إغلاق صالة الكندي الدمشقية… وقفة أخيرة/ نجيب نصير

19 يوليو 2025
في 11 يوليو/ تموز الحالي، اجتمع أمام صالة سينما الكندي الدمشقية، عدد من محبّي السينما، احتجاجاً على قرار وزارة الأوقاف السورية إغلاق هذه الصالة العريقة، بذريعة عقارية بسيطة، وتحويل صفتها إلى مركز ثقافي يشعّ بنور العلم والمعرفة. بدا هؤلاء كمن يؤبّن الصالة إلى مثواها المقبل، شاهداً على تطليقها من الثقافة، وإلحاقها بنقيضها، ما انعكس على تعليقات الإنفلونسر الكثر من مؤيدي القرار، وتمّ القبض على المعنى، وتلبيسه تهمة الجهالة، في محاولة لإعادة تعريف السينما والأفلام بحسب المعايير “الحديثة” لسورية هذه الأيام.
صالة سينما الكندي عريقة في الجوّ الترفيهي الدمشقي، ومعروفة منذ عشرينيات القرن الماضي باسم “أدونيس”، ثم “بلقيس”، إلى أنّ حَطّ بها الرحال في حضن “المؤسسة العامة للسينما”، بما يشبه إجراءً تأميمياً (للثقافة أكثر ممّا للسينما) طاول صالات عدّة في المحافظات الأخرى (طرطوس، اللاذقية، دير الزور، حمص، حلب)، حيث أنشئت سلسلة صالات الكندي، مراكز غير ربحية (يشوبها بعض الفساد المالي طبعاً)، لتعرض ما لا تقوى الصالات التجارية على عرضه، من ناحية نخبوية الأفلام (فيليني وبازوليني وبونويل وبيرغمان وغيرهم) من جهة، وتساهل رقابيّ جسدي من جهة أخرى، ما جعلها متمايزة عن جوّ الترفيه السينمائي العادي والمتداول في الأوساط الاجتماعية، وجامعة لمحبّي السينما من شتى التصنيفات الثقافية، حتى تحوّلت إلى مركز ثقافي فعلي، يحتضن نوادي السينما، والأسابيع السينمائية متنوّعة المصادر والبلدان، وإقامة ندوات بعد العروض، التي امتازت بحماسة ثقافية عالية، ومكاتب لمجلة “الحياة السينمائية” الفصلية، إضافة إلى أرشيفها الكبير بالنسبة إلى صالة سينمائية.
الأهمّ من هذا كله أنّها نجت من أطماع متنفّذي السلطة العقاريين، الذين لديهم النفوذ لتحوير القوانين للاستيلاء على أرضٍ تساوي الكثير. وحافظت على هيكلها الخارجي في فترة الاحتضار الطويل للسينما في البلد. مع هذا، ظلّت مكاناً تعليمياً لدبلوم المهن السينمائية، إلى جانب إقامة نشاطات تدريبية تنموية مختصّة بالفن السابع.
لم يأتِ هذا التأبين (بحجمه ونوعه) مصادفةً، بل إنّه تحصيل حاصل لاحتضار طويل للسينما، بدأ منذ ثمانينيات القرن الماضي، حين تمّ التغاضي عن تهافت الممارسات السينمائية تباعاً، انطلاقاً من تهافت نوعية الأفلام التي كانت تستوردها “المؤسسة العامة للسينما”، بعد أن حصرت استيراد الأفلام بها، مروراً بالنقد المتثاقف للأفلام في الإعلام، الذي قسّمها من دون أي رؤية إلى أفلام تجارية تافهة، وأخرى نخبوية عظيمة وتذكارية. ثمّ طرأ ذلك التغيير في الثقافة الاجتماعية (حوادث 1982 العنفية، الثورة الإيرانية وأضدادها). هذا أكّده محلياً سوء الأجواء المحيطة بصالة السينما من زعرنات وعنف بسبب كثافة حضور العسكر في أجواء الاجتماع السوري، ما سهّل دخول جهاز الفيديو والمُشاهدة المنزلية للأفلام، وما تبع ذلك من دراما تلفزيونية مروَّضة جيداً، تساير هذا “النوع” من التغيّر الثقافي.
بدأ الجمهور بالابتعاد عن صالة السينما تحت أعين السلطة، التي لا ترتاح للتجمّعات، وتستثمر في الإعلام أكثر من استثمارها في الفن، ما صنع اختناقات في أجواء المهن السينمائية، خصوصاً المخرجين المؤلّفين، ولهم بيان صادر في 19 يوليو 1999، أظهر قلقهم على مستقبل السينما أكثر مما حمل مطالبات سينمائية مقرّرة في خطط وزارة الثقافة.
عند هذه النقطة، انفضّ دافعو ثمن التذاكر عن تمويل العروض السينمائية، وبدأت الصالات التجارية إغلاق أبوابها، وتوقّفت السينما عن المشاركة في حياكة المشهد الثقافي السوري، وتبعتها صالات الكندي في المحافظات. لم يبقَ من تعبير عن وجود فن السينما في البلد سوى “المؤسسة العامة للسينما”، بجسد مترهّل قليل الإنتاج، ومنه صالة الكندي الدمشقية، التي كان يُمكن اعتبارها صالة انتظار عودة السينما إلى الحياة.
في هذا الوضع والصورة، يمكن لأي سلطةٍ، بمعايير الحَوكمة المعاصرة، بمعرفة أو بعدمها، مصادرة معنى السينما برمّتها، والتصرّف به كما ترى. فالمستفيد الافتراضي غائب أو مُغيّب عن شباك التذاكر، الذي عليه تمويل العملية كلّها، من دون الحاجة إلى دعم الدولة، بنظافة تامة ومن دون فساد. وعليه، واضحٌ أنّ وجود السينما من عدمه سيّان، إلاّ في بعض النوستالجيا التراجيدية، التي تودّعها أكثر مما ترحّب بها، وهذا يكتم اعترافنا بواقع التخلّف المرير الذي عشناه ونعيشه وسنعيشه، ويؤجّله إلى ما لا نهاية.
هذا يُظهر سينما الكندي بطلاً وحيداً وحزيناً ومهزوماً ومتروكاً، وعلينا البكاء على أطلاله، لكنّه في الحقيقة بكاء على ثقافة اجتماعية فاتت الحالمين باللحاق بركب التحضّر، وفاتت الجميع الذين لم يدافعوا عنها، بل تجاهلوا احتضار جزء مؤسس للمعرفة في ثقافتنا وثقافات الشعوب المعاصرة، من دون أي بديل لائق وفعّال.
ودّعنا سينما الكندي، صالة العروض منذ زمن غير قليل. واليوم، جاء موعد الدفن من دون تعازٍ أو تطييب خواطر، أو اعتذار عن خطأ، إذْ كشفنا، نحن الجماعات البشرية، عن حقيقة السينما بأنّها خطأ وخطيئة، هذا أوان تصحيحه، أو التكفير عنها.
العربي الجديد



