السؤال الذي لم يخضع لتفكير نقدي: لماذا يجب أن تبقى سوريا موحدة؟/ إياد الجعفري

2025.07.19
لماذا يجب أن تبقى سوريا موحدة؟ نعتقد أن قلّة ممن يقرؤون هذه السطور فكروا بحيادية أو تمعنوا بإجابة موضوعية مباشرة لهذا السؤال. هناك إجابة غير مباشرة ومعلّبة، يمكن أن تخطر على بالنا، مما تم تلقينه لنا بحِسٍّ “شعاراتي”. ترتبط هذه الإجابة بسرديات “المؤامرة” ورغبة المتآمرين الخارجيين، بتقسيم سوريا، بهدف إضعافها. فسوريا مقسّمة، يعني سوريا ضعيفة. وهو ما يخدم أعداء سوريا –في هذه الحالة، إسرائيل بالدرجة الأولى-.
ندعي في مقالنا هذا، أن الإجابة أعلاه، دوغمائية. لم يسبق أن خضعت للتفكير النقدي، في محاولة تفكيكها، والكشف عن مدى دقتها. وبناءً عليها، بُنيت بروباغندا نظام الأسد طوال عقود حكمه. وكما نذكر، اتهم النظام الثائرين عليه عام 2011 بأنهم أدوات لمؤامرة خارجية هدفها تقسيم سوريا. وردد منظّروه وإعلاميوه ذات البروباغندا، وعملوا على تعبئة مناصريه باستخدامها، إلى جانب جملة أدوات أخرى.
واليوم يُستخدم ذات الحِسّ “الشعاراتي”، المتعلق بضرورة دفع الدم ضريبةً للحفاظ على “وحدة سوريا”. لكن، يندر أن نجد نقاشاً خارج الصندوق حول: لماذا يجب أن تبقى سوريا موحدة؟ فقط للتذكير، فسوريا التي نعرفها، رُسمت حدودها بإرادة خارجية، كما نعرف جميعاً. وحينما نتذكر هذه الحقيقة، يصبح السؤال ملحاً: لماذا يجب أن تبقى سوريا موحدة؟
قد يستنكر البعض طرح هذا السؤال أساساً، من زاوية أن لا أحد جادٌ بفكرة تقسيم سوريا، على الأقل في أوساط السوريين. فحتى أنصار الحكم الذاتي، من الأكراد والدروز، لا ينادون بالانفصال عن سوريا. لكن، اتهام هؤلاء بأن نواياهم انفصالية، وأنهم يخدمون أجندة خارجية لتقسيم سوريا، يشكّل الرافعة الأساسية للتعبئة المقصودة أو غير المقصودة، حيالهم. مما يجعل محاولة البحث عن إجابة نقدية لهذا السؤال، أكثر إلحاحاً: لماذا يجب أن تبقى سوريا موحدة؟
وفي سياق محاولة تفكيك هذا السؤال، نجد سؤالاً مرتبطاً به، وأكثر مباشرة منه: هل من الأفضل للسوريين أن يكونوا ضمن دولة واحدة متنوعة المكونات أم أن يكونوا في دول عدّة كل منها تمثّل مكوّناً خاصاً؟ أولى الأجوبة التي تطالعنا على هذا السؤال، هو درجة تعقيد التداخل الديمغرافي – الجغرافي، بين مكوّنات الدولة السورية، مما يجعل انفصال أي منها، في كيان سياسي خاص بها، شبه مستحيل. إلا باستخدام أدوات “الغَلَبة”. أي مكوّن يغلب على باقي المكوّنات. وهي ذاتها الإشكالية التي يواجهها “الكيان” السوري اليوم، وتخلق حالة الصراع بين مكوناته. أي، رغبة كل مكوّن ألا يخضع لحالة “الغَلَبة” من جانب مكوّن آخر. فالتقسيم لن يحل حالة الصراع بين مكونات سوريا. فكلما قسّمت، ظهرت لديك تناقضات تتطلب المزيد من التقسيم. هذا من جانب. من جانب آخر، تطالعنا معضلة أكبر، تتعلق بالأضرار الاقتصادية للتقسيم. مثلاً، لو انفصلت محافظة السويداء، في دولة خاصة بها، فهي ستفقد الوصول إلى موارد هامة، وستخسر الكثير من مدخلات الإنتاج ومصادر الدخل لأبنائها.
بطبيعة الحال، نحن هنا لا نخبر القارئ بشيء مفاجئ. إذ نعتقد أن معظم السوريين –وهذا ما نأمله- على دراية كافية، بالأضرار الاقتصادية للتقسيم، على مصالحهم، وبمختلف مكوناتهم. إذاً، لماذا تلقى دعوات “انكفائية” نحو حكم ذاتي –على الأقل-، قبولاً واسعاً، لدى بعض المكونات؟ بطبيعة الحال، هم لا يضحون بمصالحهم خدمة لأجندات خارجية! هم ببساطة، يعانون من إشكالية رفض “الغَلَبة”. أي “غَلَبة” مكوّن آخر عليهم، وخضوعهم له. وهو ما يحيلنا لسؤال آخر ذي صلة: هل فرض وحدة سوريا باستخدام أدوات القوة أفضل من سيناريو التقسيم؟ نجد جواباً من تاريخنا الخاص. فسوريا في عهد حافظ الأسد، كانت دولة “ذات سيادة” وفق المعايير المتعارف عليها، وذات وزن في السياسات الإقليمية، وموحدة بالقوة. هل وفّر ذلك استدامة لهذه الوحدة؟ وهل جنّب البلاد دورات عنف تكررت مراراً؟ وكيف كانت خاتمة هذه التجربة بعد خمسة عقود، أي تجربة فرض “سيادة الدولة” بالقوة؟! وهكذا، ومن وحي تجربتنا الخاصة، نستطيع القول إن فرض الوحدة في سوريا، بالقوة، لا يوفّر استقراراً مستداماً.
وهناك جانب آخر من تجارب الشعوب، قد يحيلنا إلى إجابة ملهمة، بخصوص سؤالنا الرئيسي. وهو مثال، الاتحاد الأوروبي. لماذا تسعى دول متقدمة صناعياً وعلمياً، وذات وزن دولي –في معظمها-، لتترابط معاً؟ الجواب كما يعلم الكثيرون، هو الاقتصاد. كلما اتسع السوق المتاح للإنتاج ولليد العاملة ولحركة النقل، دون قيود، كلما انعكس ذلك إيجاباً على مجمل الاقتصادات المنضوية في إطار هذا السوق.
قد تكون النقطة الأخيرة، كلمة السرّ في الحاجة إلى سوريا موحدة. وهو ما يحيلنا للعوائق الاقتصادية المتعلقة بالتقسيم. وحدة سوريا، جغرافياً وديمغرافياً، يعني سوق أكبر، وإنتاج أقوى، وأيد عاملة متاحة بصورة أفضل، وحركة نقل دون قيود، ضمن هوامش أبعد. والعكس صحيح تماماً. لكن، هل يمكن تحقيق هذا الهدف الاقتصادي من الوحدة، بأسلوب القوة والقهر؟ يتحقق ذلك كما أشرنا سابقاً –في تجربة نظام الأسد-، على مدى تاريخي قريب، لكنه لا يتحقق بصورة مستدامة. أي أن توحيد سوريا، بأسلوب “الغَلَبة”، لا يوفر استقراراً بعيد الأمد.
كان هدفنا من هذه الأسئلة التشريحية أعلاه، أن نساهم –إن أمكن- في الدفع نحو إعمال العقل، بدل “الغرائز” المتعلقة بالانتماءات ما دون الوطنية، والتي بات صوتها أعلى في خضم ما حدث في السويداء. ولتفكيك ذلك، يتطلب الأمر التفكير من خارج الصندوق الكلاسيكي المتعلق بمؤامرة خارجية، ومتآمرين راغبين بتقسيمنا بهدف إضعافنا. يتطلب الأمر أن نسأل أنفسنا بصدق: لماذا نريد أن نكون في دولة واحدة؟ نزعم من جانبنا، أن مصلحة جميع السوريين، بكل مكوناتهم، في ذلك، مرتبطة بحياة اقتصادية أفضل، يمكن أن تتحقق كلما أتيح تحرك السوري (بوصفه منتج أو يد عاملة)، ضمن سوق أكبر. وفي حين يجرنا التفكير “الغرائزي – الطائفي والقبلي”، الانغلاقي، إلى سوق أصغر، وإلى أفق اقتصادي أضيق، يقودنا التفكير “الوطني – العابر للحساسيات ما دون الوطنية”، نحو أفق اقتصادي أرحب، بمرات. وهذا ما تعلمته شعوب عدة، فانفتحت على بعضها، رغم تاريخ العداوات العميق بينها (مثال فرنسا وألمانيا، شاهد على ذلك). لكن، كي يتحقق هذا الهدف من الوحدة، نحن بحاجة لأن تكون الوحدة مبنية على قبول كل المكونات. كي تتحقق حرية التنقل والإنتاج ضمن السوق السورية كاملة، دون قيود أو مخاوف. وهذا يعني أن سوريا الموحدة يجب أن تبنى على شراكة بإرادة كل مكوناتها، كي تحصل على مستقبل مستقر وأفق اقتصادي رحب، بشكل مستدام.
بناء على ما سبق، نقول إن الدعوات إلى مؤتمر حوار وطني جديد، وحقيقي، وخارطة طريق جديدة لمستقبل سوريا، تُشرك الجميع، ليست دعوات بعيدة عن الصواب والحكمة، أو كلام تنظيري غير قابل للتحقيق، بل العكس هو الصحيح. وبدلاً من تكرار تجربة نظام الأسد، بفرض “سيادة الدولة” و”هيبتها” بالقوة والقهر، بصورة تخلق مقومات انفضاض هذه الوحدة عند أول منعطف محتمل، علينا أن نتعلم من تجربتنا الخاصة، وتجارب الشعوب الأخرى، ونشتق سبيلاً جديداً مختلفاً، هذه المرة.



