة مجموعات من المسلحين المرتبطين ببقايا الأمن العسكري وفلول النظام وتجار المخدرات، وفق تعبيره.
واعتبر أن الجرائم المرتكبة ضد العشائر والبدو، من قتل للنساء والأطفال، لا يمكن أن تصدر عن أبناء السويداء، إلا إذا كان منفذوها واقعين تحت تأثير المخدرات أو بدوافع متطرفة، مشدداً على ضرورة التمييز بين “سلوك الميليشيات الإجرامية” وبين الأهالي في جبل العرب، تماماً كما يجب التفريق بين ممارسات فلول النظام في الساحل وبين أهل المنطقة من الطائفة العلوية.
وأشار إلى أن دعوات الهجري لتدخل إسرائيل لا تندرج في إطار دعم إنساني أو تنموي يمكن تفهمه، بل في سياق الحماية والتدخل العسكري، وهو ما يشكل – بحسب وصفه – موقفاً خيانياً صريحاً، خاصة عندما يكون الطلب موجهاً إلى حكومة نتنياهو المتورطة في قتل الفلسطينيين والعرب بشكل يومي.
وأكد أن للرئيس السوري أحمد الشرع، أو أي مسؤول حكومي، الحق في التفاوض باعتباره يمثل الدولة ومصلحة الشعب، في حين أن شخصيات محلية مثل الهجري لا تملك هذا التفويض، ولا يحق لها تقديم تنازلات أو فتح قنوات مع أطراف خارجية.
ما مدى ارتباط الاتفاق بالإقليم؟
قال وزير الإعلام الأردني السابق، سميح المعايطة، إن ما يجري في الجنوب السوري لم يعد شأناً محلياً أو صراعاً داخلياً فحسب، بل تحوّل إلى ملف إقليمي بامتياز، لا سيما بعد الانخراط المباشر لإسرائيل، التي لم تكتفِ بالضربات العسكرية، بل باتت تطرح مشاريع استراتيجية تتعلق بالمنطقة، مثل إقامة مناطق منزوعة السلاح في جنوبي سوريا.
وأشار المعايطة إلى أن إسرائيل أصبحت شريكاً فعلياً في المعادلة الجارية حالياً، وأنها تمارس دوراً مباشراً، ليس فقط من خلال الضربات الجوية على مواقع سورية، بل أيضاً كطرف ضاغط في أي اتفاق يتعلق بالسويداء، موضحاً أن إسرائيل، في حال لم تكن جزءاً من التفاهمات، ستواصل قصفها للأراضي السورية بحجة الرد على تحركات الحكومة السورية في المنطقة.
ورأى أن الاتفاق الذي تم مؤخراً برعاية دولية – بمشاركة تركيا والولايات المتحدة والأردن – يهدف بالأساس إلى تهدئة ميدانية تشمل سحب القوات وتبادل المحتجزين ووقف القتال، لكنه وصفه بـ”الاتفاق الإجرائي”، الذي لا يمكن أن يكون نهاية المسار، بل مقدمة لاتفاق أشمل يتعلق بالجنوب السوري ككل.
وأكد أن دور إسرائيل تعزز بشكل واضح، إذ لم تعد مجرد طرف خارجي يراقب، بل أصبحت تجلس “على الطاولة”، وتمارس ضغطاً مباشراً، بما في ذلك عبر دعم بعض القوى المحلية في السويداء، والضرب دفاعاً عنها. لذلك، اعتبر أن الدولة السورية أصبحت مضطرة للدخول في تفاهم سياسي أو أمني معها، ولو بحده الأدنى.
كما أشار المعايطة إلى أن العرب وبعض الدول، وخصوصاً الأردن وتركيا، يقفون إلى جانب الدولة السورية في هذه المرحلة، ويؤيدون استقرارها ودعم مؤسساتها، لكنه لفت إلى أن القرار النهائي بشأن الجنوب السوري لن يكون سورياً خالصاً، بل سيكون بحاجة إلى توافق إقليمي، وربما إلى اتفاق سياسي واضح مع إسرائيل، لا سيما أن تل أبيب دخلت جغرافياً إلى الملف ولم تعد محصورة بملف الجولان فقط.
وختم المعايطة بالقول إن نجاح الاتفاق الحالي يعتمد على حسن تنفيذه في الأيام المقبلة، وفي حال تحقق ذلك، فستكون هناك ضرورة حتمية لترسيخ حالة استقرار دائم في الجنوب من خلال تفاهمات مباشرة بين سوريا وإسرائيل، مضيفاً أن إسرائيل اليوم باتت لاعباً داخلياً في الملف السوري، وليست مجرد جهة خارجية على أطراف المشهد.
من سيلعب دور الضامن؟
أشار حازم الغبرا إلى أن إسرائيل تعتبر المنطقة الحدودية ومسألة العتاد الثقيل جزءاً من أمنها القومي، ولذلك تعتقد أنها تملك الحق في التدخل إذا شعرت بتهديد مباشر، سواء من تحرك عسكري كبير أو احتمالات لوقوع مجازر جماعية، وفي هذه الحالة، فإن قدرة الولايات المتحدة على الضغط على إسرائيل تكون محدودة.
وأكد أن الولايات المتحدة لا ترغب في الانخراط المباشر في كل أزمة داخل الشرق الأوسط، ولهذا تحاول الدفع نحو حلول دبلوماسية أو عبر شركاء إقليميين، مضيفاً أن واشنطن بدأت فعلياً بالتساؤل عن أدوار السعودية وتركيا، بوصفهما أطرافاً ضامنة يفترض أن يكون لها حضور أكبر في التهدئة، خاصة بعد اللقاء الذي جمع الرئيس السوري أحمد الشرع بالرئيس الأميركي دونالد ترمب.
واعتبر الغبرا أن الوقت حان لتفعيل دور الأطراف الإقليمية في دعم الاستقرار، بدلاً من الاتكال على تدخلات أميركية متكررة، وانتقد من وصفهم بـ”الذين يكتفون بإلقاء اللوم” دون تقديم حلول عملية، مشيراً إلى أن الطريق الأفضل يتمثل في فتح قنوات حوار مع المجموعات المحلية، وتقديم حوافز اقتصادية واجتماعية حقيقية، تكون أقل كلفة من الحلول الأمنية والعسكرية.
وختم حديثه بالتأكيد على أن نجاح الرئيس الشرع لا يُقاس بفرض السلاح أو القمع، بل بقدرته على دفع تلك المجموعات إلى التخلي عن السلاح طواعية، داعياً إلى تبني فكر جديد يليق بـ”سوريا الجديدة”.
تلفزيون سوريا
—————————
سوريا… الانتصار والامتحانات القاسية/ غسان شربل
21 يوليو 2025 م
في الأزماتِ الدامية التي تعصف أحياناً ببلداننا، نجد أنفسَنا أمام حقيقةٍ مرة. بلادُنا مصابةٌ بجروح عميقةٍ وتنام على آبارٍ من المخاوف. وغالباً ما يميل المرءُ إلى تجميل صورةِ بلاده من حبّه لها. يميل إلى الإنكار. ويمكن العثورُ على الميل نفسِه لدى السُّلطاتِ الحاكمة. فالاعترافُ بعمق المخاوفِ يضع أصحابَ القرار أمام مَهمةٍ صعبة من قماشةِ إعادة نظرٍ عميقةٍ تشبه إعادةَ التأسيس.
وتقول التجاربُ إنَّ التعايشَ بين المختلفين ليس مَهمةً سهلة على الإطلاق. قَبولُ حقِّ الآخر المختلف المقيمِ تحت السَّقف نفسِه مَهمةٌ شائكة. القَبولُ بحقّ الاختلافِ يعني أنَّه لا بدَّ من تنازلاتٍ لجعل بناءِ الجسور ممكناً، وأنَّه لا بدَّ من الاستماعِ العميق إلى ما يقلقُ الشريكَ ويجعلُه يجدُ الضَّمانةَ في سلاحِه، أو الفصيل المسلّح الذي يمثل جماعتَه. والعبور من زمن الفصائل إلى زمنِ الدولة ليس سهلاً. يحتاج إلى توافر شروطٍ سياسيةٍ واقتصادية وثقافية أيضاً. لا يمكنُ فرضُ ثقافةِ الزِّيّ الموحَّدِ في مجتمع متعددٍ ينهل أفرادُه من ينابيعَ مختلفةٍ، ويقرأون في كتبٍ مختلفة، ويتحسَّسون دائماً نسبتَهم السُّكانيةَ وحصتهم في القرار.
لم تتوفرْ لشعوبٍ كثيرة فرصةَ رسم خرائطِها بحبرِها وإرادتها. رُسمت خرائطُ كثيرةٌ بحبرِ القوى العظمى وعلى قاعدة تقاسمِ مناطقِ النفوذ. هذه الحقيقة تجعل بعضَ المكوّنات تميل أحياناً إلى خريطةٍ أصغر أو أكبر. وتفيد التَّجاربُ بأنَّ القفزَ من الخرائطِ محفوف دائماً بأخطارٍ كثيرة. الحكمُ المتسلّطُ ليس حلاً. يكبح أصواتَ المكونات أو بعضِها، لكنَّه يضاعف التوترَ الذي يعتمل في داخلها ويجعله يتحيَّنُ فرصةَ التَّعبير عن نفسه.
أقلقتِ الاشتباكاتُ الدامية التي شهدتها محافظةُ السويداء، السوريين الذين خافوا من أن تصابَ مسيرةُ استعادةِ الدولة بعطب كبير، خصوصاً بعد ما جرى سابقاً في السَّاحل والمخاوف من خطرِ الصّدام أيضاً مع الأكراد. أقلقتِ الاشتباكاتُ أيضاً جيرانَ سوريا وكلَّ الدول المعنية التي رأت في نهجِ الرّئيس أحمد الشرع فرصةً لوضع سوريا على طريق الاستقرارِ والبحث عن الازدهار.
والقلقُ مبرَّر، ذلك أنَّ أيَّ عودةٍ إلى انفراط العقد السوري ستكون وخيمةَ العواقب على سوريا ومحيطها، وربَّما على العالم أيضاً. سوريا المستقرة المعتدلة تشكّل فرصةً لبناء جدار ضد التَّطرفِ والإرهاب. ودعماً لسوريا هذه تبلورَ الاحتضانُ العربيُّ والدوليُّ الواسعُ للرئيس الشرع.
ضاعفَ قلقَ الدَّاخل والخارج عدوانُ إسرائيلَ على رموزٍ سياديةٍ سورية في دمشق، وبذريعة الدّفاعِ عن الدّروز وفرضِ صيغةٍ تجعل الجنوبَ السُّوريَّ منزوعَ السلاح. وثمة من يعتقد أنَّ إسرائيلَ تشعر بانزعاج شديد من الاحتضان الواسعِ للشرع، وأنَّ مطلبَها الحقيقيَّ هو سوريا ضعيفة في مركز القرارِ فيها. ثم إنَّ ظهورَ سوريا مستقرة ومعتدلة سيعيد طرحَ حقوقها في استعادةِ مرتفعات الجولان.
لا غرابة أنْ تشهدَ سوريا الجديدة امتحاناتٍ قاسية. الإرثُ أكثرُ من ثقيل. لم تعِشْ سوريا في العقود الماضية في ظلّ دولة طبيعية، أو شبهِ طبيعية. كانت تعيش في ظلّ رجل قويّ يديرها عبرَ أجهزة الاستخبارات التي التهمت دورَ الحزبِ والحكومة معاً. ولم يكُنْ باستطاعة المكوّناتِ التعبيرُ عن مطالبها أو مخاوفها، لأنَّ ذلك يعرّضُها لضربات بلا رحمة. وتحت عباءةِ الخوف من التعبير والمجاهرة كان الغضبُ يتنامى ويتربَّص.
ومنذ هبوبِ «الربيع العربي» على نظامِ الأسد الثاني كانت سوريا تعيش عمليّاً بلا دولة، وعلى وقع الدّم والبراميل والميليشيات. وإذا أضفنَا إلى ما سلف فرارَ ملايين السوريين من بلادهم، ومعاناة من بقيَ من التّدهور الاقتصادي والفقر وغياب الخدمات، تكتمل الصورة.
لم يكُن متوقعاً أن تتصدَّى حكومة الشرع في حفنةِ شهور لمَهمَّاتٍ تحتاج إلى قرارات صعبةٍ وإمكاناتٍ لم تتوافر بعد. بدت في صورةِ من يتلمَّس طريقَه وسط رؤى مختلفة للمستقبل حتى داخل الفريقِ الذي أسهم في إطاحةِ حكمِ بشار الأسد. وكانَ على الشرع أن يُبحرَ وسطَ هذا كلِّه، ولم يكُنِ الجنوحُ إلى الاعتدال سهلاً وبلا أثمان.
سألت رجلاً يرافق الأحداثَ السورية عن قربٍ بحكمِ موقعه. قالَ كلاماً يستحقُّ التَّبصر فيه. اعتبر أنَّ «الوضع الحالي في سوريا وُلد من انهيار النّظام أكثر ممَّا ولد من انتصارِ المعارضة. انهيار الجيش السُّوري في حلب وأخواتِها يُذكّر بانهيار الجيش العراقي في الموصل. إنَّ الغرضَ من تحرُّك المعارضة في اتجاهِ حلب كانَ تحريكَ الجمود الذي كانَ قائماً، وإيفادَ رسالةٍ إلى الأسد أنَّ عليه العودة إلى التفاوض. فُوجئ المهاجمون بانهيارِ الجيشِ السُّوري وعدمِ رغبته في المواجهة».
وأضاف أنَّ «الشرعَ نفسَه لم يكن يعتقد أن طريقَ دمشق مفتوحةٌ أمامه. الدَّولة التركية لم تكُن تتوقَّع سقوطَ الأسد. وكانَ باستطاعة الأسد وقفَ التَّدهور لو نطق بالعبارةِ التي كانت مطلوبة منه وهي: أنَا موافق على لقاء إردوغان. لو قالَها لما شجعت تركيا الشّرع على التَّقدم نحو دمشق. بدلاً من قولِها قال الأسدُ إنَّ إردوغان كاذبٌ ولا يمكن الوثوقُ به، ويريد توظيفَ لقاء القمَّةِ في حساباتِه الداخلية. تلك العبارةُ قتلت نظامَ الأسد».
بعد إعلانِ وقف النار في السويداء، قالَ المبعوث الأميركي إنَّ «على كل الفصائل إلقاء سلاحِها». والحقيقة أنَّ الانتقالَ من زمن الفصائلِ إلى زمن دولةِ القانون حاجةٌ سوريَّةٌ مُلِحَّة. لا خيارَ أمام سوريا غير سلوكِ طريق الدولةِ الطبيعية، دولةِ المواطنةِ والمؤسساتِ تحت سقفِ وحدة الأرض والتساوي بين المواطنين والحوار الوطني العميق تحت سقفِ الشرعية وحقّ الاختلاف في ظلّ القانون.
الشرق الأوسط
——————————–
حرب السويداء.. هذه ليست لعبة الحبار/ أحمد عسيلي
ما إن اندلعت الاشتباكات في مدينة السويداء، جنوبي وطننا الحبيب، حتى امتلأت شاشاتنا بالمشاهد المروعة، دوي رصاص، أجساد تتناثر، صراخ نساء، ونداءات استغاثة، مشاهد باتت للأسف مألوفة لنا جميعًا حد التبلّد، فبالنسبة للكثيرين منا، سواء كنا في باريس، برلين، طرطوس، أو حتى درعا، بدا الأمر كما لو أننا نشاهد موسمًا جديدًا من مسلسل قديم نعرفه ونحفظ تفاصيله عن ظهر قلب. لكن ما حدث لم يكن مشهدًا، بل حياة تنهار، ومدينة تُسحب نحو المجهول، وأناس يدفعون ثمن صراعات تتجاوز وجودهم وحدود مدينتهم.
كالعادة، رافقت الحدث تعليقات متفجرة على وسائل التواصل الاجتماعي: تحريض، تخوين، تبرير متبادل بين سوريين في الداخل والخارج. من يشمت، من يدعو لثأر، من يتخيل نفسه جنديًا أو قائدًا ميدانيًا، ومن ينظّر عن الكرامة والحسم. بدا وكأن الجميع يمسك بجهاز تحكم، يختار لقطته المفضلة من الدم، ويمر سريعًا على تلك التي لا تعجبه أو لا تتماشى مع قناعاته، لكن الحقيقة أن معظمنا لم ولن يفهم تمامًا ما يعنيه العيش وسط هذا العنف.
أتذكر حين شاركت في بدايات الثورة ببعض المظاهرات المعارضة لنظام الأسد في دوما وبرزة، كنت هناك لا أشارك إلا في مظاهرات مخطط لها ومحميّة جيدًا، كنت أعرف متى أهرب، وأين أختبئ، وكيف أبرر وجودي أو بمن أتصل إن تم توقيفي، ثم جاءت التجربة التي غيرت فهمي لفعل التظاهر جذريًا، كنت داخل “سرفيس” يعبر منطقة كفربطنا أو مسرابا (صدقًا لم أعد أذكر) حين وقع حادث أمني أو مظاهرة ضخمة، لم يكن العبور عاديًا، بل مليئًا بالخطر، تصاعدت أصوات إطلاق النار، وصرخات الناس، وتوقف “السرفيس” فجأة، بدأ الركاب بالصراخ والهروب. هناك فقط شعرت بجسدي يتلمس الخطر، كنت وجهًا لوجه أمام فنائي الذاتي، كانت أول تجربة حية لي مع الواقع الدموي لفعل سياسي كنت أظنه مجرد غناء وهتاف ورقص على بعض الأغاني الحماسية.
لم أكن وقتها منفصلًا عن الواقع بالطبع، بل كنت أتابعه لحظة بلحظة، كنت أتابع أخبار الشهداء، كنت أعيش في حرستا، واحدة من أهم المدن المنتفضة، مدينة قريبة جدًا من ساحات الموت، لكن أن تسمع عن العنف شيء، وأن تعيشه شيء آخر.
يتحدث الفيلسوف وأستاذنا في التحليل النفسي سلافوي جيجيك، عن الفرق بين العنف الواقعي والعنف الرمزي، وعن كيف تخلق الشاشات مسافة آمنة بيننا وبين الفظائع، فتسمح لنا بالتلذّذ (نعم بالتلذذ) بها دون أن نُصاب، هذا بالضبط ما نفعله حين نتابع أخبار سوريا المنهكة، وكما يقول المثل: “اللي بيعدّ العصي مو متل اللي بياكل الضرب”. عشت في حرستا، لكنني لم أذق حقًا ألم الحصار الذي كانت تشهده مدينة دوما وقتها أو حتى كفربطنا، مدينتان تبعدان دقائق فقط، لكن في جحيم مختلف، فكيف لسوري يعيش في أوروبا، مهما بلغ تعاطفه، أن يشعر حقًا بما يعيشه من هم في السويداء؟
هذا الانفصال بين ما يُشاهد وما يُعاش، هو ما يفسر (جزئيًا على الأقل) تصاعد التحريض من قبل كثير من السوريين، لقد تبلد الإحساس، العنف صار مؤنسنًا، مقطعًا، بلا سياق، يعاد تدويره كمحتوى ترفيهي، كما في أفلام الرعب التي تمنحنا نشوة مؤقتة لأننا نعيش الخطر دون أن نقع فيه، صارت الحرب في سوريا لكثيرين لعبة إثارة تُتابع من خلف الشاشة، نحن بأمان نتحدث عن مقاتلي رجال الكرامة وكأنهم مقاتلون فقط لا يهابون الموت، كأن موتهم شيء طبيعي طالما ربطوا أنفسهم بالكرامة، نتحدث عن ذاك البدوي كجزء بسيط من جحافل بلا لحظات خوف أو فزع أو قصة حب.
أتذكر هنا مريضة نفسية قالت لي مرة إنها حين تكتئب تسافر إلى مناطق فقيرة جدًا في إفريقيا لتشعر بالنعمة التي تعيشها، تصرفها هذا لم يكن تضامنًا بالتأكيد، بل راحة نفسية من خلال مشاهدة ألم الآخرين، الشيء ذاته يحدث حين يتحول وجع السوريين إلى مادة للتأمل، أو للمتعة المريضة.
إن كنا صادقين مع أنفسنا، نعلم أن الوقت قد حان للخروج من هذه الدوامة، لعبة العسكر والسلاح والثأر لن تصنع مستقبلًا، حرب السويداء يجب ألا تتحول إلى فصل جديد من مسلسل لا ينتهي، إن لم نختر بوضوح طريق السياسة، الحوار، ونبذ العنف (حتى من خلف الشاشات) فإننا نعيد إنتاج نفس الجريمة.
أتوجه هنا خاصة لنا، نحن البعيدين عن ساحات القتال، صحيح أننا لا نحمل السلاح ولسنا منخرطين في الحرب، لكن هذا لا يعفينا من المسؤولية الأخلاقية، يمكننا على الأقل أن نتفق نحن من نعيش خارج نار السلاح، ألا نكون وقودًا لصراعات لا نعيشها. أن نرفض أن تتحول بلادنا إلى “لعبة الحبار”، اللعبة التي يستمتع بها الجميع، ويموت فيها اللاعبون.
حتى إن بدا أحد هؤلاء اللاعبين شريرًا في نظرنا، فالموت لا يمكن أن يكون دومًا الجواب، لأن الساحة، في النهاية، هي أرضنا، والخراب يصيب بيوتنا، لا شاشاتنا، وفي الحروب، لا ينجو أحد: لا المقاتل، ولا المشاهد.
عنب بلدي
—————————–
خيارات خاطئة/ غزوان قرنفل
لا يكفي أن تكون على حق، الأهم أن تكون خياراتك صائبة لتحصل على هذا الحق. الخيارات الصائبة لا تأتي بالإلهام أو التخاطر، بل بسعة الاطلاع وعمق التجربة وتوسيع مساحة المشاورة وإدراك اللحظة أو التوقيت المناسب لاتخاذ هذا الخيار أو ذاك.
الخيار الخاطئ ربما يقودك إلى طريق مغاير لما تريده أصلًا، لكنك مع الأسف تكتشف متأخرًا أنه طريق باتجاه واحد، وهو ليس الخيار الأمثل للسير فيه لكنه الآن الطريق الوحيد المتاح والمتصل بهذا الخيار، فتضطر لاستمرار السير فيه على أمل أن تجد منه مخرجًا.
والحقيقة أن قرار التفرد والاستئثار بالسلطة وممارسة سياسة إقصاء الجميع عن المشهد العام، تحت مقولة متهافتة إن “من يحرر يقرر”، كان أحد أبرز الخيارات الخاطئة التي اتخذتها السلطة الحاكمة، ثم وفي محاولة لتزييف الوعي، حاولت إكساء سلوكها هذا بعض مشروعية مفترضة عبر كرنفال “الحوار الوطني”، لكنها ما لبثت أن انزلقت إلى وضع حجر الأساس لمنظومة سلطوية مغرقة في فرديتها وتفردها، عبر إصدارها إعلانًا دستوريًا أقل ما يمكن توصيفه هو أنه مجرد هرطقة دستورية صيغت لتنصيب فرعون جديد، مطلق السلطة والصلاحية، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، كحاكم لسوريا التي للتو نفضت غبار حربها مع أعتى دكتاتورية في المنطقة.
إقصاء وتهميش المجتمع بكل مكوناته وإعادة بناء منظومة سلطة استبدادية جديدة مقرونة بالكثير من السلوكيات “الفردية” المنفّرة، واحتلال الفضاء الحكومي والإداري من قبل “المشايخ” وأنصارهم، مقرونًا بقرارات فصل عشوائية بحق وبباطل من العمل وإغلاق المؤسسات الحكومية لآماد طويلة بلا أي مبررات تستوجب ذلك، في محاولة بدت وكأنها تفكيك حتى للبنية الإدارية والمؤسسية للدولة، لمجرد أن السلطة لا تملك الكم العددي من الكوادر المهيأة لشغل إداراتها. يضاف إليها إبرام صفقات مليارية هنا وهناك دون أي رقابة مؤسسية، ودون أدنى احترام للموجبات والآليات القانونية المتبعة عادة وأصولًا في مثل تلك التعاقدات. كل ذلك أكمل رسم ملامح المشهد السلطوي للدولة القادمة في أذهان الكثير من السوريين من مختلف الانتماءات، ممن لم تسكرهم نشوة النصر وسقوط سلطة الاستبداد الأسدي المديد، فأدركوا ما لم يدركه أغلب أولئك الذين لا يزالون في غيبوبة الانتشاء بالنصر والظفر بالسلطة، التي قرروا، بوصفهم سنة من سلالة بني أمية، أن تبقى بين أيديهم إلى يوم القيامة!
توسل المشروعية من الخارج وحده لا يسهم في بناء سلطة وطنية، بل يبني سلطة وظيفية لا أكثر، السلطة الوطنية تحتاج إلى مشروعية وطنية، والمشروعية الوطنية لا تتأتى إلا من التوافق على مشروع وطني يلم شمل شتات السوريين على رؤية وهوية وطنية يشعر كل منهم أنه جزء منها، وأنها تعبر عنه وعن حقوقه في المواطنة المتساوية وفي تكافؤ الفرص.
المشروعية الوطنية لأي سلطة لا تُمنح بالمجان، بل لها ثمن لا بد من أدائه للناس، هذا الثمن هو احترام الحريات العامة وعدم دس الأنوف في تفاصيل حياة الناس. هو كذلك احترام الدستور والحقوق الدستورية التي يتم التوافق عليها، واحترام حق الشراكة الوطنية في الحكم والإدارة والثروة الوطنية والتنمية الاقتصادية، واحترام مبدأ التداول السلمي للسلطة، وقبل كل ذلك وبعده احترام حرمة الدم الذي إن سفح يسقط كل شرعية وأي مشروعية.
صحيح أن واقع حال المنطقة عمومًا، وليس سوريا وحدها، يخبرنا كل يوم أن الكلمة العليا في وجود أو غياب أي رئيس أو سلطة لا يزال رهين قرار الفاعل الدولي إلى حد كبير، لكن ذلك أبدًا لا يلغي أهمية ووزن قرار الداخل في منح أو حجب الشرعية عن الحاكم أو السلطة الحاكمة، ولا يلغي أن هذا الفاعل الخارجي مهما بلغ تأثيره سيبقى بحاجة بشكل أو بآخر، وبمستوى أو بآخر، إلى شرعية الداخل ومدى قدرته على الضغط والفعل.
اليوم ورغم المقتلة التي سفح فيها دم كثير من أبنائنا في الجيش والأمن العام وأبنائنا في السويداء بلا سبب ولا طائل، والتي أحمّل مسؤوليتها في المقام الأول للسلطة التي نحّت لغة العقل وغيّبت لغة الحوار وتفهم الهواجس والمخاوف والمطالب، ولجأت لسياسة الإخضاع لحفظ “هيبة الدولة”، فكانت النتيجة مشهدًا دمويًا مروعًا، وشرخًا مجتمعيًا ليس من اليسير رأبه، وسقوطًا مهينًا للهيبة الوطنية المتوسلة.
على أي حال، صحيح أننا على عتبة نفق مظلم ومدمر الآن، لكن لا يزال قرار ولوجنا فيه أو خروجنا منه متاحًا بأيدينا، ومن الحكمة والفطنة إدراك الخيار الصحيح واتخاذ القرار باتباعه.
والحكمة اليوم تقتضي وضع السوريين جميعًا أمام مسؤولياتهم، والدعوة لمؤتمر حوار وطني شامل ومعمق توضع فيه كل القضايا والملفات على الطاولة للتوافق على بناء الوطن السوري الذي يقر فيه كل السوريين أنه وطن نهائي لهم جميعًا، هم شركاء فاعلون في رص بنيانه حجرًا فوق حجر وبالشكل الذي يستجيب لموجبات الشراكة في البناء والنماء، ووفق آليات دستورية مغايرة لما هو موجود، وفي إدارة شؤون الدولة وإداراتها ومؤسساتها وتوسيع هوامش وصلاحيات المحافظات في إدارة شؤونها بنفسها عبر مجالس حكم محلية تشمل حتى انتخاب محافظيها من أبناء المحافظة نفسها، وإدارة شؤونها الأمنية المحلية بنفسها رغم تبعيتها لوزارة الداخلية وفق قانون واضح يفصل ذلك، وأن تحصل كل محافظة على حصتها العادلة من الثروة ومن فرص التنمية الوطنية، وذلك لا يلغي أبدًا دور العاصمة في الإشراف على عموم البلاد وشؤونها ودورها في إدارة شؤون الدفاع والأمن الوطنيين، وفي إدارة الثروة والموارد الوطنية بما يحقق التنمية المتوازنة على المستوى الوطني، ولا ينتقص من حقها في التمثيل القانوني والدبلوماسي وإدارة العلاقات الدولية للدولة السورية.
اليوم لم يعد متاحًا للسوريين ترف اختبار وتجريب الخيارات، لأن ثمن الخيارات الخاطئة دم يجب أن يكون محرّمًا، وعقود من الاحتراب لا قدّر الله، فإن كانت سوريا لا تقبل القسمة فيجب بالمقابل ألا تقبل الاستحواذ والاستئثار والاستفراد بها من فريق دون باقي السوريين. سوريا التي تقبل الشراكة، هي وحدها سوريا القابلة للاستمرار، وهي الخيار الصائب الوحيد.
عنب بلدي
————————
السويداء.. معركة الخاسرين في سوريا/ وسيم العدوي | بيسان خلف | لمى دياب | محمد كاخي
إسرائيل تتقدم في حربها
عُرفت محافظة السويداء، ذات الأغلبية الدرزية، بموقعها “الحيادي المضبوط” في خريطة النزاع السوري منذ اندلاع الثورة عام 2011. ورغم ابتعادها عن خطوط التماس المباشرة بين النظام والمعارضة، لم تكن بمنأى عن تداعيات الحرب، إذ عانت من الفراغ الأمني وتفاقم الأزمات المعيشية، ما أدى إلى بروز فصائل محلية مسلحة وحراك مدني مطالب بالإصلاح، ثم إسقاط النظام، منذ عام 2021.
لكن صيف عام 2025 قلب هذا التوازن الهش رأسًا على عقب، إذ فجّرت حادثة اختطاف وسرقة على طريق دمشق- السويداء موجة عنف تصاعدت بسرعة إلى اشتباكات دامية بين فصائل محلية ومجموعات عشائرية، ودفعت الدولة إلى محاولة فرض حل عسكري.
ومع دخول قوات وزارتي الدفاع والداخلية، ثم انسحابها بعد ضربات جوية إسرائيلية، تحولت السويداء إلى ساحة نزاع مركّب، إقليمي ومحلي، وسط تضارب في الأجندات، وعجز الفاعلين المحليين عن كبح الانهيار.
وأظهرت أحداث السويداء، وقبلها أحداث الساحل، أن الأزمات العميقة في المجتمع السوري لم تمت مع سقوط النظام وانتهاء سنوات الحرب الطويلة، بل تتفاقم إلى أن تنفجر في وجه الجميع.
يناقش هذا الملف الصحفي تطورات الأحداث، بدءًا من اشتعال المواجهات منتصف تموز، مرورًا بالتدخلات الدولية والإسرائيلية، وانتهاء بالاتفاق الذي رعته أطراف إقليمية ودولية، والذي بدا أنه كرس واقعًا جديدًا قوامه التدويل وتقاسم النفوذ، بدلًا من بسط السيادة.
كما يسلط الملف الضوء على الخسائر البشرية، والانتهاكات، ومواقف الشيوخ والفصائل، وتوازنات القوى الجديدة، ليفتح تساؤلات جوهرية حول مستقبل السويداء، ووحدة سوريا.
الحل العسكري
بعدما كانت تتردد أنباء بين الناس عن قرب توصل الدولة إلى اتفاق مع شيوخ السويداء يفضي إلى حل يسمح بدخول قوى الأمن للمحافظة، واستئناف المؤسسات الحكومية عملها، عاد التوتر مجددًا، في 12 من تموز، على خلفية حادثة سلب واختطاف أحد أبناء السويداء على طريق دمشق، وسرقة بضاعته وأمواله، ما أدى إلى عمليات خطف لمواطنين بشكل عشوائي من قبل أقارب المختطف.
أدت الحادثة إلى استنفار فصائل محلية ومجموعات من البدو غرب السويداء، وسجلت في اليوم التالي (13 من تموز)، اشتباكات متفرقة في حي المقوس شرقي المدينة، وبعدها تحول الأمر إلى اشتباك متبادل بالأسلحة.
دفعت المواجهات إلى دخول قوات لوزارتي الدفاع والداخلية إلى السويداء، والتي توصلت إلى اتفاق برعاية مشيخة العقل ممثلة بالشيخ يوسف الجربوع وفعاليات المدينة يقضي بانتشار قوى الأمن الداخلي في المحافظة.
لكن الاتفاق الأول لم يكن مرضيًا لتيارات أخرى في المدينة، تتهم القوات الحكومية بتنفيذ جرائم وانتهاكات بحق سكان السويداء، فشنت هجومًا مضادًا بتغطية جوية إسرائيلية، استهدف فيها سلاح الجو نقاطًا للحكومة في درعا والسويداء ودمر مبنى الأركان في دمشق واستهدف قصر الرئاسة، ما أدى إلى انسحاب القوات الحكومية من السويداء.
عقب الانسحاب الحكومي، شنت فصائل محلية هجومًا انتقاميًا ضد عشائر البدو في السويداء، ما أدى إلى تعبئة عشائرية من أبناء القبائل في أغلب المناطق السورية، توجهوا إلى السويداء، وبدؤوا معارك مسلحة ضد الفصائل المحلية.
ورصدت عنب بلدي انتهاكات على نطاق واسع، من قبل الفصائل المحلية والقوات الحكومية ومقاتلي العشائر، خلال أيام المواجهات.
وفجر 19 من تموز، أعلن المبعوث الأمريكي، توماس براك، عن اتفاق سوري- إسرائيلي، لوقف إطلاق النار، تبنته تركيا والأردن وجيرانهما، وهو ما أكده الرئيس السوري، في المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، طالبًا من مقاتلي العشائر الالتزام بالاتفاق.
وبدأ بعد ذلك انتشار قوات الأمن في محيط مدينة السويداء، وسط انسحاب تدريجي لمقاتلي العشائر.
توافد مقاتلون من العشائر السورية على السويداء لدعم البدو الذين يشتبكون مع مقاتلين دروز – 19 تموز 2025(فرانس برس/ عمر حاج قدور)
توافد مقاتلون من العشائر السورية على السويداء لدعم البدو الذين يشتبكون مع مقاتلين دروز – 19 تموز 2025(فرانس برس/ عمر حاج قدور)
بنود الاتفاق
بحسب وزارة الداخلية السورية فإن الاتفاق المعلن في 19 تموز، برعاية أمريكية، ينص على:
وقف شامل لإطلاق النار ووقف العمليات العسكرية بجميع أشكالها من جميع الأطراف.
تشكيل لجنة مراقبة مشتركة، من ممثلين عن الدولة السورية والمشايخ لمراقبة وقف إطلاق النار.
نشر حواجز أمنية مشتركة في مدينة السويداء والمناطق المجاورة لتعزيز الأمن.
الاستعانة بضباط وعناصر من أبناء محافظة السويداء لتولي المهام الأمنية والإدارية.
احترام حرمة المنازل والممتلكات ومنع الاعتداء أو التجاوز على أي منطقة داخل السويداء.
التوافق على آلية لتنظيم السلاح الثقيل والخفيف بالتعاون مع الوزارات المعنية، بما يضمن إنهاء مظاهر السلاح خارج الدولة مع مراعاة الخصوصية الاجتماعية والدينية للسويداء.
تحقيق الاندماج الكامل لمحافظة السويداء ضمن الدولة السورية، واستعادة السيادة الكاملة على أراضيها وتفعيل مؤسسات الدولة فيها.
إعادة تفعيل جميع مؤسسات الدولة في السويداء، وفقًا للأنظمة والقوانين السورية.
العمل على ضمان حقوق جميع المواطنين من خلال قوانين تضمن العدالة والمساواة وتعزيز السلم الأهلي.
تشكيل لجنة مشتركة لتقصي الحقائق والتحقيق في الجرائم والانتهاكات وتحديد المسؤولين عنها، وتعويض المتضررين.
تأمين طريق دمشق- السويداء من قبل الدولة، وضمان سلامة المسافرين.
العمل الفوري على توفير الخدمات الأساسية بما فيها الكهرباء والمحروقات والخدمات الصحية.
إطلاق سراح المعتقلين وكشف مصير المفقودين في الأحداث الأخيرة.
تشكيل لجنة مشتركة لمتابعة تنفيذ بنود الاتفاق.
الباحث في الشؤون العسكرية رشيد حوراني قال إن الحل العسكري لم يكن الأنسب، لكن بالمقابل، فإن الدولة لم تبخل بالعروض التي قدمتها للسويداء، منذ سقوط نظام الأسد في 8 من كانون الأول 2024، ووقف الشيخ حكمت الهجري في وجهها، وهناك أصوات كثيرة تحمله مسؤولية انسداد الأفق مع دمشق.
ويبدو أن الاستحقاقات الماثلة أمام الدولة السورية والمطالب الخارجية المتعلقة بالعقوبات عجلت في محاولة الدولة حل المسألة عسكريًا، وبالانتقال إلى ما يقال إنه دور حاسم لإسرائيل في السويداء، يرى حوراني أن الضربات الجوية الإسرائيلية لم تكن مؤثرة إلى درجة تعوق الأعمال العسكرية للجيش والقوى الأمنية نظرًا إلى عدم كثافتها، ولأن إسرائيل تنفذها لأغراض داخلية خاصة بها، وليست كطرف رئيس في المعركة.
غرفة عمليات.. حصيلة أولية للضحايا
استقبلت وزارة الصحة السورية 1698 حالة إصابة نتيجة أحداث السويداء، تراوحت شدتها بين الخفيفة والمتوسطة، ومنها 425 حالة حرجة، وتمت الاستجابة من خلال 57 سيارة إسعاف، وتم نقل 1022 حالة لبقية المحافظات.
بينما بلغ عدد القتلى الواصلين إلى المستشفيات الرسمية 260 شخصًا، بحسب بيان نشره وزير الصحة، مصعب العلي، عبر حسابه في منصة “إكس“، في وقت متأخر من مساء الجمعة 18 من تموز.
في حين وثقت “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” مقتل ما لا يقل عن 321 سوريًا، بينهم 6 أطفال و9 سيدات (إحداهن توفيت إثر أزمة قلبية بعد تلقيها نبأ وفاة حفيدها)، وإصابة ما يزيد على 436 آخرين بجروح متفاوتة الخطورة في محافظة السويداء، وذلك خلال الفترة الممتدة من 13 تموز وحتى 18من تموز.
وأوضحت “الشبكة” أن هذه الحصيلة جاءت استنادًا إلى المعلومات الأولية المتوفرة والتي تمكنت التحقق منها.
وتشمل الحصيلة الأولية ضحايا من المدنيين، بمن فيهم أطفال وسيدات وأفراد من الطواقم الطبية، إضافة إلى مقاتلين من مجموعات عشائرية مسلحة من البدو، وأخرى محلية خارجة عن سيطرة الدولة من أبناء المحافظة، إلى جانب عناصر من قوى الأمن الداخلي ووزارة الدفاع التابعة للحكومة الانتقالية السورية.
المكتب الإعلامي لفرق الدفاع المدني صرح، لعنب بلدي، أن وزارة الطوارئ والكوارث شكلت منذ بداية الأحداث في السويداء، غرفة عمليات مشتركة تضم ممثلين عن الوزارات والمؤسسات الحكومية، والدفاع المدني السوري، ومنظمات محلية إنسانية ومؤسسات خدمية.
بينما جهزت وزارة الصحة منذ اليوم الثالث لأحداث السويداء، قافلة طبية طارئة، مؤلفة من 20 سيارة إسعاف، وفرقًا طبية متخصصة، وكميات كبيرة من الأدوية والمستلزمات، إلا أن القصف المكثف حال دون دخولها إلى المحافظة، حفاظًا على سلامة الكوادر، مع بقاء القافلة على جاهزية تامة للدخول فور توقف إطلاق النار وتأمين ممرات آمنة، بحسب وزير الصحة.
وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل، هند قبوات، قالت إن الوزارة على استعداد لإرسال المساعدات الإنسانية والطبية والغذائية لتحقيق الاستجابة المثلى لنداءات الأهالي في جنوبي سوريا، وذلك في تصريح نشرته الوزارة عبر “فيسبوك“، السبت19 من تموز.
وسيتم إرسال المساعدات بالتعاون مع مكتب التعاون الدولي في وزارة الخارجية والمنظمات الفاعلة، موضحة أن الوزارة على أتم الجاهزية للتنسيق مع الجهات الطبية والإغاثية المختصة للتعامل مع كل المستجدات الإنسانية في المنطقة، وذلك ريثما يتم تأمين الطريق لدخول القوافل بشكل آمن، وفق قبوات.
وأشارت قبوات إلى أن قافلة مساعدات وصلت بتنظيم مشترك ما بين وزارتي الصحة والشؤون الاجتماعية إلى الجنوب قبل يومين، لكنها لم تتمكن من دخول محافظة السويداء نتيجة القصف الإسرائيلي المتواصل.
لإنهاء ملف السويداء
لماذا يدعم العرب الشرع؟
أصدرت عدد من الدول العربية، في 17 من تموز، بيانًا مشتركًا رحب بالاتفاق الأولي الذي أنجز وأعلن عنه رئيس المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، لإنهاء التوترات في محافظة السويداء.
وأعرب وزراء خارجية الأردن، الإمارات، البحرين، السعودية، العراق، عمان، قطر، الكويت، لبنان، مصر وتركيا عبر البيان، ضرورة تنفيذ الاتفاق من منطلق حماية سوريا ووحدتها، وبما يحقن الدم السوري ويضمن حماية المدنيين، وسيادة الدولة والقانون.
وأثنى البيان على التزام الشرع بمحاسبة كل المسؤولين عن التجاوزات بحق المواطنين السوريين في محافظة السويداء، بحسب البيان الذي نشرته وزارة الخارجية السعودية.
وأكدت الدول الموقعة دعمها لكل جهود بسط الأمن وسيادة الدولة والقانون في السويداء وجميع الأراضي السورية، ونبذ العنف والطائفية ومحاولات بث الفتنة والتحريض والكراهية.
المحلل السياسي حسن النيفي، قال لعنب بلدي، إن بيان التأييد للدول العربية بدعم جهود الشرع في إنهاء أزمة السويداء، يأتي في سياق الموقف السابق لهذه الدول وفي مقدمتها دول الخليج بدعم الأمن والاستقرار في سوريا خاصة في مرحلتها الوليدة.
ويرى النيفي أن ما يجري الآن في سوريا سينعكس على الحالة الأمنية بشكل عام، لذلك التأييد هذا ليس ضد مكون سوري وليس تأييدًا لمسألة فرعية، وإنما يأتي في سياق التأييد العام لأمن واستقرار سوريا.
ويعتقد أن هذا التأييد لم يكن مجرد كلام في بيان أو ضمن سياقات نظرية فحسب، وإنما تجسد بجهود واضحة لإنهاء الأزمة، هذه الجهود لم تتجلَ بدعم عسكري مباشر أو تدخل في الشأن السوري، وإنما من خلال ضغط بعض الدول العربية التي لديها نفوذ للولايات المتحدة الأمريكية لكبح جماح إسرائيل عن التدخل في سوريا.
أدان البيان المشترك الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على سوريا، وعبر عن رفض الدول الموقعة عليه لهذه العمليات بصفتها خرقًا للقانون الدولي، وتمثل اعتداء سافرًا على سيادة سوريا، ما يزعزع أمنها واستقرارها ووحدة وسلامة أراضيها ومواطنيها.
ودعا البيان المجتمع الدولي إلى دعم الحكومة السورية في عملية إعادة البناء، وأن يتحمل مجلس الأمن مسؤولياته القانونية والأخلاقية لضمان انسحاب إسرائيل الكامل من الأراضي السورية، إضافة إلى دعوات وقف جميع الأعمال العدائية الإسرائيلية على سوريا والتدخل في شؤونها، وتطبيق القرار “2766”، واتفاقية فض الاشتباك لعام 1974.
أوضح المحلل السياسي حسن النيفي أن القصف الإسرائيلي الذي استهدف مبنى هيئة الأركان بدمشق، أثار حفيظة تركيا وبعض الدول العربية بما فيها السعودية، لممارسة المزيد من الضغط على إسرائيل من أجل وقف عدوانها.
من جهتها، أعلنت الخارجية الأمريكية أنها “لم تدعم” الهجمات الإسرائيلية الأخيرة على سوريا، وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأمريكية، تامي بروس، في 17 تموز، “نحن منخرطون دبلوماسيًا مع إسرائيل وسوريا على أعلى المستويات، لمعالجة الأزمة الحالية والتوصل إلى اتفاق دائم بين الدولتين”.
بينما أبدى الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، قلقه إزاء التقارير التي تتحدث عن عمليات قتل عشوائية للمدنيين، ونهب الممتلكات الخاصة، وأدان جميع أشكال العنف، وحثّ السلطات المؤقتة والقادة المحليين على خفض التصعيد، وحماية المدنيين، والتحقيق بشفافية ومحاسبة المسؤولين عن الأحداث.
ولي العهد السعودي محمد بن سلمان
“ندين الاعتداءات الإسرائيلية السافرة على الأراضي السورية، والتدخل في شؤونها الداخلية، ونؤكد موقف المملكة الثابت على مساندة سوريا والوقوف إلى جانبها ورفض أي عمل يمسّ السلم الأهلي والاجتماعي”.
وزير الخارجية التركي هاكان فيدان
“يجب عدم تفويت الفرصة لبناء مستقبل للشعب السوري، ولن يُسمح إطلاقًا للتنظيمات الإرهابية باستغلال الوضع في جنوبي سوريا”.
الاتحاد الأوروبي
“نحضّ إسرائيل على أن توقف فورًا ضرباتها على الأراضي السورية، بما في ذلك على مؤسسات رئيسة في دمشق، بما يعرّض حياة المدنيين للخطر وقد يهدّد العملية الانتقالية في سوريا”.
وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو
“هناك سوء تفاهم بين الجانب السوري والإسـرائيلي، ونحن نتحدث معهم طوال الليل واليوم وأعتقد أننا متجهون لخفض التصعيد”.
وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس
“على النظام السوري مغادرة السويداء وسحب قواته، كما أوضحنا وحذرنا، لن تتخلى إسرائيل عن الدروز في سوريا، وستفرض سياسة نزع السلاح التي قررناها”.
وزير الخارجية الألماني يوهان فادفول
“لن تحظى الحكومة السورية بدعم ألمانيا، إلا إذا التزمت بعملية شاملة في سوريا، وحمت الشعب، ولم تسمح باضطهاد الأفراد بسبب انتمائهم الديني أو العرقي”.
المبعوث الأمريكي إلى سوريا توماس براك
“ندعو الدروز والبدو والسنّة إلى إلقاء أسلحتهم والعمل مع الأقليات الأخرى على بناء هوية سوريّة جديدة وموحدة”.
دبابة سورية أثناء انسحابها من مدينة السويداء على طريق درعا 15 تموز AP) – 2025 / عمر صناديقي)
دبابة سورية أثناء انسحابها من مدينة السويداء على طريق درعا 15 تموز AP) – 2025 / عمر صناديقي)
معركة بين الحروب
يؤكد الاتفاق الأخير الذي أعلن عنه المبعوث الأمريكي، توماس براك، أن الصراع في السويداء انعكاس للاتفاقيات السورية- الإسرائيلية، وليس محصورًا فقط في العوامل الداخلية، ولو أنها أشعلت فتيله.
هل أخطأت دمشق فهم واشنطن؟
كشفت ثمانية مصادر مطلعة لوكالة “رويترز“، أن الحكومة السورية “أخطأت في تفسير كيفية رد إسرائيل” على نشر قواتها جنوبي سوريا، بعدما شجعتها رسالة الولايات المتحدة بأن “سوريا يجب أن تحكم كدولة مركزية”.
اعتقدت دمشق أنها حصلت على الضوء الأخضر من الولايات المتحدة وإسرائيل لإرسال قواتها إلى الجنوب على الرغم من أشهر من التحذيرات الإسرائيلية بعدم الاقتراب من الجنوب السوري، بحسب ما نقلته المصادر التي تضم مسؤولين سياسيين وعسكريين سوريين ودبلوماسيين ومصادر أمنية وإقليمية، لـ”رويترز”.
وقالت المصادر، في تقرير الوكالة، في 19 من تموز، إن “هذا التفاهم استند إلى تعليقات علنية وخاصة من المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، توماس براك، وكذلك إلى المحادثات الأمنية الوليدة مع إسرائيل”، إذ دعا براك إدارة سوريا كدولة مركزية دون مناطق حكم ذاتي.
وأفاد مسؤول عسكري سوري لوكالة “رويترز”، بأن المراسلات مع الولايات المتحدة دفعت دمشق إلى الاعتقاد بأنها قادرة على نشر قواتها دون أن تواجهها إسرائيل.
وقال المسؤول إن المسؤولين الأمريكيين لم يردوا عندما أُبلغوا بخطط نشر الصواريخ، ما دفع القيادة السورية إلى الاعتقاد بأن الأمر تمت الموافقة عليه ضمنًا وأن “إسرائيل لن تتدخل”.
وقال دبلوماسي مقيم في دمشق، إن السلطات السورية كانت “مفرطة الثقة” في عمليتها للسيطرة على السويداء “بناء على الرسائل الأمريكية التي تبين أنها لا تعكس الواقع”.
وفي 16 من تموز الحالي، وعقب استهداف الجيش الإسرائيلي مبنى الأركان في العاصمة دمشق، قال وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، إنه يعتقد أن الضربة على دمشق كانت “على الأرجح سوء تفاهم” وسط مخاوف بشأن الاضطرابات التي اندلعت هذا الأسبوع، وفقًا لوكالة “فوكس نيوز“.
وبعد ضرب مبنى الأركان وقصر الرئاسة، قال الرئيس السوري في كلمة نقلتها “رئاسة الجمهورية“، إن الحكومة لجأت إلى قرار الانسحاب من السويداء لتجنب مواجهة مفتوحة مع إسرائيل، مشيرًا أيضًا إلى “سوء فهم” مع الجانب الإسرائيلي.
توتر في المحادثات
يعتقد المحلل السياسي حسن النيفي أن هناك نوعًا من التوقف بين ما كان يقال عنه محادثات سرية بين الحكومة السورية وإسرائيل.
وأشار إلى أن آخر محادثات كانت في زيارة الرئيس السوري إلى أذربيجان، في 12 من تموز الحالي، وأن الموقف الإسرائيلي المعادي الآن لسوريا جاء نتيجة عدم استجابة الحكومة الحالية للمطالب الإسرائيلية التي تتجاوز التنازل عن الجولان، بحسب تحليله.
وما تريده إسرائيل ليس فقط التخلي عن الجولان، وإنما تريد إجبار الحكومة السورية على الإقرار بأن منطقة الجنوب السوري هي منطقة منزوعة السلاح.
وأضاف النيفي أن حكومة نتنياهو تريد أن يتحول سكان الجنوب السوري، بمن فيهم أهالي السويداء والقنيطرة ودرعا، إلى حراس لحدود إسرائيل، منوهًا إلى أن رفض الحكومة الحالية لهذه التطلعات دفع إسرائيل بدعم الفصائل المحلية في السويداء.
معركة بين الحروب
بينما يرى الباحث في الشأن الإسرائيلي ياسر مناع، أن العمليات الإسرائيلية في سوريا تندرج ضمن استراتيجية معلنة تعرف باسم “المعركة بين الحروب”، والتي تهدف إلى استنزاف النظام السوري الجديد، وبناء تحالف مع الدروز كخط دفاع أوليٍّ عن إسرائيل.
مناع اعتبر، في حديث إلى عنب بلدي، الولايات المتحدة طرفًا في الحسابات العسكرية الإسرائيلية في سوريا. وتاريخيًا، لا تنفّذ إسرائيل ضربات كبرى داخل المجال السوري، دون تنسيق مباشر، أو على الأقل إبلاغ واشنطن، ويرى مناع أنه هناك تواطؤًا ضمنيًا أو تغطية سياسية أمريكية للضربات الإسرائيلية.
واستبعد مناع أن تكون هناك علاقة بين الهجوم على السويداء، وزيارة الرئيس السوري إلى أذربيجان، ففي سياقات الشرق الأوسط، لا تُبنى الاستنتاجات على التزامن الزمني فقط، بل على الترابط البنيوي للأحداث والمصالح.
مغامرة سورية أم فخ إسرائيلي
الباحث السياسي نادر الخليل يفسّر قرار دخول القوات السورية إلى السويداء كجزء من استراتيجية أوسع لفرض السيطرة على المناطق التي تشهد اضطرابات داخلية، وقد تكون الحكومة رأت أن الوقت مناسب لتحقيق مكاسب داخلية، خاصة في ظل المرونة التي أبدتها الولايات المتحدة عبر تصريحاتها وإجراءاتها تجاه هذه الحكومة.
ويرى الخليل، في حديث إلى عنب بلدي، أن التدخل الإسرائيلي الذي جاء بحجة حماية الدروز ظاهريًا، الهدف الأساسي منه هو إرساء منطقة آمنة خالية من وجود قوات عسكرية وأسلحة ثقيلة جنوبًا.
ومن المحتمل أن الحكومة السورية لم تكن على علمٍ كامل بمدى الضغوط التي ستواجهها من الولايات المتحدة، تحت تأثير الرغبة الإسرائيلية، ما أدى إلى انسحابها الأول تحت الضغط.
ما بعد وقف إطلاق النار
بعد اتفاق وقف إطلاق النار الأخير الذي أعلنت عنه الحكومة السورية فجر 19 من تموز، يبدو استشراف الواقع على الأرض في السويداء ضبابيًا نظرًا للكثير من الأسباب، منها المواقف المتنافرة أو غير المنسجمة لشيوخ العقل والفصائل، وتدخل العشائر بالاشتباكات الدائرة في السويداء.
اتفاق هش
يرى المحلل والكاتب فراس علاوي أن الاتفاق الأول بين مشايخ السويداء ووزارتي الدفاع والداخلية، بعد دخولها السويداء، كان “هشًا وقابلاً للانفجار” في أي لحظة، نظرًا لغياب الأدوات الكفيلة بتثبيته، فالقوى التي وقّعت الاتفاق لم تملك القدرة الكاملة على إدارة المدينة، في ظل عجز الدولة عن تقديم الدعم اللازم بسبب التدخلات الإسرائيلية والإقليمية المستمرة.
وأشار علاوي إلى أن الانقسام الداخلي في السويداء يعمّق الأزمة، فمنذ البداية، كان هناك انقسام واضح داخل المجتمع في السويداء، ورغم أن الأصوات الداعية للارتباط بالدولة السورية قد تكون مساوية أو أكثر عددًا من الأصوات الرافضة، فإن تأثيرها سيبقى محدودًا بسبب ما وصفه بـ”اختطاف القرار” من قبل بعض مشايخ العقل والفصائل المسلحة بالسويداء.
هذا الاختطاف تعزز من خلال عاملين رئيسين: التدخل الإسرائيلي المباشر، وصمت القوى الإقليمية المؤيدة لدمشق، ما أضعف موقف القوى الموالية للحكومة داخل السويداء.
بين الحضور الرمزي والدور الفعلي
قال الكاتب فراس علاوي، إن الدولة السورية ستكون حاضرة على الأرض في محافظة السويداء، ولكن بشكل ضعيف في الوقت الراهن، ومع ذلك، فإن هذا الوجود يجب أن يكون داعمًا للمجتمع المحلي، ولا سيما أغلبية أهالي السويداء الذين رفضوا الانفصال عن محيطهم كما رفضوا الميليشيات الداعية للانعزال بالسويداء عن بقية المناطق السورية.
ويرى علاوي أن تقسيم سوريا وانفصال السويداء عنها خيار مطروح لكنه غير مرجّح، ورغم وجود فرص ليرى هذا التقسيم النور، فالسيناريو ككل مرتبط بالمزاج الإقليمي والدولي، إذ توجد رغبة عامة في الحفاظ على وحدة سوريا، حتى إن إسرائيل تسعى إلى إبقاء البلاد موحدة شكليًا، وضعيفة فعليًا، بما يخدم أمنها القومي، وفقًا لتصريحات مسؤوليها باستمرار.
التهديدات الإسرائيلية واستراتيجية الرد
يحذر علاوي من احتمال تصاعد العمليات ضد الأمن العام والفصائل الموالية للحكومة، ما لم يتم احتواء المجتمع المحلي في السويداء وجذبه إلى جانب المجتمع السوري في بقية المناطق، وتقريب وجهات النظر وتهيئة المناخ لإجراء حوار فعلي على الأرض، فاستعداء هذا المجتمع قد يؤدي إلى مزيد من التوترات الأمنية.
ويرى علاوي أن التهديدات التي تواجه درعا ليست محلية فقط، بل تأتي من جانب إسرائيل التي تسعى لإفراغ الجنوب من أي وجود عسكري، وفي حال وجود قوات حكومية، قد نشهد تصعيدًا إسرائيليًا جديدًا، في ظل محدودية الدعم المباشر الذي يمكن أن تقدمه للفصائل المسلحة في السويداء.
ولا يتوقع علاوي أن تمد إسرائيل جسور دعم مستمر للسويداء، سواء برًا أو جوًا، بل سيقتصر دعمها على عمليات عسكرية محدودة كالعمليات الجوية التي جرت في 16 من تموز، فإسرائيل، في نهاية المطاف، تسعى لتحقيق مصالحها.
مبنى وزارة الدفاع السورية يتعرض لأضرار بالغة بعد غارات جوية إسرائيلية في دمشق – 16 تموز 2025 (أسوشيتد برس/غيث السيد)
الخسائر تطغى على المكاسب
استطلعت عنب بلدي آراء عدد من الخبراء والصحفيين بشأن الرابحين والخاسرين بعد الاتفاق الأخير، خاصة مع الدفاع عنه وتقديمه باعتباره نصرًا لأكثر من طرف.
ويرى الباحث في الشؤون العسكرية رشيد حوراني أن الخسارة الحقيقية هي في الصدع الذي أصاب المجتمع السوري، الذي قاده الهجري برفض تعامله مع سياسة الباب المفتوح مع دمشق والنظر إليها منذ وصولها إلى الحكم وإسقاط الأسد على أنها “جماعة تكفيرية”، وهو ما أكده في كلمته الأخيرة. ولذلك فإن المكسب يتحقق بتنحيته عن الواجهة وتقديم شخصيات سياسية واجتماعية تتولى شؤون المحافظة.
بينما يرى الكاتب فراس علاوي أنه في حال حصول وقف حقيقي لإطلاق النار، فإن الرابح من ذلك هو المجتمع السوري والحكومة، لأن حدوث الاستقرار سيسهم في المضي بخطوات أخرى لتعزيز التلاحم المجتمعي ودعم حالة الأمن وترسيخ السلم الأهلي.
أما بالنسبة للولايات المتحدة فإن استراتيجيتها تكمن في تنفيذ رغبات إسرائيل وسياستها الرامية لحفظ أمنها القومي، حتى لو كان ذلك بافتعال حروب أو دعم قوى انفصالية، وهو ما يشكل خطرًا على أي اتفاق يحصل بين الحكومة والفصائل والمسلحة على الأرض بالسويداء، وفقًا لعلاوي.
يكرس التدويل.. يقوض السيادة
عبد الله سليمان علي، الإعلامي المتابع للشأن السوري في جريدة “النهار” اللبنانية، قال إن الاتفاق الذي أعلنه المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا بشأن السويداء يمثل تدويلًا صريحًا للملف، إذ جاء بموافقة كل من الشرع ونتنياهو، إلى جانب دعم إقليمي من الأردن وتركيا ودول أخرى لم يُكشف عنها.
وأوضح عبد الله علي، لعنب بلدي، أن “تدويل أي ملف داخلي يُعد انتقاصًا من السيادة الوطنية، ويعبّر عن ضعف السلطات الانتقالية وعدم قدرتها على إدارة الملفات الحساسة بمفردها”، مضيفًا أن “هذا الاتفاق يمنح صورة سلبية عن أداء هذه السلطات، التي تُعد الخاسر الأول من مخرجاته، رغم محاولات الترويج عكس ذلك”.
وأشار إلى أن المفارقة تكمن في الخطاب الرسمي الذي “يُركّز على السيادة الوطنية ووحدة الأراضي لتبرير ما يحدث من عنف في السويداء، بينما الاتفاق نفسه ضرب هذين المفهومين في الصميم عبر تدويل القضية وإدخال إسرائيل شريكًا فيها”.
ويعتقد علي أن “إسرائيل هي الرابح الأكبر، إذ نجحت من خلال هذا الاتفاق في انتزاع شرعية التدخل في ملف داخلي، ما يُعد خطوة متقدمة في مشروعها الرامي إلى إضعاف الدولة السورية ودفعها نحو التقسيم، وفق ما يتماشى مع التصورات الإقليمية التي طالما تحدّث عنها نتنياهو”.
ينصّ الاتفاق على انتشار قوى الأمن الداخلي في محيط الحدود الإدارية للسويداء، في حين تبقى السيطرة داخل المدينة بيد الفصائل المحلية، ما يعكس محاولة للحفاظ على توازن هش، بحسب علي، “كانت الحكومة قد حاولت خرقه من خلال محاولة اقتحام المدينة قبل أن تتراجع وتترك المهمة للعشائر”.
السوريون أول الخاسرين
وفي الجانب الإنساني والأخلاقي، أعرب علي عن أسفه لما وصفه بـ”الخسارة الجماعية”، قائلًا إن “السوريين، شعبًا ومسؤولين، خرجوا خاسرين من أحداث السويداء، إذ فشلوا في تجنب تكرار سيناريو دموي مشابه لما جرى في الساحل السوري”.
ويرى أن الحكومة الانتقالية تتحمل المسؤولية السياسية والأخلاقية عن هذه الأحداث، لا سيما في ظل ما وصفه بـ”الأداء المربك والمثير للجدل”، مشيرًا إلى توثيق تجاوزات من قبل عناصر الأمن والجيش خلال الأيام الأولى، فضلًا عن مشاركة عناصر سبق اتهامهم في مجازر الساحل، وهو ما “يقوّض خطاب السلطة حول المحاسبة”.
وشدد عبد الله علي على أن “الفصائل المحلية ليست بريئة من الانتهاكات، لكنها لا تتحمل العبء القانوني والأخلاقي نفسه الذي يقع على الحكومة، المطالبة بالالتزام بالقانون الدولي الإنساني، وادّعت أنها جاءت لحفظ الأمن وفض الاشتباك، فإذا بها تقدم صورة مشابهة لما حدث في الساحل، مع تكرار مشاهد العنف والخطاب الطائفي”.
واختتم بالقول إن الحكومة “خسرت شعبيًا في أوساط الأقليات”، خاصة في ظل توجيه الشكر الرسمي لفزعة العشائر، الذي اعتبره “عاملًا إضافيًا في تعميق مخاوف الأقليات من تكرار هذا النموذج ضد أي طرف سوري معارض لتوجهات الحكومة مستقبلًا”.
لم يربح أحد
الباحث السوري الدكتور عبد الرحمن الحاج قال لعنب بلدي، إن الحكومة الانتقالية حققت خمسة مكاسب هي:
فرضت وجودها داخل السويداء، وأنهت ظاهرة التمرد التي يقودها الهجري.
ظهرت باعتبارها الضامن الوحيد لمنع حرب أهلية.
أضعفت موقف نزعات التمرد الحكومة المركزية، وبشكل خاص في الشرق، حيث يمثل العشائر أكثر من 95% من السكان، ومعظم “قوات سورية الديمقراطية” (قسد).
أضعفت طموحات الإسرائيليين في إنشاء منطقة منزوعة السلاح تشمل السويداء، وأيضًا أضعفت خيار دعم حكم ذاتي فيها، وعززت موقف الشرع في الاتفاقات الأمنية التي يتم التفاوض عليها.
أظهرت أن الشرع هو الضامن لبقاء المنطقة متماسكة مع طوفان العشائر المتدفقة لفزعة كان وجود إسرائيل طرفًا فيها وعنصرًا محفزًا، ما سيجعل الحسابات الإسرائيلية في عمليات برية واسعة أمرًا يهدد بارتداده على إسرائيل ويهدد المنطقة بالانهيار، لأن امتداد القبائل الإقليمي كبير، ويمكن أن يكون التهديد الوجودي لهذه القبائل إيقاظًا لهذا المارد الذي يصعب ضبطه والسيطرة عليه.
في المقابل، خسرت الحكومة جزءًا من هيبتها بالضربات الإسرائيلية لمدينة دمشق وقصف مؤسسات سيادية، مثل قيادة الأركان ومحيط القصر الجمهوري، وقتل المئات من قوى الأمن الداخلي ومجندين يتبعون لوزارة الدفاع، وأدى هذا إلى استياء واسع للغاية في الداخل، وشكل أحد الحوافز لفزعة العشائر.
بينما كسب الهجري إعلانًا صريحًا بالدعم الإسرائيلي، وانخراطًا علنيًا أكبر للإسرائيليين، بحسب الدكتور عبد الرحمن الحاج، واعتقد أن ذلك يمكنه من حكم ذاتي بالتوافق مع الإسرائيليين، بعد خروج الأمن العام والقوات العسكرية إثر الضربات الإسرائيلية.
وظهر الهجري كمدافع عن الطائفة في مواجهة حكومة متسلطة، ونجح في خلق مناخ عام بالسويداء مناهض للحكومة.
لكنه خسر الكثير في المقابل، في اليوم التالي للاتفاق، بعد أن بدأت الميليشيات المرتبطة به عمليات تطهير طائفي ضد العشائر العربية في السويداء وتهجيرها بهدف إعلان حكم ذاتي، ما أدخل السويداء في حرب أهلية.
في هذه الحرب التي فشل فيها، خسر الهجري الكثير من الدعم الشعبي من أهالي المحافظة، لأن الخسائر كبيرة من الجانبين المتحاربين، فخسر سمعته وتعرض لهزيمة ووقع اتفاقًا مذلًا يعزله عن التأثير.
أما العشائر التي وقعت ضحية هجوم طائفي فأخذت بثأرها، لكنها أيضا خسرت كثيرًا من أبنائها وارتُكبت فظائع بحقها.
المشهد غداة هذا العنف الأهلي يعكس، بحسب الدكتور عبد الرحمن الحاج، النتائج بشكل واضح، قرى وأحياء محترقة وقتلى في الشوارع، ولم يكن هناك حل دون دخول طرف ثالث، وبحساب الربح والخسارة، لم يربح أحد.
عنب بلدي،
———————————-
أحداث السويداء وضحايا الإعلام المضلل/ علي عيد
تلعب وسائل التواصل الاجتماعي دورًا قاتلًا في تأجيج المواجهات المستعرة في الجنوب السوري، وتسهم في هذا الدور جهات مختلفة، أخطرها إما منفعلون ينتمون لطرف دون غيره يعتقدون أن التحريض يخدم قضيتهم، وإما طرف ثالث تشغّله نوازع سياسية وأيديولوجية.
يقوم هؤلاء بالتحريض على العنف، وتقديم معلومات مستفزة، أو الدفع بالجمهور للانخراط فيما يجري بشكل غريزي، وتضخيم الخلافات، وشق صف المجتمع وضرب المشتركات التي يمكن البناء عليها.
ما يجري في محافظة السويداء، جنوبي سوريا، يمكن التعاطي معه كمثال لأثر الإعلام ووسائل التواصل في تغذية النزاع المسلح، فبعيدًا عن الخطاب الرسمي الذي يحاول موازنة المسألة وفق رؤية “الدولة”، تذهب وسائل التواصل إلى أمكنة بعيدة، في دلالة على ضعف ثقة غذته سنوات الحرب، ونشوء قوى محلية أو شعور جماعات بأن توازن الدولة غير موجود، وإن وجد فهو لا يخدم مصالحها، وربما هذا ما كنت أتحدث عن ضرورة معالجته في سلسلة مقالات سابقة.
يشير مقال بحثي مستند إلى مصادر مفتوحة من أمثلة حيّة، حول أثر المعلومات الضارة في وسائل التواصل الاجتماعي على الأشخاص المتضررين من النزاعات المسلحة، نشرته مجلة “International Review of the Red Cross” التابعة للصليب الأحمر الدولي، إلى أن انتشار المعلومات الضارة يفاقم على وسائل التواصل الاجتماعي المخاطر على المدنيين والأسرى والمجتمع بشكل عام.
ويصنف كاتب المقال، بيلي أولبريشت، المدير التنفيذي لبرنامج ستانفورد الإنساني، الأضرار الناتجة عن إعلام وسائل التواصل بخمسة أقسام: الأضرار التي تُلحق بالحياة والرفاهية الجسدية، والأضرار التي تُلحق بالرفاهية الاقتصادية أو المالية، والأضرار التي تُلحق بالرفاهية النفسية، والأضرار التي تُلحق بالإدماج الاجتماعي أو الرفاهية الثقافية، والأضرار التي تُصيب المجتمع بأكمله.
يمكن للإعلام أن يلعب دورًا إيجابيًا بمواجهة موجات الكراهية ودعم العنف من خلال نشر المعلومات الدقيقة، وتعزيز الحوار والتفاهم، ودعم جهود السلام والمصالحة.
لتحقيق هدف إيجابي يطلب من الصحفيين ووسائل الإعلام التركيز في عدد من الجوانب:
تعزيز الحوار والتفاهم: على الإعلام فتح قنوات للحوار والتفاهم بين الأطراف المختلفة، والتشجيع على تبادل الآراء ووجهات النظر المختلفة.
دعم جهود السلام والمصالحة: يلعب الإعلام دورًا مهمًا ومحوريًا في دعم جهود السلام والمصالحة، من خلال تسليط الضوء على أهمية التعايش السلمي والتعاون، والتركيز على المبادرات الإيجابية والمشتركات.
تحفيز التفكير النقدي: يمكن للإعلام أن يشجع الجمهور على التفكير النقدي والتحليل العميق للأحداث، بدلًا من الانجرار وراء العاطفة والغريزة، واستهلاك المعلومات بشكل سلبي.
نشر المعلومات الدقيقة: يلعب الإعلام دورًا حيويًا في توفير معلومات دقيقة وموثوقة حول الأزمات والنزاعات، ما يساعد على فهم الحقائق واتخاذ قرارات مستنيرة، بدلًا من تبني مواقف حادة قائمة على تقييم غير صحيح.
أهم الجوانب التي يسهم الإعلام فيها سلبًا والتي تؤدي إلى نتائج ضارة هي:
نشر الأكاذيب والتحريض على العنف: تثير وسائل الإعلام التي تنشر معلومات غير دقيقة أو مضللة الخوف والذعر بين الناس، ما يؤدي إلى تفاقم التوترات والصراعات.
تضخيم الخلافات وتقسيم المجتمع: التركيز على الخلافات والانقسامات داخل المجتمع، من قبل الإعلام، يؤدي إلى تعميق الانقسامات وتأجيج العنف، وخلق فجوة تحتاج إلى فترات طويلة لردمها.
التأثير على الرأي العام: تستطيع وسائل الإعلام التأثير على الرأي العام والتلاعب به وتشكيله بطرق سلبية، ما يجعل الناس أكثر استعدادًا للعنف والعدوان.
تغطية غير متوازنة للأحداث: تتسبب التغطية غير المتوازنة والتركيز على جانب واحد من الأحداث أو تجاهل جانب آخر بتشويه الحقائق وتضليل الجمهور، ما يثير المشاعر السلبية ويزيد من حدة التوترات، كما تتسبب بانصراف الجمهور إلى لون واحد يشعر أنه يمثله، ما يسهل انقياده لرواية يريد تمريرها الطرف المتحكم بهذا الإعلام.
هل انتهت الأحداث في السويداء إلى انقسام كبير تصعب معالجته بسبب الإعلام المضلل، وهل هناك فرصة للاستدراك، هذه المرة أفضّل طرح الأسئلة لعلها تكون محرضًا لنقاش وبحث أعمق من قبل المؤسسات والصحفيين المهتمين.. وللحديث بقية.
عنب بلدي
—————————–
إسرائيل تدشّن “ممرّ داود”/ سامح راشد
21 يوليو 2025
على هامش هزيمة 1967، قال موشيه دايان (وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك): “العرب لا يقرأون وإذا قرأوا لا يفهمون”. أتذكّر هذه المقولة كلّما خطت إسرائيل خطوةً نحو مخطّطها الجيوستراتيجي للسيطرة على الأرض العربية من النيل إلى الفرات، والتقيت في حياتي عدداً غير قليل من المسؤولين والخبراء المعنيّين بدراسة تلك الخطط وتحليلها ومواجهتها، وطالما كرّرت السؤال عن إخفاق العرب في منع تنفيذ تلك الخطط أو حتى تعطيلها. وللأسف! لم يعطني أيٌّ منهم إجابةً شافيةً، فكانت كلّها من نوعية “أصحاب القرار أعلم منا” أو “لقد اجتمعت عوامل عدة فرضت ذلك”… وغير ذلك ممّا لا يفسّر شيئاً، بل يزيد الأمر غموضاً ومدعاة للدهشة، بل والاستنكار.
ما يجري حالياً في الجنوب السوري حلقة جديدة في سلسلة خطوات الاقتراب من ذلك الحلم الإسرائيلي. بادرت إسرائيل، فور سقوط بشّار الأسد، باختراق الأراضي السورية وضرب مواقع عدّة للجيش السوري وتدمير أهداف عسكرية حيوية. ووضع قوات محدودة لها في مواقع معيَّنة. لم تكن تل أبيب مضطرّة إلى ذلك، إذ كانت الدولة السورية في أضعف حالاتها وأراضيها مكشوفة تماماً، ولو أرادت إسرائيل اجتياحها كاملةً، لفعلت بسهولة، لكنها أرادت، في ما يبدو، تثبيت نقاط تمركز عسكرية واحتلال أراضٍ سورية جديدة، استغلالاً لهشاشة الأوضاع هناك.
صحيحٌ أن تلك الهشاشة موروثة من “العهد الأسدي” بامتياز، غير أن سلوك الرئيس أحمد الشرع وأداءه (الخارجي خصوصاً) دمغها بإقرار رسمي علني، ثمّ جاءت تصريحاته اللّينة بشأن إسرائيل، والاتصالات غير المباشرة الجارية معها، فضلاً عن لقائه الشهير بالرئيس دونالد ترامب في الرياض، لترسم علامات استفهام مشروعة ومبرّرة. أمّا الواضح حالياً، والمؤكّد بالشواهد، أن إسرائيل ماضية في مخطّطاتها، ليس من دون عراقيل أو عقبات فقط، لكن ربّما بتعاونٍ، إن لم يكن بدعم عربي.
والمخطّط الذي نحن بصدده الآن، يعرف باسم “ممرّ داود” الذي تقيم بموجبه إسرائيل حزاماً من الأقليات الموالية لها، يبدأ من دروز سورية جنوباً، وينتهي عند كردستان شمالاً، مروراً بالأكراد في شمال شرق سورية. وبذلك يربط الممرّ الجولان بالسويداء والتنف وحمص ودير الزور، حتى يصل إلى مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في الحسكة، شمال شرقي سورية. وتدعم بقاء هذا الحزام وقوته مجموعات أقلية أخرى، مثل العلويين في سورية، واليزيديين في العراق. تكون بمثابة ألغام مزروعة للتفجير عند اللزوم، لتأكيد شرذمة المنطقة وتفتيتها.
لا تخجل إسرائيل من تحرّكها لتشكيل هذا التحالف الأقلياتي، بل تروّجه علناً، ومن أعلى المستويات الرسمية. ففي نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي (2024) أكّد وزير الخارجية الإسرائيلي، جدعون ساعر، في أول لقاء جمعه بموظّفي وزارته، الاتجاه إلى “مدّ يد العون السياسي والأمني للأكراد في إيران وتركيا”، باعتبارهم “ضحايا القمع والعدوان”.
بعد أن انقسم العراقيون على أنفسهم طائفياً، ويعيش اللبنانيون في متاهة الطائفية منذ نصف قرن، وبدأت سورية تشهد نمو بذور الطائفية التي زرعها آل الأسد، فإن الاستقطاب الطائفي (غير المبرّر) هو الطريق الواسع أمام إسرائيل، لتمدّ أيديها حتى أقصى المشرق العربي.
لقد أزاحت إسرائيل إيران من سورية، وأضعفتها في لبنان، وها هي تستبدل “الهلال الشيعي” بـ”ممرّ داود”. وبعدما كانت إسرائيل ودول أخرى في المنطقة تتهم إيران بامتلاك مشروع توسّعي للهيمنة الإقليمية، تباشر هي التوسّع والهيمنة من دون رادع. وبعد تكسير أذرع طهران، تستعدّ تل أبيب لفرد أذرعٍ لها في الأماكن ذاتها. ورغم وجود عوامل وأطراف إقليمية تستقوي بها إسرائيل، لا يزال بصيص أمل معقوداً على إدراك السوريين لما يحيق بهم، والاتعاظ ممّا جرى في لبنان والعراق واليمن، بل وممّا يجري حالياً في سورية نفسها.
العربي الجديد
————————————-
بين دعوة الرئاسة واندفاع العشائر.. ما مصير المواجهات في السويداء؟
2025.07.19
تدخل محافظة السويداء مرحلة شديدة التعقيد مع استمرار المواجهات المسلحة التي اندلعت مؤخراً بين مقاتلي العشائر وفصائل محلية، كانت الحكومة السورية قد وصفتها بـ “الخارجة عن القانون”. وتزامناً مع تصاعد المواجهات، أصدرت رئاسة الجمهورية بياناً دعت فيه جميع الأطراف إلى ضبط النفس وتغليب صوت العقل، مؤكدة أنها تبذل جهوداً مكثفة لوقف الاقتتال وإعادة الاستقرار، بما في ذلك إرسال قوة متخصصة لفض الاشتباكات ميدانياً.
وقبل ساعات، دعت الرئاسة السورية جميع الأطراف إلى ضبط النفس وتغليب صوت العقل، موضحةً أنها تبذل جهوداً حثيثة لإيقاف الاقتتال وضبط الانتهاكات التي تهدد أمن المواطنين وسلامة المجتمع، مؤكدة أن الجهات المختصة تعمل على إرسال قوة متخصصة لفض الاشتباكات وحل النزاع ميدانياً، إلى جانب تنفيذ إجراءات سياسية وأمنية تهدف إلى تثبيت الاستقرار وضمان عودة الهدوء إلى المحافظة في أسرع وقت.
وقال المتحدث باسم وزارة الداخلية السورية، نور الدين البابا، في تصريح قبل قليل: “إثر الأحداث الدامية التي تسببت بها مجموعاتٌ خارجةٌ عن القانون، وبتوجيهٍ مباشرٍ من رئاسة الجمهورية، بدأت قوى الأمن الداخلي بالانتشار في محافظة السويداء في إطار مهمةٍ وطنية، هدفها الأول حماية المدنيين ووقف الفوضى”.
وأضاف أن “الدولة، بكل مؤسساتها السياسية والأمنية، ماضيةٌ في مساعيها لاستعادة الأمن والاستقرار في السويداء، وستسخّر قوى الأمن كل طاقاتها سعياً لوقف الاعتداءات وحالة الاقتتال، وإعادة الاستقرار إلى المحافظة”.
الهجوم الذي شنّه مقاتلو العشائر يوم أمس جاء بعد تداول مقاطع مصورة لانتهاكات نُسبت إلى مجموعات محلية، طالت عدداً من أبناء العشائر، ورداً على هذه الانتهاكات، تدفقت أرتال مسلحة من عدة محافظات باتجاه السويداء وبدأت هجمات تهدف إلى السيطرة على المدينة.
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن حجم التعزيزات وانتشار المقاتلين من جهة العشائر فاق التوقعات، ما يؤكد أن المواجهة تجاوزت الطابع المحدود، وباتت تتطلب موقفاً من الدولة السورية لاحتواء التصعيد ومنع امتداده.
في هذا السياق، تُطرح عدة سيناريوهات بشأن مآلات الوضع، أبرزها احتمال دخول قوات الحكومة إلى المدينة لضبط الأمن واستعادة السيطرة، وهو ما قد يشكل مدخلاً لصياغة اتفاق جديد أكثر صلابة من التفاهمات السابقة، وهذا السيناريو بطبيعة الحال يحظى بدعم من بعض الجهات التي تعتبر أن غياب الدولة عن المشهد يفاقم حالة الفراغ الأمني.
في المقابل، لا يُستبعد أن يؤدي طول أمد الاشتباكات إلى استنزاف متبادل بين الأطراف، ما يفتح الباب أمام تدخلات إقليمية أو نشوء ترتيبات أمنية محلية جديدة على حساب الدولة المركزية.
الدولة السورية مطالبة باستعادة السيطرة الكاملة
قال الباحث في المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة، محمد السكري، إن ما تشهده محافظة السويداء من تصعيد عسكري بين فصائل محلية وعشائر البدو يمثل لحظة مفصلية تهدد التعاقد الاجتماعي السوري، وقد تفتح الباب أمام دوامة عنف طويلة الأمد، ما لم تتدخل الدولة السورية بشكل مباشر وواضح.
وأوضح السكري، في لقاء مع تلفزيون سوريا، أن العمليات العسكرية الجارية تُشكل خطراً حقيقياً على وحدة الهوية الوطنية السورية، في ظل تصاعد النزعة الفئوية وتراجع الخطاب الوطني الجامع، مضيفاً أن الدولة هي الجهة الوحيدة المخولة بإيقاف العنف، وأن أي تأخير في تدخلها سيعني انزلاق الوضع نحو الفوضى.
وشدد الباحث على أن تدخل الدولة يجب أن يتم عبر السيطرة الأمنية الكاملة على محافظة السويداء، واستعادة حضورها في كل مفاصل القرار، مشيراً إلى أن انسحاب القوى الأمنية مؤخراً جاء نتيجة لضغوط إسرائيلية غير مشروعة، وتقاطعات داخلية مرتبطة بمواقف بعض الشخصيات مثل حكمت الهجري التي طالبت بتدخل إسرائيلي، وهو ما وصفه بـ “الخطاب الخارج عن السياق الوطني”.
وتابع السكري قائلاً إن إسرائيل تسعى لاستثمار الفوضى في الجنوب السوري، من خلال السماح باستمرار الاشتباكات وفرض توازنات على الأرض تُبقي السويداء تحت سيطرة مجموعات محلية، بعضها متورط في أنشطة تهريب ومخدرات، بهدف تعطيل أي مشروع لبناء الدولة السورية الحديثة، مضيفاً أن هذا السلوك الإسرائيلي يهدد ليس فقط الأمن السوري، بل أيضاً الأمن القومي الأردني والإقليمي.
وعلق السكري على ما نقلته هيئة البث الإسرائيلية بشأن “منح الرئيس السوري وقتاً محدداً لضبط الأوضاع” في السويداء، قائلاً إن ذلك لا يعكس تناقضاً بل يُظهر تكاملاً في الموقف الإسرائيلي، الذي يريد من الدولة السورية أن توقف العشائر، لا أن تبسط سيطرتها على المحافظة، مؤكداً أن إسرائيل ترفض أي مسار يقود إلى توحيد الهوية الوطنية السورية، لأنه يضعف قدرتها على التدخل الدائم في الجنوب السوري تحت ذرائع أمنية.
احتمالات التدخل وتخوف من سيناريو الاحتلال
وحول دخول قوات العشائر إلى السويداء من الجهة الغربية، اعتبر السكري أن هذا التطور قد يُمهّد لتدخل مباشر من وزارة الدفاع السورية خلال ساعات، خاصة إذا نجحت العشائر في السيطرة على مواقع مركزية. ورأى أن دخول الدولة سيكون ضرورياً لضبط الوضع، لكن التخوف الأكبر يتمثل في احتمال تدخل إسرائيلي مباشر في حال انسحاب العشائر ودخول الجيش السوري.
وأضاف أن إسرائيل قد تستغل هذا السيناريو لفرض “احتلال واضح وصريح” لجنوبي سوريا، بما في ذلك السويداء والقنيطرة، في محاولة منها للانتقال من مطلب نزع السلاح إلى فرض واقع عسكري جديد يخدم مصالحها الجيوسياسية.
وأكد السكري أن الأطراف الوطنية مطالبة بإدراك خطورة هذا المشروع، والعمل على إفشاله من خلال تعزيز الحضور الرسمي للدولة والتمسك بالخطاب الوطني، لا الفئوي أو الطائفي. كما أشار إلى أن تراجع الدولة عن هذا الدور سيؤدي إلى مزيد من التفتت المجتمعي وتكريس الانقسام على حساب مشروع الدولة الوطنية الجامعة.
سيناريوهات مفتوحة في السويداء
تثير التطورات في السويداء تساؤلات حول المآلات المحتملة، في ظل غياب أي إعلان رسمي عن بنود اتفاق وقف إطلاق النار، واستمرار المواجهات على مشارف مدينة السويداء، وازدياد الدعوات المحلية والدولية إلى وقف فوري لإطلاق النار ومنع تفاقم الأزمة.
ويُعدّ التوصل إلى اتفاق بين الحكومة السورية والفصائل العسكرية في السويداء أحد أبرز السيناريوهات المطروحة، خاصة في حال استمرار الضغط الميداني الذي تفرضه أرتال العشائر القادمة من عدة محافظات.
ويقوم هذا السيناريو على دخول الحكومة كطرف ضامن أو راعٍ لاتفاق جديد يفضي إلى وقف العمليات العسكرية، مقابل إعادة انتشار الفصائل المحلية أو ضبط سلوكها ضمن إطار واضح، بما يمنع تكرار الانتهاكات التي فجّرت التصعيد الحالي.
سيناريو آخر يُحتمل أن تتجه إليه الأمور، يتمثل بسيطرة العشائر على مناطق استراتيجية داخل مدينة السويداء، لا سيما مداخلها الغربية وبعض المفاصل الحيوية، ما قد يؤدي إلى فرض معادلة ميدانية جديدة، تنهي فعلياً سلطة الفصائل العسكرية المحلية وتفتح المجال أمام ترتيبات أمنية تكون للحكومة السورية الكلمة العليا فيها.
من جهة أخرى، تبقى فرضية الاستنزاف المتبادل قائمة، في حال استمرار الاشتباكات من دون حسم أو تدخل حاسم من أي طرف. وبين جميع هذه السيناريوهات، تظلّ خيارات الحل مرتبطة بإرادة الأطراف الفاعلة داخل المحافظة، وقدرة الدولة السورية على لعب دور جامع، إلى جانب الضغط الشعبي لاحتواء الأزمة، قبل أن تتدحرج الأمور إلى نقطة يصعب معها استعادة الاستقرار.
التوصل إلى اتفاق
وفي وقت سابق، أعلن المبعوث الأميركي إلى سوريا وسفير واشنطن في تركيا، توماس باراك، عن اتفاق لوقف إطلاق النار بين سوريا وإسرائيل.
وقال باراك في منشور على منصة “إكس” إن الطرفين السوري والإسرائيلي، بدعم من الولايات المتحدة، اتفقا على وقف إطلاق نار تبنّته تركيا والأردن وجيرانهما.
وأضاف: “ندعو الدروز والبدو والسنّة إلى إلقاء أسلحتهم، والعمل مع الأقليات الأخرى على بناء هوية سورية جديدة وموحدة، في سلام وازدهار مع جيرانها”.
وحتى الآن، لم تنشر الرئاسة السورية بنود أي اتفاق مع الفصائل المحلية في السويداء، في حين تشير المعطيات على الأرض إلى أن المواجهات مستمرة بين مقاتلي العشائر والمجموعات المحلية، ما يعني أن معرفة السيناريو النهائي للأحداث يبقى رهينة التطورات في الساعات القادمة.
فضل عبد الغني يدعو إلى حوار عاجل
دعا مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فضل عبد الغني، الحكومة السورية إلى فتح طاولة حوار عاجلة تضم جميع الأطراف المعنية في محافظة السويداء، بمن فيهم العشائر والفصائل المسلحة التابعة للشيخ حكمت الهجري، بهدف وقف الاقتتال وضبط الوضع الميداني المتدهور.
وقال عبد الغني في تصريح لتلفزيون سوريا إن جميع القوى المسلحة، سواء العشائر أو الفصائل المرتبطة بالهجري، تُعدّ خارج إطار الدولة والقانون، ولا يحق لأي جهة حمل السلاح خارج مؤسسات الدولة الرسمية، مؤكداً أن الحل يجب أن يكون سياسياً عبر طاولة حوار برعاية عربية إن لزم الأمر، محذّراً من أن استمرار التصعيد من شأنه أن يُفاقم الأزمة ويهدد المرحلة الانتقالية في سوريا.
وتطرّق عبد الغني إلى حادثة خطف رئيس مركز للخوذ البيضاء في السويداء، محمّلاً الفصائل التابعة للشيخ الهجري المسؤولية المباشرة عن الحادثة، نظراً لوقوعها في مناطق تقع تحت سيطرتها. وقال إن المؤشرات الأولية تشير إلى تورط تلك الجهات، وعليها أن تتحمل مسؤولية سلامة المخطوف، والإفراج الفوري عنه، وكذلك احترام مهمة الفريق الأممي الذي كان بصحبته.
تلفزيون سوريا
—————————
سوريا بلاد الفزعة.. بين العشائرية والطائفية والوعي العشائري والطائفي/ أحمد جاسم الحسين
2025.07.21
تعادل الفزعة في الشرق، بمعنى ما، العمل التطوعي في أوروبا، غير أن الآليات والأهداف تختلف تبعاً لاختلاف ظروف البلدان الأوروبية ونمط الشخصية وما يراد منها، فالعمل التطوعي في أوروبا عمل غير مأجور، يفعله الشخص في حيه أو عبر منصة وطنية للعمل التطوعي، وفقاً لما يرغب أن يفعله، وقد عملت شخصياً إبان إقامتي 12 عاماً في هولندا، عدداً من الأعمال التطوعية ومنها العمل في مكتبة كدليل للقراء.
الفزعة في الشرق هي كذلك عمل إسعافي تطوعي لتغطية حالة طارئة أو مساعدة أقارب أو معارف أو جيران بعمل في الأرض أو البناء أو سوى ذلك، وأذكر في أيام الطفولة أن الفزعة كانت تحضر كثيراً إبان فترة الحصاد، أو نتيجة تعرض محصول ما للتلف، أو تعرض عائلة ما لحريق، أو صب سطح بناء ما ، أو إبان “فتل الشعيرية اليدوية” أو حالة طارئة ما، سرعان ما يهب كل من يرى الحدث للمساعدة.
قد يكون جانب من الفزعة ما تفعله سيارات الإسعاف من خلال سرعة التلبية مثلاً، والفزعة عادة ما تكون عند الخلافات والنزاعات أو فزعة مالية أو فزعة مناسبات أو قتال ودفاع لحماية أرض أو عرض.. وهي تعكس روح التضامن والوفاء والانتماء.
والمقارنة بين دول مستقرة ودول خارجة من النزاع الأهلي أمر غير سليم تماماً؛ إلا من حيث محاولة تحديد المصطلحات واختلاف المفاهيم بهدف تشكيل معرفة أكثر دقة من باب أن الشيء يعرف بمقارنته بضده، ذلك أن البلدان المستقرة لم تصل إلى ما وصلت إليه إلا بعد المرور بمخاض عسير طويل.
سوريا اليوم تمر بمرحلة صعبة جداً، لذلك تتم الاستعانة بكل انتماءات ما دون الدولة والمواطنة نتيجة الخوف وعمد الثقة بين أبناء البلد الواحد، بل إن البلاد تشهد استعمال مصطلحات ما قبل العمل السياسي من مثل الفزعة العشائرية نتيجة فائض القوة عند طرف ما على حساب طرف آخر، أو استعانة طرف داخلي بدول للشعور بالضمان والأمان.
كان السوريون قبل أحداث الأيام الأخيرة يكادون أن يكونوا مجمعين على أن الاستعانة بإسرائيل ضرب من الخيانة نتيجة ترسيخ الفكرة من قبل النظام السابق، وكون مفهوم الاستعانة على ابن البلد بالخارجي الآخر منافية لمفهوم المواطنة والدولة، بل إن القانون السوري يجرم ذلك.
اليوم تغيّرت كثير من المفاهيم، الوضع السوري ركوة قهوة تغلي على النار لذلك كل دقيقة يمكن أن تطفو القهوة خارج الحسابات، خارج الركوة والصندوق المخصص لها، يمكنك أن تحاول أن تبعد الركوة عن الغاز فتنحرق يدك، يمكنك أن تصب منها للضيف فيمتلئ الفنجان أو يفسر ضيفك ذلك عدم تقدير، كل كلمة اليوم في سوريا تقبل أن تفهم بغير سياقها أو المراد منها.
الوضع السوري اليوم ليس مشكلة فصائل عسكرية مختلفة فيما بينها، بل استعصاء سياسي، واختلاف رؤى وصراعات لها مظاهر متنوعة، قد يكون الصراع الطائفي والعشائري أحد جوانبه، وهي أنواع من الصراعات الأهلية قد تبرز بقوة بعد مراحل انتصار الثورات أو الرحيل المفاجئ للأنظمة القمعية خاصة إن تمّ إشعاله بأيد خارجية.
من السهولة اليوم التبرؤ أو الانتساب إلى الطائفية أو العشائرية أو رمي الآخر بها، لكن من المهم كذلك ألا ننسى الوعي الطائفي والعشائري فكثير ممّا يرمي به سوري اليوم سورياً آخر يكون هو واقع فيه، ولا يدري حتى إن اختلفت اللغة أو المصطلحات.
الخلاف في سوريا اليوم في أحد جوانبه خلاف على شكل الدولة، واعتراض على المنتصرين ورغبة بالمشاركة في رسم شكل الدولة السورية المستقبلي، وكذلك خوف السوري من السوري الآخر، وعدم الثقة.
من الصعب الطلب من السوريين اليوم بعد هذه التجارب الصعبة التي مروا بها الانتقال مباشرة من العشائرية إلى الوعي العشائري أو من الطائفية إلى الوعي الطائفي، وقد يكون هذا الوعي مدخلاً لتوظيف انتماءات ما دون المواطنة لتكون سبباً في بناء الدولة، من خلال التعويل على إدراك الوعي الاجتماعي والمدني للعشيرة والطائفة وأعرافها في حفظ الأمن المحلي وحل النزاعات دون عنف وعدم المصالحة الوطنية ومواجهة الفوضى ودعم الاستقرار.
صحيح أن الطائفية تقوم على الانتماء الديني أو المذهبي، والعشائرية تقوم على الانتماء العرقي والقراباتي، إلا أنّ التوظيف الطائفي تتم ترجمته في الخطاب السياسي والديني، فيما العشائرية تكون فكرة الولاء فيها للتضامن الاجتماعي خاصة، هنا يحضر جدل الدين الطائفي وهناك يحضر شيخ العشيرة.
السؤال المؤلم: كيف تحوّلت الفزعة اليوم من فزعة على الخير أو إغاثة الملهوف أو المساعدة إلى فزعة فريق سوري ضد فريق آخر وكل منهما يعتقد أنه صاحب الحق، وأنه مالك للحقيقة وأنه الأجدر بها؟
قبل سنوات لم يكن ليختلف سوريان حول مفهوم الفزعة وأنها نصرة منظومة قيم، لكنها اليوم هي فزعة من أحبّة على أحبّة لسوريا، كل منهم يعتقد أنه أولى بها أو أجدر برسم مستقبلها، الصراع اليوم بين البدو والدروز في سوريا وما يستحضره من مصطلحات ومنظومات وقيم وأفكار في جانب من جوانبه صراع اجتماعي ومفاهيمي.
يمكن في إطار الصراع الدائر في سوريا أن تكون مغنياً وفناناً تغني في عدة أماكن من العالم، لكنك يمكن أن تعود إلى استعمال الزيت المغلي ضد كل من يمر أمامك.
البداوة اليوم ليست إشارة إلى مرحلة اجتماعية هي ما قبل عهد الفلاحة والتمدن والمدينة، بل اليوم هي حالة تفكير ونمط استعلائي انغلاقي على الذات، لذلك قد تكون فناناً أو موسيقياً أو ممثلاً وتظن أنك أبعد ما تكون عن البداوة والعشائرية بمفهوم العصبة ولكن يجلس في رأسك مجرم متحضر، بلا قيم أو مبادئ، فنتحسر على أيام البداوة بما فيها من فطرية وقيم بسيطة.
الوعي العشائري والطائفي والبدوي اليوم في سوريا يتم توظيفه بطريقة مؤلمة، فبدل أن يكون عامل رفعة وخطوة إلى الأمام في الجانب الإنساني، ها هو يصبح عامل فرقة وتوظيف لمعركة لمزيد من اللاإنسانية بين أبناء البلد الواحد الذين يدعي كلهم وصل ليلى/ وليلى هذه المرة هي سوريا ولا تقر لأي منهم بالأحقية بتمثيلها، لأنّها ترى أنهم يجب أن يكونوا أجمل من ذلك وأكثر إنسانية.
تلفزيون سوريا
—————————
هزيمة المشروع الصهيوني في السويداء/ ياسر أبو هلالة
21 يوليو 2025
وقف إطلاق النار في السويداء هو إطلاق الطلقة الأخيرة على المشروع الصهيوني التقسيمي في سورية، فبعد أن نجح حكمت الهجري في جرّ السويداء إلى فخّ الفتنة الإسرائيلي، تمكّنت الدولة السورية من وأد الفتنة وهزيمة هذا المشروع، رسالة وصلت بوضوح إلى نتنياهو. فزعة القبائل العربية، بامتدادها العريض في المشرق من الأردن إلى العراق والخليج العربي، لم تكن ضدّ عصابات الهجري حصراً، بقدر ما كانت ضدّ امتدادها الصهيوني. مشهد الانفجارات في قلب ساحة الأمويين في دمشق حرّك ما هو كامن من عداء ضدّ كيان العدوان تجاه جرائمه الحاضرة في السويداء وغزّة، والغابرة على امتداد الصراع، وكان وصف الرئيس السوري أحمد الشرع إسرائيل بـ”الكيان” في خطاب رسمي عدم اعتراف بدولة الاحتلال ورفض لعدوانها.
تحدّث الشرع عن الكيان بقوة وتماسك، من دون عنتريات ولا ادّعاءات، وتهديدات جوفاء. وحدّد الوحدة وبناء الدولة هدفاً يسعى العدو إلى منعه، والدولة تبنى بالمواطنة والتماسك، وهو ما يصنع الاستقرار ويحقق الازدهار. خرج في خطابه رجل دولة، يحمل قيم الثورة حرية وكرامة ووحدة ومواطنة، لم ترهبه قوة العدو الغاشمة رغم القصف المدمّر المزلزل، ولم يتورّط في حربٍ بلا نهاية، ووصف إسرائيل بـ”الكيان” لا بالدولة، وبالعدو الساعي إلى تمزيق سورية. خاطب في الدروز وطنيتهم، وعزل المجموعة الإرهابية الانعزالية، موضحاً الغاية: بناء الدولة، وهو ما يحاول الكيان منعه. وقال: “لسنا ممّن يخشى الحرب، لكنّنا قدمّنا مصلحة الشعب على الفوضى، وكان خيارنا الأمثل حماية وحدة الوطن… نحن أبناء هذه الأرض والأقدر على تجاوز محاولات الكيان الإسرائيلي لتمزيقنا، إسرائيل منذ إسقاط النظام تسعى إلى تفكيك سورية، كنا أمام خيار الحرب المفتوحة مع إسرائيل أو فسح المجال لاتفاق فاخترنا حماية الوطن”.
التخلّص من الهجري شرط لإنهاء الفتنة، ليس بتصفيته، فهذا سينتج هجريين أسوأ، وإنما بالتخلّص من مشروعه الصهيوني، بتثبيت وقف إطلاق النار وإطلاق سراح المحتجزين وتطمين كلّ إنسان سوري، درزياً كان أم بدوياً، بأن الدولة له، وهي من تحميه، لا طائفته ولا قبيلته ولا إسرائيل. أخذت القبائل ثأرها، ودخلت السويداء وانتقمت، هل المطلوب أن تُباد السويداء؟ ماذا بعد؟ بمنطق الغزو والثأر مفروض أن تنتهي الفتنة، فكيف بمنطق الدين والدولة والقانون؟ الحلّ وجود الدولة بأجهزتها ومؤسّساتها وبانسحاب كلّ مقاتل ونزع كلّ سلاح. صحيحٌ أن ما تحقّق من ردع في السويداء جاء بفضل فزعات العشائر، التي فرضت توازناً ميدانياً سريعاً، لكن الحسم العسكري يبقى مكلفاً سياسياً واجتماعياً على سورية وشعبها. لولا فزعة القبائل، التي غطت انسحاب الدولة الاضطراري، لفتحت إسرائيل ممرّ داود الرابط بين مشروع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) ومشروع الهجري، وانتصار الهجري انتصار لنتنياهو، وهزيمته هزيمة لنتياهو. هذا وغيره لا يمنع من التدقيق والتحقيق في كلّ تجاوز من كلّ طرف، بما فيه الدولة، أمّا التغاضي عن العامل الإسرائيلي وتهميشه فهو تواطؤ مكشوف، وصهينة غبية. ولغة العنتريات وإطالة أمد المواجهات تُهدّد استقرار سورية، وتنذر ببوادر حرب أهلية تمتدّ إلى محافظات أخرى، وهو ما تسعى إليه فلول النظام البائد ومليشيات “قسد”، خصوصاً أن حجم الفظائع لا يمكن تخيله، ومن المهم توثيق كلّ جريمة، لكن المحاسبة اليوم عبثية، وغير واردة. يأتي وقتها عندما تثبت مؤسّسات الدولة والقانون والأمن أركانها، وعلى ما خلصت ورقة تقدير الموقف في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات “إن الغوص في تفاصيل مثل “من بدأ؟”، و”من ارتكب الجرائم الأفظع؟” هو نوع من العبث، ودوران في الدوامة ذاتها، وحرف الانتباه عن القضية الرئيسة التي تنتظر الحلّ منذ سقوط النظام، إنها مسألة بناء الدولة الحديثة ومؤسّساتها، دولة المواطنين جميعاً”.
يعمل الهجري اليوم على إفشال وقف إطلاق النار، ويرفض حتى دخول وزير الصحّة إلى السويداء، وليس فقط قوى الأمن والجيش. كما يرفض دخول فريق الدفاع المدني الذي اعتاد أداء مهمّته بكلّ شجاعة من دون تمييز، وحرائق الساحل أكبر دليل، وهو يفاوض على مأساة المدنيين، ويأخذهم رهائن متسلحاً بالدعم الإسرائيلي وقدرته على التأثير في الموقف الأميركي.
لقد أفضت التطوّرات، أخيراً، والاتفاق الماضي في السويداء إلى استعادة الدولة السورية زمام المبادرة، وتحوّلت عودتها إلى مطلب دولي وإقليمي واضح، وقد نجحت دمشق في إفشال مخطّط التقسيم وإسقاط مشروع معبر داود، الذي كان يستهدف ربط الجنوب بامتداد “قسد” شرقاً، وثبتت وحدة التراب السوري ومنع خلق أيّ أمر واقع جديد.
على صعيد دولي، كسبت سورية سياسياً موقفاً أميركياً وعالمياً متقدّماً، فيما ظهر ضعف الموقف الإسرائيلي، وتخبّط حساباته أمام صمود الدولة ووعي الشعب. وعربياً وإسلامياً، كان التضامن واسعاً خصوصاً بيان 13 دولة، الذي ضمّ الأردن والخليج ومصر وتركيا، فعبّر عن عزلة الهجري وعن التضامن العالمي مع الدولة السورية. وحقّق وقف إطلاق النار الغاية الأساسية التي سعت إليها الدولة والمتمثّلة في عودة مؤسّساتها إلى محافظة السويداء، بما يعيد تأكيد حضورها السيادي والشرعي في مختلف المناطق، والدور المقبل على قسد، التي أدركت أن لا مناص من دون الالتحاق بالدولة. ونجاح وقف إطلاق النار يتطّلب الفصل بين عصابات الهجري والدروز، تماماً كالفصل بين السُّنّة وتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، لا بدّ من إحياء الزعامات الدرزية الوطنية التاريخية ممثلة للدروز، سلطان باشا الأطرش، كمال جنبلاط، الأمير شكيب أرسلان، الذين لم يكونوا شيوخ عقل، بل زعامات سياسية، وشيوخ العقل لم يكونوا يتدخّلون في السياسة.
يجب أن يُترجم النجاح العسكري سياسياً عبر دخول الدولة لفضّ النزاع، بما يثبت سيادتها ويعيد مؤسّساتها، أمّا الغياب فيُفسَّر عجزاً، ويفتح الباب أمام سيناريوهات خطيرة على وحدة سورية. فالدولة، لا الطائفة ولا القبيلة ولا العرقية هي من تحتكر القوة المنظمة والسلاح في كلّ سورية. هذه البديهية لم تكن في حاجة إلى هذه الدماء كلّها في السويداء لإثباتها. الدولة السورية ليست أقلّ من أيّ دولة لها شرعية كاملة، تحتكر وحدها القوة المنظّمة والسلاح، وتحاسَب إن تعسّفت باستخدام القوة، لتُترَك الدولة تمارس دورها كاملاً غير منقوص، وتحاسب بشكل كامل غير منقوص، أمّا أن يرفض الهجري وجود الدولة بالكامل، ويحاسبها بالكامل، فهذه سماجة وحماقة لا يقرّها عاقل ولا شيخ عقل. فإعلاء قيم الدولة والمواطنة مسار طويل وصعب ومعقّد، يحتاج إلى تضافر كلّ الجهود، مساراً لا قراراً. ليست القبيلة ولا الطائفة بديلاً من الدولة، لتُطوى صفحة الاقتتال وتُفتح صفحة الحوار والتوافق والبناء، وتحتاج السويداء إلى الاستقرار، وهو ما يجذب الاستثمار والازدهار، مثل سورية كلّها، وأن تكون شريكةً لا غريمةً، ولا غنيمةً، وأن تكون ضدّ استهداف أي إنسان سوري بسبب عرقه أو مذهبه أو قبيلته، يعني أن تكون ضدّ إسرائيل التي قامت على إبادة الفلسطيني ولا تزال، وهي تمارس جريمةً متواصلةً بحقّ مليون نازح سوري مهجّر من أرضه، من بينهم رئيس الدولة.
ويجب إدانة القتل خارج إطار القانون، بمعزل عن القاتل والقتيل، والدعوة إلى التحقيق والمحاسبة. فدماء الأبرياء التي أُريقت في السويداء في رقبة عصابات الهجري، ومن ساندها فرفض وجود الدولة، وأغراه الانفصال بإمارة درزية بدعم إسرائيلي عسكري ومالي. عندما فتك الدواعش بأهلنا في حوض اليرموك لم يستعينوا بإسرائيل، وهي أمام أعينهم. الاستعانة بالعدو لقصف قلب دمشق عارٌ لا بدّ من البراءة منه وممّن اقترفه. الهجري عار على السوريين جميعاً، وليس على الدروز، لا يجوز وصم طائفة بجريرة أحد أبنائها. بالمناسبة الكرد سنّة، لكن “قسد” عميلة لإسرائيل مثل عصابات الهجري. هذا لا يعني أن نَصِمَ الكرد السُّنّة بالعمالة. وبالمناسبة يوجد سنّة ليبراليون، يرون في الهجري “بطلاً” يقف مع العالم المتحضّر في مواجهة “همجية” الدولة السورية، وهؤلاء صهاينة أيضاً، ولا تشفع لهم سنّيتهم.
جولة صراع مع “الكيان” الغاشم خرجت فيها سورية بأقلّ الخسائر. أكّد العدو قوته الغاشمة التي لم تتوقّف عن القتل والتدمير منذ عامين في غزّة، الضربة القاضية كانت لتيّار التطبيع والصهينة، الذي حاول التسلّل إلى صفوف الثورة.
لقد نجح شيخ العقل الهجري في سرقة تاريخ الدروز، حتى بات يُوشك أن يسرق مستقبلهم، فالدروز لم يكونوا يوماً طائفة انعزالية أو ملحقين بمشاريع التقسيم، بل كانوا طليعة الوحدة الوطنية في سورية، ورفضوا إقامة كيان منفصل رغم العروض الاستعمارية. من سلطان باشا الأطرش، إلى زعيم الحركة الوطنية اللبنانية، كمال جنبلاط، مروراً بالأمير شكيب أرسلان، المفكّر الإسلامي العروبي، كانت رموز الدروز ذات امتداد أممي لا طائفي، وذات دور وحدوي لا انقسامي. واليوم، تُستبدَل هذه القامات برجالٍ بلا مشروع ولا كرامة، ارتضوا أن يكونوا أدواتٍ في مشاريع صهيونية تفتيتية، أمثال الهجري ووئام وهاب وأشباههما.
قبل قرن، حين بدأت تتشكّل هُويَّة عربية جامعة بعد سقوط الدولة العثمانية، كانت ولاية حوران تضم دروزاً وبدواً وفلاحين، وسكّاناً من مناطق ما يُعرف اليوم بالأردن وسورية، من دون حواجز. وقد عُيِّن رشيد طليع، الدرزي القادم من جبل العرب، متصرّفاً على لواء حوران أيام الدولة العثمانية، ثمّ أصبح أول رئيس وزراء لإمارة شرق الأردن، التي أسّسها الأمير عبد الله عام 1921. هذا النموذج الذي تجاوز الانتماءات الضيقة، يؤكّد أن الردّ الحقيقي على المشروع الصهيوني التفتيتي هو بإحياء الهُويَّة التاريخية الجامعة لهذه الأرض، لا بتفتيتها على أسس طائفية أو إثنية. لا يعقل بعد مرور مائة عام أن يُعاد تقسيم المنطقة على أسس تُنكر هذا الإرث الوحدوي.
العربي الجديد
——————————–
من الولاء لنظام الأسد إلى الاستقواء بإسرائيل.. من هو حكمت الهجري؟
عربي بوست
بينما كانت مدينة السويداء السورية تنزف من الداخل إثر مواجهات عنيفة اندلعت بين قوات الأمن الحكومية ومسلحين محليين، أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى، لم يتأخر الاحتلال الإسرائيلي في “استغلال اللحظة”، ومثل أي مستعمر، حضر بلهجة الحامي لا الغازي، مكرساً خطاباً استعمارياً قديم الطراز، يستثمر الفوضى ليعزز نفوذه بحجة الدفاع عن جماعة لا تزال تُعامل كمواطن من درجات أدنى داخل نطاق سيطرتها.
وفي تصعيد غير مسبوق، قصف الاحتلال العاصمة دمشق، مستهدفاً مواقع حساسة، بينها مقر وزارة الدفاع والمجمع الرئاسي، تحت ذريعة حماية الأقلية الدرزية. قوبل هذا العدوان بإدانات دولية، لكنه يبدو أنه جاء متناغماً بشكل مريب مع خطاب الشيخ حكمت الهجري، أحد أبرز مشايخ الطائفة الدرزية، الذي خرج مؤخراً بمواقف علنية يهاجم فيها الحكومة السورية، ويوجه نداءات إلى رؤساء أجانب مثل دونالد ترامب، ورئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو – المطلوب دولياً للمحاكمة بتهم ارتكاب جرائم حرب – للتدخل في سوريا “باسم حماية الدروز”.
رجل الدين الذي صعد من موقع المرجعية الروحية إلى موقع الفاعل السياسي، لعب أدواراً متغيرة في المشهد السوري. خلال عقد واحد، عبر الهجري مساراً غير خطي: من الحياد المُعلن إبّان الثورة إلى تأييد نظام الأسد، ثم إلى الاصطفاف مع الحراك المدني لاحقاً، وصولاً إلى معارضة حكومة ما بعد الأسد برئاسة أحمد الشرع. فاليوم، لا يبدو الشيخ الهجري مجرد مرجعية دينية؛ اسمه يثير انقساماً واضحاً داخل الطائفة، وداخل البلاد.
النشأة
وُلد حكمت سلمان الهجري في التاسع من يونيو/حزيران 1965 بفنزويلا، حيث كان والده يعمل في ذلك الوقت، قبل أن يعود إلى سوريا لاستكمال تعليمه الأساسي من المرحلة الابتدائية حتى الثانوية. نشأ في بيئة دينية محافظة، متشبثاً بمبادئ وتعاليم المذهب الدرزي، وتلقى تعليمه في مدارس الطائفة، حيث اكتسب معرفة معمقة في الفقه والمعتقدات الدرزية. هذه الخلفية منحته مكانة بارزة في مجتمعه، إذ حظي باحترام واسع، وأضحى من أبرز المؤثرين داخل الطائفة، مع دور فاعل في توجيهها.
في عام 1993، استقر الهجري في مسقط رأسه للعمل، قبل أن يعود إلى بلدته قنوات شمال شرقي محافظة السويداء عام 1998. وقد تابع تعليمه الجامعي في جامعة دمشق، حيث التحق بكلية الحقوق عام 1985 وتخرج منها عام 1990.
قيادته الدينية
في عام 2012، خلف حكمت الهجري شقيقه أحمد في منصب الرئاسة الروحية لطائفة الموحدين الدروز، إثر وفاته في حادث سير، وهو المنصب الذي تتوارثه العائلة منذ القرن التاسع عشر، حيث تسلمه أحمد في عام 1989.
من الولاء لنظام الأسد إلى الاستقواء بإسرائيل.. من هو حكمت الهجري؟
ويُذكر أنه نتيجة خلافات على زعامة الجماعة والهيمنة على المشهد الديني والسياسي في جبل العرب، انقسمت الهيئة الروحية للطائفة الدرزية في السويداء إلى هيئتين: الأولى تزعمها الهجري في بلدة القنوات، والثانية تزعمها الشيخ يوسف جربوع، والشيخ حمود الحناوي في منطقة ومقام “عين الزمان”، وهو بمثابة دار العبادة الأول للطائفة الدرزية في سوريا.
منذ توليه المشيخة، عُرف حكمت الهجري بمواقفه المؤيدة لنظام الأسد. فبحسب دراسة لمركز “جسور” للدراسات عام 2020، “قد عبّر الهجري عن مواقف تؤكد على اصطفافه مع النظام السوري”. في عام 2012، زار الرئيس السوري بشار الأسد بلدة قنوات في محافظة السويداء لتقديم واجب العزاء بوفاة الشيخ أحمد سلمان الهجري، شيخ العقل الأول للطائفة الدرزية في سوريا.
وخلال الزيارة، ألقى خليفته في المشيخة، حكمت الهجري، كلمة أمام الأسد عبّر فيها عن ولائه الواضح للنظام، قائلاً: “تحوّل هذا الموقف (العزاء) إلى فرح، حضرتك الأمل، أنت بشار الأمل، بشار الوطن، بشار العروبة والعرب، الله يطولنا بعمرك ويأخذ بيدك”.
وبحسب الدراسة، استضاف الهجري وفوداً من الحشد الشعبي العراقي، وأصدر بياناً في شهر مارس/آذار 2015 طالب فيه النظام السوري بتسليح الطائفة الدرزية، وقام بالتوسط مرات عديدة لدى القصر الجمهوري الذي يحكمه بشار الأسد من أجل حل بعض الملفات العالقة، مثل إعادة موظفين حكوميين إلى عملهم، كما دعا الهجري في شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2018 أبناء الطائفة الدرزية إلى الالتحاق بالخدمة الإلزامية، عقب حادثة اختطاف 25 امرأة وفتاة من قبل تنظيم داعش، وأشرف على تشكيل فصيل محلي بالتنسيق مع فرع الأمن العسكري.
وقد واجه حكمت الهجري انتقادات متزايدة من ناشطين دروز بسبب صمته تجاه تطورات الأوضاع في البلاد، لا سيما مع سقوط قتلى من المتظاهرين برصاص أجهزة النظام، في وقت كانت فيه الاحتجاجات في السويداء تشتد وتتصاعد، وتخللتها مشاهد بارزة مثل تحطيم تماثيل بشار الأسد ووالده حافظ.
وفي تقرير لصحيفة “ليبراسيون” الفرنسية تناول شخصية الهجري، قال عمر الأسد، عالم الاجتماع السوري المقيم في فرنسا والمنحدر من السويداء: “منذ انتفاضة 2011، كان رجال الدين سلبيين تماماً. الهجري لم يتدخل إلا كوسيط مع النظام للإفراج عن سجناء دروز أو في قضايا تخص المجتمع الدرزي”.
في المقابل، ووفقاً للدراسة نفسها لمركز “جسور”، فإن الشيخين جربوع والحناوي ركزا على تحقيق مصالح الطائفة، وقاما بدور الوسيط في كثير من الأحيان بين الفصائل المحلية من جهة، والنظام السوري من جهة ثانية، وقاما بعقد مصالحة في منتصف عام 2017 مع حركة “رجال الكرامة” التي يتزعمها آل بلعوس، والتي تُعارض تجنيد أبناء محافظة السويداء في جيش النظام السوري، مما جعلهما أقرب إلى الموقف المحلي منهما إلى سلطة النظام، دون الدخول في صدام مباشر معها، باستثناء ما يتعلق برفض تجنيد شباب الطائفة في الجيش.
وبحسب تقرير لموقع “الجزيرة نت”، كان موقف حكمت الهجري مغايراً لموقف شقيقه الراحل أحمد، الذي عُرف بتأييده لانشقاق عناصر من الطائفة الدرزية عن جيش النظام السوري عام 2011، وانضمام بعضهم إلى صفوف الجيش السوري الحر. هذا التوجه دفع عدداً من الناشطين الدروز إلى تحميل النظام السوري حينها مسؤولية حادث السير الذي أودى بحياته، واعتبروا ما جرى بمثابة رسالة تحذير لكل من يفكر بالانخراط في صفوف الثورة.
كما أشارت الجزيرة إلى أن تقارير سابقة تحدثت عن ضغوط مارستها أجهزة مخابرات نظام الأسد على أحمد الهجري لإصدار فتاوى تؤكد الولاء للرئيس بشار الأسد، بهدف إحداث انقسام داخلي في الطائفة، لكنه رفض تلك الطلبات، وأعاد السيارة التي منحتها له الدولة، ما أثار غضب الأجهزة الأمنية. وقد اتهمها كثيرون بالوقوف وراء الحادث، بينما تمسكت رواية نظام الأسد بأنه توفي نتيجة حادث سير على طريق عام.
وعلى النقيض من توجه شقيقه، وبحسب ما ورد في دراسة صادرة عن مركز “جسور”، فإن الفصيل الذي يتبع للهجري كان يقوده مساعده “أبو فخر”، الذي أشرف على تشكيله بالتنسيق مع العميد في مخابرات نظام الأسد “وفيق ناصر”، وسانده أحد مشايخ الدروز وهو نزيه جربوع، الذي ارتبط بعلاقات وثيقة مع فرع الأمن العسكري في السويداء.
بعد سنوات من دعم الأسد إلى الانقلاب عليه
ورغم الدعوات المتكررة لاتخاذ موقف من نظام الأسد، لم يتراجع حكمت الهجري إلا حين تعرض للإهانة عام 2021 من رئيس فرع المخابرات العسكرية لؤي العلي أثناء مكالمة هاتفية كان يستفسر فيها عن مصير أحد معتقلي السويداء، بصفته الأقرب من مشايخ الطائفة إلى النظام السوري.
فكانت تلك المكالمة كفيلة بإنهاء حال الوفاق التي دامت طويلاً مع نظام الأسد، بحسب صحيفة “الإندبندنت”، وأججت تظاهرات شعبية احتجاجية تنديداً بالطريقة التي تعامل بها ضابط الأمن البارز في السويداء مع الهجري. ومن بعدها، اعتمد الهجري خطاباً يحمل تصعيداً بحق تصرفات الاستخبارات والنظام.
وفي العاشر من يونيو/حزيران 2022، دعا الهجري إلى إقالة رؤساء الأفرع الأمنية التابعة للنظام من مناصبهم في السويداء، متهماً إياهم بزرع الفوضى والانقسامات داخل المجتمع.
ورغم أن السويداء ظلت تحت سيطرة النظام خلال سنوات الثورة، ونجت نسبياً من العنف الذي شهدته مناطق أخرى، إلا أنها شهدت بين الحين والآخر مظاهرات مناهضة لممارسات الأسد، بعضها طالب برحيله، كما حدث في أغسطس/آب 2023 احتجاجاً على رفع الدعم عن الوقود وما تبعه من غلاء معيشي.
وبعد تحوله لدعم الاحتجاجات في السويداء، شهد حكمت الهجري ارتفاعاً ملحوظاً في شعبيته – رغم عدم تمتعه بشعبية واسعة سابقاً – كما لفت انتباه الدوائر الدولية. وكشفت صحيفة “ليبراسيون” الفرنسية تكثيفه للقاءات مع دبلوماسيين غربيين، حيث أبدى مساعد وزير الخارجية الأمريكي إيثان جولدريتش دعمه العلني خلال اتصال هاتفي مع الشيخ الدرزي. هذا الدعم جاء بتنسيق من مجموعات سورية ناشطة في واشنطن، وحظي بتأييد نواب أمريكيين من الحزبين الديمقراطي والجمهوري، كما التقى الهجري بمبعوثين فرنسيين وأوروبيين.
وقد أشار الباحث السوري وائل علوان: “في السنوات الأخيرة، كان حكمت الهجري، رجل الدين الأبرز، معارضاً للنظام، وبذلك أخذ دوراً أكبر بكثير من الحناوي والجربوع، وهما من أبرز المراجع الدينية الأساسية لدى دروز سوريا. ولعب الهجري دوراً كبيراً في السويداء، لكنه لم يكن على علاقة جيدة مع البلعوس، الذي يمثل التيار المعارض الثوري ضد النظام السوري، حيث كان هناك تنافس وصراع بين المراجع الدينية التقليدية وبين المكونات الجديدة الثورية، أي التي عارضت النظام السوري وخالفت رأي بعض رجال الدين”.
بعد سقوط الأسد
وبعد إسقاط نظام بشار الأسد، اتخذ الهجري مواقف متباينة تجاه الحكومة السورية الجديدة برئاسة أحمد الشرع، من التوافق في الرؤى إلى المعارضة والرفض القطعي لها، متهماً إياها بـ”الإرهاب”، والتحريض عليها من الخارج.
إذ تذبذب الهجري في المواقف من الحكومة الحالية، فبعد أن أبدى نيته “التعاون” مع الحكومة الانتقالية في إدارة المفاصل الحساسة في السويداء حتى تشكيل جيش وطني، ولفت إلى تقارب وجهات النظر مع الإدارة السياسية الجديدة، لكنه بعد ذلك أبدى الهجري موقفاً متصلباً ضد الحكومة الجديدة ومحاولتها لعودة مؤسسات الدولة وانتشار الأمن الداخلي في السويداء، ليبرز اسمه أكثر مع المواجهات الحالية ما بين القوات الحكومية السورية والمجموعات المسلحة التابعة للمجلس العسكري في السويداء المدعوم من قبله.
في مارس/آذار 2025، وجّه الشيخ حكمت الهجري اتهامات مباشرة للحكومة السورية، واصفاً إياها بأنها “حكومة متطرفة ومطلوبة للعدالة” دولياً، ودعا إلى تدخل الدول الخارجية في الملف السوري من أجل الوصول إلى “دولة مدنية”. إلا أن هذه التصريحات أثارت موجة من الانتقادات في أوساط السوريين الرافضين لأي دعوات قد تمهد لتدخل أجنبي، معتبرين أن تلك النداءات قد تُفضي إلى مطالب بفتح باب التقسيم. وفي السياق نفسه، رفض الشيخان حمود الحناوي ويوسف جربوع، وهما من أبرز مشايخ الطائفة الدرزية، مطلب الهجري بمشاركة الدول المؤثرة، وأكدا رفضهما لأي حديث عن الانفصال.
وفي تقرير سابق لصحيفة “الشرق الأوسط”، أشار الباحث السوري وائل علوان إلى أن الفترة الأخيرة التي شهدت تصعيداً في مواقف الهجري ضد نظام بشار الأسد، شهدت أيضاً “فتح خط للعلاقة مع موفق طريف”، أحد الزعماء الدينيين للدروز في إسرائيل. وفي المقابل، حافظ كلٌّ من وحيد البلعوس وسليمان عبد الباقي على علاقتهما مع وليد جنبلاط في لبنان، ومع مجموعات عسكرية متحالفة مع البلعوس. ووفق علوان، فإن “هذين خطان متباينان؛ خط الهجري مع طريف، وخط البلعوس مع جنبلاط”.
التقارب مع الاحتلال
في هذا السياق، أفاد تقرير لوكالة الصحافة الفرنسية بأن 60 رجل دين درزياً سورياً عبروا خط الهدنة في الجولان المحتل إلى إسرائيل، في 14 مارس/آذار 2025، في أول زيارة من نوعها منذ 50 عاماً، وقد أشير إلى أن هذه الخطوة جاءت في إطار تنسيق بين الشيخ حكمت الهجري ورئيس الطائفة الدرزية في إسرائيل، الشيخ موفق طريف، ما أثار جدلاً واسعاً حول دلالات التوقيت وحدود هذا التقارب الديني ـ السياسي.
أما موقع “الجمهورية.نت”، فنشر تقريراً في أعقاب الأحداث التي شهدتها مدينة جرمانا في أواخر فبراير/شباط 2025 – وهي المدينة ذات التركيبة السكانية المتنوعة من دروز ومسيحيين وسنة وعلويين – أشار فيه إلى أن خلدون الهجري، قريب الشيخ حكمت الهجري وممثله في الخارج، التقى خلال الشهر نفسه مسؤولين أميركيين في واشنطن بصفته “ممثلاً سياسياً للشيخ حكمت الهجري”. وخلال الاجتماعات، عرض خلدون خطة لـ”تنفيذ تمرّد مسلح على حكومة أحمد الشرع”، تقوده قوات مرتبطة بالهجري في السويداء، بالتعاون مع “قوات سوريا الديمقراطية في الشرق، ومجموعات علوية من الساحل السوري”، و”بدعم إسرائيلي”، بحسب ما ذكر التقرير.
وفي ضوء أزمة السويداء الحالية، بدا أن الشيخ حكمت الهجري يتجه نحو مزيد من التصعيد في مواقفه، وصولاً إلى المطالبة بالحماية الدولية، والتحريض العلني على الحكومة السورية، حيث ظهر مؤخراً كأحد أبرز أقطاب التوتر في أزمة السويداء، مناشداً دولاً وكيانات خارجية، من بينها الرئيس الأميركي الأسبق دونالد ترامب، ورئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو – المطلوب دولياً لارتكابه جرائم حرب في غزة – للتدخل في الشأن السوري، وهو ما أثار ردود فعل غاضبة واسعة وقلقة داخل سوريا، خاصة بعد سلسلة الغارات الجوية الإسرائيلية التي استهدفت مبنى الأركان العامة ووزارة الدفاع ومحيط القصر الرئاسي في دمشق، عقب تجدد الاشتباكات في محافظة السويداء، بحجة دعم الدروز كما يزعم وزير دفاع الاحتلال يسرائيل كاتس.
وقد تباينت مواقف الهجري خلال الأزمة الحالية، ففي حين رحّب بداية بدخول قوات تابعة لوزارتي الداخلية والدفاع إلى مدينة السويداء، عاد وتراجع لاحقاً في بيان متلفز، قال فيه إن “البيان الذي صدر بتفاصيله الكاملة فُرض من دمشق وبضغط جهات خارجية”، مؤكداً أن المفاوضات مع الحكومة لم تفضِ إلى نتائج ملموسة، وأن ما جرى كان “من أجل حقن دماء أبنائنا”.
وبعد ذلك، أعلن الهجري تراجعه عن الموقف الداعم لدخول المؤسسات الأمنية والعسكرية إلى محافظة السويداء، داعياً أبناء المحافظة إلى التصدّي للجيش السوري ومواجهته، واتهم الهجري الحكومة بـ”نكث العهد والوعد” و”قصف المدنيين العزّل”.
وفي أعقاب الإعلان عن التوصل إلى وقف إطلاق نار بين قيادات درزية والحكومة السورية، وسرعان ما أيد شيخ العقل يوسف جربوع – وهو واحد من ثلاث مرجعيات درزية بارزة في السويداء – الاتفاق، لكن الهجري رفض ذلك، وأصدر بياناً على صفحته الرسمية على فيسبوك نفى فيه أي اتفاق أو تفاوض مع دمشق، مؤكداً على استمرار القتال.
في موازاة هذا الموقف، جاء تصريح رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ليضيف بُعداً خارجياً لما بدا أنه تصعيد داخلي، بإعلانه عن سياسة واضحة لنزع السلاح من جنوب دمشق إلى منطقة جبل الدروز، مؤكداً أن وقف النار لم يُنتزع بطلبات، بل “بالقوة”، ولافتاً إلى أن “الزعيم الروحي للطائفة الدرزية في إسرائيل، موفق طريف، هو من طلب منا مساعدة الدروز في سوريا”.
ورغم محاولات الحكومة السورية احتواء الوضع، جاء إعلان الشيخ حكمت الهجري للسويداء “بلداً منكوباً”، متبوعاً بدعوة صريحة لفتح الطرق مع مناطق سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” في الشمال الشرقي؛ وهي خطوة يراها بعض المراقبين بأنها قد تحمل إشارات لافتة إلى إعادة رسم خطوط التواصل خارج الإطار المركزي للدولة. ففي الوقت ذاته، تداولت أخبار أن فصائل محلية تابعة للهجري فرضت حظراً للتجوال في المدينة، عقب انسحاب الجيش السوري منها.
وفي تطورات ميدانية أكثر حدة، أفادت مصادر إعلامية محلية بوقوع حالات نزوح في أوساط العائلات البدوية، بعدما أُبلغت بمهلة محددة لمغادرة المدينة من قِبل مجموعات مسلحة خارجة عن القانون، تابعة لحكمت الهجري. في حين وثّقت “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” مقتل 14 شخصاً من أبناء العشائر في المنطقة، وفق ما صرّح به مديرها لصحيفة الشرق الأوسط اليوم.
في السياق ذاته، نقلت وكالة الأنباء الرسمية (سانا) عن مصادر محلية أن مجموعات مسلحة هاجمت حي المقوس في السويداء، وارتكبت “انتهاكات بحق المدنيين”، من بينها مجازر وتصفيات ميدانية طالت نساءً وأطفالاً من أبناء العشائر والبدو. وأشارت الوكالة إلى سقوط عدد كبير من القتلى والمصابين، في تطور يعكس تصاعد حالة الفوضى، وتعدد الجهات التي تدّعي تمثيل الشارع المحلي، وتفرض وقائعها من خارج المؤسسات الرسمية.
عربي بوست
————————————-
الاقتتال الأهلي في السويداء.. المطلوب حوارٌ سوري وطني عقلاني جامع/ د. طلال المصطفى
2025.07.21
تشهد محافظة السويداء هذه الأيام واحدة من أخطر اللحظات على صعيد وحدة الدولة السورية في تاريخها الحديث، إذ يتفاقم الاقتتال الأهلي الداخلي بشكل غير مسبوق بين أبناء المجتمع المحلي الواحد (الدروز والعشائر العربية)، في منطقة لطالما تميّزت بسِلميتها وخصوصيتها الثقافية والوطنية، وبدورها التاريخي في الدفاع عن الهوية السورية الجامعة.
هذا الاقتتال، الذي بات يهدّد أرواح المدنيين وما تبقّى من السِّلم الأهلي والنسيج المجتمعي في السويداء وسوريا عموماً، ليس مجرد حادثة محلية عابرة سبق أن حدثت وقد تتكرّر في أي مجتمع محلي، بل هو تجلٍّ صارخ لغياب دولة القانون ومؤسساتها، ولتآكل ما تبقّى من العقد الاجتماعي السوري المتشظّي بفعل سنوات طويلة من الاستبداد الأسدي والحرب.
ما يجري في السويداء هو نتيجة طبيعية لحالة الفوضى السياسية والعسكرية والأمنية التي تغذّيها القوى المتصارعة على الأرض السورية، واستنجاد بعض الأطراف بالخارج إلى حد التدويل.
وقد تجلّى ذلك بوضوح في اتفاق وقف إطلاق النار، الذي جرى من خلال مفاوضات بين دولة الاحتلال الإسرائيلي والدولة السورية، برعاية أميركية وعربية، كما أنه نتيجة للفراغ الذي تركه النظام السابق، في مناطق خرجت عن سيطرته المباشرة، فباتت فريسةً للاقتتال والانقسام المجتمعي.
نحن اليوم أمام مشهد سوري مقلق، تتساقط فيه آخر أوراق التماسك الأهلي والدولة السورية بحدودها السياسية منذ الاستقلال عام 1946، حيث يغيب فيه صوت العقل والحكمة، ويعلو صوت السلاح والمصالح الفئوية، الأمر الذي يستدعي وقفة سورية وطنية شاملة، تبدأ بدعوة إلى حوار وطني عقلاني جديد، يعيد الاعتبار لوحدة السوريين، ويمنع استنساخ تجربة السويداء في مناطق سورية أخرى، من خلال ترسيخ مفاهيم الحوار، والتمثيل السياسي العادل، والمواطنة المتساوية.
لقد اعتاد السوريون، ولا سيما المنخرطون في الشأن السياسي، على الانقسام والتشتّت عند كل مفصل أو حدث سوري جديد، سواء أكان سياسياً أم عسكرياً، وقد لمسنا ذلك منذ الأيام الأولى للثورة السورية عام 2011 وحتى اليوم، حيث فشلت جميع محاولات بلورة حوار وطني سوري جامع، بسبب غلبة النزعات الشخصية والفئوية والحزبية على حساب الرؤية الوطنية السورية الجامعة.
وفي السنوات الأخيرة، كشفت الأحداث عن التشوّهات السياسية والأخلاقية التي أصابت جزءاً كبيراً من النخب السورية، بما فيها تلك التي تصنّف نفسها علمانية أو ديمقراطية، والتي لم تستطع التحرّر من عباءة الهويات ما قبل الدولة، رغم ادّعائها مناهضة الاستبداد، فمارست الإقصاء والتخوين ورفض الرأي الآخر، وارتبطت بشخصيات دينية وقَبَلية تقليدية.
إن ما نشهده من انقسامات متزايدة في الخطاب السياسي السوري لدى معظم النخب، وغياب الحد الأدنى من التوافقات الوطنية، هو انعكاس مباشر لافتقادنا إلى رؤية وطنية جامعة، تقوم على ثوابت واضحة، أبرزها:
الإيمان العميق بالتنوع السوري، بوصفه قيمة مضافة وليس تهديداً، فالمجتمع السوري ليس طائفياً بطبيعته، بل طائفيته صُنعت على يد سياسيين ونخب ثقافية ديمقراطية مزعومة تخلّت عن هذه المبادئ، وعادت إلى هوياتها الدينية والطائفية والقبلية ما قبل الدولة.
تبنّي الديمقراطية وحقوق الإنسان كمبادئ تأسيسية من قبل الدولة والتنظيمات السياسية، والقبول بالنقد والحوار والاختلاف.
بناء دولة القانون والمؤسسات، التي تكفل العدالة والمساواة، وتضمن التمثيل الحقيقي لجميع مكوّنات المجتمع السوري، عبر دستور ديمقراطي عادل يعيد ثقة المواطن بالدولة، بدلاً من اللجوء إلى الحماية الطائفية أو العشائرية أو الزعامات المحلية، أو حتى الأجنبية كما هو الحال في شمال شرقي سوريا والسويداء.
التشديد على وحدة الأراضي السورية كخيار سياسي وطني غير قابل للمساومة، ليس فقط من خلال الخطاب، بل عبر مشاريع وطنية ملموسة تعيد وصل ما انقطع، وتمنع تكرار تجارب التقسيم، سواء كانت فعلية أم رمزية.
في هذا السياق، لا يمكن قراءة ما يجري في السويداء على أنّه صراع محلي بين مجموعات مسلّحة فقط، بل هو مؤشر خطير على تفكّك ما تبقى من المنظومة الوطنية السورية، وعلى قابلية بعض المناطق للانزلاق نحو صراعات أهلية، ما لم يُتبنَّ خطابٌ سياسي وطني جامع، ومشروع سياسي يضع حداً لتآكل ما تبقى من الدولة السورية.
إن الفوضى المسلحة في السويداء لا تعني فقط تهديداً مباشراً لأمن المجتمع المحلي، بل تهديداً لوحدة سوريا بأكملها، إذا لم يُعالَج الأمر من جذوره، عبر تعزيز الحضور المدني والمؤسسي، ونزع السلاح من جميع الأطراف وضبطه بيد مؤسسات الدولة فقط، ووضع حدٍّ لسلطات الأمر الواقع، من ميليشيات مسلّحة خارجة عن الدولة، من خلال آلية وطنية سورية شاملة تضمن العدالة والكرامة والتمثيل لجميع أبناء السويداء.
ولا بد من الاعتراف اليوم بأنّ الحوار الوطني السوري المطلوب يجب أن يكون مقاوماً لكل أشكال الانقسام، لا على مستوى السلطة والدولة فحسب، بل على مستوى المجتمع والمعارضة والثقافة أيضاً، حوار لا يُقصي أحداً ولا يُخوّن المختلف، بل يسعى إلى إعادة تعريف المشروع السوري الوطني برمته: من هو المواطن؟ ما هي الدولة؟ ما طبيعة العلاقة بين المكونات؟ ومن يحكم وبأي شرعية؟
إن خطاب الكراهية والتخوين والتعبئة الفئوية السائد لدى معظم السوريين اليوم لا يجلب إلا الدمار، وما تشهده السويداء هو نداء أخير لنا كسوريين جميعاً، كي نعيد التفكير في أولوياتنا، ونتجاوز الخلافات الطائفية والمناطقية، نحو خطاب وطني سوري عقلاني جامع، يرفض استخدام السلاح ضد السوريين، ويدعو إلى الحوار والحلول العادلة، في إطار دولة القانون والمواطنة.
لنحمِ السويداء، فهي ليست قضية درزية أو عشائرية محلية، بل قضية سورية وطنية بامتياز، لنعمل على إنقاذ ما تبقّى من الروح السورية الجامعة، ولنحوّل هذه المحنة إلى فرصة لإنتاج خطاب سوري وطني عقلاني جامع، يليق بتضحيات السوريين وآمالهم في الحرية والكرامة والعدالة.
—————————–
أحداث السويداء… المتحف الدامي للملل والنِّحل/ المهدي مبروك
21 يوليو 2025
قذفت بنا أحداث السويداء الدامية، في الأيام القليلة الفارطة في الجنوب السوري، إلى دهاليز عصور قديمة، لا نقدر على تحديدها، لأنها ملتبسة ومشوّهة وفاقدة لصفائها القروسطي المُتخيّل. شعر الحماسة حين تُدَقّ طبول الحرب، وأشكال الفزعة القبلية، ليسا سوى خطاب ماكر يتوسّل ادّعاء أصالته، باستعاراتٍ حديثةٍ مستوحاة من لغة “فيسبوك” والذكاء الاصطناعي، ويفيض ذلك كلّه في مختلف شبكات التواصل الاجتماعي. حتى قصّ شوارب الرجال (العقوبة القروسطية) تجري تحت عدسات الهاتف المحمول. غابت الخيل والبيداء لتحضر الدراجات النارية والشاحنات. شيوخ القبائل، رغم التوضيب الركحي (تقنية اتصال حديثة) وهم يتلون بياناتهم، ظلّوا فاقدين الوجاهة والوقار اللازمَين، إذا يُفسد عليهم الشباب المشاكس علامات الهيبة المُفتعَلة. يجري تجميع ما جادت به خيالات الماضي ونزوات الحاضر ورغبته من أجل إثبات جذور سرمدية عميقة لهذا المُكوِّن أو ذاك. إنها استراتيجياتٌ لا تخلو من تعبئة موارد، حتّى لو كانت متنافرةً تتلاعب بالتاريخ والذاكرة والحاضر والمستقبل، وقد تستقوي بالأساطير والخارج، وتتحالف مع الشيطان، من أجل تأكيد غلبتها الروحية والمادية.
ثمّة توضيب متخفٍّ مربك، وإن بدا بين حين وآخر متعثّراً، لا تفضحه سوى زلّات الحداثة المعطوبة، المتسلّلة بين ثنايا الديكور، لكنّه مع ذلك كلّه يظلّ بليغاً قادراً على جمع الأضداد وترتيب الفوضى، حتى لا تنفضح غربتها وغرابتها. لا تعنينا النتائج ولا تحديد عدد ضحايا هذا الفريق أو ذاك (سنّة، عرب دروز، شيعة… إلخ)، ولا قدرة هذا المخيّم أو ذاك أيضاً على حسم المعركة لصالحه، فالخاسر الأكبر سورية مجتمعاً ودولةً وشعباً. ثمّة أخاديد عميقة متوثّبة لمزيد من ابتلاع الحاضر، انتصاراً لماضٍ يُزيَّنُ متحفاً لكلّ الأحقاد والشماتة. غير أن ما غنمناه، على تفاهته وضآلته، هو انفضاح كلّ الأوهام، التي رافقتنا (ولا تزال)، حول السرديات الوطنية الكُبرى، التي كانت تحرص دولنا على تعليمنا إيّاها تماماً كأنشودة المدارس التي نتلوها بعد تحية العلم. كانت تلك بعضاً من معارك خاضتها الشعوب مع التخلّف والفقر والتفرقة التي كنّا نتوهم أنها معارك حُسمت لفائدة النهضة والتحرّر والحداثة. تبخّر ذلك بمجرّد أن تداعى الناس إلى أصولهم النقية: مِلل ونِحل وطوائف ومذاهب، حتّى الشهرستاني لم يذكر مناقبها ومذامّها، مثلما تفعل حالياً شبكات التواصل الاجتماعي في سورية.
تكشف هذا الأحداث، التي ارتُجل توضيبها المسرحي والركحي والمُتحَفي، أن المجتمعات العربية، مشرقاً ومغرباً، كلما مرّت بشدائد على غرار الحروب الأهلية والمجاعات والكوارث الطبيعية، وغابت الدولة فيها عجزاً أو فشلاً، لاذ الناس فيها أفراداً وجماعات بالبنى التقليدية، من عشائر وقبائل وطوائف ومذاهب، في حركة إحياء مزعومةٍ لا تخلو من أوهام، والكلّ يعلم أن هذه البنى فقدت قوة ضبطها وضعفت قدراتها وترهّلت على نحوٍ سافرٍ في ما يشبه الموت السريري أحياناً، ولا يمكن نكران ذلك إلّا مكابرةً وعناداً. تترسّخ مساراتٌ كونية من التحديث، حتّى ولو كانت مُسقَطة وقسرية غير عادلة أو لا متكافئة. هُويّاتنا الفردية لم تعد هُويَّات تُنتَج بالضرورة داخل “قوالب” القبيلة ومضاربها، إذ تتكفّل الأسرة الضيقة والمدرسة والحزب وشبكات التواصل الاجتماعي بتدبير (إدارة) تفاصيلنا، من اختيار الاسم إلى الذوق، وحتى الاختيارات الشخصية على غرار الزواج والمهنة… إلخ. لا يحدث ذلك دوماً على نحوٍ عقلاني، إذ يظلّ عرضة لأنواع مختلفة من النكوص والتذبذب، غير أن ذلك يجري دوماً على حساب القبيلة والطائفة والمذهب، وفي حياض الدولة، حتى لو كانت مصطنعةً وفاشلةً. علينا (ما إن نفتح أعيننا على هذه الحياة) أن نبحث، في ما توفّره الدولة من أجهزة إدارة، عن مستنداتٍ لإثبات عمرنا وجنسنا ومكان ولادتنا. لن تكون القبائل والطوائف سوى مرافق عند الشدّة التي لا قدرة للدولة على مواجهتها. إنها جيش احتياط بائس وماكر.
تلك البنى الاجتماعية التقليدية كلّها، التي حدّثت على عجل، واستُدعيت في إحداث السويداء، رغم ادّعائها الأصالة فيما يشبه الفلكلور المُعَدّ للسياحة الثقافية أحياناً، يجري اكتشافها من أبناء الوطن الواحد، فضلاً عن شعوب الجوار وأمم العالم، في مناخات مُضلِّلة. حين سقط نظام بن علي ذات خريف من سنة 2010، بدأ التونسيون يكتشفون تعدّدهم واختلافهم، لكن ضمن سياقٍ مختلفٍ تماماً، لا يحتفي بذلك كلّه، بل يستعرضه في درب الآلام المُتوهَّم لمختلف أشكال المظلومية والحيف. تحوّلت مختلف الشبكات الاجتماعية والمنتديات والجمعيات معرضاً كبيراً لآثام الماضي، وما ارتبك في حقّ هذه “الأقليات” العرقية والإثنية والمذهبية والجنسية: بربر، إباضية… إلخ.
ونحن نتابع ما يجري في السويداء، ننتبه إلى ذلك التعدّد والاختلاف الذي يسم المجتمع السوري. ولكن علينا أن نحذر من هذا الاستعراض المفرط، الذي لا يجري على قاعدة الاحتفاء والإغناء والإثراء، بل على قاعدة المحاكمات التاريخية المُضنية، وهي لا تخلو من استراتيجيات ماكرة، فيها يجري توضيب الركح، وتقديم سرديات تاريخية لا تخلو من الانتقاء والتزييف، حتى تبدو الصورة مصقولةً منسجمةً. عادة ما تنقسم هذه الاستراتيجيات بين ثنائياتٍ تُسقط الاختلاف وتُغذّي حالات الاستقطاب الحادّة، حتى تعمّق مختلف الشروخ النصفية أخدوداً دامياً في جسم المجتمع السوري. يخوض الكلّ ضدّ الكلّ حرباً وجودية.
يقدّم السُّني نفسه طاهراً أصيلاً بلا أخطاء ولا خطايا، إنه المظلوم الأبدي في هذه السردية، يجري محو كلّ الشخصيات التي تصدّرت المشهد البعثي القبيح، الذي استفادت منه قيادات عسكرية وسياسيون من الصفّ الأول، بعضهم يُعاد تدويره للعب دور الوسيط، وقيادات عسكرية ورجال أعمال… إلخ، تشطب هذه المسائل حتى لا تُشوّش تلك الصورة المثالية التي يجري حالياً توضيبها في معرض المظلوميات التاريخية، تماماً كما يفعل العلويون والدروز وغيرهم، وقد يكون لهم حيل أفضل تستدعي حججاً أكثر إبهاراً وإقناعاً على غرار اللطم وجلد الجسد، حتى الإيلام المبرح. الركح العربي فارغ لا تؤثثه منجزات الحاضر: قيم كونية وتقنيات ومعارف وعلوم، لذلك فهو يتّسع لكلّ أدوات البنى التقليدية واختراعاتها الأخرى، حتى تلك المزيّفة، ولو أدّى ذلك إلى الحفر المطوّل في قاع تاريخ مُتوهَّم للعثور على تحف ومعالم لم تعد أصلاً حاضرةً في وجدان وذاكرة أفرادها، لكنّها قابلة للنفير والاستنفار: اغتيالات وفقد ومجازر، وأشلاء هنا وهناك.
تجري في ذلك كلّه إعادة بناء هذه الهُويّات المتخيّلة، التي لا تبدو أنها مجرّد مختلفة عن بعضها، بل تبدو خصماً وعدواً، كأنّ لا شيء مشتركاً يجمعها. السويداء ليست سوى الاسم الحركي لفشل الدولة والنُّخب في العالم العربي في بناء دولة المواطنة التي تتّسع للجميع، و ترسّخ قواعد العيش معاً.
العربي الجديد
————————-
سوريا: دول قوية تتلاعب بأقلياتها الضعيفة/ عصام نعمان
21 تموز 2025
الشرق الأوسط فسيفساء مكوّنة من أقليات ضعيفة، تتصارع بها وعليها دول قوية. الأقليات تشغَلُ مناطق جغرافية محدودة المساحة، تعيش في كلٍّ منها أكثرية من لون ديني معيّن: مسيحية أو شيعية او علوية أو درزية. هذا التوصيف ينطبق، بصورة خاصة، على مصر وتركيا والعراق وسوريا والأردن وفلسطين ولبنان. الدول القوية تشغل مساحات جغرافية كبيرة تعيش في كلٍّ منها أكثرية من المسلمين السنّة، أو المسلمين الشيعة. هذا التوصيف ينطبق، بصورة خاصة، على مصر وإيران وتركيا. عانت هذه الدول كلها، بأكثرياتها وأقلياتها، تدخلات خارجية متعددة منذ منتصف القرن التاسع عشر، لأغراض اقتصادية وسياسية. بريطانيا وفرنسا سبّاقتان في هذا المضمار، تليهما الولايات المتحدة الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية في منتصف القرن العشرين. اتخذت هذه التدخلات تسميات عدّة أشهرها “سايكس- بيكو” سنة 1916 و”مبدأ أيزنهاور” سنة 1957 و”مشروع الشرق الأوسط الجديد” منذ سنة 2024 فصاعداً.
تبدو سوريا هذه الأيام المسرح الأكبر لدول قوية تتصارع على المصالح والنفوذ بأقلياتها الضعيفة. أبرز الدول القوية الولايات المتحدة و”إسرائيل” وتركيا وإيران. أشرس هذه الدول واكثرها طمعاً “إسرائيل” التي احتلت، بعد تهاوي حكم بشار الأسد، مساحةً من جنوب سوريا لا تقلّ عن خُمس مساحتها الإجمالية. تركيا دعمت وسهّلت لمجموعة من التنظيمات الإسلاموية المتطرفة بقيادة أحمد الشرع (محمد الجولاني سابقا) السيطرة على معظم المحافظات ذات الأكثرية الإسلامية السنّية من حلب شمالاً إلى دمشق جنوباً، ومن دير الزور شرقاً إلى إدلب غرباً.
إيران البعيدة جغرافياً عن مسرح الصراع، اكتفت بالتنديد بالاحتلال الإسرائيلي للجنوب السوري، وبموقف الدعم السياسي لوحدة سوريا. الولايات المتحدة لعبت، وما زالت، دور المهيمن السياسي والعسكري على مسرح الصراع والمنسّق بين “إسرائيل” وتركيا والحكم الانتقالي في دمشق، مع انحيازٍ واضح لمصلحة الكيان الصهيوني.
ماذا تبتغي كلٌ من الدول المتصارعة؟
ما تبتغيه “إسرائيل” واضح بل صارخ: أولاً، البقاء داخل سوريا كي تستطيع أن يكون لها الدور الأفعل في رسم خريطتها المقبلة. ثانياً، الادعاء بحماية الدروز كي تحول دون قيام حكومة مركزية فاعلة في دمشق قادرة على احتواء جميع الأقليات التي تشكو من غلبة التنظيمات الإسلامية السنّية المتطرفة على الحكم الانتقالي في دمشق. ثالثاً، توسيع رقعة احتلالها لمنطقة الجولان وضمّها إلى كيان الاحتلال. رابعا، العمل على إقامة نظام لامركزي في سوريا تحتفظ بموجبه كل من الأقليات الكردية والعلوية والدرزية بصيغةٍ من الحكم الذاتي. خامسا، المشاركة الفاعلة في استثمار منطقة الجنوب السوري المحتل اقتصادياً وسياحياً بعد تحويله إلى منطقة عازلة منزوعة السلاح. تركيا تبتغي منع الأكراد في شمال شرقي البلاد من إقامة منطقة حكم ذاتي يمكن أن يشكّلوا، بالتعاون مع أكراد تركيا والعراق، نواةً لدولة كردية مستقلة. الولايات المتحدة تقوم، بالتعاون مع تركيا، على إعادة صياغة دولة سورية لامركزية، تدور في فلكها وتكون عضواً منتظماً في مجموعة الدول العربية السنّية التي تجمعها بـِ”إسرائيل” معاهدة صلح، أو علاقات تطبيع إبراهيمية.
كلُّ ما تقدّم بيانه مهم، بل خطير وله تداعيات بالغة السلبية على سائر العرب، حاضراً ومستقبلاً. غير أن الخطر الأكبر الماثل في الوقت الحاضر هو استمرار الفتنة الطائفية، واحتمال تطويرها من جانب “إسرائيل”، بالتعاون مع الولايات المتحدة، إلى حرب أهلية تمتد إلى كلٍّ من لبنان والعراق والأردن، وربما إلى وادي النيل بشطريه المصري والسوداني أيضاً. من هنا تستبين الحاجة إلى ضرورة إدراك القوى الوطنية النهضوية في عالم العرب عموماً، وفي دول المشرق العربي خصوصاً (المترعة بفسيفساء من الأقليات الضعيفة والمستهدَفَة، لاسيما من “إسرائيل” ) كي تجابه مخاطر الانزلاق إلى حروب أهلية متطاولة، الأمر الذي يستدعي مسارعة هذه القوى الوطنية النهضوية إلى التلاقي والتنسيق في ما بينها، في سياق عمل جدّي موصول يؤدي إلى بناء جبهة عريضة لدعم وحماية النسيج الوطني داخل أقطارها وترجمته بوحدة وطنية راسخة، وصولاً إلى تعزيز قدراتها للضغط على الفئات الحاكمة، كي تبقى بمنأى عن تأثير الولايات المتحدة ونفوذها ومطامع “إسرائيل” التوراتية والتلمودية اللامتناهية في أراضيها ومواردها.
صحيح أن “إسرائيل”، ومن ورائها الولايات المتحدة، وحلفاؤهما في غرب آسيا وأوروبا أقوياء ونافذون، لكن من شأن يقظة القوى الوطنية النهضوية ونجاحها في الاتحاد وتعبئة الجماهير في عالم العرب والإسلام، تحريكُ الدول العربية المنتجة للنفط، وحملها على ممارسة ضغوطٍ على الولايات المتحدة لتمارس بدورها ضغوطٍ على “إسرائيل” للحدّ من غلوائها، وتدخلها السافر والمتصاعد في سوريا، خصوصاً مع المتعاملين معها داخل مختلف الأقليات، بقصد تفكيك بلاد الشام إلى كيانات متنازعة قائمة على أسس طائفية او إثنية (عرقية) أو قَبَلية. لئن تكن هذه المهمة صعبة جداً لكون الدول المنتجة للنفط، تخشى تيارات التغيير الليبرالية واليسارية أكثر مما تخشى “إسرائيل”، لكن تمادي هذه الأخيرة في اعتداءاتها الوحشية في فلسطين المحتلة، وإصرارها على تجويع الفلسطينيين وقتلهم ودفعهم إلى الهجرة قسراً إلى صحراء سيناء المصرية، أدى إلى توليد ردود فعل استهجانية واسعة في كل أنحاء العالم، قد تدفع أجيال الشباب المتعاطفة مع الفلسطينيين المضطهدين (وربما لاحقاً مع السوريين المضطهدين) إلى الانتقال من التأييد الإعلامي المدني إلى الدعم الإجرائي الميداني، على نحوٍ يحاكي ما يقوم به اليمنيون شعباً وحكماً، الذي أدى إلى إغلاق ميناء إيلات الإسرائيلي على البحر الأحمر، وقد يؤدي لاحقاً إلى إغلاق أو شلّ ميناء حيفا على البحر المتوسط.
حتى لو تجاوبت الدول المنتجة للنفط بشكلٍ محدود مع الضغوط الشعبية، التي تمارسها القوى الوطنية النهضوية، فإن لدى هذه الأخيرة مجالات أخرى للنشاط وممارسة الضغوط الوازنة. ففي مقدور القوى الوطنية مثلاً، تنظيم حملة واسعة لمقاطعة منتجات الدول المتحالفة مع “إسرائيل” أو المعارضة لحق الشعب الفلسطيني في تحرير أراضيه المحتلة، وإقامة دولته المستقلة. إن مقاطعةً شعبية واسعة ومنظمة من شأنها أن تُلحق أضراراً كبيرة بمختلف الدول الداعمة للكيان الصهيوني. مع العلم ألا سبيل للدول العربية والإسلامية المتحالفة مع الولايات المتحدة، أو تلك المطبّعة مع “إسرائيل” إلى منع شعوبها من ممارسة مقاطعة منتجات الدول الداعمة للكيان الصهيوني، لأن الأمر يتعلق بالأذواق الشخصية، فلا قدرة للسلطة على تغيير أذواق المستهلكين، أو على وقف حملة المقاطعة، فضلاً عن أن من شأن مقاطعة المنتجات الأجنبية دعم المنتجات الوطنية وترويجها، وهو هدف وطني نبيل ومُرحب به شعبياً.
المهم أن تتوحد وتتحرك القوى الوطنية النهضوية والحركات الشعبية لأن ما من أحد غيرنا يهمه أو في وسعه أن يحقق لنا أهدافنا. نعم، إن التحديات والمخاطر كثيرة وماثلة ولا سبيل إلى مواجهتها بفعالية إلاّ بمقاومةٍ للعدو الصهيوني متزامنة مع مقاومة صانعي الفتنة الطائفية والحرب الأهلية والتقسيم داخل بلادنا.
كاتب لبناني
القدس العربي
———————————–
أحداث السويداء… بين أطماع نتنياهو وتعقّل الشرع/ إحسان الفقيه
21 تموز 2025
تتشارك الأوساط السياسية والدينية والثقافية داخل الكيان الإسرائيلي، مخاوف السقوط خلال السنوات القليلة الماضية، في ما يُعرف بلعنة العقد الثامن، استنادا إلى أن الممالك اليهودية القديمة، زالت أو بدأت في التفكك عند بلوغها العقد الثامن. هذه المخاوف كانت حاضرة في تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك، وكذلك تناولها رئيس الخارجية الأمريكية الأسبق اليهودي هنري كيسنجر، وغيرهما من الرموز الصهيونية.
رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو أيضا عبّر عن مخاوفه من لعنة العقد الثامن، لكنه لم يقف عند هذه المخاوف، بل أطلق وعدا بأن يتجاوز بدولته هذه اللعنة. وضع نتنياهو بالفعل هذا الوعد حيز التنفيذ، حيث واجه عوامل التصدّع الداخلي، بخوض سباق مع الزمن في فرض واقع جيوسياسي في المنطقة، يضمن الهيمنة الإسرائيلية، اتكاء على الدعم الأمريكي الغربي المفتوح، واستنادا إلى حكومة يمينية متطرفة، يخلو قاموسها من السلام والحلول السلمية، ما جعله يقدم على ضرب غزة والضفة ولبنان وسوريا في آن واحد.
في الحالة السورية، كان نظام بشار الأسد يمثل راحة نسبية لنتنياهو، الذي اقتصرت ضرباته على مواقع انتشار قوات الحرس الثوري الإيراني داخل سوريا، وخطوط الإمداد الإيرانية التي تمر عبر الأراضي السورية إلى حزب الله اللبناني، ولم يستهدف نتنياهو ترسانة الأسلحة الاستراتيجية لدى بشار، التي كان يستخدمها الأخير لقمع الثورة والمعارضة. لكن الأوضاع تغيرت تماما بعد تولي إدارة أحمد الشرع زمام الأمور، حيث تفاقمت مخاوف نتنياهو من بناء سوريا موحدة، لا مجال فيها للتقسيم، تحت مظلة قيادة لها خلفيتها الإسلامية، تعيد البلاد للحاضنة العربية، وتمد جسور العلاقات المفتوحة، إقليميا ودوليا. لذا سعى نتنياهو منذ سقوط نظام بشار إلى تدمير الأسلحة الاستراتيجية والأنظمة الصاروخية والطائرات من ميراث النظام البائد، وعلى تجريد سوريا من أية قدرات عسكرية، يمكن أن تسبب قلقا لدولة الاحتلال، ولم يكتف بذلك، بل استغل الأحداث لتجتاح قواته المنطقة العازلة على الحدود السورية، التي أنشئت وفقا لاتفاقية فك الاشتباك بين سوريا والاحتلال عام 1974، وتوغلت في مناطق بجبل الشيخ بدعوى تأمين حدوده، إضافة إلى استعراض قدراته القتالية، في ضرب أهداف في العمق السوري منها محيط قصر الرئاسة. هدف نتنياهو من العربدة التي يمارسها على الأراضي السورية، ليس إقامة منطقة عازلة خالية من القوات السورية لحماية حدود دولته فحسب، بل تتجه أطماع نتنياهو لتقسيم سوريا، وإقامة دولة موالية له في الجنوب تحكمها الطائفة الدرزية، مستغلا الدروز في الداخل الإسرائيلي، لفتح قنوات اتصال مباشرة مع الدروز في سوريا، واستمالة الطائفة، من خلال ادعاءات حمايتها، مما سماه النظام السوري الطائفي. الأحداث الأخيرة في السويداء ذات الأغلبية الدرزية، تؤكد هذه الأطماع، فقنوات الاتصال التي فتحتها دولة الاحتلال مع الدروز، الذين يرفض معظمهم الدخول تحت مظلة إدارة الشرع، وتغذية النعرة الطائفية التي يؤججها الخطاب الإسرائيلي، عززت أطماع حكمت الهجري، أبرز مشايخ الطائفة في رفض الاندماج في الدولة، والتطلع إلى دولة جنوبية للدروز. وفي ظل غيبة عن السويداء ،أُجبرت عليها القوات السورية التي يستهدفها الاحتلال، لمنع وجودها في الجنوب، قامت الفصائل الدرزية المسلحة باستهداف البدو داخل السويداء، واندلعت اشتباكات بين الطرفين، ما استدعى تدخل الحكومة السورية، التي أرسلت قواتها لفض الاشتباكات، إلا أن القوات الحكومية، تعرضت للهجوم من فصائل درزية، وشنت طائرات الاحتلال هجوما عليها، ما أدى إلى انسحابها من السويداء.
موقف الشرع من عربدة نتنياهو اتسم بالعقلانية، التي تمثل خياره الأوحد في هذه الظروف الحرجة، فانسحب مجبرا من أرض يفترض أنها تحت سيادة الدولة، تاركا إدارة شؤون الأمن الداخلي للطائفة في السويداء.
لقد كان هذا هو الخيار الأمثل، الذي يفرضه الواقع على الحكومة السورية الجديدة، وكما أوضح الشرع في خطابه، أنه كان مخيرا بين الانجرار إلى حرب مع الكيان الإسرائيلي، وتجنيب الدولة ويلات الحرب، في وقت تُبنى فيه الدولة ومؤسساتها، فاختار سلامة الشعب.
الحرب هي عين ما يريده نتنياهو، لذلك يقوم بهذه العربدة المستفزة لجر النظام السوري إلى حرب لا يمتلك فيها سلاحا يواجه به الطائرات الإسرائيلية، ما يجعل البلاد ساحة مفتوحة للطيران الإسرائيلي، الذي لن يتورع عن حرق الاخضر واليابس، ويقوم مع اندلاع الحرب بتجييش الغرب ضد نظام سوري إرهابي، يستهدف إسرائيل وفق رواية نتنياهو.
سوف يترتب على ذلك، ضرب الدولة في مهدها، وجعل سوريا ساحة حرب من جديد، وساحة للتدخلات الأجنبية، والنتيجة هي التقسيم الحتمي لسوريا على الطريقة التي يهواها الاحتلال.
أجزم أن خيار الحرب هو الخيار الأيسر للشرع، الذي قضى سنوات عمره محاربا، لكن كما بينت سلفا في أكثر من مناسبة، الرجل تحول من التفكير في سوريا بعقلية الثورة والجماعة، إلى عقلية الدولة، ومن ثم اختار تغليب سلامة الشعب ومنع تفتيت أراضيه. لكن الشرع لم يُظهر خلال هذه الأحداث هدوءه وتعقّله فحسب، بل أظهر أنه ثعلب يحسن استغلال ما لديه من أوراق. فمع انسحاب القوات السورية، وفي أوْج شعور فصائل حكمت الهجري الخارجة عن القانون بالزهو، واعتقادها تركيع الحكومة، قامت هذه الفصائل بانتهاكات جسيمة بحق البدو، لكن هذه الفصائل كانت على موعد مع ما لم يكن بحسبانها، حيث زحفت العشائر العربية نحو السويداء، واشتبكت مع أتباع الهجري وتمكنت من تحرير عائلات بدوية من أسر هذه الفصائل.
هذه العشائر كما هو معلوم موالية لحكومة الشرع، فكان إجبار القوات الحكومية على الانسحاب، فرصة سانحة لأن يلعب بهذه الورقة الرابحة، فلم يقيد يد العشائر التي حركتها النخوة العربية لإنقاذ البدو، والتزم في الوقت نفسه ببنود الاتفاق التي أبرمها لدى انسحابه من السويداء، ما أدى في النهاية إلى أن يطلب شيخ الطائفة حكمت الهجري من الحكومة السورية سرعة التدخل.
أحداث السويداء التي كشفت عن حجم أطماع نتنياهو في الجنوب، وعن الصلة الوطيدة بينه وبين الدروز، كشفت كذلك عن امتلاك الشرع أوراقا بديلة للحرب المباشرة، ولكن يبقى السؤال الذي تجيب عنه الأيام المقبلة وحدها: إلى متى يصمد هدوء الشرع وتعقّله أمام أطماع نتنياهو التي لا تنتهي؟
كاتبة أردنية
القدس العربي
———————————-
تعارض استراتيجيات واشنطن وتل أبيب/ سام منسى
21 يوليو 2025 م
تكاد أحداث السويداء في سوريا تقلب المشهد في المنطقة رأساً على عقب، وسط تدخل إسرائيلي فجّ في مجرياتها. فعلى الرغم من سجل نظام الأسد الحافل بإجهاض مبادرات السلام والتدخل في شؤون جيرانه وقمع شعبه، بقيت الحدود السورية – الإسرائيلية هادئة لأكثر من 54 سنة باستثناء الضربات الإسرائيلية لمواقع إيرانية. فما الذي يدفع اليوم بنيامين نتنياهو لمعارضة حكم أحمد الشرع، رغم تأييد إدارة دونالد ترمب له؟ ولماذا يبدو أن نتنياهو يُقوّض ما تصفه تل أبيب نفسها بـ«نجاحات استراتيجية» حققتها منذ «طوفان الأقصى»، وصولاً إلى الضربة العسكرية ضد المنشآت النووية الإيرانية، والتي أدَّت إلى قلب موازين القوة في الإقليم وإضعاف الحضور الإيراني في المشرق؟ المفارقة أن هذا التفوق العسكري الإسرائيلي لم يُترجم إلى تفوق سياسي في أي من الجبهات، لا مع الحوثيين ولا «حماس» ولا «حزب الله» ولا حتى إيران. واليوم، تبدو الجبهة السورية مرشحة لتكرار ذات المعادلة العبثية. في مقال الأسبوع الماضي، أشرنا إلى أن العلاقة بين واشنطن وتل أبيب باتت في ولاية ترمب الثانية أقرب إلى «تحالف دون وفاق».
ويتجلَّى هذا التعارض اليوم على الساحة السورية، وتحديداً في السويداء، حيث تبرز فجوة استراتيجية بين الطرفين، حتى بات نتنياهو يظهر وكأنه يقف ضد مشروع ترمب ويعرقل أهدافه في المنطقة بعد جولة خليجية ناجحة. ترى واشنطن في حكم الشرع، رغم التحديات والعثرات، فرصة لإعادة التوازن في سوريا، وملء الفراغ الذي خلّفه تراجع النفوذ الإيراني، بما يخدم مصالحها ومصالح حلفائها. لهذا السبب، منحته شرعية سياسية معتبرة، ضمن تصور لاستقرار «قابل للضبط».
في المقابل، يعتبر نتنياهو أنَّ أي سلطة مركزية في دمشق، حتى لو كانت ضعيفة، تعرقل مشروعه لتفتيت سوريا طائفياً. فهو يفضل «لا استقرار دائماً» يمكن استثماره في تصدير أزماته الداخلية، وتعزيز خطاباته الأمنية القائمة على القوة، التي تغذي خطاب اليمين المتطرف. تعكس تصريحات وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير المطالبة بإسقاط الشرع هذا التوجه الإسرائيلي الساعي إلى الفوضى بدلاً من الاستقرار، ما يهدد بإعادة البلاد إلى دوامة العنف، ويعزز مخاوف التقسيم في عموم بلاد الشام، كما يسميها السفير الأميركي توم برّاك. انتقلت حكومة نتنياهو من خطاب «الحماية» إلى أجندة «التفتيت»، مستغلة ما جرى في السويداء. وكان لهذه الأحداث صدى واسع لدى الدروز في إسرائيل، ما دفع بشخصيات بارزة، كالشيخ حكمت الهجري من السويداء والشيخ موفق طريف من الداخل الإسرائيلي، إلى المطالبة بحماية دولية للطائفة.
يأتي هذا التصعيد بعد فشل المفاوضات بين حكومة الشرع والوفد الإسرائيلي في أذربيجان. كان هدف إسرائيل إقامةَ منطقة أمنية تمتد من الجولان إلى السويداء، مروراً بجبل الشيخ وصولاً إلى الحدود اللبنانية. الخطة تقضي بإنشاء منطقة عازلة منزوعة السلاح، تُدار أمنياً من قبل الدروز، فيما يبقى الحكم المركزي في دمشق ضعيفاً ومهمّشاً. هل يُنتج هذا النهج فعلاً تفاهمات أمنية قابلة للحياة، كتجديد اتفاق فصل القوات لعام 1974؟ أم أنه سيفتح المجال لفوضى تستثمرها أطراف غير معنية بأي تسوية، إقليمية كانت أم محلية؟ ما الذي يريده نتنياهو فعلاً؟ هل يسعى إلى تصدير أزماته الداخلية نحو الخارج عبر افتعال معارك إقليمية جديدة؟ أم أن هذا التوجّه يعبّر عن جوهر الفكر السياسي-الديني لليمين المتطرف، الذي لا يعرف سوى منطق القوة والحلول الآنية؟
صحيح أن حكومة الشرع ما تزال في بداياتها، لكن هناك ثغرات تهدد بإضعاف الثقة العامة وتعثر مسار العدالة الانتقالية، وتفتح الباب أمام نزعات انفصالية في مناطق مثل الحسكة والقامشلي، مع تصاعد الطروحات الفيدرالية أو حتى الاستقلال الصريح. يبقى السؤال: هل يملك ترمب القدرة والإرادة للجم اندفاعة نتنياهو ومنعه من تقويض الرؤية الأميركية في سوريا والمنطقة، لا سيما بعد ما حققه من مكاسب في الخليج والملف الإيراني؟ أم أن نتنياهو سيبقى الطرف المشاغب، حتى داخل أكثر تحالفاته المفترضة متانة؟
الشرق الأوسط
—————————-
السويداء بين مطرقة العنف وسندان السياسة: ماذا تريد إسرائيل؟/ صادق الطائي
21 تموز 2025
تشهد محافظة السويداء في جنوب سوريا تصعيدا دمويا غير مسبوق، أعاد إلى الأذهان أبشع فصول الحرب السورية، فقد تجددت الاشتباكات بين مقاتلي ميليشيات من الطائفة الدرزية ومسلحي القبائل البدوية من الطائفة السنية، الساكنين في المنطاق المحيطة بمحافظة السويداء، وتدخّلت إسرائيل عسكريا وسياسيا، معلنة مواقف أثارت جدلا واسعا حول أهدافها الحقيقية من هذا التدخل.
بدأت الأحداث في السويداء عندما تصاعدت مشادات محلية بين دروز وبدو تحولت إلى مواجهات مسلّحة. وذكرت وكالة رويترز في تقريرها الإخباري الذي غطى الأحداث: أن “محافظة السويداء السورية تهتز لأيام من العنف، أكثر من 300 قتيل سقطوا في الاشتباكات الأخيرة، حسب جماعة حقوقية”. كما أشارت جريدة “الغارديان” البريطانية نقلا عن المرصد السوري لحقوق الإنسان، إلى أن “516 مدنيا ومقاتلا قُتلوا، بينهم 86 مدنيا، على يد القوات الحكومية وحلفائها، و3 مدنيين بدو على يد مقاتلين دروز”.
وقد انخرطت القوات الحكومية السورية بداية في القتال إلى جانب البدو ضد الدروز، لكنها وحسب صحيفة “الغارديان”: “بدأت بالانسحاب من محافظة السويداء ذات الغالبية الدرزية، منهية أربعة أيام من الصراع”. وقد أعلن الرئيس السوري أحمد الشرع: “أن الحكومة اختارت تجنب جر البلاد إلى حرب جديدة أوسع قد تخرجها عن مسار التعافي.. اخترنا مصالح السوريين على الفوضى والدمار”. لكن مع انسحاب القوات الحكومية، شنّ مقاتلو الدروز هجمات وصفتها وسائل الإعلام الرسمية السورية بأنها “انتقامية” على قرى بدوية، ما أدى إلى نزوح واسع وقتلى في صفوف المدنيين. ونقلت “الغارديان” عن سكان من البدو: أن “مجموعات مسلحة من الدروز اقتحمت قراهم وأحرقت منازلهم”. في خضم هذه الفوضى، تدخلت إسرائيل عسكريا وسياسيا في الصراع، في خطوة وصفت بأنها غير مسبوقة، من حيث النطاق والصراحة. فقد أعلنت إسرائيل يوم الجمعة الماضي، حسب وكالة رويترز، أنها سمحت لقوات الأمن السورية بالدخول إلى السويداء لمدة 48 ساعة “في ضوء حالة عدم الاستقرار المستمرة في جنوب غرب سوريا” . في المقابل، شنّت إسرائيل غارات جوية على مواقع سورية في السويداء ودمشق. وأكد الجيش الإسرائيلي، أن هذه الضربات كانت رسالة مباشرة إلى الرئيس السوري. وقال المتحدث العسكري الإسرائيلي: “الضربات كانت رسالة إلى سوريا بشأن الأحداث في السويداء”.
كما أوضحت الحكومة الإسرائيلية نيتها الدفاع عن الدروز في سوريا، استجابة لضغوط مجتمع الدروز في إسرائيل، إذ تعهد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو قائلا: “إسرائيل ستواصل استخدام الوسائل العسكرية لفرض خطيها الأحمرين في سوريا؛ نزع السلاح في المنطقة الممتدة من جنوب العاصمة دمشق حتى الحدود، وحماية الأقلية الدرزية هناك”. وقال في بيان مصوّر: “لقد أرسل النظام السوري جيشا إلى منطقة يجب أن تكون منزوعة السلاح، وبدأ بمجزرة بحق الدروز. لم يكن بإمكاننا قبول هذا بأي شكل من الأشكال. وقف إطلاق النار الذي أعلنه الشرع في السويداء تم تحقيقه بالقوة، وليس عبر الطلبات ولا عبر التوسل.. بالقوة”، وأضاف: “لقد تصرفنا، وسنواصل التصرف عند الضرورة”.
إلى جانب التدخل العسكري، أعلنت إسرائيل عن إرسال مساعدات إنسانية عاجلة إلى الدروز في السويداء. وذكرت وزارة الخارجية: “في ضوء الهجمات الأخيرة التي تستهدف الطائفة الدرزية في السويداء، والوضع الإنساني الحاد في المنطقة، أمر وزير الخارجية جدعون ساعر بنقل مساعدات إنسانية عاجلة إلى السكان الدروز في المنطقة”. وتشمل المساعدات طرودا غذائية وإمدادات طبية بقيمة (600) ألف دولار. لكن ما هي الأهداف الإسرائيلية الحقيقية التي تقف وراء تدخلها السافر في شأن سوري داخلي؟ يمكن قراءة التحرك الإسرائيلي في السويداء على عدة مستويات. فعلى السطح ومن باب التسويق الإعلامي، كانت حجة حكومة نتنياهو هي؛ أن تحرك إسرائيل عسكريا جاء استجابة للتخفيف من معاناة الدروز في سوريا، إذ قال نتنياهو إن إسرائيل “لن تقبل بمجزرة بحق الدروز”. كما أوردت الصحف الإسرائيلية: إن “الطائفة الدرزية في إسرائيل طالبت حكومة نتنياهو بالتدخل لحماية إخوتهم عبر الحدود”. أما في العمق، وعلى المستوى السياسي، فيبدو أن إسرائيل تسعى لتثبيت معادلة أمنية جديدة في جنوب سوريا، إذ شدد نتنياهو على “نزع السلاح جنوب دمشق” وحماية الدروز باعتبارهما خطين أحمرين. بينما وصف المتحدث العسكري الإسرائيلي حكام سوريا الجدد بأنهم “جهاديون مقنّعون بالكاد”، وقد ألمح الرئيس السوري أحمد الشرع إلى أن الضربات الإسرائيلية كانت محاولة “لدفع الأمور إلى تصعيد واسع النطاق”، لولا تدخل وساطات أمريكية وعربية وتركية حالت دون ذلك. كما اتهم الشرع إسرائيل بـ”استهداف واسع النطاق للمنشآت المدنية والحكومية”، محذرا من أن الضربات قد تجر المنطقة إلى “مصير مجهول”.
وفي خطابه، حاول الرئيس السوري امتصاص الغضب الشعبي الدرزي، وأقر بوقوع تجاوزات، مشددا على أن الدروز “تحت حماية ومسؤولية الدولة”. وقال: “نحن مصممون على محاسبة كل من أساء أو ألحق الأذى بإخوتنا الدروز”، لكن الانقسامات داخل المجتمع الدرزي نفسه بدت واضحة. فقد صرّح أحد الشباب الدروز: “أفضل أن أموت على أن يُحكم عليّ من قبلهم. على الأقل سأموت بكرامة”. كما أن مواقف شيوخ العقل – وهم المرجعية الدينية العليا للطائفة الدرزية – تباينت وتضاربت ، فبينهم من كان متشددا تجاه الحوار مع حكومة دمشق، بينما رحب آخرون بالتهدئة والحوار. ويوجد في السويداء ثلاثة من أبرز شيوخ العقل وهم: يوسف جربوع، حمود الحناوي، وحكمت الهجري. الشيخ يوسف جربوع عرف بدعمه لنظام بشار الأسد سابقا، لكنه مع تصاعد الأحداث أعلن عبر التلفزيون الرسمي هدنة جديدة مع دمشق لاستعادة الاستقرار بعد مواجهات دموية. أما الشيخ حكمت الهجري، فقد رفض اتفاق وقف إطلاق النار مع الحكومة، مؤكدا “ضرورة الاستمرار في الدفاع المشروع، واستمرار القتال حتى تحرير كامل تراب محافظتنا من هذه العصابات، دون قيد أو شرط، ونعتبر ذلك واجبا وطنيا وإنسانيا وأخلاقيا لا تهاون فيه”. بينما يتميز موقف الشيخ حمود الحناوي بالعقلانية والوسطية، التي تدعو إلى الحوار الوطني والحفاظ على السلم الأهلي، ويرفض تفتيت سوريا. ويشدد الحناوي على ضرورة ضبط السلاح عبر مؤسسات الدولة وليس الأفراد. كما يرفض التدخل الأجنبي في سوريا، وشارك مع شيوخ آخرين في بيان يرفض تدخل الأجهزة الأمنية دون توافق محلي، وطالب بحماية دولية مؤقتة لحماية المدنيين.
من جانبها قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض للصحافيين يوم الخميس 17 يوليو الجاري أن خفض التصعيد في سوريا يبدو مستمرا. وأضافت كارولين ليفيت، أن الولايات المتحدة “تراقب الوضع عن كثب”. كما قال مسؤول في وزارة الخارجية الأمريكية لوكالة رويترز، إن سياسة الولايات المتحدة تجاه سوريا لم تتغير، لكن “يجب على جميع الأطراف التراجع والانخراط في حوار جاد، يؤدي إلى وقف إطلاق نار دائم”. وأضاف المسؤول: “يجب على الحكومة التحقيق في جميع تقارير الانتهاكات ومحاسبة الجناة”. كما دعت وزارة الخارجية الفرنسية يوم الخميس 17 يوليو إلى احترام وقف إطلاق النار في السويداء، وإجراء تحقيق في الانتهاكات ضد الأقليات، ووقف إسرائيل للإجراءات الأحادية. وقالت الوزارة، إن وزير الخارجية الفرنسي جان- نويل بارو أجرى محادثات في الأيام الأخيرة مع نظيريه السوري والإسرائيلي حول القضية.
في غضون ذلك، قال مكتب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان: “إسرائيل، تستخدم مشكلة الدروز كذريعة لتوسع بلطجتها إلى سوريا المجاورة، على مدى اليومين الماضيين”. وقال الرئيس أردوغان في خطاب متلفز بعد اجتماع حكومته الأسبوعي: ” أريد أن أكرر بوضوح: إسرائيل دولة إرهابية غير قانونية، متغطرسة، عديمة المبادئ، مدللة، وجشعة”. وأضاف: “في هذه المرحلة، أكبر مشكلة في منطقتنا هي عدوانية إسرائيل.. إذا لم يتم إيقاف هذا الوحش فورا، فلن يتردد في إشعال منطقتنا، ثم العالم كله”.
تكشف أحداث السويداء الأخيرة عن تداخل معقد بين الانقسامات الطائفية السورية، والمصالح الإسرائيلية، والضغوط الدولية. فمن جهة، تسعى إسرائيل لتثبيت نفوذ أمني وسياسي في جنوب سوريا تحت غطاء حماية الدروز. ومن جهة أخرى، تحاول دمشق احتواء الأزمة بإسناد الأمن للدروز جزئيا، بينما تستمر إسرائيل في الضغط العسكري لتحقيق أهدافها. في خضم كل ذلك يقف العالم متفرجا دون أن يقوم بخطوات عملية لضبط إسرائيل وإيقاف عدوانها في المنطقة. وفي النهاية، كما قال نتنياهو: “لقد تصرفنا، وسنواصل التصرف عند الضرورة”. هذا التصريح يلخص بدقة النوايا الإسرائيلية التي ترنو إلى استثمار الصراعات السورية الداخلية أمنيا وعسكريا لتحقق في المحصلة النهائية هدفها، عبر إدخال سوريا ما بعد الاسد في حظيرة الدول المطبعة مع تل أبيب.
كاتب عراقي
القدس العربي
———————————–
السويداء.. الحكومة تفشل في اختبار الاستقرار/ مصطفى محمد
الاثنين 2025/07/21
فوجئت الدولة السورية بتحركات الاحتلال الإسرائيلي الداعمة للمجموعات الدرزية في السويداء، فبعد أن كانت الأجواء توحي بأن الاحتلال لن يتدخل في ملف الدروز بعد فتح دمشق باب التفاوض معه بوساطة أميركية، أظهرت التطورات عكس ذلك، ما دفع بالجيش السوري إلى الانكفاء وسحب قواته من السويداء، تجنباً لمزيد من الخسائر.
وبعد الانسحاب، بدت الدولة السورية محبطة من طريقة انتهاء المعركة التي كادت أن تقترب من حسمها لولا الغارات والضربات الإسرائيلية التي تجاوزت توقعاتها.
ومع انتهاء المعارك، بدأت تتبلور خشية من نتائج فشل الدولة في اختبار السويداء العسكري، علماً أن النجاح فيه كان يؤسس لإنهاء ملف “قسد” الصعب والمعقد.
مقتلة سورية
ويصف الناشط السياسي جمال درويش من السويداء، ما جرى خلال اليومين الماضيين بـ”المقتلة السورية”، ويقول: “للأسف كانت المقتلة نتيجة خطأ في قراءة المشهد من قبل الدولة السورية، عندما قررت دخول السويداء، ونجم عن ذلك مئات الضحايا من الجانبين”.
ويضيف لـ”المدن”، أن سوريا هي الخاسرة، والقتلى من الجانبين من المعارضين للنظام البائد، والأهم من ذلك أن سوريا باتت أمام حالة استعداء طائفي، وأمام حالة استفزازية وكراهية.
وتابع درويش، بأن المعارك زادت تعقيدات ملف شرق الفرات (قسد)، معتبراً أن “أكراد سوريا لن يقبلوا بدخول الدولة السورية، بعد ما جرى في السويداء، وقبلها في الساحل السوري، علماً أن السويداء رفضت الدخول في حلف أقليات”.
أخطار تحدق ببنية الدولة
وبعد أن عم السويداء هدوء حذر عقب الاشتباكات الدامية، بدأت التساؤلات عن نتائج المعركة السياسية في بلد لا يزال يتلمس الطريق نحو الاستقرار والتعافي المجتمعي.
وهنا يرى الكاتب والمحلل والسياسي درويش خليفة، أنه لا يمكن تصنيف معارك السويداء في إطار حدث أمني عابر، قائلاً: “نحن أمام مؤشر واضح على أزمة سياسية أعمق تعصف ببنية الدولة السورية الجديدة، وتظهر حجم التحديات أمام إعادة بناء الثقة بين المكونات السورية ومركز القرار في دمشق”.
وأضاف خليفة لـ”المدن” أن “الأحداث الأخيرة أظهرت تبايناً واضحاً في الموقف داخل البيت الدرزي نفسه، بين من يرى ضرورة الانخراط في مشروع وطني شامل، ومن لا يزال يفضل سياسة الحياد أو التموضع الخارجي”.
وفي رأيه خسرت السلطات السورية سردية الاستقرار والسيطرة، وأبدت عدم استعداد لاحتواء الغضب المحلي، قبل اللجوء إلى الحلول الأمنية، وقال: “هذا الفشل ستكون له تبعات سياسية داخلية ودولية، خاصة في ظل المتابعة الدقيقة لسلوك القوات النظامية من قبل المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية”.
وقال الكاتب إن “سوريا تحتاج إلى مشروع وطني جامع يعيد وصل ما انقطع بين الدولة والمجتمع، ويؤسس لعقد اجتماعي جديد يتجاوز ثنائية الأمن والطائفة، نحو دولة المواطنة والحقوق”.
مستقبل سوريا
على النسق ذاته، يؤكد الباحث في مركز “جسور للدراسات” وائل علوان، أن معارك السويداء أعادت سوريا إلى “الحالة غير الصحية”، وقال لـ”المدن”: “إن الدخول غير الموفق وغير المدروس، استدعى تدخلاً إسرائيلياً، والخاسر هو سوريا”.
وأضاف أن الاحتلال يبدو أنه المستفيد الأبرز، فالمعارك أعطته فرصة أكبر للاستثمار في الفوضى السورية، معتبراً أنه “يُحسب للدولة السورية التحلي بالصبر سابقاً، لكنها استُدرجت إلى عمل عسكري كانت نتائجه عسكرية”.
وقال علوان: “الحكومة السورية تقول إنها أخطأت في تقدير الموقف الإسرائيلي، في المقابل، كان الطرف الآخر (حكمت الهجري) صريحاً في طلب الدعم الإسرائيلي، وكل ذلك يضع مستقبل سوريا على المحك”.
المدن
————————————
لماذا نعود إلى نقطة الصفر!/ جمال سليمان
الاثنين 2025/07/21
منذ الأسابيع الأولى لانطلاق الثورة السورية تداعت القوى السياسية و الشخصيات الوطنية، التي استشعرت الثمن الباهظ الذي يمكن لسوريا أن تدفعه، لو توسع نطاق الصراع و ازداد عنفاً. إلا أن نظام الاستبداد في سوريا رفض كل دعوات الحوار الوطني الجامع، من أجل انتقال سياسي سلمي، يوقف المقتلة الجارية، و يضمن سلامة البلاد و العباد، و يؤسس لعهد جديد يكون الوطن فيه فوق شهوة السلطة، و السوريون شركاء فيه بصرف النظر عن أديانهم وطوائفهم وانتماءاتهم المناطقية أو العشائرية أو العرقية، حيث المواطنة فوق كل الاعتبارات و الانتماءات. إلا أن النظام محكوماً باستكباره ورهاناته الإقليمية والدولية، أرادها حرباً رمى في نيرانها كل سوريا وكل السوريين، ظناً منه أنه سينجو وحده من نيرانها، وسيحكم البلاد إلى الأبد. و لكن هيهات هيهات.. فإشعال النيران أسهل بكثير من إطفائها، حيث وصلت إلى قلبه، فانهار بساعات، وهرب رأسه بشكل مهين تحت جنح الظلام. حدث ذلك في لحظة ظنها هو ومؤيدوه، وحتى خصومه، أنها لحظة انتصار، حيث بدأت السفارات بنفض الغبار عن مكاتبها المغلقة وبدأ موظفوها بلم حقائبهم تمهيداً للعودة إلى دمشق لاستئناف العمل فيها.
خلال سنوات الصراع هذه عقدت الكثير من المؤتمرات والاجتماعات الإقليمية والدولية وتم اختراع، أو ابتكار مسارات ومجموعات عمل من أجل سوريا، وكذلك تجمعت قوى المعارضة على اختلاف أطيافها، من أجل تقديم تصورات وحلول وخرائط طريق لإيقاف المقتلة والخروج بحل ينقذ البلاد من أتون الحريق. وكان مؤتمر القاهرة عام 2015، واحداً من هذه التجمعات السياسية الوطنية، التي أرادت تغليب المصالح الوطنية على كل الاعتبارات الأخرى. ورأت أن استمرار نظام الاستبداد والقتل والاعتقال يتنافى مع هذه المصالح، وأنه لا بد من انتقال سياسي نحو نظام جامع لكل السوريين، يقوم على المشاركة السياسية ومبادئ المواطنة، محرراً الدولة السورية ومؤسساتها من هيمنة العائلة الحاكمة.
طبعاً، و كما جرت العادة تم الطعن بالمؤتمر وأعضائه واتهامهم بالخيانة. النظام اتهمهم بخيانة الوطن، وفريق من المعارضة اتهمهم بخيانة الثورة ودماء الشهداء. وأنا هنا، ومن خلال هذه السطور، لا أريد العودة للرد على هذه الاتهامات، لأنها أصبحت من الماضي ولا مكان لها الآن، ومتأكد أنه ستأتي في سوريا أجيال أتمنى أنها ستكون أفضل منا، تراجع وتحلل وتقيم تجارب الجميع وتضعها في ميزان الموضوعية والإنصاف، لأنها جزء من تاريخ ثمنه دماء ومعاناة وقهر.
الذي يهمني في هذه الرسالة هو ما يجري اليوم من عنف و قتل وتخوين، ونيران أملنا أنها انطفأت، إلا أنها عادت لتشتعل لا بفعل التدخلات والتأثيرات الخارجية فقط، وإنما أيضاً بفعل تقصيرنا وعدم ثقتنا ببعضنا البعض وضعف يقيننا بأننا في مركب واحد، إما أن ننجو معاً أو نغرق معاً. ولكي ننجو، لا بد لنا من نبذ فكرة التغلب والغلبة، وإجراء حوار وطني عميق وصريح من أجل الوصول إلى مشتركات نلتف حولها ونلتزم بها ونخلص لها. وكي نصل إلى هذه المشتركات، لابد من تقديم التنازلات الطوعية المشتركة، لا تنازلات يفرضها طرف على طرف. الخطابات الحماسية و العبارات البراقة والشطارات اللغوية لم تعد تنفع، ولو كانت تنفع لنفعت النظام البائد.
لا مستقبل لفريق واحد في سوريا، بل هناك مستقبل مشترك لكل من يؤمن بالوطن السوري، ولكل من لا يريد رؤية المزيد من الدماء، والضحايا المرمية بين الحقول وعلى أطراف الطرقات. وفي مسيرتنا نحو المستقبل يجب أن لا نعتمد إلا سلاح واحد وهو سلاح نزع الألغام المزروعة على طريقنا نحو السلام والاستقرار والازدهار ومواجهة التحديات التنموية الكبرى التي ما زالت تواجهنا، فما زال مئات آلاف من أطفالنا ونسائنا وشيوخنا يعيشون تحت الخيم ويكابدون أسوأ الظروف.
من هذه الألغام و ربما في مقدمتها، موضوع المركزية واللامركزية. وهو ليس بالأمر المستحدث، فقد عقدت من أجله ندوات ومؤتمرات، كان موتمر القاهرة واحداً منها، وغاصت به مراكز بحثية مرموقة، وتحدثت به عقول سورية نيرة ومخلصة، نتج عنها خزانة من الاستنتاجات والمقترحات والتصورات، فما حاجتنا لأن نبدأ من الصفر، و ما هي الحكمة من إهمال أو تجاهل كل هذا الجهد الكبير.
لا أزعم أبداً أن الأمر يسير والاتفاق جاهز للتوقيع. ففي الدورة الثانية من مؤتمر القاهرة، حزيران 2015، و في معرض الاتفاق على “وثيقة العهد الوطني”، كان موضوع اللامركزية واحداً من أكبر التحديات التي هددت المؤتمر بالفشل. صحيح أن جميع القوى اتفقت على مبدأ اللامركزية، ولكن الخلاف كان حول تعريف هذه اللامركزية التي أقرها النظام البائد من خلال قانون الإدارة المحلية. فأكثر القوى الكردية المشاركة في المؤتمر أرادتها “لا مركزية سياسية”، في حين رفضت القوى الأخرى، و على رأسها القوى العروبية، هذا المبدأ، واعتبرته تهديداً لوحدة سوريا، وأنه بدلاً من ذلك لا بد أن نتبنى مبدأ “اللامركزية الإدارية الموسعة”. بين هذين المفهومين اشتعل النقاش وأحياناً ارتفعت الأصوات واحتدت الطروحات. وكان واضحاً أنه وراء كل ذلك لا غياب الموضوعية فقط، بل أيضاً انعدام الثقة والشك بنوايا الآخر. فالعروبي كان يتوجس من نوايا انفصالية يضمرها الطرف الكردي، والطرف الكردي كان يتوجس من نوايا هيمنة وإقصاء وتهميش يضمرها الطرف العروبي. ولكن بعد طول نقاش، أو بالأحرى صراع، توصلنا إلى صيغة، أو ربما اصطلاح جديد و هو “اللامركزية الديموقراطية” لا “السياسية” و لا “الإدارية”.
طبعا الأمر لم يمر من دون انتقاد وتشكيك، لأن المصطلح فضفاض حمال أوجه، ويمكن لكل طرف أن يتوسع به أو يختصره بما يناسب رؤاه ومصالحه، ولكن الأكيد أنه يصلح أرضية لبناء الثقة، وتحمل المسؤوليات الوطنية، ولحوار وطني صادق و بناء. وإذا كان الشيطان كامناً في التفاصيل، فدعونا نواجهه معاً بدلاً من تركه يعبث بنا.
طالما أن وحدة سوريا أمر أقرت به من خلال بياناتها و تصريحات قادتها جميع القوى السياسية و المجتمعية السورية، وطالما أن اللامركزية ليست لخدمة طرف على حساب طرف آخر، ولن تهدد وحدة سوريا، بل هي مسار نحو السلم الأهلي والرضى المتبادل والمستقبل المشترك في سوريا الموحدة، تحت علم واحد وجيش واحد ودستور واحد وعملة واحدة وسياسة خارجية واحدة، فلماذا لا نبدأ، ولدينا كل هذا التراكم من العمل السابق الذي يمكن لنا أن ننطلق منه؟ ما حاجتنا لأن نعود إلى نقطة الصفر؟ الأمر ليس سهلاً ولكنه ممكن، وتكلفته أقل بكثير من ترك الأبواب مفتوحة للتدخلات الخارجية، ومن تكلفة الدماء التي تسفك، والأرواح التي تزهق، ونيران الكراهية التي تنتشر وتتوغل وستحرقنا جميعاً ما لم نتحد لإطفائها.
نعم نحن مختلفون، ولكن ما الضير في ذلك إذا استنهضنا إرادتنا المشتركة واتحدنا لنبني معاً غدنا الذي نتمناه ويستحقه أبناؤنا.
المدن
—————————-
“سوء التفاهم” الذي كاد يفجر بلاد الشام
على أميركا والعالم إيلاء الأولوية لإعادة بناء الدولة في سوريا قبل مطالبتها بتنفيذ جدول أعمال لمصلحة آخرين
طوني فرنسيس
الاثنين 21 يوليو 2025 0:12
أقامت قوات الأمن الحكومية حاجزا في بلدة بصرى الحريري، شرق السويداء، لمنع مقاتلي العشائر المسلحين من التقدم نحو المدينة، 20 يوليو 2025 (أ ف ب)
ملخص
كانت التجربة الأخيرة للصدام في السويداء السورية نموذجاً للفشل وارتداداته، فالدولة السورية الجديدة التي حلت محل النظام العسكري الحديدي الراحل اعتقدت بإمكانية بسط سلطتها بالقوة في مناطق شاركتها الانتفاضة على النظام من دون أن تشاركها رؤاها الاجتماعية والفكرية، وما يصح في السويداء يمكن أن يصح في المناطق السورية الكردية، ولدى أقليات دينية ومناطقية أخرى.
كيف تدار بلداننا؟ وهل ما يجري فيها لا يمهد لمزيد من التشرذم الداخلي ويمهد للتدخلات الأجنبية على أنواعها؟
قبل أي حديث عن تدخل إسرائيلي في سوريا، أو تدخل تركي وإيراني وأميركي وخلافه، يجب النظر في مسؤولية أهل الأرض حكاماً وشعوباً في إيصال بلادهم (بل بلدانهم) إلى ما وصلت إليه.
فالانقسامات قائمة قبل أن يتدخل الآخرون، والآخرون يعبرون في الشقوق والانشقاقات، ومن دونها لا يمكنهم الولوج. القراءة مستحيلة في كتاب مغلق، فقط عندما تفتح الصفحات يمكن متابعة ما هو مكتوب. كذلك في بلداننا، سيصعب على أي طرف خارجي أن يدس أنفه ويمارس سياساته لو أن الدولة والمجتمع محصنان ضد التدخلات.
والتحصين ينبع من الداخل، وهو ما تفتقده دول المشرق العربي منذ عقود. فالأنظمة التي توالت على بغداد ودمشق وجعلت من بيروت تابعاً ومتنفساً، هي من تتحمل المسؤولية عن تعميق الانقسامات المجتمعية القائمة داخلها وتحويلها إلى عبوات متفجرة بدلاً من تفكيك صواعقها على طريق بناء دول المواطنية والقانون والازدهار.
انفجرت كوارث الانقسام في العراق بمجرد سقوط القبضة الحديدية لنظام صدام حسين لكنها كانت كامنة، ولم تسفر نتائج حكم آل الأسد في سوريا خلال نصف قرن سوى عن إبراز أسوأ مظاهر الردة والتخلف والتشتت في مجتمع قيل إنه مثالي في تمسكه بشعارات النهضة والعروبة، ودائماً ما كانت ارتدادات ما يحصل في البلدين تصل إلى الشاطئ اللبناني الجاهز أصلاً في انقساماته ونظامه الطائفي، لتلقي ما يحصل خارج حدوده سلباً وإيجاباً.
كانت التجربة الأخيرة للصدام في السويداء السورية نموذجاً للفشل وارتداداته. فالدولة السورية الجديدة التي حلت محل النظام العسكري الحديدي الراحل اعتقدت بإمكانية بسط سلطتها بالقوة في مناطق شاركتها الانتفاضة على النظام من دون أن تشاركها رؤاها الاجتماعية والفكرية، وما يصح في السويداء يمكن أن يصح في المناطق السورية الكردية، ولدى أقليات دينية ومناطقية أخرى.
والمشكلة ليست في رغبة الدولة في بسط نفوذها فهذا حقها وواجبها، لكن هل الدولة جاهزة؟ وما هي أدواتها المتاحة لبسط نفوذها؟
لقد تبين أن الدولة ليست جاهزة بمعنى استكمالها الاستعدادات السياسية والدستورية عبر الحوارات المعمقة مع مختلف فئات المجتمع، وظهر كذلك أن أدوات بسط السلطة ليست على قدر المسؤولية. فليس سراً أن تركيبة القوى الأمنية الرسمية لا تزال محكومة بالعقل والمنهج الفصائلي التكفيري الذي تمكنت “هيئة تحرير الشام” من قيادته في معركة الاستيلاء على السلطة، وبهذا المعنى يصعب الحديث عن جيش عربي سوري أو عن قوات أمن عام بالمعنى المتعارف عليه، يقومان بمهام نشر الأمن وبسط سلطة القانون.
والمسألة لا تتعلق فقط بالسويداء بوصفها عاصمة الدروز في سوريا، فالأمن الرسمي ذاته واجه مشكلات مماثلة مع فصائل من “فريقه” في درعا، وخاض معارك لفرض السلطة في مناطق العلويين يصعب اعتبارها مثالية. وفي الصدام الأخير داخل السويداء، تكررت مشاهد الفوضى التي لم يكن تتويجها بالاستنفار العشائري موفقاً في تبييض وجه وسلوك السلطات.
تحتاج سوريا المنتصرة على الديكتاتورية خلال مرحلتها الانتقالية إلى أكثر من استعجال فرض السلطة. فاستكمال الحوار الداخلي أمر أساسي، وبناء الثقة عليه أن يسير سوية مع بناء المؤسسات بما فيها المؤسسة العسكرية التي لم يعرف إلى أي حد استفادت من كفاءات أكثر من 6 آلاف ضابط، تركوا نظام الأسد والتحقوا بالجيش الحر في حينه وأكثرهم لم يجد مكاناً له في صيغة الجيش الجديدة.
تتيح التشققات الداخلية والتأخير في الاستجابة لموجبات المرحلة الجديدة، للخارج، فرصاً كثيرة للتدخل من أجل تحقيق مصالحه. ولا يتعلق الأمر بإسرائيل وحدها، التي اغتنمت فرصة الحدث السوري لتوسيع نفوذها شمال الجولان والإعلان صراحة أنها تريد منطقة منزوعة السلاح تشمل الجنوب السوري. والاستعجال الإسرائيلي يستند إلى تفكك المشهد السوري الداخلي، بقدر ما يدفع الاستعجال الأميركي القيادة السورية إلى حسابات غير مدروسة. لقد عدت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن ما جرى في السويداء هو نتيجة “سوء فهم” بين إسرائيل والقيادة السورية، جرى حله في النهاية بتفاهم بين الطرفين ولكن بعد دمار كبير في جبل العرب وسقوط نحو ألف ضحية من أبناء سوريا.
لكن كيف نشأ “سوء التفاهم” هذا الذي كاد يفجر المنطقة؟
إنه على الأرجح نتيجة استعجال جهتين أساسيتين، إسرائيل التي تسعى لتوظيف تفوقها العسكري في إنجازات سياسية ملموسة، والولايات المتحدة التي انخرطت بقوة في دعم النظام السوري الجديد وشجعته على بسط سلطته على الأراضي كافة.
خلال الـ13 من مايو (أيار) الماضي أعلن ترمب عزمه رفع العقوبات عن سوريا، وسرعان ما أوفد مبعوثه توم باراك إلى سوريا لمتابعة النقاط الخمس التي آثارها الرئيس الأميركي والتي تشمل، الانضمام إلى اتفاقات أبراهام ومعالجة تحدي المقاتلين الأجانب وطرد الجماعات الفلسطينية “المتطرفة” ومواصلة الحرب ضد “داعش”، والسيطرة على مراكز الاحتجاز التي تضم أعضاء في التنظيم وعائلاتهم.
تجاوبت إدارة الرئيس أحمد الشرع بسرعة، ودفعتها تصريحات باراك عن حصر السلطة في دمشق، ثم تحذيره للبنانيين بأن طرابلس قد تعود إلى “بلاد الشام”، وبعدها اللقاء الأمني مع إسرائيل في باكو، إلى استعجال الدخول في حوران كتوطئة للتوسع في مناطق الأكراد، لكن تلك الخطوة كانت بمثابة الدوس على لغم سينفجر بالجميع. إن “سوء التفاهم” الذي سيتحدث عنه ترمب ووزير خارجيته ماركو روبيو ومبعوثه توم باراك كاد يطيح بلاد الشام، وليس فقط بمهمة إعادة السويداء أو طرابلس الشام إليها.
فالنار في الجنوب السوري امتدت إلى كل سوريا ومحيطها، واستنفار العشائر على أسس مذهبية جعل المشرق ساحة عشائر متداخلة، ووضع لبنان تحديداً على محك الانفجار مرة أخرى.
لم تول إدارة ترمب أولوية لإعادة بناء الدولة في سوريا بقدر ما اهتمت بوضع جدول أعمال تمتحن عبره إدارتها الجديدة في قضيتي السلام مع إسرائيل ومكافحة الإرهاب بما في ذلك منع عودة النفوذ الإيراني. وهذا ما تمارسه تقريباً في لبنان عندما يقتصر تركيزها على نزع السلاح لمنع تهديدات مستقبلية لإسرائيل، وليس للضغط من أجل بناء دولة عصرية تتخطى الانقسام والفساد وتدفن عوامل تجدد النزاعات المذهبية والطائفية، وهذه مهمة لا تقتصر على لبنان وسوريا فقط بل تشمل العراق خصوصاً ونقاطاً عربية ساخنة أخرى.
خلال الساعات الأخيرة بدا أن إدارة ترمب تنبهت إلى هذه الحقائق، وساعدها في ذلك الموقف العربي الموحد تجاه دعم سوريا وإدانة التدخل الإسرائيلي وأهدافه المعلنة، وعليه ستعود أولوية المساعدة في بناء الدولة إلى الواجهة قبل أن يطلب من هذه الدولة تنفيذ مهام تنحصر في الاستجابة لمطالب إسرائيلية أو أميركية. وفي هذه النقطة بالذات سيمتحن الموقف الدولي من تحولات سوريا ومستقبلها، ومن مستقبل “بلاد الشام” التي اكتشفها مبعوث ترمب وكادت تنفجر بسبب “سوء التفاهم” وإفرازاته المميتة.
————————–
وقائع السويداء وموقف جنبلاط/ غازي العريضي
الاثنين 2025/07/21
في متابعة دقيقة لمواقف المسؤولين الاسرائيليين وأهداف عدوانهم على سوريا يمكن تسجيل الآتي:
– “أمهلنا الجيش السوري بضعة أسابيع لسحب قواته وأسلحته من درعا. نتمسك بنزع السلاح في الجنوب السوري بما فيه درعا”.
– ايتمار بن غفير وزير الأمن القومي: “علينا القضاء على رأس الأفعى (الشرع). من كان جهادياً يبقى جهادياً. الحل الوحيد تصفيته”.
– عميحاي شيكلي وزير الشتات: “يجب اغتيال الشرع. إرهابي. وقاتل وحشي”. والشرع هو اليوم رئيس دولة معترف به دولياً وترامب يقول عنه: “رجل قوي وتاريخه قوي”! وإسرائيل تريد قتله، متجاوزة كل الحدود والاعتبارات وأميركا، في محاولة فرض إرادتها ومشروعها .
– يسرائيل كاتس وزير الدفاع : “على النظام السوري أن يترك الدروز وشأنهم ويسحب قواته. إسرائيل لن تتخلى عن الدروز في سوريا. سنطبّق سياسة نزع السلاح في الجنوب ونواصل مهاجمة قوات النظام حتى انسحابها من السويداء، سنصعّد ردّنا على النظام إذا لم يفهم الرسالة “.
– رئيس أركان الجيش: “… لن نسمح أن يصبح جنوب سوريا معقلاً للارهاب ولن نعتمد على أحد. سنحمي السكان على الحدود”.
– رئيس الحكومة بنيامين نتانياهو: “لن نسمح بوضع في سوريا ينشأ فيه لبنان ثان، وملتزمون بحماية السكان الدروز، ونعمل في دمشق ولدينا التزام بالحفاظ على جنوب غرب سوريا منطقة منزوعة السلاح على حدودنا. آمل ألا نضطر إلى تنفيذ عمليات أخرى فيها. الأمر يعتمد إلى حد كبير على أفعال دمشق. السويداء والقنيطرة لنا. وستكون تحت سيطرتنا “.
– إيدي كوهين وزير الطاقة: ” الشيخ حكمت الهجري فقط يمثل الدروز في سوريا ونحن والدروز لا نعترف إلا به”.
– يائير غولان رئيس حزب الديموقراطيين الاسرائيليين: “إخواننا الدروز في سوريا في خطر. وعلينا حمايتهم. فهذه مهمة أمنية وطنية وأخلاقية بالغة الأهمية. مع ذلك، على الحكومة الاسرائيلية اتباع سياسة منهجية. علينا تعزيز العلاقات مع سكان المنطقة الحدودية ودعم الأكراد، والعمل على الحد من النفوذ التركي القطري في المنطقة السورية “.
هذه عينات من التصريحات تثبت أن الأهداف الحقيقية لا علاقة لها بزعم حماية الدروز. المطلوب تكريس احتلال الجولان واعتباره منطقة إسرائيلية، والتوسّع في الجنوب وإقامة منطقة أمنية، تليها مناطق أمنية على الحدود المصرية والأردنية (وهناك احتلال دائم مع الوقت لغزة والضفة) وجنوب لبنان، ومواجهة تركيا والحد من نفوذها، بعد ضرب إيران وطردها من سوريا. فتبقى إسرائيل الدولة المتحكّمة المتفردة بالقرار السيدة المتفوّقة في المنطقة. وكل هذا يجري في ظل اعتراف اميركي بالشرع، ورفع عقوبات عن سوريا، وإعطائها فرصة، وانفتاح عربي، وتسابق بين عدد من الدول العربية “الإبراهيمية” المتفاهمة مع إسرائيل لتوفير حضور دائم وتقديم دعم للنظام الجديد. لكن دولة الاحتلال لا تقيم اعتباراً لذلك بل تعتبره من باب تحصيل الحاصل، ولا خيار أمام العرب غير التوجّه نحوها والاعتراف بدورها ونفوذها وقوتها وتفوقّها. وتحاول التذرّع بحماية السكان في المناطق الحدودية، في استباحة تامة تضاف إلى سجل استباحاتها لكل الأعراف والقوانين والقرارات الدولية. وقبل أن نتحدث عن الوقائع والحقائق والميدان ثمة سؤال: هل تقبل إسرائيل أن تتدخل أي دولة عربية مجاورة لها لحماية السكان على الحدود، وهم عرب أقحاح؟ بالمطلق لا. هي كبّلت كل الدول، وتمارس عليهم كل الضغوط وتستبيح كل فلسطين، وتفعل ما تفعل بالشعب الفلسطيني، مهدّدة أمن الأردن ومصر ومصالحهما .
في الوقائع :
عندما وصل أحمد الشرع إلى دمشق لم يكن ثمة اشتباكات في السويداء، فلماذا سارعت إسرائيل إلى قصف مقرات ومواقع ومخازن ومستودعات وآليات ومطارات الجيش السوري؟ هل كان ذلك لحماية الدروز؟ خلال اشتباكات الأيام الماضية، هل كان قصف قاعدة عسكرية في اللاذقية لحماية الدروز؟ وهل قصف رئاسة الأركان السورية ومواقع أخرى في العمق السوري هو للغاية ذاتها؟ المطلوب تفكيك سوريا. إضعافها. “تحريرها” من كل عناصر القوة، وإثارة الفتن فيها، وتعميم الفوضى. ومرة جديدة لن يقف هذا الأمر عند حدودها، بل سيمتد إلى كل الدول العربية، إذا لم تكن قراءة استراتيجية لأبعاد هذا المشروع وتعامل جدّي معه يتجاوز الحسابات المذهبية والتنافس على أدوار لا قيمة لها، طالما تحدّدها إسرائيل بطريقة تصرّفها وتفرّدها! فلا يفرحنّ أحد بـ”حماية إسرائيل”.
في هذا السياق متى جاء تحرّك نتانياهو؟ ألم نر ونسمع أصواتاً داخل إسرائيل ومن البيئة الدرزية تتهم الحكومة الاسرائيلية بالتخلي عن الدروز؟ ألم يذهب الشيخ موفق طريف لـ”يطرح” الصوت عالياً وعلناً منتقداً التلكؤ الاسرائيلي في التدخل؟ نتانياهو تدخل أثناء انعقاد جلسة محاكمته. فعلها مرة جديدة ومارس حرفته التقليدية التي اعتمدها منذ أشهر. خلال جلسة المحاكمة دخل مسؤول أمني وسلّمه ورقة. فاعتذر عن إكمال الجلسة، لأن ثمة حدثاً أمنياً مهماً، تماماً كما كان يفعل في لبنان وغزة. ومسألة محاكمته ليست مسألة تفصيلية، بل دخل على خطها الرئيس الأميركي دونالد ترامب مباشرة، رافضاً سلوك القضاء في هذا الاتجاه، داعياً إلى تمجيد وتكريم “البطل” نتانياهو، الذي يريد في الوقت ذاته حماية حكومته وضمان استمرارها. وهو الأمر الذي يسانده فيه ترامب بقوة أيضاً. يفترض هنا أن يكون “العقلاء” قد تعلموا مما جرى ويجري في غزة والضفة، وكيف يستخدم الدم الفلسطيني لتحقيق هذين الهدفين الأساسيين لدى نتانياهو. أما إسرائيل عموماً، فقد خبرناها في لبنان. وخبرها أخصامنا في مرحلة معينة عندما كانوا يراهنون عليها وتخلّت عنهم. وعندما كانت تدخل على خطوط الحروب بين اللبنانيين، وتدير بعضها وتمارس ضغطها على الدولة، ولم تتغير سياساتها وأساليبها لأن أهدافها ثابتة .
ماذا عن وليد جنبلاط وبعض الحملات عليه؟
لا شك أن ما جرى في السويداء كان مؤلماً. المشهد غير مقبول. مرفوض. مدان بكل أشكال الإدانة. الدولة السورية مسؤولة عن فرض سلطتها وحماية أبنائها، كل أبنائها. ويجب أن يحصر السلاح في يدها. وهذا ما ننادي به في لبنان. وبالتالي لا يمكن تبرير ما جرى أو السكوت عن المتسببين والمرتكبين لأي جهة انتموا. الجرح كبير جداً ويجب المبادرة سريعاً إلى معالجة أسبابه، وإلا سنكون أمام حالة من التفلّت والفوضى لا تحمد عقباها. جبل العرب منه انطلقت ثورة تحرير سوريا من الاستعمار بقيادة سلطان باشا الأطرش وكوكبة من الرجال الوطنيين من مختلف الأطياف. لم يقبل السلطان مركزاً أو سلطة أو مكافأة. هذا الجبل يجب أن ينصف ويعطى حقه بكل مناطقه وأبنائه، بعد أن ظلمه النظام السابق. النظام الحالي مسؤول عن ذلك ويجب أن يبقى الجبل عربياً وجزءاً لا يتجزأ من سوريا الموحدة العربية. هذه هي رسالة وليد جنبلاط، الذي ومنذ اندلاع الأحداث عام 2011 ضد نظام الأسد وهو يتوجّه إلى أبناء الطائفة الدرزية الكريمة في السويداء بالدعوة إلى المحافظة على أمتن علاقات الجوار والتعاون مع إخوانهم السنة والبدو، كما مع الآخرين، بعد سقوط النظام. إذاً، ما قام به اليوم ليس أمراً جديداً وليس تدخلاً في شؤون الآخرين بعدما وصلت اليه الأمور وباتت تنذر بانعكاسات سلبية خطيرة على لبنان. لذلك ذكّر بأنه عندما استهدف الرئيس السوري السابق أديب الشيشكلي الجبل غادر سلطان باشا الأطرش مقرّه، تفادياً لمذبحة وللوقوع في فخ الاقتتال السوري السوري. وهو الرجل الموحّد بمعنى انتمائه الدرزي وانتمائه العربي الوطني الحريص على سوريا ووحدتها وعلى تاريخ الدروز .
وينبغي التذكير هنا بأن الشهيد كمال جنبلاط رفض بقوة مشروع إقامة دولة درزية في لبنان أو في سوريا في مرحلة من المراحل، حرصاً على الانتماء ذاته والتاريخ ذاته والوحدة الجامعة في الإطار العربي والإسلامي المنفتح. وفي لبنان هو أول من رعى مصالح وحقوق العشائر العربية من عكار إلى البقاع وضواحي بيروت والجبل والجنوب، ولا يزال هؤلاء يتردّدون إلى المختارة دائماً كلما شعروا بحاجة ما. وليد جنبلاط بعد اغتيال المعلم ذهب إلى من قتله، لأن الخيارات كانت أمامه وأمام أمانة حفظ الطائفة في إطار موقعها الوطني العربي وتكريس وحدتها: اسرائيل. البحر. سوريا. أكد: لا لإسرائيل. لا للتضحية بالدروز والحزب والمختارة. نعم لسوريا أياً تكن المشاعر والصعاب. وهذا ما جرى. واستمر في رعاية مصالح وحقوق العشائر العربية والحرص على أمنها واستقرارها وكرامتها كجزء لا يتجزأ من النسيج الوطني اللبناني. ثم خاض حرباً فرضت عليه. وكان للإسرائيلي دور كبير فيها. كانت قاسية. مؤلمة. مكلفة. ثقيلة. وكان يتحيّن الفرصة لعقد مصالحة تاريخية مع المسيحيين. وها هي الأمور تعود إلى طبيعتها. من هذا الموقع رفض الانتهاكات التي استهدفت أبناء السويداء الدروز، وعندما تكشفت ردود فعل مؤلمة أيضاً تجاه البدو أدرك مخاطرها ودعا إلى وقف النار كمدخل إلى الحل. وقف النار. فك الحصار. تشكيل لجنة تحقيق ومحاسبة كل المرتكبين. ثم مصالحة. وتأكيد مجدداً على العلاقة مع الأخوة البدو. وحصر السلاح بيد الدولة. وكانت له اتصالات مع كل الدول العربية وغير العربية الراعية والمؤكدة هذا التوجّه. وعندما صدرت دعوات لهذه الدول من كثيرين من أبناء الطائفة في لبنان وخارجه، جاءت المواقف لتؤكد ما ذهب إليه: دعم الشرعية والدولة وضبط الأمور. فماذا يقول هؤلاء؟ وما هي الخيارات الأخرى؟
مرة جديدة في المحطات المفصلية نحن بحاجة إلى رجال رجال. لا عواطف في المواقف. وأمانة حفظ المصير لا تكون بردود فعل فورية أو مواقف قصيرة النظر تحكمها الأحقاد والحسابات الضيقة. لعبة الأمم أكبر من الجميع، وقد تطيح بكيانات وحدود ودول وأنظمة وطوائف ومذاهب. وإسرائيل لا تحمي أحداًَ. تتمرّد وتتنمّر على أميركا ولا تقيم اعتباراً لأحد في المنطقة. حتى عندما ترفع شعار الحماية، فهي تسعى إلى الابتزاز والاستخدام ليس إلا. من هنا، الصبر، الحكمة، التعقّل، التبصّر، هي العناصر التي يستند إليها في المقاربات لتجنّّب الوقوع في الأفخاخ أو الانزلاق نحو خيارات مدمرة. لا انحراف في الثوابت عند تحديد الخيارات واتخاذ القرارات. ولا انجراف بالانفعالات في الممارسات. لكل شيء نهاية، فلنذهب إلى أقصر الطرق باعتماد الحل السياسي
المدن
————————-
متاهات الأقلويَّة وانتفاخات الأكثرويَّة!/ زياد الصائغ
الاثنين 2025/07/21
تعودُ الافتِعالات الدّمويَّة من بوَّابةِ مَتَاهات الأقلويَّة، وانتِفاخاتِ الأكثرويَّة. ثمَّة في جرائِم الأيديولوجيَّات المركَّبة، باختِراقاتٍ مخابراتيَّة، ما يؤشِّرُ إلى أجُنْداتٍ خبيثة. الأَجُنْداتُ الخبيثة تقتضي مواجَهَةً من غيرِ عسْكرةٍ للصِّراع. عَسْكَرة الصِّراع، مع سِماتٍ إقصائيَّة من ناحِيَة، وتفتيتيَّة من ناحِيةٍ أُخرى، تؤشِّر إلى بعضِ أَوهامِ ابتِلاعٍ أو انعِزال على حدٍّ سواء. الإبتلاعُ مقتلة. الإنعِزالُ انتِحار.
أهلُ السُّويداء يواجِهُون مسارًا معقَّد الاتِّجاهات. من المذهبيّ المفخَّخ. إلى التطرُّفيّ القبيح. إلى الاستِدعائيّ بالحمايَة. إلى تجذير أنْ لا مكان للمواطنة المتساويَة في دَوْلَة حُكْم قانون. السُّويداءُ، بأهلِها الكِرام، أقوى من أن تتمكَّن قِوى العالم من اقتِلاعِهم أو تطويعهم. الإمتِحانُ، الأشدُّ خُطُورة، يَقَعُ على عاتِق من قدَّم نَفْسَه مؤتَمَنًا على مرحلة انتِقاليَّة لبناء سوريا دَوْلةً دستوريَّة، يسودُها العيشُ معًا، تحت مظلَّةِ العدالة. التَّاريخ أقسى من أن تكسِره إنسياقاتٌ انتِحاريَّة، أو تسلُّلاتٌ لتأكيد مُعَادلةِ أنَّ الانتِهاء من الدّيكتاتوريَّة، سيؤدّي حتْمًا إلى صِراعاتٍ من طوابِع طائفيَّة ومذهبيَّة وعرقيَّة. بين الدّيكتاتوريَّة والتطرُّف حِلْفٌ بنيويّ. ترسيخُ القَمْع باسمِ فَرْض القانون. تعميمُ الخَوف باسْم حماية الأقليَّات. من المستحيل فَصْل الدّيكتاتوريَّة عن التطرّف والعكس. الأوَّل يُصفّي باسْمِ مكافحة الإرهاب المتديّن زورًا. الثّاني يُصفّي باسم نقاوةٍ مريضة متديَّنةٍ بالتجزئة. هكذا يأتي تسييسُ الدّين وتديين السِّياسة على قَدَمٍ مُريب، وساقٍ إجراميّ.
لا يحتاجُ المرءُ دلائِلَ للتثبُّت من أنَّ ثمَّة محاوَلَة لإعادة إنتاجِ حلفِ الأقليَّات في الشَّرق الأوْسَط بتشكُّلاتٍ مُتَنَاقِضة. الإنتِكاسَةُ الكيانيَّة التي تعرَّض لها هذا الحِلْف، مرفودًا بنظريَّة الاحتماء بالتوتاليتاريَّة من ناحِيَة، أو استِدعاء الحمايات العابِرَة للحدود من ناحِيَةٍ أخرى، فرضت تحرُّكًا عاجِلًا من صانِعيهِ الباحثين عن القَوْل جهارًا أنَّ المسألة الشرقيَّة تفترِضُ صِحَّة إنشاءِ كياناتٍ دينيَّة، مطيَّفة أو مُمذهبة، على أنْقاضِ ما يُمكن بنائه من دُوَلٍ حيث المواطنة تحتضِن التنوَّع. في هذا التحرُّك المَشبُوه، مِن المُلّح متابعة سرديَّة التَّحريضِ الشَّعْبوي مِمَّن عملوا هُم على تدمير فِكْرَة الدَّولة باللّادولة.
امتطاءُ الجرائم، لتسويقِ سلامةِ خيارات التوتاليتاريَّة، وبُنَى ما فوق الدَّولة، عادَةٌ ينتمي إليها أولئك الباحِثين عن فُتات نفوذ، لا عن عقلانيَّة الانخِراطِ في لمِّ الشَّمْل. العقلانيَّة تعني زَجْر الإجرام الذي يُصادر الدّين دون التِباس. الزَّجر وسائِل مركّبة في سياساتٍ عامَّة فاعلة لا انفِعاليَّة. العقلانيّة تعني أيضًا فَهْم طبائِع الاستِبداد وحُلَفائِه كما مراميهم الانتِقاميّة. الحِكْمة هي ما نحتاجُه في هذه الأزمِنة السّوداء. لُبْنان قادِرٌ على أن يحكي لُغَة العقل لو فِيه نساءُ ورجالُ دَوْلة. لو فيه دَوْلة. شِبْهُ الدَّولة مؤرِق. الحِيادُ الإيجابي يعني مُبَادرة توسُّط، وامتدادًا عربيًّا-دوليًّا، بالاستِناد إلى حقيقةِ العيش معًا. حذار العَوْدة إلى اصطفافاتٍ باسْمِ انتِفاخاتِ الأكثرويَّة ومَتَاهاتِ الأقلويَّة. هُنا يَسْقط الكيان.
المدن
————————–
لو علِمنا عمق كراهيتنا…لاستغنينا عن الثورة!/ نور السيد
الاثنين 2025/07/21
قد يبدو الأمر مبالغة مجازية، أو طيشاً صبيانياً، كم يحدث مع طفلٍ خسر المباراة فحمل كرته وعاد بها يكرّر: “بَطَّلت إلعب”. إلا أنه واقع أليم بعدما عجز النصر عن ترميم الجراح، بل راح ينكأها ويمثّل بها.
ماذا لو سمّينا الأشياء بأسمائها؟ نخرج للعلن من وراء إصبعنا الذي استترنا خلفه طيلة الشهور الثماني المنصرمة. فمنذ انتصرت الثورة – في حال صدقنا أن لهذا الشرق ثورة ونصراً- ونحن نخجل من النطق بأمور وجدناها في قاموسنا اليوم كسلسة لازمتنا مُكرهين، لنستدل إلى الكلام عنها من دون الحاجة إلى تورية مُنهِكة، فلا مجال للإنهاك الفائض اليوم! فترانا نسمي الطوائف التي لم نُشِر إليها سابقاً إلا لذِكر الأعياد والعطلات حين يسأل أولادنا على سبيل المثال: شو يعني عيد الفصح؟ شو يعني نوروز؟
انتصرت اليوم إرادة الشعب، كل الشعب، بكل مكوناته، في إسقاط نظام لا يختلف اثنان على أنه فاشي مجرم يحمل أقذر توصيفات العصور، وأن كل من أحزنه السقوط هو أقلية منتمية إلى “طائفة” المنفعة والإجرام التي لا تنتمي إلى الطوائف. انتهينا من هذه النقطة بالتوافق. حسناً ماذا بعد؟ التالي كان قاسياً، خفتت شموع النصر وبردت ألعابه النارية، تاركةً سماء البلاد غارقة في ظلمتها، كل طرف يشدّ صورتها نحو الأمل والخوف من الآتي. إلا أن المقبل لينا ليس بالوضوح الذي تمنينا. وهنا لا أناقش وضع الحكومة ولا نواياها ولا عملها. هو الشعب ذاته الذي كان ينقسم عند كل تشييع، بين لاعن “خنزيرٍ نفَق” وممجد لشهيدٍ “ارتقى”، ما زال منقسماً، فيما صاحب النعش مسجّل في خانة سورية! يبدو أن قدر هذا الشعب هو التيه في السبع العجاف بقية العمر، وقدر الأمهات الخسائر.
“إلا من رحم ربي”
نعم الرجاء في الأفضل لا ينقطع. إلا أني لا أعني الازدهار العمراني والبحبوحة وتحسّن سبل العيش. المخيف هو نفوس العامة التي لوثتها الحرب بفحم الكراهية، مهما غسلها الماء والثلج والبَرَد، يبقى أثر السواد يومئ إلى النوايا التي يرى كُثر بأنها مبرّرة. إجرام استمرّ لعقود، من الطبيعي أن يترك ندوباً تدل عليه أبداً. الطائفة التي انتمى إليها الأسد هي دريئة مشاعر سلبية أقلّها الكراهية وأخطرها المطالبة بالإبادة. واليوم طائفة جبل العرب تنال قسطها من الحقد. كنت أتمنى لو لم أكن سورية تصارح العامة بما لمَسَت! لكنه الواقع المزري أضعه تحت مجهر المختبر، لأفهمه أنا قبل غيري، ولا سبيل إلى الفهم.
نهجم على مكوّن تلو الآخر بالتخوين، فشيمة الغدر تلازمـ”هم”. نستدل عليها من كلام جدّات وجيران سابقين، ومن أصدقاء السكن الجامعي المشترك. ولا نقاش في التعميم… فهم “كلهم” خونة أشرار! في حين تقذف الأقليات المكوّن الأكثريّ بالإرهاب والتطرف. والشتائم المقولبة يتراشقها الجمع ككرات ثلج، فتمنح السعادة والرضا! خُذ هذه من صبايا العطاء، ليردها الآخر من صاحبات جهاد النكاح… تكبر كرة الثلج وتجرفنا جميعاً نحو هاوية الوادي لنغرق في دم بريء وحرائق أكلت أخضر البلاد ويابسها.
أسأل الجميع بتهكم:”كلهم؟!” مستذكرة هتاف الأشقاء في لبنان: “كلن يعني كلن”. ليأتي الردّ المقولب: “إلا من رحم ربي”. ويبدو أن الله لم يرحم أحداً في هذه البلاد الملعونة!
هل قرأتم كتبهم؟
كمن يجذف بمجذافٍ مكسور، تحاول القلّة أن تصل بالقارب إلى ضفة الخطاب الجامع بلا جدوى. فالمثقف المتنور يرمي العراقيل في الدرب على الدوام. في حين يتصدّى الخطاب الشعبوي للتصنيف: فالقلّة إما خانت الثورة، أو أن مسّاً شيطانياً نال من وطنيتها لا محالة… نحن من خرجنا عن الملّة، فنُثرت الآيات في دروبنا علّنا نستقيم ونتّعظ… أنت مسكين/ة لا تعرف/ين عقيدتهم التي تكرهنا، هل قرأتم كتبهم؟ هل تعلمون بنواياهم الباطنية ضدنا نحن أصحاب السراط؟ بربك هل أنت مقتنعة بأنهم ليسوا إرهابيين يسموننا كفرة! أصمت كل مرّة وكلمات هانس كونج، عالم اللاهوت السويسري، تطنّ في أذني: “لا سلام في العالم، بغير سلام بين الأديان”.
نحن حزب المستفزين، إذا ما نادينا بالتعقل والكفّ عن الخطاب المحرّض، صرنا مستهترين بدم الشهداء، بل ونتسامح في المحاسبة، في حين أننا المطالبون منذ اليوم الأول بمُحكمات مجرمي المجازر من زمن النظام البائد، نحن مَن يتصدّر اليوم مشهد السلم الأهلي، إلا أن من امتهن التطبيل يدعونا للتروي الذي كنا نناجي به، فهل نعلم مصلحة البلاد أكثر من حكومتها؟! ويبقى السؤال: هل قدر هذه البلاد إما أن تبقى تحت البسطار العسكري، أو أن تجتاح تسونامي الكراهية بيوتها الآمنة؟! إذاً، لماذا ثرنا على الاستبداد ونحن نعلم بأن الديكتاتور راحل والشعب بمكوناته باقٍ؟ لماذا نحن عاجزون اليوم عن تقبّل بعضنا البعض كشعب، وليس كمكوّنات الضيوف نأسرها بقوانيننا نحن أصحاب البيت!
بين قضية وشائعة
لم يعد خافياً على أحد بأن ما يعيشه الشعب السوري اليوم هو أزمة ثقة. بعد التهليل للنصر ورسم الأماني بدولة مدنية، بل وقد جمح البعض إلى العلمانية التي وجدها البعض الآخر كفراً وزندقة… يسير المركب في وحل التشكيك، خصوصاً بعد حالة “اللاعدل” التي تمضي بها مرحلة العدالة الانتقالية. فظهر تقرير “رويترز” عن العلويات المخطوفات قبل إعلان نتائج لجنة تقصي الحقائق في أحداث الساحل. هناك من يغمز بأنه لن يظهر كاملاً، وإن ظهر بشفافية فسيكون اتخاذ الإجراءات الشجاعة محرجاً للحكومة. وآخر يرى بأنه كرسي ثُبّت على دم، كما كل الكراسي في هذا الشرق المنحوس. أيضاً تكهنات تضرب عرض الحائط وتعود بشظاياها فتعمّق الشرخ بين مؤيد ومعارض. متنكّر لتلك المجازر يسميها أخطاء فردية، يبرّرها بالاحتقان الشعبي صاحب المظلومية ووليّ الدم، في حين أنها تصفية على أساس طائفي لا تقلّ إجراماً عما اقترفه شبيحة الأسد. تضيع التسميات في دوامة المنطق من جديد، فيما تغيب الأرقام ولوائح المفقودات بين حقيقة ووهم، بين قضية وشائعة.
ما الحلّ اليوم؟ هل فات الأوان؟ الأمل يدفعنا من خلف ظهورنا. كانت هذه البلاد منذ الأزل، وستبقى، متنوعة تحمل من الثراء المناطقي والطائفي ما يخوّلها جمع المجد من كل أطرافه لتضفره جديلة على جبين الشمس. تحتاج قليلاً من الحب، وقليلاً من الثقة، والكثير من الصبر، لتنمو كأي فسيلة غُرست في صحراء قاحلة، لكن أصالتها تمنعها من تخييب الرجاء. قد يبدو كلاماً إنشائياً يُراد به ختام مقالة فحسب. لكن مَن عاشر السوريين يعلم بأنهم كشجرة صبّير، ترضى بالقليل لتُزهر فاتنةً العيون بالوانها الصعبة.
المدن
——————————
شتائم وتخوين وخطاب ذكوري ضد مستشارة وزارية سورية
الأحد 2025/07/20
تعرضت مستشارة وزير الاقتصاد والصناعة في الحكومة السورية، سِمة عبد ربه، لحملة تخوين وشتائم واسعة في مواقع التواصل، عقب منشور لها انتقدت فيه تعامل الحكومة مع التطورات الأمنية والإنسانية في محافظة السويداء، ووصفت المدينة بـ”المنكوبة”، معتبرة أن الاستجابة الرسمية غائبة بالكامل، ودعت إلى تدخل أممي وأردني لتقييم الوضع وتقديم الدعم الإنساني.
وتحدثت عبد ربه عن “ازدواجية المعايير” في تعامل السوريين مع طلبات التدخل الخارجي، حيث شبّهت ما يجري اليوم في السويداء بما سبق أن حدث في إدلب والغوطة في زمن النظام البائد. هذا الموقف، فتح عليها باباً من الاتهامات بالخيانة، إلى جانب موجة شتائم عنيفة طالت شخصها وكونها امرأة، ورافقتها إساءات جندرية وطائفية، على نحو يعكس ما وصفه ناشطون بـ”البنية الذكورية المهينة” في الخطاب العام السوري، لا سيما حين يكون الصوت النقدي نسائياً.
وفي منشور توضيحي لاحق، أعربت عبد ربه عن استغرابها من “حجم العنف اللفظي الذي استُقبلت به ملاحظات مهنية حول الوضع الإنساني في السويداء”، مشيرة إلى أن الهجوم لم يتوقف عند حدود الانتقاد، بل انحدر إلى لغة “الصرف الصحي العابر للطوائف والمناطق”، على حد وصفها، مؤكدة أنها لم تكن تسعى لمنصب أو شهرة، بل كانت مساهمتها تطوعية، بهدف دعم نهضة سوريا من موقعها كمواطنة.
وأعلنت عبد ربه في ختام منشورها استقالتها من منصبها كمستشارة وزارية، مشددة على رفضها لكل أشكال العنف، لا سيما الخطاب التحريضي والذكوري الذي يستهدف النساء في الفضاء العام.
حملة تضامن
إلا أن ناشطين في وسائل التواصل أعربوا عن استنكارهم للحملة الشرسة التي طالت عبد ربه، وعبّروا في منشورات متفرقة عن تضامنهم معها ورفضهم لخطاب التخوين والسباب والتهجم الشخصي، لا سيما حين يمارس بحق امرأة. واعتبر بعضهم أن ما تتعرض له النساء السوريات المعروفات بمواقفهن الوطنية والمساندة للثورة السورية من شتائم نابية وتحريض ممنهج، يكشف عمق الأزمة الذكورية في المجتمع، مطالبين بوضع حد لهذه الانتهاكات المتكررة بحق النساء الناشطات.
خطاب ذكوري وأصوات نسوية
تكشف هذه الحملة مجدداً حجم التحديات التي تواجه النساء في المجال العام السوري، حيث يتحول أي رأي نقدي صادر عن امرأة إلى مساحة مباحة للتهجم الشخصي والجنسي والطائفي، في ظل غياب بيئة حامية لحرية التعبير ومناهضة العنف الجندري.
ورغم أن منشور عبد ربه لم يتضمن موقفاً سياسياً جذرياً، بل ركّز على البعد الإنساني للأزمة في السويداء، فإن الهجوم العنيف ضدها يعكس حساسية الملف الطائفي والسياسي، كما يسلط الضوء على الانقسامات العميقة في الوعي السوري، وازدواجية الخطاب تجاه قضايا العدالة والدعم الخارجي.
من هي سمة عبد ربه؟
سمة محمد عبد ربه هي خبيرة في السياسات العامة والحكم الرشيد، تحمل الجنسيتين السورية والكندية، ولديها أكثر من 25 عاماً من الخبرة في تطوير السياسات والإدارة الحكومية في عدد من الدول العربية والدولية. عملت سابقاً في شركات استشارية بارزة مثل “Kearney”، وشغلت مناصب حكومية واستشارية في الإمارات والعراق، كما ساهمت في تصميم استراتيجيات وطنية وتأسيس كيانات حكومية جديدة.
تخصصت عبد ربه في مجالات متعددة تشمل إعداد السياسات العامة والتحول الرقمي وتمكين المرأة والعلاقات مع القطاع الخاص والدبلوماسية الثقافية. وهي حاصلة على ماجستير في الدبلوماسية من جامعة “SOAS” في لندن، إلى جانب شهادات في الترجمة، وعلم الآثار من جامعة دمشق.
تتقن عدة لغات من بينها العربية، الفرنسية، الإنكليزية والإسبانية والتركية والإيطالية واليابانية، ولها إصدارات مترجمة في الأدب والفكر السياسي، من بينها ترجمات لروايات فواز حداد، وكتب فكرية مثل “لماذا يخسر الغرب الحرب على الإرهاب؟”.
——————————-
عشائر مسلحة وترسل مقاتلين إلى السويداء: وادي خالد تعيد فتح ملف قتال اللبنانيين في سوريا/ ابراهيم الغريب
21.07.2025
ما يحدث في وادي خالد ليس مجرد قصة شبّان فقراء انجرفوا إلى القتال في بلد مجاور بدوافع عشائرية وطائفية فقط، بل هو مرآة عاكسة لهشاشة البنية اللبنانية بكل مستوياتها: الأمنية، الاقتصادية، والسيادية.
في حي الصوالحة وسط بلدة وادي خالد العكارية، على الحدود الشمالية للبنان مع سوريا، ترتفع صورة عملاقة للرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع. ليست هذه الصورة سوى واحدة من عشرات الدلائل البصرية التي تعكس تحوّل البلدة إلى ساحة تأييد علني للنظام السوري الجديد، إذ ترفرف الأعلام السورية الحديثة على شرفات المنازل، وتختلط المشاعر بالاستنفار العشائري، لا سيما بعد تشييع الشاب محمد مليحان (25 عامًا)، الذي عبر الحدود للقتال في السويداء.
يتردد هنا أن محمد مليحان واحد من عشرات الشبان من أبناء العشائر في وادي خالد، ممن لبّوا نداء “النفير العام” الذي أطلقته العشائر العربية في لبنان بعد الاشتباكات بين مسلّحين دروز وآخرين من البدو في محافظة السويداء للقتال مع العشائر السورية.
“نحن رهن إشارة الشرع”
في حي الرامة، وأثناء تشييع مليحان، تكدّس المسلحون بأزيائهم العشائرية، يحمل بعضهم الأسلحة النارية… وحين يُسأل أحد الشبان المقنّعين عن موقفه من الشرع، يرد قائلاً:
“كلنا هون مع سوريا ومع القائد أحمد الشرع. عالقليلة سني متلنا، والضفر ما بيطلع من اللحم”.
هنا يتدخل شاب آخر بغضب: “بكلمة من الشرع منجمعلو ألوف. والدولة اللبنانية شو قدمت النا؟ مدرسة محترمة؟ شغل؟ خليها تسكت”.
جغرافيا منفلتة وحدود رخوة
على الطريق من طرابلس إلى وادي خالد، تستغرق الرحلة نحو ساعة ونصف الساعة. في الباص، الركاب في غالبيتهم من التابعية السورية، محمّلين بحقائب ضخمة. التهريب، خصوصًا تهريب البشر، بات نشاطًا علنيًا يمرّ أمام أعين نقاط الجيش اللبناني المنتشرة على الحدود، من حاجز شدرا وحتى النهر الفاصل.
في الطريق، يسأل السائق:
“مكمّل ع حمص؟”.
وعندما أجيبه بأنني صحافي، يسأل بتهكّم:
“انت درزي؟”.
في وادي خالد، تتجاور البيوت العشوائية على جانبي الحدود، ويتداخل الجبل اللبناني مع السوري.
ازدواج جنسيات وهيمنة عشائرية
تتألف وادي خالد من 25 بلدة يقطنها نحو 72 ألف نسمة، 41 ألف لبناني و31 ألف سوري، وفق بيانات 2017، غالبيتهم يحملون الجنسيتين اللبنانية والسورية، وينتمون إلى عشيرتي الغنام والنعيم اللتين تمتدان إلى سوريا والأردن.
يقول أحمد الشيخ، أمين سر مجلس العشائر في وادي خالد:
“العشيرة أكبر من سايكس بيكو. إذا انضرب بدوي بسوريا، نحنا مننفعل بلبنان. الشرع بيحمل نفس فكرنا”.
ما إن أعلنت عشائر لبنانية “النفير العام”، حتى تدفق شبان إلى سوريا. بعضهم عاد، بعضهم قُتل، وآخرون ما زال مصيرهم مجهولاً.
المخاطر المتعدّدة: لبنان كمرآة لهويات متفجّرة
ما يحصل في وادي خالد يعيد إلى الأذهان مشاهد لبنانيين آخرين قاتلوا في سوريا.
فكما سبق لمسلحين شيعة تابعين لحزب الله أن عبروا الحدود للقتال إلى جانب النظام في دمشق، فإن اليوم، شبانًا سُنّة من العشائر يقاتلون إلى جانب الشرع في مواجهة طائفية أخرى.
وإذا كان حزب الله قد برّر مشاركته بـ”دعم محور المقاومة”، فإن بعض العشائر تبرّر تورّطها بـ”الدم والقرابة والانتماء العشائري”.
في الحالتين: انخراط لبنانيين في حروب الغير، وتحويل الهويات الطائفية إلى جبهات عسكرية.
وادي خالد ليست مجرد بلدة حدودية منكوبة بالفقر والنسيان، بل هي مرآة مكبّرة لهشاشة الهوية الوطنية اللبنانية.
وحين يُترك المواطن ليختار بين عشيرته، ودولته، وحدوده، ولقمة عيشه… فغالبًا ما يختار من يطعمه أولًا، ويحميه ثانيًا، ويدعوه إلى القتال ثالثًا.
ما يحدث في وادي خالد ليس مجرد قصة شبّان فقراء انجرفوا إلى القتال في بلد مجاور بدوافع عشائرية وطائفية فقط، بل هو مرآة عاكسة لهشاشة البنية اللبنانية بكل مستوياتها: الأمنية، الاقتصادية، والسيادية.
فنحن أمام بلد عاجز عن ضبط حدوده، عن تأمين فرص العيش الكريم، وعن احتواء الهويات المحلية ضمن هوية وطنية مشتركة.
سلاح خارج الدولة… من كل الجهات
والأخطر أن هذه الظواهر تتزامن مع تصاعد النقاش في لبنان حول مسألة نزع سلاح حزب الله وضرورة حصر السلاح بيد الدولة.
فكيف يمكن إذًا لهذا الخطاب أن يحافظ على جديته ومصداقيته، في ظل وقائع موازية تشير إلى أن مجموعات وعشائر، تنتمي إلى بيئات سياسية وطائفية مختلفة، لا تتردد في حمل السلاح والقتال خارج الحدود، بل وتتباهى بذلك؟
حين يُترك المواطن ليختار بين عشيرته، وطائفته، وحدوده، ودولته، ولقمة عيشه… فغالبًا ما يختار من يطعمه أولًا، ويحميه ثانيًا، ويدعوه إلى القتال ثالثًا.
وإذا لم يُحسم سؤال: من يحتكر العنف في لبنان؟ فكل الحديث عن “بناء الدولة” سيبقى مجرد وهم، معلّق بين نداء عشيرة وراية طائفة.
درج
—————————
إسرائيل للشرع: اتهامك لنا في السويداء يكشف عن ضعفك.. وطاولة ترامب تنتظرك
حاول مغتالون في سوريا ثلاث مرات على الأقل تصفية الرئيس الجديد أحمد الشرع “الجولاني” الذي يتولى منصبه منذ سبعة أشهر. في المرة الأولى، في آذار، لاحظت قوة تركية تحركات مشبوهة عندما خرج الجولاني من “قصر الشعب”، والتصق فيه ثلاث حراس. قُبض على المخرب، واعتقل وحقق معه، ولم تنشر القضية بأمر من الشرع الذي أراد أن يرسم لنفسه صورة إيجابية؛ أي زعيم بلا خصوم. أما المرة الثانية فكانت أكثر حنكة، عندما خرج إلى محافظة درعا على حدود الأردن، لاحظ حراسه السوريون والأتراك المختصون -وهذه علاوة لازمة لتشديد لحماية- شخصيتين مشبوهتين، وحرصوا على تغيير مسار الرحلة في اللحظة الأخيرة. المرة الثالثة كادت تنتهي بالاغتيال عندما كمن له رجل في دمشق في المسار الذي خطط قصر الرئاسة اتخاذه. لم تنكشف بعد تفاصيل المحاولة الأخيرة كاملة، لكنها ولدت شائعات عن خروج عاجل للشرع من العاصمة.
المبعوث الأمريكي الخاص لشؤون سوريا توماس براك، الذي يتولى منصب السفير في تركيا، كشف بكلمات قليلة محاولات اغتيال الشرع، وتحدث عن الحاجة لحمايته وحذر من “تهديدات خطيرة جداً”. الولايات المتحدة، كما نفهم، تعتمد أساساً على محافل استخبارية رفيعة المستوى في تركيا. ووافق براك على أن يقول في هذا الشأن إن “الولايات المتحدة قلقة على أمن الشرع”، وأضاف: “يجب إقامة وحدة حراسة خاصة لأمن حياة الرئيس”.
أغلب الظن أن تنظيم داعش الإرهابي يشارك في محاولات التصفية الثلاث. حالياً، ليس واضحاً كيف نجح الإرهابيون في الدخول إلى دمشق، وتزويدهم بالمواد المتفجرة.
أمس، بدا أن جولة التصفيات في السويداء وصلت إلى نهايتها. وشوهدت هنا وهناك عربدات للبدو ضد دروز وبالعكس. قوات الجيش السوري جاءت لتشرف على هدوء متوتر في نهاية أربعة أيام عنيفة.
وكما يقول رامي عبد الرحمن، الذي يدير مراكز المتابعة لأحداث سوريا في لندن، والمعروف بمصادره الدقيقة، فإن 718 مواطناً سورياً قتلوا في المعارك التي انتشرت من السويداء إلى محافظة درعا على حدود الأردن. و165 شخصاً، بينهم أيضاً نساء وأطفال أعدموا بالنار وبدم بارد على أيدي قوات النظام. لابسو الزي العسكري نكلوا بالمواطنين وبوجهاء الدروز، ثم أُلقوا بهم إلى حتفهم. تراكمت الجثث في مدخل المستشفى الوحيد في السويداء بعد أن امتلأت الغرف بالموتى.
الرئيس الشرع، الذي انكشف الآن في ذروة ضعف حكمه، بدأ يتهم على إسرائيل اتهامات جسيمة. التدخل الإسرائيلي في جنوب الدولة وفي دمشق، حسب روايته، هو الذي أدى إلى التهديد على أمن سوريا. واتخذ جانب الحذر من ذكر التهجمات على “الإخوة الدروز”.
كشف نتنياهو النقاب عن إصدار إسرائيل تحذيرات صريحة لمحافل سورية رفيعة المستوى. وحسب تقارير أجنبية، ربما نقلت هذه التحذيرات إلى المفاوضات شبه السرية الجارية في أذربيجان. وثمة تحذير مشابه نقل أيضاً من إسرائيل إلى الأتراك: فرغم الأزمة بين أنقرة و”القدس” [تل أبيب]، ثمة حوار يجرى مع الأتراك أيضاً، وإن كان محدوداً، في مواضيع الأمن، لكن إسرائيل استغلت الفرصة لتوضح للسيد التركي بحتمية ردها على الاعتداءات على الدروز.
هل نقلت الرسائل من أنقرة إلى قصر المهاجرين في دمشق؟ يفترض نعم. هل أولى الشرع جدية لتحذيرات في موضوع الدروز؟ هو الآن يشكو ويتهم إسرائيل أنها وراء أفعال القتل. “يحاول الكيان الإسرائيلي – بعد لحظة سينتقل إلى التعبير الإيراني المندد “الكيان الصهيوني” – يحاول جعل سوريا أرض خصام كي يقسم أبناء شعبنا”.
بدا الشرع الآن كمن يحتاج ليثبت لإسرائيل بل أساساً للولايات المتحدة والسعودية اللتين تظهران نحوه شكوكاً كبيرة، بأنه غير فكره الجهادي. هذا مشوش بالتأكيد: من جهة، بعد أن طرد إيران من نطاق سوريا (مصلحة مشتركة مع إسرائيل)، عاد ليقسم بأن سوريا تعلن حرباً فقط على الفقر والبطالة. من جهة أخرى، هو الذي بعث إلى السويداء مقاتلين جهاديين في بزات الجيش السوري. حتى جيش حقيقي ليس لديه.
حين تهدأ النار، سيضطر الرئيس الشرع لاتخاذ قرارات. حتى لو وجه لإسرائيل كلمات قاسية، وحتى لو بعث قلقاً حقيقياً على زعامته وقوته، ستأتي اللحظة التي تعود فيها إسرائيل وسوريا، بضغط أمريكي هادئ، إلى طاولة المفاوضات. فبعد كل شيء، لدى سوريا، مثلما لدى إسرائيل، ما تخسره.
سمدار بيري
يديعوت أحرونوت 20/7/2025
القدس العربي
———————–
سوريا.. أمراضٌ مزمنة وأقدارٌ حاكمة/ ساطع نور الدين
في 16 يوليو، 2025
أي سوريا هي التي تولد اليوم؟ هل هي ولادة فعلية، أم أنها نتيجة طبيعية لعقود من الخوف في جمهورية متوحشة..لم تلفظ أنفاسها الأخيرة بعد؟ ومن أين يأتي ذلك الدم الذي يلطخ أيدي السوريين منذ هروب طاغيتهم السابق بشار الأسد وتفكك جيشه..حتى بات يقال أن النظام الاسدي دام نصف قرن لأنه كان أفضل ما يستحقه الشعب السوري العليل، الذي لا يحكم بغير الطغيان، وما زال يقال أن فراره هو العقاب الأخير الذي أراد أن ينزله على مواطنيه غير الاوفياء.
لم يكن أحد يتوقع أن يتصرف الاشقاء السوريون، بعد تحررهم من الطاغية، مثل أي شعب اسكندنافي، فيعلنها ثورة مخملية على الدكتاتورية، ويشرع على الفور في إعادة تركيب المجتمع المشرذم، وبناء الدولة الضائعة، وبناء السلطة العادلة، المدنية، الديموقراطية. لكن لم يخطر في البال ان تستلهم سوريا النموذج اللبناني الأقرب والابشع، وربما أيضا النموذج العراقي الملهم، وأن تنفجر من الداخل على هذا النحو المخيف، الذي لا يؤدي إلا الى المزيد من الموت والخراب.
أكثر من ثمانية أشهر مرت على التغيير الذي لم يسبق له مثيل في أي بلد آخر في العالم، والذي لا يزال يشكل واحداً من أكبر الألغاز السياسية والعسكرية في تاريخ سوريا والمشرق العربي: ما هي الصفقة التي تمت بين روسيا وتركيا، وقضت بمنح الأسد صفة اللاجىء، ومنح أحمد الشرع صفة الحاكم؟ وما هي شروط اللجوء، غير الاختفاء الثابت، وما هي شروط الحكم غير الاعتدال المفترض.. حتى أُعطي (الشرع) فرصة ذهبية من غالبية العرب والغرب، لم تهتز على الرغم من المذابح التي ارتكبت بحق الأقليات السورية كلها من دون استثناء، والشكوك التي أثيرت ولا تزال، حول جدارة حاكم دمشق الجديد وفريقه الذي يقل عنه إعتدالاً !
المصادفة ليست التفسير المقبول لما جرى في العاصمة السورية في مطلع كانون الأول الماضي/ ديسمبر، وكان أشبه بعملية تسليم وتسلم بين الرجلين ووحداتهما العسكرية والأمنية ، تلك التي ألقت السلاح، والتي تسلمته، والتي لا تزال تسيء استخدامه، وتتمتع بشرعية عربية ودولية لا شك فيها..يجري تبريرها بالقول أن سوريا بحاجة الى إعادة بناء شاملة، تقدر كلفتها بما يزيد على 120 مليار دولار، وهو رقم مغرٍ جداً لأي مستثمر، عربي او تركي أو أميركي أو أوروبي، أو حتى إسرائيلي، يقود في بعض النقاشات الى السؤال عما إذا كانت المذابح السورية المتتالية، هي أحد أشكال الصراع والتنافس بين المستثمرين الخارجيين، أو حتى بين شركائهم السوريين؟
إقرأ أيضا: الحياد الإيجابي: درع السيادة وسبيـل الخروج من أتون الصراعات
لكن سيل الدماء لا يدع مجالا للشك في أن الحرائق المتنقلة، خارج الغابات والأحراج الساحلية، هي أكبر من أي خلاف مالي بين متنافسين على المغانم السورية، وهي في الأصل تعطل أي بحث جدي في عملية إعادة الاعمار التي ينتظرها السوريون.. والتي لم تظهر حتى الآن ملامح دولة سورية مقنِعة، تتولى إطلاقها، ولم تترك السلطة الإسلامية الحاكمة حالياً الانطباع بأنها تسير في هذا الاتجاه، بل عكسه تماماً.
ما يجري في جبل العرب الدرزي، هو فصل جديد من فصول تلك الحقبة السوداء التي تعيشها سوريا، حيث تسقط مجدداً فكرة الدولة من الاذهان وجداول العمل، ويعود المجتمع الى ما قبل تلك الفكرة، وما دونها. ويهدر المتحاربون دماء بعضهم البعض، بأبشع طريقة ممكنة، ويندر العثور على محايدين سوريين أمام تلك التصفيات الجماعية المتبادلة، التي تموه رغبة دفينة بإختبار فرضية الإبادة، قبل ان تضيع الفرصة الراهنة التي قد لا تتكرر، وقبل ان يتنبه الجميع الى حقيقة ان أرقام الضحايا السوريين، يومياً، أسبوعياً، وشهرياً ، باتت تفوق الأرقام المسجلة في أسوأ مراحل حكم الأسد الوحشي.
ما يجري في جبل العرب الدرزي، هو فصل جديد من فصول تلك الحقبة السوداء التي تعيشها سوريا، حيث تسقط مجدداً فكرة الدولة من الاذهان وجداول العمل، ويعود المجتمع الى ما قبل تلك الفكرة، وما دونها
أخطر ما في تلك الوقائع والأرقام السورية المرعبة، أنها صارت يجري التسليم بها بإعتبارها قدر سوريا وخيار شعبها..الذي لن يتردد ولن يتأخر في تصدير ذلك الخيار الى شقيقه اللبناني الأصغر..الذي لم يخرج بعد من كوابيسه المستعادة هذه الأيام أكثر من أي وقت مضى منذ توقيع اتفاق الطائف إياه.
جنوبية
————————————–
ماذا يريد حكمت الهجري من الحكومة السورية؟/ فراس فحام
21/7/2025
برز اسم حكمت الهجري في السويداء خلال الأعوام الأخيرة، إذ أيد عام 2021 الحراك المحلي المناهض لنظام الأسد، بعد سنوات طويلة من تأييده النظام وصمته على ممارساته.
وتصدر الهجري المشهد بشكل كبير في المحافظة الجنوبية بعيد سقوط الأسد أواخر عام 2024، نظرا لقيادته تيارا مناهضا للإدارة السورية الجديدة يتمثل في المجلس العسكري لمحافظة السويداء ومطالبته المستمرة بشكل من أشكال الإدارة الذاتية، إضافة إلى الحماية الدولية.
في منتصف يوليو/تموز الجاري، تطورت الأمور في السويداء بعد اقتتال واحتجاز رهائن متبادل بين مجموعات مسلحة درزية وأخرى بدوية، تدخلت على إثرها قوات حكومية واجهتها قوات من المجلس العسكري الموالي للهجري بدعم وإسناد كبيرين من إسرائيل.
أدى ذلك إلى جولات من العنف والتقدم والتراجع للقوات الحكومية في المحافظة ووصول قوات عشائرية من أنحاء مختلفة من البلاد تضامنا مع البدو داخل السويداء بعد تعرضهم لانتهاكات واسعة وعمليات تهجير قسرية من القوات الموالية للهجري، الذي لا يزال يجاهر برفضه سيطرة الدولة السورية على محافظة السويداء، رغم وساطات إقليمية ودولية.
مواقف متقلبة
مرَّ الهجري -أحد مشايخ العقل والرئيس الروحي للدروز في محافظة السويداء- بتقلبات خلال مسيرته، إذ ارتبط بعلاقات إيجابية مع نظام الأسد حتى عام 2021، وظهر مرارا في مقابلات تلفزيونية يمتدح فيها بشار الأسد، ويبارك نجاحه في الانتخابات الرئاسية.
ففي عام 2015 دعا الهجري نظام الأسد إلى تسليح الطائفة الدرزية، وفي عام 2017 استقبل وفدا من حركة النجباء التابعة للحشد الشعبي العراقي، حين كانت تشارك فصائل الحشد إلى جانب نظام الأسد في الهجوم على ريف إدلب ومدينة حلب.
كما طالب عام 2018 أبناء الطائفة بالالتحاق بالخدمة الإلزامية ضمن جيش الأسد، عقب المواجهات التي اندلعت بين فصائل درزية وتنظيم الدولة، كما توسط لدى النظام السابق من أجل إعادة موظفين حكوميين إلى عملهم.
ووفقا لدراسة أصدرها مركز جسور للدراسات عام 2020 تناولت الفاعلين في محافظة السويداء، فإن مساعد الهجري -ويدعى أبو فخر- أشرف على تشكيل فصيل عسكري في محافظة السويداء بالتنسيق مع وفيق ناصر العميد في المخابرات التابعة لنظام الأسد.
الزعامة الدينية وأثرها على مواقف الهجري
يترأس الهجري المؤسسة الروحية لطائفة الدروز في سوريا، وهذا منصب متوارث في العائلة، إذ ورثه حكمت عن شقيقه أحمد الذي مات في حادث سير مطلع عام 2012، اتُّهم نظام الأسد بتدبيره نتيجة مواقف أحمد التي كانت أقرب للانتفاضة الشعبية ضد الأسد وقتها.
أيضا، يتولى الهجري إدارة دارة قنوات التي تعتبر واحدة من داري مرجعية درزية في السويداء، إلى جانب دار عين الزمان التي يشرف عليها الشيخ يوسف جربوع.
طوال سنوات الثورة لم تصدر عن المرجعيات الدرزية مواقف موحدة، فكان الهجري يميل إلى تأييد نظام الأسد، مقابل موقف أقرب للحياد من الجربوع وشيخ العقل الثالث حمود حناوي، ثم انقلب الهجري لاحقا على النظام في 2021 وصار يجاهر بانتقاده. مقابل ذلك، تمسك الجربوع بخطاب داعم لسلطة النظام، ودعا لبسط سيطرة الأخيرة على السويداء، وتفكيك الفصائل المرتبطة بالخارج.
بعيد سقوط نظام الأسد، أظهر كل من الجربوع والحناوي مواقف مؤيدة للحكومة السورية، مع رفض الاستقواء بالخارج، في المقابل، جاهر الهجري بمعارضته للسلطة السورية الجديدة، وطالب باللامركزية، ودعا إلى الحماية الدولية.
كما ارتبط بعلاقات مع رئيس المحكمة الدرزية داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة موفق طريف، صاحب العلاقة القوية مع الجيش الإسرائيلي، ثم طلب الهجري مؤخرا بشكل واضح دعم حكومة بنيامين نتنياهو الإسرائيلية بالتوازي مع المواجهات التي اندلعت في السويداء خلال يوليو/تموز الجاري.
حسب تقارير صحف لبنانية، فإن انقلاب الهجري على نظام الأسد عام 2021 يعود إلى منح الأخير ميزات لشيخ العقل يوسف جربوع على حسابه، بعد وساطة من الشيخ نصر الدين الغريب المقرب من الزعيم الدرزي اللبناني طلال أرسلان، حيث أصبح الجربوع هو المسؤول عن منح الموافقة على زيارة رجال الدين الدروز غير السوريين إلى محافظة السويداء.
كما أشارت تقارير إلى أن الهجري تعرض لإهانة خلال مكالمة هاتفة من ضابط في استخبارات نظام الأسد يدعى لؤي العلي، الأمر الذي زاد من حنقه، ودفعه لتأييد الحراك الشعبي الذي خرج في السويداء عام 2021 احتجاجا على تردي الأوضاع الاقتصادية.
تصعيد الهجري والاستقواء بالخارج
تصاعد موقف الهجري تدريجيا ضد الإدارة السورية الجديدة مع كل خطوة سياسية اتخذتها الأخيرة، وقد بدأ هذا التصعيد مع استضافة الرئاسة السورية لقيادات درزية مثل ليث البلعوس المسؤول عن مضافة شيوخ الكرامة، وسليمان عبد الباقي قائد تجمع جبل العرب.
رفض الهجري مخرجات مؤتمر الحواري الوطني الذي نظمته الإدارة السورية الجديدة في فبراير/شباط الماضي، حيث حرصت الإدارة على توجيه دعوات شخصية بعيدا عن التكتلات والأحزاب والمرجعيات، واكتفت بدعوة 20 شخصية أكاديمية واجتماعية من السويداء دون توجيه دعوة لمشايخ العقل.
كما عارض الهجري الإعلان الدستوري الذي صدر لاحقا وتضمن التأكيد أن الفقه الإسلامي من مصادر التشريع الرئيسية، إذ اعتبر الهجري أن هذه الخطوات هي تكريس للون الواحد حسب وصفه، مكررا مطالب الدولة العلمانية والديمقراطية.
بالتوازي مع مجاهرة الهجري بمعارضة الإدارة السورية الجديدة، برزت علاقته مع المرجعيات الدينية الدرزية في إسرائيل، فقد أكد تقرير للوكالة الفرنسية أن الزيارة التي قام بها 60 رجل دين درزيا إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة في مارس/آذار الماضي، تمت بموجب التنسيق بين الهجري وموفق طريف.
وكشفت صحيفة الجمهورية نت السورية عن أن خلدون الهجري، الممثل السياسي لحكمت، التقى في فبراير/شباط 2025 مسؤولين أميركيين، وعرض عليهم خطة للتمرد المسلح على حكومة الرئيس أحمد الشرع بالتعاون مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) وفلول النظام.
وخلال المواجهات الأخيرة، طالب الهجري بفتح الطريق بين السويداء ومناطق سيطرة قسد، إلى جانب طلب المساعدة من نتنياهو والحكومة الأميركية. كما عمدت المجموعات الموالية له إلى تهجير البدو من المحافظة، وهو ما بدأ يأخذ طابعا رسميا مع تطبيق اتفاق لوقف إطلاق النار تم برعاية أميركية ونص على فتح معابر إنسانية مع درعا لخروج البدو وتبادل الرهائن والمعتقلين.
الهجري يطالب بإدارة ذاتية للسويداء وحماية دولية ويعادي الحكومة السورية الجديدة (رويترز)
أبرز مطالب الهجري المعلنة
تتمثل أبرز المطالب المعلنة للرئيس الروحي للدروز في السويداء حكمت الهجري في ما يلي:
رفض ما يسميها حكومة “اللون الواحد”، إذ يصف الحكومة الحالية بالإرهابية، وقد تبنى الهجري هذا المطلب بعد الإعلان الدستوري الذي صدر عن الإدارة السورية الجديدة مطلع عام 2025، وتطرق إلى دور الفقه الإسلامي كأحد مصادر التشريع.
رفض دخول قوات الأمن والجيش إلى محافظة السويداء، والتمسك بمطلب عودة الضباط والعناصر الأمنيين السابقين في زمن نظام الأسد إلى عملهم، واللافت أن الهجري رفض أن تتولى شخصيات من المحافظة، مثل ليث البلعوس أو سليمان عبد الباقي، مهمة ضبط الأمن بالتنسيق مع الحكومة.
المطالبة بدولة علمانية ديمقراطية ولامركزية، تحظى السويداء فيها بإدارة ذاتية.
إطلاق مؤتمر حوار وطني جديد، وبالفعل تم عقد جولة تحضيرية في السويداء لهذا المؤتمر خلال فبراير/شباط الماضي، لكن لم تكتمل هذه الجهود.
إعلان دستوري جديد، والمطالبة بالإشراف الدولي على عملية الانتقال السياسي في سوريا.
فتح معبر مع الأردن، وفتح الطرقات مع مناطق سيطرة قسد، وهو مطلب أثار شكوكا كثيرة في الأوساط السورية، كونه يتوافق مع التسريبات التي تتحدث عن رغبة إسرائيل في فرض مشروع ممر داود الذي يمنحها وصولا إلى مناطق سيطرة قسد، مرورا بالجنوب والبادية السوريين.
المصدر: الجزيرة
———————————
تقاسم مفضوح للأدوار بين واشنطن وتل أبيب في سوريا/ عريب الرنتاوي
21/7/2025
فرضيتان يتعين على كل ذي عقل راجح، وضمير حيّ، أن يهجُرهما، في المدى المنظور: الأولى؛ أن إسرائيل تريد سلامًا مع العرب، حتى وإن كان من ضمن معادلة “سلام مقابل سلام” المرذولة.. والثانية؛ أن الولايات المتحدة وإسرائيل، لا تقرآن من الصفحة ذاتها، وأن التعويل ممكن على تباين مواقفهما وأولوياتهما، وأنه يمكن الاستنجاد بالأولى لكبح جماح الثانية.
حقيقتان، تكشفت عنهما الحروب والمعارك المتناسلة في الإقليم الأكبر، منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، تكرستا في غزة ولبنان بداية، قبل أن يُعاد تأكيدهما في حرب الاثني عشر يومًا على إيران، وصولًا لاستباحة سوريا أرضًا وجوًا وشعبًا وهويةً قومية، فما الذي نعنيه بذلك؟ ولنبدأ من الفصل السوري الأخير.
رسميًا، أظهرت الولايات المتحدة حماسة مفاجئة في مسلسل انفتاحاتها متعدد الحلقات على النظام الانتقالي في دمشق.
وقال رئيسها في الرئيس السوري أحمد الشرع، ما لم يقله فيه، أقرب حلفائه وأصدقائه إليه. رفعت العقوبات عن سوريا وعن “هيئة تحرير الشام”، في خطوة لم تحظَ بها منظمة التحرير بعد أوسلو، وبالرغم من أوسلو ومندرجاته.
لم يقف الأمر عند هذا الحد، فما لم يقله ترامب، توسع في شرحه صديقه الأكثر وعيًا بخبايا المنطقة وتاريخها، توماس بارّاك، رجل الأعمال المُحمّل بحقائب ثلاث: (سفير في أنقرة، مسؤول عن الملفين السوري واللبناني)، فقال ما قال في “هجاء” سايكس- بيكو، وأثار حنين القوميين العرب والقوميين السوريين الاجتماعيين بخاصة، عند استحضاره زمن “بلاد الشام”، وتلويحه بالعودة إليه، إن استمر لبنان على تردده ومراوحته في موضوع نزع سلاح حزب الله، مقترحًا تلزيمه لـ”سوريا الجديدة”، التي بدا في حديثه عنها، أنها تحظى بمكانة مركزية في الإستراتيجية الأميركية الجديدة للمنطقة والشرق الأوسط الجديد.
وبدا لوهلة، أن واشنطن نجحت في لجم تل أبيب، ودفعها للأخذ بمقاربتها حيال “سوريا ما بعد الثامن من ديسمبر/كانون الأول”.. خفَت حديث جدعون ساعر عن “حلف الأقليات”، وتراجعت التهديدات للنظام الجديد، الموسوم إسرائيليًا بـ”الإرهابي”، وبدأت الوفود الإسرائيلية تلاقي نظيراتها السورية في عواصم عدة، سرًا وعلانية، مباشرة، أو بصورة غير مباشرة، لتندلع التكهنات والتخمينات، حول طبيعة ومضامين الاتفاق الذي سينتهي إليه هذا المسار.
كل هذا الجدل، وما استبطن من فرضيات، تهاوى دفعة واحدة، وعلى نحو مروّع، وثبت أن إسرائيل ما زالت على إستراتيجيتها لتفتيت سوريا وتوزيعها على القبائل والمذاهب والطوائف والأقوام، وأن نهمها للاستيلاء على مزيد من الأراضي والقمم الإستراتيجية ومساقط المياه، لم يتأثر أو يتراجع نظير وعود السلام والتطبيع، وأن حوادث يمكن أن تظل في حدودها المحلية الضيقة، تُتخذ كسانحة لإخراج جميع هذه المخططات السوداء من الأدراج، كما حصل في السويداء.
كنا نظن، أن إسرائيل التي رفضت من قبل صيغة “الأرض مقابل السلام” التي أجمع عليها “العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر”، ما زالت متمسكة بمعادلة سبق لنتنياهو نفسه، أن طوّرها شخصيًا، ونافح عنها مرارًا وتكرارًا: “السلام مقابل السلام”.
لم تطلب القيادة السورية الجديدة أكثر من إنفاذ هذه المعادلة، بعثت ما يكفي من رسائل “حسن النية” وقبلت بصيغة “أصعب” لاستعادة اتفاق 1974، كل ذلك لم يجدِ نفعًا، مع حكومة اليمين الفاشي.
كل تلك الوعود والنوايا ورسائل الطمأنينة، لم تنفع مع المهجوسين بالغيتو والجدران “وكراهية الأغيار”، فتكشفوا دفعة واحدة عن معادلة جديدة، ناظمة لعلاقاتهم، لا مع سوريا وحدها، بل مع العرب وجوارهم الإقليمي كذلك: “السلام مقابل الاستسلام”.. “السلام مقابل الخنوع” دون قيد أو شرط.
عند هذه المحطة من تطور المشهد الإسرائيلي- السوري، شخصت أنظار مراقبين إلى واشنطن- رئيسها وموفدها بشكل خاص- لترصد مفاعيل “اختلاف وجهات النظر”، وتقيس “تباين الأولويات”.. هؤلاء كانت خيبتهم كبيرة، بل وكبيرة جدًا.. إسرائيل تدمر عشرات المواقع السيادية في قلب دمشق، وعلى مبعدة أمتار من مكاتب الرئيس الذي قال فيه ترامب إنه “شاب، طيب وشجاع وقوي”، وتنذر بتحويل سوريا إلى جحيم لا يطاق، وتسعى في خلق الأرضية المناسبة لتأليب السوريين على بعضهم البعض، وتأليبهم على حكمهم الجديد، توطئة لاستحداث الخراب والتفتيت والتقسيم، ولتدشين “حرب المئة عام” بين الطوائف والمذاهب والأقوام المُشكّلة للإقليم.
لا تنديد ولا إدانة، حتى على المستوى الشفهي المفرغ من أي مضمون، لا تحميل مسؤولية لإسرائيل من أي نوع، لا إنذارات بوقف استباحاتها لسوريا الجديدة التي تعهد الرئيس بمساعدتها لتساعد نفسها.. كل ما في الأمر، “سوء فهم وتفاهم”، وتصريحات معبّرة عن “التفاؤل” بقرب التوصل لوقف إطلاق النار، تمامًا مثلما فعلوا في غزة، طوال عامين كاملين من حرب التطويق والتجويع، والترويع، والتطهير، والإبادة.موقف واشنطن من العدوان الإسرائيلي الأخير على سوريا، يشرح بالنار والقذائف والصواريخ، ما ظلّ مبهمًا في تصريحات توماس بارّاك حول “سايكس-بيكو” و”بلاد الشام”. تصريحاته الأخيرة أكدت على هذا النهج حيث قال إن الحكومة السورية يجب أن تتحمل المسؤولية ويجب أن تتم محاسبتها وأن أميركا لا تمتلك نفوذًا على قرارات إسرائيل.
الرجل ضاق ذرعًا بخرائط ما بعد الحرب العالمية الأولى، والدول الوطنية “المصنّعة” التي نشأت في إثرها، ولكنه بالطبع، ليس من أنصار “الأمة الواحدة ذات الرسالة الخالدة”، ولا هو من أتباع “الهلال الخصيب ونجمته القبرصية” لأنطون سعادة، إنه يعيد إنتاج خرائط أسلافه من المحافظين الجدد الأشد تطرفًا، الذين دعموا فكرة إعادة رسم خرائط المنطقة، وترسيم حدودها، على خطوط الدم بين الطوائف والأقوام والمذاهب.
بهذا المعنى، يبدو الرجل “محقًا” في هجائه لسايكس- بيكو الذي أنتج “دول الفسيفساء” القومية والعرقية، واستحضار “بلاد الشام”، ومنح سوريا مكانة مركزية فيها.
لكن السؤال الذي لم يشغل بالنا كثيرًا: عن أي سوريا يتحدث الرجل؟ نعرف الآن أن أعين الرجل متسمّرة نحو دولة سورية سنيّة، تكون مركزًا لحواضر سنيّة ممتدة من حوض الرافدين إلى شرق المتوسط، أما بقية المناطق والطوائف، فتلكم أجرام تدور في هذا الفلك، أو تنفصل عنه، الأمر متروك لتطورات السياسة والميدان.
“مركزية سوريا الجديدة” في تصور بارّاك وصحبه، نابعة من قدرتها على أن تكون دولة حاجزة “Buffer State”، بين قوتين إقليميتين كبيرتين، تحظيان بـ “إرث إمبراطوري”، طامعتين وتدخليتين، ولا تحتفظان بودّ ظاهر حيال إسرائيل.
مركزية الدولة السنيّة، العابرة للحدود، تخدم هدفًا آخر: دفع بقية الطوائف والأقوام، للبحث عن مستقبلاتها البديلة، وتشكيل أحزمة من الدويلات والإمارات، التي لا وظيفة لها سوى حماية إسرائيل والاستقواء بها.
بارّاك، لم يطور نظريته، أو يتبنى نظريات غيره، من فراغ. من الناحية الفكرية والإستراتيجية، الرجل ينهل من إرث مديد لمدرسة في التفكير الأميركي اليميني المحافظ.
ومن الناحية العملية، فإنه يرى حراكًا عميقًا ممتدًا في الإقليم منذ سنوات، يعيد تعريف مفاهيم الولاء والانتماء، يستبدل ما هو “عمودي” منها كالولاء للدولة مثلًا، إلى ما هو “أفقي”، عابر لحدود الدول، ويجمع منتسبي الأعراق والأديان والطوائف حتى وهم موزعون على عدة دول، بعضهم إلى بعض.
أمرٌ كهذا، يقع في صميم الحلم الصهيوني، ويحتل مكانة إستراتيجية في تل أبيب، أما واشنطن، فلن تمانع إن عمل “أزعر الحيّ” على تسريع ولادة هذه الكائنات الشوهاء، وهي إن اختلفت مع تل أبيب، فربما يتعلق الخلاف بـ”المعدلات والسرعات”.
نتنياهو الذي لا يفهم سوى خيار “القوة” و”البلطجة” يستعجل الولادة، ويسابق الزمن لتسجيل مكاسب في رصيده الشخصي، وليس لديه إلى جانب خيار القوة، أي أفق سياسي، أو “أدوات ناعمة”. فيما ترغب واشنطن في الوصول إلى الهدف ذاته، ولكن بتدرج أكبر، وباستخدام الدبلوماسية وسلاح العقوبات، للحفاظ على بعض من ترابط مع حلفائها من عرب وأتراك.
واشنطن، وفي توزيع مفضوح للأدوار مع تل أبيب، سواء كان متفقًا عليه أو من باب “تحصيل الحاصل”، تجهد لقطف ثمار البلطجة الإسرائيلية، بعد توفير الحماية وكل عناصر القوة والاقتدار، وبعد قليل من “العتب” و”التلاوم”.
واشنطن في عقلها الباطن والظاهر، تدرك تمام الإدراك، أن إسرائيل تقوم بوظيفة جرافة “الدي-9” التي اشتهرت في غزة، في تعبيد الطرق لأحلامها الإستراتيجية، فلا ينخدعن أحدٌ بحكاية الخلافات بين نتنياهو وترامب، أو بين تل أبيب وواشنطن، فذلك تقاسم مفضوح للأدوار.
من منظور واشنطن، وبقدر أقل تل أبيب، فإن تشكيل الشرق الأوسط الجديد، هو سلسلة متصلة من التهدئات والتسويات التي تفصل بين جولة وأخرى من جولات الحرب والمواجهة مع الخصوم، جميع الخصوم، والطريق إليه مفروش بسلسلة من الحروب والمعارك بين الحروب، ولا بأس بهذا المعنى، من انخراط واشنطن في وساطات ومفاوضات، وسيظل قادتها ورسلها يعبرون عن تفاؤلهم بقرب الوصول إلى تهدئة هنا أو اتفاق لوقف النار هناك، وقد تمتد حبال التخدير والخداع لأسابيع وأشهر، ولسنوات إن اقتضى الأمر، ما دامت النتيجة في مصلحة إسرائيل، وما دامت المكاسب تتعاظم مع كل تقدم تحرزه دبابة الميركافا.
في هذا السياق، أُبرمت اتفاقات في غزة ولبنان، بوساطة أميركية نشطة: ويتكوف في غزة، وهوكشتاين في لبنان.. اتفاقات وُجدت لكي تُنتهك، ومن قبل إسرائيل حصرًا، وبدعم والتزام من واشنطن، وبتبنٍّ كامل للرواية والرؤية الإسرائيليتين.
وقد يُخرق وقف النار مع إيران في أي لحظة، وستنبري واشنطن منافحة عن إسرائيل وحقها في الدفاع عن نفسها، وستُبرم اتفاقات أخرى، على الجبهات ذاتها، أو على جبهات أخرى، وسيتم خرقها جميعًا، وستظل واشنطن على تبريرها للرواية الإسرائيلية، وسيظل وسطاؤها على تفاؤلهم بقرب التوصل إلى اتفاقات وتفاهمات جديدة.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
كاتب ومحلل سياسي أردني و مدير مركز القدس للدراسات السياسية
الجزيرة
————————-
دبلوماسي فرنسي: أزمة السويداء كشفت نيات إسرائيل السرية في سوريا
21/7/2025
في ظل فوضى ما بعد الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد، تسعى إسرائيل لتعزيز نفوذ بيادقها في جنوب البلاد. ووراء المساعدات المُقدمة للدروز بالسويداء، تتبلور إستراتيجية أوسع نطاقا، وفقا لمقال بمجلة لوبوان الفرنسية.
ويُقدّم جيرار أرنو تحليلا ثاقبا ودقيقا للوضع السوري، بعيدا كل البعد عن تبسيطات وسائل التواصل الاجتماعي للقضايا المعقدة، لا سيما في الشرق الأوسط، حيث غالبا ما تغلب العاطفة والرأي على التحليل، مما يؤدي إلى “رؤية مانوية للأحداث”، حسب رأيه.
ويوضح آرنو -وهو دبلوماسي فرنسي متقاعد شغل منصب سفير بلاده لدى واشنطن ما بين عامي 2014 و2019- أن الأحداث الأخيرة في السويداء، جنوب سوريا، تعد مثالا صارخا على هذا التوجه، حيث تتحول الحقائق المعقدة بسرعة إلى روايات عن “إبادة جماعية” أو تدخلات “إنسانية” بكل بساطة.
ويصف الكاتب سوريا ما بعد الأسد، التي تحررت في ديسمبر/كانون الأول الماضي بعد 14 عاما من الحرب الأهلية، بأنها عبارة عن فسيفساء من المعاقل التي تسيطر عليها مليشيات تم تجنيدها، في كثير من الأحيان، على أسس عرقية أو دينية.
أهم التحديات
ويحدد الكاتب أهم التحديات التي تواجه السلطات الجديدة في دمشق في المسائل الخمس التالية:
أولا بلد مُدمَّر، انخفض ناتجه المحلي الإجمالي إلى النصف مقارنة بعام 2010.
ثانيا بلد يمر بكارثة طبيعية، إذ تواجه سوريا أسوأ جفاف منذ عام 1956.
ثالثا، سلطة مركزية لم تثبت أقدامها بعد، إذ لا بد للسلطات الجديدة أن تقنع كل القادة المحليين بقبول استعادة سلطة الحكومة المركزية.
رابعا، غضب ضحايا الأسد، لا بد للسلطات الجديدة أن تكبح جماح تعطش ضحايا النظام السابق للانتقام، الذي غالبا ما كان موجها ضد الأقليات.
خامسا، ضعف قوات الأمن: فالقوات الحكومية ضعيفة التسليح، وغير منضبطة، ومخترقة في بعض مكوناتها بالتيار الإسلامي.
وبسبب نقص الموارد العسكرية -يقول آرنو- اضطرت الحكومة السورية الجديدة إلى التفاوض والتوصل إلى تسويات مع مختلف الفصائل، بما في ذلك المليشيات التي تديرها، لكن فشل المفاوضات مع قوات سوريا الديمقراطية الكردية في الشمال أحد تجليات صعوبة هذا النهج.
أزمة السويداء: مرآة للتوترات الإقليمية
ولفت آرنو إلى أن أزمة السويداء تنسجم تماما مع هذا السياق الفوضوي، إذ شهدت هذه المنطقة، التي تسيطر عليها مليشيا درزية تعيش على التهريب، اشتباكات بين الدروز والبدو، وتحول تدخل القوات الحكومية إلى كارثة، حيث قُتل عشرات الجنود وأُعدم مدنيون، وفي هذا السياق، تدخلت إسرائيل، فأوقفت تقدم الجيش السوري بغارات جوية، شملت حتى منطقة قريبة من القصر الرئاسي في دمشق.
ووفقا لجيرار أرنو، فإن رسالة إسرائيل واضحة، فهي ترفض عودة الجيش السوري إلى الجنوب، وتطالب بمنطقة “منزوعة السلاح” تحت سيطرة المليشيات الدرزية، موضحا أن هذا التدخل الذي لم يواجه بأي معارضة دولية حقيقية يؤكد هيمنة إسرائيل في المنطقة.
ويُسلط الكاتب الضوء على التعنت الإسرائيلي وعدم قبول أن يتم رسم الواقع السياسي الجديد من خلال التفاوض رغم اليد الممدودة للرئيس السوري الجديد أحمد الشرع.
وهنا أكد آرنو، الذي شغل كذلك منصب المدير العام للشؤون السياسية والأمنية بوزارة الخارجية الفرنسية والممثل الدائم لفرنسا لدى الأمم المتحدة، أن أزمة السويداء تثبت أن إسرائيل لا تسعى إلى إعادة توحيد سوريا، بل إلى إضعافها، أو حتى تقسيمها إلى دويلات عرقية دينية.
وأبرز أن الاحتجاجات من جانب تركيا والدول العربية، وانسحاب الولايات المتحدة، والدعوات من جانب مجلس الأمن لاحترام السيادة السورية، لم يكن لها تأثير يذكر على تصرفات إسرائيل.
لكن آرنو حذر في آخر مقاله بأن الشرع إذا خرج ضعيفا من هذه الأزمة في نظر الأغلبية السنية، فإن ذلك قد يجعلها تشعر بالخطر ويدفعها بالتالي لحمل السلاح، مما يجعل سوريا تمر من جديد بمنعطفات مأساوية لم تكن في الحسبان.
ويُعدّ تحليل أرنو تذكيرا أساسيا بهشاشة المنطقة ومخاطر السياسات التبسيطية في مواجهة واقع بالغ التعقيد.
المصدر: لوبوان
————————————-
“سايكس بيكو” والتحولات الجيوسياسية في الشرق الأوسط خلال 100 عام/ وداد حماد مخلف حمادي
21/7/2025
تنطلق المقالة من إشكالية مفادها: كيف ساهمت التحولات التاريخية منذ اتفاقية سايكس بيكو في صياغة الشرق الأوسط المعاصر؟ وما هي المخاطر والفرص المتوقعة بعد 2025؟ حيث يساهم الربط بين الإرث الاستعماري والتحديات المستقبلية في تعزيز فهم أعمق للواقع الجيوسياسي الذي يميز منطقة الشرق الأوسط.
لم يكن اتفاق سايكس بيكو لعام 1916 مجرّد تقاسم استعماري للنفوذ بين بريطانيا وفرنسا على أنقاض الدولة العثمانية، بل كان بمثابة لحظة تأسيسية لنمط من إعادة تشكيل الشرق الأوسط وفق منطق إستراتيجي خارجي، يتجاوز الحساسيات المحلية والبنى الاجتماعية والسياسية للمنطقة، وهو ما أنتج تركيبة جيوسياسية هشة، ظلّت تترنّح تحت ضغط التحولات الدولية، والثورات المحلية، والاستقطابات الإقليمية المستمرة منذ قرن من الزمان.
من هذه النقطة التاريخية، ظلّ الشرق الأوسط يمر عبر مراحل متتابعة من الصياغة والتعديل، لا بقوة الذات السياسية الداخلية فحسب، بل أيضًا تحت تأثير التدخلات الجيوسياسية الغربية والروسية، وصعود قوى إقليمية كإيران وتركيا، وأخيرًا بروز تأثير الصين في مساحات الاقتصاد والطاقة والأمن السيبراني.
إن قراءة المخاطر والفرص، التي ستواجه الشرق الأوسط بعد عام 2025، تتطلب فهمًا تركيبيًّا لمراحل إعادة التشكيل الممتدة من سايكس بيكو وصولًا إلى ما يُعرف اليوم بـ”الشرق الأوسط الجديد”، والذي لا يزال مشروعًا متنازعًا بين من يراه مدخلًا للاستقرار القائم على توازنات جديدة، ومن يراه مرحلة انتقالية لصراعات أكثر تعقيدًا وتشظيًّا.
ان إعادة تشكيل الإقليم السياسي (الدولة) تخضع لتحولات بنيوية تُفرض من خلال تداخلات ثلاثة: التغيرات في موازين القوى، والانهيارات المؤسسية الداخلية، والتدخلات الخارجية متعددة الأبعاد؛ حيث أصبحت إعادة التشكيل لا تتعلق فقط بإعادة ترسيم الحدود أو مأسسة الأنظمة، بل أيضًا بتحوّل الحقول الأمنية والاقتصادية والديمغرافية، وتفاعلها مع شبكات عالمية فاعلة.
فأغلب الدراسات الحديثة، التي بيّنت أن ما يُعرف بـ”النظام الإقليمي العربي” بات أقل مركزية بعد 2011، وأكثر عرضة لعمليات التداخل الخارجي- بالاشارة إلى انهيار الهياكل القديمة بعد حرب العراق، والثورات العربية، والصراعات في اليمن وسوريا- تؤكد أن هذا الواقع قد أوجد فراغًا جيوستراتيجيًّا سهّل إعادة تشكل المنطقة.
من جهة أخرى، تؤكد هذه الدراسات أن التفاعلات المحلية، خاصة في دول مثل لبنان والعراق، تلعب دورًا مركزيًّا في تعطيل أو إعادة صياغة الأنماط المفروضة خارجيًّا، مما يؤكد الطابع الهجين لهذه التحولات؛ حيث إن إعادة التشكيل لا تحدث وفق نمط خطي، بل عبر موجات من الهدم والبناء تتفاوت في نتائجها بناء على التفاعلات المحلية والخارجية.
كما أن انتقال الولاءات من الدولة إلى الطائفة أو العشيرة، في سوريا والعراق واليمن، يدل على أن إعادة التشكيل تمر بأدوات لا ترتبط مباشرة بالنظام الدولي، بل بالتحلل الداخلي المؤسسي الذي يعاد تشكيله.
ومع ذلك، يجب أن يؤخذ بالحسبان تقييم فاعلية الفواعل غير الرسمية كالمليشيات، والجماعات العابرة للحدود، والشبكات الاقتصادية غير الرسمية، وعنصر التطور في مجال التكنولوجيا والفضاء السيبراني، الذي بات عاملًا جوهريًّا في إعادة تشكيل السلطة والمعلومات والأمن، خصوصًا في ظل تصاعد الحروب السيبرانية بين إيران وإسرائيل، واستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في التتبع والمراقبة. ومن هنا تبرز الحاجة إلى دمج أبعاد القوة الرقمية والشبكية ضمن أدوات إعادة التشكيل في الشرق الأوسط الجديد.
السيناريوهات المستقبلية المحتملة لمنطقة الشرق الأوسط بعد 2025
بما أن منطقة الشرق الأوسط واحدة من أكثر المناطق تعقيدًا في العالم، وذلك بسبب التداخلات الجيوسياسية، والطائفية، والاقتصادية، والتي خلقت ديناميكيات غير مستقرة منذ عقود، فإن من المتوقع في المستقبل القريب، وخاصة بعد 2025، أن تشهد المنطقة تحولات كبيرة في كافة الأصعدة: السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والأمنية. وهذه التحولات قد تتخذ عدة سيناريوهات، تتراوح بين فرص لتحقيق الاستقرار والنمو الاقتصادي، ومخاطر الانزلاق نحو صراعات أعمق.
وفقًا للدراسات الحديثة والتوقعات الجيوسياسية، يمكن تصور عدد من السيناريوهات المستقبلية المحتملة للمنطقة:
السيناريو الأول، والأكثر تداولًا، هو استمرار التصعيد الإقليمي في شكل نزاعات طويلة الأمد، وتزايد المنافسة بين القوى الكبرى على النفوذ في المنطقة. يشير Gause (2019) إلى أن التوترات بين إسرائيل وإيران، خاصة في ضوء الحرب في اليمن، قد تستمر في تأجيج الصراعات الإقليمية، وأن هذه الصراعات يمكن أن تمتد إلى دول أخرى مثل العراق وسوريا، مما يزيد من تعقيد الوضع الإقليمي. كما يمكن أن تستمر الحروب بالوكالة في غياب رؤية شاملة للتسوية السياسية بين الأطراف المتنازعة.
علاوة على ذلك، قد تدخل قوى إقليمية- مثل تركيا- في إعادة تشكيل المنطقة بناءً على مصالحها الإستراتيجية الخاصة، ما يزيد من فرص التصعيد والتدخلات العسكرية.
السيناريو الثاني هو إعادة التوازن الإقليمي عبر تحولات اقتصادية وتكتلات جديدة؛ فقد تشهد المنطقة تحولات اقتصادية كبيرة، خاصة في ظل التعاون المتزايد بين الدول الخليجية ودول شرقي آسيا، لا سيما الصين.
ومن المتوقع أن تعيد الصين تشكيل ملامح الاقتصاد الإقليمي في الشرق الأوسط بعد 2025 من خلال مبادرة “الحزام والطريق”، التي ستركز على البنية التحتية والطاقة، وهذا قد يسهم في خفض الاعتماد على الغرب، ويمنح الشرق الأوسط خيارات اقتصادية وسياسية جديدة، وهو ما سيؤثر بشكل مباشر على النظام الأمني الإقليمي.
من المحتمل أن تشهد منطقة الشرق الأوسط تحولات نحو إنشاء تحالفات إقليمية مستقرة، تركز على الأمن والتنمية المستدامة، حيث يصبح التعاون الإقليمي أكثر أهمية من أي وقت مضى في مواجهة التحديات المشتركة
السيناريو الثالث يتعلق بالتحولات السياسية الداخلية؛ فقد تطرأ تغييرات في أنظمة الحكم في بعض الدول بسبب الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، وبعض الدول قد تشهد تحولات سياسية كبيرة، نتيجة للأزمات الاقتصادية والاحتجاجات الشعبية المستمرة.
فمع تطور الأوضاع في لبنان والعراق، هناك احتمال كبير لتحولات دستورية أو حتى تغييرات في النظم الحاكمة، وهي التحولات التي ستكون لها تداعيات كبيرة على النظام السياسي في المنطقة.
قد يؤدي هذا السيناريو إلى تشكيل “دول جديدة” تخرج من النظام التقليدي القائم، بالإشارة إلى إمكانية قيام ترتيبات سياسية جديدة تركز على الشراكة بين الحكومات والمجتمع المدني، بدلًا من الأنظمة السلطوية التي سادت لعقود.
السيناريو الرابع هو التقارب الإقليمي والتعاون الأمني، بعد تطورات جديدة مثل اتفاقات السلام والمصالحة بين الدول المتنازعة؛ حيث يمكن أن تشهد المنطقة عودة للدبلوماسية والتعاون بين الدول التي طالما كانت على خلاف، خاصة في ظل الفجوة التي خلفتها التدخلات العسكرية الغربية في المنطقة.
في هذا السيناريو، من المحتمل أن تشهد منطقة الشرق الأوسط تحولات نحو إنشاء تحالفات إقليمية مستقرة، تركز على الأمن والتنمية المستدامة، حيث يصبح التعاون الإقليمي أكثر أهمية من أي وقت مضى في مواجهة التحديات المشتركة، مثل تغير المناخ والإرهاب والهجرة.
يتعين على صناع السياسة في المنطقة أن يأخذوا في الحسبان المخاطر والفرص في هذا السياق المعقد، واتخاذ خطوات منسقة لتحسين الاستقرار والتنمية المستدامة
السيناريو الخامس يتنبأ بـ”التمزق الداخلي” وتفاقم الفراغات الأمنية في بعض الدول، مثل سوريا وليبيا. قد تستمر هذه الدول في مواجهة صعوبات كبيرة في استعادة الاستقرار السياسي، ما يفتح المجال لزيادة النفوذ الخارجي، وزيادة أعداد الفاعلين غير الحكوميين في المنطقة، وقد تكون تلك الدول عرضة لمزيد من الانقسام الداخلي على أساس عرقي وطائفي، مما قد يؤدي إلى تمزيق الدولة أكثر.
في جميع هذه السيناريوهات، تظل الفرص والمخاطر مترابطة، حيث يمكن للمنطقة أن تشهد تعاونًا إقليميًّا فعالًا واستقرارًا اقتصاديًّا في حال تم إيجاد حلول سياسية متوازنة، أو قد تشهد مزيدًا من الصراعات والانقسامات إذا استمر الوضع كما هو عليه.
كما يمكن لتلك التحولات الجيوسياسية أن تعتمد على التفاعل بين القوى الكبرى والقوى الإقليمية، وعلى استجابة الحكومات المحلية لمطالب شعوبها في ظل بيئة دولية مليئة بالتحديات.
وبالتالي، يتعين على صناع السياسة في المنطقة أن يأخذوا في الحسبان المخاطر والفرص في هذا السياق المعقد، واتخاذ خطوات منسقة لتحسين الاستقرار والتنمية المستدامة.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
كاتبة، دكتوراه في الجغرافيا السياسية، العراق
الجزيرة
————————————
وقف النار في السويداء ضروري… لكنه لا يغني عن الحل/حايد حايد
نافذة السعي إلى حل شامل ومستدام تتقلّص بسرعة
21 يوليو 2025
أسفر وقف النار، الذي تم بوساطة أميركية، عن وضع حد مؤقت لموجة العنف الأشد فتكا التي شهدتها السويداء منذ عقود. وقد بدأ الأمر في 13 يوليو/تموز على شكل نزاع محلي بين مجموعات درزية وبدوية، سرعان ما تصاعد وتحوّل إلى مواجهة عسكرية شاملة بين مقاتلين دروز وقوات موالية للحكومة الانتقالية. وفي غضون أيام قليلة، أسفرت الاشتباكات عن مقتل المئات وتشريد عدد كبير من السكان، مما زعزع ركائز المرحلة الانتقالية الهشة أصلا في سوريا.
وعلى الرغم من أن العنف قد انحسر في الوقت الراهن، فإن من الخطأ تفسير هذا التوقف باعتباره عودة إلى الاستقرار. فالمؤشرات الأولية كافة تدل على أن وقف إطلاق النار لا يتجاوز كونه إعادة إنتاج للوضع الذي كان قائما قبل اندلاع الصراع، مع عودة أبناء المنطقة من الدروز إلى السيطرة الفعلية على السويداء. إن وقف العنف يمثل خطوة أولى لا بد منها، لكنه لا يرتقي إلى مستوى تسوية سياسية راسخة. وما لم تُعالج المظالم الجوهرية التي أشعلت فتيل التصعيد، كالتهميش السياسي والصراع على السلطة، معالجة جذرية تنطوي على معنى حقيقي، فإن من غير المرجح أن يدوم هذا الهدوء طويلا.
فتيل الأزمة
كانت الشرارة التي أشعلت فتيل العنف هي اختطاف تاجر درزي على يد أفراد مرتبطين بقبائل بدوية، حسبما ورد. وجاء الرد باندلاع موجة من عمليات الاختطاف الانتقامية، تصاعدت إلى صراع طائفي أوسع نطاقا. وهنا تجدر الإشارة إلى أن هذه الحوادث مألوفة في جنوب سوريا، حيث ما زالت التوترات العالقة تستفحل بين المجتمعات المحلية هناك في جو يسوده انعدام الثقة المتبادل. وما ميز هذه الحادثة بالتحديد قرار السلطات الانتقالية السورية بالتدخل عسكريا.
وقد وصفت دمشق نشر قواتها الأمنية بأنه مهمة لاستعادة النظام واستتباب الأمن. لكن مواطني السويداء، أو على الأقل أولئك الذين قاوموا بضراوة، اعتبروها محاولة للاستيلاء على السلطة في المنطقة. ويعود هذا التصور إلى الخلافات العالقة بين وجهاء السويداء والسلطات الانتقالية، خاصة حول الحكم والترتيبات الأمنية وهوية الدولة السورية المستقبلية.
السلطة المتنازع عليها
لطالما طالب وجهاء السويداء بإرساء نمط من الحكم اللامركزي، وهياكل أمنية تُدار محليا بما يتلاءم مع احتياجات المجتمع. غير أن دمشق بقيت متمسكة بنهج مركزي صارم، يقوم على تسلسل هرمي تُتخذ فيه القرارات في أعلى المستويات، ثم تُنفذ نزولا إلى القواعد. وقد ساهمت هذه التوترات، التي تفاقمت بفعل تعثّر المفاوضات المتكرر، في ترسيخ قناعة لدى كثيرين بأن تدخل الدولة لم يكن مهمة لحفظ السلام، بل محاولة لإعادة فرض سلطتها المركزية بالقوة.
وقد بلغت هذه التوترات ذروتها مع اندلاع اشتباكات بين القوات الحكومية والوحدات الموالية للشيخ حكمت الهجري، أبرز الزعامات الروحية لدى الطائفة الدرزية. وتبادلت الأطراف الاتهامات: إذ اتهمت دمشق مقاتلي الهجري بالهجوم على عناصر الأمن في خرق لاتفاقات سابقة، في حين أكد أتباع الهجري أن الحكومة نكثت بوعودها وارتكبت انتهاكات جسيمة على الأرض.
وقف للنار… لا سلام
اتخذت الأحداث منعطفا خطيرا عندما شنّت إسرائيل غارات جوية استهدفت قوات الحكومة السورية وعددًا من المنشآت الحيوية في البلاد، وفي مقدّمتها مبنى وزارة الدفاع، وذلك ردا على الاشتباكات. وخشيةً من احتمال توسّع التصعيد، تدخّلت الولايات المتحدة، بمساعدة من تركيا، للتوسط في التوصّل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار. وقد أعلن الرئيس المؤقت أحمد الشرع عن الاتفاق في خطاب متلفز، واصفًا إياه بأنه خطوة ضرورية لمنع المزيد من التدهور.
يشكّل وقف إطلاق النار خطوة ضرورية ومحلّ ترحيب في مسار احتواء العنف، غير أنه لا يلامس جذور الأزمة. فهو يعيد الأمور إلى ما كانت عليه قبل اندلاع المواجهات، من دون أن يُقدّم خطوات جادة وملموسة باتجاه حلّ سياسي طويل الأمد. وهذا تغافل خطير عن الواقع. ولا شك في أن أحداث الأسبوع الماضي غيّرت المناخ السياسي في سوريا على نحو عميق، إذ كشفت عن انقسامات مجتمعية كامنة، وأشعلت في الوقت ذاته انقسامات جديدة.
وقد استغلّ الخطاب التحريضي المعادي للدروز الغارات الإسرائيلية لتصوير الطائفة على أنها متواطئة مع إسرائيل أو تسعى إلى الانفصال، ما عزّز الخطاب الطائفي وأذكى الدعوات إلى فرض عقاب جماعي. وكانت النتيجة تصاعدًا مقلقًا في التحريض ضد الأقلية الدرزية، تجلّى في دعوات إلى مقاطعة التجار ورجال الأعمال الدروز، وطرد الطلاب الدروز من السكن الجامعي في عدد من المحافظات. وفي المقابل، ازداد انعدام الثقة لدى شريحة واسعة من أبناء الطائفة، ولا سيّما أولئك الموالين للشيخ الهجري، بالدولة ومؤسّساتها، مما فاقم تآكل شرعية الحكومة الانتقالية.
انفجر التيار الطائفي الذي ظلّ يغلي تحت السطح لسنوات، متحوّلا إلى عداء صريح، فيما انتشر خطاب الكراهية، الذي كان حبيس الهامش، كالنار في الهشيم، وارتفع صوته ليطغى على ما سواه ويتردّد صداه في كل الاتجاهات. وهذا بالتحديد ما يجعل اتفاق وقف إطلاق النار الحالي هشًّا ومحفوفا بالمخاطر، فهو لا يأخذ في الحسبان حجم التحول العميق الذي طرأ على المشهدين السياسي والاجتماعي. فالعودة إلى الترتيبات السابقة للأزمة لا تعني العودة إلى السلام، بل تمثّل تعثّرا جديدًا في صراع متقلب، لا غالب فيه ولا مغلوب.
ربما أسكت وقف النار صوت البنادق، لكن انتقالا سياسيا حقيقيًا وشاملا وحده كفيل بتضميد جراح سوريا النازفة. ومن دون اتخاذ خطوات عاجلة لمعالجة الأسباب الجذرية للعنف في السويداء، فإن هذا الهدوء الهش لن يصمد طويلًا. ثمّة بارقة أمل لتفادي انزلاق سوريا نحو مزيد من الانقسام والتشظي، إلا أن نافذة السعي إلى حل شامل ومستدام تتقلّص بسرعة.
المجلة
————————-
=====================
إشتباكات السويداء 20 تموز 2025
—————————–
إدارة أزمة أم هندسة مستقبل.. ما الدور الإقليمي في ملف السويداء؟
2025.07.20
طرحت الدلالات السياسية لاتفاق وقف إطلاق النار بين سوريا وإسرائيل تساؤلات عميقة حول مدى التحوّل الذي تشهده خريطة التفاهمات في الجنوب السوري، وسط مشاركة فاعلة لأطراف إقليمية ودولية، في اتفاق غير مسبوق من حيث الأطراف والملفات التي تضمنها.
الاتفاق الذي أُعلن عنه بوساطة أميركية وبدعم أردني، خرج عن الإطار التقليدي لمجرد تهدئة ميدانية، ليمنح تل أبيب دوراً غير مباشر على طاولة تبحث في ملف سوري داخلي بامتياز، ما أثار انتقادات واسعة بشأن مدى المساس بالسيادة الوطنية السورية، والتداخل بين المسارات العسكرية والسياسية.
المباحثات الثلاثية التي جمعت وزيري خارجية سوريا والأردن بالمبعوث الأميركي الخاص لسوريا يوم أمس، ركزت على خطوات تنفيذية عاجلة، من بينها نشر قوات الأمن السورية في السويداء، والإفراج عن المحتجزين، وتقديم مساعدات إنسانية، في موازاة دعم المصالحة المجتمعية، ما يعكس سعياً لإنهاء التوتر الأمني المتصاعد في المحافظة.
بدوره، حذّر الرئيس السوري أحمد الشرع، في خطاب متلفز من محاولة بعض الشخصيات المحلية استغلال الوضع للدفع باتجاه أجندات انفصالية، مدفوعة بدعم خارجي، مؤكداً أن بعض المجموعات المسلحة تسعى لإعادة إشعال الصراع، رغم التزام الدولة بتقديم الخدمات والدعم لمحافظة السويداء منذ تحرير البلاد.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، برز الدور الأردني كلاعب محوري يسعى لتطويق الأزمة، خاصة أن السويداء تُعد امتداداً حدودياً مباشراً للمملكة، وبينما يرى مراقبون أن الاتفاق قد يشكّل مدخلاً لتحولات في قواعد الاشتباك، فإن السؤال الأبرز يبقى: من يرسم حدود المرحلة المقبلة، في ظل تداخل الملف الأمني بالسياسي، والإقليمي بالمحلي؟
“سوريا تمر بمرحلة حساسة”
قال وزير الإعلام الأردني السابق، سميح المعايطة، إن بلاده تدرك تماماً حجم الأزمة في سوريا، مشيراً إلى أن سوريا دولة تمر بمرحلة حساسة، وتحاول أن تستعيد استقرارها، وتبحث عن تنمية اقتصادية حقيقية بعد رفع العقوبات، وتسعى إلى حلول للمشكلات الداخلية التي تواجهها.
وأوضح المعايطة في لقاء مع تلفزيون سوريا، أن الأردن حرص منذ البداية على أن يبقى ما يجري في السويداء شأناً سورياً داخلياً، وأن يتم التوصل إلى توافق سوري – سوري، إلا أن تطورات الأحداث واتجاهات معروفة دفعت بالقضية نحو مسار آخر، ما أتاح للطرف الإسرائيلي الدخول على خط المعادلة، رغم أن الأصل أن تبقى داخلية سورية بحتة.
وأضاف أن إسرائيل لديها مشروع في المنطقة، وتسعى إلى تقسيم سوريا عبر استغلال نقاط الضعف الأمنية، وتطرح اتفاقات وفق شروطها الخاصة، مبيناً أن الأردن كان واعياً لهذا التوجه، وسعى مبكراً إلى تطويقه، بما يضمن عدالة الحل ويحافظ على مرجعية الدولة السورية، انسجاماً مع الموقف العربي الذي أكد مؤخراً على دعم سوريا كوطن لكل السوريين.
وأكد أن تفاصيل ما جرى في السويداء ذات طابع داخلي، لكن الأردن عمل مع الأطراف الإقليمية، وعلى رأسها الولايات المتحدة وتركيا، للمساهمة في إنجاح الاتفاق الذي تم التوصل إليه، آملاً أن يتحول هذا الاتفاق إلى واقع ملموس ومستدام على الأرض.
وشدد المعايطة على أن الأزمة في السويداء تؤثر بشكل مباشر على الأردن، نظراً لكونها محافظة حدودية، موضحاً أن أي انفلات أمني أو تدفق للمسلحين قد ينعكس على الأمن الأردني، ولذلك، فإن السعي الأردني يستند إلى هدفين أساسيين: دعم الدولة السورية واستقرارها من جهة، وحماية الأمن الأردني من جهة أخرى.
ولفت أن بلاده ستظل داعمة لأي حل يضمن تنفيذ الاتفاق، والعمل مع الأطراف الضامنة لضمان صموده واستمراره، ومنع العودة إلى حالة الاقتتال والفوضى والخطف التي كانت سائدة، داعياً إلى تعامل إيجابي وجاد من جميع الجهات المعنية لتفادي الانهيار مجدداً.
الدور الأميركي في الاتفاق
قال حازم الغبرا، المستشار السابق في وزارة الخارجية الأميركية، إن الولايات المتحدة تتابع عن كثب تطورات الوضع في سوريا، مؤكداً أن واشنطن معنية بنجاح التجربة السورية الجديدة، وبتفادي أي اضطرابات داخلية أو توتر مع دول الجوار، لا سيما في ظل التصعيد الأخير الذي باغت الجميع في جنوبي البلاد.
وأضاف الغبرا أن سرعة التصعيد الميداني، وما رافقه من تدخل إسرائيلي مباشر، استدعى العودة العاجلة إلى طاولة الحوار والدبلوماسية، مشيداً بالدور التركي والأردني في تهدئة الموقف ونزع فتيل الأزمة، لكنه لفت إلى أن هذه الجهود لا تعني نهاية المشكلة، بل تشير إلى بداية مرحلة جديدة تتطلب عملاً أكثر عمقاً.
وأشار إلى أن واشنطن بدأت بالفعل نقاشات داخلية حول مستقبل العلاقة مع سوريا، من بينها سرعة رفع العقوبات، لكنه اعتبر أن التحرر من نظام الأسد لا يكفي، إذ تبقى المعركة الأهم هي تحرير “العقل السوري” من تركة نظام الأسد، في إشارة إلى التحريض على العنف الذي ما زال منتشراً عبر منصات التواصل الاجتماعي، وما حدث مؤخراً في حي الصالحية من قمع للمعتصمين السلميين.
وانتقد الغبرا ما وصفه بالتسرع في بعض خطوات الحكومة السورية الجديدة، مشيراً إلى أن مؤتمر الحوار الوطني الذي عُقد في آذار الماضي لم يكن كافياً للخروج من ظلام العهد السابق، داعياً إلى تخطيط جاد لإعادة بناء العلاقة بين السوريين، بعيداً عن أدوات الماضي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة للمساعدة، لكن الدور الأساسي يجب أن يبقى سورياً خالصاً، وبقيادة الدولة الجديدة.
كما شدد على ضرورة التعامل الجاد مع ملف الأقليات، معتبراً أنها تحتاج إلى ضمانات إضافية وطمأنة واضحة، خاصة في ظل الخطابات التحريضية التي تستهدفهم من قبل بعض المواطنين على وسائل التواصل، قائلاً إن استقرار سوريا يتطلب معادلة اجتماعية جديدة، تبدأ من دمشق، محذراً من أن الفشل في تحقيق ذلك سيؤدي إلى تكرار الأزمات بشكل أكثر خطورة.
“انزلاق خطير”
قال الباحث والمحلل السياسي الدكتور محمود حمزة إن ما جرى في السويداء يكشف عن انزلاق خطير في المشهد السوري، بعد دعوات علنية لتدخل إسرائيلي مباشر، مشيراً إلى أن قصف العاصمة دمشق مؤخراً من قبل إسرائيل جاء – حسب رأيه – لإرضاء حكمت الهجري، الذي وصفه بأنه “ينادي بأفكار غير معقولة وغير واقعية”.
ورأى حمزة أن الهجري بات يتصرف بما لا يترك مجالاً للشك بأنه مرتهن لقوى خارجية، وأنه ارتكب خيانة عظمى بحق الشعب السوري عبر دفع السويداء إلى مواجهات دموية، بمساندة مجموعات من المسلحين المرتبطين ببقايا الأمن العسكري وفلول النظام وتجار المخدرات، وفق تعبيره.
واعتبر أن الجرائم المرتكبة ضد العشائر والبدو، من قتل للنساء والأطفال، لا يمكن أن تصدر عن أبناء السويداء، إلا إذا كان منفذوها واقعين تحت تأثير المخدرات أو بدوافع متطرفة، مشدداً على ضرورة التمييز بين “سلوك الميليشيات الإجرامية” وبين الأهالي في جبل العرب، تماماً كما يجب التفريق بين ممارسات فلول النظام في الساحل وبين أهل المنطقة من الطائفة العلوية.
وأشار إلى أن دعوات الهجري لتدخل إسرائيل لا تندرج في إطار دعم إنساني أو تنموي يمكن تفهمه، بل في سياق الحماية والتدخل العسكري، وهو ما يشكل – بحسب وصفه – موقفاً خيانياً صريحاً، خاصة عندما يكون الطلب موجهاً إلى حكومة نتنياهو المتورطة في قتل الفلسطينيين والعرب بشكل يومي.
وأكد أن للرئيس السوري أحمد الشرع، أو أي مسؤول حكومي، الحق في التفاوض باعتباره يمثل الدولة ومصلحة الشعب، في حين أن شخصيات محلية مثل الهجري لا تملك هذا التفويض، ولا يحق لها تقديم تنازلات أو فتح قنوات مع أطراف خارجية.
ما مدى ارتباط الاتفاق بالإقليم؟
قال وزير الإعلام الأردني السابق، سميح المعايطة، إن ما يجري في الجنوب السوري لم يعد شأناً محلياً أو صراعاً داخلياً فحسب، بل تحوّل إلى ملف إقليمي بامتياز، لا سيما بعد الانخراط المباشر لإسرائيل، التي لم تكتفِ بالضربات العسكرية، بل باتت تطرح مشاريع استراتيجية تتعلق بالمنطقة، مثل إقامة مناطق منزوعة السلاح في جنوبي سوريا.
وأشار المعايطة إلى أن إسرائيل أصبحت شريكاً فعلياً في المعادلة الجارية حالياً، وأنها تمارس دوراً مباشراً، ليس فقط من خلال الضربات الجوية على مواقع سورية، بل أيضاً كطرف ضاغط في أي اتفاق يتعلق بالسويداء، موضحاً أن إسرائيل، في حال لم تكن جزءاً من التفاهمات، ستواصل قصفها للأراضي السورية بحجة الرد على تحركات الحكومة السورية في المنطقة.
ورأى أن الاتفاق الذي تم مؤخراً برعاية دولية – بمشاركة تركيا والولايات المتحدة والأردن – يهدف بالأساس إلى تهدئة ميدانية تشمل سحب القوات وتبادل المحتجزين ووقف القتال، لكنه وصفه بـ”الاتفاق الإجرائي”، الذي لا يمكن أن يكون نهاية المسار، بل مقدمة لاتفاق أشمل يتعلق بالجنوب السوري ككل.
وأكد أن دور إسرائيل تعزز بشكل واضح، إذ لم تعد مجرد طرف خارجي يراقب، بل أصبحت تجلس “على الطاولة”، وتمارس ضغطاً مباشراً، بما في ذلك عبر دعم بعض القوى المحلية في السويداء، والضرب دفاعاً عنها. لذلك، اعتبر أن الدولة السورية أصبحت مضطرة للدخول في تفاهم سياسي أو أمني معها، ولو بحده الأدنى.
كما أشار المعايطة إلى أن العرب وبعض الدول، وخصوصاً الأردن وتركيا، يقفون إلى جانب الدولة السورية في هذه المرحلة، ويؤيدون استقرارها ودعم مؤسساتها، لكنه لفت إلى أن القرار النهائي بشأن الجنوب السوري لن يكون سورياً خالصاً، بل سيكون بحاجة إلى توافق إقليمي، وربما إلى اتفاق سياسي واضح مع إسرائيل، لا سيما أن تل أبيب دخلت جغرافياً إلى الملف ولم تعد محصورة بملف الجولان فقط.
وختم المعايطة بالقول إن نجاح الاتفاق الحالي يعتمد على حسن تنفيذه في الأيام المقبلة، وفي حال تحقق ذلك، فستكون هناك ضرورة حتمية لترسيخ حالة استقرار دائم في الجنوب من خلال تفاهمات مباشرة بين سوريا وإسرائيل، مضيفاً أن إسرائيل اليوم باتت لاعباً داخلياً في الملف السوري، وليست مجرد جهة خارجية على أطراف المشهد.
من سيلعب دور الضامن؟
أشار حازم الغبرا إلى أن إسرائيل تعتبر المنطقة الحدودية ومسألة العتاد الثقيل جزءاً من أمنها القومي، ولذلك تعتقد أنها تملك الحق في التدخل إذا شعرت بتهديد مباشر، سواء من تحرك عسكري كبير أو احتمالات لوقوع مجازر جماعية، وفي هذه الحالة، فإن قدرة الولايات المتحدة على الضغط على إسرائيل تكون محدودة.
وأكد أن الولايات المتحدة لا ترغب في الانخراط المباشر في كل أزمة داخل الشرق الأوسط، ولهذا تحاول الدفع نحو حلول دبلوماسية أو عبر شركاء إقليميين، مضيفاً أن واشنطن بدأت فعلياً بالتساؤل عن أدوار السعودية وتركيا، بوصفهما أطرافاً ضامنة يفترض أن يكون لها حضور أكبر في التهدئة، خاصة بعد اللقاء الذي جمع الرئيس السوري أحمد الشرع بالرئيس الأميركي دونالد ترمب.
واعتبر الغبرا أن الوقت حان لتفعيل دور الأطراف الإقليمية في دعم الاستقرار، بدلاً من الاتكال على تدخلات أميركية متكررة، وانتقد من وصفهم بـ”الذين يكتفون بإلقاء اللوم” دون تقديم حلول عملية، مشيراً إلى أن الطريق الأفضل يتمثل في فتح قنوات حوار مع المجموعات المحلية، وتقديم حوافز اقتصادية واجتماعية حقيقية، تكون أقل كلفة من الحلول الأمنية والعسكرية.
وختم حديثه بالتأكيد على أن نجاح الرئيس الشرع لا يُقاس بفرض السلاح أو القمع، بل بقدرته على دفع تلك المجموعات إلى التخلي عن السلاح طواعية، داعياً إلى تبني فكر جديد يليق بـ”سوريا الجديدة”.
تلفزيون سوريا
————————
الفواعل الخارجية في أحداث السويداء/ عبسي سميسم
20 يوليو 2025
تعيش محافظة السويداء في الجنوب السوري وضعاً أمنياً مأساوياً نتيجة الصراع بين مكونين أصيلين من مكونات المنطقة يشكلان جلّ سكان المحافظة، وهم الدروز والعشائر، وهو صراع أدى إلى سقوط مئات القتلى من أبناء المحافظة، فضلاً عن عناصر تابعين لوزارتي الداخلية والدفاع السوريتين، دخلوا بصفتهم قوات فض اشتباك بين الطرفين.
وعلى الرغم من أن معظم سكان محافظة السويداء بكل مكوناتهم وأطيافهم يرغبون بالوصول إلى حالة من الاستقرار مثل باقي السوريين الذين ملّوا الحرب، ويرون محافظتهم جزءاً من سورية مستقرة آمنة، إلا أن فريقاً لا يشكل توجّه الأغلبية في المحافظة استطاع جرّها إلى حمام دم. وبدا واضحاً أن هذا الفريق المتمثل بما يسمى “المجلس العسكري” الذي يدعو لفصل السويداء عن الدولة السورية وإقامة حكم ذاتي فيها يعمل وفق أجندة تخدم مصلحة الاحتلال الإسرائيلي، الذي يسعى جاهداً لإبقاء الجنوب السوري في حالة اضطراب أمني يسهّل تدخّله فيه تحت ذريعة حماية “الأقلية الدرزية”.
إلا أن العامل الإسرائيلي لم يكن العامل الوحيد في سيطرة هذا المجلس على قرار أبناء الطائفة الدرزية في السويداء، فهناك أطراف سورية من خارج المحافظة لديها مصلحة كبيرة في إبقاء حالة الاضطراب في الجنوب السوري، في مقدمتها “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) التي تحمل توجهات انفصالية في شمال شرق سورية وتسعى لإقامة حكم ذاتي منفصل عن الدولة السورية. وظهر دور “قسد” في دعم التوجه الانفصالي المدعوم إسرائيلياً في السويداء من خلال تدريب “قسد” عناصر “المجلس العسكري” واستنساخ تجربة الإدارة الذاتية شمال شرقي سورية في محافظة السويداء، وتقديم دعم مالي وإعلامي لـ”المجلس العسكري” فيها. كما لعبت دوراً في هذا الوضع فلول النظام السابق الذين هرب الآلاف منهم إلى مناطق سيطرة “قسد” وإلى محافظة السويداء لينضووا ضمن مجلسها العسكري، والذين ترتبط مصالحهم ببقاء التوتر الأمني في المحافظة. كما أن بعض الفصائل التي كانت تمارس سلطات أمنية على سكان المنطقة وجدت في “المجلس العسكري” ملاذاً لعدم تسليم سلاحها للدولة السورية.
ومما ساهم أيضاً في توفير حاضنة شعبية داخل المكون الدرزي لصالح هذا المجلس، الانتهاكات التي مورست على أساس طائفي من بعض عناصر الحكومة السورية وبعض العشائر الذين قاموا بالرد على المجازر التي ارتكبها بحقهم عناصر “المجلس العسكري”. وكذلك ساهمت حملات التحريض عبر وسائل التواصل الاجتماعي على المكون الدرزي بأكمله في تعاطف جزء من هذا المكون مع “المجلس العسكري” والالتفاف حوله باعتباره حامياً للطائفة.
العربي الجديد
——————————–
الطائفية مدخلاً لتفتيت العالم العربي… السويداء مثالاً/ لميس أندوني
20 يوليو 2025
ما يحدث في السويداء السورية ليس امتحاناً للقيادة السورية في دمشق فحسب، بل جسّ نبض لقدرة إسرائيل على استغلال الطائفية مدخلاً لتفكيك العالم العربي. وهو ما جرّبته في لبنان إبّان الحرب الأهلية مع الموارنة ومسيحيي الجنوب اللبناني، لكنها فشلت فيه، وتحاول إعادة هندسة التجربة حالياً في الجنوب السوري. ولا يحتاج الموضوع تفوّقاً عسكرياً إسرائيلياً، بل يعتمد على انتصار الطائفية المذهبية على الانتماء الإنساني والوطني في سورية وسائر الدول العربية، فجعلها منطقة نفوذ إسرائيلية يستوجب صعود الطائفية وانتشار الاقتتال الداخلي لإحكام السيطرة على المنطقة.
هناك بعد آخر متصل لا يقلّ أهمية، فإسرائيل توظف الطائفية في سورية، من خلال قلة من الدروز بزعامة حكمت الهجري، لفرض حظر على الجيش السوري للوصول إلى المناطق الجنوبية. فبعد دخول الجيش مدينة السويداء، عاجلته إسرائيل بقصف المناطق المحيطة وبشنّ غارة على مقر قيادة أركان الجيش في وسط دمشق، في إنذار واضح بأن المناطق بما فيها المدن “الحدودية” يجب أن تكون خالية من الجيش السوري، أي فرض حزام أمني داخل الأراضي السورية تحت هيمنتها بشكل غير مباشر، قد يتحوّل إلى احتلال في المستقبل غير البعيد.
لا يعفي هذا سلطات الرئيس السوري أحمد الشرع من فشله بكسب ثقة الدروز ومن يسمّون أقليات من علويين ومسيحيين وآخرين من مكوّنات الدولة السورية، من المواطنين السوريين من غير العرب السُّنة، وبالذات فقدانهم الشعور بالأمان، وبخاصة بعد المجازر في الساحل ضد العلويين وانتهاكات خطيرة. والسماح بجرائم نفّذتها العشائر البدوية بحق الدروز.
الأهم في هذه اللحظة ما يبدو من محاولات وتعبئة قد لا تكون كلها موجهة لجعل هوية البلاد محدودة بـ”الهوية السُّنية”، وإن كانت مثل هذه الهوية مصطنعة وهمية، وتتناقض مع الصورة الرسمية للتنوّع التي روّجها الشرع بقوة قبل أقل من شهر.
وذلك كله لا يبرّر طلب الشيخ حكمت الهجري حماية من إسرائيل، بل والاستقواء بكيان مبني على العنصرية ومنخرط بحرب إبادة وتجويع من قبل للشعب الفلسطيني في غزّة، لأفراد وجماعات، في حالة الذعر المذهبي أو الطائفي وغياب حكومة مركزية تحافظ على أمن الجميع وأمانهم، ينجرّون إلى ادّعاءات زعيم روحي مثل الهجري الذي يعد بحمايتهم. ولم يكن ردّ الحكومة المركزية بالتدخل في أول الأمر خاطئاً، لكن أسلوب التدخل والسماح لعشائر بالدخول انتقاماً لهجمة بدأت من مجموعة درزية على مجموعة ليست درزية، الأرجح أنها سُنية، ساهم في تأجيج العنف، وبخاصة مع تعمد الهجري وإسرائيل التصعيد في التهديد والتحريض.
ما حدث ويحدث ليس صراعاً طائفياً أو مذهبياً في كل فصوله، فحين عمد الهجري ومجموعته إلى عمليات قتل وتهجير للبدو في المنطقة، هبّت عشائر البدو في هجوم معاكس، ليس من منطلق مذهبي بحت، بل من منطلق الهبّة أوالانتقام العشائري، وليس بالضرورة انتصاراً للسُّنة. لكن جميع أنواع العصبية اختلطت وامتدت خارج حدود سورية، فبرزت دعوات إلى نصرة السُّنة، ودعوات إلى نصرة الدروز، وطفت إلى السطح لغة مرعبة تنصّب الشرع زعيماً للسُّنة، وتدعو إلى قتل الدروز باعتبارهم “خونة” ومتعاونين مع إسرائيل. وقد أحدث موقف الهجري المستفز صدمة عند كثيرين، لكن شيطنة الدروز وإدانتهم كمجموعة يأخذ بعداً طائفياً وكراهية لا تنبع من التديّن، بل من عصبوية لما يعتقد هؤلاء أنهم عرب ينتصرون لقضيتهم ولدينهم، وفي هذا كثير من الزيف والكذب حتى، لكنه كشف عن تشوّه عميق في الوعي وخطر انفجار تحت إثارة مشاعر التعصب المذهبي، دون فهم لدين أو قضية.
كشفت أحداث السويداء داخل سورية وخارجها كمّاً هائلاً من الجهل، حتى صرت تجد أن هناك من لا يعتبرون الدروز عرباً، مع أنها مسألة ثانوية، لكن الجهل بتاريخ المنطقة حتى تاريخ آخر أربعين سنة أنتج وينتج حالات من التعصب، فهؤلاء لا يعرفون عن مواجهة سلطان الأطرش الانتداب الفرنسي، ولا عن دعم كمال جنبلاط الثورة الفلسطينية، ولا عن عروبيته والتزامه القضية الفلسطينية، فهناك جهل وغضب ينفجر من كبت الهزائم والقمع، والصادم أن هناك من وجد حقداً على الدروز متنفساً لنقمته.
المهم في ذلك كله النتائج الأولية لامتحان السويداء؛ أن إسرائيل استطاعت، بتوظيف فئة قليلة، أن تؤجج الطائفية والمذهبية والعصبوية العشائرية، وأن تبث الفرقة. فغياب دول المواطنة يجعل من أي اختلاف أو خلاف مناسبة لبث الانقسامات. والأخطر حالياً وضع سورية، فإسرائيل توظف الاقتتال الأهلي في السويداء لفرض شروطها على الحكومة المركزية في دمشق، ما يدل على أن الشرع لم يقبل بشروط الاتفاقيات المعروضة عليه في الإمارات وأذربيجان، ولذا لجأت إلى أدواتها داخل السويداء، فهي لم تُخفِ سعيها لفصل المناطق الدرزية عن سورية، امتداداً للجولان المحتل، ولتضمن أن المنطقة بين السويداء وهضبة الجولان منطقة خالية من الأسلحة الثقيلة، كما أعلن ذلك بصراحة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، فهو لا يخفي أهدافه ولا مطامعه التوسعية. وحينذاك، لن يمنع إسرائيل من إنشاء “ممرّ داود”، ومدّ طريق برّي يمر عبر الجولان المحتل ودرعا والسويداء إلى قاعدة التنف قرب المثلث الحدودي بين العراق والأردن وسورية ليمتدّ شرقاً إلى كردستان العراق ليشكل حاجزاً أمنياً ضد إيران وتركيا ضمن حلم إسرائيل الكبرى.
أي إنه مشروع تطبيعي آخر مثل خط الغاز الذي يمرّ في الأردن، وتطمح إسرائيل إلى ربطه بخط مماثل في سورية، وخطة خط سكة الحديد لتفك إسرائيل من عزلتها الجغرافية، ليس باعتبارها “دولة طبيعية” في المنطقة، مع استمرار استعمارها فلسطين، ومخطّطات أخرى توسّعية. فإسرائيل لا ترانا إلا خريطة تستطيع تغييرها وإعادة تقسيمها إلى مناطق عازلة جديدة وكانتونات، وممرّاً لبضائعها وإلى تسويق الغاز الطبيعي المنهوب من فلسطين إلى العالم، فلا اعتراف بسيادة دول ولا بشعوب، وهذا ما تريد تجريبه في سورية.
نعود إلى مسؤولية إدارة دمشق في التعامل بحزم مع مرتكبي الجرائم، وعدم الاستئثار بالسلطة وتلبيسها هوية فئوية أو طائفية، فالشعب السوري لم يتطلّع إلى تاريخ هيئة تحرير الشام رغبة في بناء مستقبل أفضل، وتأسيس دولة المواطنة وليس دولة الهوية الدينية الضيقة.
وضع السلطة ضعيف بحكم هشاشة الوضع في البلاد، وتحتاج دعماً عربيّاً حقيقيّاً، إذ أصبحت سورية في هذه اللحظة خط دفاعٍ أول لإفشال المخطط الإسرائيلي، وبخاصة بعد توجيه الأخيرة ضربة إلى قلب السلطة في دمشق. لكن على الإدارة السورية أن تصحو إلى نفسها، فشرعيّتها تنبع من رضى الشعب، وليس من أي جهة أخرى.
العربي الجديد
——————————————-
الشرع في خطابين.. من مواجهة إسرائيل إلى ترسيخ دور الدولة/ عمر علاء الدين
20 تموز 2025
يوم 16 من تموز الحالي، لم يكن يومًا عاديًا على كثير من السوريين، حيث أخذت أحداث السويداء التي بدأت في 12 من تموز الحالي، منحى أدى لتدخل إسرائيل في الاشتباكات واستهدافها ما يمثل الدولة السورية، بدءًا من عناصر وقوات حكومية وصولًا إلى مبنى الأركان العامة في دمشق والقصر الرئاسي، ما أدى في النهاية إلى انسحاب القوات الحكومية وتكليف فصائل محلية ضبط أمن المحافظة.
وعمد الرئيس السوري للمرحلة الانتقالية، أحمد الشرع إلى إلقاء خطاب يشرح فيه أسباب هذا القرار وتوضيحات حول الوضع بالسويداء في 17 من تموز الحالي.
أحداث السويداء، بدأت عقب نزاع مسلح بين مجموعات محلية، اندلع بعد تعرض مدنيين لحوادث سلب واعتداء في محيط السويداء، استدعى فيما بعد تدخل وزارتي الدفاع والداخلية.
وفي 19 من تموز، خرج الشرع بخطاب آخر جاء فيه أن الأحداث الأخيرة التي شهدتها محافظة السويداء شكّلت “منعطفًا خطيرًا”، معتبرًا أن الاشتباكات العنيفة بين هذه المجموعات كادت تخرج عن السيطرة لولا تدخل الدولة السورية لتهدئة الأوضاع.
فصائل محلية موالية لشيخ عقل الطائفة الدرزية، حكمت الهجري، دخلت على الخط، واشتبكت بشكل مباشر مع قوات وزارة الدفاع والداخلية، كما تخلل الاشتباكات انتهاكات ارتكبها عناصر من القوات الحكومية بحق المدنيين، وانتهاكات ارتكبتها تلك الفصائل، أدت لانفجار الوضع أكثر وتصاعد حدة المعارك، وزاد في الاحتقان وتغيير مجرى الأحداث تدخل إسرائيل عبر قصف عناصر تابعة لقوات الأمن العام في محيط المنطقة.
ووثقت “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” مقتل ما لا يقل عن 321 سوريًا، بينهم 6 أطفال و9 سيدات (إحداهن توفيت إثر أزمة قلبية بعد تلقيها نبأ وفاة حفيدها)، وإصابة ما يزيد على 436 آخرين بجروح متفاوتة الخطورة في محافظة السويداء، وذلك خلال الفترة الممتدة من 13 تموز الحالي وحتى 18 من الشهر نفسه.
في 16 من تموز، توصلت الحكومة السورية ورئاسة طائفة الموحدين الدروز إلى اتفاق يقضي بوقف إطلاق النار، وتفويض فصائل محلية بإدارة الوضع الأمني في السويداء، إلا أن الشيخ الهجري رفض هذا الاتفاق، داعيًا “الشباب المدافعين عن الأرض والعرض”، إلى مواصلة القتال ضد من وصفها بـ”العصابات الإرهابية المسلحة”.
عقب الانسحاب الحكومي، شنت فصائل محلية هجومًا انتقاميًا ضد عشائر البدو في السويداء، ما أدى إلى تعبئة عشائرية من أبناء القبائل في أغلب المناطق السورية، توجهوا إلى السويداء، وبدؤوا معارك مسلحة ضد الفصائل المحلية.
ورصدت عنب بلدي انتهاكات على نطاق واسع، من قبل الفصائل المحلية والقوات الحكومية ومقاتلي العشائر، خلال أيام المواجهات.
من المفاوضات إلى المواجهة
طلب كل من شيخ الطائفة الدرزية في إسرائيل موفق طريف، وشيخ عقل طائفة الدروز حكمت الهجري التدخل الإسرائيلي ضد القوات الحكومية، حيث توجه الهجري في بيانه إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، طالبًا منهما إنقاذ السويداء، ممن وصفها بـ”الطغمة الحاكمة الظالمة المستبدة”، قائلًا، “لم نعد قادرين على التعايش مع نظام لا يعرف من الحكم إلا الحديد والنار، ومن السلطة إلا البطش والتنكيل”.
وعقب بيان طريف، استهدفت إسرائيل مبنى الأركان العامة في ساحة الأمويين بدمشق، وقرب القصر الرئاسي، ما أدى لسقوط ضحايا مدنيين، بحسب وزارة الصحة السورية.
الرئيس السوري للمرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، قال في كلمته المتلفزة، في 17 من أيار الحالي، إن “الكيان الإسرائيلي الذي عودنا دائمًا على استهداف استقرارنا وخلق الفتن بيننا منذ إسقاط النظام البائد”.
وأشار الشرع إلى أن هذا “الكيان” يسعى مجددًا إلى تحويل “أرضنا الطاهرة إلى ساحة فوضى غير منتهية، يسعى من خلالها إلى تفكيك وحدة شعبنا وإضعاف قدراتنا على المضي قدمًا في مسيرة إعادة البناء والنهوض”.
الشرع اعتبر أن “الكيان” (إسرائيل) لا يكفّ عن استخدام كل الأساليب لزرع النزاعات والصراعات، غافلًا عن حقيقة أن “السوريين بتاريخهم الطويل رفضوا كل انفصال وتقسيم”.
لا تطبيع مجاني
قال الباحث والكاتب السوري سلام الكواكبي، إن إشارة الرئيس السوري، أحمد الشرع، إلى إسرائيل بـ”الكيان”، هي مؤشر مطمئن إلى أن الحديث عن تطبيع مجاني مع دولة الاحتلال غير دقيق.
وأضاف كواكبي، في حديث لعنب بلدي، أنه على الرغم من واقعية السياسة السورية الجديدة، فإن الوعي لمآرب اسرائيل ما زال راسخًا، وسعيها (إسرائيل) إلى “تقسيم الوطن السوري وتأجيج الانقسام الداخلي قد بات واضحًا ولا تنفع معه أي ميول سلمية بسيطة أو معقدة”.
بينما اعتبر الصحفي والكاتب السياسي السوري درويش خليفة، أن استخدام لفظة “كيان” فيها “تلويح واضح” بإمكانية تجميد أي مسار تفاوضي مع إسرائيل، إذا ما استمرت تل أبيب في هجماتها العدائية، وآخرها استهداف مبنى قيادة الأركان ومحيط القصر الجمهوري في دمشق”.
في خطابه المتلفز، قال الشرع، “إن امتلاك القوة العظيمة لا يعني بالضرورة تحقيق النصر، كما أن الانتصار في ساحة معينة لا يضمن النجاح في ساحة أخرى، قد تكون قادرًا على بدء الحرب ولكن ليس من السهل أن تتحكم بنتائجها”.
ويرى الباحث سلام الكواكبي، أن هذه الجملة تعني “إسرائيل التي تمتلك القوة العظيمة والتي انتصرت في ساحات أخرى”.
وما ورد في نهاية الجملة بخصوص اختيار توقيت بداية الحرب، فيه تهديد مبطن إلى قدرة قواته (أي أحمد الشرع) على منع إمكانية تحديد توقيت نهايتها.
وبالنسبة للمفاوضات مع إسرائيل، فعلى الرغم من الضغوط التي يتعرض لها الحكم الجديد من قبل قوى عربية والإدارة الأمريكية، فإن الباحث السوري سلام الكواكبي يعتقد بأن الأمر سيأخذ وقتًا طويلًا، خصوصا في ظل وجود “يمين متطرف توسعي لن يعيد مترًا واحدا من الجولان السوري المحتل”.
المحلل السياسي حسن النيفي، اعتبر أن إسرائيل، أرادت من الاستثمار ما حصل في السويداء، لتوجيه رسالة للقيادة السورية الجديدة، عبر استهداف مبنى الأركان العامة بدمشق، مفادها، أن إسرائيل تستطيع أن تمنع قيام دولة في سوريا، وتقويض أي مشروع نحو التعافي والإعمار فيها.
وبحسب النيفي، فإن تل أبيب تريد إبلاغ الشرع بأن يسلم بشروطها كاملة.
وأضاف، كأن إسرائيل تقول للشرع، لا يكفي ألا تطالب بالجولان، بل عليك أن تعترف أن مناطق الجنوب بما فيها السويداء ودرعا والقنيطرة، يجب أن تكون منطقة منزوعة السلاح، يكون فيها سكان هذه المناطق “حرس حدود” لإسرائيل.
وكان وزير الخارجية الإسرائيلي، جدعون ساعر، اشترط الاحتفاظ بالجولان مقابل تطبيع العلاقات مع سوريا، إلا أن مصدرًا رسميًا قال لـ”الإخبارية السورية”، في 2 من تموز الحالي، إن “التصريحات المتعلقة باتفاقيات سلام مع الاحتلال الإسرائيلي في الوقت الراهن سابقة لأوانها”، معتبرًا أنه “لا يمكن الحديث عن احتمالية التفاوض حول اتفاقيات جديدة إلا بعد التزام الاحتلال الكامل باتفاقية فك الاشتباك لعام 1974، وانسحابه من المناطق التي توغل فيها.
وقال الشرع في خطابه، لسنا ممن يخشى الحرب ونحن الذين قضينا أعمارنا في مواجهة التحديات والدفاع عن شعبنا، لكننا قدمنا مصلحة السوريين على الفوضى والدمار، مشيرًا إلى أن تكليف الفصائل المحلية بإدارة الوضع في السويداء، “يجنب انزلاق البلاد إلى حرب واسعة جديدة قد تجرها بعيدا عن أهدافها الكبرى في التعافي من الحرب المدمرة”.
الجهود الدولية في إيقاف الحرب المفتوحة
الشرع قال في خطابه، في 17 من تموز، إن وزارتي الدفاع والداخلية بدأتا بتنفيذ انتشار واسع في محافظة السويداء، في إطار جهودهما لضبط الأمن وإنهاء حالة التصعيد التي شهدتها المنطقة، وقد نجحتا في إعادة الاستقرار وطرد الفصائل الخارجة عن القانون، رغم التدخلات الإسرائيلية.
وبحسب الشرع، فإن لجوء إسرائيل لاستهداف المنشآت المدنية والحكومية، أدى لتعقيد الوضع بشكل كبير ودفع الأمور إلى تصعيد واسع النطاق، معتبرًا أنه “لولا التدخل الفعال للوساطة الأمريكية والعربية والتركية التي أنقذت المنطقة من مصير مجهول، لكنا بين خيارين”:
مخاطبة الدروز
خصّ الرئيس السوري للمرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، في خطابه الأول الدروز قائلًا إنهم “جزء أصيل من نسيج هذا الوطن”.
وتابع الشرع مخاطبا الدروز، “إن سوريا لن تكون أبدًا مكانًا للتقسيم أو التفتيت أو زرع الفتن بين أبنائها، نؤكد لكم أن حماية حقوقكم وحريتكم هي من أولوياتنا”.
وعبر عن رفضه لأي مسعى يهدف لجر الدروز “إلى طرف خارجي، أو لإحداث انقسام داخل صفوفنا”.
ويرى الباحث السوري سلام الكواكبي، أن التوجه بالكلمة للدروز من الرئيس السوري، “كان ضروريًا وغير كاف”.
وكان من الأجدى، بحسب ما قال الكواكبي لعنب بلدي، توجيه العزاء لذوي الضحايا وإضفاء شيء من لهجة التعاطف مع اهالي الضحايا المدنيين والذين تعرضوا لما وصفها بـ”أبشع الجرائم”.
بينما اعتبر الكاتب السياسي درويش خليفة، أن الشرع حذر في خطابه الأول المكون الدرزي “من التعويل على الدعم الإسرائيلي، وأن هذا الرهان لن يكون في مصلحتهم على الدوام، وأن التحولات الإقليمية قد تقلب موازين العداوات والتحالفات، ما سيضعهم في مواجهة مع المجتمع السوري والشعوب العربية ويعرض سمعتهم للاهتزاز”، على حد تعبير خليفة.
في الخطاب الثاني توجه الشرع أكثر إلى أن الطائفة الدرزية ليست مسؤولة عما قام به الهجري، ومجموعاته المسلحة، بحسب ما أوضحه المحلل السياسي حسن النيفي، لعنب بلدي.
وقال النيفي، أراد الرئيس السوري أن يقول إن هذه الحرب لا تجعلنا نغير موقفنا من أهلنا الدروز الذين هم مكون أساسي من النسيج السوري.
الشرع وفي خطابه الثاني، اعتبر أن “المصالح الضيقة” لبعض الأفراد في السويداء أسهمت في حرف البوصلة حيث ظهرت “طموحات انفصالية” لدى بعض الشخصيات التي استقوت بالخارج، وقادت مجموعات مسلحة تمارس القتل والتنكيل رغم أن الدولة السورية وقفت إلى جانب السويداء وحرصت على دعمها.
العشائر والرد الإسرائيلي
“الفزعة العشائرية” التي نتجت عن استهداف فصائل الهجري لعشائر البدو في السويداء، أدت لفوضى كبيرة، أثبتت للجميع أن لا خيار ولا حل إلا بوجود الدولة السورية، وهذا ما هيأ الظروف لعقد الاتفاق الذي أعلن عنه المبعوث الأمريكي في 19 من تموز، نظرًا لامتداد هذه العشائر في الأردن والعراق، بحسب ما قاله المحلل السياسي السوري حسام طالب، لعنب بلدي.
الرئيس السوري، بخطابه الثاني، شكر العشائر على “مواقفها البطولية والنبيلة”، معتبرًا أنها “حائط صدّ ضد التهديدات الخارجية والداخلية، وأداة فاعلة في الحفاظ على وحدة البلاد واستقرارها”.
وقال الشرع، إن “العشائر العربية لطالما كانت في سوريا رمزًا للقيم والمبادئ النبيلة التي تدفعها للنفير ومساعدة المظلومين”، معبرًا عن تفهمه لمحاولة العشائر أن تدافع عن نفسها بشكل منفرد في مواجهة التحديات والتهديدات التي تعرضت له، مشيرًا إلى أن دور العشائر لا يلغي دور الدولة.
إسرائيل ردت على خطاب الرئيس السوري، بشأن العشائر العربية، حيث قال وزير الخارجية الإسرائيلي، جدعون ساعر، في تغريدة له على منصة “إكس”، في 19 من تموز، إن خطاب الرئيس السوري أحمد الشرع، كان بمثابة إظهار “الدعم للجهاديين المهاجمين”.
وبحسب الوزير الإسرائيلي يأتي ذلك الدعم عبر كلمات الشرع الذي قال إن “القبائل البدوية رمز للقيم والمبادئ النبيلة”، وإلقاء اللوم على الضحايا “الأقلية الدرزية التي تعرضت للهجوم”، معتبرًا أن الشرع أضفى على كل هذا طابع نظريات المؤامرة والاتهامات ضد إسرائيل.
ويرى ساعر، أنه يقع على عاتق المجتمع الدولي واجب “ضمان أمن وحقوق الأقليات في سوريا” و”جعل قبول سوريا مجددًا في الأسرة الدولية مشروطًا بحماية تلك الأقليات.
المحلل السياسي، حسن النيفي، اعتبر أنه على الرغم من أن الشرع أشاد بدور العشائر، إلا أنه أراد أن يؤكد على أن دور العشائر لا يلغي دور الدولة”.
رسالة ببعد دولي
تكرر في الخطابين اللذين ألقاهما الشرع التأكيد على الوساطة الأمريكية والعربية والتركية ودورها في تهدئة الأوضاع بالسويداء.
ويعتقد المحلل السياسي حسن النيفي، أن ما أراد الشرع قوله من خلال إشارته إلى الوساطات العربية والأمريكية والتركية، في خطاب 17 تموز، هو أن “العدوان الإسرائيلي قائم، وأن مسؤولية لجم هذا العدوان هي مسؤولية دولية وإقليمية”.
المحلل السياسي حسن النيفي، اعتبر أن إسرائيل من خلال عدوانها المستمر على سوريا، لا تهدد أمن سوريا فقط، بل تهدد أمن المنطقة برمتها، لأن الأطراف التي ذكرها الشرع في كلامه، كلها ستتأثر إذا ما نشبت حرب إسرائيلية مفتوحة على الجغرافيا السورية.
وربما، بحسب المحلل السياسي، أراد الرئيس السوري، توجيه “شكر غير مباشر” للدول التي أوقفت العدوان الإسرائيلي على سوريا.
أما في خطاب 19 من تموز، فيرى النيفي أن الشرع على الرغم من عدم إشارته لإسرائيل إلا في مواضع قليلة، فإن شكر الرئيس السوري للولايات المتحدة، يفهم ذلك على أن أمريكا هي من قامت بالضغط على إسرائيل للوصول إلى اتفاق.
عنب بلدي
———————————-
السويداء… ملاحظات على أحداث دامية/ إبراهيم حميدي
آخر تحديث 20 يوليو 2025
لا خلاف أن أحداث السويداء هي أهم اختبار لسوريا والحكم الجديد منذ سقوط نظام الأسدين نهاية العام الماضي، وقد جاءت بعد أحداث الساحل والعلويين غرب البلاد، والدروز في جرمانا وأشرفية صحنايا قرب دمشق، وتفجير الكنيسة في العاصمة السورية.
سوريا ما بعد أحداث السويداء لن تكون كما قبلها. وبعد مرور أسبوع على الاشتباكات في المدينة ذات الغالبية الدرزية، هذه ملاحظات على أحداث دامية:
1- رغبة عربية وإقليمية باستقرار سوريا وعدم انجرارها إلى التشظي وشلالات الدم، بسبب القلق من أن الفوضى تعيد إيران وتنعش “داعش”. اتصالات ومبادرات عربية وإقليمية وتصريحات وزير خارجية أميركا ماركو روبيو، استهدفت إيصال هذه الرسالة.
2- إسرائيل أعلنت مرارا أن لديها خطين أحمرين: حماية الدروز وإقامة منطقة عازلة جنوب سوريا تشمل منع انتشار أسلحة ثقيلة وطائرات. وقال أكثر من مسؤول غربي إن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو فاتح الرئيس دونالد ترمب بخطته لتقسيم سوريا ورغبته في دعم إقليم في جنوبها. ومعلوم أن تل أبيب دعمت قوى درزية دينية وعسكرية.
3- دمشق اعتقدت أنه بإمكانها إرسال قوات للسيطرة على السويداء. قيل إن هناك سوء فهم حصل بعد لقاءات سورية-إسرائيلية في أذربيجان. لكن أغلب الظن أن ما حصل هو عدم قراءة دقيقة للموقفين الأميركي والإسرائيلي ومدى “تمرد” نتنياهو على مسارات واشنطن.
4- إسرائيل تحولت في أحداث السويداء من “حرب الظل” إلى لاعب علني. سبق وقصفت مرات كثيرة النظام السابق وميليشيات إيران و”حزب الله” في السنوات الماضية. كما شنت 700 غارة غداة سقوط النظام لتدمير أصول سوريا الاستراتيجية. وخلال اشتباكات أشرفية صحنايا شنت غارة غامضة.
وفي مواجهات السويداء، نقلت إسرائيل تدخلها إلى مستوى آخر. قصفت مبنى وزارة الدفاع خمس مرات واستهدفت القصر الرئاسي السوري وهددت الشرع.
5- الأخطر والأهم، أنه لأول مرة تدخل إسرائيل كطرف مباشر في شأن سوري داخلي، إذ أعلن المبعوث الأميركي توم باراك التوصل لاتفاق وقف النار في السويداء بين سوريا وإسرائيل. كما تأكد توغل قوات إسرائيلية نحو دمشق جنوب سوريا، بعدما قضمت المنطقة العازلة في الجولان وتلال وجبال استراتيجية، وأن إسرائيل كانت طرفا في التفاوض مع أميركا حول وقف النار في السويداء، ونوعية الأسلحة الثقيلة وإحداثيات الانتشار وغيرها.
6- بعد غارات وتهديدات إسرائيل، سحبت دمشق قواتها من السويداء. فتحولت المواجهة من قتال بين قوات درزية وقوات الحكومة إلى مواجهة درزية–عشائرية. وتحول الصراع إلى بعد إضافي له امتدادات عابرة للحدود إلى إسرائيل والأردن ولبنان، بسبب الروابط الدرزية والعشائرية في هذه الدول. وهو امتداد يهدد استقرار المكونات. وهذا الخطر دفع أطرافا عدة إلى وقفة جديدة ومراجعة دقيقة للصراع وتحذيرات من دخول “داعش” وجهاديين على الخط.
7- ارتكبت انتهاكات كبيرة في السويداء وريفها وزاد وزنها كونها تقع بين مكونين هما الأكثر حساسية للإهانات والقتل والتنكيل، وهما المكون الدرزي والعشائري، إضافة إلى كونها تحصل بعد أحداث الساحل وجرمانا وأشرفية صحنايا وتفجير الكنيسة (المسؤولية عنها لأطراف مختلفة). أهين رجال كبار وشيوخ ونساء وأطفال وعلقت جثامين على السيارات وسحلت جثث بالشوارع. بالتالي، كان متوقعا أن تتصاعد دعوات الالتزام بوقف النار، فالجروح عميقة والثأر متسلسل بين “الجيران الأعداء”، الدروز والبدو.
8- استحضرت الأحداث الدامية أهمية المحاسبة والمساءلة واتخاذ إجراءات لوقف الانتهاكات وعدم تكرارها، إضافة إلى ضرورة إعلان نتائج التحقيق بانتهاكات الساحل في مارس/آذار الماضي، وكان هذا واضحا من اللغة الجديدة التي استخدمها وزير خارجية أميركا.
9- استدعت أحداث السويداء رغبة لدى حلفاء دمشق بإعطاء أولوية لتشكيل الجيش وتنظيمه في وحدات منضبطة وإبعاد المقاتلين الأجانب بعد طرح أسئلة عن مدى الالتزام بالهيكلية والأوامر في التركيبة العسكرية الحالية. هنا أبلغت أميركا “قوات سوريا الديمقراطية” رسالة بضرورة عدم استغلال الأحداث لتغيير الميزان العسكري، بل طالبتها بلعب دور إنساني وإيجابي في السويداء، وضرورة الحوار مع دمشق لاتخاذ “خطوات محددة للاندماج في سوريا الموحدة”.
10- الشأن الداخلي السوري كان متروكا للسوريين، وكانت أولويات الدول هي الحسابات الجيوساسية (إخراج إيران و”حزب الله” وتفكيك شبكات الكبتاغون وإمكانات السلام مع إسرائيل) لكن بعد أحداث السويداء، اتخذ الشأن الداخلي أهمية إضافية في الحوارات بين مسؤولين سوريين وشركائهم العرب والتصريحات العلنية. ودعم تأسيس مسار جامع يربط البلاد ويمد الجسور تحت مظلة الدولة، ويوفر بيئة لتحقيق استقرار لتوفير ظروف الاستثمار والإفادة العملية من رفع العقوبات.
الأحداث الدموية في السويداء، على الآلام فيها ومنها، قد توفر فرصة لتصحيح المسار. والبناء على ما تحقق ومعالجة الأخطار. نقطة البداية هي صمود وقف النار ووقف شلال الدم والثارات في الجنوب السوري. وقد رعت أميركا محاولات واتفاقات لوقف النار في غزة ولبنان وإيران، عسى أن يكون مصير اتفاق السويداء مختلفا. المطلوب في السويداء: صمت البنادق ووقف التدخلات وسحب الرهانات والخرائط ومناطق النفوذ… وأن لا تترك سوريا منسية مثل ليبيا والسودان وغيرهما.
المجلة
—————————–
موقع “المخدرات” من أحداث السويداء/ إياد الجعفري
الأحد 2025/07/20
في سياق الهيجان الغرائزي، ما دون الوطني، الذي عمّ جانباً كبيراً من السوريين، على وقع أحداث السويداء، خلال الأسبوع الفائت، استُخدمت تهمة الإتجار بالمخدرات وتهريبها، كإحدى أدوات الشيطنة المتبادلة، إلى جانب تهم “الداعشية” و”البربرية” و”الخيانة” و”العمالة لإسرائيل”. وقد تورط في ذلك مثقفون وإعلاميون ونشطاء، ظهر بعضهم على وسائل الإعلام. وتردد صدى ذلك على وسائل التواصل الاجتماعي.
وفيما ألصق موالو السلطة في دمشق، هذه التهمة، بالفصائل المحسوبة أو الموالية لشيخ العقل الدرزي، حكمت الهجري، ألصقها من هم في الضفة المناوئة، بعشائر البدو في السويداء، وببعض “الفزعات” العشائرية التي التحقت بالمعركة، لنصرتهم، خصوصاً مع تداول التسجيل الذي يُظهر أحد مقاتلي العشائر، وهو يوجه التحية لـ”فرحان المرسومي”، القيادي العشائري، المتهم على نطاق واسع، بالتورط في تجارة المخدرات عبر الحدود السورية.
وفي أجواء هذا الهيجان الغرائزي، لم تخضع هذه التهمة للتحقيق الحيادي. ولم يتم تبيّن موقعها الموضوعي من أحداث السويداء. لكن تحقيقات وتقارير استقصائية عدة، أُعدت ونُشرت قبل شهور من انفجار الأحداث الأخيرة، تشير إلى أن محافظة السويداء تحولت بالفعل إلى خاصرة رخوة لإنتاج وتهريب المخدرات (الكبتاغون بصورة أساسية). وتضخم هذا الموقع للمحافظة، بصورة خاصة، منذ نهاية شهر نيسان الفائت، حينما أصبح التواجد الأمني للحكومة السورية في درعا، مُحكماً أكثر، إثر قرار حل اللواء الثامن، وتسليم مقدراته العسكرية والبشرية لوزارة الدفاع السورية. وبقيت السويداء وحدها، البقعة الخارجة عن الضبط الأمني المباشر من دمشق، قرب الحدود مع الأردن. والمصدر الرئيس لتهريب الكبتاغون إليه.
في تحقيق لـ”الجزيرة نت”، في كانون الثاني 2025، تمت الإشارة إلى عودة عمليات تهريب المخدرات بوتيرة سريعة مع بداية العام الحالي، بعد تراجعها بصورة كبيرة، إثر سقوط نظام الأسد، والذي كان حجر الأساس في إدارة عمليات التصنيع والإتجار والتهريب. وسريعاً، تمكنت الشبكات المحلية التي كانت تتعاون مع النظام، من تنظيم نفسها، والعمل بصورة مستقلة.
في مطلع أيار الفائت، نشرت مجلة “الفراتس” تحقيقاً استند إلى شهود عيان تحدثوا عن نقل تجار المخدرات لكميات كبيرة من الكبتاغون والحشيش المصنعة مسبقاً من درعا إلى مخازن في ريف السويداء وأطرافها، بعيد سقوط النظام مباشرة. وفي الأشهر الثلاثة التالية لذلك التاريخ، انحسرت البيئة الآمنة لصناعة وتجارة المخدرات في محافظة درعا، بسبب عمليات الدولة السورية. لتصبح السويداء هي البديل، بسبب الفراغ الأمني وغياب سلطة الدولة.
وقبل نحو 4 أشهر، بث “تلفزيون سوريا” مادة مصوّرة تسلّط الضوء على معاناة سكان قرى جنوب السويداء، المتاخمة للحدود الأردنية، جراء الاشتباكات شبه اليومية بين مهربي المخدرات وحرس الحدود الأردني، والتي كان رصاصها يخترق بيوتهم ويقتل بعضاً من مواشيهم، ويهدد حيواتهم في بعض الأحيان. مما دفع بسكان هذه القرى إلى تشكيل لجان محلية مسلحة -سلاح خفيف- مهمتها محاولة حماية الحدود من تحركات المهرّبين. لكن إمكاناتهم التسليحية المتواضعة، مع غياب أي تواجد لقوى الأمن السورية، جعل محاولاتهم تلك ضئيلة الأثر.
وفي منتصف شهر أيار الفائت، شنت طائرة حربية، يُرجح أنها تابعة لسلاح الجو الأردني، غارة جوية استهدفت منزلاً قيد الإنشاء يعود لشخص متهم بتجارة المخدرات في قرية الشعاب، جنوبي محافظة السويداء. ووفق شهادات، توافد المهرّبون الناشطون في هذا المجال بكثافة، من مختلف المحافظات السورية إلى محافظة السويداء، في الأشهر القليلة الفائتة.
لكن، هل هذا يعني أن الفصائل المحسوبة على الهجري هي المسؤولة عن ذلك؟ أم عشائر البدو في المحافظة؟ لا تحدد التحقيقات المنشورة بهذا الخصوص، جهة محددة. لكنها احتوت على إشارات للروابط العشائرية، على هذا الصعيد. ونحن هنا لا نعمم على مكوّن مجتمعي محدد. بل نستند إلى ما نشره المدققون في هذه الظاهرة، قبل اندلاع الأحداث الأخيرة في المحافظة بعدة أشهر. وبالعودة إلى كتاب “حرب الشمال: شبكات المخدرات في سوريا.. الاستجابة الأردنية، وخيارات الإقليم”، للباحث حسن جابر، والصادر عن مركز عمران للدراسات الاستراتيجية في كانون الأول 2024، تشير التقديرات إلى أن عناصر شبكات التهريب في الجنوب السوري قد تصل إلى بضعة آلاف، معظمهم من سكان المنطقة. وانخراطهم فيها، كان نتيجة الفقر وتردي الأوضاع المعيشية. وقد ساهم نظام الأسد في خلق ركائز هذه الظاهرة في الجنوب السوري، منذ العام 2018. وهي صناعة وتجارة تدر مئات ملايين الدولارات سنوياً، على الناشطين فيها، ويقودها أفراد من ذوي الأسبقيات الجرمية. ويشير الكتاب إلى أن الروابط العشائرية تسهم بشكل كبير في تسهيل عمليات التهريب، وتمتد شبكاتها إلى الشمال الأردني، الذي يتولى تجاره نقل المخدرات باتجاه الحدود السعودية.
لا يعني ما سبق، بطبيعة الحال، أن شبكات التهريب تلك محصورة بالعشائر، مع الإشارة إلى أن توصيف الروابط العشائرية قد يشمل حضريين من أبناء جبل العرب. لكن مضمون التحقيقات التي دققت في تطور هذه الظاهرة في الأشهر الأخيرة، يجعل حصر هذه التهمة بالفصائل المحسوبة على الهجري، مفتقداً لأي سند موثّق.
كما أنه من الصعب توصيف تجارة المخدرات بأنها أحد أسباب تفجر الأحداث الأخيرة في السويداء. ذلك أن تورط جانب من العشائر -ونحن هنا لا نقصد التعميم- في تهريب المخدرات، يتناقض مع اصطفافها مع السلطة في دمشق، بغية السيطرة على محافظة السويداء. فسيطرة دمشق على السويداء، يعني أنها ستصبح مسؤولة أمام الجار الأردني، عن ضبط نشاط التهريب في المحافظة، والنتيجة من ذلك، خسارة جانب كبير من هذه التجارة. وبالتالي، فإن اصطفافات العشائر في الأحداث ناجمة عن الرابط العشائري بصورة أساسية، لا عن أي بعد مرتبط بتجارة المخدرات. كما أن عدم وجود أدلة على تخصص الفصائل الموالية للهجري، بهذا النشاط، -من دون نفي احتمال التورط الجزئي- يجعل من الصعب ربط تعنت الهجري في الموقف من الحكم المركزي في دمشق، بمصالحه مع تجار المخدرات، كما يقول منظّرو السلطة بالعاصمة.
الشيء الوحيد المؤكّد والجلّي، في هذا الملف، هو أن حالة الفراغ الأمني، جعل محافظة السويداء، بالفعل، مرتعاً للإتجار بالمخدرات. والمتورطون في ذلك، ليس بالضرورة فقط، من أبناء المحافظة، كما سبق وأشرنا. لكن ضرر ذلك كبير على غالبية سكان هذه المحافظة. وهو أحد الأسباب الذي يجعل استتباب الأمن فيها مصلحة لغالبية السكان. لكن يبقى أن طريقة فرض الأمن من جانب دمشق، هي المعضلة وموضع الخلاف.
المدن
————————————–
حرب الشمال: شبكات المخدرات في سوريا، الاستجابة الأردنية، خيارات الإقليم
أطلق مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، ومعهد السياسة و المجتمع، كتابه الجديد بعنوان: “حرب الشمال: شبكات المخدرات في سوريا، الاستجابة الأردنية وخيارات الإقليم”، ويحلل الكتاب ظاهرة شبكات تهريب المخدرات المنظمة في سوريا، وتداعياتها الأمنية والسياسية والاجتماعية على الأردن والإقليم.
عمل على تأليف الكتاب الباحث حسن جابر، المتخصص في الشأن السوري وقضايا الشرق الأوسط، موظفًا منهجيات التحليل الكمي والنوعي، بالإضافة لعدد مهم من المقابلات البحثية التي أجريت مع أكاديميين وخبراء أردنيين وسوريين ومن دول جوار سوريا، للسعي لفهم أكثر دقة حول قضية شبكات المخدرات ذات التعقيد الكبير.
يقدم الكتاب قراءة معمقة حول واقع شبكات تهريب المخدرات في سوريا، باعتبارها ظاهرة أمنية ذات أبعاد وديناميكيات إقليمية معقدة، حيث يسلط الضوء على تشكل هذه الشبكات منذ اندلاع الأزمة السورية سنة 2011، وما ترتب عليها من عوامل ساهمت في تبلور عدد ضخم من شبكات الجريمة المنظمة في سوريا. كما يبحث الكتاب في آليات الاستجابة الأردنية لهذه الشبكات العابرة للحدود، متناولًا الخيارات والبدائل الأمنية والدبلوماسية التي انتهجها الأردن للتعامل مع التهديدات الناجمة عن تهريب المخدرات عبر الحدود الأردنية – السورية.
لتحميل الكتاب:
—————————–
المسألة الطائفية في سوريا وشروط التطبيع الإسرائيلي/ زياد ماجد
20 تموز 2025
مثّلت الاشتباكات في السويداء في جبل العرب جنوب سوريا بين ميليشيات بدوية ودرزية، وما تخلّلها وتلاها من خطف وجرائم واعتداءات نفّذت بعضها أجهزة أمنية وعسكرية تابعة أو موالية للنظام الجديد في دمشق، فصلاً جديداً من فصول النزاع الأهلي المستمرّ منذ سقوط بشار الأسد.
والفصل الجديد هذا، إذ يختلف عن ذاك الذي شهد اشتباكات ثم مجازر ضد مواطنين علويين في منطقة الساحل بحُكم انعدام البُعد الثأري المرتبط بالحقبة الأسدية فيه، يشابهه لجهة أسلوب التعامل مع خصوصية جغرافية – طائفية لا تقلّ أهمية وخطورة اليوم في سوريا عن المسألة القومية، أو الخصوصية الكردية الشمال – شرقية التي ما زالت معلّقة.
والحقّ أن المسألتين الطائفية والقومية موروثتان وليستا من صنع النظام الجديد. فاستنفار العصبيات الأولية وتحويلها إلى أدوات تعبئة وقمع وتنكيل وتمييز بين السوريين كانت من أبرز سمات الأسدية خلال أكثر من نصف قرن. كما أن المسألة الطائفية شأن عابر للحدود وماثل في بلدان المشرق بأسره، من لبنان إلى العراق، وله في دولة إسرائيل التي تقوم على مبدأ الصفاء الهويّاتي وطرد الآخر وصولاً إلى السعي لإبادته النموذج الأكثر شراسة.
لكن عدم التسبّب بأمر أو عدم صناعته لا يمنح مبرّراً لسوء التعامل معه. فكيف بالتعامل المتوحّش ورداءة التقدير التي تُغذّي الضغينة وتؤسّس لمستقبل حقدٍ وتصفية حسابات، حتى لو هدأت الأحوال مؤقتاً بفعل القوة أو القهر؟
الجريمة والعقاب
تكرّر ذكر المسألة الطائفية في سوريا كواحدة من أكثر المسائل تعقيداً. وتردّد على الدوام أن أي حكم انتقالي بعد عقود قمع وسجن ومذابح وثورة وحرب وتدخلات خارجية سيواجه تحديات التعامل مع التنوع الديني والقومي وتبعاته السياسية والاجتماعية، بموازاة تعامله مع التحدّيات الاقتصادية وقضايا إعادة الإعمار وضبط الأمن والحدود وإعادة تعريف موقع سوريا في علاقاتها الإقليمية والدولية. وارتدى الكلام في الموضوع أهمّية مضاعفة في ظل ثقافة قوى الحُكم الجديد الإسلامية وخلفية بعض مكوّناتها الجهادية، وفي ظلّ حاجة الرئيس أحمد الشرع إلى القوى المسلّحة التي أوصلته إلى الحكم في كانون الأول (ديسمبر) 2024 وسعيه للحفاظ على دعمها من ناحية، وفي ظلّ إلزامية تعامله مع عالم خارجي لا تحسين أحوال اقتصادية ومعيشية ولا اطمئنان لاستقرار حكمٍ من دون العودة إلى علاقاته ومحافله من ناحية ثانية.
على أن الاكتفاء بدعم القوى المسلّحة رغم ارتكاباتها، والظنّ أن العلاقة بواشنطن ثم التطبيع مع إسرائيل يكفيان لتحصين حُكم وتأمين استدامته، كانا خطأ كبيراً تسبّب بسلسلة أخطاء جسيمة لاحقة.
فالعمل الدؤوب لنيل المشروعية الشعبية للحُكم، وليس العسكرية فقط، أمر لا يمكن تجاوزه، خاصة بعد تجارب السنوات المنصرمة وما رافقها من تفتّت جغرافي عمّق الانتماءات الطائفية وجعلها لدى «الأقلّيات العدديّة» تحديداً هويات سياسية محمّلة بالمخاوف التي لا مفرّ من التعامل المنفتح معها. والقول بأن الأكثرية السنية كتلة متراصة «مضمونة الولاء» بمعزل عن الفوارق الطبقية والاجتماعية والمناطقية والتعليمية والسياسية داخلها، أو أنها كافية شعبياً لحماية السلطة، قولٌ في غير محلّه، وهو أصلاً لا يكفي للتعامل مع الصعاب المتعدّدة والمتراكمة.
والأكيد أن التسامح، أو حتى التواطؤ، مع مرتكبي الجرائم الطائفية ضد العلويّين في آذار (مارس) الفائت عوض معاقبتهم مباشرة، خلق قناعة لديهم ولدى أشباههم بحصانتهم وبأحقّية «ثأرهم» المطيح بالعدالة وبأبسط شروطها. فلم يكن مستبعداً بالتالي تكرارهم الفعلة، ولو في سياق مغاير، في جبل العرب ضد مواطنين دروز شاؤوا «التمرّد السياسي»، فوق ما تعدّه الأوساط الإسلامية المتشدّدة «تمرّدهم الديني» التأسيسي.
التدخّل الإسرائيلي وشروط التطبيع المقبل
وأضافت محدودية الخبرة وسوء فهم ديناميات العلاقات الخارجية أعباء إضافية على الداخل المعقّد، وأنتجت إشكالياتٍ لا تقلّ خطورة عليه. وهذا ما بدأ يتبدّى منذ أسابيع.
فالاعتقاد بالقدرة على توظيف التطبيع الذي وفّرته السعودية مع واشنطن، ثم التعويل على تطبيع مماثل تؤمّنه الإمارات وأذربيجان مع إسرائيل والمحافظة على علاقات جيدة في الوقت نفسه مع تركيا وقطر، بهدف الحصول على «إطلاق يد» كامل في الداخل السوري، اعتقاد بدا ممكناً نظرياً لكنّه متهافتٌ توقيتاً وتحقّقاً سريعاً لسببين.
الأول أن المعادلة الجديدة التي يجري إرساؤها في المنطقة لم تكتمل جميع معالمها بعد. وهذا يعني أن الطرف الأقوى فيها، إسرائيل، غير مستعجل على التطبيع إذ لم ينته من رسم كل ما يريده، بما في ذلك رغبته بتعديل بعض الحدود الكيانية. والثاني أن الثمن الإسرائيلي في العام 2025 للالتحاق باتفاقيات أبراهام يتضّمن شروطاً لتكريس الأمر الواقع الميداني في المشرق بأكمله، تعويلاً على مؤدّيات حرب الإبادة في غزة وحرب الضمّ الدائرة والمقبلة على تصاعد في الضفة، وتعويلاً أيضاً على تراجع إيران وعدم السماح باستفادة تركيا من هذا التراجع. ولا يكفي قول الشرع إن «لسوريا وإسرائيل أعداء مشتركين» لكسب القبول الإسرائيلي غير المشروط، لأن تل أبيب لا تريد ندّية في أي علاقة، وهي إن طبّعت، فسيكون الأمر على النقيض من التطبيعات السابقة (التي شملت البحرين والإمارات والسودان والمغرب) مع دولة تملك الحدود معها وتحتلّ جزءاً من أراضيها، وثمة تداخل في الديموغرافيا الطائفية في مناطق التماس الجغرافي بينهما.
وإسرائيل التي تدرك وهن نظام الشرع في دمشق وندرة مداخيله الاقتصادية، وتدرك أيضاً أنه لم يحوّل بعد أي اتفاق مع القوى الكردية (المنتشرة فوق ربع المساحة السورية، حيث موارد النفط) إلى معطى سياسي ملموس، ولم يُجد إدارة المسألة الطائفية لتجنّب انفجاراتها، ولم يُحسن التعامل مع المخاوف المسيحية بعد الاعتداء الإجرامي في الكنيسة الدمشقية، تريد استغلال كل ذلك، ولن تقدّم له تطبيعاً يترك له أي هامش مناورة. بل تريد أن يكون التطبيع استسلاماً لقبولٍ بدور لها داخل سوريا ذاتها.
من هنا، يمكن تفسير عدوانها العسكري بذريعة حماية الدروز السوريين. فهي تسعى انطلاقاً من إثارة شأن القربى بين دروز إسرائيل ودروز جبل العرب، وانطلاقاً من ذكرها للبعد الأمني في جنوب سوريا الذي تريده خالياً من السلاح وتحت وصايتها، أن تجعل مجرّد الكلام عن الجولان المحتلّ أمراً مرفوضاً، ليس لأنها ضمّته واعترف دونالد ترامب نفسه بهذا الضم، بل لأن سكّانه الأصليين السوريين، هم بمعظمهم دروز، وستقول إنهم مهدّدون أيضاً!
أبعد من ذلك، تعرف إسرائيل أن المسألة الدرزية إقليمية، أي أنها تخصّ جزءاً من تركيبتها السكانية إضافة إلى تركيبة الأرض الجولانية المحتلة والجنوب السوري امتداداً نحو البقاع الغربي وحاصبيا والشوف وعاليه والمتن في لبنان. وهي جميعها مناطق مركزية لعبت دوراً أساسياً في تاريخ المنطقة. وكل اختلال فيها يؤثّر على الاستقرار وعلى رسوّ موازين القوى الداخلية. وبالتالي، لن تترك تل أبيب هذا «الملف»، وستستخدمه في أي مفاوضات تطبيع، وقبل ذلك ربما في أي ضغط إضافي يمكن أن تمارسه على دمشق، سعياً لفرض المعادلة «النهائية» التي تريدها.
والتطبيع معها في هكذا أحوال، بمعزل عن جميع الاعتبارات الأخلاقية والقانونية، يصبح قسراً ومهانةً وخضوعاً لاحتلالها وتدخّلاتها، لا ملاذاً كان صنّاع القرار الجدد في سوريا يمنّون النفس به…
*كاتب وأكاديمي لبناني
القدس العربي
—————————–
السويداء في قلب خطط نتنياهو/ فاطمة ياسين
20 يوليو 2025
تقرّر إسرائيل، الأسبوع الماضي، أن توجّه ضربات مباشرة للقوات السورية التي كانت على أطراف السويداء، فتقتل جنوداً من هذه القوات على مدخل المدينة. ويؤكد نتنياهو موقفه الرافض أي وجود مسلح “رسمي” في الجنوب السوري، فيضرب بكثير من العنجهية مبنى الأركان السورية في منتصف العاصمة دمشق، ما يؤدّي إلى تدمير أجزاء منه، ويوجه ضربة أخرى قريبة من قصر الشعب الذي يقيم فيه الرئيس أحمد الشرع، مطالباً بخروج القوات التابعة للدولة من السويداء فوراً.
تتراجع قوات الجيش السوري والأمن المرافق منسحبة من محافظة السويداء، مخلية جميع المواقع التي كانت قد تمركزت فيها في الجنوب، لتعود أدراجها إلى مواقعها الأولية. وبعد ساعات، ظهر الشرع موجهاً خطاباً قاسياً إلى إسرائيل، واصفاً إياها بالكيان المحتل الذي يعمل على استهداف استقرار سورية وخلق الفتن بين أبناء الشعب منذ إسقاط النظام البائد، مغلّباً خيار الدبلوماسية والوساطات السياسية، ومتعهّداً بحماية الدروز في السويداء باعتبارهم جزءاً أساسياً من النسيج السوري.
كانت السويداء من المحافظات التي شاركت في السنوات الأخيرة بالثورة على نظام الأسد، وهي وإن لم تنخرط فعلياً في عمليات التسليح ومقاومة النظام بالقوة، إلا أنها رفضت إلحاق كثيرين من أبنائها في الجيش، وتحصّنت داخل مركز المحافظة، مبقية على تعاون طفيف مع النظام يجعلها على قيد الحياة، وكان أوار الثورة داخلها يشتدّ ويضعف، بحسب ظروف المرحلة. وحين اقتربت فصائل المعارضة المسلحة من دمشق، تولّى أبناء السويداء عملية إخراج بقايا النظام من مدينتهم، والحلول في مكانهم، وتسيَّد الموقف رجال الدين، الذين تولوا عملية القيادة العسكرية والروحية، وانقسمت هذه القيادات داخلياً بحسب موقفها من نظام الحكم الجديد، فجزء كبير وقف ضد حكومة الشرع، وبالغ في معارضته واتهمها بالطائفية والتطرّف، ورفض أية يد ممدودة للتعاون، من دون أن يقبل حتى الحديث في الأمر، مبقياً على نبرة التحدّي عالية، وقسم آخر أراد أن يندمج بالدولة الجديدة وبدء صفحة بيضاء. وفي ضوء هذا الانقسام، شهدت السويداء نوعين من الصراعات، أحدهما داخلي بين تلك التيارات ومع البدو والعشائر في الجوار، وبعضها مع ممثلي الحكومة الذين أُرسِلوا لشغل الوظائف العامة، واستمرّت التصريحات والتصريحات المضادة أشهراً، مع إبقاء المظهر العسكري واضحاً وكثيفاً ومتحفّزاً.
لا ترغب إسرائيل في تجاهل هذا المشهد الواقع على مسافةٍ قريبة منها، وهي التي سارعت إلى توسيع المنطقة العازلة التي أقرّتها اتفاقية فصل القوات عام 1974، فتجاوزتها واحتلّت أجزاءً من جبل الشيخ، ونفذت عمليات قصف وتوغّل. حينها فضلت حكومة الشرع الوليدة التعقل والصبر، مع ترك الأمر لدول صديقة لتتعامل معه. وصلت إسرائيل إلى الجانب المتمرّد داخل السويداء، ولا بد أنها أجرت اتفاقاتٍ معه عبر أطراف، وقد تلقّى هذا الجانب تشجيعاً من خلال الإعلام والتصريحات الرسمية الإسرائيلية، وهي حالة عدم استقرار ترغب إسرائيل في إحداثها ضمن مجالها الحيوي الذي ما زالت تعمل على توسيعه عبر الحدود مع سورية ولبنان. وهنا صبرت حكومة الشرع مرّة أخرى، من دون أن يختفي الشعور بالمرارة، ومارست ما يمكن وصفه بالتعقل الإجباري.
وقبل أيام، وعلى خلفية اقتتال محلي نشب بين أبناء محافظة السويداء، أرسلت الحكومة قواتها لفرض السيطرة، مع ما يمكن أن تحمله صراعاتٌ مسلّحة من هذا النوع، بعضها شعبي وبعضها مع عناصر أمن قليلي الخبرة، من مشاهد عنف مؤلمة. وهنا تقوم إسرائيل بالشقّ الخاص بها بتنفيذ هجماتٍ كان بعضها مؤذياً مادياً، وآخر معنوياً، مخلفة غمامة قاتمة فوق سورية. وبعد أن دمّرت سابقاً مقدّرات الجيش السوري خلال الأيام الأولى من التحرير، تمضي اليوم حكومة نتنياهو المتطرّفة إلى تحويل سورية إلى ساحة حرب جديدة، تؤجل فيها كل مشاريع التنمية الاقتصادية والمجتمعية إلى حين.
العربي الجديد
—————————-
السويداء.. خلفية ذهنية للتفكير والضمير/ مضر رياض الدبس
2025.07.20
من الضروري أن نبدأ التفكير، نحن السوريين جميعًا، بوطنيةٍ صافية. وأن يسعى الجميع إلى تقديم بادرة حُسن وطنية، تتضمن وقفًا غيرَ مشروطٍ للحرب، والقتل، والانتقام، وتتضمن إطلاق المحتجزين، والمأسورين، وفتح الطريق للمحاصرين، وعودة المخطوفين جميعهم، أيًا كان دينهم أو مذهبهم أو انتماؤهم، وفتح الطرقات، وإدخال المساعدات والمواد الغذائية، من دون أي شروط، وكباردة حسن وطنية من الجميع إلى الجميع.
ثم بعد ذلك، يمكن أن نقترح النقاط الآتية، بوصفها خلفية ذهنية، تبني إطارًا عامًا للتفكير استنادًا إلى أسسٍ وطنية، لعلنا نحدث خرقًا في حفل الجنون الجماعي الماثل أمام أعيننا منذ أيام، وصونًا للدماء والكرامات، وضمانًا لعدم تكرار هذه الكوارث في المستقبل، الإنسانية منها، والسياسية.
وللنقاط الآتية بتقدير كاتب هذه السطور أهمية متساوية لبناء الخلفية الذهنية للتفكير الواعي والمسؤول والذي يقيم دائمًا وزنًا كبيرًا للضمير.
النقطة الأولى: ليس للدروز السوريين، أي طريقة لحماية أنفسهم، في مثل هذه الظروف التي نمر بها، إلا الاستناد إلى التاريخ الوطني السوري، الذي يقول إن السوريين المسلمين السُنةَ، كانوا، وما يزالون، حاضنةَ مشروعٍ وطني، وإنهم قادرون دائمًا على رفع هذا المشروع في الظروف التاريخية الصعبة، وحماية الجميع، وإعادة الروح الوطنية. وهذا يتطلب موقفًا وطنيًا سوريًا سريعًا يتم التعبير عنه بكل الطرائق السلمية المُمكنة، التي تستند إلى العقل والمحبة والاندماج الوطني.
النقطة الثانية: تثبيت مسألة مُهمة – الآن، وفي المستقبل – بأن الإسلام السوري، لم يتحول إلى طائفة في مواجهة طوائف، ولن يتحول. بل إنَّه، بما يمتلكُ من ذاكرةٍ وطنية وتاريخٍ، ونياتٍ طاهرة، وعقلٍ وطنيٍ متبصرٍ واسعٍ، قادرٌ دائمًا أن يكون حاضنة المشروع الوطني السوري، وليس طائفة.
النقطة الثالثة: السوريون في السويداء جميعهم، وتحديدًا الدروز، لهم تاريخٌ وطني، ما يزال حاضرًا ويملك من القوة الرمزية، والوطنية، والقيمية، والأخلاقية، ما يؤهله ليكون رصيدًا مهمًا وأساسيًا في رأسِ المال الوطني السوري. ورأس المال هذا أهم ما ينبغي مراكمته بكثافةٍ في هذه اللحظة المفصلية. ولمجتمع السويداء قِيمُهُ وأصالته التي تؤهله للانفتاح، وتعزيز الاندماج الوطني، ومقاومة أي شكلٍ من أشكال الدرزية السياسية. كما يحمل هذا المجتمع ذاكرةً مجتمعيةً زاخرةً بالتجارب النضالية والعمل الوطني المشترك، وهي ذاكرة تستحق التفعيل وطنيًا، والإحياء في الحاضر الراهن.
النقطة الرابعة: أي خطابٍ يتم تقديمه في المستقبل، من النوع الذي يتضمن عباراتٍ ومفهوماتٍ إشكالية، غير مقبولةٍ للسوريين، لن يُمثِّل إلا صاحبَه، ولا يُحسب على أهالي السويداء جميعهم، أو على فئةٍ منهم. بل يتحمل صاحبُه وحيدًا المسؤوليةَ القانونيةَ والسياسيةَ والأخلاقيةَ عنه. ولا سيما إذا كان خطابًا يرحب بالعدو الإسرائيلي، ويشجع على التنسيق معه، أو مع أي جهاتٍ محسوبةٍ عليه.
النقطة الخامسة: رقابة المجتمع على سلوك الدولة، ومقارباتها، ومساعدتها في المأزق الصعب الذي وضعت نفسها فيه في أكثر من مرةٍ بأن صارت في مواجهة اتهاماتٍ بقتل السوريين الأبرياء. ويتطلب ذلك العمل على تقليل أثر أخطاء النظام السياسي في إضعاف الدولة وتفكيك المجتمع السوري، ومساعدة الحكومة على إنقاذ نفسها من نفسها، وتجنّب تبعات قراراتها الكارثية التي انعكست سلبًا على قوة الدولة، ومدى وطنية قراراتها، التي يُفترض أن تستمدّ مشروعيتها من قوة السوريين جميعًا في هذه المرحلة الحرجة. كما يستوجب الأمر الحرص الشديد على انتقاء العاملين في السلك العسكري والأمني وفق معايير صارمة، تستند إلى الوطنية، والأخلاق الرفيعة، والانضباط، والقدرة على الوقوف على مسافة واحدة من جميع السوريين، من دون تمييز، والتعامل الصارم، والسريع، مع مرتكبي الانتهاكات وغير المنضبطين، ومحاسبتهم جميعًا بموجب القانون.
النقطة السادسة: قدرة السوريين على حلّ مشكلاتهم بأيديهم، من دون الحاجة إلى أيّ جهة خارجية، وقدرتهم على التعبير عن إمكانات المجتمع السوري في دعم المسار السياسي الوطني، والتدخّل السلمي لمساعدة السوريين المنكوبين، أيًّا يكن انتماؤهم.
وهذا يعني بالضرورة قدرة المجتمع السوري، بالتعاون مع الحكومة والجهات الرسمية، على بناء تعاون وطني بنّاء في جميع اللحظات المفصلية، وهذه اللحظة واحدةٌ منها.
ثمّة ضرورةٌ تاريخية لصياغة هذا النموذج وتقديمه، للداخل والخارج معًا، بما يُظهر الرغبة الوطنية في تجاوز المحنة. وهذا يقتضي أن ينطلق الرأيُ العامّ السوري في التعبير عن نفسه بحرية، ومن دون قيود، وبصورةٍ سلمية، هدفُها الأسمى هو بناء الجسور الوطنية بكل السُّبل الممكنة.
ومن أبرز تلك السبل: نبذُ التحريض، والجنون، والشيطنة، ودعوات الكراهية، وتعميق الفجوة. كما يتطلّب الأمر التشارُكَ في كلّ ما يُعزّز القيم الإنسانية، والإكثار من الحديث عن المحبة، والتراحم، والاندماج، والمودّة، والنيّات الصافية، بوصفها السلاحَ الأكثر فعالية في مواجهة هذا النوع من الأزمات، ودرءًا لغياب العقل، ومنطق الزعران، أيًّا كانوا.
بعد هذه الخلفية الذهنية يمكن أن نقول الآتي في الإطار العام لسؤال ما العمل، والذي يشكِّل بتقديرنا المنهجية الوطنية للتفكير في هذه الكارثة الراهنة:
أولًا: وقف غير مشروط لإطلاق النار من الجميع، وإطلاق المحتجزين، والمأسورين، وفتح الطريق للمحاصرين، وعودة المخطوفين، جميعهم أيًا كان دينهم أو مذهبهم أو انتماؤهم، وفتح الطرقات، وإدخال المساعدات والمواد الغذائية، من دون أي شروط، وكبادرة حسن وطنية من الجميع.
ثانيًا: تشكيل طرف وطني سوري بانٍ للثقة، فيه شخصيات وطنية، ومشيخة دمشقية قريبة لأهالي السويداء ومعروفة لديهم، ومجلس الإفتاء، وشخصيات سياسية قادرة ممَّن أثبتوا القدرة على ضبط العقل والنفس.
ثالثًا: فسح المجال لنقاشٍ داخلي في السويداء بشأن مصير الشيخ الهجري، وكل الجهات التي استقوت بإسرائيل، وفسح المجال لتصنيف هذا الملف بوصفه ملف جناية قانونية، وفصله الكامل عن ملف السويداء ومطالب أبنائها.
رابعًا: جبر الضرر، وجبر الخواطر، ومشاركة السوريين في عزاء مفتوح مشترك للضحايا، من كل الأطراف.
خامسًا: العمل على كتابة وثيقة سورية وطنية، تكون بمثابة ميثاق سلامٍ وطني دائم كي لا تتكرر هذه الحوادث في أي بقعةٍ من سوريا في المستقبل، والعمل على ابتكارٍ نُصبٍ رمزي للسلام يقام أمام مجلس الشعب في دمشق، ليحتضن هذه الوثيقة، ويظل يذكرنا أن مثل هذه الأحداث لن تتكرر في مستقبلنا على الإطلاق، ويتم تضمين هذه الوثيقة في الإعلان الدستوري بالطريقة القانونية الملائمة.
تلفزيون سوريا
—————————-
وقف إطلاق النار في السويداء.. هدنة هشة تحت الضغط
20 يوليو 2025
تَضَعُ أحداث السويداء، وقبْلها أحداث الساحل، الدولة السورية على مفترق طرق. فإما أن تُثبت أنّها دولة لجميع مواطنيها أو أن تتعرض تجربة ما بعد إسقاط نظام الأسد للإخفاق، بحيث تعود الهويات الطائفية إلى الصعود من جديد. وفي هذه الحالة ستستغل الأطراف الخارجية، وعلى رأسها إسرائيل الوضع، في الدفع بمشروع تقسيم سوريا قدُمًا، أو في أبسط الحالات استغلال ضعف التماسك الداخلي السوري، في إنشاء منطقة نفوذ كبيرة لها داخل سوريا، وبالتحديد في جنوب البلاد.
توقف العمليات القتالية في السويداء
أعلنت الحكومة السورية، في وقت متأخر من ليل السبت، على لسان المتحدث باسم وزارة الداخلية، نور الدين البابا، أنّ مدينة السويداء باتت خالية من جميع مقاتلي الفصائل العشائرية، كما أكّدت الداخلية السورية أنّ الاشتباكات في أحياء السويداء توقفت، وأنّ القوات الحكومية أعادت الانتشار في المنطقة.
وقبل إخلاء المدينة من مقاتلي العشائر وتوقف الاشتباكات داخل أحيائها، أعلنت وزارة الصحة السورية عن تحريك قافلة طبية إغاثية نحو محافظة السويداء، من أجل تقديم الخدمات الصحية التي أوشكت على الانهيار في المدينة. وتكونت القافلة الطبية من 20 سيارة إسعاف مجهزة بالكامل إلى جانب فرق طبية مكتملة، وكميات كبيرة من الأدوية.
وأكد المتحدث باسم الداخلية السورية أن “الدولة بكل مؤسساتها السياسية والأمنية ماضية في مساعيها لاستعادة الأمن والاستقرار في السويداء، وستسخّر قوى الأمن كل طاقاتها سعيًا لوقف الاعتداءات وحالة الاقتتال وإعادة الاستقرار إلى المحافظة”.
هل يصمد الاتفاق؟
حَدّد اتفاق وقف إطلاق النار مدة 48 ساعة لفض الاشتباكات في محافظة السويداء. وكان الرئيس السوري أحمد الشرع أعلن في كلمته التي ألقاها أمس السبت، أنه تم التوصل إلى اتفاق فوري وشامل لإطلاق النار، بالإضافة إلى التأكيد على التزامه بحماية الأقليات، ومحاسبة المنتهكين من أي طرف.
تعدّ قضية المحاسبة على الانتهاكات قضيةً مفصلية لاستعادة الثقة بالدولة والحكومة السورية الحالية. وفي هذا الصدد يرى مدير “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، فضل عبد الغني، أن “المحاسبة لا بد أن تكون علنية كي يستعيد المجتمع ثقته بالأجهزة الأمنية”، ويعتقد عبد الغني أنّ التشديد على المحاسبة يجب أن يأخذ حيزًا واسعًا من الخطاب الإعلام يالحكومي إلى جانب مكافحة وتجريم الخطاب الطائفي الذي يوتّر الأجواء، ويهدد بانزلاق سوريا إلى مربع الاحتراب الطائفي.
ومن دون المحاسبة، ومن دون استراتيجيةٍ ناجعة في مكافحة الخطاب الطائفي، يعتقد عبد الغني أن اتفاق وقف إطلاق النار سيكون هشًّا ولن يصمد أمام أوّل تحدٍّ حقيقي.
ولذلك يجب أن تكون البداية في مشوار المحاسبة مع عناصر القوات الحكومية الذين ثبت بالدليل أنهم تورطوا في أعمال عنفٍ وإذلالٍ موثقة بالصوت والصورة، بحيث يمكن أن تُعيّن لجنة تحقيق وتأمر بفصلهم على أن يُعلن ذلك في الإعلام.
وفيما يخص الذين طالبوا إسرائيل بالتدخل، يرى عبد الغني أنه يمكن “إصدار مذكرات بحق هؤلاء بسبب الخيانة. ثم محاسبة البدو الذين أحرقوا ونهبوا وارتكبوا انتهاكات بالسويداء، وكذلك محاسبة مجلس السويداء العسكري لأنه قتل من الأمن والجيش ومن البدو”.
يشار إلى أنّ المواجهات في السويداء أسفرت عن مقتل العشرات بالتزامن مع دخول القوات الحكومية إلى المدينة، وبعد انسحابها منها قامت الفصائل الدرزية المسلحة بأعمال انتقامية طالت بدو السويداء الذين قُتل العديد منهم، وقد دفع ذلك مقاتلي العشائر إلى التدخل وخوض مواجهات دامية مع الفصائل في السويداء.
وفي هذا السياق، دعا وزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو، على حسابه في منصة إكس، السلطات السورية إلى “محاسبة أي شخص مذنب بارتكاب الفظائع وتقديمه إلى العدالة، بمن فيهم من هم في صفوفها”.
وحمّل روبيو، في منشوره المطوّل عن سوريا، الحكومة السورية القسط الأكبر من المسؤولية عما وقع في السويداء خلال الأيام الماضية. وطالب روبيو في منشوره الحكومة السورية بمنع من أسماهم “المتطرفين والجهاديين” من الدخول إلى محافظة السويداء، وإلى التحقيق “في حالات الاغتصاب والمجازر التي وقعت، حفاظًا على فرصة البلاد في أن تتوحّد”.
وكان المبعوث الأميركي إلى سوريا، توماس باراك، التقى أمس السبت في عمّان كلّا من وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ونظيره الأردني أيمن الصفدي، ووصف برّاك وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه بين دمشق وتل أبيب بـ”الإنجاز الكبير”.
تحويل المحنة إلى فرصة
أمام الحكومة السورية فرصة جديدة لتلافي الأخطاء التي وقعت فيها، فقد تبيّن، بما لا يدع مجال للشك، أنها لم تنجح بعد في نيل ثقة كلّ السوريين، وأنّ طريقة تعاملها مع الشأن الداخلي السوري لا تزال غير ناجعة مقارنةً بأدائها الخارجي. ولعل أبرز تحدّ داخلي يواجه هذه الحكومة يكمن في أنها غير منفتحة على الشراكة الحقيقية، في إدارة البلاد، مع مختلف مكونات الطيف السوري، إذ لا تزال بقية مكونات المشهد السوري غير ممثّلة في الحكومة بالشكل الكافي.
ويبرز تحدٍّ آخر على مستوى بناء القوة الصلبة للدولة ممثلة في الجيش وقوى الأمن، فثمة حاجة ماسة، حسب تقدير موقف للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، إلى بناء “جهاز أمن داخلي وجيش بعقيدة دولة، عقيدة رسمية، لا عقيدة جماعة تسيطر على الدولة، وقوى حفظ نظام تُعامل السوريين بوصفهم مواطنين من دون تمييز بموجب الانتماء المذهبي أو الطائفي أو على أساس الجنس، إضافةً إلى عجز الإدارة السورية عن ضبط سلوكيات الفصائل المسلحة التي تتصرف باسمها أو ترتبط بها”.
————————-
سوريا.. ما أحوجنا إلى صوت العقل والحكمة/ أحمد زكريا
2025.07.20
سوريا اليوم، أكثر من أي وقت مضى، في أمس الحاجة إلى صوت العقل والحكمة، إذ إن البلاد تمر بمرحلة مفصلية، حيث تتداخل التحديات الداخلية والخارجية لتشكل واقعًا معقدًا يهدد وحدتها وسيادتها.
غياب التعقل والحوار الوطني في هذه اللحظات الحرجة قد يدفع سوريا نحو مسارات كارثية، سواء كانت حربًا أهلية تؤججها الانقسامات الطائفية والعرقية، أو فدراليات تعمق الانقسام الداخلي، أو حتى تقسيمًا يهدد وجودها كدولة ذات سيادة.
إن استمرار الفوضى والتناحر الداخلي لن يؤدي فقط إلى تفاقم معاناة الشعب السوري، بل سينعكس سلبًا على الأمن والاستقرار في المنطقة بأسرها، وفي هذا السياق، يصبح من الضروري على جميع الأطراف تحمل المسؤولية التاريخية، والعمل على إعادة بناء الثقة بين مكونات المجتمع السوري المتنوع.
ما يجري في محافظة السويداء يدمي القلب بكل معنى الكلمة، فالاشتباكات التي شهدتها المنطقة بين ميليشيات مسلحة مثل ميليشيات الهجري، وبين العشائر العربية، أدت إلى سقوط ضحايا من السوريين الذين، بغض النظر عن انتماءاتهم، هم إخوة وأبناء هذا الوطن.
هذه الاشتباكات لا تعزز سوى الشرخ المجتمعي، وتحول الحزن إلى دوامة من الانتقام المتبادل، مما يزيد من تعقيد الوضع ويؤجج الصراعات الداخلية، فكل قطرة دم تُراق في السويداء، أو في أي ركن من أركان سوريا، هي خسارة للوطن بكامله، واستمرار هذه الدورة العنيفة لن يؤدي إلا إلى مزيد من الدمار والانقسام.
في هذه اللحظات العصيبة، يصبح تفعيل العقل والحكمة أمرًا حتميًا، وبالتالي فإن الحوار الوطني هو السبيل الوحيد للخروج من هذه الفوضى، في حين أن الحل لا يكمن في الانتقام، بل في دور العقلاء الوطنيين الذين يسعون لرأب الصدع وإعادة بناء الثقة بروح من التسامح والعدل.
إن استمرار النهج العسكري أو ردود الفعل غير المدروسة لن يؤدي إلا إلى تعميق الأزمة، في حين الحلول السلمية القائمة على الحوار والتفاهم هي وحدها القادرة على استعادة الاستقرار.
تصاعدت التوترات في الجنوب السوري، وبالأخص في السويداء، نتيجة لانتهاكات وجرائم ارتكبتها ميليشيات الهجري ضد العشائر العربية. هذه الأحداث دفعت الدولة السورية إلى التدخل لفض النزاع وإعادة فرض هيبتها في المنطقة. ومع ذلك، واجهت القوات السورية تحديات كبيرة، حيث غدرت بها هذه الميليشيات، التي لجأت إلى الاستقواء بالعدو الصهيوني.
هذا التدخل الخارجي، الذي تجلى في ضربات إسرائيلية استهدفت مواقع سورية، أدى إلى استشهاد العديد من عناصر الأمن الداخلي والجيش السوري، مما زاد من تعقيد المشهد.
ومع ذلك، تمكنت الحكومة السورية من التوصل إلى اتفاق يقضي بانسحاب الجيش الوطني من السويداء، وتسليم مراكز المدينة إلى عناصر محلية منضبطة من أهالي السويداء الذين يؤمنون بوحدة التراب السوري.
هذا الاتفاق، الذي جاء نتيجة لمساعٍ حثيثة، يعكس جهود الحكومة لتحقيق الاستقرار في المحافظة.
خطاب الرئيس أحمد الشرع أمام الشعب عزز هذا التوجه، حيث شدد على أهمية الحفاظ على وحدة الأراضي السورية، منع إراقة الدماء، ودعم الاستقرار من خلال تمكين المكون الدرزي المعتدل لتسيير الأمور في السويداء.
كما تم تأمين طريق دمشق-السويداء الحيوي لدعم المحافظة التي عانت من الفوضى الناتجة عن أعمال الميليشيات.
تواجه الحكومة السورية موقفًا معقدًا يشبه المشي على حبل مشدود، من جهة، هناك الرأي العام السوري الغاضب الذي يطالب بحلول عسكرية حاسمة لفرض الأمن، ومن جهة أخرى، تخشى الحكومة من تصعيد خارجي، خاصة القصف الإسرائيلي على مواقع حيوية في سوريا، بقيادة مجرم مثل نتنياهو الذي لا يتورع عن ارتكاب أي فعل. هذا الوضع يضع الحكومة في مأزق، حيث تسعى إلى تحقيق توازن بين تلبية مطالب الشعب وتجنب التصعيد الخارجي الذي قد يفاقم الأزمة.
في السويداء، اتخذت الحكومة قرارًا تكتيكيًا بانسحاب قواتها، مما أفسح المجال أمام العشائر المحلية للعب دور في استعادة الاستقرار.
هذا النهج يعكس استراتيجية تجمع بين “العصا”، ممثلة في التدخل العسكري، و”الجزرة”، من خلال السعي لحلول سلمية تعتمد على الحوار والتعاون مع المكونات المحلية. هذا النهج، رغم تحدياته، يظهر التزام الحكومة بفرض سيادة الدولة مع تجنب إراقة المزيد من الدماء.
بعد استقرار الأوضاع نسبيًا في الجنوب السوري، تتجه أنظار الحكومة نحو الشمال الشرقي، حيث تواصل قوات قسد تهديد الأمن والاستقرار في مناطق مثل الرقة والحسكة ودير الزور.
هذه المناطق تُعتبر استراتيجية لضمان وحدة الأراضي السورية، واستعادتها تحت سيطرة الدولة أولوية وطنية. تسعى الحكومة إلى فرض سيادتها في هذه المناطق، لكنها تواجه تحديات مماثلة تتمثل في الاستقواء بالخارج والتعنت من قبل هذه الجماعات.
إن نجاح الحكومة في تحقيق الاستقرار في الجنوب قد يشكل نموذجًا يُحتذى به في التعامل مع التحديات في الشمال الشرقي، وفي ظل هذه التحديات، يبقى الحوار الوطني هو المفتاح لتحقيق استقرار دائم.
إن محاولات بعض الأطراف تحويل السويداء إلى جبهة متقدمة لإسرائيل تتطلب محاسبة علنية أمام الشعب السوري. لا يمكن بناء عقد اجتماعي جديد من دون معالجة هذه التجاوزات ومحاسبة المتورطين في الاستقواء بالخارج. الحكومة، رغم تعقيد موقفها، تسعى لفرض السيطرة الأمنية ونزع السلاح من جميع الأطراف، لكن هذا الهدف يتطلب تعاونًا من المجتمع السوري بكل مكوناته.
في النهاية، سوريا اليوم بحاجة إلى صوت العقل والحكمة أكثر من أي وقت مضى، إذ إن التسامح، الحوار، والعدل هي السبل الوحيدة لتجاوز هذه الأزمة وإعادة بناء وطن موحد.
وعلى الجميع، من حكومة وشعب ومكونات مجتمعية، أن يتحملوا مسؤوليتهم في هذه اللحظة الحاسمة، لأن الوطن لا يتحمل المزيد من الخسائر، فلنعمل معًا من أجل سوريا التي تجمعنا، سوريا الوحدة والسيادة والاستقرار.
سوريا اليوم، وبعد أكثر من عقد من الحرب والدمار، تقف على مفترق طرق. فالتحديات الداخلية، من خلافات عشائرية وصراعات مصالح ضيقة، تتضافر مع الضغوطات الخارجية، لتخلق واقعًا معقدًا يهدد وحدة الأرض وسلامة الناس.
وفي ظل هذا الوضع الدقيق، لا يمكننا إلا مناشدة كل من يحمل همّ الوطن أن يرفع صوته عاليًا، داعيًا إلى التهدئة، ومبادرًا بالمبادرات الوطنية التي تضع مصلحة سوريا فوق كل اعتبار.
العقل والحكمة ليسا ضعفًا، بل هما قوة حقيقية، قادرة على صنع السلام حيث تفشل فيه البنادق. ومن هنا، تأتي الدعوة لكل الأطراف من أجل التحلي بالمسؤولية، وإعلاء قيم الحوار والتفاهم على لغة العنف والانتقام، فسوريا ليست ملكًا لأحد، وإنما هي وطن الجميع، يُبنى بسواعد المخلصين ويُحافظ عليه بوعي الحكماء.
تلفزيون سوريا
————————————–
أحداث السويداء اشتباكات بلغة التفاوض والهويّة/ شفان إبراهيم
20 يوليو 2025
لا شيء يُمزق النسيج الوطني السوري مثل دماء السوريين التي تُسال على أيدي السوريين. ولم تشهد دولة خرجت من النزاع والصراع أن حصلت على الاستقرار السريع، حتّى تنالها سورية التي أساساً فتّت نظام حزب البعث أركانها وكيانها وبُنيتها الصّلبة. وبغضّ النظر عن أيّ الروايات التي تسبّبت بكل هذا الألم والدماء هي الأصحّ، فإنّ بقاء الدولة السورية الجديدة، من دون تعريف واضح وصريح، يُخشى أن يقود إلى مزيد من هذه المشكلات والمواجهات التي لن تمنح السوريين، المبتلين بلوثة حكم البعث نصف قرن، استقراراً ولن تؤمن لهم سوى مزيد من الدمار والخراب. ومع الاهتمام بالأصوات التي تتعالى عن الأسباب العميقة والأساسية لتكرار الاشتباكات إلى غياب سؤال الهويّة عن مستقبل البلاد، يُخشى أن يكون ذلك مُمهداً لسلوكيات مُشابهة في أكثر من منطقة جغرافية سورية، وسيبقى الأكثر رواجاً وتشكيلاً للمخاطر المستقبلية.
ولهذا؛ لا يُمكن ولا يجوز النظر إلى ما يحصل على أنها حالات فردية، أو توترات صغيرة ستنتهي بمجرد انتهاء الاشتباكات، بل الاستمرارية الكبرى هي فيما بعد ذلك الانتهاء، فالجوانب النفسية والعاطفية المُحركة للسلوكيات ستبقى ناراً تحت الرماد، ما لم تُعالج التداعيات فوراً، وهي المعالجات التي لا تجري بخطب سياسية أو سرديات شفهية، بل تحتاج حلولاً عميقة ترتبط بمسبّبات الأزمات والاشتباكات، خصوصاً أنّ الاشتباكات في السويداء أخيراً حصيلة تراكمات وتوترات سابقة، إضافة إلى الفراغ المؤسّساتي الحكومي والأمني والعسكري، والتي هي من نتائج غياب سؤالَي الدولة والهويّة.
وإذا كنّا إزاء مشهد عنفي واضح في السويداء، وقبلها في أحياء وجود الدروز في دمشق، وقبلها في الساحل، ومع توسيع مخاوف المجتمعات المحلية في شمال شرق سورية، فإن أهم سؤال يجب البحث فيه كيفية تحويل الأمن العام إلى وعاء جامع حامٍ تُشبك فيه خيوط الود والالتزام والانسجام مع المجتمعات المحلية. هذا التحوّل المفقود حالياً لا يُمكن ولا يجوز مُعالجته عبر الحلول الأمنية. ليس في السويداء فحسب، بل إنّ الغالبية العظمى من المشكلات والتوترات والصراعات التي تظهر في سورية ما بعد النزاع، تكمن حلولها في الجانب السياسي وليس الأمني.
وبإحاطة سريعة لسلسلة الاشتباكات والمواجهات نجد أنّه في 1 مارس/ آذار الماضي (2025)، اندلعت اشتباكات مسلحة في مدينة جرمانا بين عناصر الأمن العام ومجموعات درزية مُسلّحة، في المحصّلة قُتل شخص وأصيب تسعة آخرون. مع انتشار كثيف للفصائل المسلحة المحلية الدرزية في المدينة، وجاء التصعيد على خلفية مقتل عنصر من الأمن العام عند أحد الحواجز التي وضعتها تلك الفصائل. وفي 26 من الشهر نفسه، اندلعت اشتباكاتٌ بين مجموعات من محافظة دير الزور ومجموعات مسلحة من الطائفة الدرزية في مدينة صحنايا جنوب دمشق، إثر خلاف تحول إلى إطلاق نار، خلف قتلى وجرحى من الجانبين، وتوقفت المواجهات بعد تدخل الأمن العام.
وفي 8 مايو/ أيار، شهدت صحنايا وجرمانا والأشرفية أشد تلك الاشتباكات، وأكثرها عنفاً، إذ سعت أرتال عسكرية شعبية من السويداء للمشاركة فيها، وتدخل شيوخ العقل والنخب السياسية الحاكمة من دمشق ومحافظو السويداء وريف دمشق والقنيطرة. وتُعد جرمانا، وعلى نحوٍ خاص صحنايا، ذات تنوّع طائفي مختلط، إذ تضم الدروز والمسيحيين وأبناء من حوران، إضافة إلى بعض أبناء محافظة دير الزور. وحالياً، عاد مشهد المواجهات والاشتباكات إلى الظهور في السويداء، مع إضافة تحرّك سلاح الجو الإسرائيلي وقصفه دبابات سورية، بزعم أنها تجاوزت ما وصفه مصدر أمني الخط الذي حدّدته تل أبيب داخل سورية، فهاجمتها الطائرات الإسرائيلية. وتفضح هذه الرواية تحديداً حجم الحاجة الماسّة لِلَمّ شمل السوريين على قرار ورأيٍّ واحد، إذ لا مُنتصر في المواجهات السورية السورية غير إسرائيل.
لا شيء يحصل مصادفة، بل ثمّة رسائل سياسية وهويّاتية ونفسية خلف كُل تلك النزاعات. والسبب غياب مفهوم الدولة وعدّم القيام بواجباتها. والواضح من سياق تتالي الأحداث بين الدروز والإدارة السورية أنّ خلفيات متقاطعة ومشتركة تدفع إلى استمرار الأزمات، من أهمها الاختلافات السياسية والعسكرية، وتباين مواقف المجموعات الدرزية تجاه الإدارة الجديدة في دمشق، والوجود الأمني لغير السوريين، إضافة إلى تسبّب الإعلان الدستوري بكتلة ضخمة من المشكلات والتوترات بين مختلف الجماعات السياسية والطوائف الدينية، بسبب غياب مفهوم الاعتراف الإثني والسياسي بهم وبخصوصياتهم. خاصّة أنّ المركز لم يُعطِ إشارات طمأنة للأقليات والمناطق ذات التنوع الديني. وعمَّقت الشرخ أكثر التحدّياتُ الأمنية والاقتصادية المتدهورة. ولعلّ أبرز سؤال يتبلور في تحليل ما يحصل، لماذا لا يكون الحوار والتواصل الركيزة الأساسية لحل تلك المشكلات عوضاً عن لغة السلاح؟ أو ما يعرف في علم الاجتماع السياسي بالصراع الهوياتي، وهو قائم على شعور التمييز والتهميش لهم من الدولة وأذرعها الأمنية، ويتطور الأمر إلى النظر إلى بعض الممارسات الأمنية أنها موجّهة ضد “الهويّة الجماعية” لتلك الفئة، لا ضد أفراد بممارسات خارجة عن القانون.
تُشكل حقوق الهويّة بالنسبة للطوائف إطاراً وجودياً وسياسياً وأمنياً، ومصدرَ الشعور بالأمان، وبمجرّد ولادة شعور أن الدولة تتعامل معهم بوصفهم مشتبهاً فيهم يُصبح الاشتباك وسيلة للرد على تلك التّهم والإقصاء. وضمن السياق الهويّاتي، يقود العمق النفسي أهالي السويداء، وكغيرهم على أيّ حال، وبسبب غياب المشروع الوطني الجامع، وغياب العقد الاجتماعي والعدالة الانتقالية، يقود للقول “أنا هنا موجود، بصرخة وجودية، أنا درزي ولا يُمكن تجاوز هويّتي”، أيّ أن الاشتباكات تُصبح عملاً دفاعياً عن الهويّة. وأمام سيولة المشهدين، النفسي والفلسفي، لقضية الهويّة، والضغط النفسي والسلوك الرافض آلية التعامل مع الجماعات التي تشعر بالغُبن، تدفع بهم أحياناً إلى اعتقاد أن تمركز عنصر أمني بزّي معين في حيّ أو منطقة ما رُبما يتطور الأمر لاعتباره “تهديداً لهويّة جماعية”، حتّى لو لم يكن هناك أيَّ تهديد مباشر. وهو ما يمنح الاشتباكات وظيفة أخرى، هي التفاوض للتعبير عن المطالب السياسية والاجتماعية، وما لها من أدوار في إعادة تشكيل التوازنات السياسية في سورية.
تعتقد الأقليات القومية والدينية أنّ ما يجري في سورية حالياً إعادة طرحٍ لمفهوم الهويّة الأحادية للهيمنة. ولكن في قالب جديد، وهو الهيمنة الناعمة، ومحاولة التغلغل في البنى الذهنية والمعرفية للضحايا، والسعي إلى إقناعهم بأن ما يجري مؤقت، وغير دائم، وأنّهم “جزء من النسيج الوطني السوري”. وفي الواقع، يجري الحفاظ على رِتْم (إيقاع) الهويّة المراد لها بالسيطرة، عبر مؤسّسات التربية والتعليم والإعلام والأمن، من خلال تكريس تراتبية اجتماعية وثقافية وفرض لغة وقومية وطائفة وديانة مُحدّدة. وهذا النوع من العنف لا يُنفّذ من الأعلى إلى الأسفل فحسب، بل إنه يسعى إلى إعادة إنتاج وعي جمعي جديد في اللاوعي الشعبي، سواء لدى المعترضين والضحايا أو لدى الفئة المسيطرة؛ رغبة من السلطة في إعادة تشكيلها الهويّات وفقاً لما ترغب به. ويقابله وعي فردي وجمعي بالهويّة الفرعية لتتمسّك بها الجماعات التي تشعر بالخطر، وتصرّ على ربط الاستقرار بالاعتراف بهويّتها. أو أن أزمة الهويّة ستستمر في شكل مقاومة رمزية أو عنفية، وتحرّك الهويات المُهدّدة جماعاتها لتأييد العنف الرمزي ورفض الإقصاء والإلغاء الاجتماعي والسياسي والديني.
ما حصل في مدن الدروز وأحيائهم، وما حصل في الساحل، ومن يدري ربما يحصل في أماكن أخرى أيضاً، يكشف عن عمق التوتر بين السلطة والمكونات، بين الهيمنة والمقاومة، ويدفع إلى القول هل السوريون على ضفتَين متصارعتَين متقابلتَين أم في ضفة واحدة وركاب سفينة واحدة. وهو ما يدفعنا إلى التساؤل بشأن البحث عن ديناميكيات جديدة للتعامل والحوار، عوضاً عن التسلط المعنوي أو المادي أو مفهوم السيطرة والتسيُّد، والقول إنّ لغة السلاح والدم لن تقود إلى أيّ نتائج مُرضية لأحد.
ما حصل في السويداء انتحار جماعي، سياسي وعسكري لكل سورية. الجميع مُلزم بدعم صرخات الكرامة، وتحريم هدر دماء السوريين. لا يخدم الاستنزاف سوى من يعمل على تهميش السويداء واستمرار تدفق الدم السوري، وفي وقتٍ تُعاد صياغة الخرائط، فإنّ السويداء تُدفع إلى الهامش والمواجهة والحرب الخاسرة. وفي النهاية، الواعظ النفسي وتراكم الحزن لن يُقدم لمستقبل البلاد أيّ استقرار وتنمية مستدامة.
العربي الجديد
—————————-
دمشقُ بين الدروزِ والعلويين والأكراد/ عبد الرحمن الراشد
20 يوليو 2025 م
صَحيحٌ أنَّ بشارَ الأسد خرجَ من القصر مساءَ يوم السبت 7 ديسمبر (كانون الثاني) ودخلَه أحمدُ الشَّرع اليومَ التَّالي بدون إطلاق رصاصةٍ واحدة في العاصمة. إنَّها حالةٌ نادرةٌ في التاريخ، معَ هذَا فإنَّ دربَ الحكم الجديد ليست معبدةً ولا الرّحلة سلسة. طريقُ التغيير من إدلب إلى دمشقَ كان مفتوحاً لأنَّ الأغلبيةَ في سوريا والمنطقةِ والعالمِ راغبةٌ فعلاً في التَّغيير.
أمَّا عمليةُ اقتلاعِ نظام الأسد نفسُها فقد كانت مخاضاً طويلاً ودامياً، وربَّما أكثر عملياتِ التغيير تعقيداً في المنطقة، ومن هذا المنطلقِ يفترض أن نقرأَ الأحداثَ الحَالية في هذا السّياق، وليس في سياق ساعةِ النَّصر. لم يمنعِ التفاؤلُ والحماسُ والتأييدُ الواسع من وقوعِ الأحداث السياسية… مواجهات السَّاحلِ مع علويين، وتفجير كنيسةٍ للمسيحيين في دمشقَ، وخلافات مع دروز السّويداء و«قسد» في الرّقة. الأزماتُ التي وقعت، والأزماتُ التي قد تقعُ لاحقاً، مُتوقَّعةٌ. فالدّاخل أجمعَ على إخراجِ الأسد، وسيحتاج النّظامُ البديلُ إلى وقتٍ ليبنيَ الثقة. وهناك المحيط الإقليمي المأزوم، ففيه متضرّرون من التَّغيير، وسيحتاجونَ وقتاً لاختبارِ الأمر، والقبول بالواقع الجديدِ والتعاون معه.في خِضمّ مواجهاتِ المكوّناتِ المحليَّة، هناك فئتانِ خَطرتان عليه، الأولى معاديةٌ، أبرزُها فلولُ النّظام السَّابق، وقوى في إيران، وعصاباتٌ محليَّةٌ مثل مافيات المخدّرات. هؤلاء سيسعونَ مراراً وتَكراراً لخلقِ مناخ تصادميّ يكبر مع الوقت، وسيدفعونَ باتّجاه تقزيمِ سوريا وإشغالِ دمشقَ في معركةِ طويلةٍ وظهورِ أقاليمَ مستقلة. والفِئَةُ الثَّانيَةُ من صُلبِ النِّظامِ، أو تَحْسِبُ نفسَهَا عليهِ، تشاركُ في خلقِ الأزمات، ولهَا وجهاتُ نظرِها في إدارةِ البِلادِ والعلاقةِ مع العَالم. وهذه المواليةُ لا تقلُّ خطراً على السُّلطةِ من المُعاديةِ لأنَّهَا تفتحُ المعاركَ، وتعمِّقُ الخِلافاتِ. خطرُهَا أنَّهَا تَجُرُّ السُّلطةَ السوريةَ لمواجهةِ النّظامِ الإقليمي وَتَستدعِي القوَى الخارجيةَ للاستثمارِ في حربٍ أهليةٍ مَحَلِيَّة.هذهِ الأفخاخُ تَتطلَّبُ حكمةً في المعالجةِ حتى لا تَشغلَ الحكومةَ عن تنفيذِ المَهمَّةِ الأصْعبِ، وهيَ بناءُ الدَّولةِ الجديدةِ التي تنتظرُها غالبيةُ السوريين، من تحسينِ المعيشةِ، والانتقالِ إلى دولةٍ حديثة.للشَّرعِ شعبيةٌ داخليةٌ عليهِ أن يعززَها حتى لا تتآكلَ نتيجةَ تحدياتٍ كثيرةٍ مقبلة، أبرزُها الخبزُ والغلاءُ وتدنِي المرتبات وتباطؤُ وصولِ المساعداتِ الخارجية. وهيَ تحدياتٌ لا علاقةَ لإيرانَ أو للفلولِ بها، تضافُ إلى الحاجةِ إلى إطفاءِ الشّجار الاجتماعيّ الَّذِي هو في حدِّ ذاتِه مشروعُ حربٍ أهليَّة. فالمنخرطونَ فيهِ باسمِ الحُرياتِ أو الدّفاعِ عن النّظام أو ضدّهِ يعملونَ على تأجيجِ مُكوناتِ السُّكانِ المتناقضةِ المسكونةِ بالقلقِ والرّيبة.المجتمعُ الدوليُّ يريدُ دولةً مدنيةً تديرُ منظومةً أمنيةً وعسكريةً منضبطة، ونظامُ دمشقَ جديدٌ يحتاجُ إلى وقتٍ حتى يرتّبَ صفوفَهُ ويكسبَ الفئاتِ السوريةَ المتعددة. لنتذكّرَ أنَّ حافظَ الأسد في الوقتِ الذي قدَّمَ نفسَه حاميَ الأقلياتِ، وضعَ على يمينِه ويسارِه عبدَ الحليم خدام ومصطفَى طلاس.ثمَّ إنَّ هناك في المنطقة قوًى فَشِلَتْ في خلقِ أنظمةٍ متطرفةٍ وتريدُ سوريا أنْ تكونَ غزةَ أو افغانستان.
الشَّرعُ فورَ دخولِه العاصمةَ أعلنَ عن انفتاحِه على الجميع وأنَّ همَّه سوريٌّ وليسَ أمميّاً. وأظهرَ اعتدالاً فاجأ الكثيرينَ وأدارَ علاقاتِه ببراغماتيةٍ تنسجمُ مع مَا وعدَ به.لهذا سوريا لن تكونَ النَّموذجَ الإيرانيَّ الذي علَى وشكِ الغروبِ، ولا أنْ تحاربَ عن الآخرين، ضد إسرائيلَ أو إيران، ولا يُفترضُ أن تسمحَ للآخرين أن ينقلوا معاركَهمْ إلى داخلِهَا.وَسطَ هذه التجاذباتِ الإثنيةِ والطائفيةِ والإقليمية، فإنَّ المسارَ سَيستَمِرُّ صَعباً. فالنِّظامُ ورثَ بلداً مدمراً منتهكاً من قوًى داخليةٍ وأجنبية، وسَيتطلَّبُ لمعالجتِه المهاراتُ السياسيةُ لا العضلات، وحاسةٌ سادسةٌ تستبقُ الأزماتِ وتطوّقُهَا.
الشرق الأوسط
—————————
سوريا ومسار الحوار الوطني الشامل/ د. ناصيف حتي
20 يوليو 2025 م
اتفاق وقف إطلاق النار في السويداء وانسحاب الجيش السوري يشكلان حلاً مؤقتاً، وبالطبع أكثر من ضروري، لحفظ الأمن والاستقرار. يشير الاتفاق إلى أنه «يهدف إلى إعادة بناء الثقة بين أبناء السويداء والدولة السورية، وضمان أمنهم واستقرارهم، وأن تبقى سوريا آمنة لجميع أبنائها». الاتفاق خطوة أكثر من ضرورية، لكنه يبقى حلاً هشاً قابلاً للسقوط، ما دام التوتر السياسي والأمني قائماً. توتر يتغذى عند البعض على ما حصل من أعمال عنف في المنطقة ومسبباتها، كما على ما حصل في الساحل السوري، وأيضاً من المجهول الذي قد يتأتى من أحداث مختلفة من جهة، وعند البعض الآخر من مخاوف من محاولات إلهاء السلطة الجديدة عبر إغراقها في حروب وصراعات داخلية بعناوين مختلفة من جهة أخرى. ولا تخفى محاولات إسرائيل الاستفادة من الوضع السائد لإقامة «جنوب لبنان جديد» في سوريا، كما فعلت في الماضي في لبنان. وما يعزز هذا التوجه احتلال إسرائيل للمنطقة العازلة في الجولان وإسقاط اتفاقية فض الاشتباك الموقعة في 31 مايو (أيار) 1974 بين الطرفين، والعمل على فرض إقامة منطقة منزوعة السلاح في الجنوب السوري، مما يشكل خرقاً فاضحاً ومستمراً لسيادة سوريا على أراضيها، إلى جانب استمرار الاعتداءات على سوريا.
من أهم العوامل التي تعزز أجواء التوتر والمخاوف في سوريا التي تواجه تحديات جمة في عملية إعادة بناء الاستقرار، وجود تنظيمات ومجموعات مسلحة ما زالت فاعلة على الأرض، وقادرة على القيام بأعمال عنف تحمل تداعيات خطيرة على مسار بناء سوريا الغد. هذه الأطراف يحركها منطق الانتصار والانتقام وهي تحاول فرض رؤيتها على الآخر، الشريك في الوطن، ولكن المختلف في الانتماء الهوياتي ما دون الوطني (الطائفي والإثني والمذهبي) للوصول إلى تنظيم المجتمع والدولة حسب رؤيتها. السلطة الجديدة أمام تحدي إفشال هذا التوجه الذي يهدد السلم الأهلي. تحدٍ لا يقل أهمية إذا ما تم التعامل معه بنجاح، عن العمل على إعادة ترتيب علاقات سوريا مع الأسرة العربية ومع العالم، والذي هو هدف أكثر من ضروري في عملية إعادة بناء الدولة، وولوج مسار التنمية الشاملة. وقد خطت سوريا خطوات أساسية وهامة في هذا المجال.
إن المطلوب اليوم قبل الغد المبادرة إلى إطلاق مسار حوار وطني شامل يمثل المكونات الوطنية كافة للشعب السوري. حوار يهدف إلى بناء نظام جديد يقوم بشكل خاص على مفهومين أساسيين: أولاً المساواة في المواطنة، وليس على التراتبية المقنعة، وذلك كمضمون وممارسة وليس كشعار فضفاض دون أي معايير لتحديد هذا المفهوم. ثانياً، بسبب وجود هويات متنوعة، في زمن إحياء وعودة الهويات ما دون الوطنية والعابرة للوطنية في الإقليم الشرق أوسطي بشكل خاص، ضرورة العمل على إقامة نظام حسب نموذج أو صيغة الديمقراطية التوافقية أو التشاركية. الصيغة التي لا تلغي دور أحد من المكونات، بل تنظم السلطة على أساس مشاركة الجميع وصحة التمثيل وتحصين الحقوق، ولو اختلفت الأوزان بين هذه المكونات. ولا بد من التذكير بأن الديمقراطية التوافقية تبقى الصيغة الضرورية في المجتمعات التي تضم هويات أولية مختلفة، في زمن إحياء الهويات الأولية، أحياناً بصيغ متشددة، وذلك تحت سقف الهوية الوطنية الجامعة: هويات تغني وتعزز الهوية الوطنية المشتركة إذا ما أحسن تنظيم هذه العلاقة.
وفي هذا السياق، لا بد من الإشارة إلى أن «نظام الطائف» الذي أنهى الحروب اللبنانية وغيرها في لبنان؛ تلك الحروب التي قامت تحت تسميات مختلفة، يشكل نموذجاً للاقتداء به، والاستفادة من بعض دروسه، بشكل عام في الحالة السورية. ولا بد من التذكير في هذا السياق بالدور الرائد الذي لعبته المملكة العربية السعودية في احتضان المؤتمر، والدفع نحو إنجاح الأهداف التي انعقد لأجلها.
لم يفشل اتفاق الطائف في لبنان، كنموذج للحكم كما يدعي البعض، بل ما حصل هو أن الخروقات الفاضحة والمستمرة له من أهل السلطة منعت من تطبيقه كلياً. أضف أن «الطائف» للتذكير يفتح الباب كلياً أمام كل عمليات الإصلاح الممكنة والضرورية والتدريجية للدولة، وهو ما لم يتم الأخذ به مثل موضوع اللامركزية الإدارية التي تركت جانباً، وهذه الأخيرة، كمثال ينظر فيه، قد تكون ضرورية كتسوية تنظيمية عملية وفاعلة بين دعاة الدولة شديدة المركزية من جهة، ودعاة الدولة ذات النظام الفيدرالي كما تطالب القوى الكردية في سوريا بشكل خاص من جهة أخرى.
خلاصة الأمر، أن إطلاق مسار صياغة عقد اجتماعي جديد في سوريا (وأقول عقد وطني بالمعنى الشامل) للأسباب التي أشرت إليها، أمر أكثر من ضروري، رغم التحديات التي أمامه. التحديات التي ستزداد مع الوقت شدة وتعقيداً وتداعيات إذا لم يتم إطلاق هذا المسار ورعايته ومواكبته عربياً بشكل خاص. فالاستقرار المجتمعي ضروري لسوريا، ولأمنها الوطني، وللأمن العربي، وكذلك الإقليمي.
الشرق الأوسط
————————–
سوريا… مشروع «مارشال» العربي/ عبدالله بن بجاد العتيبي
20 يوليو 2025 م
تعقيدات المشهد السوري اليوم تكتنز كلَّ تعقيدات السياسة والجغرافيا والتاريخ، وكلَّ تشابكات الهويات والآيديولوجيات والمصالح الدولية في منطقة الشرق الأوسط، وكل من تعلم أن الحياة حقٌ وباطلٌ، أبيض وأسود، لن يستطيع التعايش مع الأوضاع الجديدة في سوريا فضلاً عن أن يجد لها حلولاً ناجعة.
مشروع «مارشال» مشروعٌ أطلقته الدول الغربية بعد انتصارها في الحرب العالمية الثانية لإنقاذ ألمانيا المهزومة، وقد دفعت فيه عشرات الملايين من الدولارات لكي تستعيد ألمانيا قوتَها ولا تنهار انهياراً كاملاً بعد الهزيمة، وذلك خلافاً لما صنعت أميركا في أفغانستان والعراق، اللذين لم يشفيا من هزائمهما بعدُ، على الرغم من مرور ربع قرنٍ، وعاثت فيهما الأصولية والإرهاب والطائفية، وسوريا اليوم يجب ألا تسير في هذا الطريق السيئ.
أطلقتِ الدولُ العربية وعلى رأسها السعودية ودول الخليج مشاريعَ عدةً لإنقاذ الدول أو الشعوب العربية على مدى عقودٍ من الزمن، والدولة السورية والشعب السوري اليوم بحاجةٍ ماسةٍ إلى «مشروع إنقاذٍ عربيٍ» أو «مشروع مارشالٍ» عربيٍ حقيقيٍ ومتكاملٍ، يصرّ على وحدة الأراضي السورية وحماية كل مكونات الشعب السوري ويرفض أي اعتداءاتٍ من أي طرفٍ ضد الآخر، سواء من الحكومة أم من أحد المكونات، ويرفض أي تدخلاتٍ خارجيةٍ من إسرائيل أو من غيرها.
سقوط نظام الأسد ليس نهاية التاريخ، بل بداية صفحةٍ جديدةٍ منه، صفحة يجب بناؤها بعقلٍ سياسيٍ حصيف وقراراتٍ دبلوماسيةٍ راقيةٍ تتحسس أدق المخاطر وتتلمس أعمق المخاوف وتعالج المتغيرات، وبكل صدقٍ وأمانةٍ فالإدارة الجديدة للحكم في سوريا بحاجةٍ إلى كثيرٍ من الدعم الفكري والسياسي والدبلوماسي والأمني قبل الاقتصادي، لتستطيع النجاة بسفينة سوريا في خضم عدم الاستقرار الداخلي، والتغيير الواسع في منطقة الشرق الأوسط، حتى تستطيع الوقوف على قدميها مجدداً.
على طول التاريخ وعرض الجغرافيا، تعلمت البشرية أن خطاب الثورة يختلف تماماً عن خطاب الدولة، وأن نجاح الثورات يجعلها بالضرورة تصطدم أول ما تصطدم بجنود الثورات المخلصين، المقاتلين الشرسين، وهم مَن يتصدون بطبيعة البشر لرفض أي حلولٍ وسطية أو توافقاتٍ.
التصرفات التي ارتكبت في «السويداء» من أطراف عدة توضح حكمة كونفوشيوس حين قال: «عندما تقف بعوضة على مناطقك الحساسة، حينها فقط ستدرك أن هناك طريقة لحل المشكلات دون عنف»، وهي حكمةٌ تاريخيةٌ يجب أن يتعلمها الجميع ممن وجدوا أنفسهم فجأةً أحراراً.
التاريخ في أحيانٍ كثيرةٍ أقوى من السياسة، والسياسي المحنك هو من يستطيع تطويعه لخدمة أهدافه النبيلة، لا معاندته ومصادمته، وفي سوريا ما بعد الأسد كثيرٌ من التاريخ المهمل أو الذي عُدّ جانبياً وهامشياً، ولكنه يعود في كل مرةٍ ليسيطر على المشهد برمته، ويخلط الأوراق ويبعثر المعادلات.
الأقل معرفةً فقط ينظرون لتعقيدات المشهد السوري دينياً وطائفياً ومذهبياً وعرقياً، وثقافياً واجتماعياً وسياسياً، على أنه مشهد بسيط يمكن التعامل معه عبر معادلةٍ بسيطةٍ جداً، وكثيرٌ منهم لا يدرك حقاً حجم التعقيدات والتشابكات والأبعاد التي قد تؤثر بشكلٍ فاعلٍ وقويٍ على المشهد كله.
يستطيع أي مراقبٍ للمشهد أن يقول للدروز استمعوا لـ«وليد جنبلاط» إنه يختصر لـ«بني معروف» قروناً من الزمن في حكمةٍ صافيةٍ ووعيٍ سياسيٍ للنجاة ضمن التعقيدات كما يشهد تاريخه الطويل، كما يجب أن تخلق الدولة السورية الجديدة جهةً استشاريةً تكون ملجأً للرأي والحكمة، وقد علمنا التاريخ أن الثورات الناجحة تأكل أبناءها.
من الواجب على أصدقاء سوريا من الدول العربية أن تضع ضمن «مشروع مارشال» لإنقاذ سوريا توفير العقول والكفاءات التي تعين صانع القرار السوري على اتخاذ القرارات لمصلحته ومصلحة سوريا وشعبها ومصلحة المنطقة ككل، وأن ما يمكن تحصيله من دون القوة هو أجدر وأبقى أثراً مما يمكن تحصيله بالقوة، إذ لا تبنى الدول بعد الثورات إلا على «قوة التواضع» النابعة من كل مكونات الشعب.
أخيراً، فساحل العلويين وسويداء الدروز ومناطق «قسد» الكردية كلها مناطق سوريةٌ أصيلةٌ، ولكن التعامل معها جميعاً يجب أن يكون واعياً بالهويات القديمة وتشابكاتها المعقدة ومخاوفها العميقة.
الشرق الأوسط
—————————
زلّة لسان توم برّاك/ سناء الجاك
سناء الجاك
نشر في: 19 يوليو ,2025
تعود «وحدة المسار والمصير»، بالمعنى السلبي، بين سوريا ولبنان لتطلّ برأسها، وللأسف وفق معادلة الدم بالدم، وبتقاطع مصالح إقليمية، وربما برعاية أميركية كشفتها زلّة لسان الموفد الأميركي توم برّاك بحديثه عن «بلاد الشام».
فما يحصل بين دروز السويداء والعشائر العربية قد يشكّل بوابة لهذه العودة، إن تفاقم الصراع الحالي بين الطرفين، وعجزت الدولة السورية عن وقفه وبسط سيادتها، ليتمدّد وصولًا إلى لبنان، في حال نشطت الخلايا التخريبية المتضرّرة من سقوط النظام الأسدي، ومع تقاعس الدولة اللبنانية عن الالتزام بخطة واضحة لنزع السلاح غير الشرعي المنتشر على الأراضي اللبنانية، سواء بيد «حزب اللّه» أو الفصائل الفلسطينية، أو الأحزاب والجماعات التي لا وجود ولا حيثية لها إلّا بالفوضى الأمنية.
فالنشاط الإسرائيلي المتحفّز لابتلاع المزيد من الأراضي السورية بادّعائه حماية الدروز، يشي بمخطط لم يتوقف أصلًا، لتعزيز حلف الأقليات، تحت شعار الحماية، واستدراج الطوائف «الخائفة» إلى مذابح وجرائم إبادة سواء بحق الأكثرية، أو بحق بعضها البعض، كما كانت الحال في لبنان خلال الحرب الأهلية، لدفع الطوائف إلى التطرّف والانخراط في دورة الدم بالدم، وإلى إطلاق النفير العام لنجدة جماعاتها، كما تفعل عشائر البدو، التي تطالب «الحكومة السورية بعدم التدخّل أو عرقلة تحرّك المقاتلين الذين يمارسون حقهم المشروع في الدفاع عن المظلومين».
فالهدف الأوحد والمستمرّ للقادة الإسرائيليين منذ 1948، كان ولا يزال إقامة دويلات طائفية في المنطقة، تتقاتل وتتنابذ، ليبرّروا بقاء دولة «يهودية» صافية، ويواصلوا اعتداءاتهم على دول الطوق بحجة الدفاع عن النفس. والمفارقة أن هذا الهدف وجد من ينبري لتحقيقه من القوى الإقليمية، سواء أكانت إيران التي سعت لتصدير ثورتها منذ قيام جمهوريتها الإسلامية، لتنشر هلالها الشيعي وتنشئ له أذرعه الميليشياوية التي قوّضت دولها، أم النظام الأسدي العلوي الذي نكّل بالطائفة السنية التي تشكّل أكثرية الشعب السوري، وخلَّف مظلوميّة تحتاج أجيالًا لمحو تداعياتها…
فالعدوّ الإسرائيلي يهتمّ باستغلال أقليات تشعر بالخوف من الأكثرية لأغراض سياسية وأمنية من خلال قضم الأراضي السورية واللبنانية. هكذا فعل في لبنان ليتخلّص من منظمة التحرير الفلسطينية، وهذا ما يقوم به حيال دروز السويداء، لينفّذ مخططًا قديمًا لتقسيم سوريا حتى لا تكون دولة قوية.
وبالطبع لا يعارض أصحاب مشروع «وحدة المسار والمصير» التخريبي وليس الإيجابي، بالهدف الإسرائيلي، بل يتواطؤون معه إذا ما استدعت مصلحتهم الخاصة ذلك. وقطعًا، هم لا يتوقفون عند عدد الضحايا ممن يدّعون حمايتهم، سواء أكانوا دروزًا، أو علويين، أو شيعة، أو مسيحيين.
المهم لدى إسرائيل ومن يتقاطع معها وإن ناصبها العداء، تكريس النفوذ، حتى لو استدعى ذلك قيام دويلات لأقليات بلاد الشام تشكِّل البديل عن الدول الحالية القائمة. لأن الاستثمار أجدى في كيانات مفخّخة ومتفجرة لا حياة ولا مستقبل لها.
نقلا عن “نداء الوطن
————————
ماذا تضمّن اتفاق وقف إطلاق النار في السويداء؟
السبت 2025/07/19
أكد وزير الإعلام السوري حمزة مصطفى، أن وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ فجر اليوم، في محافظة السويداء جاء استجابة لنداءات الوسطاء الدوليين، ولحماية المدنيين والحد من اتساع رقعة النزاع. وأوضح أن الدولة السورية عملت منذ بداية التوتر على تجنب مواجهة عسكرية مفتوحة، لأن ذلك سيعرقل المسار التنموي للبلاد.
وأشار مصطفى إلى أن بعض المجموعات المسلحة اتجهت نحو التصعيد بأعمال انتقام وتهجير ممنهج، بينما تمسكت الدولة بخيار الحلول السياسية والسلمية. واعتبر أن حالة الفوضى التي شهدتها السويداء ليست جديدة، إذ غذتها تحركات عناصر ما يُعرف بـ”المجلس العسكري” الذي ساهم في توسيع الهوة الاجتماعية.
وبين أن الاتفاق الذي تم التوصل إليه يتكون من ثلاث مراحل أساسية: تبدأ بانتشار قوى الأمن الداخلي لفض الاشتباكات وتأمين الطرق الرئيسية، تليها مرحلة إنسانية تشمل فتح معابر بين السويداء ودرعا لخروج المدنيين والجرحى، ثم مرحلة ثالثة تهدف إلى تفعيل تدريجي لمؤسسات الدولة وفرض القانون، بما يعيد الحياة الطبيعية للمحافظة.
لقاء ثلاثي في عمّان
واستضافت العاصمة الأردنية عمّان، اليوم السبت، لقاءً ثلاثياً جمع نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي، ووزير الخارجية والمغتربين السوري أسعد الشيباني، وسفير الولايات المتحدة لدى تركيا والمبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توماس باراك.
وبحسب بيان لوزارة الخارجية الأردنية، تناول اللقاء تطورات الوضع في سوريا وجهود تثبيت وقف إطلاق النار الذي أُنجز فجر اليوم في السويداء، في خطوة تهدف إلى حقن الدم السوري وحماية المدنيين.
وخلال المباحثات، أكد الصفدي وبارِاك دعمهما الكامل للاتفاق، وأشادا بجهود الحكومة السورية لتطبيقه. كما شددا على تضامن الأردن والولايات المتحدة مع سوريا، مؤكدين أن استقرارها ووحدة أراضيها يمثلان ركيزة أساسية لاستقرار المنطقة بأكملها.
خطوات تنفيذية ودعم دولي للتهدئة
واتفق الصفدي والشيباني وبارِاك على حزمة خطوات تنفيذية لدعم الاتفاق، أبرزها تثبيت وقف إطلاق النار، وانتشار قوات الأمن السورية في المحافظة، وإطلاق سراح المحتجزين لدى جميع الأطراف. كما ركزت المباحثات على تعزيز جهود المصالحة المجتمعية في السويداء، وإدخال المساعدات الإنسانية، ودعم السلم الأهلي.
ورحّب الصفدي وبارِاك بالتزام الحكومة السورية بمحاسبة المسؤولين عن أي تجاوزات بحق المدنيين، وبمبادراتها الرامية إلى نبذ الطائفية وخطاب التحريض والكراهية. من جانبه، ثمّن الشيباني الدور الأردني والأميركي في التوصل إلى الاتفاق، مؤكداً التزام دمشق بتنفيذه خطوة بخطوة حتى عودة الأمن والاستقرار إلى كامل الأراضي السورية.
دولياً، حضّت باريس اليوم، الأطراف كافة على احترام وقف إطلاق النار الذي أعلنته السلطات السورية في السويداء.
وقال الناطق باسم وزارة الخارجية الفرنسية إن “فرنسا ترحب بإعلان وقف لإطلاق النار في منطقة السويداء. وهي تحضّ الأطراف كافة على احترام كامل له والإحجام عن أيّ فعل أحادي. لا بدّ من أن تتوقّف المعارك وأعمال العنف على الفور”.
———————————–
بضغط من روبيو ومشاورات سورية-سورية برّاك يكشف عن اتفاق مبدئي لإلقاء السلاح يشمل العشائر/ منهل باريش
20 تموز 2025
أعلن المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا توماس براك التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق نار بين سوريا وإسرائيل وأن تركيا والأردن وبعض الجيران تبنوا الاتفاق، داعياً الدروز والبدو والسنة إلى إلقاء أسلحتهم والعمل مع الأقليات الأخرى على بناء هوية سورية جديدة وموحدة في سلام وازدهار مع جيرانها.
وجاءت المفاوضات بعد اتصالات إقليمية ودولية قادها المبعوث الأمريكي الخاص عقب الأربعاء الدامي في سوريا وتصاعد الأزمة بين دمشق وتل أبيب وقصف الطيران الحربي الإسرائيلي مقر وزارة الدفاع السورية في ساحة الأمويين إضافة إلى قصف الساحة الخلفية في قصر الشعب حيث يقيم الرئيس الشرع.
وأفاد مصدران دبلوماسيان سوريان مطلعان على تفاصيل المفاوضات لـ «القدس العربي» أن وزير الخارجية الأمريكية ماركو روبيو أجرى اتصالا بالقيادة السورية ليل الجمعة، بهدف «حثها على احتواء التوتر مع إسرائيل وخفض التصعيد «.
وفي تفاصيل عملية التفاوض، قال أحد المصادر إن «الجانب السوري لم يتواصل مع إسرائيل مباشرة، وكانت المفاوضات سورية ـ سورية، رغم الاتصالات الدولية والإقليمية، ولم يتدخل أي من الدول في نص الاتفاق»، وزاد أن العميد أحمد الدالاتي رئيس فرع الأمن الداخلي في محافظة السويداء هو من قاد الاتصالات المكثفة عبر الخط الساخن مع قائد حركة رجال الكرامة يحيى الحجار (ابو حسن) بمباركة شيوخ العقل الثلاثة.
نشر 2500 عنصر أمن
حسب معلومات حصلت عليها «القدس العربي» من قيادي في «رجال الكرامة»، فإنه يجري البحث من أجل «نشر 2500 عنصر من الأمن العام على الطرق الحيوية في المحافظة ومداخل المدن والبلدات، وعدم الانتشار داخل المدينة». وأضاف المصدر أن الأولوية الآن هي لدخول الأمن العام إلى الأطراف الغربية لمحافظة السويداء وتشكيل قوات فصل مع البدو بهدف خلق حالة من الهدوء وعودة المهجرين من البدو والدروز إلى قراهم وبلداتهم.
خلف الكواليس، وقبل إعلانه التوصل إلى اتفاق، كان المبعوث الأمريكي قد مهد الأجواء للوصول إلى تفاهمات محلية على ان تحظى بدعم إقليمي ودولي. حيث اشرك رئيس جهاز الاستخبارات التركية ابراهيم كالن، ووزراء خارجية عرب، ووزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر. كما اتصل بكل من الزعيم اللبناني وليد جنبلاط وشيخ عقل طائفة الموحدين الدروز في إسرائيل موفق طريف، وهو الذي قاد حملة الضغط على حكومة نتنياهو من أجل التدخل لحماية الدروز في سوريا والتصعيد ضد الإدارة الانتقالية.
صباح السبت، أعلنت رئاسة الجمهورية السورية وقفا شاملا وفوريا لإطلاق النار وأهابت الجميع لفسح المجال أمام الدولة ومؤسساتها وقواتها لتطبيق هذا الوقف بمسؤولية، وبما يضمن تثبيت الاستقرار ووقف سفك الدماء، ودعت جميع الأطراف إلى الالتزام الكامل ووقف كافة الأعمال القتالية فورا في جميع المناطق وحماية المدنيين وتأمين وصول المساعدات الإنسانية دون إي عوائق.
وفي هذا السياق، بدأت قوات الأمن بالانتشار في عدد من المناطق لضمان تنفيذ وقف إطلاق النار وحذرت الرئاسة من أي خرق لهذا القرار معتبرة أن «أي خرق يعد انتهاكا صريحا للسيادة الوطنية وسيواجه بما يلزم من إجراءات قانونية وفقا للدستور والقوانين النافذة».
رد المرجعية الدرزية
بيان الرئاسة أعلاه، ردت عليه المرجعية الدينية في السويداء من خلال نشر تفاصيل الاتفاق المبدئي، وهو أقرب لخطوات حسن النوايا خلال الـ 48 ساعة.
وينص على نشر حواجز تابعة للأمن الداخلي خارج الحدود الإدارية لمحافظة السويداء، بهدف ضبط الاشتباك ومنع تسلل أي مجموعات إلى داخل المحافظة، وعدم دخول أي جهة إلى القرى الحدودية (الغربية في محافظة السويداء) لمدة 48 ساعة من وقت الاتفاق، وذلك لإتاحة الفرصة لانتشار القوى الأمنية من الطرف الآخر، تجنبًا لأي هجمات مباغتة، والسماح للراغبين من بدو السويداء بالخروج الآمن والمضمون مع ترفيق مؤمن من الفصائل «الدرزية» دون أي اعتراض أو إساءة من أي طرف، واعتماد معبرين إنسانيين للحالات الطارئة والإنسانية في بصرى الحرير وبصرى الشام.
وفي وقت سابق من صباح السبت، أعلنت الرئاسة الروحية للمسلمين الموحدين الدروز موافقتها على مد يد العون للتعامل مع «كل إنسان شريف لإنهاء الاشتباكات الحالية ووقف إطلاق النار والاحتكام لصوت العقل والحكمة والإنسانية»، رافضا السلاح والفوضى، وجدد البيان دعوته للاحتكام للإنسانية.
وشدد على ان أبناء الطائفة المعروفية لم يكونوا «دعاة تفرقة أو فتنة، وإنما كانوا وعلى مدار التاريخ نبراساً في الإنسانية والتآخي وطالما كان الجبل ملجأ لكل مظلوم وخائف.»
في إسرائيل، عبر الشيخ موفق طريف عن ارتياحه للتوصل إلى اتفاق وقال في كلمة مصورة أمام حشد من أبناء طائفة الموحدين الدروز في إسرائيل، فجر السبت، أنه لن يسكت حتى «يحل السلام لسكان سوريا».
على الجهة الحكومية، قال المتحدث الرسمي باسم وزارة الداخلية في الحكومة السورية، صباح السبت، إن قوات الأمن التابعة لوزارة الداخلية تستعد لإعادة انتشارها في محافظة السويداء بهدف حماية المدنيين ووقف الفوضى، ولم يعط المتحدث تفاصيل إضافية عن خريطة الطريق أو بنود الاتفاق.
وبدأت مجموعات من مقاتلي العشائر السورية بالتوافد إلى محيط محافظة السويداء مساء الخميس، على خلفية ما تناقلته مصادر محلية عن هجوم لمقاتلين دروز على عشائر بدوية بريف السويداء.
وتزامنت الحشود مع إعلان تجمع العشائر السورية، مساء الخميس الماضي، «النفير العام» لدعم قبائل البدو في محافظة السويداء، ردًا على هجمات فصائل محلية من الطائفة الدرزية في المدينة على عشائر البدو.
وجاء في بيان تجمع العشائر الذي يمثل 14 عشيرة من بينها «العكيدات والموالي وشمر والنعيم وعنزة» أن العشائر تتابع بقلق «ما ترتكبه ميليشيا الهجري من جرائم قتل وإبادة بحق عشائر البدو في محافظة السويداء، وما خلفته من تهجير وتشريد للأهالي والأبرياء».
وطالب بيان تجمع العشائر الحكومة السورية المؤقتة بعدم التدخل، أو عرقلة تقدم مقاتلي العشائر «الذين قدموا من خارج المنطقة فزعة ونصرة لإخوتهم من عشائر البدو»، واعتبر تجمع العشائر أن أي إجراء تتخذه الحكومة ضد مقاتلي العشائر هو «انحياز صريح لمرتكبي الجرائم»، محذرة من أن أي مساس بمقاتلي العشائر المتوجهين للســـويداء سيــواجه بما وصفه البيان بـ «موقف قبلي موحد لا هوادة فيه».
وحسب ما تداوله ناشطون من فيديوهات انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي ظهرت حشود عسكرية كبيرة من مقاتلي العشائر على الأطراف الشمالية والغربية لمدينة السويداء، فيما قالت مصادر محلية من داخل المدينة إن مقاتلي العشائر دخلوا للقرى الغربية من المحافظة وهي قرى وبلدات نزح سكانها مع بدء التوترات في المدينة الأحد الفائت.
وتأتي هذه التطورات على خلفية هجوم لمجموعات مسلحة موالية لشيخ عقل طائفة الموحدين الدروز في سوريا، الشيخ حكمت الهجري، على عشائر من البدو في ريف السويداء، وبعد انسحاب القوات الحكومية من المدينة مساء الخميس.
بموازاة ذلك، شنت مسيرة إسرائيلية غارة على مقاتلي العشائر في محيط قرية ولغا بريف السويداء، في ظل تحليق الطيران المروحي والحربي الإسرائيلي في أجواء محافظتي درعا والسويداء، وكان المرصد قد رصد انتشار مجموعات مسلحة تابعة لعشائر البدو في كل من قرى وبلدات الدور والدويرة والطيرة وتعارة، داعيا كافة الأطراف لنبذ خطاب الكراهية والعنف.
وفي سياقٍ متصل، استهدفت مسيرة إسرائيلية ليل الخميس سيارة عسكرية تابعة للقوات الحكومية السورية على طريق ظهر الجبل في السويداء، ما أسفر عن مقتل 5 أشخاص بحسب ما أفاد به المرصد السوري لحقوق الإنسان.
وكثف الكيان الإسرائيلي من الهجمات الجوية على الأراضي السورية تزامنا مع الأحداث والتطورات الأخيرة التي تشهدها السويداء، والتي بدأت الأحد الماضي، وبلغت ذروتها الأربعاء مع دخول قوات الجيش التابع للحكومة السورية وقوات الأمن، حيث استهدف الطيران الإسرائيلي بأكثر من غارة قوات للأمن متمركزة في مقر قيادة شرطة السويداء ما تسبب في مقتل عدد من عناصر الأمن، واستهدفت غارة إسرائيلية دبابة لقوات الجيش السوري في محيط السويداء مساء الثلاثاء ما أسفر عن مقتل طاقمها وأكثر من 10 أشخاص في المنطقة بحسب ما تناقلته وسائل إعلام محلية، كما أظهرت مقاطع مصورة بثها الجيش الإسرائيلي غارات جوية استهدفت مقاتلين تابعين للحكومة السورية في محيط مدينة السويداء وريف درعا.
الغارات الإسرائيلية المتزامنة مع تطورات الأحداث في السويداء، لم تقتصر على محافظتي درعا والسويداء، فقد شن الطيران الحربي الإسرائيلي، ظهر الأربعاء، وتزامنًا مع سيطرة قوات الجيش والأمن التابعين للحكومة السورية على مدينة السويداء، عدة غارات على العاصمة دمشق، استهدفت مبنى وزارة الدفاع والأركان العامة، كما استهدفت غارة أخرى محيط القصر الجمهوري على سفح جبل قاسيون.
وبالتوازي، قال وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، إن الغارات الجوية بمثابة رسائل تحذيرية لحكومة دمشق، مشيرا إلى أن الرسائل قد انتهت، لافتا إلى أن الجيش الإسرائيلي سيواصل العمل وضرب القوات التي هاجمت الدروز بالسويداء حتى انسحابها، الأمر الذي يبدو انه ساهم في انسحاب القوات الحكومية من المحافظة ليل الخميس، حيث أعلنت الرئاسة السورية عن اتفاق مع الزعامة الدينية والروحية للدروز، يقضي بانسحاب القوات الحكومية من المدينة ك استجابة لوساطة عربية ودولية.
وجاء في بيان الرئاسة، الذي بثته وكالة الأنباء الرسمية سانا «في إطار حرص الدولة السورية على تجنيب البلاد مزيداً من التصعيد، واستجابةً للوساطة الأمريكية العربية، قررت القيادة السورية سحب القوات العسكرية من السويداء إلى مواقعها».
وحسب المصادر الدبلوماسية، فإن واشنطن تستشعر «نوايا إسرائيلية خطرة « تجاه القيادة السورية وأنها بعد القصف العنيف لدمشق والقصر الجمهوري، تدرك ان الحكومة اليمينية بقيادة نتنياهو قد تجر المنطقة إلى تصعيد أكثر خطورة، ومن الواضح ان التدخل الدبلوماسي اليومي وتقديم المشورة هدفه منع الأمور من الانزلاق إلى نقطة لا عودة بعدها.
في المقابل، فإن «الدعم الأمريكي لسوريا مهد بدوره في حال لم تدرك القيادة السورية كيفية إدارة شؤونها» بعد الاخفاقات المتتالية في إدارة الملفات السياسية والتوصل إلى توافقات مع المكونات المتعددة وأهمها الدروز والعلويين والأكراد.
كذلك، يسود تخوّف كبير من استخدام العشائر السورية وتجييشها ضد الدروز من قبل الإدارة الانتقالية وهو ما شكل صدمة في الأروقة وغرف صناعة القرار، لكونه يتجاوز الجغرافية السورية ويحفز القبائل في الدول المجاورة على التمرد والشعور بالقوة ضد الأنظمة السياسية المستقرة. وتفيد المصادر أن «ذلك اعتبر خطأ جسيماً وقعت به الإدارة السورية ربما من دون أن تدرك عواقبه».
—————————
سوريا: احتدام المعارك وسط تعقيدات محلية وإقليمية ودولية/ جانبلات شكاي
دمشق ـ «القدس العربي»: بينما كانت ألسنة اللهب التي التهمت غابات الساحل على مدار أكثر من عشرة أيام تكاد تخبو بعد جهود استنفر لها السوريون من كل حد وصوب، وبمساندة إقليمية وأوروبية، اشتعلت النيران باشتباكات مسلحة هذه المرة، في محافظة السويداء جنوب البلاد، وراح ضحيتها، حسب إحصائيات غير رسمية، المئات من القتلى بين صفوف المدنيين والمتحاربين، على خلفية أحداث خطف متبادل.
واندلعت الاشتباكات الأخيرة في السويداء، الأحد الماضي، بسبب توترات متراكمة، تفاقمت بعد حادثة سلب وخطْف متبادل بين مجموعات مسلحة من الدروز والبدو، وبدأت المأساة الجديدة بعد ما تعرض سائق درزي، السبت، وهو عائد من العاصمة، لعملية سلب على طريق دمشق- السويداء، ما أدى إلى احتجاز مجموعة من الدروز من قبل البدو كرهائن، وردّ الدروز باحتجاز مجموعة أخرى من البدو، فأسفرت المواجهات المتفاقمة عن وقوع عدد من القتلى من الطرفين.
مع احتدام المعارك، تدخلت القوات التابعة لوزارتي الداخلية والدفاع، الإثنين، لإنهاء حالة الفلتان وانتشار السلاح في السويداء، لكن إسرائيل دخلت على الخط بقوة وقصفت السلاح الثقيل لوزارة الدفاع السورية، ثم قصفت مقر رئاسة الأركان في العاصمة مساء الأربعاء، لتعلن دمشق التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في السويداء، وسط اتهامات متبادلة إن بممارسة عمليات تصفية وقتل بين صفوف المدنيين، أو بـ«الخيانة» وفتح الباب أمام التدخل الإسرائيلي بالشأن الداخلي السوري.
التطورات الدراماتيكية دفعت برئيس المرحلة الانتقالية في سوريا أحمد الشرع فجر الخميس ليعلن أن الدولة اختارت «فسح المجال لوجهاء ومشايخ الدروز للعودة إلى رشدهم، وتغليب المصلحة الوطنية على من يريد تشويه سمعة أهل الجبل الكرام»، وذلك تتويجا لوساطة أمريكية وعربية وتركية أنقذت المنطقة من مصير مجهول، وبعد أن استخدم لأول مرة في خطاباته عبارة «الكيان»، اتهم إسرائيل بـ«خلق الفتن»، وبأن هذا الكيان «يسعى إلى تحويل أرضنا إلى ساحة فوضى غير منتهية».
مدير القوى التنفيذية في جنوب سوريا، بلال أبو نبوت، كشف حينها، في تصريح خاص لـ«القدس العربي» عن استنفار قوات الأمن التابعة له، وتوجيهها نحو الحدود الإدارية بين محافظتي درعا والسويداء، بهدف فض الاشتباك والسيطرة على حالة التوتر التي اندلعت مؤخرا بين عشائر البدو والدروز في المنطقة، مشيراً إلى أن هذه الخطوة تأتي في إطار المساعي لاحتواء التصعيد ومنع تفاقم الأوضاع الأمنية، وسط مخاوف من اتساع رقعة التوتر في الجنوب السوري.
ومع بدء نشر قوات الأمن السورية في اليوم التالي للسيطرة على الاشتباكات، زادت حدة الاشتباكات.
وفي أعقاب إعلان وزارة الداخلية السورية عن عملية أمنية بالمحافظة ودخول قواتها لنزع سلاح «مجموعات خارجة عن القانون»، سيطرت القوات الحكومية السورية معززة بدبابات وآليات ومئات المقاتلين، على مجموعة من القرى وواصلت تقدمها نحو مدينة السويداء.
ومع تطور الأحداث الإثنين، أعلن، حكمت الهجري، وهو واحد من ثلاثة شيوخ عقل لدى طائفة الموحدين الدروز في سوريا، إنه لن يسمح بدخول قوات الجيش والأمن السوريين إلى محافظة السويداء، وقال في بيان على حسابه في فيسبوك: «نطالب بحماية دولية وبشكل فوري وسريع نظراً لخطورة الوضع وحقناً لدماء أهلنا وأبنائنا»، وفق تعبيره.
إسرائيل تقصف وتحذر
مطالب الهجري وجدت آذاناً صاغية في إسرائيل، وقالت هيئة البث العبرية الرسمية إن «الجيش الإسرائيلي هاجم عدة دبابات في منطقة قرية سميع في جنوب سوريا، على خلفية أعمال شغب بين السوريين، البدو والدروز».
وأكد وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن الضربات التي نفذها الجيش في جنوب سوريا «تحذير واضح للنظام السوري» لعدم استهداف الدروز.
تحذيرات وزير الحرب الإسرائيلي لم توقف تقدم الجيش السوري، وقالت وزارة الدفاع السورية في بيان الثلاثاء، إن «قوات الجيش العربي السوري تبدأ دخول مدينة السويداء»، وأوصت الأهالي «التزام المنازل»، وقالت إن «المجموعات الخارجة عن القانون تحاول الهروب من المواجهة عبر الانسحاب إلى وسط مدينة السويداء».
الهجري يرحب ثم ينقلب
وفي موقف لافت، رحب الهجري بدخول القوات الحكومية ودعا الفصائل المسلحة في السويداء إلى التعاون «وعدم مقاومة دخولها، وتسليم سلاحها» لوزارة الداخلية، وقال في بيان صباح الثلاثاء: «ندعو إلى فتح حوار مع الحكومة السورية لعلاج تداعيات الأحداث، وتفعيل مؤسسات الدولة بالتعاون مع أبناء المحافظة».
التحرك الرسمي السوري، قوبل بقصف من الطيران الإسرائيلي استهدف مدينة السويداء، وسرعان ما قام الهجري بسحب بيانه السابق، وخرج ببيان مصور قال فيه: «بعد مفاوضات عديدة مع دمشق لم تفضِ إلى صدق في التعامل، تم فرض البيان الذي أصدرناه منذ قليل بتفاصيله الكاملة من دمشق، وبضغط من دول خارجية، من أجل حقن دماء أبنائنا»، وأضاف: «رغم قبولنا بهذا البيان المذلّ من أجل سلامة أهلنا وأولادنا، قاموا بنكث العهد والوعد، واستمر القصف العشوائي للمدنيين العزّل».
وواصل الطيران الإسرائيلي شن غاراته على القوات السورية في السويداء، وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس إنهما أمرا الجيش الإسرائيلي بضرب «قوات النظام» والأسلحة التي تنقل إلى السويداء لاستخدامها ضد الدروز، وشددا على أن «إسرائيل ملتزمة بمنع تعرض الدروز في سوريا للأذى».
وقف إطلاق النار
وقبل غروب شمس يوم الثلاثاء أعلن وزير الدفاع السوري مرهف أبو قصرة وقف إطلاق النار في السويداء، وفي بيان نقلته وكالة الأنباء السورية «سانا» قال: «نعلن عن وقف تام لإطلاق النار بعد الاتفاق مع وجهاء وأعيان المدينة»، موضحاً أنه «سيتم الرد فقط على مصادر النيران والتعامل مع أي استهداف من قبل المجموعات الخارجة عن القانون».
وفي السياق ذاته، حذرت وزارة الداخلية السورية «من ارتكاب أي تجاوزات أو تعديات على الممتلكات العامة أو الخاصة، تحت أي ذريعة كانت»، وأضافت في بيان: «ستتخذ الإجراءات القانونية الصارمة بحق أي عنصر يثبت تورطه في مثل هذه الأفعال أثناء تنفيذ المهمة، من دون تهاون أو استثناء».
وجاء بيانا وزارتي الدفاع والداخلية السوريتين، بعد انتشار مقاطع فيديو أظهرت ارتكاب تجاوزات خطيرة وعمليات سرقة ونهب وتصفيات ميدانية بحق مدنيين من عناصر محسوبة على القوات الحكومية.
ودخل الزعيم الدرزي اللبناني وليد جنبلاط على خط التهدئة ودعا إلى حل سياسي محذّرا من «الفخ الإسرائيلي»، مطالباً بأنه «يجب الدخول في مصالحات مع البدو» ومشدداً على أن «مصلحة السويداء تكمن في الوصول لحل سلمي سياسي برعاية الدولة، كي تعود الحياة إلى أمورها الطبيعية ونطوي هذه الصفحة الدامية».
الرئاسة تتعهد بالمحاسبة والهجري يحرض
وفي خطوة متقدمة وتأكيداً على حصول تجاوزات خطيرة، أعلنت الرئاسة السورية مع الساعات الأولى ليوم الأربعاء التزامها بالتحقيق والمحاسبة وقالت في بيان نشرته على صفحاتها الرسمية إن «الدولة السورية تابعت باهتمام بالغ الانتهاكات المؤسفة التي طالت بعض المناطق في محافظة السويداء مؤخراً»، وقالت: «إن هذه الأفعال، التي تندرج ضمن السلوكيات الإجرامية وغير القانونية، لا يمكن قبولها تحت أي ظرف من الظروف، وتتنافى تماماً مع المبادئ التي تقوم عليها الدولة السورية».
مساعي الحكومة السورية لاستيعاب الأوضاع وعدم دفعها باتجاه مزيد من الانفجار، قوبلت بالرفض من شيخ العقل حكمت الهجري، وفي بيان له الأربعاء، واصل تحريضه ضد الحكومة السورية وقال: «نناشد العالم الحر، وكل القوى الفاعلة فيه، ونتوجّه بندائنا إلى فخامة الرئيس (الأمريكي) دونالد ترامب، ودولة رئيس الوزراء (الإسرائيلي) بنيامين نتنياهو، وولي العهد (السعودي) الأمير محمد بن سلمان، وجلالة الملك (الأردني) عبد الله الثاني، وكل من يملك صوتا وتأثيرا في هذا العالم… أنقذوا السويداء».
إسرائيل تقصف دمشق
ذروة التصعيد تجلى عصر الأربعاء، حيث شهدت العاصمة السورية غارات عنيفة استهدفت مقر وزارة الدفاع وهيئة الأركان في ساحة الأمويين ومحيط القصر الرئاسي على سفوح قاسيون.
وألحقت الغارات أضرارا كبيرة بمبنى هيئة الأركان، وأعلنت وزارة الصحة السورية أن الغارات أسفرت عن مقتل 3 أشخاص وإصابة 34 آخرين، على حين قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن «التحذيرات لسوريا انتهت والآن جاء وقت الضربات الموجعة»، ملوحاً بالتصعيد في حال «لم تفهم (دمشق) الرسالة».
أحداث الأربعاء في سوريا كانت زاخرة، فأعلن شيخ العقل لدى طائفة الموحدين الدروز في السويداء، يوسف الجربوع عن اتفاق يقضي بوقف إطلاق النار ونشر الحواجز الأمنية داخل السويداء واندماجها الكامل ضمن الدولة السورية، والتأكيد على سيادتها.
أما بيان وزارة الداخلية السورية، فأكد أن الاتفاق على وقف إطلاق النار نص على «الوقف الفوري والشامل لجميع العمليات العسكرية، والتزام جميع الأطراف بوقف التصعيد العسكري أو أي شكل من أشكال الهجوم ضد القوات الأمنية وحواجزها، وتشكيل لجنة مراقبة مشتركة تضم ممثلين عن الدولة السورية والمشايخ الكرام للإشراف على تنفيذ وقف إطلاق النار وضمان الالتزام به، ونشر حواجز الأمن الداخلي والشرطة التابعة للدولة، بمشاركة منتسبي الشرطة من أبناء محافظة السويداء، في مدينة السويداء والمناطق المجاورة، بهدف تعزيز الأمن وحماية المواطنين، والاستعانة بالضباط والعناصر الأكفاء والشرفاء من أبناء محافظة السويداء التولي المهام القيادية والتنفيذية في إدارة الملف الأمني في المحافظة».
وعلى الرغم من أن جانبا مهما من بنود الاتفاق كانت هي ذات المطالب التي تقدم بها إلى الحكومة السورية سابقا، عاود شيخ العقل حكمت الهجري بالدعوة لاستمرار القتال ضد الدولة السورية، نافيا التوصل لأي اتفاق.
ودعا «الشباب المدافعين عن الأرض والعرض»، إلى مواصلة القتال ضد من وصفهم بـ«العصابات الإرهابية المسلحة»، مشدداً على أن «الدفاع المشروع واستمرار القتال لتحرير كامل أراضي محافظة السويداء هو واجب وطني وإنساني وأخلاقي»، حسب وصفه.
الشرع: الكيان يسعى لخلق الفتن
العدوان الإسرائيلي على أبرز الرموز السيادية للدولة، قوبل بتصعيد للمرة الأولى من دمشق وتجلى التحول في الموقف الرسمي في الكلمة التي ألقاها الرئيس الشرع في ساعات الفجر الأولى من يوم الخميس حيث استخدم وللمرة الأولى، سواء في خطاباته أو حتى في اللغة الرسمية للإعلام الحكومي كلمة «الكيان» لتوصيف إسرائيل.
وقال الشرع: «إن الكيان الإسرائيلي الذي عودنا دائماً على استهداف استقرارنا وخلق الفتن بيننا منذ إسقاط النظام البائد، يسعى الآن مجدداً إلى تحويل أرضنا الطاهرة إلى ساحة فوضى غير منتهية»، مشيراً إلى أن «هذا الكيان لا يكفّ عن استخدام كل الأساليب لزرع النزاعات والصراعات، غافلاً عن حقيقة أنّ السوريين بتاريخهم الطويل رفضوا كل انفصال وتقسيم».
وأوضح الشرع أنه «لولا التدخل الفعال للوساطة الأمريكية والعربية والتركية التي أنقذت المنطقة من مصير مجهول، لكنا بين خيارين؛ الحرب المفتوحة مع الكيان الإسرائيلي، على حساب أهلنا الدروز وأمنهم، وزعزعة استقرار سوريا والمنطقة بأسرها، وبين فسح المجال لوجهاء ومشايخ الدروز للعودة إلى رشدهم، وتغليب المصلحة الوطنية على من يريد تشويه سمعة أهل الجبل الكرام».
وختم بالقول: «حريصون على محاسبة من تجاوز وأساء لأهلنا الدروز، فهم في حماية الدولة ومسؤوليتها، والقانون والعدالة يحفظان حقوق الجميع بدون استثناء، ونؤكد أن الحفاظ على وحدة البلاد واستقرارها وسلامة أهلنا، والعمل على تأمين مستقبل أبنائهم، بعيداً عن أي مخاطر قد تقوض مسار النهوض والتعافي الذي نخوضه بعد تحرير بلادنا».
الهجري يريد ممراً إلى مناطق «قسد»
محاولات الحكومة السورية المتواصلة لإيجاد مخرج يمكن أن يشكل انطلاقة لتهدئة الأوضاع، قوبلت بتصعيد متواصل من شيخ العقل حكمت الهجري، وأثار بيان صدر عنه الخميس تساؤلات كثيرة عن الهدف الذي يدفع إليه الهجري حيث طالب بـ«فتح ممر إلى المناطق التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية- قسد»، ما دفع للتحليل بأن هذه الدعوة تدفع باتجاه تكريس مشروع ما يسمى «ممر داوود» الإسرائيلي، الذي تسعى تل أبيب من خلاله ربط مرتفعات الجولان جنوبا بشمال شرق سوريا عبر السويداء ودير الزور، وصولا إلى الحدود التركية.
وبحسب البيان المنشور على صفحة «الرئاسة الروحية» في «فيسبوك»، طالب الهجري أيضاً ملك الأردن عبد الله الثاني بفتح معبر حدودي بين السويداء والمملكة الأردنية، في مسعى لخلق مسارات تواصل خارجة عن سلطة الدولة المركزية.
التطورات الدراماتيكية على الأرض، دفعت الرئاسة السورية ليل الخميس لاتهام المقاتلين الدروز بخرق وقف إطلاق النار الذي انسحبت بموجبه القوات الحكومية من السويداء، وقالت في بيان إنّ «القوات الخارجة عن القانون، باشرت بعملية عنف مروّعة، وثّقها العالم أجمع، تضمّنت ارتكاب جرائم مروّعة تتنافى كليّا مع التزامات الوساطة، وتهدّد بشكل مباشر السلم الأهلي وتدفع باتجاه الفوضى والانهيار الأمني».
وجدّدت الرئاسة التأكيد على «التزامها الثابت بحماية جميع أبناء الشعب السوري، بمختلف طوائفهم ومكوّناتهم»، مشيرة إلى أنّ «الحكومة السورية ستواصل اتخاذ كل ما يلزم لحماية مواطنيها وصون كرامتهم، دون تهاون مع أي تهديد للسلم الأهلي أو السيادة الوطنية».
ووسط أنباء عن مقتل أكثر من 100 شخص وتهجير عشرات الآلاف من البدو من قراهم وإحراق منازلهم، دفعت القبائل العربية في سوريا الخميس إلى إعلان النفير العام لنجدة عشائر البدو في السويداء. وقالت العشائر في بيان إنه «انطلاقا من واجبنا الأخلاقي والقبلي نطالب الحكومة السورية بعدم التدخل أو عرقلة تحرك المقاتلين الذين قدموا من خارج المنطقة فزعة ونصرة لإخوتهم من عشائر البدو؛ فهؤلاء يمارسون حقهم المشروع في الدفاع عن المظلومين وردّ العدوان عن النساء والأطفال والشيوخ».
وبدأ مقاتلو العشائر بالهجوم على مدينة السويداء وسيطروا على عدد من القرى والبلدات ودخلوا مدينة السويداء من الجهة الشمالية، وسط معلومات بأن عدد مقاتلي العشائر المشاركة في الهجوم يتجاوز 50 ألف مقاتل وأن عشرات الآلاف يُنتظر وصولهم فجر الجمعة.
قوة لفض الاشتباكات
تعقيدات الأزمة المتفجرة في جنوب سوريا، والتي دفعت دولاً إقليمية وفي المقدمة منها السعودية وتركيا، إلى جانب مساع من الاتحاد الأوربي والولايات المتحدة، الى التدخل، يبدو أنها قد بدأت تتجه نحو التفكيك، وجهود الوساطات السابقة مجتمعة دفعت باتجاه مخرج ونهاية للعمليات العسكرية تمهيدا لعمل سياسي لاحق.
والنتائج التي نتحدث عنها ظهرت ملامحها في بيان نشرته الرئاسة السورية على مواقعها الرسمية في وقت متأخر من يوم الجمعة، ومما جاء فيه أن «الجمهورية العربية السورية في موقفها من هذه الأحداث، تنطلق من مبدأ راسخ، وهو: الحرص على السلم الأهلي، لا منطق الانتقام، فهي لا تقابل الفوضى بالفوضى، بل تحمي القانون بالقانون، وترد على التعدي بالعدالة، لا بالثأر».
وشدد البيان على أن «الجمهورية العربية السورية، تثبت مرة تلو أخرى، أنها دولة لكل أبنائها، بمختلف انتماءاتهم ومكوناتهم، من الطائفة الدرزية وقبائل البدو على حد سواء، وليست لطائفة أو جماعة بعينها، فالمسؤولية الوطنية تقتضي أن يكون الجميع تحت سقف واحد هو الوطن، وتحت مرجعية واحدة هي القانون».
ومع صبيحة يوم السبت، أعلنت الرئاسة السورية وقفا شاملا وفوريا لإطلاق النار، ودعت في بيان «جميع الأطراف، دون استثناء، إلى الالتزام الكامل بهذا القرار، ووقف كافة الأعمال القتالية فورا في جميع المناطق، وضمان حماية المدنيين وتأمين وصول المساعدات الإنسانية دون أي عوائق.
واشنطن لا تعارض الفيدرالية
اللعب على الوتر الطائفي وتأصيل المشكلة بدلا من البحث عن مخارج لها، على الرغم من مناشدات لم تنتهِ من مثقفين وناشطين سوريين لتغليب الوطنية على الطائفية والعشائرية، دفع البعض حتى ممكن كان محسوباً على الإدارة السورية الجديدة، للتفكير وطرح مخارج ربما يكون منها ما تسعى وتطالب به الإدارة الذاتية لمناطق شمال وشرق سوريا، باللامركزية الإدارية، وتعميم هذه التجربة بعد أحداث الساحل السوري سابقاً، والسويداء حالياً، وحتى لا تشهدها مناطق شمال وشرق سوريا، بعنف أكثر إذا ما تم اللجوء للغة السلاح أيضاً.
وفي هذا الإطار ظهر الجمعة، موقف أميركي مستجد يتناقض مع ما كان قد أعلنه مرارا وتكرارا مبعوث واشنطن إلى سوريا توماس براك، بالتشديد على دعم حكومة مركزية في دمشق، حيث قالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأميركية تامي بروس، إن بلادها لا تعارض إعلان الفيدرالية أو الحكم الذاتي في سوريا، وإن القرار بشأن النظام السياسي يجب أن يُتخذ من قبل السوريين أنفسهم.
وفي إطار المساعي المبذولة لإنقاذ سوريا، وجه ناشطون سياسيون رسالة إلى الرئيس الشرع، طالبت «بتشكيل هيئة وطنية رسمية للحوار الوطني السوري، تضم شخصيات سورية مستقلة من خلفيات فكرية وسياسية ودينية وقومية متنوعة، ويُراعى فيها التمثيل الوازن للنساء والشباب، بهدف إدارة سلسلة حوارات مجتمعية داخل سوريا وخارجها، خلال فترة تمتد من سنة إلى 18 شهراً، بالشراكة مع مختلف المكونات الاجتماعية والنقابات والجامعات ومنظمات المجتمع المدني، مع التأكيد على التمثيل الحزبي والكردي، ودعوة شخصيات وطنية وازنة لضمان شمولية وعدالة تمثيل كافة السوريين». وخلص الموقعون، وهم ممن شارك في مؤتمر الحوار الذي استضافته دمشق في شباط/ فبراير الماضي، لمخاطبة الشرع بالقول: «نضع بين أيديكم هذه المبادرة إيماناً منّا بأن الفرصة لا تزال قائمة لإنقاذ سوريا من الانهيار والانقسام».
—————————
لبنان: بين تغليب العقل أو الانفعال أين يقف جنبلاط وأرسلان ووهاب من أحداث السويداء؟/ سعد الياس
20 تموز 2025
فيما لبنان غارق بأزماته وبالجدل الدائر حول تسليم أو نزع سلاح «حزب الله»، برزت قضية جديدة تتعلق بالأحداث الجارية في محافظة السويداء في سوريا نظراً لتداعياتها السلبية على لبنان والتي تمثلت بتحركات احتجاجية في منطقة صوفر وضهر البيدر من شبان دروز، قابلها تحركات في نقطة المصنع ومجدل عنجر وفي طرابلس من قبل شبان سنّة.
وقد تكون هذه هي المرة الوحيدة منذ عقود في لبنان التي تشهد تأجيجاً للمشاعر وخطابات تحريضية بين دروز وسنّة. فأبناء الطائفتين وقفوا معاً خلف القضية الفلسطينية وإلى جانب ثورة الرئيس المصري جمال عبد الناصر، وحملوا معاً نعش الرئيس رفيق الحريري، وتظاهروا معاً ضد نظام بشار الأسد في 14 آذار/مارس. والدروز الذين قاطعوا التجنيد الإجباري في السويداء وغيرها لجأ قسم كبير منهم إلى لبنان رفضاً للانخراط في القتال ضد إخوانهم السنّة السوريين.
وقد كان الزعيم الدرزي وليد جنبلاط أول من زار الرئيس السوري أحمد الشرع على رأس وفد كبير ضم أيضاً شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز الشيخ سامي أبي المنى للتهنئة بسقوط نظام الأسد وتوليه مقاليد السلطة. وعلى الرغم من وقوع أحداث جرمانا ثم أحداث السويداء بقي وليد جنبلاط يغلّب العقل والحكمة على الغريزة على الرغم من كثرة التساؤلات في البيئة الدرزية ومشاعر الاحتقان مما يجري ضد إخوانهم الدروز في السويداء.
ويدرك وليد جنبلاط أن المواقف التي يتبناها والاتصالات التي أجراها مع الشرع لا تحظى بشعبية لدى القاعدة الدرزية التي يشكك بعض أبنائها بنجاح هذه الاتصالات ويدعون لملاقاة ودعم أقربائهم في السويداء. لكنه فضّل عدم الاستثمار السياسي والشعبي في هذه الأحداث، هو الذي كانت له تجربة في حرب الجبل ويعرف كما البطريرك الماروني مار نصرالله بطرس صفير الذي عقد معه مصالحة حقيقية وراسخة بين المسيحيين والدروز أن تكلفة تحقيق السلام، مهما بدت باهظة، تبقى أقل بكثير من التكاليف الهائلة التي تتكبدها المجتمعات جراء الحروب، إضافة إلى قول مأثور لجنبلاط يعتبر فيه أن «بدء الحرب أمر سهل، ولكن إنهاؤها أمر لا يمكن التنبؤ به تقريباً».
من هذا المنطلق، يرسم الزعيم الدرزي رؤيته لمستقبل الطائفة الدرزية التي يريدها أن تحافظ على أفضل العلاقات مع كل المكونات اللبنانية على اختلاف انتماءاتها الطائفية والمذهبية وأن تبقى على نهجها العروبي وتواصلها مع الدول العربية وخصوصاً الخليجية، إدراكاً منه للتكلفة العالية لأي موقف شعبوي يتخذه شخصياً وتأثيره على البيئة الدرزية خلافاً لتأثير المواقف التي يتخذها رئيس حزب «التوحيد العربي» وئام وهاب وإن كانت تدغدع مشاعر درزية في مكان ما، وإنما تعود في اعتقاد البعض بالسوء على سُمعة الدروز. إذ بدا وهّاب وكأنه بتوجيه التحية للشيخ موفق طريف يستنجد بإسرائيل لحماية الدروز، وهو ما رفضه وليد جنبلاط الذي لم يرَ في قصف مبنى هيئة الأركان ووزارة الدفاع السورية حماية للدروز، بل يرى استخداماً من قبل إسرائيل للدروز لتحقيق مشروعها التفتيتي لمنطقة الشرق الأوسط ورسم خرائط جديدة وإقامة دويلات طائفية.
وفي هذا الإطار، يندرج الكلام التهويلي للموفد الأمريكي توم برّاك الذي كان حذّر من إعادة لبنان إلى بلاد الشام، مثيراً بهذا التصريح جدلاً تاريخياً حول وجود الأقضية الأربعة التي ضُمت إلى جبل لبنان عام 1920 ليُعلَن بعدها «لبنان الكبير» في الأول من ايلول/سبتمبر 1920، في وقت صدر أكثر من صوت طرابلسي يتمسك بلبنان وطناً نهائياً في مقابل فئة قليلة لا تمانع الآن انضمام «طرابلس الشام» إلى سوريا بعد سقوط نظام الأسد الذي حاصر وقصف طرابلس ومجيء نظام جديد بقيادة أحمد الشرع.
ويمكن القول إن وليد جنبلاط لو أراد السير بمشروع تغيير الخرائط والعودة إلى جبل لبنان كما كان في زمن المتصرفية لوجد مَن يلاقيه في الشارع المسيحي، حيث بدأت الهواجس تظهر بعد 100 عام من الممارسات الشائنة والولاءات للخارج ومن التهديد بسيطرة العدد على التعددية وعدم احترام الميثاق والتنوع وخصوصية لبنان، ومن محاولة فرض قوانين انتخابية على مستوى لبنان دائرة واحدة، إضافة إلى رفض «حزب الله» تسليم السلاح. وهذه الهواجس يشعر بها أيضاً الدروز كأقلية، وهذا ما لفت إليه صراحة شيخ العقل الذي قال «إن قلق الأقلية يحتاج إلى عدالة الأكثرية».
لكن جنبلاط أبى حالياً دغدغة مشاعر الدروز واللعب على الوتر الطائفي وادخال المنطقة في مشروع التفتيت، بل ذهب في الاتجاه المعاكس وتعزيز هوية الأوطان العربية على تنوعها. ومن هنا، جاءت دعواته لوأد الفتنة بدون تأخير، وعدم توسع الأحداث وتجنيب لبنان أي تأجيج للفتنة والاقتتال، مبدياً خشيته من الفرز الطائفي، وداعياً إلى وقف النار وانطلاق حوار بين الدولة السورية وفاعليات السويداء.
وقد لقيت مواقف جنبلاط ترحيباً في الشارع السني وتفهماً لرؤيته السياسية على اعتبار أن أي انتصار بالآلة الإسرائيلية اليوم سيعمّق الافتراق ولن يحمي الدروز مستقبلاً من الاحتقان السياسي والشعبي المتصاعد.
أما في الشارع الشيعي، فثمة من ينتقد جنبلاط الذي اعتقد في رأيهم أنه بعد سقوط بشار الأسد سيقف على ضفاف النهر متفرجاً على «حزب الله» وبيئته، ليتبيّن له بعد وقت غير طويل أن سقوط النظام يتهدد الجميع، وأن الخطر بات على أبواب الجبل.
وعلى خط الزعامة الأرسلانية، لا يخفي رئيس «الحزب الديمقراطي اللبناني» الأمير طلال أرسلان عتبه وألمه من صمت العديد من القادة العرب واللبنانيين تجاه ما تتعرّض له طائفة الموحدين الدروز التي كما يقول «يعرف القاصي والداني عمقها العروبي والإسلامي والقومي والوطني، ويتغنّى الجميع بتاريخها ومواقفها وبطولة أبنائها». ويضيف أرسلان الذي لم يزر الرئيس أحمد الشرع كما فعل جنبلاط «نحن أصحاب الأرض والتاريخ، وكما وُلدنا وتربينا، سنبقى. إما أن نعيش بكرامة فوق الأرض، أو نموت بكرامة تحتها… ومن تخلّى عنا اليوم، سيتخلى عنه التاريخ… وفي المستقبل القريب!»، رافضاً «تصوير الإشكال وكأنه بين الدروز والسنّة، فمن قام بهذه الأعمال في السويداء، ومن يقبل بالتعرّض لرجال دينٍ ونساءٍ وأطفالٍ، هو إرهابي، بريء من كل دين، ومن كل خلق».
القدس العربي
——————————-
نار السويداء وثلج الجولان وحلف الدم بين اليهود والدروز/ باسل المحمد
20/7/2025
في تصعيد غير مسبوق، نفذ الاحتلال الإسرائيلي خلال الأيام الماضية ضربات عسكرية استهدفت مواقع للجيش السوري في مدينة السويداء، دعما للفصائل الدرزية المحلية التي تخوض منذ أيام مواجهات مفتوحة مع قوات الجيش والأمن السوري.
ولم يقتصر التدخل الإسرائيلي هذه المرة على استهداف آليات الجيش السوري في الجنوب، بل توسعت رقعة القصف لتشمل مقر قيادة هيئة الأركان في العاصمة دمشق، مما أدى إلى تدميره ووقوع عدد من الضحايا، في رسالة واضحة تتجاوز حدود السويداء إلى عمق القرار السياسي والعسكري السوري.
فهل تنبع هذه السياسة من اعتبارات دينية وطائفية متجذرة؟ أم أنها تعبير عن إستراتيجية أمنية ترسمها إسرائيل لحماية حدودها وإعادة تشكيل خريطة النفوذ في الجنوب السوري؟
“حلف الدم”.. تحالف عقائدي يُلزم إسرائيل بالدروز
لا يقتصر الدعم الإسرائيلي للفصائل الدرزية في السويداء على اعتبارات سياسية أو أمنية فحسب، بل يرتكز -في جزء منه- إلى ما يُعرف في الأوساط الدرزية والإسرائيلية بـ”حلف الدم”، وهو تعبير متجذر في الوعي الجمعي للطائفة الدرزية داخل إسرائيل، ويمتد برمزيته إلى دروز سوريا ولبنان أيضا.
وفقا للرواية المتداولة داخل الأوساط الدينية الدرزية، فإن “ميثاق الدم” بين اليهود والدروز تأسّس منذ خروج بني إسرائيل من مصر، في اللقاء الذي جمع النبي موسى بشعيب -الذي يُعد في التقليد الدرزي أحد أبرز أركان العقيدة التوحيديةـ وهو ما يُضفي بعدا روحيا على العلاقة، ويجعل الالتزام بها أقرب إلى “عهد حياة” لا مجرد تحالف مصلحي عابر، وذلك حسب دراسة صادرة عن المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية.
وحسب الدراسة التي نشرت بعنوان “تشكيل هوية أقلية متصهينة: الحالة الدرزية في إسرائيل”، فقد نشأ ما يُعرف بـ”حلف الدم” بين إسرائيل والدروز عام 1956 بدعوة من ديفيد بن غوريون، حين تم توقيع اتفاق مع 16 قياديا درزيا لفرض الخدمة الإلزامية على الدروز في جيش الاحتلال، في حين استُثني العرب المسلمون والمسيحيون من ذلك.
ورغم المعارضة الواسعة داخل المجتمع الدرزي، فإن الاتفاق أُقر بدعم بعض القيادات التي رأت في ذلك فرصة لتحسين موقع الطائفة ضمن النظام الإسرائيلي. ومع مرور الوقت، خدم الدروز في وحدات خاصة ثم في ألوية قتالية، وتقلد بعضهم مناصب رفيعة، من أبرزهم غسان عليان.
وتعود هذه العلاقة إلى رؤية صهيونية قديمة تعتبر الدروز مختلفين عن باقي العرب ويمكن التحالف معهم ضد الأغلبية المسلمة، حسب دراسة سياسية للباحث غابرييل بن دور.
وقد عاد هذا المفهوم بقوة إلى الواجهة مع اشتداد المواجهات في السويداء، حيث اجتمعت القيادات الروحية والسياسية للطائفة الدرزية في إسرائيل، وعلى رأسها الشيخ موفق طريف، ووجّهت انتقادات علنية للحكومة الإسرائيلية بسبب “تقاعسها عن نصرة الأشقاء الدروز في سوريا”، معتبرة أن الصمت الرسمي يشكل “خيانة لحلف الدم القائم بين إسرائيل والدروز”.
وتشير مصادر إعلامية إسرائيلية إلى أن قيادات درزية إسرائيلية بحثت إمكانية إدخال مجموعات من شباب الطائفة الذين يخدمون في الجيش الإسرائيلي إلى داخل الأراضي السورية بهدف “القتال إلى جانب الدروز هناك” في حال استمرار ما وصفوه بـ”العدوان الحكومي على السويداء”.
وفي سياق متصل، صرح مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو -الثلاثاء 15 يوليو/تموز الجاري- بأن إسرائيل “ملتزمة بمنع إلحاق الأذى بالدروز في سوريا، انطلاقا من التحالف الأخوي العميق مع مواطنينا الدروز في إسرائيل، وروابطهم العائلية والتاريخية معهم”.
توظيف سياسي للطائفة
لم تكن العلاقة بين إسرائيل والدروز علاقة شراكة متكافئة بقدر ما كانت –في كثير من محطاتها– جزءا من سياسة مدروسة لتفتيت الهوية العربية الجامعة، عبر منح امتيازات لطوائف بعينها وتوظيفها في خدمة مشروع السيطرة الإسرائيلية، سياسيا وعسكريا وأمنيا.
ومنذ تأسيس دولة إسرائيل، سعى بن غوريون إلى إعادة تشكيل البنية الاجتماعية للعرب داخل فلسطين المحتلة، من خلال التفريق بين مكوناتها العرقية والدينية، وقد نال الدروز النصيب الأكبر من هذه السياسات، حيث مُنحوا وضعا قانونيا خاصا، وفُرضت عليهم الخدمة الإلزامية في الجيش الإسرائيلي، في حين أُعفي منها اليهود المتدينون وبعض الأقليات الأخرى.
وتؤكد دراسات مثل تقرير “معهد فان لير” في القدس (2015) أن هذا التمييز المقنن للدروز أنتج هوية درزية إسرائيلية هجينة، جرى توظيفها في سياقات سياسية وأمنية متعددة، بينما ظلّت الطائفة تُستبعد فعليا من مراكز التأثير الحقيقية داخل الدولة.
وفي هذا السياق، يشير الباحث في الشؤون الإسرائيلية خالد الخليل إلى أن “إسرائيل حرصت منذ الخمسينيات على فصل الدروز عن محيطهم العربي والإسلامي، وكرست هذا الفصل قانونيا ومؤسساتيا، ليس بهدف الاندماج، بل لأجل الاستخدام السياسي والأمني للطائفة”.
ويضيف الخليل للجزيرة نت أن السياسات الإسرائيلية سعت إلى خلق طائفة “مُميزة” داخل المجتمع العربي، تُعامل بشكل مختلف لتكون أداة في مشروع السيطرة والتفتيت، وهو ما انعكس لاحقا في التعامل مع دروز الجولان، وامتد اليوم إلى فصائل السويداء.
ممر داوود.. التوسع باسم حماية الطائفة
يرتبط التدخل الإسرائيلي في الجنوب السوري، تحت شعار “حماية الدروز”، برؤية أيديولوجية أعمق تُعرف في الأدبيات الصهيونية بـ”ممر داوود”؛ وهو امتداد إستراتيجي يتماشى مع مفهوم “إسرائيل الكبرى”، المستند إلى تفسيرات توراتية تُنسب إلى ثيودور هرتزل، وتُحدّد حدود إسرائيل الموعودة من نهر النيل إلى نهر الفرات.
المشروع هو شريط جغرافي ضيق يمتد عبر قلب المشرق يبدأ من مرتفعات الجولان المحتلة في الجنوب الغربي، ويمر بالمحافظات السورية الجنوبية المحاذية لإسرائيل والأردن، وهي القنيطرة ودرعا، ثم يتسع شرقا عبر السويداء في جبل حوران ويدخل البادية السورية باتجاه معبر التنف الإستراتيجي على الحدود السورية العراقية الأردنية.
ومن خلال هذا المشروع تصبح السويداء، عبر المكون الدرزي، حلقة في هذا “الممر الرمزي”، الذي يُراد له أن يتجسد سياسيا وجغرافيا في واقع المنطقة.
يتكامل هذا الطموح مع ما تُعرف بـ”عقيدة المحيط” الإسرائيلية، إذ تعود هذه العقيدة إلى تأسيس إسرائيل عام 1948، حيث واجهت دولة الاحتلال تحديات تتعلق بغياب العمق الإستراتيجي وقلة السكان، مما دفع قادتها، وفي مقدمتهم بن غوريون، لوضع إستراتيجية تقوم على بناء تفوق عسكري مدعوم غربيا، مع اعتبار الدول العربية المجاورة مصادر تهديد وجودي.
و تطورت هذه العقيدة فيما بعد، كما يكشف ضابط الاستخبارات ديفيد بن عوزيل في مقابلة مع صحيفة يديعوت أحرونوت، وأصبحت تقوم على ركيزتين:
الحزام الأول: إشعال الصراعات بين الدول العربية وجيرانها غير العرب (مثل تركيا أو إيران)، لإضعافها واستنزافها في نزاعات جانبية لا تخص إسرائيل.
الحزام الثاني: استغلال الأقليات في المنطقة، خصوصا قرب فلسطين، بعزلهم عن محيطهم وربط أمنهم بأمن إسرائيل، مما يدفعهم للتحالف معها بدافع الخوف.
ووفق هذه الرؤية، يرى مراقبون أن التدخل الإسرائيلي في السويداء لم يأت بوصفه استجابة إنسانية كما تدعي دولة الاحتلال، بل لكونه جزءا من إستراتيجية أوسع لإعادة تشكيل الجغرافيا السورية بما يخدم مصالح إسرائيل الأمنية والتوسعية، مستثمرة في مكونات اجتماعية تتعرض لتهميش أو توتر سياسي، وتحويلها إلى أدوات نفوذ إقليمي في لحظة انهيار المركز.
يذكر أنه إضافة إلى الطائفة الدرزية، سبق لإسرائيل أن حاولت فتح قنوات مع الأكراد والعلويين، من خلال تقديم أشكال مختلفة من الدعم السياسي والعسكري والإعلامي، في إطار إستراتيجية تهدف إلى تقويض المركزية السياسية في دمشق، وتثبيت واقع الانقسام.
———————————–
لماذا اتفاق السويداء هذه المرة يختلف عن سابقه؟
19/7/2025
مع بدء تنفيذ المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار في محافظة السويداء جنوبي سوريا، تأمل الحكومة السورية وأهل المحافظة أن يسهم الاتفاق في إنهاء التوتر والاقتتال الذي شب بين العشائر العربية البدوية وجماعات مسلحة تصفها الحكومة بالخارجة عن القانون، خاصة أن هناك عوامل ضاغطة -بحسب مراقبين- يمكنها أن تجعل الاتفاق الحالي يصمد هذه المرة .
وبحسب كثيرين، فإن الاتفاق يضع القيادة السورية أمام امتحان حقيقي، وإذا نجحت فيه فإنها ستجهض مخططات التقسيم التي تستهدف وحدة الأراضي السورية، كما أن حالة الفوضى العارمة التي شهدتها محافظة السويداء في أعقاب انسحاب القوات السورية إثر القصف الإسرائيلي على أماكن سيادية سورية، دفع واشنطن لرفض محاولات تل أبيب لزعزعة أمن واستقرار سوريا.
وقال الرئيس السوري، أحمد الشرع، إنه تلقى دعوات دولية للتدخل فيما يجري بالسويداء وإعادة الأمن للبلاد، مشددا على أن سوريا ليست ميدانا لمشاريع الانفصال والتقسيم، ومؤكدا أن التدخل الإسرائيلي أعاد توتر الأحداث في السويداء إثر القصف السافر للجنوب والعاصمة دمشق.
ولعبت الوساطة الدولية العربية وتحديدا الخليجية دورا في تحقيق اتفاق وقف إطلاق النار في المحافظة السورية، والذي يشمل 3 مراحل، الأولى تتضمن فض الاشتباك بين المجموعات المسلحة وقوات العشائر العربية، والثانية إدخال المساعدات الطبية اللازمة وتوفير الخدمات الأساسية، والثالثة تبدأ بعد تثبيت التهدئة بتفعيل مؤسسات الدولة وانتشار عناصر الأمن الداخلي في جميع أرجاء المحافظة.
وجاء التدخل الدولي بعد أن تفاقمت الأوضاع في السويداء، وتركت تداعيات خطيرة على السكان، كما يقول الكاتب والباحث السياسي، مؤيد غزلان قبلاوي لبرنامج “ما وراء الخبر”.
وما يُميز الاتفاق الحالي عن سابقه أنه يتطرق -وفق غزلان قبلاوي- إلى عناوين عامة سهلة التطبيق، كما أنه سيطبق على مراحل، مما يكفل صدق النوايا من الطرفين بعدم اختراقه ويسمح لدروز السويداء بتوفير المناخ المناسب لانتشار قوات الأمن الوطني في المحافظة.
دور حاسم
وفي السياق نفسه، يرى محللون ومراقبون أن الدور الأميركي كان حاسما في مسألة التوصل إلى اتفاق السويداء، وهو ما يشير إليه ستيفن هايدمان، الباحث في مركز سياسة الشرق الأوسط بمعهد بروكينغز، إذ يعتقد أن التفكير الأساسي للإدارة الأميركية قد تغير حيال التدخل الإسرائيلي في سوريا، حيث “فهمت واشنطن أن إسرائيل كانت تؤدي دورا مزعزعا للاستقرار في المنطقة”.
ووصف وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو التصعيد الإسرائيلي في سوريا بأنه “غير مفيد”، وفضلا عن ذلك ترى إدارة الرئيس دونالد ترامب -يتابع هايدمان- أن إسرائيل ليس باستطاعتها شن حرب جديدة في كل مرة ضد جيرانها.
والعامل الآخر الذي لم يكن في صالح إسرائيل هو القوات الدرزية التابعة لحكمت الهجري، والتي تكبدت خسائر جمة في خضم الاقتتال التي كانت تخوضها مع قوات العشائر العربية، وفق الضيف الأميركي.
وترى إدارة ترامب أن وقف إطلاق النار في السويداء سيعطي فرصة للحكومة السورية كي ترسخ وجودها في المحافظة وتفرض وجودها، وهي مقاربة يقول هايدمان في حديثه لبرنامج “ما وراء الخبر” إنها تظهر في موقف المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا والسفير لدى تركيا توم برّاك خلال المباحثات الثلاثية التي عقدت في العاصمة الأردنية عمّان رفقة وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي ونظيره السوري أسعد الشيباني، وتناولت الأوضاع في سوريا.
وأثناء اللقاء أكد الصفدي وبرّاك على وقوف المملكة الأردنية والولايات المتحدة وتضامنهما الكامل مع سوريا وأمنها واستقرارها وسيادتها وسلامة ووحدة أراضيها وسلامة مواطنيها.
ورغم “الفهم” الأميركي للدور الإسرائيلي في سوريا، كما يؤكد هايدمان، فإن إسرائيل تستمر في موقفها، وهو ما يلفت إليه الكاتب المختص بالشأن الإسرائيلي، إيهاب جبارين، بقوله إن إسرائيل ترى أن “الهدنة الحالية في السويداء لا تغير المعادلة الكبرى، ولكنها قد تشكل فاصلا على المدى الطويل في مسار تآكل داخلي للدولة السورية”.
المصدر: الجزيرة
—————————-
======================



