“الذات” و”الآخر”.. الصورة والواقع في نظرة متقابلة/ حسان الأسود

2025.07.16
تتحدد “الذات” بمقابلتها مع “الآخر” (هو، هي، هم)، فوعي الذات لذاتها لا يستقيم إلا بمقارنتها مع غيرها، ليس لأنها لا تمتلك من عناصرها الخاصة شيئاً، بل لأنّها لا تكتشفها ولا تدرك خصائصها ولا تعرف ميّزاتها إلا عندما تضعها في مرآة المختلف.
المقارنة هي بالضرورة فحص وتدقيق قياس ومفاضلة واكتشاف، وهي لذلك كلّه تظهر المزايا والعيوب، الحسنات والمثالب، الموجب والسالب في القرينين. و(الذات) الفاحصة هذه تأخذ من مقارباتها مع (الآخر)، ما ترتاح إليه أو ما تنفر منه فقط إذا كانت تصدر في فحصها هذا عن موقف أيديولوجي، وبذلك تقصي جوانب هذا (الآخر)، التي لا تريد أن تراها، وهي بذلك تُقصيه أو تُقصي جزءًا منه.
ينتج عن هذا تنميطٌ من نوعٍ ما، إما تنميطُ شيطنةٍ أو تنميطُ تمجيدٍ وتأليه، لأنّ الموقف المسبق المستند إلى نظرة عقدية يأخذ جزئية ويعممها على الكل ليصل إلى نتيجة تتوافق معه، وهو بذلك يعمم الجزء الذي يناسبه على (الآخر) كلّه، فيظلم هذا (الآخر) حينما يختصره بوصف جزء من أجزائه.
المقارنة الموضوعية على العكس من الأولى، تأخذ كل جوانب (الذات) وتضعها مقابل كلّ جوانب (الآخر) لتخلص من فحصهما إلى نتائج حقيقة قابلة للفهم ويمكن البناء عليها.
لو طرحنا السؤال بتحديد أكثر، فقلنا لعربي مسلمٍ مثلاً ما تعريفك للغرب، ثم عكسنا السؤال ونقلناه إلى الضفة الأخرى، فسألنا مسيحياً أوروبياً أو أميركياً ما تعريفك للشرق، فكيف سنتوقّع الإجابات؟ سنحصل بكل تأكيدٍ على العديد من الاحتمالات، وسنستعرض هنا بعضها لننظر في أيها أقرب للواقع.
سيقول عربيٌ مسلمٌ، الغرب هو: الاستعمار، والاستعلاء، والتوحش، والكيل بمكيالين، والمثلية الجنسية، ومصدر الحروب، والماسونية، والرأسمالية المتوحشة، والمصلحة الفردية، والمادية، والتسليع، والطمع، والجشع، والتفكك الأسري، والخواء الروحي..، بينما سيقول آخر: الغرب هو العلم، والمعرفة، والتقدّم، والصناعة، والتقنية، والفضاء، والديمقراطية، والحرية، وحقوق الإنسان، ودولة المواطنة، وسيادة القانون، والشفافية، والموضة، والسينما، والمسرح، والأدب، والموسيقى..، وكلاهما محقّ فيما يقوله.
سيقول مسيحي أوروبي أو أميركي عن الشرق: إنّه التخلّف، والتطرّف، والتعصّب، والإرهاب، والنفط، الصحراء، والذكورية، والاستبداد، والديكتاتورية، والفكر الغيبي، والتبعية، والقابلية للاستعمار، والدونية، والانحطاط الفكري، والتأخر العلمي..، وسيقول آخر عن الشرق: إنّه مصدر الأديان السماوية، وأرض الكرم والشجاعة، وموطن الأبجدية الأولى، ومهد الحضارة البشرية، وأرض الشعر، وبلاد الرومانسية والروحانية، ومجتمع التراحم والدفء الأسري..، وكلاهما محقّ فيما وصف.
لماذا نجد الإجابات المتناقضة هذه حقيقية وممكنة وصادقة؟ يكمن الجواب في حقيقة أنّ (الذات) و(الآخر) يحتويان كليهما في الواقع على كل هذه المتناقضات، فالغرب لا يُختصر بجانب واحد من جوانبه، ولا الشرق كذلك.
الفكر الشرقي الذي يرى الغرب مصدراً لكل الشرور هو الذي تقوقع على نفسه وتشرنق في خيوطه ولم ير من الغرب إلا الحروب الصليبية والاستعمار، أي صورة العدّو فقط، بينما نقيضه من الفكر الشرقي الذي يرى في الغرب معيناً لكل جمال وتقدّم وفضيلة، هو الفكر الذي انفصل عن واقعه والتحق بكليّته بالغرب، فانبهر به وغضّ الطرف عن كل جوانبه البشعة، كلا النمطين من التفكير يمكن وصفهما بالفكر المنغلق، إمّا على ذاته، أو على الآخر الذي تذّوت فيه فأصبح جزءًا منه دون أن يترك لذاته مسافة تفصله عنه وتميّزه منه.
لو أخذنا هذه الطريقة في مقاربة (الذات) مع (الآخر) وطرحناها على واقعنا المجتمعي الداخلي، وليكن في سوريا مثلاً، فعلام سنحصل؟ قد نتفاجأ بأنّ كثيراً من المشتركات ستظهر أمامنا، أو بالأحرى سنجد أنّ كثيراً من فئات المجتمع لديها أحكامٌ مماثلة متبادلة بين بعضها، لنكن أكثر تحديداً ولنباشر طرح بعض الأمثلة من وجهات نظر مختلفة.
ثمّة نظرة شبه تعميمية مثلاً عن المسلمين السنّة، تصفهم بأنّهم “دواعش”، وكارهون لغيرهم من أتباع الديانات الأخرى، ومتعصبون، وذكوريون، وإقصائيون..، وثمّة نظرة عن العرب مثلاً بأنهم قوميون شوفينيون، ويقدمون عروبتهم على سوريتهم، ويحاولون فرض لغتهم وعاداتهم وتقاليدهم بالقوة..، وثمّة نظرة عن المسيحيين بأنهم أقلّويون، ويقدمون الانتماء الديني على الانتماء الوطني، ومتعصبون لكنيستهم (على اختلاف مرجعياتهم بين كاثوليك وبروتستانت وأرثوذوكس)..، وهناك نظرة عن العلويين والدروز والإسماعيليين بأنهم باطنيون ويخفون ما لا يظهرون، وأنهم لا يهتمون إلا لطوائفهم، وأنّ انتماءهم الوطني مشكوك فيه..، وهناك نظرة عن الكورد بأنّهم انفصاليون يسعون لاقتطاع جزء من سوريا، وأنّ ارتباطهم القومي مقدّم على ارتباطهم الوطني، وأنّ الكوردي في آخر المعمورة أقرب إليهم من السوري العربي في القرية المجاورة..، وهذا ينطبق على كثير من فئات الشعب السوري بقومياتها وأديانها وطوائفها ومذاهبها المختلفة، ينطبق على البدو والحضر، وعلى أهل الريف وأهل المدن.
هذه النظرة التجزيئية التي تأخذ بعض القشور والظواهر، ثم تعممها لتشمل الكل المقصود من الفحص والمقاربة، هي نتاج لانعدام التواصل الحر بين (الذات) و(الآخر)، وهي سبب في استدامة هذه القطيعة أيضاً.
الجدران التي ترفعها الإيديولوجيا بين البشر تفصل عناصر الذات الواحدة عن بعضها، فتقطّع أوصالها وتُعيد كل جزء إلى مساحة معزولة، وسواء أصَغُرت هذه المساحة أم كبُرت، فإنها تبقى جزءاً من كلٍّ لا يعرف ذاته، بل على العكس يرسم تصورات عنها مخالفة لحقيقة جوهرها.
عندما يستدعي (الذات) مظلوميته التاريخية بعيداً عن سياقات تشكلها وتطورها، ثم يأتي (الآخر) ليقوم بالعملية نفسها، فإننا سنصل إلى طريق لا رجوع منه، طريق يبتعد طرفاه في غاية مسارهما إلى ما نهاية له.
يطرح هذا النهج من التفكير أسئلة راهنة وأسئلة مستقبلة، فكيف لنا أن نعيش مع بعضنا إذا كنّا نصنّف بعضنا بين (ذات) و (آخر)، ومن أين يأتي الجواب على أننا يجب أن نكون (ذاتاً) واحدة في مقابل بعضنا، و(آخر) واحداً في مقابل الغريب الأجنبي الخارج بطبيعته عنّا؟ من أين نجمع عناصر الإجابة على مستقبلنا ومستقبل أولادنا، كيف لنا أن نخطط لهذا القادم بعقلية تمزّق (الذات) الواحدة إلى ذوات متعددة و (آخرين) كثر؟
الإجابة ليست بالأمر الهيّن، لكنّ خيوطَها واضحةٌ لنا إذا أردنا رؤيتها، أوّل الطريق هو البصيرة المنفتحة، وآخره هو الحكمة المتحصلة من مصلحة العيش المشترك، ومن قيمة التسامح المستند للقبول الكامل بطبيعيّة الاختلاف واستحالة التماثل.
التسامح القائم على المعرفة لا على الجهل، على إدراك قيمة الاختلاف وتزيينه مائدتنا كما تزينها مفرداتها المتنوّعة، الاتفاق على أنّ الاختلاف كالبهارات والتوابل والعطور والورود لا يُختزل بواحد من عناصره، بل إنّ جماله وروعته في تنوّعه وتعدده.
يفترض هذا كلّه حواراً منفتحاً حرّاً ينتج معرفة بـ(الذات) بكل مفاصلها التي نظنها (ذاتاً) و (آخراً) في الوقت نفسه، يحتاج هذا على الصعيد الشخصي عقلاً واعياً مدركاً، وعلى الصعيد الجمعي دولة تتسع الجميع وسلطة تمثلهم.
الطريق الأول الذي لم نسلكه بعد هو طريق الحوار الوطني، هذا الذي اختزلناه بإجراءات شكلية مسرحية للوصول إلى استحقاقات كان يمكن إنجازها دون هذا البتر المستعجل للسيرورة الوطنية المنتظرة.
كلّ مشاكلنا تأتي من هذا التمييز بين عناصر ذاتنا الواحدة، ومن تقسيمها إلى أجزاء متباغضة يجهل بعضها البعض الآخر، والحل لمشاكلنا جميعها يبدأ من معرفة هذه الذات على حقيقتها، لا على صورتها التي يرسمها كل جزء عن باقي الأجزاء استناداً لعقيدته التي يتمترس خلفها ظانّاً أنّها الحق المطلق الذي لا يأتيه الباطل أبداً.



