سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعشعرمن ذاكرة صفحات سوريةنصوصنقد ومقالات

بمثابة وداع للشاعر السوري “حسان عزت” الذي رحل مبكرا

تحديث 29 تموز 2025

آخر قصيدة كتبها الراحل ” حسان عزت”

سورة التين

حسان عزت

ضوء الأثر في الغرام

حسان عزت

على باب الجنة

كتب الحب

وكتب على باب الحب “وجعلنا لكم من أنفسكم ازواجا لتسكنوا اليها”

قالت جولهانة لجنة الياسمين على صباحي

منذ بابل وارام ماقبل استانبول حتى شآم قبل المطامع والحروب والسلطان والسيادة

واذا قمت لها قم بالآذان

ومرغ جبينا بالخاشعين

لقد شقق التين على امهاته

بعد الفصول وقال انا بجناتها

كانا طفلين يمشيان بشارع الكورنيش بأحلام الندى والامل

صارا شابين يمشينا بروح الغرام

قال انا الحلم

قالت انا الجنة الوارفة في شآم

للصياد قلب من حجا رة فولاذ

يريد المزيد

مانمت الليل يا ذيب

“حاكمني قلق ونعاش ياذيب”

سارعت اغصان صفصاف النهر نحو الماء

سارعت عيون الحواري الي النهر بدمع من جمان

ضحك النهر وحيا لفريدات الجمال

للصياد نهم الوحش في غيل الأجم

في شام انت لاتحتاج للقمر ولا كأس الطلى

ضفة من بردى وماء الفيجة العذب و رأدة من الصيف

فلنشرب على فتنتها

في الصيف وآيات من بلودان ومن اثمارها

شقق التين على امهاته

منّا وأس وبه من نهلةٍ دمعُ العشق وسلوى للرسول

كيف بالجنة اذا ياحبيبي

في الشام سبعة أبواب

باب الواصلين

جهجه الصبح فقم وأذنْ بالجماعي في رأد الصباح

ينهض الخلق على بكرتها

واذا قمت لها قم بالواصلين

كلٌّ كتابه بيمينه يتلو هواه

الصبايا واللواوين وطير الحمام

*

نسي الشاعر أن القتل والعمران من أصل ودم الشعراء في الحب يسيل

وضّاح وعكرمة والمجنون

وديك الجن الهوى الف عظيم

كيف لايعرف الحب ويسمى شاعر العقل

 الملاء لصبايا الشام طعم الفتنة

شقشق التين على اماته فغرد على ريقة الصبح وعَجِلْ ياغرام

الصبايا على قمر العز وما اينع من رده الهيام

ويصلن الحبَّ في ليل الهوى دُنيا سلام

يصلُ الأرضَ سماءً ونجوما

لصباح الياسمين

شقق التين على اماته للعاشقين

**

قم الآن

أقووووووووووزووووم

أقومُ

بكلّ العزيمةِ والرّوح

وهذا الصباح صباحي أقومُ

يكفي

لقد قلتَ

وأذّنتَ في النائمين

والضائعين حيارى بليلٍ عَوان

الفجرُ لاحْ

طلعَ الصباح

———————————-

تحديث 26 تموز 2025

رحيل السوري… حسان عزت شاعر شجر الغيلان الباحث عن قمر/ وائل السوّاح

يوليو 23, 2025 

كم اختلفنا معا، وكم اتفقنا معا، وكم ضحكنا وبكينا وغنينا معا. مات حسّان عزّت. الشاعر الجميل الذي كان يسكن بين الكلمات والصور، يعيش القصيدة قبل أن يكتبها، وفي أحايين كثيرة يعيشها ولا يكتبها. لا يمتّ بصلة إلى فوضى الشعراء وبوهيمية الفنانين. أنيق، نظيف ومرتّب، كما هي قصائده وكتبه. كان لديه في بيته في بستان البختيار غرفة، لا يدخلها الغبار ولا البشر، إلا نخبة من أصدقائه.

حين سمح لي أول مرة بالدخول إليها، دخلناها كاهنين بوذيين يتسللان إلى معبدهما. سحرني الجو الكئيب، النظيف المرتب. كلّ الكتب كانت مغلّفة بلاصق من النايلون الأزرق الحزين.

في تلك الغرفة استمعنا إلى الشعر والموسيقى واتفقنا واختلفنا في قصيدة النثر وقصيدة التفعيلة وفي النقد، قرأنا رامبو وبودلير وويتمان وأدونيس وسليم بركات، وخضنا في السياسة والفلسفة والدين.

كان حسّان ليبرالياً متحمساً في أفكاره الدينية والفلسفية والاجتماعية، وكنت أبدو إزاء تحرّره متزمّتاً قليلاً.

تعرّفت إلى حسّان عزت في مهرجان للشعر والقصّة في جامعة دمشق. لسبب لا أفهمه، سمّى اتحاد الطلبة المهرجان باسم “مهرجان عكاظ.” وكان لديّ عشرون سبباً لأكره الاسم، وتردّدت في المشاركة فيه، ولكن صديقي الصحفي عدنان جرجوس أقنعني. كنّا في مقهى الإيتوال قبالة مدرسة الفرانسيسكان. “ما لك وللاسم؟” سألني، “سيكون ثمّة جمهور كبير.” وهائل، النادل الذي كان يمهلنا في تسديد ثمن ما نشرب، والذي كان يضع فنجان قهوتي على الطاولة، هزّ برأسه موافقاً من دون أن يعرف ما القصّة، فاقتنعت.

اشتركت بقصّة عنوانها “لماذا مات يوسف النجّار” ستكون عنواناً لمجموعتي القصصية الأولى بعد ذلك بسنتين. حين ألقيت قصّتي في مقصف الأزروني المركزي بجامعة دمشق، شعرت بتقبّل جميل من الحضور.

كانت القصة حول مدرّس رسمٍ يعلّم أطفال قرية رسم السكاكين بدلاً عن الأزهار، فيحاول رئيس الشرطة أن يثنيه عن ذلك، وحين يفشل يقتله. بعد أن ألقيت قصتي، نهض إلى المنصة شاب أسمر نحيل، أجعد الشعر، بعينين سوداوين حالمتين، يتنهد؛ فتخرج من صدره زفرات طويلة متقطعة، تنبئ عن حزن دفين. ألقى حسان قصيدة بعنوان “الغزال الاسكندراني والحواة.” وكانت شيئاً جديداً بالفعل، في تركيبة الجملة الشعرية وتدفق الصور الغريبة. ولا ينبغي أن تحب شعر حسان عزت لتعترف أنه نسيج وحده في الشعر، لم يقلّد أحداً ولم يستطع أحد أن يلده.

لجنة تحكيم القصة تألفت من القاصّين العظيمين زكريا تامر وسعيد حورانية. لجنة تحكيم الشعر تألفت من الشعراء علي الجندي ومحمد عمران وفايز خضور.

يوم إعلان نتائج المسابقة، ذهبتُ إلى الإيتوال. لم أكن أرغب في حضور الاحتفال لأنني كنت واثقاً من أنه لن يكون لي مكان بين الفائزين، وبين المشاركين قصّاصون معروفون، بينهم القاص الفاتن عادل حديدي. في المقهى، رأيت عدنان، صديقي الذي أقنعني أساساً بالمشاركة. قال لي: “وماذا ستخسر؟ تعال نتسلَّ!” وهزّ هائل برأسه موافقاً. ذهبنا معاً، وجلست في آخر القاعة. سعيد حورانية أعلن النتائج، وكانت القصة الفائزة بالمرتبة الأولى قصة “لماذا مات يوسف النجار”، وحلّ عادل حديدي ثانياً. فيما بعد توطدت علاقتي بعادل، وصرنا زبونين مداومين في مطعم الريّس قبل إغلاقه، ولكن يومها لم يتلقّ عادل النتيجة بروح رياضية. في الشعر، فاز حسّان عزت، ولم يكن فوزه مفاجأة. تسلّم كلّ منا هديته: علبة من الموزاييك فيها لوحة نحاسية مكتوب عليها اسم الفائز والتاريخ. خرجت من مقصف الأزروني صحبة صديقي عدنان، وكنت ثملاً قليلاً بالفوز، وكانت نسمات آذارية منعشة تلفح وجهينا. سمعت أحدهم ينادي اسمي: “وائل!” التفت. كان حسان، يسير صوبي مسرعاً وبيده علبة الموزاييك. ابتسم وقال: “هناك خطأ في العلب. أعطوني علبتك ويبدو أن علبتي معك.” فتحت العلبة فوجدت اسم حسّان عليها. ضحكنا. تبادلنا العلبتين. ولوّحت مودعاً، ولكنّ حسان قال: “شو رأيك بقهوة في بيتي.” اكتشفت أن بيته يبعد عن بيتي الذي أسكنه خمسين متراً فحسب. وفنجان القهوة ذاك كان مفتاحاً لعالم من الثراء والمودة والصحبة الجميلة.

وحين طُلبت من قبل مخابرات أمن الدولة لاحقاً، وكان عليّ أن أتخفى، كتب حسّان قصيدة أسماها “مزمور العاشق واو” وأهداها لي. ثمّ بعد اعتقالي لحّنها وغنّاها الصديق سميح شقير، وحين أطلق سراحي، غناها في سهرة ضمتنا وثلّة كبيرة من الصحب:

كيفَ خلّفتَ وعودَ “الصالحيّة”؟

أينَ خبّأتَ زهورَ الياسمين

وتباعدتَ عن الصَحْبِ قليلاً

وعشِقتَ البندقيةْ

واستثارتك أحاديثُ الشجر

وتعابيرُ القُرُنْفُلِ

أينَ خبّأت الطفولة

أين خبَّأت العناقاتِ الطويلة؟

دمشقُ قد تمشي مع من يشاءْ

وقد تعطي جسدها لمن يشاءْ

إلاّ حُبِّها

فهو للعاشق “واو”

كان حسان شريكنا في “الكرّاس،” حسان وجميل حتمل وفادية اللاذقاني وبشير البكر وفرج بيرقدار وخالد درويش ورياض الصالح الحسين وأنا، نصدر كراسة أدبية شهرية، للكتابة غير الرسمية.

قلنا: نريدها كتابة خارج النص وخارج القوانين وخارج الصحافة الرسمية. وكنا نطبعها على الآلة الكاتبة، ثم نصورها على الورق الحساس (جستتنر) ثم نطبعها، ونجمع الأوراق سوية ونخرزها، وننطلق إلى الجامعة ومقاهي الأدباء والشوارع؛ لنبيعها بليرة سورية واحدة.

وكتب معنا ممدوح عدوان وعلي الجندي وفرج بيرقدار ومحمود شاهين وخالد درويش، ورسم معنا يوسف عبدلكي وسعد يكن وألفريد حتمل، وقرأَنا كلُّ من كان مهتماً، وقلبه علينا، خوفاً من زنزانة طائشة قد تصيبنا.

وقد أصابت رياض بالفعل، حيث اعتقل لبضعة أسابيع، وحقق معه في شكل الكراس ومحتواه، ثمّ أصابت خالد درويش وفرج بيرقدار، فاعتقل الاثنان زمناً.

كان هدفنا من الكرّاس الخروج عن سلطة الرقابة وسلطة الشعر التقليدي وسلطة الأحزاب السياسية المهيمنة على الأدب والفن، الأحزاب التي فرضت علينا أيمن أبو شعر شاعراً كبيراً ورائق النقري فيلسوفاً معاصراً. لم تكن الصحافة تنشر قصائدنا وقصصنا، فقلنا، “ننشرها نحن،” وفعلنا، مخلّفين وراءنا موجة نقدية أعطت ما كتبناه حقّه وقتها.

في الكرّاس نشر بشير أجمل قصائده آنذاك، ثمّ جمعها في ديوان أول، وأعطاها لصديق له فنان لكي يصمّم له غلافه، فأضاعها الصديق.

وفي الكراس أيضاً، نشر رياض الصالح الحسين أول قصيدة له: خراب الدورة الدموية: وقد أثارت لحظة ظهورها لغطاً حاداً، وانقسم الناس انقساماً حاداً بين مرحب بالقصيدة ورافض لها. فأما المعارضون فقالوا: هذا مهرطق، يصفّ كلماتٍ بجانب كلمات؛ ليكتب شيئاً أشبه بالكفر، وأما المؤيدون فقد اندهشوا بحرارتها وبساطتها ومقدرتها الهائلة على الوضوح المستحيل.

مات حسان عزت: شاعر شجر الغيلان الباحث عن قمر، صديق الشباب الاول، رفيق المشاوير المسائية وكأس الشاي في غرفة مكتبته في منزل الأسرة في بستان البختيار، ينقلني وراءه على دراجته التي أطلق عليها اسم “روزينانتي” تيمّناً بفرس دون كيخوته ونذهب بعيدا في طريق الشعر والفلسفة والتصوف.

وطن الدخان والسرخسيات

دلّني على راية لم تُغزل من غبار الأحذية.

نبذة مختصرة عن الراحل

ولد عزت عام 1949 في مدينة دمشق، حيث نشأ وتعلم، ثم تخرج في جامعتها. منذ بداياته الأولى، اتجه إلى الصحافة الثقافية، مشاركًا في تأسيس عدد من المنابر الأدبية مثل: المنارة، انفينيتي، المطهر، إلى جانب مساهماته في الكتابة والنقد الشعري.

ولم تقتصر تجربته على الشعر المكتوب فقط، بل خاض تجارب مشتركة مع المسرح، مقدمًا أمسيات شعرية مصحوبة بالموسيقى والغناء في مدن عربية وأوروبية، منها دمشق، القاهرة، الشارقة، دبي، فالنسيا، وغيرها.

كما عُرف بنشاطه ضمن لجان التحكيم للمسابقات والمهرجانات الشعرية والمسرحية، وكان من بين الأعضاء المشاركين في لجنة جائزة محمد بن راشد آل مكتوم للسلام العالمي.

الراحل كان زوجًا للكاتبة والإعلامية فاتن حمودي، ووالدًا للفنانة التشكيلية الراحلة إيفا عزت (حواء حسان عزت)، التي توفيت أواخر 2022 عن عمر 39 عامًا، وترك رحيلها أثرًا بالغًا في كتابات والدها، التي ظلت تستحضرها بشكل متكرر.

ومن بين المواقف اللافتة في مسيرته، أن غلاف ديوان “جناين ورد” الصادر عام 1998 حمل رسمة لإيفا، رسمتها وهي في السادسة من عمرها، قبل أن تدخل عالم التشكيل وتصبح من أبرز أسمائه.

ومن أبرز أعماله الشعرية والأدبية: شجر الغيلان في البحث عن قمر العام 1981، وتجليات حسان عزت عام 1983، وزمهرير العام 1985، وجناين ورد العام 1998.

الناس نيوز

————————-

في رحيل حسان عزّت: الكتابة الشعرية بعقل نقدي/ أنور محمد

25 يوليه 2025

من بين شعراء قصيدة النثر السورية مارس الشاعر السوري حسان عزت (1949- 2025) الذي كتب كلمات أغنية “لي صديق من كردستان”، التي غناها سميح شقير حين كان ثمنها قد يذهب برأس كل من الشاعر والمغني أيام حكم بني الضبع/الأسد، مارس الكتابة الشعرية بعقل نقدي يرى أن حقوق الإنسان في الحياة مُغتصبة، وأنه مُهدد دائمًا بالطرد منها، والإدانة والشتائم والجوع والبؤس والقهر والجنون والموت. وهذا ما دفعه لاحقًا لمغادرة سورية بعد زلزلة 2011 إلى دولة الإمارات العربية المتحدة إذ عمل في صحافتها: كاتبًا ومحررًا ثقافيًا ورئيس تحرير حتى رحيله.

الشاعر حسان عزت في دواوينه: شجر الغيلان في البحث عن قمر – بيروت دار ابن رشد 1981، تجليات حسان عزت- بيروت الدار العالمية 1983، زمهرير- بيروت دار النديم 1985، جناين ورد- بيروت دار عطية 1998، مجنون الورد 2000، حواري الورد 2002، سباعية خلق- دار العوام- السويداء 2021، لم تكن القصيدة عنده كسمكة اللاوعي الثرثارة تتكلم حين ينام الناس. لقد كانت في حالة حُمى وسُكر ووجد وحلم يصهره ليُحوله إلى حياة، وكان مُخلصًا لها وإن غدرته- اغتالته بالمرض؛ ذاك الذي حول حسان إلى فريسة له باعتبار أنه صيد ثمين؛ الشاعر والروائي والمسرحي والموسيقي والفيلسوف والرسام والمُفكر؛ هؤلاء يتحولون إلى صيد ثمين للمرض، فهو يصطادهم ويتباهى بأن ضحاياه هم من نُخب البشرية؛ هم عقلها الحالم الذي ينشغل في أن يكون إنسانًا- لا وحشًا؛ كان من وحوش الإنس أو وحوش الجن. مرض يتباهى بأنه يقتل الوعي الذي ينشره العقل المتيقظ؛ عقل الفنان الناقد الذي أشعاره وأفكاره وألوانه وموسيقاه تحقق للإنسان الطهارة والراحة النفسية والفلسفية، وهي تمر به من اللاعلم بما يكيد له المستبدون إلى العلم.

الشاعر حسان عزت كان في شعره يصد الهجمات المُفترسة للنيل من كرامة الإنسان حتى لا نُفرق في حروب تقودها الذئاب والآلهة البشرية. فالشعر هنا هو فعل تحطيم لمثل هذه الآلهة وإن كان في جانب منه يميل إلى التأمل الممتلئ بالحب- هو لا يفقد الحب، ونحن نتأمل لنكون. فهو يُعيد للشعر دوره كما كان عند أسلافنا، فلا نُفضل الوهم على الحقيقة، وإن كان الوهم يُخفف من وطأة الإحساس بالغدر والظلم حتى نحتمل ونتحمل الوجود. فالشعر؛ لنقرأ الصور التي رسمها حسان في دواوينه؛ فهي تُثير الدهشة، وبدل أن تُخفف من الألم بالجوع والقهر والعبودية تراها تزيده- تزيد من وعينا، ومن قوتنا لمجابهته. حسان عزت لا يغشنا في شعره؛ فالإنسان لا يمكن استعماله تذكارًا أو آثارًا مهما كان نبيلًا أو خسيسًا.

بل هو وإن بدا ساخرًا أحيانًا ومتعجبًا مما يُكاد له؛ إلا أنه يُثير ويستحث فيه قوى الخير والجمال ليثور على جلاده، فتتدفق قوى الحياة الساكنة من أعماقه، متجاوزًا مفاهيم القدر والجبر السياسي والديني. فالشعر؛ قصيدة النثر تحديدًا التي ربت في الأدب السوري من السورياليين أورخان ميسر وعلي الناصر، ومن ثم إسماعيل عامود، إلى محمد الماغوط وسنية صالح وسليمان عواد ومنذر مصري وبندر عبد الحميد ونزيه أبو عفش وعادل محمود وحسان عزت، إلى رياض الصالح الحسين وفرج بيرقدار وبشير البكر وخالد درويش وصالح دياب وهالة محمد وخضر الأغا وعلي سفر ودمر حبيب ومروان علي وعابد إسماعيل وفؤاد محمد فؤاد وعارف حمزة وهاني نديم وعماد الدين موسى ونور نصرة وآخرين؛ هي قصيدة (اكتشاف الذات) وتكوين الإنسان كإنسان وليس وحشًا متنكرًا في زي إنسان.

الشاعر حسان عزت في شعره كما في سلوكه انتقد السلطة بغضب ولم يعمل، ولم يكن ليعمل على أن يُتوج على مقاعدها- ليس حتى لا يُتهم بالخيانة، بل لأنه شاعر نبيل، والنبيل لا يأثم، فكيف يخون. حسان في قصائده يتقاطع مع منذر مصري ومع معظم شعراء قصيدة النثر السورية، في قدرة قصيدة النثر على أن تجعل من اختلافها عن قصائد الشعر العمودي والتفعيلة موضوع إثبات لا نفي- الإثبات في وجه النفي. فالشعر ليس لاهوتًا، ولكنه قوة تبلور الوعي الفلسفي بالطبيعة الإنسانية يمكن أن نستعملها بدون المغامرة والمقامرة بحياة الإنسان. حياة يحكون عنها بأنها (جنة) ولكنها جحيم من الفساد الاجتماعي والديني والاقتصادي والحقوقي والسياسي والثقافي.

حسان عزت كما شعراء قصيدة النثر لا يسعون إلى إقامة مدينة فاضلة، ولكنهم ضد اختفاء وإخفاء الجمال الذي باختفائه تهديد لكينونتنا. فالشعر يُكثف اللحظة، وهو المتمرد الأكثر جرأة وسلاطة لسان في وجه القباحة. الشعر كما قرأناه عند حسان عزت لا يقبل قهر البشاعة للجمال، ولا يقبل بموت الوردة- ثلاثة دواوين تحمل في عناوينها اسم الورد: جناين الورد 1998؛ مجنون الورد 2000؛ حواري الورد 2002. كأن الورد يمنحنا العنفوان والطاقة الجمالية، ولكنه ورد يزيد من مآسينا- أو إن المأساوي يتفجر فيه حين نشمه ثم نرميه ونسحقه بأقدامنا. وما يزيد من مأساة الشاعر حسان عزت أنه يتألم من مرضه مثلما يتألم من ديكتاتور حكم سورية بالحديد والنار. كان يتعذب، كان جسده يحترق أمام عينيه ولا يملك أن يطفئ النار، وكأن أكثر الشعراء تألمًا هم الأكثر معرفة.

حسان عزت صديقي، انهض من حزنك؛ إنها ساعة رؤيا، ها أنت عند محمد الماغوط وسنية صالح وعلي كيخيا ورياض الصالح الحسين، وقد ذقتم ألوان العذاب على أيدي جلادي الديكتاتورين الضبعين/الأسدين على أنها ألوان قوس قزح الحياة التي أجبرتنا على التخلي عن طفولية القلب وعن الفرح. ها هي حماستكم صارت لهبًا ثاقبًا مُندفعًا من انفجار الحواس، فالحب والذي هو نزاع سام جليل سيحل محل الحقد والانتقام فنُردد: وإن عذبنا الجلاد… فستحيا سورية.

ضفة ثالثة

—————————-

مجموعة الشاعر السوري حسّان عزّت “سباعية خلق”: العاشق في فلك الصوفي أمام سيف الماتادور/ المثنى الشيخ عطية

ربّما تكفي قصائد: “زهوة الماتادور”، “ترنيمة نقّار الخشب”، و”وردة الرمل” في مجموعة الشاعر السوري حسّان عزّت “سباعيّة خلق”، لكي يكون الشاعر قد أوفى قارئه حقّه من المتعة والمعرفة وعيش عذوبة وقسوة الشعر، من أجل عيش معاناة التغيّر. لكن الشاعر يدرك كما القارئ أن المتعة تجرّ شغف التوق إلى تكرارها، ليفعل ذلك الشاعر تسع عشرة مرّة، تتخلّلها ذرىً وسفوح وأودية، وربّما بعض الاستراحات، والمطبّات، وبعض بقعٍ لا تثير الشغف، في بساط المجموعة. لكنها في المجمل تُدخل القارئ في فلك قدسيّة الرقم سبعة، وإن لم يكمل الشاعر في بنية المجموعة وبنى القصائد تمام هذا الرقم الذي يدور بروحه كما المولوية، ويلقيه في غيابات الشطح بقراءة شعرية صوفية ربما تقطع أنفاسه في بعض قصائدها عذوبةً، لكنه كما حارس الغابة في قصيدة :”ترنيمة نقار الخشب”، يعود من غياهبه، ليعيد عيش العذوبة…

“سباعيّة خلق”، مجموعة شعرية تضع بعضُ قصائدها المميزة حقاً الشاعرَ والقارئَ في مسرحيّة تبادل أدوارٍ وأقنعةٍ، في كتابة وتذوّق القصيدة، بما تخلق من أدوار تتبادل فيها الوجوه ملامحها، وإيقاعاتٍ تتبادل فيها قصيدة النثر وقصيدة التفعيلة أدوار قيادة رقص الشعر، في تمازج خلاق تحلّق فيه اللغة إلى سماوات سبع في الشطح الصوفي، وفي نقر روح القارئ.

“لا تنقري في الروح يا صبية

فَضاءُ ناياتٍ وشمس مبتلّةٌ

صدفَةٌ بيضاءُ وقَلْبانِ شاردانْ

رِحلةٌ مسروقَةٌ من الزمانِ

إلى مدينةٍ نائيةٍ وغُرفَةٍ بعيدةْ

فما الذي ينتظِر الكَواكب الوحيدةْ

وفارس الزمانِ

وهو يؤوب مِن معسكَرٍ غَريبٍ

مستوحِشاً مستطْلِعاً بردانْ؟”…

في “سباعيّة خلق”، يحضر العشق جليّاً، وتحضر المعشوقة امرأةً ونبيّةً وربّةً ومدينةً هي دمشقُ وبقوّة في القصائد، علانيةً من خلال ذكر بعض أماكنها التي يجري فيها العشق جريان نهرها، وبعضِ أبوابها، وإن لم تنهج تركيب نفسها بنيوياً بعدد هذه الأبواب التي كانت سبعاً في العصر الروماني. وكذلك في معاناتها من ديكتاتورها “هتلر الصغير” كما يسمّيه الشاعر، وفي إهداء الشاعر مجموعته لها، مع ذكر من شاركه في عشقها من شعراء وفنانين: “بالورد كرمى/ إلى شاميرام العالية وقوس جوبيتر المضاء/ أعمدتها الخالدة على الزمان/ وأعمدتها الباقية للشمس عنوانا/ الأموي، قاسيون، والمعلقة ..ولم تزل صنوانَ روحي إلاّ بقرآن/ ومعي في عشقها/ نزار قباني، محود درويش، صادق جلال العظم، رياض نجيب الريس، نبيل المالح، فيروز الرحابنة، شوقي بغدادي، علي فرزات شابلن الكاريكاتير العربي عالمياً، ابن عربي، ابن عساكر، ابن خلدون، وجبران/ عشّاق قضوا، وعشاق مازالوا في نبوةٍ وعرفان، وما بدلوا تبديلا”.

كما تحضر دمشق، وهو الأهم، خفيةً في لغة الشاعر المتدفّقة الثرّة التي ترتدي تفاصيلها، لمن عرفها حقيقةً، في فوح جسدها بالورد والياسمين والسوسن، وثمار النارنج والسفرجل والكبّاد، والعصافير، وجميع ما اختزن الزمان من جمال مثَّله بستان هشام، وعكسته حدائق بابل المعلّقة، في حدائق الشاعر المعلّقة “في حلَقِ الشرفاتِ والصبايا، في الحَبلاسِ آنَ يزدهي بالمَطَرِ وخوابي العسلِ في صباحاتِ البن والهال”.

وفي “سباعيّة خلق”، لا ينهج عزت النمط السّباعي في تكوين بنية المجموعة التي جاءت متضمّنةً تسع عشرة قصيدةً، وإضاءةً تتضمن تفسيراً لخلفية قصيدة “وردة الرمل”، عن الخيل في تراث العرب، الإسلامي بخاصة، وقراءتان، الأولى تحت عنوان: “جوكر الشعر يضحك”، عن المجموعة للشاعرة فاتن حمودي؛ والثانية لقصيدة “ترنيمة نقّار الخشب”، للشاعر فهر الشامي؛ ودراسةً غنيةً معمّقة عن نفس القصيدة للناقد المغربي الدكتور خالد بوزيّان الموساوي.

ومثل تكوين بنية المجموعة، لا ينهج عزّت نمطاً سباعياً في تنويع قصائده، إذ تأتي متنوعةً بصورة اثني عشر قصيدة نثر، خمس قصائد تفعيلة، قصيدة مختلطةٌ بين التفعيلة والنثر، وقصيدة عمودية مسطّرة كما قصائد التفعيلة. لكن الشاعر يقوم ببثّ رموز الرقم المقدّس في خلايا جسد قصائده، ويُظهره في المطر سبعة أيام بعد غياب حارس غابته بشطح عشقه للجنيّة النبيّة، كما يُظهره في بثّه لإحدى عجائب الدنيا السبع، ولبعض أبيات المعلّقات الجاهليّة السبع في قصيدة “وردة الرمل”، مع طرفة بن العبد، عروة بن الورد، عنترة العبسي، وامرئ القيس. ويظهره كذلك في شطح لغته التي تدور كما أفلاك سبعةٍ في طبقات سماءِ صوفية المجموعة.

في “سباعيّة خلق”، لا يغيب عن القارئ شُغل التجديد، وبالأخص مع القصيدة العمودية في قصيدة التفعيلة، ومع قصيدة التفعيلة في قصيدة النثر، وإن واكبت الرتابة القصيدة العمودية الوحيدة في المجموعة، على صعيد الشكل، كما لا يغيب التعامل المخالف رغم تآلفه على صعيد المضمون مع فضاءات شعرية سبقت، وأعمالٍ اشتهرت مثل بكائيّة لوركا في تعامله مع الموت بمصرع مصارع الثيران صديقه إغناثيو سانشيز ميخِيّاس. حيث يأخذ عزّت موقف إدانة قتل الثور بالطرق الوحشيّة التي تحدث في حفلات الكوريدا بإسبانيا، ولكن أيضاً بطريقةٍ معمّقة ينقل فيها، من جهةٍ أولى، الموتَ إلى ملحمة تبادل أدوارِ وأقنعة الموت، بين الثور الذي تجري على لسانه القصيدة، وبين المصارع المزهوّ بمجد قتله للثور. وينقل من جهة ثانيةٍ ما تقوم به الإنسانية من ارتكاب جرائم ارتداء ثياب المجد الخاوية بحقّ نفسها، من دون أن ينسى لعنةَ انخراط الجمهور في تعطيل شعور الوحشيّة لديه، دون أن يدرك ذلك خلال هيجان فعل تشجيعه قتل الثور، حيث يُدخله التعطيل في لعنة انخراطه الداخلي في متعة تشجيع قتل المصارع. كذلك ينقلُ عزّت مستوى معالجته لزهو المجد إلى زهو بشر الشعوب المتفوّقة، ممثّلةً بالماتودور، على الشعوب المستضعَفة الممثّلة بالثور، حيث لا يجرّ الزهو الأخرقُ الدموعَ على هذه الشعوب فحسب، بل على قاهرها كذلك:

” ـــ أيها المَاتادور العظيم/ توقّف عن زهوِك وشرابِك/ أترى لو أننا نتبادلُ الأَدوار/ أنا مكَانك وأنت مكَاني/ هلْ كانَ المُخرج يبارِك اللعبةَ/ تعالَ في الخَيالِ نلعب/ في المُستحيلِ والمُفارقَةِ/ ضع عينيك في عيني/ وجهك في وجهِي/ قلْبك تحت قَرني تماماً/ وكُن بطلاً أيها المَاتادور المَزهو بالظّفَر/ أترى .. لن ترى/ نحن في اللعبةِ والملْحمةْ/ هكذا يقْتضي المَسرح المَكْشوف/ هكذا المَشهد/ نحن الآنَ لَسنا وحدنا/ أنا وأنت والجُمهور على الْمِنصةِ/ لقد انتهيت مِنك تماماَ/ وأجهزت علَيك بِقَرني/ غَرزت في قَلْبِك قَرنِي الأيمن/ وغَرزت في كَبِدِك خِنجري الأيسر/ فأصبحت غَائِماً وشارِداً ومهيأً للسقُوطِ/ أترانِي أُواجِهك وأنظُر في عينيك اليائستين/ أتحدى كَما تفْعلُ أنت أيها البطَلُ/ أترى أعلِن عليك ظَفَرِي/ وقد سلّمت تماماً/ وأطْلَقت دمك وزبد فَمِك/ ووصلْت إلى حتفِك المَقْدور/ ليس كَما أَراده المُخرج الّذي رسم المآلَ/ وصخب الجَماهيرِ والهُتاف/ أولي .. أولي .. أولي يا ثَور الكُوريدا/ أولي .. أولي .. أيها الثّور العظيم/ ـــ لا قَطِيع معِي ولا خوار يملأ الأرجاءَ/ ـــ لا أمّ معك ولا إخوةٌ وأصدقاءُ”.

ختاماً، حسان عزت شاعرٌ وصحافيّ سوري مقيم في الإمارات العربية المتحدة. عمل في الصحافة الثقافية والأدبية السورية، في القسم الثقافي في صحيفة “تشرين” السورية. ساهم في تأسيس عدد من المجلات الثقافية والأدبية الإماراتية، وشغل منصب مدير تحريرها: مجلة “المنارة”، مجلة “إنفينيتي”، مجلة “المجهر”. كما ساهم في تأسيس صحيفة “أخبار العرب” الإماراتية، ورأس قسمي الثقافة والمنوّعات فيها. ساهم في تأسيس بيت الشعر في اتحاد كتّاب وأدباء الإمارات ــ فرع أبو ظبي، وهز عضو في العديد من لجان التحكيم والمنتديات، وله ثلاث مجموعات شعرية قبل هذه المجموعة هي “شجر الغيلان”، “التجليات والزمهرير” و”جناين ورد”.

حسان عزت: “سباعية خلق“

دار العوام، السويداء (سوريا) 2021

188 صفحة.

القدس العربي


رحيل حسّان عزّت.. قصيدة المدن والذاكرة

22 يوليو 2025

ارتبط اسم الشاعر السوري حسان عزّت (1949–2025)، الذي رحل اليوم الثلاثاء، عن عمر ناهز 76 عاماً، بعد صراع مع المرض، ببدايات قصيدة النثر في سورية منذ السبعينيات، من خلال مشاركته في كرّاسات شعرية صدرت خارج الرقابة، إلى جانب شعراء من جيله، مثل رياض الصالح الحسين، وفرج بيرقدار، وجميل حتمل.

درس الراحل الأدب العربي في جامعة دمشق، وأصدر أولى مجموعاته الشعرية بعنوان “شجر الغيلان في البحث عن قمر” عام 1981، عن دار ابن رشد في بيروت، تلتها “تجلّيات حسّان عزّت” (الدار العالمية، 1983)، ثم “زمهرير” (دار النديم، 1985).

في ديوانه الأول، استخدم أسطورة عن راقصة باليه للتعبير عن التمرّد، وأسطورة شجر الغيلان -شجر طويل يلاحق القمر- للتعبير عن الملاحقة السياسية للصوت الحر. ويذكر رؤيته للشعر في أحد الحوارات معه: “إذا لم يعبر الشعر عن الوجدان، وعن الموقف، والطموح الكلي للكائن، ليس شعراً”.

في أواخر التسعينيات، أصدر ديوان “جناين ورد”، ثم “مجنون الورد”(2000)، ثم ديوان “حواري الورد” (2002)، الموجّه للأطفال، والصادر في أبوظبي. في هذه المرحلة، انتقل عزّت إلى الإمارات حيث عمل في الصحافة الثقافية، وساهم في تحرير مجلات وصحف، منها “المنارة” و”المطهر”. كما شارك في تأسيس صحيفة “أخبار العرب” وتولّى فيها رئاسة قسم الثقافة، وساهم في تأسيس “بيت الشعر” التابع لاتحاد كتّاب وأدباء الإمارات.

في عام 2021، صدر ديوانه الأخير “سباعية خلق” عن دار العوّام في السويداء. وعلى الرغم من عمله عشرين عاماً في الصحافة السورية، فإنّ ديوانه الأخير، هو الوحيد الذي طُبع داخل سورية. ويضم عشرين نصاً شعرياً موزعة على سبعة أقسام، وتناولت موضوعاته الخلق والكتابة والمدن والذاكرة، بأساليب تتنوع بين النثر والتفعيلة والنصوص القصيرة.

قُدمت بعض نصوصه في عروض مسرحية، من أبرزها “احتفالية للشمس” التي أخرجها الفنان غسان مسعود عام 1998، وقدمها على خشبة المعهد العالي للموسيقى في دمشق.

تُرجمت بعض أعماله إلى لغات أجنبية. وعلى امتداد مسيرته، لم يُعرف بانتمائه إلى جماعة شعرية محددة، وواصل نشر نصوصه في المجلات الثقافية العربية. كما صدرت له مختارات من زواياه اليومية في صحيفة تشرين السورية، بعنوان “بيني وبينك”(دار عطية، 1998). منعه مرضه في الآونة الأخيرة من العودة إلى سورية، وإعادة تفعيل “الحركة الثالثة للشعر العربي الحديث” من دمشق.

—————————-

رحيل حسان عزت… أحد أبرز وجوه قصيدة النثر السورية

رحل صباح يوم الثلاثاء 22 يوليو/تموز 2025، في أبوظبي حيث كان يقيم، الشاعر السوري حسان عزت، عن عمر ناهز الـ75 سنة، بعد صراع مرير مع مرض السرطان.

يمثل الراحل (1949- 2025) مع أبناء جيله من شعراء السبعينيات، من أمثال رياض الصالح الحسين، وفرج بيرقدار، وبشير البكر، ووائل السواح، وجميل حتمل وغيرهم، انعطافة جديدة في الشعر السوري، وقد ابتدأ مسيرته الأدبية بكونه أحد أعضاء نشرة «كراس» الشهرية للكتابة الحرة خارج النص السائد في المنابر الأدبية والثقافية آنذاك، ثم عمل فترة في الصحافة الأدبية في سوريا، قبل أن يشدّ الرحال إلى الإمارات بحثًا عن عمل، «لأن بلده – كما يقول صديقه وائل السواح – لم يزوّده بأكثر من مكتب في جريدة بائسة». في أبوظبي استغرقه العمل الصحافي، إذ ساهم في تأسيس عدد من المجلات الثقافية والأدبية الإماراتية، وشغل منصب مدير تحريرها، كما ساهم في تأسيس «بيت الشعر» و»اتحاد كتاب وأدباء الإمارات»، إلى درجة شغلته عن كتابة الشعر حتى تقاعده.

ولد الشاعر حسان عزت في دمشق عام 1949، وتحصّل على شهادة جامعية في الأدب العربي من جامعة دمشق، وبعد فترة قصيرة من قيامه بالتدريس، انتقل للعمل كرئيس تحرير مساعد في صحيفة «تشرين» لأعوام من عقد التسعينيات، كما كان أمين سر جماعة الشعر في اتحاد الكتاب العرب. له تجارب مهمة في تصدير الشعر إلى المسرح، وقدّم أعماله الشعرية في مسارح دمشق، حلب، القاهرة، الشارقة، دبي، فالنسيا ومدن أخرى. وشارك كعضو لجان تحكيم في جوائز عربية وعالمية. اختيرت قصائد للشاعر في أنطولوجيا الشعر السوري في السبعينيات، التي أعدها الشاعر منذر مصري، وأخرى ضمن «كتاب في جريدة»، من إعداد الشاعر شوقي بغدادي. وترجمت أعماله الشعرية إلى عدة لغات.

ومن أبرز أعماله:

«شجر الغيلان في البحث عن قمر» ـ بيروت دار بن رشد 1981.

«تجليات حسان عزت» ـ بيروت الدار العالمية 1983.

«زمهرير»- بيروت دار النديم الوعي 1985.

«جناين ورد» – بيروت دار عطية 1998.

«سباعية خلق» – دار العوام- السويداء، سوريا 2021، وقد رسمت لوحاتها الفنانة فاطمة عبد الله لوتاه.

كما له دراسة نقدية تحت عنوان «القصيدة العربية الجديدة في سوريا قصيدة النثر نموذجا».

شهادات: إبراهيم اليوسف: ابن السبعينيات، المنتمي إلى جيل كانت فيه القصيدة منفىً ومأوى، لا يزال قادراً على المواجهة. بإرادته العالية. بجبروت روحه. روحه المقاومة. إنه لا يرقد مستسلماً، بل يستجمع قواه في هدوء، يرمّم جسده بروح محبة، ويكتب على الوسادة عبارة لا نراها نحن، لكنها ترتجّ في داخله: لا تقلقوا يا أحبتي سأظل معكم.

في حديثنا الأخير، لم يكن حسان يشكو، كما كان المقام يتطلب، بل كان يسرد. يسرد غربته الطويلة، معاناته، محطات حياته بين المليحة ودمشق وأبوظبي، صوته الحميمي حين تحدث عن إيفا ـ أو حواء روحه ورفيقة دربه ـ ابنته الفنانة، شعرت بأنه لا يستسلم، بل يحوّل الفقد إلى ضوء داخلي. يتكئ على ذكراها لا كوجع، بل كقوة كامنة، تمنحه قدرة على الاستمرار، حتى في أشدّ لحظات المرض صمتاً. لم ينسَ دمشق. شوارع الطفولة والحب والشعر. عاصمة الضوء التي دفع فيها أقرباؤه ثمن انتمائهم، وظلّ وفيّا لقضية الإنسان السوري، ومؤمناً بأن الثورة ليست لحظة غضب، بل هي حق لا يسقط بالمساومة. لم يتخلّ عن الناس، ولم يتورّط في التسويغ أو التزييف، بل ظلّ حرّاً، في حنوه وغضبه، بروح طفل سريع الحب. سريع الندم. كما عرفناه، صادقاً، كلمته حادة كنصلٍ ومضيئة كمِصباح، غافراً حتى لأولئك النمامين وأدوات الفتنة والأعداء، كما يليق بروح شاعر كبير ومبدع.

مازن أكثم سليمان:

صباح حزين يضاف إلى محاصيل أحزاننا السورية الشاسعة. الشاعر الكبير حسان عزت صديقي وشريكي في إطلاق الحركة الشعرية العربية الثالثة، في ذمة الله. حسان الذي يشبه شعره أحلاماً وتمرداً ونزقاً وسرعة اشتعال، رحل عن عالمنا وكانت أمنيته الأقدس معانقة دمشق، وإعادة تفعيل الحركة الشعرية الثالثة من قلبها، ولكن…

أحمد سليمان: لم يكن شاعرا فقط، بل كان إنسانا شفيفا، قريبا من القلوب. كتب كلمات أغنية «لي صديق من كردستان»، التي غنّاها الفنان سميح شقير، في وقتٍ كان فيه مجرد الحديث عن القضية الكردية نوعا من المغامرة. ورغم مرضه، ظل يقول لمحبّيه: «لا تقلقوا يا أحبتي، سأظل معكم». قال عنه أحد أصدقائه:

«صادقٌ، كلمته حادة كنصلٍ ومضيئة كمصباح.. غافر حتى للنمّامين.»

طوى الموت صفحة شاعرٍ غنّى للتعايش والكرامة والحرية. لم يساوم، ولم يتراجع. عاش كبيرا ومات وفيا لمبادئه. جسدُه غاب، لكن كلمته باقية، تضيء دروب الأجيال، وتكتب سطورا لا تُمحى في سجل الشعر السوري المعاصر.

————————————-

 رحيل الشاعر السوري حسان عزت بعد صراع مع المرض

غيّب الموت الشاعر السوري البارز حسان عزت عن عمر ناهز 75 عامًا، بعد معاناة طويلة مع مرض السرطان، وذلك في العاصمة الإماراتية أبو ظبي.

ويُعد الراحل من الأصوات الشعرية المميّزة في المشهد الثقافي السوري والعربي، حيث تميّز بأسلوبه الخاص ونتاجه الأدبي الذي ترك بصمة لدى جمهور الشعر والنقد.

الراحل هو زوج الكاتبة والإعلامية فاتن حمودي، ووالد الفنانة التشكيلية الراحلة حواء حسان عزت، التي توفيت بشكل مفاجئ أواخر عام 2022 عن عمر 39 عامًا، ما شكّل حينها صدمة كبيرة في الأوساط الفنية والثقافية.

برحيل حسان عزت، يخسر الأدب السوري والعربي أحد رموزه الشعرية الذين أثروا الساحة الثقافية بحسّهم الإنساني وتجربتهم العميقة.

—————————-

 رحَل الشاعر السوري حسّان عزّت…تاركاً ما لم تقوَ عليها الرقابة

الثلاثاء 2025/07/22

رحل الشاعر السوري حسان عزّت (1949–2025)، بعد صراع مع المرض، وهو الذي ارتبط ببدايات قصيدة النثر في سوريا منذ السبعينيات، من خلال مشاركته في كرّاسات شعرية صدرت خارج الرقابة، إلى جانب شعراء من جيله، مثل رياض الصالح الحسين، وفرج بيرقدار، وجميل حتمل.

درس الراحل الأدب العربي في جامعة دمشق، وأصدر أولى مجموعاته الشعرية بعنوان “شجر الغيلان في البحث عن قمر” العام 1981، عن دار ابن رشد في بيروت، تلتها “تجلّيات حسّان عزّت” (الدار العالمية، 1983)، ثم “زمهرير” (دار النديم، 1985). وفي ديوانه الأول، استخدم أسطورة عن راقصة باليه للتعبير عن التمرّد، وأسطورة شجر الغيلان -شجر طويل يلاحق القمر- للتعبير عن الملاحقة السياسية للصوت الحر. ويذكر رؤيته للشعر في أحد الحوارات معه: “إذا لم يعبر الشعر عن الوجدان، وعن الموقف، والطموح الكلي للكائن، ليس شعراً”. كما قُدم بعض نصوصه في عروض مسرحية، من أبرزها “احتفالية للشمس” التي أخرجها الفنان غسان مسعود العام 1998، وقدمها على خشبة المعهد العالي للموسيقى في دمشق.

من أبرز أعماله:

شجر الغيلان في البحث عن قمر – بيروت دار بن رشد 1981.

تجليات حسان عزت- بيروت الدار العالمية 1983.

زمهرير- بيروت دار النديم الوعي 1985.

جناين ورد- بيروت دار عطية 1998.

سباعية خلق- دار العوام- السويداء، سورية 2021. وقد رسمت لوحاتها الفنانة فاطمة عبد الله لوتاه

القصيدة العربية الجديدة في سورية قصيدة النثر نموذجًا (دراسة نقدية).

وكتبت رابطة الكتّاب السوريين:

“ببالغ الحزن والأسى، تنعي رابطة الكتّاب السوريين رحيل أحد مؤسسيها والفاعلين في نشاطها.. الشاعر السوري حسان عزّت، الذي غيّبه الموت في منفاه، بعد حياةٍ من الشعر والموقف، والنأي النبيل عن كل ما يُفسد الكلمة أو يفرغها من معناها.

لم يكن حسان عزّت شاعرًا عابرًا في المشهد الثقافي السوري، بل كان من أولئك الذين صاغوا شعريتهم من نسيج التجربة الحياتية الخالصة، ومن نَبض القلب والذاكرة. تميّزت قصيدته بصوتها الخافت والناصع، حيث شكّل الحب، بمعناه الإنساني العميق، موضوعةً راسخةً في مشروعه الشعري، لا كعاطفةٍ شخصية فحسب، بل كقيمةٍ وجودية، وكقوة مقاومة في وجه القبح والعنف والخراب.

ومنذ انطلاقة الثورة السورية، لم يتردّد حسان عزّت في الانحياز الكامل لشعبه، ولحلمه بالحرية والكرامة. وقف، بوضوح وشجاعة، إلى جانب الانتفاضة ضد الطغيان، وكتب بكلماتٍ لا تساوم، مدافعًا عن المقهورين والمطرودين من أوطانهم وأحلامهم. وقد دفع ثمن هذا الموقف منفى طويلًا، عاشه بكرامة وصمت، دون أن يغادره الإيمان بالوطن الحرّ الذي يستحقه السوريون.

إننا في رابطة الكتّاب السوريين، إذ نودّعه اليوم، لا نرثي شاعرًا فقط، بل نرثي إنسانًا نذر حياته للكلمة الشفيفة، والموقف الشريف، والحبّ الذي لا يموت.

تتقدّم الرابطة بأحرّ التعازي إلى أسرته وأصدقائه وقرّائه ومحبيه، وإلى كل من عرفوه، شعرًا أو قربًا أو نأيًا.

المجد لحسان عزّت، الخلود لكلماته، والرحمة لروحه التي أحبّت كثيرًا، وكتبت كما ينبغي للكبار أن يكتبوا”.

وكتب الشاعر فرج بيرقدار:

“الشاعر حسان عزَّت يرحل عن عالمنا تاركاً لنا زوّادة وافرة من القصائد والأمنيات والمواقف النبيلة. لروحه الرحمة والسلام وألق الذكرى، ولذويه وأصدقائه ومحبِّيه أطيب العزاءات”.

وكتب الصحافي محمد منصور:

“رحل حسان عزت… كنا نراه على فراش المرض يصارع الموت ونحن عاجزون أن نمد له يداً…

كنت شخصيا عاجزا عن أن أكتب عنه كلمة… أن أواسيه… أن أقول له كلاما عن الشجاعة في مواجهة موت اقترب من فراشه إلى حدود باتت مرئية جدا… فكيف تؤبن شاعرا كان ينبض بكل هذه الحياة والصخب والتدفق إلى حد الهذيان…

كيف تودع شاعرا مازالت أنفاسه تعاند الموت وتلوك بقايا حياة. حياة قطعها حسان عزت بالمودة التي تصل إلى أعلى حدود المجاملة… والعطاء الذي يستحيل استغراقا لاهثا في التعبير عن ذات لا تنضب ولا تنزوي.

الموت حق… لكن أقسى ما في موت حسان عزت أنه لم يعد إلى دمشق التي أحب كما كان يتمنى… وإلى المليحة التي نشأ طفلا في بساتينها ابنا لعائلة العسسي الشهيرة فيها… فيا أيها الدمشقي المغترب حتى الموت… يا ابن الغوطة وابن الثورة  وابن التغريبة السورية ومبدع الصداقات الدانية قوفها، المشرعة كقهوة الصباح للعابرين على مقاهي الرصيف… وداعا يا من تغص في وداعه الكلمات… وداعا لرفقة اادرب ولشرف الانتماء للثورة التي لم تتردد منذ أول يوم أن تكون معها ولها… وداعا يا حياة… ولرفيقة دربك الشاعرة فاتن حمودي أحر التعازي”.

————————–

معلومات شخصية

عزت

شاعر وناقد وصحفي سوري معاصر من مواليد مدينة دمشق 1949، ومقيم في دولة الإمارات العربية المتحدة، وعضو اتحاد كتاب وأدباء الإمارات.

سيرته:

ولد الشاعر حسان عزت في سورية ودرس فيها وتخرج من جامعاتها. عمل في الصحافة الأدبية في سورية وخارجها وساهم في تأسيس عدد من المجلات الثقافية الأدبية إضافة إلى توليه منصب مدير تحريرها كمجلة المنارة، انفينيتي، والمطهر. له تجارب مهمة في تصدير الشعر إلى المسرح، وقدم أعماله الشعرية في مسارح دمشق، حلب، القاهرة، الشارقة، دبي، فالنسيا ومدن أخرى.

شارك كعضو لجان تحكيم في جوائز عربية وعالمية، وترجمت أعماله الشعرية إلى عدة لغات.

المناصب والأعمال:

    عضو اتحاد كتاب وأدباء الإمارات العربية.

    ساهم في تأسيس عدد من المجلات الثقافية والأدبية الإماراتية، وشغل منصب مدير تحريرها: كمجلة المنارة، انفينيتي، والمطهر.

    ساهم في تأسيس صحيفة أخبار العرب الإماراتية، ورأس قسمي الثقافة والمنوعات فيها.

    ساهم في تأسيس (بيت الشعر) في اتحاد كتاب وأدباء الإمارات- فرع أبوظبي.

    شارك في مهرجانات شعرية عالمية وعربية وقدّم أعمالا شعرية على مسارح: دمشق، حلب، الشارقة،القاهرة ، دبي، بيروت الدوحة، طرابلس ليبيا، فالانسيا.

    له تجارب في مسرحة الشعر وتقديمه مترافقًا مع الغناء والموسيقى كتجربة “احتفالية للشمس”، تصميم الفنان غسان مسعود، قدمت على المسرح الدوار للمعهد العالي للموسيقى 1998 برعاية وزارة الثقافة السورية.

    عضو لجان تحكيم مهرجانات شعرية ومسرحية وجوائز سورية وعربية.

    عضو لجنة تحكيم جائزة محمد بن راشد العالمية لشعراء السلام.

    عضو الملتقى الإسباني الثقافي لشعوب البحر المتوسط- فالانسيا.

الجوائز والتكريم:

    الفائز الأول شعريا على جامعة دمشق والجامعات السورية 1976.

    المرتبة الأولى في مسابقة أنجال هزاع لشعر الأطفال عام 2002 عن مجموعته الشعرية حواري الورد.

    ترجمت أعمال شعرية للشاعر الى عدد من اللغات الغربية

    قدمت رسائل جامعية بشعره، وتعد الآن رسالة دكتوراة في الأدب العربي في جامعة مدريد بعنوان شعر الحرب والسلام موضوعها الرئيس قصائد حسان عزت.

أعماله الشعرية والنقدية:

شجر الغيلان في البحث عن قمر – بيروت دار بن رشد 1981.

تجليات حسان عزت- بيروت الدار العالمية 1983.

زمهرير- بيروت دار النديم الوعي 1985.

جناين ورد- بيروت دار عطية 1998.

حواري الورد- المرتبة الأولى في مسابقة أنجال هزاع 2002.

سباعية خلق- دار العوام- السويداء، سورية 2021. وقد رسمت لوحاتها الفنانة فاطمة عبد الله لوتاه

    القصيدة العربية الجديدة في سورية قصيدة النثر نموذجًا (دراسة نقدية).

المراجع:

    إميل يعقوب (2004). معجم الشعراء منذ بدء عصر النهضة. المجلد الأول (الطبعة الأولى). بيروت: دار صادر. صفحة 312.

    معلومات عن حسان عزت، موقع الديوان.

    حسان عزت في سطور، لموقع بلا رتوش

    مجموعة الشاعر السوري حسّان عزّت “سباعية خلق”: العاشق في فلك الصوفي أمام سيف الماتادور، لموقع القدس العربي

    حسان عزت لموقع «سبا»: التحدي الأكبر في عملي «سباعية خلق»؛ مواجهة العدم بالحب

مراجع

“معجم الشعراء منذ بدء عصر النهضة ( ثلاثة أجزاء ) ، إميل يعقوب ، دار صادر ، لبنان ، نسخة مفهرسة وقابلة للبحث”. اطلع عليه بتاريخ 2024-05-20.

“ديوان حسان عزت”. مؤرشف من الأصل في 2024-05-18. اطلع عليه بتاريخ 2024-05-20.

    https://ebd3.net/%d8%b3%d8%a8%d8%a7%d8%b9%d9%8a%d8%a9-%d8%ae%d9%84%d9%82-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b1%d9%8a%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%a8-%d9%81%d9%8a-%d9%85%d9%88%d8%a7%d8%ac%d9%87%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b9/ نسخة محفوظة 2024-05-18 على موقع واي باك مشين.

======================

محتارات شعرية لحسان عزت

———————–

أسْوَرة أعطنا حبّا/ حسان عزت

الخميس 2020/10/01

أردت لأقطف الذّهب من النهر

فرأيتُ ضحكة الشمس في الماء

أردت لأقطف ضحكة الشمس من الماء فوصل النهر إلى قلبي

وأخذ أحلامي معه

أما طفولتي فقد هربَت إلى أقاليم بعيدة ورمتني ..

أردتُ  لأصرخ في الكون

يا إلهي أعد حلم عمري

الذي هو أحلى.. وراح

ملتُ إلى سرّة الرّوح من شجني ودموع هواي ،

 وفئتُ إلى زمني

 قلت يا رب

بما أنني رسول وردك بالشعر أعطِني السرّ أجعلُ

قرآنَ شعريَ شوقا

واجعلِ العشقَ عطري إلى الناس

أرفلُ دربَ الخلاص بخمري

 قلتُ يا حبّ أعطني الشعر ورداً لأجعلَ الكونَ عصفا وخطفا وأحلى

ونشوانَ رضبٍ

إلى الرّوح وريّ غرام

واجعلَنّي مباركاً

 ونجيّا

ومشى الرسول إلى فيء محرابه

كلّما دخلَ يصلي

لم تكنْ شجرةُ الرّيحان

 تحملُ بالجانِرْكِ والمشمشِ الليلي والأكِيدونيا عن يمينٍ وشجراتُ الحوْرِ الثلاثَ يَهدُبْن بالأوراق عن شمال

ولا القمر الباهي أميرا

كان الليلُ يضيءُ بنور كلّ ذلكَ ويرفلُ في الأرضِ كأنّها خلْقٌ جديد

والزّمان كأنْ منْ بلوغِ الصبايا

كلّما راح يُصلّي أرانَ بزهرِ الحنان

توضّأ بالمحبّةِ ماءً وفلّا

 ومشى تقيّاً

ورتّل أيَ الحبور

كانَ حبيبُه معَه يتجلّى بقمر البدر يَراهُ ولا يَراهُ ويحيطُه بمَلاءِ الحاسّة

وهو يتلألأُ على بحيرةِ الكونِ

بألفٍ منَ اللونِ وندفِ الغيوم

معَ الطّيرِ إمّا تؤوب إلى وكناتها بالأمان

كانَ يَهدُب بالروح.. لا كما تعرف الملائكةُ ولا كما يعرفُ البَشر

 وكانتِ الموسيقى ندّا

والأغاني جوقات نور

والعطر يفوح برهامِ مطرٍ نديٍّ وبان

أنتَ لي قالَ

أنتَ لي يا حبّ

يا رحبُ

لا أريدُ لأملكَ الشمسَ

لا أريدُ لأنعمَ  فوقَ مجرّةِ  عرشِ السماء

ولا مُلكَ هذي البسيطةَ أرجو

تاجاً لشعبي العظيم

يتوّجُني بأغصانِ زيتون

وقلبَ المغني

أعطنا الحبّ يا رحبُ

وأنا بكلّيَ خَلقاً أغنّي

وكانَ الصباح يحبو ويطلعُ بالياسمين

في الشّرفاتِ بهيّا.

————————

الشاعر حسان عزت يرثي ابنته

1 – ايفا

ذاهل عن كل مايحيط

إلا دمي وغُصّةَ الغياب

 لايُرى الموتُ فمن تراه يرتوي بالرمل والسراب

ومن تُرى

 يستوعب الزمانَ في الأبد

صنوان هما

 الحياة والموت في الحياة

يُستنفدُ الوجود عن آخره وكلما غَرق الخلق فيه

ومن قال الآخر

لايمتلئ ولا يُسْتَنَفَدْ وهلْ من مزيد

 إلى أين يانهرُ تجري

خُطاكَ

 وتمحو المنايا هواكْ

ولا صرخةٌ في سديمِ البداد

ومجراك محتَكَمٌ بينَ قوسينِ يعتنقان

أيْ منجى إذا في الورى لقطيع الأبَد

وليس هناكَ هنا

من نَجَا في مسار الابد

 لا أحد

فعلامَ وَهْمُ أفراحِنا

والخلودُ المرَجّى

وحدَها الكلماتُ التي منَ الروح

مرآتها وأصحابُها

تعودُ إلى ربّها راضية

وإيفا الحنان هناك

2 – فاتن

ذاهلٌ عن كل مايحيطُ

 إلّا اسمُها العوسجةْ

ووجهُها الضالعُ في الهروبِ الّلدد

3 – إيفا

يَتُها القارضةُ

أزهارَ السفرجل

وازهارَ عمري

الشمس تميلُ برأسها قليلاً

وتنحني

وأنتِ تسبحينَ في الضياء

نامي على القلب نامي

4 –

ذاهل عن كل مايحيطُ

إلا اسمُها الحياة والسّوسنة

ووجهُهَا الضاحكُ في السّماء

من أنسام إيفا

ها يمرّ الفراتُ ودجلةْ

يصيرانِ نخلةْ

معاً قبلَ مُنْبَعَثٍ

ثم يخبّانِ معَ النّخلِ خبّ العناق

إلى أينَ يانهرُ قبلَ النّهيراتِ

يا بَحرُ قبلَ البحيراتِ

يا شمسُ قبلَ الطّلوعِ وبعدَ المغيبِ

ــ إلى الأصلِ

     والأُمُّ من أمِّها

       والتّرابُ البَعيدُ والماءُ

 هناكَ حَبيبي

غادرَ ما قَيَّدوهُ ويَرجِعُ مِثلي إلى مُطْلَقٍ كانَ فيهِ

فيا أمّنا الأرض لُمّي ضَناكِ

وياروح لاتَ تغيبي

——————————–

 لا أقول انفلاق القمر

أنا لا أرمي حجرا في نهر

أنا أرجُّ ماءَ بحيرةِ العدم

أضرب قلبي من سطوحها

إلى أعماق أعمارها وذرّاتها

وأنفّر بجَعَها وأنينَها الأزرقَ

إلى أصلِه في سماء

أنا أعيدُ صبايا الأرضِ إلى بحيراتِ روحي وأخرجُهُنّ ملوّحاتٍ بقطرِ الماءِ والبياضِ

أنا لا ألقي تنهّدةً حرّى في ماء

أنا أكتُبُ وجَعي

بدمع عينيّ

حملتُ توقَ الوجود معي

استجمعتُ سنواتِ سهَري

وما بالكلام قلتُ

وماقلتُ

أحبّكَ

كيفَ لي وأنتَ الذي

بين نفسي وروحي

بأعمارها

من بداءِ الخليقةِ

تهمي تمورُ ملْءَ خلايايَ

وفي مسمعي

ضمّني سمكا في بحار من الموج

تلألأ في أضلعي

فراشاتُ شعري على لوعِها

تحومُ حولكَ فاضحةً

مالم أقلْه

أردتُ بِكُلّي لكي أفلق المستحيل ولمْ أستطِعْ

وأظلّ على غُلمتي

بشهّاءةِ اللّيل

أيّ جُرح إذا لم أبُحْ

يعذّبُ روحي

وأيّ بهاءٍ برحمِ خليّاتِك قبلَ الوجودِ يهدهدُ في وجَعي

ويسير معي

في كل ما أضمّكَ

في كل غمران عشقي

أهمس يا أمي عليه

وأكاد أصرخ لكنني

أتشربها غوى ولذعة في القلب لا تنتهي

وفي كلّ مرّة

في كلّ حرّانَة قلبٍ وعاتيةٍ

أريدُ أقولَ

يتجمّعُ في شفتيّ ذوبُ التوتِ

أقولُ لن أدعَ الفصولَ تمضي

لن أدعَ قميصي وتنّورتي ..

يفضحاني

أعضّ على شفتيّ

بشهوةِ دمّ

فيتفتّح زهرُ الكرزِ باكراً ويضيء

ليلُكُ ودرّاقي ندّان

ليلي

عشرةُ كواكبَ تتلألأُ بي

فتتراكضُ غزالاتُ قلبي

بأعناقها وتعانق بعضا ونبضا

ماذا لو أنني

وأنا أستحمّ عاريةً وحدي

بضوءِ دُرّي وتفّاحي

ومفاتِني وقمري

وأنتَ تراني

وأنا أرفع نهدي على الكون

وحدي كما ولَدْتني أمّي

وأنتَ بتوقُّداتِ السّعير

والأفراسِ من حمّى

وأنتَ بالصّهيل الملوّع الملجوم

وأنتَ من خللِ الأغصانِ تتشمم عبيري ونرجسَ حريري المرتمي بريحان

هل تسرقُ منه ماتسرقُ لكتفي

أم ستقدّمُ لي نذورَ روحِك

وأنا أخرجُ من الماء

حرّانةًِ

وانتَ تلدلدني وتقول ياعروس اتبعيني

وانابأجنحةِ الخوفِ أناشِدكَ

إلى أينَ بي أيّها الغريب

وماذا لو رأيتك في عراء رجولتك تمثالا من مرمر ورخام يتوقد بالضوء وأن يتعرّى

أنت تسكب عليك الماء

وأنا بلهفات الجمر والغضا

أتلوّعُ في نشوةِ السارق العطشان

وأنا أنشدّ كسمكةِ

تنترُ شصَّ علوقِها

أرجوكَ لا تحرقني بظمئي

وانتَ تحاصرني

وماذا وقدْ أغويتني

وكدتُ أصرخُ في الكون

يا وجعي

أدّخٍر بوحي

أدّخرُ مابي

أدّخرُ حيائي

أعتّقُهُ بتلهّفاتِ عمري

وأنتَ َ تخطفُ أزهاري

فأظلّ متلفّتةً وراءَ الشبّاك

كحمامٍ شكلوا جناحَه

كيف يطير

كيفَ أخفي حروفي

حروفي التي لم تشفّها رئةٌ

حروفي خمرةٌ معتقةٌ

وخوابيّ

لم تزل

بِكْراً لم تمسّ

أنا مازلتُ أخفي وأتلوّع

ومنْ أبدٍ أنتَ تبوحُ لي

من أمامي وخلفي وانسحاري وشهوتي

وأنا أُغوى كأولِ مرّةٍ

وأخافُ تكتشفني أمي

وأبوحُ ياأمي لقد علقتُ

أنا بفصولي

وأنتَ بلهفةِ عينيك

أنا بالسنونو يخاصر بيتي

وأنتَ تعلّمني الطيران

ولم أتعوّد بعد

عناقيدي تدلّت

لوّحتْ بسلافها

لتذوبَ

ولا أحدٌ يدركُ مابي

وأنا

أنا لا أقولُ ..

كأنّنِي غويت

———————–

شرفات الخلق

جاء الصبح بهيّا

برواءِ الفتنةِ

هزّ الروحَ على مَهَلِ النشوةِ

في شُرفات الصّبْحِ الطّالِعِ مثلَ صبايا الرّوح

جاء الصبح بهيّا

هُزَّ الخمرَ تُساقِطْ عسلا مرّا في القلب المجروح

دُقّ الدمعَ بِملءِ كؤوسِ الصُّحبةِ

تُسقى منْ مَاءِ العُمْرِ ولا تُروَى

تَصْرُخُ عِشقاً موتاً منْ أعماقِ الوِحشةِ والوِحشةِ

وتدورُ الأرضُ منَ الوَجْدِ الغامِرِ فجراً

ويدورُ الكونُ على كَعبِ جمالٍ وسفوح

وتصير الدنيا برقصتها

ويدور الكونُ بخطفةِ سحرٍ لا احلى

والمتربصُ في العتمة كيف له

جاء الصبح

تُرى جاء الصبحُ بهيّاً

..لوأنّك ياعيسى ..لو أني ياعيسى جبَلاً بحراً عاصفةً

لو أنّا ..لَكِنّا من أشَجارِ الرّوحِ

وزهْرِ الدّهْشةِ حينَ تُنادي الكونَ وحينَ تفوح

ْ هُزّ الرّوحَ وهَدْهِدْ كأساً كأساً

..من قالَ بأنّ اليأسَ نبيُّ المظلومينَ ومن قالَ بأنّ الثّكْلى على شُرْبِ تَنسى ؟؟

كتطايُرِ نَدْفِ الثّلجِ وزَهْرِ الغُوطَةِ شاميّاً

وصلَ الأطفالُ الشهداءُ الأرضَ بركْنِ العرشِ

وأزهرَتِ السّدرةُ ثلجاً دمويّاً

فتَماهَى العَرشُ بإكليلِ العُرسِ تَماهَى ..

فطُوبى للأعراسِ المَقتولَةِ في ساحاتِ الأقواسِ وطوبى للحريّةِ

في شجَرِ الآسِ

وطوبى للحراس القتلة

عشر كواكب تهوي

تتقصفُ برباعاتِ الحوْرِ الأبديّ

خمسةُ آلافٍ من أطفالٍ قتلى

تتمدّدُ من شجرِ الدّراق وزهرِ اللوزِ

وآخرِ هذا الكونِ الشّارقِ بالغصّة

ودموعِ ثكالى الروح

اجفف يادمع بلادي واجفف

يا دمع الأكبادِ على وطنٍ مذبوح

ها يتفتّحُ زهرُ النَّوارِ.. تُطِلُّ الحُلوةُ شمْساً في فِتْنتِها

وريشُ الكَرزِ الأبْهى يتطايرُ ضوءاً في شرفتها . فهل وسعتها أرضٌ وقلوبٌ

هَلْ وسِعَ الكونُ جَلالَتها ..

سَتحاصِرُها الريحُ المغلولةُ

قالَ العرّافونَ ودالوا بالإسمِ وبالرّسم المكنونِ .. ونَعْرفُ ..سَتُحاصِرُها الرّيحُ المجنونةُ والليلُ المتواطئُ وجيوشُ الهشّالين ..

وتؤجُّ على جُوعٍ أنيابُ أباليسِ الغِمّةِ والعتمة في الأرجاءِ . وتُحاصِرُها الأشباحُ

..وسَتَغْمُرُها الظّلمةُ فوقَ المَوجِ وحيتانُ الطوفانِ

ويكيلُ بُغاثُ االعُهْرِ مجازِرهَمْ فيها

ويَغيلُ تكالُبُهُم وقْدَ شبابِ النّورِ ..

تتسربلُ في دمِها ولا تلْوي ..

تمضي في وَفَرَتِها بِكُلّ العَزمِ المَوفُورِ بِذَرِّ أراضٍ وبَرَايا

وتمضي ..

فاقْرَأْ في إنجيلكَ ياعيسى سِفْرَ الوَعْدِ

وسأقْرَأُ آيةَ نورٍ في قُرآني

ويَقْرأُ شَعبي في مِزمارِ أصايِلِهِ المَفتُونة بالحمحمة المخنوقةِ قتلاهُ بِمواكِبِ أعمارٍ أحلى ومرايا سوريّاتٍ حُورِ فما أَغْلى هذا القوسِ المَنْصوبِ

وما أجملَ ريشةَ هذي الّلحظةِ في الأكوانِ

ما أجملَ ياعيسى !!..ونُصَلّي الحُبّ الأعْظمَ فوْقَ حدودِ .. الرّؤْيا وفَوقَ حُدودِ الأزْمانِ ..

دُرْ ياشعبي وهُزّ الروحَ

يَدورُ الكونُ بِمُطْلَقِهِ في فلَكِ الرّيْحانِ

تَدورُ نُواةُ البَيْضَةِ قبلَ أوَانِ تَشَكُّلها

يَدُور نطيفُ الوَقدِ الذّابحِ والمَذبوح

وتدور صغارُ الطّيرِ بِزُغبِ الأجْنحَةِ القُرْمزِ والنُّعمانِ …

يا شُرُفاتِ الأرضِ الحُبلى والثّكلى ..

يا أمّةَ سَعْدٍ ووعودٍ لا تَأتي

وتأتي إنْ جاءَتْ في وَتَرٍ مَجْروح ..

يا عُمري وأعمار َالعشّاق المدفوعينَ إلى الموتِ

بِعِشق ِالرّسُل صفوفاً وجموعاً

أفراساً مِنْ ضَوءِ اللهِ إلى نَاصِيةِ الرُّؤْيا

أيُّ سماءٍ تغمرُكُمْ

أيُّ كَواكبَ تُرضِعُكمْ والأرحامُ اهتزّتْ عنفاً في ليلِ المزؤودةِ غصْباً

يا شُرفاتِ الكَونِ ويا مَطرا قُدسيّا

مدَّ جَناحيكَ لأنهار البَجَعِ

لترقصَ رَقْصتَها قبلَ تجلّي الحلوةِ في موكبها

يا كلّ الموعودينَ بِطُوبى الحبّ وقلبِ الربّ

وَصَلْتمْ حدّ الأرضِ بأطْرافَ الكونِ وأيكةِ رَحبِ الملكوتِ ووصلتم ْركْنَ العَرشِ يماماً للسُّدرةٍ ومقامِ الربّ سلاماً

..ما سمعَ العالمُ طوفانَ دمٍ

دُمى أطفالٍ وقُروحٍ تجري

..لكنّ الرّجعَ هوى في أعماقِ الجبّ

وأوراقُ الكَرَز تُدَمْدمُ وهيَ تصوغُ حكايَتها بخضابِ الغُصّةِ والقَهْرِ

..هُزَي الكونَ صبايا روحي

وأفضنَ الدمعَ إلى بردى والفيجَةِ حتى بحيراتِ الرّحبِ..

هزّي الأرضَ بلادي ..

هزّوا الملكوتَ حمائمَ شعبي المذبوحينَ وقلبي

لعلّ لعلّ سيطْلُعُ فجرُ الأعْمارِ

ولابدَّ على أفقٍ وفضاءٍ مفتوح

..بلّغْ بالوُصلةِ وتوضّأْ حينَ تُغنّي

وقَبّلْ حينَ يبادهُكَ الوَجدُ ويبارِكُكَ الجدُّ الأزليُّ

..يَدورُ بدورتِه إهليلَجُ روحي

دوري ياروحي ودُرْ يْا شعبي

ويا أرضي في شُرفاتِ الخلقِ غداةَ ولادتهِ بعدَ جُثامِ الفجرِ

..وأنا اُمّكَ وإمامُكَ في صلواتٍ كُبرى

آنَ الفجرُ بزلزلةِ البَهْجةِ يَتبادى ويَلُوح

وأنا بِجِراحِ الأزمانِ وبالأرواحِ وبالوقتِ الناجزِ من آخرِ عزمي وجراحي في رعشاتِ الغابات بِطَلِّ صباحي ..

عليكَ صلاتي ياعيسى السوريّ ! فاصعدْ وتدلّل

بصلاةِ محمّدَ ياعيسى

وكرامةِ هالتكَ النّورِ

وأنتَ تكلّمُ في المهدِ..

بجاهِ رسالتِكَ القدسيّةِ

بكرامةِ أُمّكَ مريمَ وكرامةِ عذراواتِ بلادي

والأطفالِ المذبوحينْ

ليرحمْ ربُّكَ شعبي

ناجِ الربَّ ليرحمَ شعبي وشعبَكَ يا عيسى!!

.. أيُّ زبانيةٍ وزنيمينَ طغى هاروتُ بهم فتَمَادوا وأبادوا كأنْ لاربَّ لنا

ومذْ كنّا كنّا بشراً أحراراً !!

فهلْ نقبلُ عَسْفاً أو ذلّا

..أخبِرْه بأنَّ حبالَ الودِّ انقطعتْ

ورَجاءُ المذبوحين َتبدّدَ تحْتَ الرّدمِ واشلاءِ الموتى

..دَعَواتُ القديسينْ مضيّعةٌ بينَ سُعارِ سماسرةِ القوّادينْ ..

بِصَلاةِ أخيكَ محمّدَ ياعيسى وكَرامةِ أمّكَ هزّتْ نَخْلَته

.. من مثلُكَ من روحِ الربّ

وحبِّ الناسِ يُصلّي في الناسِ صبيّاً ويُنادي ..

ألستَ الفادي ياطفلَ الله ؟؟….ومن غيرُكَ إنْ لمْ تفدِ وتدعُ الربّ ليرحمَ

من ياعيسى يُفدي ويُنادي ..؟؟

صحَّ العزمُ وصَحصحَ وضَحَى !!.

إذاً.. ونردُّ لهمْ ردّا ردّا ..

ونَهدُّ لهمْ رُكناً سَدّا

ونهيلُ بأصنامٍ رَفَعُوا ..

وإنْ زَادوا

..كَرِمالِ الأرْضِ لهمْ زِدْنا عدّا حتّى لوْ هَدموا وأبادوا

حتّى لو بَلغوا بالتّابوت ..

يا عيسى أنتَ وشعبي بمهاريهِ الجذْلى

وبأحلى شبّانٍ فيهِ ، وعزمِ ملائكةٍ

بَلغَ الأيكةَ فوقَ سماواتِ الخلْقِ جميعاً ..

وأقامَ العُرسَ هناك ..

طوبى للعشّاقِ وللشهداءِ وللصَرعى

لا ذنبَ ولكنْ وقدُ الروح وجناحٌ للأفقٌ المفتوح

أقولُ وأشهدُ أن لاشيءَ سوى الحبِّ

لهُ الملكوتُ الأسمى والنُّعمى أقولُ عليكَ ..على شعبي الجبّار سلامي

حينَ يُصلّي الفجرُ لثورتهِ

وحينَ تُناجي سماواتِ الربّ بلادي وعشبَ الأطفالِ الشهداء ِتنادي ، وطيورَ الرَحبِ المأسورينَ وصبايا الأرضِ الثّكلى ملءَ مَداءِ ِالروح ..

أقولُ على أرضي وشامي وشعبي ،عَليكَ سِلامي ..

دُوري يارُوحي

دُرْ ياشَعبي

ويا أرْضِي في شُرُفاتِ الخَلْقِ وعَصْفِ الميلادِ دوري ..

لَسْنا بِحاراً ..

لَسْنا جِبالاُ ..

لَسْنا عَواصِفَ

لكنّا بشرٌ .يَصْنَعُ عِزّتهُ ويموتْ ..

———————-

 انجلينا

تقطعينَ أرضا

وظلالكِ سماءٌ

لا القصيدة ولا قوس النصر

وأنتِ تضيئين

كما في فيلم من أفلام كيروساوا

كما في حكاية على طريقِ الآلام

آلامٌ حربٍ لاتنتهي

فيلم ابهي

تطرزينه بعفرات الحنان

ويطرزه السوري بربيعه المقتول

لم يكتمل الفيلم

ولم تنتهي العاصفة

امرأةٌ سوريّةٌ

أطفالها بين أسنانها

في الحطام

من بين الأنقاض

في الشتات

كقطةٍ مذعورةٍ

تريد لتنجو

تشد أطفالَ العالمِ على خصرِها وهي تجرجرُ الطّعنات

وهي تواجه الأبد

وكلمةٌ متيبسة على الجبين

كأنّ الصّرخةَ إلى لله

تنكسر

ولا تتحشرج أمام العالم والكون

فيلم أخير

وها نبيل المالح يرفع كريستالَه المقدّس

ويقولُ سلاماً أنجلينا وشام

يقالُ ولدَتْ في أرض

ويقالُ هبطتْ من سماء

لكن من يعرف

رسولةَ البشر

لا يحدّها أفقٌ ولا يلجُمُها مدار

أنجلينا

يانجمةَ الجهاتِ من غرب

البشرُ يلاحقونَ أجنحتك

ليلمسوكِ

ليسمعوا رنيمَ خطواتك

ليتبعوا ضوأكِ الغريب

ودائما من ورائك

بالدهشة

ولا شيء إلا النجمة وغبارها البعيد

من بلدٍ إلى بلدٍ

من فضاء إلى فضاء

إلى أسطورةٍ

بألفِ جناح

وانتٍ الفارسة على انتظار الغريب

من يمسكُ ريشةَ الطائر

ثلاثةُ أطفالٍ سود

خمسةُ أطفال اسيويين

طفلُ من عراق

ثلاثةٌ من سورية

أكُلّهمْ أطفالُكِ

ايتهاالشجرةُ بألوان

في حضنِ الرّحمة

في جناحِ البيت

في عُرام الضحكة بدمع

وكما النسيم

وكماالقدَرُ والشوق

ولا يلمسونَ من نجمتِكِ غير غبارها

والحقيقة ..

أوووه أيّتُها الحقيقة …

أرادكِ العالم نجمةَ سينما

أرادكِ الإعلانُ نجمةَ غلاف

ارادكِ المصمّمُ والتّاجر والسمسار ..

وأرادتكِ الميديا شطيرةً بالقشطةِ والزبيب

وأردتِ انت نجمةَ النجوم

في القلوب

بلا أرض ولا سماء

القلوبُ على خطاكِ

خلفَ الضّوء والماء

الأرواحُ لاهجةً بالعطش

انجلينا انجلينا

من يزرعُ كوكبَ الأمّ

من يشعلُ أرضَ القلوب

البشرُ يتطلّعونَ

الأرواح تتماوجُ

والشوقُ على برجه العالي

إلى ملاك

انجلينا

يابحراً من عشقٍ وأعمار

يا أضمومةً من رايات

يا نجمةً لم تُعرفْ

تزيّنُ الأغنيةَ

تشعلُ نيرانَ القصيدة

وياتاجاً من ياسمينِ شامٍ على اسمكِ

خطواتِكِ

روحِكِ

جبينكِ

المرصّع بألفِ كوكبٍ

وأنتِ بقلبٍ ملوّعٍ مفتون

لعلّ قمراً

لعلّ حريّةً

لعلّ أرضَ البشرِ

وأنتِ تضيئينَ

لدينِ الورد

وآهِ آهِ يادين الورد متى تّكلّلُك القلوب

* انجلينا جولي

——————————–

لأنها الملكة بنقرات الروح

أقبّل الوردة تحت قدميها

وفوقَ خدّها

لأنّها الملكة

وأنا عمري بممالكَ وعوسجِ يواقيت

وأنا بسِرّان روحي

حالي وما حالي

في يناعاتِ شادرور

على قميصِها مفتّحا بأزرار

على نهدها المستفز لينْقُرَ النّدى

حالي

ولا قمر في الزمان رأى

ولا بنات الفرنسيسكان بالمراييل ولفح الصبا

نهدةٌ على نهدةٍ

غُصةٌ على غصّةٍ

طعنةٌعلى طعنةٍ

دمعةٌ على دمعةٍ

وخيبةُ أسى

وأنا مشيتُ لها من حمصَ إلى شامٍ ومن شام إلى حمصَ وحتّى آخرِ الأرض

وأنا معي الشجر والغيم وقطار القدم

وأنا معي بيت الحجاز والبرامكةُ وشارعُ بيروت حتّى النيربين

حتى مقهى أبو شفيق ولا بردى

وآه يادمّر التي على أنقاض روحٍ

وآه يامدرجات الجامعة في صيفِ المغامرةِ والخطفِ

وأنتِ تتأخرين

وأنتِ تحردين

وانتِ تنفرينَ شَمُوسا ولا فرسَ

وأنا ..

أسمَعُها وأرى ..وسمعتُ ضربةَ كعبِها وهي تأتي وهي لا تأتي ..

وهي تنقرُ على بابي

وهي تضربُ على مفاتيح قلبي في النّخاع والرمّ والخلايا

فيلعبُ نسيمُ صفصافٍ يتدلّى على الماء

وعناقيدُ العنبِ تتدلّى

وخصلتانِ بزهرة الغاردينيا تلعبانِ بي ذات اليمينِ وذاتَ الشّمالِ

نبيذٌ يعتصرُ في دمي والحاسّةِ

وأنا أمدّ يديّ في الكون وأطراف الأرضِ

اضربْ بريشتكَ على قلبي ياصعبُ ياحبُّ

ضمّني بجناحيكَ لأنامَ

أنا أتنهنهُ في روحٍ

واعتلُّ ببردِ خزام

أحببتها أنا الذي لم أنَم منذُ دهرٍ وأهجسُ في الصحو والنوم

وأستمعُ إلى عصفور النّار

وإلى المتتابعاتِ

وإلى شهرزاد كورساكوف

اضربْ بريشتكَ

خطواتِها ..وقعَها شغَبها رَمْحَها حَرّانَها

على دمي وجنوني

ويا شهرزاد كيف رميتِ بي من طائر الرخّ

ومن فوقِ جناحَيْ البرق والريح

وحطّمتِ عظامي على شاطئ المراكبِ العتيقة والجانحة

منْ خشبِ البحرِ وطرحِه

أحبَبْتُها

ولم أكنْ صيّاداً رأى الحوريات وشردَ في البراري

اضربْ بريشتكَ في دمي وعلى دمي

بخطفةِ قبلةٍ على الدّماغ والعنقِ

ما زالت أسنانها على شفتي وأظافِرُها على صدري

ووردُها

وأنا

وأنا أقبّلُ الوردة تحتَ قدَميها

وشميمِ قميصِها

وفوقَ الرأس منها لأنّها الملكة

——————————————–

فراشات عشق

أوّل العشقِ

دهشةٌ واشتهاء

وخطف الزنابق في مائها وارتعاش الحياة

واسئلة لا جواب ولو خالطت بالرئات

أول العشق

وهج أصاب على غفلة الرّوح فأنتبهت الى الدم

وأضاء َ قنديلَها بالبكاء

فهل من فضاءٍ له إذ أضاءَ وبشّرَ ثمّ طغى وأناء

وهل في الوجود له من رسول ويحمله كوكبا في سماء

بغير أليفين يذوبان عشقا ويعتنقان

بعصف الكيان وسر الكيان

ويطلع سرب فراش جميل وتشدو الطيور ويحلو الزمان

وحين ينوءان عصفا وضما ويختلفان على اي شيء

ويحتربان ويفترفان

كأن لم يكونا حبيبين يوما

يرى البعل أرض هواه ملوعة بالهيام

وتنزى لقطر يعيد الغرام

فيرسل امطاره في حياها

وتحيا بدفق االندى والشباب

وتزهر جناتها الف لون

وتعمر بعد صحارى سراب

وينعم بالعطر سهل وغاب

تبارك رب الهوى والشراب

اول العشق حاء وباء

حواء آنّت له من كيان

ثم آمت به شهوة وابتداء

واعطته من خمرة بالرضاب

وظلّت على عطش

ليس تروى ..

وآدم أم لها في الجذور

وأصلى على شبوةٍ وافتداء

ورخ بشهوته في جذور وهام بجنتها وأضاء

فايهما مبتدا في الحروف وآآآآآآآآآآآ م وأي وأيّا وهاء

وايهما نطفةٌ حين ناء عليها

وناءت عليه لتمحو وناء

وتبدأ من نطفةِ الخلقِ فيها

فيبدو الوجود بعشق ويمحى

وكيف على رعشة الدمع غاب

تبارك سر النساء الصبايا

يعدن الدوائر خلقا وعشقا

وحربا ومحوا بروح اللدادة والاشتهاء

ويقتلن مثل مليكة نحل تبيد الذكور غوى وارتماء

وتبقي لها صاحبا في الخفاء ليلقح ثم يموت بداء

وان عسل فالعطاء بشهد

وان مزحة فالضنى والعداء

عليها السلام الصّبية عشقا برحم الكيان

عليه السلام برحم اللدادة والإنتشاء

—————————

 تانغو لأوراق الورد

سينبت العشبُ ناضرا في قلبي

على درجٍ تشممَ رائحة أنثى وجُنَّ بها..

وصعدَتْ

وصعدتُ إلى جسدها وثوبها الطويل ..

هو بأردانهِ وأنا بشميم بقلبي

أنا الذي أرعشَ عشبي لها

يافعا برائحتها

يانعاً بمراهقتي

نادياً بالمشتهى

وانتصبت تحتها درجا إلى سماء

كيفَ أداري وأداري

ورائحتَها التي أشرقت بي تملؤني

وتشدُّ حيلي

فأصبحتُ مهرا في سماء أصعد

رائحتها الطالعةَ

بتوتَ عوسجٍ وياسمين

وبريّة بغموض أنثى وقرّاصها.

وأنا في سمائها

اذكر في ليالي الشتاء والبرد

ركبتيّ تتقصّفان بين نار ٍ

ونار

وأنا بوحشتي كلّها

وأنا بحواسّي الراجفة تأكلني

وأنا أصعدُ إليها كبستان

انا السارق

ولستُ أنا ..

قلبي ليس لي

وأنا أعجز عن حمل البهار والثمار

وأنوء بأنيّتي

من أصابعِ الوردِ إلى فوحها

ريقي يزدردُ الحاسّةَ

وخلاياي بشويطها

وقلبي بالوجع السكران

ومن خلل المسبل المكشوف

من خلل الضوء بعتمه تبين

ايها الورد انكشف لي

عن ساقيها وموتي

قلبي بلذّته يغتلي

وأنا بنأم الشبوب

في غلة الياسمين

وئيداً وئيدا

في لبّات الوهجِ

واصابع الزنبق

وتفّاح الفلج

في غُلةِ النّدهِ

وبنِّ الجنان أغلّغل في العوسجٍ الظمآن

وأنا المهرٌ

فوقَ ساقين من ضوءٍ ومن حياة

وأنا

أتشممُ بأنفاسي نأمة نأمة

روحي تحلّقُ في سماوات

ودمي في العبير حرّان لا يعدو

ومن شُقّةِ الضوء

شُقّةِ الصدرِ على فلقتي رمّانٍ

شُقّةِ الهال بالحرير

شُقّةِ الوردِ في السرّةٍ

الوردِ في الوهدةِ

الوردِ

ومن يرجعُ .. أرجعُ

عن ساقين يصعدان إلى جنة المشتهى..

قلبي على شفتيّ

وشفتاي على ساقين من وردٍ ومن عُرام ..

دمي يادمي

فمي يا فمي

ويا نهري يشتعل بوروده

ويا قلبي بعبُّ حرّان نجوماً وقمراً

أيُّ كرزٍ دانْ

وكياني بعبقٍ بدفءٍ

لذيذ ويكرجانِ

كياني على درجٍ وبرزخٍ

كياني بشقتينِ من توتٍ وآس

يسبقني

وأنا في مجاني الغرَقِ الأنفاس

أذوبُ لا أذوبُ

وأنا لنأمة حركةٍ أرتعشُ

ركبتايَ تتقصفان

أنوءُ ولا تَ

وكيفَ أذوبُ

وكيفَ

عن غطاء تكشّفَ

وأغطّي أغّطّي أغطّي

واكشفُ قليلا قليلا ولا أغطّي

ذئاب في دمي

لا أرتدُّ

ولا ارتوي

ولو بموتي إليها

حرّان

ولا بعرائي وفضحي

حرّان

في طهرها

في حرّها

في نومها

في حلمها

في توتها وعريها..

في جلدها الحليب والمشتهى

في وردةٍ تفتّحت على يدي

على يدي

وغلت بشفتي

وغلبت ولم أستطع

بالصابح الجارح النديان

لا عقلَ لي

ذئابي على عوائها الصامت

ولا امنَ لا أمانَ ولا قرار

وانا بدغل اللذة

تتقلبُ روحي ….واقتربُ ..

أصعدُ درجا وأختلسُ

أفرجت عن ساقها

افرجت عن وردة الدهان

وأنا اختلسُ

وانا أرودُ وأنا أصبو وأنبجِسُ

على غفلة

عن وهْدةٍ

ما يكشفُ أعماري كلّها

قلبي ماجَ بي

قلبي يمورُ

قلبي بهاويةٍ ..

قلبي هاويةٌ وقمة جبلٍ

وأنا بخوفَي أن تصحو

جرواً أهرولُ أتحسّسُ دمي

أتشمّمُ جارحتي

ذبّاحةً وفوّاحةً

..ويفضحني خوفَي

وأختلطُ بها بفوحي وجرحي

وإن صحَتْ بدهشةٍ النّائمِ

وإن بخدرِ الحالمِ

وإن بلذةِ اللهب الماجنِ المجنون

وإن نظرَتْ إليَّ بعينين ناعستين

وكنتُ أُغَطّي

استرُ وأغطّي

واقعُ عن هاويةٍ لاقرار

وما أنا ..ولا أستطيعُ

هي تغطي مابانَ بعينين ناعستينِ

وأنا أنكشفُ وتغطّي

وأكشفُ وتغطي في ليلٍ طويلٍ ببرده

وأكشفُ بعد ليل وأعماروألف عامٍ

وردةَ الخبيء بعمري

وهي تتقلّبُ في طهرها

في عُريها

في طهرها في جنبها

في ساقها

في دمي على دمي

في ليلها

في عري تكوّرها على قلبي

ودفء ناهدين متلعينِ

وشدّها عليّ

تشدُّ أشدُّ

في خوخها وتينها مرّانها وندّها

تلتفُّ جارحةَ

و لا ينام قلبي

ولا انامُ بلذة عصورٍ

خوفي يطير بخوفي

وخوفي يفزَعُ الحمام

وأنا ييفاعتي أثغو بألفِ جمرةٍ وحدِّ حسام

تقتلُ وتقتلُ وتقتلني

ومن يدفعُ عن دمي

قيثارة ملءَ قلبي

في أخمصِ حضنها

من فلّها لنحرها

لنهدها ..لعشها ..

لأخمص حاستي ونحري

وما زلتُ اصعدُ بثوبها الطويل

ووردةٍ من ضوئها

على درجٍ بشفتين ندّ فيهما العبير

وفُحتُ بالغمام

فهل أنا أنام

يا تانغوووووووووووووووووووووو !

——————————–

 نامي أيتها الوردة

نامي أيتها الوردة ..

في نومك عطر الفن وتاجُ الأحلامِ ..

سأغني من عمق الروح مع النايات ..

اهدهدُ بحنانِ الأنسامِ ..

وأنادي الصبح يجيء حنانا مشفوعا ببياض الجوري ..

وأغاني خزامى الشامِ نامي..

سيطلع نور الشام الأحلى في خديكِ

وتوت القلبِ على شفتيكِ ..

ويطلعُ عصفورُ الحسون بزهرتهِ الأحلى

ويغني في حضنكِ ملهوفا ..

أيتها الوردةُ قومي للبحر

ليحلو ماء البحر

وتحلو الحورياتُ

ويرسمُ عشاق الفنّ صبايا من نور الألقِ

فوق كريستال الماءِ الأزرقِ ..

وبين الأسماك بالوان الشفقِ المشلوحِ على لؤلؤهِ البسّامِ ..

نامي ..

وافيقي يا وردةُ

طلعَ الصبحُ عليكِ جميلا برذاذ العطرِ وأنغامي ..

ورندلتِ الأغصانُ أليك ..

وطارت بجعات الروح إلى أنهار الفتنة ،

وبحيرات غرامي ..

سلاما يا وردةُ ..

طلعَ الصبحُ

ونادت شمسُ نهار الروح إليك سلامي .

شقشقتِ القبلة في الوردةِ

وشقشقتِ الروحُ بصدركِ نهدينِ مع التوت الشامي ..

افديك بروحي وهيامي ..

ها ريشةُ عودي تعزف قربك ألحانا

من موزارت وبيزيه وكارمن

وشعاعا من شعر الخيّامِ ..

وفاح البنّ بقهوة شرفات الأحلامِ ..

فيا وجع الشام أعد بردى دفّاقا بغرامي ..

ومحموما بالعطر الأبهى

في في ذوب النور على قدميها .

ويا أرض اغتسلي موسيقى

فوق حنان رخامِ أموي فيها

————————

 واو بوهجه يصرخ من ألم

أيتها المتوجة بواواتها في سفَرْ

واو الدهشةِ عطش في العينين برمال صحارى

واو الماء في شفتين من توت وعسل

واو كرز حلمتين برفيف عصافير محبوسة

درّاق تحت تشيرت أبيض

تشيرت أبيض متوفّز بجسد من شبق

واو سرّةٍ تعبق بأسرارمانغو

واو حبّة عنب من عبق

في تمّةِ شفرين سعيدين باللؤلؤ المكنون

حَصّةُ زبرجدِ صافعٍ مفتون

واو نون

زرُّ وردٍ فوّاح مندّى بالخجلِ يختبي بحرير

سّاحرٍ ملوّعٌ مجنون

يا ثمرُ يانَظرُ

ياحسّ ياأسُّ يا سمعُ ياسكون

ياشمُّ ياضمُّ يالمُّ ياململمُ ياحرون .

ياتمُّ يامتلعٌ يامدمنٌ بخمرهِ الأروى

لا يرتوي ولا يروى

يا غفَّ شجرٍ مفزّعٍ حنون

يا واو ياماء

ياتوتُ ياعصافيرُ ياسرّةُ

ياعنبُ ياشبَق يالؤلؤُ في عيون

يازرّ وردٍ عاصفٍ ذابحٍ مسنون

من أنتِ من أنت بعمرٍ ولا أعمارَلها

باسمٍ ولا اسماء ..

بروح مبارك يتجلّى

غاويةٌ عادية خدّاعةً بدمعها

محرحرةٌ موّارةُ مسعّرة

يا واو

ياماء

ياتوت

ياعصافير

ياسُرّة

ياعنبة

ياشبقُ

يالؤلؤأ طحنون

ياغاوية ياعادية

يا خدّاعةً بدمعها

بدمعها وغلّتها وصباها

ما احلى عوسجا في مداها

واو واو مستفحلٌ في ندّهِ ويصرخُ من ألم ..

عاوٍ صاخبٍ فاتن بهمسه ورعده ومفتون

———————

خبطها يا حسّونة

يا سعيد الطّمه!

ماذا فعلت بالتفاحةِ التي هشّمَتْها

السيارة السوداء،

يا سعيد الطّمة!

* * *

في نزلة الضجر

ودمشق تختال

ودمشق،

مزهوةٌ بالفنادق والواجهات.

* * *

أخبار الميدان

السردين للحارس

والصابون لزوجة الجندي

ولك دبابتان وأربعة أيام من الجبهة.

* * *

باتجاه تشرين

آه… لو أخلع ثيابي وأركض،

الطريق أسرع من السيارة

والخيال أسرع من الطريق.

* * *

أخي محمد:

أربعة أيام لرسائل الجنود

وهدايا الأمهات وقطار الأسلحة،

ولك خمس دقائق.

* * *

إلى المتهم والمدان

ثلاثون رصاصة طازجة

ثلاثة رجال للوداع الواحد

ثلاثون كلباً وسيارتان.

* * *

——————————————–

حصان الحريّة

ديسمبر 8, 2024

انزل خسئتَ

فَمن نصّبوك.. ومن خَوّلَكْ

ألستَ صبيَّ الهلاكِ الهَلَكْ

انزلْ

انزلْ ..خَسئتَ

ليست ملكَ ابيك

ولا إرثَ جَدك

فَمن سَؤلَكْ

هذا الحصانُ الأبيّّ الأصيلُ

لم يَكنْ لأبيكََ يوماً وجدّكَ

فانزلْ

وهذا العرشُ والملكُ لشعبي الأبيّ

وهذي البلادُ

وسرُّ الألوهةِ والأبجديّةُ والحبُّ وشمسُ الوجودِ الّتي عمْرُها الكونُ .. بلادي

فَمَن ورّثوكَ ومنْ أوصَلَكْ ..

ألستَ صبيََ الهََلَك

تظنُّ البلادَ والملكَ والشّعبَ لكْ

قلتُ لصاحبي يومَ دعاني أقولُ برأيي الصريحَ بعرشٍ أرادوهُ لكْ

ولدٌ .. عَيّيٌ ولن يستطيعَ

ولوْ صارَ أسطورةً وقاضي بلَدْ

ولد

ولم يبلغِ الحلمَ بعدُ وأنّى له بالسياسة والحكمِ؟

كيفَ تُبنى الممالكُ والحكمُ..

بمنْ يلعبُ بالجيم ويرضعُ أصبعهُ كالوليد

قال صديقي بلهجته الحلبية( بَحبو)

ومالَ برأسٍ لهُ عن جوابي وأربَدَّ وازورّ عنّي يُريدُ الوزارةَ، والوصلَ والقربَ..

قلتُ لاتَ يقيمُ زمانُ أبيهِ علَيهِ

ولو رَسّموهُ بملكٍ لقيصرَ أو عمّدوهُ بتيجانِ كسرى.. ولَدْ

وقالَ أرى فيه نجْباً وأحببْتُه

أنا رَبَّيتهُ وأخيهِ المهندسَ والفارسَ الذهبيّ

أردتُ أقولُ ..وما قلتُ ..(أضمرتُ أنّ الزّمانَ يقولُ بهِ ما يقولُ)

فعادَ يسائلُني لأعيدَ هواهُ

..لعلّ ..فيمنَحني أن أكونَ وأنحو مَعَهْ ..محالٌ وقد وَزّروهُ

كيفَ أُعْمى عما ارى ولو مَنحوني الوزارةَ

والمجلسَ الملكيّ والصولجانَ الذّهب

وما عادَ صاحباً لي أبداً

قطعتُ الوصالَ معه

تركتُ الزمانَ يقولُ به

وقالَ الزمان

أرعنٌ وخسيسٌ

زَنِّيمْ ويسقطُ في درَكِ الهالكين

وإذ تمادى أحالَ البلادَ الى مقبرةْ

وتساقطَ حتى الهلاكِ الهَلَك

وأنا قلتُ من وَقتها لمنْ الملكُ

للذي توّجوهُ

أم لشعبٍ عظيمٍ تفنّنَ بالمجدِ والفعل والأُضحياتِ حتّى مَلَكْ

انزل

هذا الحصانُ الأبيّ العنيدُ بعمرِ السماواتِ وأنجمِها

وضوءِ المجرّات فيها لم يكنْ لأبيكَ فانزلْ

نصفُ دهرٍ وقرنٌ وأنتمْ تَرُوضونَ فيهِ

وهاأنتَ تلْجُمُه بعد أبيكَ

وألفاً من التابعينَ الشراشير والشابحينَ الفَنَك

ومازالَ مُرّا وصعباً كما أوّلِ الخلقِ

جرْحُه بلغَ الأرضَ

وصهيلُه السموات

ووعدٌ لهُ الآنَ

أن تقتُلَهُ وتبيدَ حِماهُ

أوْ يقتُلَكْ

اقْتُلْه إذاً لتفوزَ او يقتلك

وإلّا فوز لحقدٍ ووغدٍ سلك

نصفُ قرنٍ ولم يقنَعِ اللصُّ فيكم

زنيماً ووغدا وشبيحَ

ولم يقْنَعِ الهرِمُ الألمعيُّ ربيبُ الوصايا وحرزُ أبيكم بأحقاده

ولاتَ يفيءُ المروّضُ منكمْ إلى حكْمةٍ في اليقينِ

ويَنسى الحقودُ الذي قامَ بالغلّ

عبر مئاتِ السنين

أيَصفحُ ..يَنسى ..وكيفَ ينسى سليلُ القرودِ

شلوُ السّفود الحلَكْ

إنّهُ المستحيلُ والصّعبُ

وليسَ يُصافِ الزّمانَ حقودُ سفاحٍ وغِلٍّ ..

فلَوْ جبلٌ قُلِّبَ الآنَ

ولوْ جُفّفَ البحرُ من مائِهِ

ولوْ حُشدتْ كلُّ حيتَانِهِ والأساطيلَ

وحلّتْ لكمْ معجزاتُ الصّراعِ وأزمانُهُ

وأضحتْ جراحُ بلادي المدادَ

وقتلى بلادي رمالَ العدَدْ

ولوْ أيّامُ عادَ بنِ شدّاد حلّتْ

وجندُ سليمانَ والجنّ ورؤيا يوحَنّا ..

وما زلزلَ الأوقيانوسَ العظيمَ

لما انصاعَ هذا الحصانُ العظيمُ لكمْ أبداً

ولا نامَ نومَتَهُ في الأبدْ

فالشام هي الشام والشمس وروح الاله الملك

محالٌ وعُظمى ومعجزةٌ عن

أنْ يحُطّ وينصاعَ هذا الشّمُوسُ العنيدُ

أو يرضخَ الآن بعدَ العجافِ وبعدَ الصّمدْ

الحُرّ يعرفُ صاحِبَهَ

والأرضُ تعرفُ زارِعَها

والمرأةُ الحرةُ عاشِقَها

ومنْ عرفَ الفرسَ العربيّ الأصيلَ محالٌ لهُ يرتضي المسخَ فوقَ صهْوتِهِ

ولو كانَ أسطورةً في الجهاتِ

فانزلِ الآن عنْ ظَهرِه ..

أتقتلُنا الآن بجيشِ الجيوشِ

وحشدِ الحشودِ الذي سَوّلَكْ

اتقتُلنا الآنَ وتحرقُ كلّ البلَد ..

خسيت..

ولو أطبقتْ بالأرضِ كلّ الشياطينِ وإبليسَ

نرميكَ يَرميكَ شعبي العظيمُ

ولوْ عزّزَكَ الكونُ وجيشُ الجحيمِ منَ الرّوس ومَنْئي بفرسٍ الأباطير ونصْرملّ الدعيّ هناكَ

ومنْ خوّلَك

ويلفظكَ الأبطرونَ الأُلى نصّبوكَ

وقد مرّغوكَ بزبلِ الرّغامِ

والذلّةِ العارِ والهَشْتَلَكْ

وقالوا برِئنا وكلٌّ يحيلُ إلى منْ هلَك

أتبقى ..

وقال الأُلى زيّفوا وأهالوا بزيغِ القلوبِ لنا القوّةُ الآنَ

لنا الملكُ والعهدُ والأرضُ وكلُّ البلادِ

وقالوا لنا الماءُ والضّوءُ والدّمُ والرّوحُ ..وظنّوا استكانَتْ وذلّتْ لهمْ.. محالٌ

بلاديَ لمْ ترتَحِلْ

ولمّا تزلْ كما الرّوحِ باقيةٌ لاتموتُ

وولّادةُ شاميرامُ العُهودِ تعيدُ الحياةَ وتبني البيوتَ

وشعبي يدورُ ويملأُ أرضَ الورى والسكوتِ ..

يدورُ يدورُ يدلُّ السّراةَ ويَهدي الهُداةَ ويُعطى الأُساةَ السّطورَ

ويَطْحَنُ قمحَ العُصورِ ..

وقُلنا خَسيتُمْ بما تشتهونَ

وقلنا أتبقى بما وسّموكَ

تظنّ بجيشِ الغزاةِ وقهرِ الحياةِ

وطوفانِ دمّ كأنّ القيامةَ قامتْ

ويبقى لك الملكُ

خسيتَ ..انزل.. ولن نحن ننزلك الآن رغما وذلّا وعاراً يُكللُ راسا قبيحاً وضحكاً بَليهاً

وخَرْملك

الملكُ لله

الملكُ للهِ والشّعبِ

الملكُ لأبنائِنا في غَدٍ

ويبقى …

فما أنتَ إلّا الأُبيلَهُ دوناً عنِ العالمينَ

وما أنتَ إلّا سليلَ الهلاكِ الهلَكْ

ما أهبْلكْ

————————

 “ليلة محارب المتاهة”

الخميس 2025/05/01

مثلَ كيسٍ بأحجارِه ألقيَ في اليمّ ولا

قَرار

مثلَ طائرٍ أعمى يضربُ من جدارٍ إلى جدار

يتيماً تركه الله في عراء الكون ولم تدلّهُ الملائكةُ الى طريق

ولا سيفُ الساموراي

ولا شجاعتُه تكفي

هذا هو محارب الكانسر المشفوعُ

للحبّ والحرية

لا تسألوا الربّان أي عاصفةٍ أودت

بالتايتانيك في ليلةٍ مزؤودة

فشلّعت الأركان

“فقد توارى في الثرى راحل

غداً وماضٍ من الوف السنين

لا توحش النفس”

من سيقرأ الرباعيات

ومعلقة شام في شام

ولا منْ أفقٍ ولا مَدى إلّا مصفوداً من عنقهِ يجرجرُ إلى حتفهِ

ولا ملايينُ الهنود الحمر بشجاعة الأساطيرِ

ولا طيور أفريقيا

تساقُ الى العبودية

ولا طائرُ الكندور المتوّج بسماوات

وقتي لم يَعُدْ لي

جَسدي لمْ يَعدْ لي

شَجاعَتي تَوق رُوحي

مخنوقٌ بكسادِ الشّهيّة

والبنفسجِ الأصفرِ الدّبلان

يكفيييييييي

توقف

ماعهدناكَ رخواً بحرّان

و…

ليلة محارب المتاهة

مثلَ كيسٍ بأحجارِه ألقيَ في اليمّ ولا

قَرار

مثلَ طائرٍ أعمى يضربُ من جدارٍ إلى جدار

يتيماً تركه الله في عراء الكون ولم تدلّهُ الملائكةُ الى طريق

ولا سيفُ الساموراي

ولا شجاعتُه تكفي

هذا هو محارب الكانسر المشفوعُ

للحبّ والحرية

لا تسألوا الربّان أي عاصفةٍ أودت

بالتايتانيك في ليلةٍ مزؤودة

فشلّعت الأركان

“فقد توارى في الثرى راحل

غداً وماضي من الوف السنين

لا توحش النفس”

من سيقرأ الرباعيات

ومعلقة شام في شام

ولا منْ أفقٍ ولا مَدى إلّا مصفوداً من عنقهِ يجرجرُ إلى حتفهِ

ولا ملايينُ الهنود الحمر بشجاعة الأساطيرِ

ولا طيور أفريقيا

تساقُ الى العبودية

ولا طائرُ الكندور المتوّج بسماوات

وقتي لم يَعُدْ لي

جَسدي لمْ يَعدْ لي

شَجاعَتي تَوقِي رُوحي

مخنوقٌ بكسادِ الشّهيّة

والبنفسجِ الأصفرِ الدّبلان

يكفيييييييي

توقف

ماعهدناكَ رخواً بحرّان

وأنتَ طائرُ الأوقات العاصية

وأنتَ تشدُّ نشيدَ الأبديّة

أشعل خطاك واهجس بطوفان نوحٍ وأسرار عاد

وروحِ إرمْ

وعهدِ اليتيمِ فيك

غلَّ المدى في يمينكً

سدّدْ بٍها رَميةَ القاضيةْ

في قلبِ عدوّك ترديهٍ

عشرةُ آلافٍ صبيّ  بوردٍ وشام

يزودنَكَ للأعراسْ

قم الآن

أقووووووووووزووووم

أقومُ

بكلّ العزيمةِ والرّوح

وهذا الصباح صباحي أقومُ

يكفي

لقد قلتَ

وأذّنتَ في النائمين

والضائعين حيارى بليلٍ عَوان

الفجرُ لاحْ

طلعَ الصباح

————————–

 عربة جسد يسمونها الرغبة.. إلى محمد فارس محلّقا في فضاء

2024.04.21

عربة جسد يسمونها الرغبة

“إلى محمد فارس محلّقا في فضاء”

“ميغيل أنجلو على سقف كنيسة “سيستينا” روما*

والإله العظيم في سقف القبة من خلفه أمراء الملائكة

يمد طرف سبابته إلى إصبع آدم الممدودة

 يعطيه الحياة

ها أنت تقذف العربة من أول الخلق الى آخر الأبد

في مسرح العبث

ملايين الشبابيك والكوى في جهة أطراف المسرح الثلاثة والرابع على الجمهور يسقطون الزند الفارس.. ويستمعون الى الفرجة الفارعة

وأنت تضع الخلق والكون والتواريخ في العربة وتقذفها

على حدود السيف

وها أصداء وصرخات التواريخ بالهتاف تروي

ومسرح العراء المكشوف لا يعيد اللوحة ولا يكرر ضرب ريشتها مرتين.

العربة تمخر الأرض والجسد من طرف إلى طرف

لتزهر معها وردة الثالوث

 لولادة الحرية بطعنات الحتوف والموت

ارفع نشيدك فوق الأكتاف يا حادي الشعر ويا فارس الموسيقا والأمل

بالمزاهر والدفوف وعود الريشة الأبدي

ألّفْ نشيدَك”

***

عربة جسد يسمونها الرغبة

أنت لا أحد سواك

وكان موتها خاطفا مثل طائر الرّعد

 كان بطلا

وكان موتُها طعنةً لا يمحوها زمن

وكانتْ بطلةً..

وظلّت إسطنبول واقفةً تبكي

بلا تفاحةّ و لا أعلام

كانَ “قَبلاي تشارشي” مترعاً بالأسى لروحٍ لوّعَتْه الآلام

لم يطقْ حملَها

غادرتْ إلى سماوات

هناك في شام كأنها شام

ما زالت الحارات الداميةُ بجراح الأنين تستصرخ الأبد

وهي تودّع عروساً أحلى من شفةِ طفل ينادي ماما

***

كن أنت ولا تكن غيرَك ولو ملّكوك الأرض

ولو عاجلك الموت خاطفاً بطلا

تكن في الجدارة حرّا

 ولا طعنة الساموراي بسيف أجداده

ارفع ستارتك عن خديعة الزمان

بالحتوف

اصنع الحياة وأنت تمثل ولا تحوّل الحياة إلى واقع وخبرٍ وتمثيل

بل أبدع حياة فوقَ الحياة

وموتاً قبل الموت

واكشف عريّ الحياة الأولى وأنت في عز المواجهة كأنّك على سراط العدم

الحياة تُعاش لمرّة واحدةٍ ولا تحتاج لمن يكرّرها مرّتين بصورٍ معادةٍ وانماطِ سقيمة

 أعطيتَ الحياةَ لمرةٍ واحدة لا تتكرر

 لم يسألك ولمْ تسأل أحدا

وكنت الفارس والظل معا

***

الوجودُ الحيّ إبداعُ صاحِبه

والعمل المسرحيّ والفن إبداع الجمعِ وشخصياتُ الأمثولةِ والعبارة الكاشفة

 الإبداع أن يكونَ مرّةً واحدةً ويكون إبداعاً فوقَ الإبداع

لا يتكرّر مرتين

الاحتفاظ العالي بحرارة الطبيعية والصدقية والجسد الناري ببرد المتجمد ونارِ “الأولمب” معا

لا افتعال ولا مجانيّة

المسرح هنا روح نبالةٍ وارتجال عظيم لا يجيدهُ إلّا الندرة المجانين.. يكلمون أنفسهم والأرواح ويعيدون رسم الأبد

مثل النهر الدافق لا تتكرر برهاته وأنفاسه مرتين ولا لعبةُ التمثيل مرتين وإلا يصير آسنا وتهريجا

***

سِرْ وتكلمْ إن شئت بصوت القناع والجوقة

 وانزعها مرة واحدة

وكُن الـ “دي لارتي” وبطل الميلودراما في العراء كأنّ ألف قناعٍ يواجهك بالخديعةِ وملايين الأصوات

في عراء مسرح مكشوف

وكوريدا بأعلام الفينيق العتيق

والسهام تنغرزُ في الجسد سهماً وراء سهمٍ بصرخاتِ الهتافِ والجنون

هو لحمكَ يا سيدي ولا تشعر به يَتهتّك!

أعطيتُ الحياة هبةً فلأعطيها عمري لا للموت

وسأدفعها بخِنجَرَي قَرنيّ الطالعين من معابدِ عشتارَ وسومرَ

ومُنجردِ امرئ القيسِ في الهيكل العظيم

إذا أردت أن تمثل

إذا أردت أن تموت على الحلبة

لا تكن نجماً بل هاوياً لمسرح معبود فاردٍ للزمن والأركانِ

 معَ وعيكَ الكليّ لكلّ حركةٍ أو لفتةٍ أو همسةٍ تَصطنعُها وتلقيها

 لا تغبْ عن نفسك ووعيك

لا الزمانُ ولا المكانُ ولا تلقينُ الحاكي القديم

مع أنّك لا تنسى بأنكَ تلعبُ تمثيلاً بمهارةِ الطائرِ وعزيمةِ الفنّان وأنتَ تسمعُ الصمتَ

هل تمثّل هل تلعب؟ هل تؤدي دور الفارسِ أمْ تجترحه من عدم؟

عشْ ولا تمثّل

 وإنْ مثلتَ فعِشْ في ذروةِ الجنون والحاسة وفي الأعماق البعيدة

الزمن البعيدُ لعبةُ الأبطالِ والتراجيديا في وجهِ صهيلِ الرّياح وصلصلةِ السيوف

 وفي الزمن الآن بالنيون والليزر وغابةِ السيلكون والتّايغا بلا سيوفٍ

الأرضُ حرّى.. خشبة مسرحٍ بالجمر

 ولوعاتٌ لا تنامْ

العبْ هناكَ في ردهاتِ الغيابِ واتركْ نفسكَ تعانقُ صداها وتردد أغنيةَ البجعةِ السوداء وحدَها

المسرح

القصيدة

الموسيقا

الأغنية

كذلكَ في كلّ فنٍّ كن أنتَ ونفسك في نَفسِك وجمهوركَ في أفقكَ ومسرح جسدكَ وفضائكَ وقوس الصّعب

و في مَلكَتِكَ وحبيبتكَ فيكَ

وإنْ صرختَ فامخر الكونَ ليس زعيقا بل همسا فوق حاجزِ الصوت وهسيسِ الأعماق الراجفة:

أيَتُها المجنونة.. لقد بكّرتِ كثيرا عودي

***

أنتَ لستَ “نجنيسكي” الملوع بجواه وحمّى ناره

 ولا بطل عربة الرغبة تتلظّى بينَ مفرقيهِ وعرامِ رأسهِ وأخمصِه

ارقصْ بجنونكَ بقلقكَ بغضبكَ بعصفكَ بخيط حرير يذبَحُكَ

ويحلحلُ ركبتيك

ايّها الماجنُ الغاوي بألفِ أنثى

ووردة

 ومارلون براندو العظيم على طرف حاسّتها المشبوبةِ بنارٍ ترمي

وهي تموتُ بفحيحها المجنون: خذني لأضيعَ عن دمي

يلوّح لك وهو في عرام عناقِه الطاعن المجنون بَهدهدةِ أعماقٍ بعيدةٍ في “العرّاب”

و”القيامة الآن”**

في بحيراتِ “بالميرا بالما”

العبْ الصمتَ وارسم موسيقاكَ وكنِ الدمعَ والأبدَ فيك

كنْ أنتَ ودمعكَ ونزفكَ ولوعكَ وعطشكَ وخيباتِك وثأركَ الدفين

وواحداً في القصيدة ولوحةِ الريشةِ.. في الفيلم.. في المسرحيةِ.. في الأغنيةِ.. في بحيرةِ البجعِ

  في طائرِ النّار

وقد رمتكَ الحتوفُ والحروبُ ومحاربو العتماتِ والأقبيةِ الغارقةِ في تواريخ الماء

 انهضْ كما يفزّ الصقرُ ويلعبُ ماهرُ الحبلِ بلا أجنحةٍ ولا جدرانَ

أنتَ الآنَ سيّد حلبتِكَ ومكانَكَ الأكيد بلا حصانٍ ولا سيف

لا قلبٌ لتاريخ يجاريكَ

اضربْ درفاتِ الأرضِ بألفِ عودٍ مجنون

 أيّها المهرجُ بالسّلاح

وألفُ أبدٍ يغتلي

* اللوحة الجدارية التي رسمها ميغيل أنجلو على سقف الكنيسة عبارة عن عشرات المشاهد التي تروي قصة الخلق -وفق رواية وأساطير الكتاب المقدس. ومن المشاهد الشهيرة صورة آدم وهو يمد إصبعه التي تكاد تلامس إصبع (الرب).

—————————-

 سين الجنسانية

 Nov 17, 2024

ما يحكي وما لا يعرفه المسكوت عنه

كاف الهبوب المجنون بطيره وسين الملوع الممحون بناره

في البحث الغوي والتعريف الذي لم يعرفه احد وشبه لهم ولهن

جنس

كاف وسين وبيسين

الجنس من الجينات واستمرارها في الحياة والجن

والجنس جن + س بالعربية

جن غامض ودفين

والنون رحم يزرع فيه النوع

والسين نصف كلمة وشقها ال ك للمجهوولية وكن الكينونة ، والسرية وسين المرفوع الذي لايعرف ولا يدرك بماهيته ومهما تعمقت واعدت فيه وكانك في حلم تنسى تنسي وداؤك النسيان لتشفى وتشقى في صاحباته وليس فيه فهن انبعاث شهوة وعشق وادمان وهو غرق، وكلما نجوت تريد اكثر، وتقضي عمرك ولم تدرك من البحر والباء والظاء شيئا ..ومنه البظ الذي يشتعل ويضيء ويغنش ندا ونداء

ولا حل في هواك وغواك الا موتك فيه، وكأن عملية الجنس العشقي مغلفة بغموض، وضباب وهو جزء من غبطة هذا الفعل الأرضي الكوني في آن معاً

وتظن نفسك فارساً وحيّا ايها البهي المبهوت .. كلما اغورت طفوت، وكلما بعدت نفيت وضعت.. لكأنك ان تعود اليه وتريد وتستغرق وانت مضغة وعلقة وجنين اسابيع وايام وشهور، قبل ان يلفظك جواه، وتستقبلك الحياة طريا وضعيفا ويتيما بيتم ابدي لاتعرفه ولاتراه..

والجنس بهذا المعنى موت كليّ وهيلمانيّ بشعور استغراق وموات، ورعش رهزي بدفع عواصف وأمواج وانخلاع قلاع، بين حر ودفع وكرّ وحكّ حتي تشتعل الجذور بالجذور ولا يعي الغامر نفسه إلا جارحا وذبيحا، وحتى تطمى البحران بالبحران ويرتمي في حضن قاتله وقتيله من نهنه بعيد.. يريدان التقاط الأنفاس بالأنفاس،واخمص القعور بالراس، فيغرق الاكثرون في نوم بعده، ويصحو الاقلون في وفرة نشاط وولادة، وكأنما يكتشفون الحياة في اول رغبة ولداد..

فالجيم والكاف عدوان عاشقان والسين بينهما رابطة ابدية وابد، وإن لم تتحقق بالجنس تتحقق بنفسها في اجساد كل البشر، وهي سين الانسان والنثيث الغارق العظيم المعلق بهمس المستحي اترى عند غياب سين الأنثى، ورائحتها تتحقق باستحواز سين الطراوة في البشر والاشياء

بتماهيات المعنى في ذاته ولذاته..

ارايت معي في

جادك الغيث إذا الغيث همى يازمان الوصل في الاندلس..

تأمل معي في لام اللدادة وسين الكونية، بل سين الغرق في وهدة بين شفرين وشق كتيم حران لايشبع وإن زعمت صاحباته غير ذلك

سألت عاشقها اتحبه.. قال احبك انت، وهو رمزك ومزايا نكهتك وثمرة فيك..

بل تويج حمى الاشتعال بكل مافيك حتى واواتك العظمى لأنه يحمل اسمك وروح معناك، وأحب ردفيك ونهديك وعينيك لانك بها كلها تحكين وتموجين وتغلبينني لأنها بملامح اللذة والحبور وايقاع المعنى فيك، بل ايقاعي بسهمك الغلاب..

قال لأمه ولماذا تتزوج اختي العروس

قالت امه ومن يحرّ التنور بمحراكه.. قال أنا

وكانت اخته تداعب نهديها وتتلمس شهوانها التواق للحبور

، وهو كان هو يشاهدها تتألم وتتلوى وتكزّ في الحمام فيزعل لها، ويموت ليفديها بالروح وهي في نهنه وتموء

فيضمها، وتضمه، ويلتحمان ويبكيان معا..

ثم يمسح لها دمعها اللذيذ الشهوان في كل أماكنها حتى تغمره بالروح، وتنهض ناشطة مثل فرس الغَمام

وتنهض وينهض من نوم الزمان

وقد تنور خداها بحمرة تفاح خجول، وهي تستعيد ذلك بعريها وثمرها قرب مرآتها بالشفوف..

فهل فهم الجنس بأسفله واجمله واعلاهرفي سيرة الورع والحبور

الا ما احيلى المنثور

رسول الجرح والمعنى

————————-

اللا أحد يكتب ويقرأ الشعر

العربي القديم25 أغسطس، 2024

أبكي من شدة الشعر

ولا طعنة السيف

ولا خيانة الحبيب

ولا خيبة المظلوم في عالم بلا قلب

أيها الشعر الشعر ما أكثرَ قراءك الأميين

من يقرأ الشعر… لا أحد

اللا أحد يقرأ الشعر إذاً الشعر موجود

من يتذوق الفن.. لا أحد

إذاً الفن موجود

من يعشق الحرية السورية.. الملايين

والملايين لا أحد

إذا الحرية لا تموت

أيها اللا أحد العظيم

أنت تقرأ الشعر مثل مبدعيه الشعراء الذين هم لا أحد

وأنت تتذوق الفن وأنت تعشق الحرية

وأنت لا أحد

آلاف يدّعون قراءته..

هؤلاء ركاب محطات الهوب هوب.

الهوب هوب جمل معقور يسند سنام مؤخرته الى كثبان الرمل

الرمل الذي دفن رؤوس النعام

وأعطى كتابا عظيما لتأبّط شرا

وعشاق الشعر؟

عشاق الشعر هم الحبيبات الموجودات في إيقاع ووقيعة الشعر وموسيقاه

بجدائل موصولة في عيون القمر

الشعر سماء

الشعر أرض

الشعر نجوم

الشعر صبايا وأفراس

وموسيقا وحنان ولهفة وعشق مجنون وفنون

أنا الشاعر أنا لا احد

أنا الحب أنا لا احد

أنا القصيدة سماء مشتعلة بالنجوم

أنا الليل عاشق النهار

أنا النهار

معشوقتي شهرزاد

أنا غيرة ديك الجن

معشوقتي الورد ملأت بدمها الازمان

وسكبت رضابها في كأس رماد العالم وشربته عبر العصور والدهور ولم أسكر

أنا زنوبيا بأساور المجد والشمس

أنا البتراء تزوجت ملكة بابل

أنا الحرية خطفت تاج الشاعر

فظل عمره يتبعني ويغني لي

أنا الشاعر ولا أحد

أنا القصيدة المنسية في مسارح زيوس وقيصر وعوج بن عناء السوري

انا مئذنة الاموي بجوقة منشدين

أنا حي القنوات وقمر الشام العاشق المعشوق ولا أحد

وأنا عيون اللواتي عشقتهن واسقينني النهدات ومازلن يشعلن دمي

الطفل الذي شمهن وسكر برائحة ورد الجنة وهو على أحصنة شهوات جهنم

مازال سهران مع الليل لا ينام ولا يدعني ينام

وهو يهدهد رائحتهن بالريحان

حوريات بنات الجان

أنا فرس الشعر التي أنطقت عيسى في المهد

وحملت محمد الى سموات حتى سدرة المنتهى

وأنا اول كلمات قرأها الوحي عليه

اقرأ.. يا محمد

ما أنا بقارئ.. من يقرأ لا احد

من يقرأ الشعر لا أحد

من يقول الشعر لا أحد

أنا اللا أحد

والأحد الذي اشتعل بإيفا وعمرها سنة

ومازال في دمعي سكران

—————————-

القانطون… اليائسون… رؤيا عمل في مواجهة اليأس والشرذمة

حسان عزت

أكتوبر 4, 2024

-1-

كان مستعبدا وكان اسمه وردا ( بلا شوك)

وصار حرا وظل اسمه وردا ولكن بشوك

الشوكة القوة.. الوجود. الفعل العمل المعرفة وزراعة البزرة في أرض صالحة

-2-

البداية العمل

المشروع الحرية البزرة والأرض والفعل لدى أناس لم يفقدوا إيمانهم بالعمل والحياة والأمل

ولأن المشهد على ماهو عليه، لابد من التفكيك، تفكيك موانع العمل والمشروع.

المنطقة والعرب.. والمشروع

لن تقوم قائمة للعرب وهم شراذم.. ملل ونحل.. وهم خاضعون لجبرية القوة المهيمنة والمانعة لأي فعل… فالمكبل لا ينتج وهو مكبل. روح المشروع افراد في صحراء، رمل وأغوال

-3-

لابد من العمل

البداية الشوكة وبعد درب الشوكة وبعد عقود الشوكة..  ثم تفكيك عوامل الهيمنة والمنع والإعاقة

بالتكتيك والاستراتيجيا ولكن ممن.. وكيف؟

لا يتنزل مشروع من سماء.. الأرض هي أرضنا الأم، وأرض الشجرة وأرض العمل والبداية..

المشهد صحيح مختلط وبائس لنا.. لكنه خادع.. ومختلط

إن فشل مشاريع النهوض والنماء والعمران مشروعا بعد مشروع، مع توفر الماديات الذاتية، لا يعني الياس. اليأس ديدن المهزومين الذين سلموا أو بنوا برؤيا الغيتو وعادوا ارضهم وشعوبا يتعايشون معها وتحمي وجودهم.. فتعروا واصبحوا مهزومين.

-4-

من نحن.. اين نحن.. كيف نحن.. إلى أين..؟؟

العمل الآن وكل العوامل ببعديها المادي والمنعي موجودة وببعدها الناهض التفكيكي موجودة..

فلا يقنط من الأمل والرحمة والتراحم إلا اليائسون

 لمَ لا نحيا.. سوف نحيا إذا.. فلابد.. ولو لألف سنة

البداية.. خطوة مسيرة الالف ميل: من البداية.. فلنبدأ

-5-

 الياس خوري:

إذا كنا في ملاحقة من موت لاينتهي

فلابد من خطة.. لنحتفظ ما أمكن بحياتنا

 صقر قريش:

ولو لألف سنة سنقوم وتشرق الشمس أيضا

إذا كانت الشمس فينا حقا وعملا وايمانا وصبرا

العمل الفعل قبل اي كلام

ح. ع:

صباح الخير

صباح الامل

فلنفتح نوافذنا للشمس

——————————–

=====================

بعض مقالات حسان عزت

—————————-

 زكريا تامر.. كاتب وشاعر بمرتبة فارس/ حسان عزت

2024.03.30

رياحه الخرساء تصهل في مدن الأرض: ما تزال الضباع تجتاح بلادي. من صهيل الرياح الخرساء إلى “دمشق الحرائق”، فضح مملكة الضباع الذين دمروا كل شيء واعتبروا الخلق غنائم يعفشونها ويهدروا أرواحها

 صباح الخير زكريا تامر

وحدك قمر أربعة عشر وإن غبتَ وراء غيوم برمغنهام.. فلا دمشق الحرائق أطفِئت حرائقها، ولا “النمور في اليوم العاشر” كفّت عن النزول من جحورها واغتنام المدينة والقرى والبلاد، ولا المستبد الصغير صار كبيرا وناخ تحت ذيول الجيوش والغزاة.

يوم كانت الكتابة واقعية فجة، راح بها زكريا تامر إلى شعرية بلا ضفاف ورمزية لا تخفى على مدقق وغاوٍ. راح صهيل رياحه الخرساء يدق بوابات العالم ويشير إلى حريق سوريا.

أمال زكريا يوما إلى طوفانيّ الجوع والجنس وفوقهما وتحتهما، أبالسة ومروجي السلطة من شبيحة وحرامية وأمن أولاد حرام. يومها أيضا ومنذ خمسينيات القرن الماضي، أوحى زكريا تامر إلى أن البلدان لا تسقط وحدها بفعل قوى الغزو والحصار بل بفعل استحواذ سلطة الداخل على البيت وأهله حتى تتكسر الركب، ويمدح القتيل قاتله، وتتقوض الأركان كلها تحت التفسخ والطواعين.

وبقي الكاتب في نثريةٍ شاعرة لا تجارى وأيقونة قول رشيد: بلغني أيها الملك السعيد ذو الرأي الرشيد.. يوما قلتُ إن زكريا تامر أغلى من آبار النفط و”بنكنوت” المصارف. هكذا نظرت بريطانيا إلى مملكتها الـتي “لا تغرب عنها الشمس” وكتابات شكسبير العظيم بين الاختيار؛ فاختارت شكسبير.

كتابة بسخرية القمر

لم تعد سخرية زكريا تقليدية، ولا كافكاوية مستوردة، بل نابعة من روح شعب عريق طحنته حروب الغزاة، واستوثقت من عتمات ثقافاته وشقوق عتماتها شخصيات عنترة والسبع ورب البيت المستذئب على أخته أو أمه أو ابنته.

كتب زكريا مسلطا على وخم عميق ورسيس عتمات جهالة واسترجال أعمى؛ لا ليشمت ويعرض ويهجو كما فعل كثيرون بشام وأهل شام، في سالب وموجب وثابت ومتحرك وباطن وظاهر، وكأنما الاستشراق الجديد وطلائع عولمته المسمومة بمقارنة هؤلاء بين تقدّم غربٍ وتخلف شرق.

الابتكار والإبداع عند تامر أنّ سحرية كتابته، إذ تضحكك أو تبكيك، تظل تحفر في الرسيس تحت العظام ليسأل القارئ عن نفسه من أنا، وإلى أي كوكب  شائك أنتمي.

زكريا تامر، في تلك الخمسينيات، لم ينتم إلى حزب مدجج ومدعوم من جماعات فاشية قومية أو قُطرية ليتدفأ على نار الحطب، أو ليظهر في صالوناتها مبشرا بنماذج للشعر الغربي مستقيا من الشرق والغرب مقاليع كتابة متمردة تقول بالقطيعة والانشقاق عن شمس وجذور ويجعلها تيمة وأيقونة؛ بل اجتهد بمعلّميّـته وعصاميته ثقافةً وأسلوباً واشتق معماره الفني في حارة شعبية ضاربة وحي شامي عتيق. وراح يكتب ويكشف ويضيء برمزية عالية وحبر يشبه السري.

لا يتعب ولا ييئس

تامر، يوم صدرت مجلة “المعرفة” وترأّس تحريرها بفضح طبائع الاستبداد، كان يستكمل متن دمشق الحرائق بديار دمار وقتل وطوفان قادم لا يبقي ولا يذر. يومها، أعلن انشقاقه وانتماءه لروح أعلى، ضارباً صوب النور والحرية، ولم ينتظر 2011 وثورة شعب سوري طوفاني خرج للحرية من سوريا كلها.

ويومها أيضا، أكد هذا الرائد الشعبي العتيق، مبكرا، أن الكلمة إذا طلعت من روح مغلوب وجريح وتجذرت في وعي جذور ورؤى لا تفلّ الحديد وتصدع المستبد فحسب، بل تشكل خطرا فادحا عليه وعلى أركانه، وبأن “النمور” التي تقيم ممالك الخوف والغنيمة هي في أساس ممالك الظلام.

وما زال تامر مشرعا روحه، منفيا وشاردا، قلبه على شامه وروحه في عناق شمس أبعد من عتمة وضباب.

زكريا تامر، يا شاعر الكلمة وصاهل جهاتها، سنتوجك بالورد ونسميك اليوم فارسا بمنزلة شاعر في الفن والكتابة وروح الإنسان، ومعلما من معلمي الأدب والإبداع السوري العربي العظيم. وستضعك شام الأعراس والورد وساما على صدر  ثقافتها وحضارتها.

—————————

 الشعر والتحولات الكبرى: عبقرية الفن بتعاليه عن التعريف ومسوخ التنميط/ حسان عزت

2023.10.01

بداية، ونحن نبحث في موقف الشعر والشاعر خصوصا، والفن عموما من الأحداث المزلزلة الكبري لمجتمعاتنا، لا بد من سؤال مركزي وحاسم هو: إذا لم تحرك كل هذه الزلازل والأعاصير الطبيعية والبشرية التي نشهدها الآن الفنان والشاعر ليتغير ويغير ما حوله، ويضلع في شأن وتغيرات مجتمعه؛ فما الذي سيغيّره وماذا لديه ليخاف أن يخسره؟

“كلّ حِزبٍ بما لديهم فرحون” قرآن كريم.

كل شاعر أو شويعر يقول “شعري أنا”، وشعره معزول في دائرته الضيقة بلا اهتمام وجدية وعمق قراءات، تميز الإبداع والجدة والفروق وتقايس وتوازن مع عام وخاص، وسابق وجديد و.، يقول شعري “أنا” وينسى المحيط الواسع العام العظيم الذي يغرق أكبر السفن والانظمة حتى تيتانك، ولا يبقي منها إلّا بضع بقايا.

لا شعر أو فن إلا بجدل بين خاص وعام، وحضور للعام في الخاص، والخاص في العام، في قراءات فاردة وفارقة وناقدة. وَمن ينفض يدَه وهمّه عن العام فلا ينتظر إلا البوار.

وحتى لا يقعَ أحدٌ في الوَهم، ويقيسَ نفسه وشعره على درويش وقباني وجبران متوهما أنه مثلهم، أو أكثر أهميةً منهم فإنّ أيّ استطلاع عن الشعر الآن يبين مدى انحسار العام عن الخاص وعن الفنون الجادة، بما فيها شعر قباني ودرويش وغيرهم. لماذا؟ لانزياح الهمّ العام الآن عن الفنون الجادة، وانشغاله بالَمعاش واليومي، وبالمصير أمام حروب إبادة، وبانصراف النقد والنقاد إلى معاشهم وماديّات تثقل كواهلهم.

هنا سيشيع ويعمّم برامج (الشّو)، والطبخ، والتنجيم، ومهرجانات التعري والازياء والعطور، وتفسير الأحلام، وأفلام عادل إمام وهيفاء وهبي، ومسرحيات “مدرسة المشاغبين والعيال كبرت” و”سِك على بناتك”، وأغاني محمد رمضان التافهة المقلّدة لأغاني البوب والراب، وصرعات إعلام يروّج له، وتنتشر برامج المسابقات والمقالب وأفلام الأكشن.، إلخ.

فمن أنتَ أيّها الشاعر الكاسد المريض، المعزول، المغترب والمغرّب عن محيطك ووسطَك إلا من عصابة “حسب الله”، وشلّة صغيرة تطبطب لك، وتقنعكَ أنك أعظَم شاعر في الوجود تماما مثل القائد “العظيم الخالد المؤلّه” والفاقد للروح في آنٍ معا؟

ليتكَ تصحو وتحسّ أنك وحدك، ولا يعني فنّك وشعرُك حتى أسرتَك، ومحيطك، ولا المحيط العام. ولا يغرّنَك جائزة هنا أو مهرجان “كربلائي” أو جنوبي أو شمالي تدعى إليه، ليحنّطوك فيه قبل أن تتلف وتموت، وَما أقاموا مهرجاناتهم الضالّة المضلّلة، إلّا بمال النّهب والسحت والغنيمة.

بِذّات جاهزة وتفصيل

ماذا إذا بقينا كلٌ يكتبُ الشّعرَ على شاكلته ومقاسِه الفردي، ونموذجه الصنمي المقدس وفلسفتِه الواحديةِ العذراء، فلا ننتظرُ ماءَ سماءٍ للشّعرِ ولا للفنّ، ولا يعني ذلك إلا فقدان البوصلة بين الخاص والعام، وأنّ الشعراء، كلّ يغنّي على ليلاه، ولا ليلى كلية وكونية تهم الجميع، وهجس الجميع ليفوزوا بها، ولا براءة لفنان أو شاعرٍ للدخول إلى معبد دلفي العظيم؟

عندها، على الفنون السلام وليس “في الناس المسرّة”. مَجنون من يتعلّق بالمطلق والواقعُ الدامي لشعبهِ وهو  أمَامَه يناديه.

وحدة الشاعر والأرض العذراء

“يقولون لا تلوّث ولا زحام ولا ضجيج/ والهواء يمرّ جديدا ولم يتنفسه أحد/ في البلدات التي لم تصبح مدنَ ملاحمَ بعد/ ولا متاحفَ للموناليزا/ ولا حرّاسَ لليل في البيت الأبيض/ أو الوول ستريت/ ولا في قصر المهاجرين المنهوب من خزينة الدولة والشّعب المباح..”.

مدن الزحام

الفردية والذاتية والسأم والملل والقرف والضيق والهم والغم والانتحار، من مفرزات المدن الملاحم ومعامل غاز الكبريت والبشر الأرقام. فمن يكتب الشعر ولمن يكتب الشعر؟ ومن يبدع الفنون ولمن إبداع الفنون؟

الفردية وقطع الرحم

ما نرى الشعر الفردي الذاتي المتشحم والهزيل، وما بين ذلك إلّا من معطيات حضارة غربية تمجد الفردية في كل شيء، وتمحقها في العام، وتمسخها بزعم انتخابات ديموقراطية، والسياسة العليا ومصلحة الدولة كدولة فوق الأفراد، ونظراتهم الضيقة او الواسعة، وهم يجهلون أخبارَ الكوكب، وكوارثَه ونكباتِه، ونهبَه إلا كما تريدها السياسة العليا النفعية البراغماتية، وهي تحصي أنفاس البشر، وتلك السياسات العميقة مرهونة بأيدي السبعة الكبار، أو حكومة الظل الداخلية الموجّهة، والمتحكمة، وأفدح مثال على ذلك في عصرنا الكذبة الكبرى في حرب العراق والادعاء بأنه يمتلك سلاحا ذريا مدمرا، والتي غزت بواسطتها الولايات المتحدة وتحالفها العراق ودمرته بجيوشها هي، وبجيشه وطوائفه هو وبعماء ملله ونحله، وهو ما حصل في سوريا وليبيا واليمن والسودان الآن. هذا أولا.

وخلاصة تلك السياسات على الفنون والأفراد تعني، تمتَّع فرديا وأنتَ حرّ في كل ما تريد من لذات وحياة وموت وانتحار ومثلية، ولا تتدخل في سياسات بلد نحن نرسمها ونتحكم بها، وإن أردتَ المشاركة فانتسب للحزب الحاكم او لحزب من أحزاب المعارضة المسموحة والمرخصة. قد اتخمتنا ثقافات التحديث والحداثة، قياساً بالثقافة الغربية والشعر والنموذج والنمط الغربي الفردي بكل أنواع الكفر بما لدينا، والقطيعة معه، وأصبح كافكا مثالنا بدل أبي العلاء وزكريا تامر والسياب والماغوط…

والذين يطنطنون عندنا بالديموقراطية الغربية والحرية الفردية والثقافة الغربية، وحقوق الإنسان، فهم إما يعرفون كل تلك الحقائق ويتعامون عنها برغبة التحلل من العام وبدعوى فشل السياسات (الشرق- أوسطية)، أو العربية كلها ونتائجها الصفر، وانعدام الحريات، الفردية والجماعية وإبادة الإنسان. أو أنها حقيقة لا يعرفونها لأنهم غارقون في الوهم والضلال والعدمية؛ فكيف يكون الشعر ذاتيا عماويّا ويهز شعرة في مجتمعات مغيبة ومحكومة بإعلام تفاهة وغباء، وفضائيات يصرف عليها المليارات وهيَ بوق لتلك السياسات ولتلك الدول؟

وما كل هراء وسخام وتفاهات وصحافة صفراء، وفضائيات عربية وشرق أوسطية متناسخة كالجراد، إلا نتيجة توشيج علاقات ومصالح كبرى تخدم مراكز الغرب والشرق الناهبة مع مراكز تابعة هنا وهناك ومرهونة لخدمة تلك السياسات (العولمية) بعيدة المدى. والذي لا يرى من الغربال والمنخل أعمى، أو يتعامى ويصير قوّادا وسمسارا رخيصا.

عودة للشعر والشعرية

إذا قيل إن كلّ الشعر العربي وغيره يقوم على الذاتية المتضخمة بـ “الأنا”، والتي لا ترى الكون والوجود والحرية إلا من خلال ذواتها النرجسية المريضة، من طرفة إلى عنترة إلى المتنبي وحتى نزار ودرويش… فهذه التعميمية لا تقل خطراً وسوءاً عن تلك الأوروبية، بإعلاء الذاتية وقطع روابطها العامة والمجتمعية، فما هو المشهد الشعري الآن إذاً؟

صحيح أن الشعر والفنون عامة كلها ذاتية فردية، و”الأنا” الشرقية تختلف عن الأنا الغربية، لكنّها “أنا”. ذلك صحيح، ولكن كلّ شعر ذاتي لا يمسّ العام “بمشتركه الجمعي الأكبر ومفترقه الأصغر” لا يجب التوقف عنده، والذي لا يمس المجتمعات والأمم في أحوالها آلامها، آمالها، وجدانها، وقيم جمالياتها، وذوقها، وبواطن وجدانها العام باستعداداته وقابلياته المفتوحة؛ هو شعرٌ لا يعوّل عليه.

فما قولنا بمن يدعونَ مجتمعاتنا للقطيعة مع ماضيها، وعراقتها، والمثقف للقطيعة مع مجتمعه بالتعالي عليه، وحجة أنها “خرجت للثورة من الجوامع”، وكان على المجتمع أن يخرج للثورة من الخمارات والكابريهات ومن ردهات الفنادق ذات الخمس نجوم؟ وتماما كان على ثورات الربيع العربي أن تكون مصممة ومجهزة، ومرتبة وفق الثورة الفرنسية أو البلشفية، أو ثورة ربيع براغ!

مرة أخرى: ما هو الفن والشعر المعوّل عليه؟

المعول عليه في الفن إذن: هل يكون في الرؤى والمواقف والمعايير الفردية والخاصة أي الفنون المفصلة كالثياب على قدود ومقاسات وقيافات وأذواق أصحابها، وقياس البدلة الشخصية لكل منهم، أو البدلة الجاهزة صينيا والتي تناسب الجميع كبنطلونات الجينز، أم أنه على عكس ذلك فيما يمس العام ويواجهه ويجابهه، ويتمرد عليه، ويتحدّاه ويهدم منه ما تآكل وبليَ وفَسُد، ويذهب معه إلى ما لا يُرى من وجود ومطلق وقلق وجود  وموت، وحرية، وحضارة وتواريخ، وعوالم بعيدة ومجهولة كـ (السولياريس) وعوالم فطرية وبكر… حتى عوالم فنون وجماليات بعيدة غارقة أو فاردة؛ موسيقا ومسرح وبانوراما ورقص… ومنوعات، وتشكيلات ورياضات أولمبياد؟

واقع يسبق الشعر والمتخيل

في لحظتنا الفارقة، نجد الآن أن الشعوب والجماعات هي التي تثور وتتمرد، وتجابه، وتغير، وتدفع ضرائب الحرية والدم كما في ثورات الربيع العربي. وتبتكر فنون الأغنية والنشيد والإعلان والملصق، والرقص الجماعي. ونرى على طرف آخر أنّ عموم الفن يدور ويسبح في تهويماته وتمرداته الفارغة، وانزوائها عن أحداث كبرى وتحولات فاصلة محلية وعالمية، ونجد الغرق في اليأس، والإدمان والفوضوية والعدمية عند مثقفين وشعراء ونُخب، كذلك نجد طغيان الفردانية والشخصانية، والانفضاض من الجمعي، بل التنظير له، وقياسه بأمثلة ذاتية وشعاراتية تافهة، فتلك مصيبة أصحابها ووقوعهم في كل ما صدر إليهم من شرق وغرب ليعيشوا على رمقه كالعظام، فمن حق الشعوب عدم الالتفات إلى أشعار لا تهمّ أو تعني إلا أصحاب عاهات ومرضى هلوسة.

الفنون والأشعار ما تزال ترطن بما ألفت، وتكرر ما عرفت، وتدوخ وتتسلطن بشعر مقدس ومحنط وفردي نموذجي، عمودي وتفعيلي ومنبري وصراخي، أكثره لا يهز إلّا أصحابه، ويعني شلة حزب، أو عائلة أو ملهى أو مقهى، أو عصبويات دينية وملل ونحل وكربلائيات… فتلك طامّة عمياء لا تقلّ عن عماء سلطات رازحة تسيّر المسيرات المليونية “العفوية!”، وتدّعي الانتصار على مؤامرات إرهابية وكونية، وتملأ الدنيا طبلا وزمرا وانتصارات. أو نجد نثرا علكا، تبنا وتفاهة وأي كلام، وأي بعثرة “وقال إيه بيحب”!

في المحصلة، كل ذلك هو بمثابة استباحة للفن وقتل للشعر والوجدان والإحساس الذوقي والراقي، فأين النقد وأين حراس الغابة، وأين الأذواق، وأين هيئات ومؤسسات معنية بالهوية وفنون الأمة؟ الأنظمة والسياسات والمؤسسات هي التي حولت الشعوب إلى عبيد لقمة، ومعاش، وأزمات لا حلول لها عبر النهب والتخريب الثقافي والمجتمعي المستمر والممنهج، حتى وصلنا إلى ثورات الربيع العربي العاصفة. فهل مشكلة انحسار الفنون وتسطيحها، وانفضاض الناس عنها، تكمن في أشكال ومضامين ومدارس وأوزان شعر…؟

كل تلك التوصيفات قد تكون من لوازم الشعر لكنْها ليست الشعر مطلقا، ولا الشاعر. وأبداً لا نقول بانقطاع الثقافة والتثاقف مع شرق وغرب وشمال وجنوب؛ بل بانفتاحها، وتلاقحها، على أن تكون لنا هويتنا وشخصيتنا الثقافية والفنية، والفكرية التي لا نفرط بها البتّة أمام أي تيار أو ظاهرة أو موضة وصرعة عابرة يطنطن بها مهووسو شكليات و”مثليات”… إلخ، تحت شعار كاذب وملتبس اسمه “الحرية الشخصية”.

ما العمل إذن؟

الإجابة على هذا السؤال تقتضي وقفة كبرى، وإعادة نظر بالإنسان المعطوب والمنهوب والمسلوب الذي يقول الشعر وهو معطل الإرادة والعقل، والروح إلا من ببغاوية تردد ما يراد لها أن تردد، وتطرب نفسها وأصحابها، وتبقى تؤدي وظيفة “السعدان” لترضي سعيد وسعيدان، بل ذاتية السامري صاحب “لا مساس”[i] ومقولة “أنا شاعر اتركوني”.

—————————

عبقرية الفن في تحويل «المحدود» إلى متمرد والراهني إلى دائم

أعمال حسن إدلبي نموذجًا

حسان عزت – كاتب سوري | سبتمبر 1, 2021 | تشكيل

عهِدنا في الرحلة مع الفنان الممتد والحيوي حسن إدلبي، فنان الكاريكاتير السوري المعروف، وفي عموم معارضه الفردية والمشتركة أن يجدد ويضيف، ويفاجئ بتطوير أعماله، ورؤيته الفنية الواسعة والممتدة، وهو ما تبدّى جليًّا في معرضه الأخير الذي شهدته مدينة دبي العامرة بأحدث ما وصل إليه النشاط الفني الإنساني في الثقافة والفنون والحضارة والعمران، الذي لا يتوقف، والمعارض المحلية والعالمية، التي لا تنقطع، ولا تهدأ على الرغم من أزمة كورونا، التي ضربت أكثر عواصم العالم ومراكز أنشطته الأهم.

وقد أتت مشاركة الفنان حسن إدلبي قوية وبارزة في مهرجان طيران الإمارات العالمي للآداب في دبي لهذا العام، في المعرض الافتتاحي للوجوه الثقافية والأدبية العربية والعالمية، وبحضور أكثر من مئة شخصية أدبية وفنية وثقافية معروفة عربيًّا وعالميًّا. ضم المعرض الافتتاحي للفنان إدلبي أكثر من عشرين لوحة بالقياس الكبير، لوجوه شخصيات عربية وإماراتية وعالمية، منفذة بالطريقة الواقعية والديجيتال، وأقيم في حديقة الفندق وفضائها الطلق، وقد اصطفت مضيفات طيران الإمارات الجميلات بثيابهن الأنيقة المميزة، حول قوائم اللوحات، كإطار ساحر، ومضيء لهذا المعرض الفني الأهم، وكأنهنّ في لوحة فضائية أكبر لطائرة الإمارات، ينتقلنَ بالمعرض وضيوفه إلى العالم كله على أجنحة زرقاء وردية. من الوجوه الثقافية التي رسمها إدلبي: أمين معلوف، غازي القصيبي، نزار قباني، محمود درويش، سلطان العويس، وعبدالرحمن منيف.

أكّد معرض الفنان حسن إدلبي أهميته ونجاحه المميزين، وهو ما جعله يحظى بالتكريم الخاص من هيئة الثقافة والفنون بعد المهرجان مباشرة، وذلك بنقله إلى «مكتبة الصفا» ليكون معرضًا دائمًا فيها، وهي المكتبة الأكثر عراقة، والمَعلم الأساس في دبي. هنا يتحوّل المعرض إلى نصوص بصريةٍ، تضافُ إلى كتب ومقتنيات المكتبة، ويتاح لزوارها مشاهدته بشكل دائم، في تكريم للكتاب والأدباء، وإعطاء المكانة الأعلى للكلمة التي هي الأساس في الحضارة والعمران وتطلعات البشر.

فن تجديد المألوف

منذ البدايات، عرف الفنان حسن إدلبي طبيعة موهبته، وأصرّ على أن يكون مختلفًا، ويقول جديدًا، فيدخل الألفة، أو يقول مألوفًا فيحوّله إلى جديد، وخاطف بما يؤلّفه، ويضفي عليه من مهارة اشتغاله، وخبرته، وعناصر غواه. كرّس إدلبي نفسه أوّلًا في الرسم الواقعي، ثم في فن الكاريكاتير التحويري، الذي برع فيه، فحمل بصمتَه، ولونه الناقد والمعبر، والخاص سوريًّا وعربيًّا، ثم انتقل إلى التشكيل الواقعي ثانية بعدما اكتسب الحرافة والخبرة، والشاعرية في رؤيته ورسومه وألوانه ومعادلة الشعبي والمجدد في آنٍ معًا. كانت تجربته على شاميتها أقرب إلى المدرسة الألمانية ثقافة، والمصرية زخمًا، والشامية الأصيلة التي لا تغادره، في التركيز على الوجوه والملامح المباشرة، والكامنة في الشخصية التي يجسّدها الوجه أو الطلعة في لحظة مشهودة.

ولم يكتفِ في مرحلة الـ«بورتريه» التعبيري المكتنز، المليء برسم ملامح الشخصية، والتركيز على الأبرز فيها، بل على ما يراه هو في أعماق الشخصية فيُبرزه في قراءة بصرية نظرتها التعبيرية، وملمحها المكتنز والمدهش في تعابير الوجه، ونظرة العين أو حركة الوجه والشفاه، إضافة إلى اكتناهِ الروح والمعنى في الأزرق السماوي، والضوئي المشرب بحمرةِ، وهو ما يضيف معنى إلى المعنى؛ إذ يجعل الصورة على خلفية رائقة وصافية، وعلى شيء من اشتعال ضوئي، لتتوضح وتستند إلى متانة واستقرار، وهو ما اكتسبه من تقنيات فن التشكيل على تجريده، الذي غالبًا ما تكون الشخصيات فيه بلا ملامح مباشرة، بل في وقفة أو لفتة أو نظرة، وهو ما أكسب تجربته حرارتها، وجمالها من لون سماوي، وأبواب خشبية مطرزة بالرسوم، وشبابيك مشربيات، ورقوش تزيين على الجدران، والثياب والخلفيات، أو بحضور حيوان أليف، قطة أو كلب، في الصورة، إلى جانب أشخاص اللوحة، وهو ما يمنحها بعدًا حيًّا، وواقعيًّا في شفافية ألوان، وسحريات ورؤى، كما لو أنها سحر وحلم ومخيال.

هنا نحن على تعدّدٍ لشخصيات مرسومة، وموضحة بحيوات أصحابها، فهي تعكس ملامح مجتمع وبلد وطبيعته وتاريخه، ومن هنا تأتي أهمية لوحات المعرض وما سعت وتسعى إليه هيئة الثقافة والفنون في دبي، لإبراز أعمال هذا الرائد الفنان حسن إدلبي وهي التي منحته «الفيزا الذهبية» للتميز والإبداع المرموقة، ليجد استقراره، وتأخذ أعماله شهرتها الأوسع.

معارض متعددة ومراحل متنوعة

يُذكر أن الفنان إدلبي، أقام وشارك في عشرات المعارض عربيًّا، في مرحلة الرسم التحويري الكاريكاتير، وشارك في عدد من معارض التشكيل في الإمارات وغيرها، بلوحات تجريدية ذات بصمة واضحة مميزة، وها هو يدشن مرحلته التعبيرية أو نصوصه البصرية بقوة وحضور مشهودين؛ إذ تمتد تجربته إلى عقود عديدة، عمل خلالها في مجلات لبنانية وعربية شهيرة كالكفاح العربي، والناقد والنقاد، الصادرتين عن دار رياض الريس في لندن وبيروت. وصمم وأخرج خلال تلك المدة أغلفة مئات

الكتب والأعمال الشعرية لمبدعين وشعراء وأعلام معروفين، ثم عمل في صحيفتي البيان والرؤية الإماراتيتين في رسم الكاريكاتير السياسي اليومي. يعتمد الفنّان إدلبي في تقنيّاته لرسم اللوحات، لأول مرّة في مهرجان الطيران، تقنية الواقعية والديجيتال منتقلًا من الكاريكاتير والتحوير إلى هذه التقنية الواقعية الجديدة التي أرادتها هيئة الثقافة والفنون المشاركة في رعاية المهرجان وتبنّت توجهاته. الفنان حسن إدلبي بشخصيته التي أضفت على لوحاته، وأعماله طعم الحياة، وحيويتها وروحها، كأنّه لوحة عامرة من لوحاته ومعارضه، فلا يتركك خارجًا أو محايدًا أمام أعماله، بل يشعرك وكأنك تعرفه منذ زمن بعيد، وتشتاق إلى الجلوس معه، ومعرفةِ أخباره.

إدلبي الفنان والإنسان

من يرسم حسن إدلبي الرسام الفكه، المرح، الذكي، السامر، الراوي الذي يحول أيّة جلسة، يوجد فيها، إلى مأدبةٍ حيّةٍ وعامرة بأطايب الفكاهة، والسخرية اللاذعة التي يبقى صدى عطرها في الذاكرة، فكأنّما خلقَ هذا الفنان ليروي ويرسم الشخصيات التي يفردها في جلسته، وأحاديثه، لتعيش حياة ثانية بين يديه، وكأنّك تخالطها وتعيش معها، بل كأنّك تشهد فصولها، وشخصياتها، لا تسمع عنها فقط. وهذه ميزة لم تتح لكثير من أصحاب الفنّ والأدب الذين أن تقرأ لهم وتعيش مع أعمالهم خير من أن تلتقيهم أو تتعرف إليهم، على ما قيل في المُعيدي، وكأن إدلبي تربّى على أدب الجاحظ وتشرب فكاهاته في السخرية والتهكم، فيمكن عدّ الجاحظ معلم فن الكاريكاتير الأول، ورسم الشخصيات، أدبًا وروايةً وفنًّا، وهو الذي رسم البخلاء والثقلاء، بل قل: إن ميزة هذا الفنان الكبير، حسن إدلبي، تشبه إلى حد كبير ابتكارات الواسطي، فنان العصور الوسطى، وهو يشعرك بأنْ أيّ حيّز يقيم عليهِ رسمَه، ولوحاته ضيّقٌ على موهبته وإبداعه، فيخرج برسومه عن الإطار، كما فعل الواسطي في لوحته الشهيرة الجِمال التي لم يكتفِ بأن جعل الجِمال والنوق فيها في حالة طيران وسباحة، بل خرج بأعناقها وأجسامها عن اللوحة، وذلك إبداع ابتكاري لم يسبقه إليه أحد، حتى جاء العصر الحديث، والرسام الأوربي الذي أعاد تلك الميزة اكتشافًا، أو تدويرًا وإعادة إنتاج, على أنها ابتكاراته، وهو المسبوق بالمبدع الواسطي.

ولن يتجسد فن حسن إدلبي في الرسم الساخر والتعبيري فحسب، بل في فن الرواية الحيّة التي هو أحد أبطالها ومبدعيها بامتياز فنان يرسم بورتريهًا ولوحة مبدعة ومعبرة وحارة للفنان، أو العلم أو الموضوع الذي يشتغل عليه ويفرده، بحرارة الماهر المحوّر صاحب الاكتشافات المفاجئة، بل ليجعل كل أعلام رسومه يقفون في دهشة أمام تصاويرهم ورسومهم، كأنه يعيد رسمهم بريشته، ورؤيته، ويعطيهم ملامح يكتشفها هو فيهم لم تكن ظاهرة لعيان غيره.

————————–

حمامها…/ حسان عزت

Nov 17, 2024

هل الشمس في ليالي القمر

ام القمر الغض بين اردانها يثغو..

وكانت اميرة بعريها الصاعق ولا آلهات الاغريق يسحرن باريس ويفزن بقلبه

، وكيغ وهي في الحمام بين قطر التعرق والماء وبخاره في شواء الاحلام وعطش طفل مجنون بهذا الحليب الالهي باشهد والزبدة فيجسد مغتل ويفوح بروائح شويطه في البراعم والمسام والخلايا كيف لنار الفتنة ان تنجلي.. والطفل الصبي اول بلوغه وشهوان الغلمة والصبا في حورية بعريها المشبوب..

طيش النساء في الحمام وشعاع السر في ضباب الحاسة.. يفركن.. يتملجنَ يصهصلنَ وينزلقن ولاسمك الذهبي الاشقر يفرى. واسرارهن بين كشف وخطف واستعراض غريزة بشفوف ضوئها

ولا سر إلا ماطوته الخليةُ بغطفانها

وسوسنُ الروح

تحتَ قماري السحر

حمامُهُنّ بها

وسنا عريها الأمير في غمام وتمام

وبها في مدارِ القمر

تمّةُ الرّوحِ

واشتعالاتُها في غمامِ الضباب ..

ونقول جودي بالنعيم ياحلوة

تغتلي بحمامها

فيشوحُ البخار ناديا كما اول الخلق ندى. ولابدّ اول الخلق

كانَ البخار

وكانَ الغِواء ندى

—————————

ماذا يبقى من أدونيس؟ أسئلة عن شعره.. وفكره التعميمي.. اللاجدلي/ حسان عزت

أغسطس 14, 2024 206 2 دقائق

الجدل الفكري يهرب منه ولا يجلس في ندوة مع مفكرين آخرين لمناقشة ما يطرح لا محل لأدونيس شعريا امام جماهيرية شعر نزار ودرويش والسياب.. لماذا؟ ظاهرة شعوبية يمينية مكررة في التاريخ ضد العرب وتاريخهم يقودها الشعوبي المعاصر كل من يختلف مع ادونيس فكرا او شعرا ليس جديرا بعدائه ولا صداقته فهو سطحي غير ذكي.. لا يجيد قراءة ادونيس العالي الصعب الذي لا يفهمه ويملك جدارة ذلك الا مشايعوه وأنصار فئويته وباطنيته.. اقول.. أروني نقاشا أو جدلا حول شعر ادونيس.. ادونيس الشاعر غير مقروء وغير متداول ليس لأنه صعب وغامض وسحري وجدلي.. بل لأنه منقطع عن حراك وروح جدليات فن وفانتازيا ثقافة وحضارة عربية.. وليد الغيرة والعزلة: عدو ادونيس شعريا علمان شعريان كبيران يضمان تياري جدل الشعر العربي كله إضافة الى قصيدة النثر نزار قباني: شعرية وفضاء الشاعر نزار قباني الذي يمثل الوجدان العربي الضارب في أعماق جذور وثقافة ولغة عربية نضرة تمثل مشروع النهوض والنصوع العربي.. الهوية.. الفن حضارة بلاد الشام العربية التي هي جذر العروبة وارومتها الباقية في تطلعات العشق والحرية والثورة على التخلف وعدمية الركود والظاهرة النزارية جماهيريا هي الأوسع والاشمل والاعم حضورا وجدلا وغناء بما تعنيه اللغة المتجددة المعاصرة التي يفهمها الجميع فتبدو سهلة وهي الاصعب اطلاقا.. ومن عربيا لم يقرأ نزار قباني الذي انزل الشعر من سماوات وابراج النخب والارستقراطية الى ارض وحياة وعشق البشر بكل مستوياتهم فهو الثورة الشعرية التي لم يستطعها أحد غيره.. ولو أجري استفتاء عربي عن اهم شخصية فنية عربية لكان ثلاثة نزار وام كلثوم وفيروز الآن محمود درويش: الظاهرة الشعرية الثانية والشاملة ظاهرة الشاعر محمود درويش الشاعر الاعظم معاصرة واعماقا وجدلا شعريا وابداعا انسانيا لا ينتهي.. وهو ايضا يمثل تطلعات مشروع حرية ونهوض عربي أمام عالمي.. وشعرية وشاعرية وملحمية وملاحم.. شعر محمود درويش وشاعريته لا يجادل في سحريتها وابداعها الا جاهل وفئوي واعمى وشعوبي حاقد.. ولا يرى ادونيس في حضور نزار ودرويش الا جماهيرية عددية، وشعبوية تعميم وسطحية (!!!) أما الشعر العظيم في رأيه فلا جمهور له بل نخبة قراء.. واما العددية فلا تعنيه. وأعظم الفكر والثقافة المتجددة عنده هي التي يشكل صاحبها قطيعة مع الماضي ومع التراث، ويشكل وصلا مع معاصرته والحداثة عنده النموذج الغربي الجاهز (!!!!!) له والمؤكد لدعاواه، ولكل نظريته. وادونيس يردد ان الشعر العظيم هو الذي يحمل بذور المستقبل اما في زمنه (المتخلف واللا جدير) فليس عبرة.. ويقيس على شعراء الغرب الذين لا يطبعون ويوزعون أكثر من مئات النسخ من اعمالهم (!!!!!!!!!) وعصرك يا سيد ادونيس……؟؟؟ وفي رأيي وأنا عمري قضيته في الشعر ونقد الشعر عربيا وعالميا وفي كل العصور.. فالشعر الذي يفقد رصيده في زمنه لا يعول عليه.. وهو شعر لن يقرأ في تالي الازمان.. هل كان امرؤ القيس وأبو نواس والمتنبي والمعري والبحتري ودرويش ونزار وجبران وابو ريشة والسياب والماغوط غير مقروئين في زمنهم.. محال.. اذاً ما الذي يبقى من أدونيس الفرد المتفرد غير فروسيات واهمة تنقد الفكر العربي بثقافة غربية استشراقية يمينية (منحلة محليا) متعصبة لنموذج اوربي استعماري غالب… ويظل السؤال ماذا يبقى من ادونيس المتعالي واللا جدلي الا معاركه مع طواحين الهواء والاعلام الاستهلاكي الإعلاني الذي يروج له اعلام التسطيح الرسمي والاستهلاك والبهر والشو والأفلاك.. نفسه الاعلام الذي يطنطن برياضة وكرة قدم شعبوية عالمية تغطي على المشكلات العالمية حضاريا وانسانيا.. اعلام لا يفضح الغزو العولمي الاوروامريكي في اشعال الحروب ونهب وغزو الكوكب.. بل السكوت عن ذبح غزة وشعب فلسطين.. وابداً لا كرمى لأدونيس في الوقوف مع اي قضية تحرر مركزي من الغزو.. لا عند احتلال العراق، ولا تجاه إبادة فلسطين ولا مع ثورات التحرر والربيع العربي.. فماذا يبقى من ادونيس.. وقد خرج عن العصر العربي وردد ما ردده شعوبيو العصر البغدادي الخرمي والديلمي والمجوسي وغيرهم من قبل تجاه الحضارة العربية والفكر العربي.. وهذه المرة محمولا من الاتحاد الأوربي والجامعة اليسوعية الاستشراقية في لبنان.

—————————-

رحل مظفر النواب على درج النور/ حسان عزت

    نشر بتاريخ: 27 أيار 2022

حادي الحرية وقمر القدس الدامي بعد صراع طويل مع الموت

لعلّ يَرى من شعاعٍ لحلمٍ تغنّاهُ

دهرا ثم يموت

الظاهرة وحده بكلية شعشعانية شعبية تقوم بمهرجانها فريقٌ في واحد وواحدٌ بجموع..

فإن أنشد مظفر أو أقامَ أمسيةً انتشرت تسجيلاتها وصداها كالهشيم من محيط إلى خليج، بشعبوية تعبر عن غضبها وتمردها، وتسبُّ ظلّامها بأفظعِ مسبّةٍ وشتيمةٍ لم يبلغها شعرٌ عربي من قبل بِمَجازاتٍ وتوريات، ليجعلَ الشعراءَ بعدَه في حَيرةٍ وأسئلةّ متشعبة بين مؤيّدٍ حارٍ، ومعارضٍ رافضٍ، لكنّ مظفرَ الذي يبدأ من حنان الأشياء القريبة من، شروق شمسٍ وزهرٍ وتفتّحاتٍ وأشواقٍ أولى ويتصاعدُ معها بشعره كشلّال، وعواصفِ بركانٍ، بحزنٍ من أعمق قيعانِ الحزنِ المتوقّد الذي لا يموت، وهو في رقّته تغار منه رهافات الياسمين والبنفسج الحزين الذي لا يجارى، وفي غضبه لا يدعُ شَنّاً في شنانٍ ولا سهماً في كنانةٍ إلا ويؤجّجُه غضباً وسعيراً على خونةٍ في حكم، وأمّة لا تغار وتثور كرامة لقدس مهتوكةٍ، وإن غنّى وشجا (للريل وحمد) فبشجن الحادي الردّاد الذي يسبرُ غورَ روحِ العراقِ المجيد في أعماق تاريخه، ومفردات أغواره، وأهواره التي بقيتْ وقّادةَ شجنٍ على الدهور..

وهو نفسه النواب صاحب قصيدته براءة التي تخاطب بها الأم ابنها الشيوعي الذي خانَ صحبه، واعترف عليهم.. وهي القصيدة الأولى التي أشاعها له الحزب الشيوعي العراقي أولا، ثم تناقلها الماركسيون ومتطلعو الحرية العرب، حتى شاعت في أوساط وعموم الناس، وحفظوها وردّدوها:

“يا ابني ظلعك من رشيت القلب كبّرته وبينيته”.

الحادي العارم:

ومظفر النواب هو الحادي الأكثر شعبية وحرارة، وإنشادا فاجعاً بالعامية والفصحى. وأبداً في النوعين الفصيح والعامي حافظ على اللغة العالية والباهرة، ولم يتخلّ عنهما ألقاً وفنيةً في معلقاته “القدس وفي وترياته وفي الريل وحمد”، وعندما زار العراق بعد الاحتلال لم يتحمّل خرابَه وفاجعَته وأصاب الجرح قلبه، فآثر المنفى والانطفاء في أحد مستشفيات الشارقة العربية، برعاية حاكمها الشيخ سلطان القاسمي.

كان أبو عادل مظفر صديق رحلاتنا، وسهراتنا، وليالينا في الشام، وله تسجيلات قصائد في جلساتنا معه وهي عندي لم تنشر بعد، ومنها قصيدة له عن الرحلة التي شرفني بها ومجموعة الأصدقاء إلى بستاننا في المليحة، ثم في زيارته الثانية مع سعدي يوسف وسيف الرحبي وجليل حيدر، وسأكشف عن تلك القصائد يوماً.

كلمة أخيرة أقولها فاجعة وصافعة لمثقفين عرباً يشككون بكل شيء ويستريبون بكل شيء، ويطلقون الأحكامَ جزافاً على الشعر والشعراء، في غياب النقد الموضوعي المحلل بذائقة وفنيات أعلى، لا تخرج الكلم عن مواضعه ولا تنظر إليه خارج تواريخه المعاصرة التي قيل فيها.. أقول:

أنتم لم تقرؤوا أعمال النواب في تصوّفه وخلاصات عشقه:

” كلّ ما في الكون مقدارٌ له

إلا الهوى ما يومه يومٌ ولا مقداره

مقدار”.

ولم تقرؤوا خلاصات عشقه وذوبِ روحه في الوطن وأشيائه، ومخلوقات الطبيعة والعشق في أرضه وفي عربستان التي هو في الأصل منها، ويتغزل بها بصباياها، ويعتز بعروبتها المبددة أمام إيران التي اغتصبها، بل يعني على عرب بوجوه وألسنة إيرانية، أو وهو يغني للشام ويذوب في جمالها وشمسها وآفاق رحابها، وهو الذي سكب روحه في أهاليج ومعلقات لم يكتبها غيرُه، فهل تجرؤون على قراءته بتجرد عن ذاتياتكم المتخمة بأحكام برانية، ومواقف مسبقة؟

أحكام من فصلوا عن مهادهم وفطرات شعب عربي يمتد من المحيط إلى الخليج، يعرف من يمثلون ضميره، ويكون سبقاً بثورات ربيعه قبل النخب، ونظرياتها الرمادية المتكلسة، والمتعالية على الفعل العميق إنسانيا ومعرفياً.

كلمة النقد الموضوعي:

مظفر النواب شاعر مرحلة مشروع عربي في حضوره، وانحلاله   وسقوطه، وهو ما يضع على كلّ فنان وشاعر فيه سؤال الموقف الواضح والانتماء إلى نبض ثورات الحرية وزخمها والوقوف منها، معها أو ضدها أو في الطرف الرمادي، وهو سؤال يطال كل الفنانين والشعراء، ومظفر الظاهرة منهم، وشعر مظفر وما قاله أصبح الآن أمام محكمة النقد والمساءلة والضمير..

مع التأكيد على ضرورة توثيق الشعر بأمكنته وتواريخ كتابته.. عند تقييم تجربة شاعر عربي كبير، هو مظفر النواب. رحم الله الشاعر عربي مجيد، في شرفات شعره وروحه العالي.

سألني صديق هل وقف مظفر النواب مع ثورة الخميني؟؟

الجواب: ثورة الخميني وقتها ثورة رفعت شعارات الحرية ضد الظلم، وتحالف معها حتى مجاهدو خلق، وكانت مبطنة الانقضاض والفرسنة ضمناً، وعموم أحرار العالم أيدوها أو تعاطفوا معها، ليس مهماً من فعل ذلك في تلك المرحلة، الأهم من رفضها فيما بعد وكشف زيفها وعدوانيتها الطامعة والقائمة على أحقاد ومظالم تاريخية يستدّ أصحابها الآن من بشر لا علاقة لهم، وليسوا هم من أقام تلك المظالم. بل تحتل إيران أراض عربية تحت عناوين حماية المراقد ومظلوميات الشيعة..

مظفر وعموم كتاب وأعلام إثنيات وطوائف وقطريات وأيديولوجيات، وقومجانيات، هم ضمن مشكلة إشكالية بالنسبة إليهم، وهي مشكلة الموروث والمنبت بحسب الجماعة الأولى، ويوجد مشكلة اللاتوضع لهم بالنسبة لمركزية بلد، وهوية شعب، ولا بد من تفكيك ذلك بمركزية الديار والمواطنة الحقيقية في بلدان تحقق المعيارية العادلة للجميع على أساس العمل والأهلية، والمواطنة..

مظفر لم يجد وطنه ولا العدالة ولا الأمة الواسعة التي تجعله يتناسى ميراثه الشيعي ورموزه، رغم وضوح عروبته تجاه الأهواز وعربستان التي ينتمي إليها.

***

—————————

محمود السيد أمير النثر وشاعر النشيد/ حسان عزت

    نشر بتاريخ: 07 نيسان/أبريل 2022

رحل الشاعر محمود السيد قبل بداية الثورة العظيمة لشعبه السوري بسنة واحدة.. وكان على سهر وحمى وانتظار وقد أقام مملكة القصيدة والنشيد، وأقام مأدبة المجد العظيم لولادة شعبه عنقاء من الرماد والموت والأسى…

وهو شاعر المونادا دمشق الملحمة  التي أخذ بها قصيدة النثر إلى مملكة العلا بعدما عمّدها بالوجع والسهر والصوم، ودم الأساطير والأمجاد.. فجعل منها أدويسا للشعر والعشق والولادة من الموت…

محمود السيد شاعر قصيدة النثر بإطلاق وأحد الرواد العظيم الذي يوقع الشعر من الألم ويسرح به من مملكة الأرض إلى مملكة الرؤيا فينشده في رحلة تقتضي العمر كله والأعمار ولا يحدد بحدود البلاد بل بعنفوانها وابداعها واشتعال الفروسية والحضارة فيها ..

فإن عُدّ فرسان في قصيدة النثر فيعد السيد مع توفيق صايغ وأنسي الحاج وأدونيس وسركون بولس وسليم بركات بل هو في الريادة بما أسسه وابتكره وأنجزه، عنده لا تنفصل اللغة عن مجازها واشتعالات خيالها وصورها بل تشكل بكلها مونادا كلية لا تتجزأ، ونشيد يعصى عن التفكك والنسيان وحدة مشدودة على أوتار كمان عاشق وقلب موحد خلاق..

من آخر نشيده سهر الورد أراه يطلق صرخة حنجرته الأخيرة:

آه كم يوجعني الإنتظار يا حبيبي

لوطنه بلده سوريته التي نذر عمره لها وافناه سهراً ونشيداً وحمى لمجده البعيد.. وهو المغني المبشر والراعي.. هو الرائد الذي لا يكل غناءً لمعشوقه:

كيف أكون كل هذا الاشتهاء، ولا يكون بي الصباح

كيف أكون كل هذا الوله، ولا يقوم بقيومتي البحر

كيف أكون كل هذا الجسد، ولا يأكل خبزي الفقراء

كيف أكون كل هذه الأمومة، ولا يخرج أطفالي بالنهار على الليل

كيف أكون وتكون حبيبتي

ويغلبنا النوم والظلام

ألا فليقم بك التأهّب:

ما كان وردة كأنها الدم

ما كان سنبلة كأنها الجرح

ما كان حجراً مسكوناً بالألم

ألا فليقم بك الرميم

مامات واغتسل بالموت من شقاء كان فيه

رحل شاعر مونادا دمشق كشمعة ذابت بعذاباتها عن آخر ثمالة فيها وهو ينشد لمجد الحبيب بلوعة العاشق الموله الذي لا يخالطه شك ولا فتور وهو يعلن انتظاره وبلواه الذي لا ينفصل عنه..

آه كم يوجعني الانتظار يا حبيبي

وفي استعاراته عن السهروردي المتصوف العاشق المقتول.. لنشيده سهر الورد يستعير من الدكتور عبد الرحمن بدوي: أن السهر وردي قال: ان العالم قهر، القهر للإنسان تحت سلطان قوة مستورة جبارة

وأنه عالم سلب يضع الحدود في وجه كل اتساع أمام الممكنات، فلا تلبث أن ترتد إلى سردابها.. وفي هذا السرداب تتفجر عيون الخطيئة، لكن الوجود خطيئة، وتضطرم الشهوات، لكن الشهوة سرّ الحياة، ويسود اللامعقول، ولكن اللامعقول هو المنطق الأكبر.. وهذا اللامعقول الأكبر من معايير وقيم إن صلحت للأنذال فلا تصلح للممتازين الحريصين على التفرد وتحقيق المعنى الصحيح المليء للحرية..

إذا محمود السيد وهو يستوحي نشيده الثاني «سهر الورد» نص بتجليات السهروردي في الورد والدم دمشق-بيروت 1998- بعد مونادا دمشق 1978، فهو يعيد السهروردي لا ليكرسه ولا ليمحوه بل ليجعله ندا ويكتب هو من خلال اشراقية النص الصوفي وصاحبه نشيده هو متجاوزاً عالم الأنذال ولا معقولهم إلى يوتوبياه ومطلقه، متجاوزاً  كل محدود وناذراً جسده وروحه لممكنه الوحيد.. العشق، وقد عاش السيد حقيقة متوحداً متصوفاً مكتفياً بشعره وحده وبوصل اصدقائه ومحبيه لا يجلس في مقهى، ولا يقيم حواراً في صحيفة، ولا يقيم أمسية شعرية، ولا يسعى إلى أمكنة وشلل يقيم معها، فأقام في مملكة السنبلة مع الكبار ابن عربي والمعري والسهروردي ودانتي وجوتيه وغيرهم، وصاغ لنا أناشيده الباقية محققاً المعنى الصحيح المليء للحرية.. وهو يندغم بالكلي ونوره، في عالم الصور والخيال كما في الآية الكريمة:

(الله نور السموات والأرض، مثل نوره كمشكاة فيها مصباح، المصباح في زجاجة، الزجاجة كأنها كوكب دريّ، يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية، يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار، نور على نور، يهدي الله لنوره من يشاء).(1).

فكل شيء يصب في النور الإلهي، نور الأنوار الذي تنبع منه شلالات الضوء، وتشع من الآفاق اللانهائية، دون أن تكف في أي لحظة عن العودة إلى مصدرها الأصلي بقوة جذبه الإشراقية، فالسهروردي لا يعتقد إلا بوجود حكمة واحدة هي التي تمدّ كل التقاليد الصوفية، التي لم تنقطع على مر التاريخ الإنساني، بغذائها الدائم من العباقرة الذين يمدوننا بذلك الضوء…

رؤية وتحقق ونشيد

لم يأت الشاعر السيد إلى قصيدة النثر من رغبة في الشعر والقول، وحلم بأنا ليس لها مكانها في عالم الفن والأدب، إنما من الفن وروح الفن والوله بمعنى الكون كما عند الأنبياء والأصفياء والقديسين، ومنهم السهروردي والنفري وابن عربي وغيرهم:

يقول النفري: أوقفني في العز وقال لي أنت معنى الكون.

فالسيد هو فنان الحرف والصورة، وهو فارس الموقف والحال، وقد متح من معاني العنفوان، فعشق سوريا واتخذ من دمشق مونادا للكون تشكل اتحاد العشق والعاشق والمعشوق فتضيء الوجود والمعنى، فالشعر عنده عشق أولاً وقبل كل شيء، ومعنى فوق المعنى، وحلم يتجاوز حدود التحقق باتجاه الضوء الذي هو الأصل والمنبع والمآل، وذلك ما بشر به في كل كتبه وأناشيد عشقه الطويلة، مركبة الرغوة 1967، مزامير ديك الجن 1978، مونادا دمشق 1978، وصمت بعدها منتظراً ومبشراً لسونيتات تمشقها الذاكرة ويمور بها الوجدان حتى طلع بعد عشرين سنة بمجموعتيه سهر الورد و تتويج العشب، سهراً لعيون المونادا وتتويجاً لهامة فرس الشعر والقصيدة، وهو الشاعر المتصوف الصبور المجاهد يعرف كيف يعشق ويتجلى ويقطر النبيذ، ويتفنن حروف الذهب شعراً لا أعذب ومعاني في شبوب الطراوة خضراء يانعة:

كيف أقول بجسدي

فرحي بك عظيم  وإنك الواحد الذي لا يحصى

العاشق، المعشوق، الذي لا اسم له

والذي يأتي بكل الأسماء

ليس لزمانك زمان ليس لمكانك مكان..

في العشاق أراك  أعرفك وتعرفني

آكل من راحتيك التوت البري

وأنسى أني آكل وأقبّلك

***

——————————–

الشعر المبدع في مواجهة الانحطاط/ حسان عزت

05 نيسان/أبريل 2022

( بيان غاضب لحراس الشعر والفنون)

“قلوبنا من فتنة وجمر

قلوبهم تطامن العتمة وترفل في الأقنعة والأغلال”

** لقد افسدوا وزيفوا كل شيء

** احمل معولك.. فأسك.. كلمتك

وحطم آلهة السليكون والعولم

في غياب النقد الأدبي والنقد الفني عن المشهد العام للشعر بخاصة، والفنون بعامة، وترك الشعر للمؤسسات الرسمية اللاشعرية، والتابعة لوزارات الاعلام او الثقافة الرسمية، او اتحادات كتاب محنطة، أوجهات لايهمّها إلّا الرسمي، فقد غابت روائز الإبداع الحيّ، وتُركتْ الأمورُ، لمن لاعلاقةَ حقيقيةَ لهم بالفنّ، ومايمس حضارةَ الامة، فعامَ الشعرُ والفنونُ، وسادَ السطحيّ والتافهُ واللاموهوبُ في هذه اللحظةِ الحضاريةِ العاصفةِ، والعاسفة التي تهدّدُ بلدانَنا وثقافَتَنا وحضارَتَنا، ووجودَنَا كياناً ولغةً وارضاً وبشراً، وفي غياب المسؤوليةِ العامّةِ تجاه الهُويّةِ الثقافة،والحضارة (الفنون والعمران والإنسان)  التي يمثلها ازدهار  الفنون والإبداع، فإنّنا نؤكّد هنا على فنّ الشعر العريق عربيّا والضاربِ جذورَه في الزّمان، وقد غابَ النقدُ الأدبيّ المحلّلُ والقارئُ، وقُطِعَ الأمرُ  على غيوري اللغةِ العربيةِ التي هي جسدُ الشّعر، ومرآةُ تحقُّقِهِ،فانتفتْ حمايَتُه، وصِرنَا في فوضى عارمة

وانحطاطٍ شعريّ مريع، وطوفانِ تفاهةٍ وشعبٍ، وتعميمِ الذاتيةِ المريضةِ، والفرديّات الطاحنةِ المتورِّمَةِ.، وإغراقِ الحياةِ العربيةِ فوقَ كلّ الإبادةِ  في طوفانِ تمييعٍ، وخلطٍ، وتزييفٍ لكل جادّ ورصينٍ، وامتلأتّ الساحةُ العربيةُ باستهلاكٍ لكلّ شيء وحثالاتٍ تدّعي الشّعرَ، وتدّعي الفنونَ، وتتصدّرُ الأمكنةَ، وتسدّ على المبدعينَ  بالإعلامِ والمهرجاناتِ  والسوشال ميديا.. وبرامجِ الواقعِ والشْو، وصناعةِ نجومِ التهريجِ ومواهبِ التقليد..

وهو ماتُعمّمهُ وتَنشرُهُ، وتشيعُهُ مؤسساتٌ وآليّاتٌ مرتهنةٌ ومموّلةٌ ومرتبطةٌ باقتصادِ وسياساتِ عولمةٍ، فلامقوّماتٌ للغةِ العربيةِ السليمة، ولا فنيّاتِها، ولا مقوّماتٌ وروائزُ للشّعر وخبراتِه، ورؤاهُ، ولا مقوّماتٌ للفنونِ الأخرى والآداب..

وهوَما أدّى إلى التعميمِ الجاهلِ، وانعدامِ الذّوق العام حتى صار كلّ  كلامٍ ونثرٍ هوَ شعرٌ، و كلّ غزلٍ سطحيّ وتافهٍ هوَ شعرٌ، وكلّ خربشة ِكلامٍ شعرٌ، وكلّ كلامٍ موزونٍ يتشدّقُ صاحِبُه بهِ بمطّ كلامٍ، أو صراخٍ أو تهريجٍ شعرا.. وهوَ ماجعلَ أكثرَ النّاس، تكرهُ الشعرَ وتكرهُ الشعراءَ، وتكرهُ الفنونَ الجادّةَ والعارفةَ التي تقومُ على الخبراتِ والإبداع.

مسؤوليتنا:

ومن باب الغيرة على الشعر والفنون والخيبة الكبرى تجاه ما آل إليه حال الثقافة والفنون والشعر والادب  بخاصة، وانتشار الأمية الذوقية والمعرفية، برزت مسؤوليتنا نحنُ حرّاسُ الشعرِ والكلمةِ والفنّ  وجوهرِ الوجودِ والإنسانِ، لنطلقَ بيانَنا.. صَرْخَتنا.. ونقولُ كفى انحطاطاً ..

ولااااااااااااااااااااااااابحجم بلاد العرب أوطاني

ونحنُ إذ نتوجّه إلى كلّ غيورٍ على أمّته ولغتِه وهويّتها، وفنونِها ووجدانِها ووجودِها ومُسْتَقبلِها، نؤكّدُ ونعوّل على الغيورينَ انتماءً وعزّةً لِيَضفروا معنا ويعترضوا معنا ويُشكّلوا موقفاً، ويصرُخوا في الكون معنا:

كفى انحطاطاً وعولمةً وتدميراً للوجود، والحضاراتِ والكوكبِ، بحروبٍ وأنظمةٍ وآلياتٍ  تدمّرُ الحياةَ والعمرانَ والبشرَ .

ولن يكون بيانُنا هذا الأخيرَ بل سيتبَعُه حركةٌ، وبياناتُ احتجاجٍ في الشعرِ والفنونِ الأخرى، إضافة إلى حراكٍ وفعلٍ، وعملٍ نقديّ ومرجعيّ دؤوبٍ كاشفٍ وراصدٍ، ومعزّز لكرامةِ الإنسانِ والفن معاً، بل فارزٍ لكلّ موهبةٍ وإبداعٍ جديد، يشكلّ استمراراً لما تعزّز  من قبلُ،  وفارقاً إلى مساحاتٍ بكرٍ، وجديدةٍ من إبداعٍ يضيفُ ويغني، ويجدّد..

كفى انحطاطا

تعالوا نقتل الشعراء*

( مقدمات لابد منها)

أعلى المطالب النقدية والفكرية والحضارية لنا نحن الشعراء  اصحاب التجارب الناجزة، والطالعة الذين قضينا أعمارنا في التزود والاستعداد وكتابة الشعر، واكتساب الفنون، هي في صيانة وحماية  الشعر أعلى الفنون، وفن الأمة العربية الأول، والحفاظ على أهميته التي هي من أهمية لغتنا العربية التي تتعرض أيضا للهدم والإبادة، بل اجتياح اللغات الأخرى لعقول وأفكار وممارسات الأجيال الجديدة، في لحظة تخلف حضاريّ، وسيادة سياسات تبعية للغرب، وخططه العولمية الواسعة،  لذلك فإن واجبنا الاول هو في الحفاظ على الشعر، وعلى اللغة العربية والإنسانية معاً معززا وقوية، قبل أي مقوّم في مقومات هويتنا الحاضرة، والمستقبلية..

ولأن الشعر شأنه شأن العلم والمعارف المعززة  للحضارة والعمران، ويأتي في أولويات المعرفة وهوية الأمة، مايجعلنا  نفهم مغزى شعار: تعالوا نقتل الشعراء* وملحقاته، كما نراها في تعرض بقية الفنون التي تتعزز بالشعر، ويتعزز بها بل تشكل روافده، ومادة رؤياه.. ونضيف:

تعالوا نقتل التافهين في كل الفنون الأخرى  التي طرأ عليها ماطرأ على الشعر، وعطب الانسان والثقافةوالفن معا.

ولابد من التصدي لطوفان الأدعياء المتنطعين والمزوّرين في كل الفنون، ومن يزوّرونهم، وهم بلا مواهب، ولم بتزودوا  بأبجديات ولاخبرات، والتصدي لمن يصنعون الأسماء، ويسهلون وينشرون كل هذا الوباء، وهم شركاء في الفوضى وتعميم الفوضى، والانحطاط بل هم في تجييش العولمة والغزو الثقافي والفكري لهويتنا وحضارتنا.

ليس بيانا:

إننا نؤكد على انّ مانطرحه هنا ليس بياناً فقط، بقدر ماهو شهادة ومفاتيح أولى لنقد معياري كاشف، وشهادة بمبدعي زمن هم فيه أنداد وفرسان للشعر الراقي العربي والعالمي،

خلال ثلاثة أرباع القرن، ونحن أكيدون أنّ  المبدعين الحقيقيين  والأحرار المعنيين بالابداع، والذوق والهويّة لن يتوانوا عن المشاركة في موقفنا ومعركة وجودنا، وصيحة ضميرنا تجاه أمتنا، في معركة حرية وجدارة وجود، بل معركة وجود أو لا وجود، تجاه مايهدّد كيانَنا وحضارَتَنا وفنُونَنَا، ومن كل ذلك تأتي أهمية تقديم هذا الكشف الأوّلي الضروري واللازم على الاسماء المبدعة شعريا، والتي أكدت حضورها بنشر أعمالها، وتواجُدِها الفاعل وقراءاتها فنياً ومعرفياً من قبل نقد فاعل ومسؤول، مع التأكيد  على الرؤية الشاملة، للمشهد العربي الآن، ورفض القطرية القاتلة والمتطرفة، والطائفية، والحزبية والقومجيانية،  ونظرة الأيديولوجيا الضيقة للأمور،

كما ونؤكد على أنه لايكفي أن يكون الشاعر أو الفنان شاعراً أوفنانا فقط،في الصراع مع هذه الفوضى، وهجوم ثقافة  الرقميات، ضد حضارة العمران والكلمة  التي هي في اساس حضارات  الشعوب ونهوضها، فلا يكفي أن يكون الشاعر او الفنان مجدّداً في فنه، بل ان يكونَ نبيّاً مسلحاً برؤيا إنسانية وحضارية وديموقراطية، وفلسفة عليا لكرامة الإنسان والحرية والفن، بل وقوفا مع الإنسان أوّلا..

والدأب  في إدانة فنون التفاهة والسقوط والشعبوية أيضا..

مقاييس لابد منها:

نؤكد هنا على روائز ومقاييس لفرز الشعر إلى طبقات أساس ترتكز بالدرجة الأولى على مفاهيم معيارية واضحة.

أولاً: بما أنّ الشعر فنّ، لايتأطّر ولايتحدّد، كالصور والأشياء والمقتنيات في حال وشكل نهائي، فهو  فنّ حي، بل كائنٌ حيّ قوامُه اللغة والموسيقى والإيقاع، والصور والمجاز والخيال، والروح التي تغنيها التجارب، والقراءات وتفاعلات الفنون داخلها، والشعر  بخاصة، مايَشكّلُ معيارأ عظيماً للذائقة والذوق العام، المتنامي مع الحضارة الإنسانية وإبداعها، والانفتاح عليها ..لايتجاهل ماضيه، ولا ينقطع بحاضره، بل هو حاضن للمستقبل ومهيّئاً لرؤاه..

لذلك فإن الشعر، يقوم على أزمان في القصيدة نفسها، ومناخات وظلال، وبرهات جموح وبرهات صمت، وموهبة إبداع خلاق فوقَ ذلكَ كلّه .. ما يجعل الشعر المبدع العظيم  أكبر من زمن، وتوقعات وحيلة صاحبه، لأنْه يقوم على الوحيِ والإيحاء والاستيحاء، والسحرية المحلقة التي تتجاوز الزمان والمكان بزمَنِها الكونيّ الداخليْ وعلاقتِها بالمطلقِ المضيء الذي يتوجّه إلى الأزمانُ القادمة البعيدة، فامرؤ القيس مثلاً، يمكن أن يكون معاصراَ وساحرا أكثر من شعراء معاصرين، ويعيشون معنا، لذلك فإنّ الشعر العظيم لا يتأطْر ولا يُصنْف، ويَعصى على العادي والمرهون معا، ويبقى في الفن واللعب وروح الشباب الخالد..

وهنا الروائز الواجبة والضرورية التي لابد منها لتقييم الشعر، العربي خلال فترة واسعة، ولنقل من بعد شوقي ومرحلة شعر الإحياء، والنهوض ..

وفي أساسيات إبداع الشعر، ليكون قصيدة وفنّاَ، أي فوق امتلاك أدوات الفن لغة وفنوناً ومعارفَ وخبراتٍ، وجدارةً  ليسمْى صاحبه به

شاعرا، وفنْانا روائيا، تشكيليا، سينمائيا، مصورا، قاصا، موسيقيا شرقيا، موسيقيا كلاسيكيا،مطرباً، مسرحيا، ناقدا،، رسام كاريكاتير الخ.. لابد من وضوح الرؤية واتساع الرؤيا الكلية للكون والوجود، والحياة والموقف من جماليات الكون والطبيعة والبشر، والمسؤولية أمام ذلك، والدفاع عنه، وضفره في رؤيا فنية وإنسانية، فاعلة وخلاقة،

ثانيا: أن يكون الشاعر قد تميز بإبداعه وموهبته ورؤيته الجمالية والحضارية، وشهد له النقاد بذلك بأن يكون صاحب تميز في التجربة، ومبتكرا وليس مقلّداً أواتباعيا،وإن جارى الاتباع فللتنافس وللمبارزة، في الموضوع، والوزن ووووو قد فصّلَ النقاد في ذلك. وأن يكون الفنان صاحب موقف من الحرية، والإنسانية، ومتحررا من القطرية والطائفية، ويمثل ويتمثّل مشروعَ وهُويّة أمة بثقافتها ولغتها، وخبرات فنّها، ومؤمناً بالانفتاح على ثقافات، وفنون وتجارب الأمم الأخرى، وجدارتها بالعصر، ونؤكد على كل ذلك، إضافة إلى روائز في كلّ فنّ على حدة.

غربال الشعر:

وهنا سنبعد عن فن الشعر حثالات، ولمامات، وشباشيل طرأت عليه، وكتابات غطّت على السطوح وهي إنشاء الخواطر، ورسائل تتوهّم الحب، ووصفيات، وحتّى خواطر نتفٍ، وماسيجاتٍ للتفنن، والتبريع، والتقميش، والمساخر، والتبهيت، وهي ليست من الشعر، ابداً ولا تمنح صاحبها جدارة الشاعر، وإن بشّرَت بموهبةٍ ما، لكنّها تظلّ في إطار الفسبكة والتنتيف.

ايضا نؤكّد على مسألة أخرى تتعلّقُ بكرامة الشاعر، وقيمه الانسانية، وهي ماتجعله يترفع عن منابر التدجين والدعاية السياسية، ومهرجانات التزلف والارتزاق، والتصدي ومحاربة شعر المديح  الذي يتوسل التكسب، والذي يعتبر عيباً في عصرنا، ويتنافى مع الكرامة، وإنْ عُدّ في الماضي أصحابه  شعراء، بسبب سوءات الحاجة، فالمديح،  كالهجاء،  فالشعر العظيم لايكون وسيلةَ تكسّب ووصوليةً، وفنّا للّصوص والشطار، والفكاهات الخ.. كما كان في العصور الماضية، وقد فضحَ  زمننا تلكَ السوءات، وحرّر الشعراء منها..

أمّا الحثالات الشعرية، والطفيليات العالقة على هذا الفن، بخاصة زمن انتشار دور نشرٍ عموم أصحابها شعراءٌ فشلة،ومتعدين على الثقافة، وبدون استعدادات ثقافية كبرى، فماذا ينتظر منهم، وهم ينشرون وفق الفلوس والاخوانيات، وبدون ضوابط ومعايير فنية، ويبتزون في اكثر الاحيان شعراء مرموقين إما بفلوس ليطبعوا لهم، أو ذتزلفات شللية معهم، او بتجاهلهم وتعويم شعر سخيف وسطحي، مثلهم مثل  بعض المشرفين على مهرجانات شعرية لدول، هي في الخطابة والمنوّعات، والرياضة والسياسة، وتغلب عليها الشللية، وتبادل المنافع، وزمن حكومات قطرية تبرز شعراء الخطابة والمديح، والأيديولوجيا،كذلك هو زمن حيازات ميليشيات، تلغي الدولة، وتتربع مكانها  وتبرز، بل تنصب شعراء قدح ومدح وطائفية بغيضة، مريضة، تنشر الإحن، والمحن، والسّموم والشقاق، وتقوم بحروب وكالة مأجورة عن غيرها… بل تصطنع منابر شعرية مزورة ومدعومة ماديا وحزبيا!

يحدث كل ذلك في زمن فلتان الفيس بوك، والسوشال ميديا الخ

والمجلات الطيارة، أو الجهوية، ولكي يعود للشعر كرامته، ومكانته، ورصيده بين الناس، كذلك للفنون الأخرى لابدّ من قتل هذه الزعبرة، والغوغائية، والفوضى، والهراء، وإعادة ضبط المشهد في غياب النقد..

هنا لابدّ من حصر الشعراء في طبقات أربع، ونؤكد على ان فرز اسماء شعراء الطبقات الثلاث التي لم نفصل فيها، لايعني ان شعراء مهمين وناجزين لم نذكرهم لعدم وصولنا اليهم او لعدم وصول اصواتهم الينا لايعني الغاءهم او نكرانهم، بل هي مهمة النقد والشعر الغالي في كل بلد، بغض النظر عن الاسكال والمدارس، وإن كنا نؤكد ان الشعر العمودي قد استنفد او اوشك على التوقف تمام عن اضافة اي جديد للشعر العربي، زلا لدى شعراء قلة..

2- وهنا لابدّ وحصر الشعراء في طبقات أربع، وتنظيف الساحة من كل هذا الركام المحسوب أصحابه في تصنيفات  محسوبة على شعراء يروجونهم وهم  شريحة واسعة جدا، وممتدة في المنطقة العربية وخارجها كالرمل والهباء، بل أصحابها عالة ووبالٌ وعدو أساسٌ على الفن والابداع، وعلى مفهوم (الحرية الفوضى) التي تعمّمها الفضائيات، والسوشال ميديا الحديثة، بسطحية  شكلانية غاشمة، وكأنها محطات باصات، وركاب ركام لافي الشعر، ولا في النثر، فلا رتل شعري، ولا إيقاع، وروح مستسر، ولاوزن ولا شكل ولا وجدان ..ولا أي صور أو معانٍ جديدة وناكهةٍ   بل  لبوسات خادعة بأشكالها، والأنكى أن قسما من اصحاب هذه المباءة، يسبقون أسماءهم بصفة شاعر وبشاعرة، وماهم في عداد المجموعات الأولى ولا ربما الخمسين،برغم النشر، والمهرجانات، والمسابقات أو برامج الشو..والميديا، وشهادات التقدير الزائفة، وتصويت العامة في مسابقات الشعر، أسوةً بتلك البرامج، وببرامج مباريات كرة القدم، والمنافسات الأرجلية بين برشلونة، وريال مدريد، وحاشا للشعر الحقيقي أن ينحط إلى ذلك..

وفي محطات ركاب باصات الشعر تلك:

قدّاحين ونبّاحين ومدّاحين، ردّاحين

ورداحات ومتورّمات، بل امازونيات شعر، وبنات نصف الليل

بثياب جلدية.. بميكرفونات مكهربة،

وبأسلحة مثيرة وفتّاكة.

ولايخلو المشهد من سلاحف،

وثعابين ومتكلسين، ولا علاقة لهم بالشعر وإن شبّه لهم.

وأما شعراء الطبقة الأولى، فهم الذين لهم مشروع، ابداع وابتكار فني وشعري، وهم الذين يعبرون عن تطلعات نهوض حضاري وكياني ووجودي، بل علمي إنساني وعمراني، وهم في ضمير أمة، لم يمدحوا طاغية، ولم يرتزقوا من أحد،ومثالهم، نزار قباني، محمود درويش محمود السيد، بدر شاكر السياب،

وهؤلاء الشعراء لم يندرجوا في قطريات، ولا طوائف، ولا قومجيات نابحة.. او قادحة.. ولم يجيشوا في اطر الاثنيات القادحة.. واما الشاعر ادونيس النوبلي فله مكان آخر، لايفرز ولا يؤطر عندنا.. وله مروجوه واعلام عالمي يحمله وقد وقف ضد ثورة شعوب خرجت لكرامتها وحريتها. ومن أشهر طبقات الشعر الثلاث وأبرزهم:

نزار قباني، محمود درويش، جبران خليل جبران، بشارة الخوري، أبو القاسم الشابي، إيليا ابو ماضي، عمر أبو ريشة، بدر شاكر السياب، نازك الملائكة، توفيق صايغ، سليم بركات، حسان عزتن محمود السيد، عبد الباسط الصوفي، بدوي الجبل، خليل حاوي، انسي الحاج، يوسف الخال، علي الجندي، ميشيل طراد، بول شاؤول، وليد سيف، شوقي أبي شقرا، محمد الماغوط، صلاح عبد الصبور، احمد عبد المعطي حجازي، المدرسة الرحبانية، فدوى طوقان، إبراهيم طوقان، علي محمود طه، خير الدين الاسدي، أورخان ميسر، ابراهيم ناجي، الياس ابو شبكة، كامل الشناوي، جوزف حرب، عبد الله البردوني، عبد العزيز المقالح، مظفر النواب، شوقي بغدادي، كريم معتوق، حبيب الصايغ، ميسون صقر، خلود المعلا، ممدوح عدوان، سليمان عواد، أمل دنقل، محمد الماغوط، أحمد فؤاد نجم، احمد عبد المعطي حجازي، وديع سعادة، سيف الرحبي، نوري الجراح، أحمد راشد ثاني، آدم فتحي، صلاح ستيتية، ناديا تويني، محمد علي شمس الدين، شوقي بزيع، فرج بيرقدار، عبد الله عيسى، عباس بيضون، محمد العبدالله، عزالدين المناصرة، مردوك الشامي، الخضر شودار، ربيعة الجلطي، جمانة حداد، بيان الصفدي، المثنى الشيخ عطية، فاتن حمودي، رشا عمران، بروين حبيب، بندرعبد الحميد، فواز عيد، عيسى الشيخ حسن، ناصر الفراعنة، فهر الشامي، مارون أبو شقرا، عقل العويط، عبد القادر حصني، محمود صالح، نضال بغدادي، منذر مصري، مرام مصري، كمال خير بيك، حامد بدرخان، أحمد الشهاوي، إبراهيم الجرادي، عبد الله الحامدي، حنان فرفور، مارون الماحولي، مارون ابو شقرا، سونيا الفرجاني، سميح القاسم، رفعت سلام، سركون بولص، مظفر النواب، محمد الفيتوري، محمد التيجاني بشير، محمد عبد القادر سبيل، روضة الحاج، يوسف عبد العزيز، يوسف ابو لوز، محمد بنيس، المنصف الوهايبي، الإمارتي عادل خزام، حسين درويش، عبد الوهاب ابو زيد، عبد المحسن يوسف، المنصف المزغني، أكرم قطريب، جوزيه الحلو، محمد العثمان، فرج العربي، نعمان رزوق، مفتاح العماري، عبدو وازن، أمجد ناصر، الطاهر رياض، زهير ابو شايب، احمد رفاعي، لقمان ديركي، سنية صالح، جوزيف صايغ، هاشم شفيق، عدنان الصايغ، بندر عبد الحميد، كريم عبد، سامح كعوش، فجر يعقوب، نعيم هيلانة، دعد حداد.

وفي الطبقة الرابعة التي هي مصهرشعراء للطبقات المذكورة، عشرات الأسماء الطالعة لكن التي لم تتأكد وتتثبت بعد، ذكورا وإناثا

وإن بشرت مواهبها بإبداع، وقد استبعدت شعراء الفرعونية والقومية السورية، واللبننة، والقومية المتطرفة.. والأخونة،

لكن يوجد شعراء إبداع وتفوق، وتنطبق عليهم الروائز التي قدمت بها، ولا تحضرنا أسماؤهم في بلدان شمال افريقيا، المغرب العربي، والسعودية، واليمن ومهمة إبرازهم وفرزهم تقع على نقاد بلدانهم،

لكن بالعموم هؤلاء الشعراء الذين، اذكرهم هنا يندرجون في مشروع أمة ناهضة وعظيمة..علماً أن هذه القائمة ليست صنمية، ولا متحجرة، ولا نهائية، بل أولية ومتحركة، وليدقق بالروائز التي ذكرتها اعلاه من أراد أن يضيف أسماء أخرى، أو قوائم فرز في فنون أخرى. وأرجو وأرجو ان يتحرى الدقة والموضوعية، والاقناع المطلوب.

***

حسان عزت

……………….

* صرخة وعنوان كتاب للصديق القاص المبدع مصطفى تاج الدين الموسى ( تعالوا نقتل الشعراء)

* ولا يفوتنا التنويه بنقاد كبار اثرووا ومازالوا النقد الشعري العربي منهم جبرا ابراهيم جبرا.. احسان عباس، محمد النويهي، غلي شكري،، محيي الدين صبحي، يوسف اليوسف، يمنى العيد، عباس بيضون، بول شاؤول، محمد علي شمس الدين، خالد بوزيان الموسوي المغرب،.محمود شريح، وعشرات النقاد.

* الشعراء الذين اخترناهم وفقَ الروائز أعلاه، يمثلون عموما كل المنطقة العربية.. ومن لايتوافق منهم مع بياننا له. الخيار، ويمكن رفع اسمه، باعتراض مكتوب منه ونحترم خياره ..

——————————–

========================

قراءات لأعمال حسان عزت

——————————–

تشريح جثمان قصيدة سورية حيّة/ منذر مصري

22 يناير 2024

(لعلّ زمنًا ما) للشاعر حسان عزّت

1 ـ الوقوع في شرك قصيدة

أعترف! لفتت انتباهي فرادة هذه القصيدة للشاعر حسان عزّت، منذ أن وقعت عليها عيناي أوّل مرة، وذلك خلال إعدادي لجزء ثالث “انعطافة السبعينيات في الشعر السوري”، من “أنطولوجيا الشعر السوري” في القرن العشرين، التي أصدرتها الأمانة العامة لاحتفالية دمشق عاصمة الثقافة العربية، عام 2008. ليس فقط، لأني وجدتها، آنذاك، غريبة عن تجربة صاحبها بالذات، التجربة التي عرف عنها الغرق في غنائية طافحة أوصلتها إلى أن تحتل مفردة (الورد) عناوين ثلاث مجموعات متتالية للشاعر؛ “جناين الورد” (1998)؛ “مجنون الورد” (2000)؛ “حواري الورد” (2002)، وإلى أن يطلق صاحبها على نفسه لقب شاعر الورد! حتى أني لم أجد ما أفسر به إحساسي هذا بالغرابة، سوى: “اخترت ثلاث قصائد من شعر حسان، الأولى من مجموعته الثانية “تجليات” (1984)، والثانية من مجموعته الثالثة “زمهرير” (1987)، والثالثة من أشعاره المتأخرة، بعنوان (لعل زمنًا ما)، تظهر بوضوح حيويته واستمرارية قدرته على التنوع”. بل أيضًا لاستثنائيتها في التجربة الشعرية السورية الجديدة التي يعدّ صاحبها أحد شعرائها المبرزين بكل المعايير. بالرغم من أنها في الوقت ذاته، وهنا المفارقة، قصيدة سورية بكل المعاني التي يمكن أن تحملها هذه الصفة! إن كان هذا من حيث بنيتها الشعرية، ومشاركتها بذلك قصيدة النثر السورية السبعينية، وما بعدها، التي، أستطيع الادعاء أنها تكونت في ظرف ثقافي وسياسي لا يختلف إلّا بالظاهر، وهذا بالضبط ما سيكون له شأنه في قراءتي لهذه القصيدة، عن الظرف الثقافي والسياسي الستيني السوري من حيث الانغلاق والضيق والمنع، أو إن كان من حيث الموضوع والمضمون السوري تحديدًا وحصرًا، الأمر الذي حرصت أن أحصر اهتمامي به، ولا أتعدّاه إلى سواه، مهما ضاقت بي السبل، في جميع ما أكتبه هذه الآونة في “ضفة ثالثة”.

2 ـ رسم خلفية شخصية لقصيدة

إلّا إني أرى، وقبل الخوض في معمعة هذه القصيدة، بأنه يتوجب عليَّ، لفهم القضايا الإشكالية التي تثيرها، أن أرسم الخلفية اللازمة لصورة حسان عزت (دمشق، 1949) كإنسان، كإنسان سوري بالتحديد، فأمر له دلالة قصوى أنه ابتدأ مسيرته الأدبية بكونه أحد أعضاء نشرة (كراس) الشهرية للكتابة الحرة خارج النص السائد في المنابر الأدبية والثقافية التي كانت بمجموعها تعود للجهات الرسمية. متى وأين؟ أواسط ونهايات عقد السبعينيات في دمشق، في الزمان والمكان اللذين كانت فيهما سورية تتهيأ لذلك الاضطراب الكبير! والتي كانت تطبع على الآلة الكاتبة وتنسخ وتجمع وتخرز، وأخيرًا تباع، أو لا تباع، بليرة سورية واحدة، من قبل شعراء وقاصّين شبان، حالمين بالتغيير، ومؤمنين بقدرتهم على صناعة الفرق، جميعهم، لم يصدروا باكورات أعمالهم حتى ذلك الوقت، وصاروا بعد ذاك، معروفين في الوسط الأدبي السوري والعربي، وهم بالأسماء، من دون التطرق إلى ما آلت إليه مصائرهم: فادية لاذقاني، فرج بيرقدار، بشير البكر، خالد درويش الفلسطيني، وائل السواح، جميل حتمل، وأخيرًا رياض الصالح الحسين، الذي حدث أن اعتقل وقتها وحقق معه بشأن هذه النشرة. أمّا حسّان، كما ورد في طيّة غلاف مجموعته الرابعة “جناين ورد” (2002)، فقد تحصّل على شهادة جامعية في الأدب العربي من جامعة دمشق، وبعد فترة قصيرة من قيامه بالتدريس، انتقل للعمل كرئيس تحرير مساعد في صحيفة “تشرين” لأعوام من عقد التسعينيات، تابع فيها كتابة إحدى الزوايا الأدبية في الصحيفة، أظنها جمعت ونشرت في مجموعته السابقة الذكر، كما كان أمين سر جماعة الشعر في اتحاد الكتاب العرب، حتى سفره إلى الإمارات، كما يذكر صديقه وائل السواح في إحدى استعاداته لحكايات ذلك الماضي الجارح: “وهاجر حسّان إلى الإمارات بحثًا عن عمل، لأن بلده لم يزوّده بأكثر من مكتب في جريدة بائسة”. حيث غرق لشوشته، من منّا لا يذكر شعر حسان الكثيف الأجعد، في العمل الصحافي في أبو ظبي إلى درجة ألهته كثيرًا عن كتابة الشعر، متسلمًا عددًا من المناصب في المجلات والصحف التي تصدر هناك، حتى تقاعده أخيرًا، واضطراره للبقاء في مدن الغبار والرمل والذهب الأسود، كما وصفها مرة، إلى اليوم. مما أتاح له، بعد انقطاع طويل طويل، بعد عشرين عامًا بالتمام والكمال، أن يصدر مجموعته الخامسة “سباعية خلق” (2022) عن دار عوام السورية في السويداء. وكأنه، بهذا، يحلو لي أن أفسّر، يعود، كشاعر هام طويلًا إلّا أنه لم يضلّ يومًا، إلى وطنه!

3 ـ لعلّ قصيدة ما

لا يضع حسان عزت تواريخ في نهاية قصائده! شعراء كثيرون يحبذون ألّا يفعلوا هذا، رغبة منهم في تحرير قصائدهم من الزمن، بفك الرباط بينها وبين ما يمكن أن يحمله التاريخ الذي كتبت به من أحداث ومدلولات، أو ربما خشية من وطأة الزمن على قصائدهم، فيشعر قارئها بتقادمها وانحسار حقبتها.

غير أن قصيدة (لعل زمنًا ما) بالتأكيد مكتوبة بعد صدور مجموعته الرابعة “حواري الورد” (2002)، وقبل 2008 عندما التقطتها من موقع ما وأوردتها في كتابي “انعطافة السبعينيات في الشعر السوري”. ألفّ وأدور حول زمن كتابة هذه القصيدة ليس لأنه إحدى مفردات العنوان الثلاث فحسب، بل لأني أريده أن ينزل عن ظهره ويضع أمام القارئ كل تلك الحمولات والخلفيات! أي سورية خلال بداية العقد الأول من القرن الحالي، رغم أن النص يقوم بمناورة مكشوفة على هذا التاريخ، بكون خلاصته، عبرته، غير محصورة في هذه الفترة، بل تشمل بكل تأكيد ما قبل كتابته بعقد من السنين، أو عقدين، أو ثلاثة، كما أنه، ومن هنا تنبع أهميته في رأيي، يصح أن يقال اليوم، وبعد ما ينقص، أو يزيد، عن عقدين من كتابته، الأمر الذي، بطريقة أو بأخرى، يدل عليه تضمينه في “سباعية خلق” (2002).

لعلّ زمنًا ما

الأكثرون رأفة

كانوا يستعملوننا ديكورًا للزينة

وورودًا من الأدغال في أوانيهم

بعد أن يجروا علينا مقصاتهم

وطلاء أظافرهم

وأشرطة أحذيتهم

ويقولون: اكتشافاتنا!

والأكثرون قسوةً

كانوا يسحبون عنّا أسمال أرواحنا

ويسحبون من تحتنا حصائر الأرض

ثمّ يرموننا في رطوبة الأقبية

ولم نكن هناك… ولم نكن هنا

كان الهرب يتجمّع على حدود صرخاتنا ولم نفعل

وكان الموت يغمز لنا بشواربه المكشّرة

وعندما في زمن ما وفترة أخرى

إلى مدن المنّ والسلوى

والغيوم التي حوّل النفط فصولها غربًا

كان هربنا

ورحنا نكتب قصائد للغبار

في الغبار الذي يأكل الإحساس

أردنا أن نرسم صورتنا

وفي الرمل الذي يغطي المدن

أردنا الشعر والحياة

أية خديعة هناك

أي مسخرة هنا

والزمن لا حول ولا

والعواطف لا ماء ولا

وبين حدين ووقتين وفاصلتين

استراحة للمراجعة….

لقد أخطأنا أخطأنا ولم نزل

يوم لم نحمل سفاح آبائنا معنا

وأردنا أن نكون ملائكةً

ويوم تركنا قتلة أمّنا

ليأكلوا لحمها ويبيعوا تاريخها خواتم

ويوم لم يكن فسحة لخلية

إلاّ من رعشة لغصة

وانتعاش سريع في نقّالة

وخلنا نجونا

كنا نحمل نعوش أمهاتنا معنا

وجنازاتهن الطويلة التي لم تدفن

وفي ليل

يا أمنا التي ذهبت مع الأمنية والحسرات

من يمسح دمعة القلب

من يخبئ في الروح الهدأة

وفي ليل اقتربت فيه أنامل الله على شكل امرأة

وعانقت في الأقاصي ما تبقى

وعانقتني في صمت مبغوم

لعلها كانت روح أمي

أو حزن أبي المكلوم

وفي ظهيرة الرحيل إلى مدن الغبار

كانت طائرة الفاشي تمضي إلى حتفها

وكنت أبحث عن حقيبة للسفر في المدينة المقبرة

كنت هناك

ولم أكن هنا

فهل من طائرة أخرى

تهرب في هذا الموت الأكيد

إلى بلاد أخرى وعباد

ويا ليل ليس له من ليل

ويا صحراء ليس لها من أمد

كان الطاغية يسحب ما تبقّى

بما تبقّى

بأحلام مقتّلة

وشعب مهيض

وفسحات لا نوافذ لها

وأسماء بلا بشر

وقتلى بلا أسماء

ويجعل من بلد مقبرة

سلامًا على مقبرة أخرى

وقبور يتنفس فيها البشر

وتختلط فيها الوجوه والطيوف والشفاه

نحن الخلائط

جوالو أرض الذهب الأسود

أحلامنا بيضاء وحياتنا سوداء

وأزهارنا لا ألوان لها

نسبح في الرماد

ونظن الفصول في الفضاء المختلس

خلاسيون نمشي، خلاسيون ننام

وفضاؤنا في الغد

يفضي إلى عدم مؤجل ومقبرة

لا سلام هنا

ولا حبّ هناك

نحن كما نحن في رمل وعدّ ومصائر مكتومة

إلى زمن ما

وفترة أخرى…

 ـــــــــــــــــــــــ بلا تاريخ – دمشق.

4 ـ موقع الرصاصة في جثمان قصيدة حيّة

يمكن، بتبسيط شديد غير منصف ظاهريًّا، اعتبار قصيدة (لعل زمنًا ما) لا أكثر من قصيدة أخرى تمضي على خطى إحدى جواهر قصائد بدر شاكر السياب (غريب على الخليج). إنسان يهجر بلده، ويمضي غير مختار، ليحطّ في بلد آخر. وقد صدف هنا في القصيدتين أن يكون هذا الإنسان شاعرًا، وصدف أيضًا أن يكون البلد الآخر خليجيَّا، وصدف أن كانا كلاهما يشكوان الغربة والحنين. وبقدر ما يحتوي النصان الشعريان من متشابهات ومشتركات، فهما يحتويان، وبقدر أكبر، خلافات وتعارضات، أسلوبًا ومضمونًا في آن. سأكتفي بإيراد آخرها، المقطع الختامي من قصيدة السياب، لأن موضوعنا الآن ليس القيام بنقد مقارن بين القصيدتين، حيث يسأل الغريب الذي جاء مريضًا ومات في الكويت: “وهل يعود من كان تعوزه النقود؟”.

“قصيدة (لعل زمنًا ما) بالتأكيد مكتوبة بعد صدور مجموعته الرابعة “حواري الورد” (2002)، وقبل 2008 عندما التقطتها من موقع ما وأوردتها في كتابي “انعطافة السبعينيات في الشعر السوري””

أمّا حسان فشكواه تصب في مجرى دمع ودم آخر. وهو لا يستمهلنا في الدخول مباشرة إلى ما جعلني منذ قراءتها للمرة الأولى، كما ذكرت، أراه فريدًا وإشكاليًّا بآن، ألا وهو توصيفه لحالة المكان الذي ولد وعاش وأحب وكتب شعرًا فيه ثم غادره إلى غير رجعة، سوى بزيارات متقطعة توقفت بدورها منذ بدء الحدث السوري بداية عام 2011، وتبنّيه من قبل الشاعر باعتباره ثورة شعبية حقيقية كان يحلم بها طوال عمره! ما أتكلم عنه هو:

[الأكثرون رأفة

كانوا يستعملوننا ديكورًا للزينة

وورودًا من الأدغال في أوانيهم

بعد أن يجروا علينا مقصاتهم

وطلاء أظافرهم

وأشرطة أحذيتهم

ويقولون: اكتشافاتنا!

والأكثرون قسوةً

كانوا يسحبون عنّا أسمال أرواحنا

ويسحبون من تحتنا حصائر الأرض

ثمّ يرموننا في رطوبة الأقبية]

الشاعر هنا، في الأسطر السبعة الأولى من القصيدة، يكشف لنا نوعية العلاقة التي كانت قائمة بينه وبين من كان يحيا معهم في بلده، من كانوا يحيطونه في عمله ويجلسون معه في المقهى ويذهبون سوية إلى المسرح، أي من كانوا أصدقاءه! وهم، على حد تعبيره، الأكثرون رأفة. كيف أن صداقتهم كانت مشروطة، بصلاحيتنا، مستخدمًا الضمير المتصل (نا) الدال على جماعة المتكلمين، لأن نكون ديكورًا للزينة عندهم. يقلمون أظافرنا بمقصاتهم، ويطلونها بالألوان التي تروق لهم. ويقولون، وكنت أفضل لو قال يصيحون، وهذا لعمري عرفته أنا يومًا، وربما كان السبب في كل ذلك التأثير الذي أحدثته القصيدة بي: “اكتشافاتنا”. وكأن أي شيء جميل فينا نادر إلى درجة يمكن عدَّه اكتشافًا. أمّا الأكثرون قسوة، ذلك الصنف الثاني الذي نحيا بين ظهرانيه، فقد كانوا يشدوننا من أسمال أرواحنا، ويرمون بنا في الزنازين الرطبة المعتمة تحت الأرض! أي قراءة شديدة القسوة هذه يا حسان لحياة السوريين في بلدهم؟ أي حكم قطعي جماعي، لا يفرق بين أبيض وأسود، بين صادق ومدع، أطلقته على من كانوا أصدقاءنا! ألم يكن منهم من أحببناه وأحبنا لا لغاية ولا لمنفعة! هل من المعقول أن جميعهم كانوا يقومون بخداعنا، وهم واعون لخداعهم؟ أتصدق أن جميعهم كانوا يتظاهرون بمحبتنا، بينما كان ديدنهم المكر والكذب؟ اسمح لي يا صديقي، رغم تفهمي للمرارة والغضب الذي تشعر به، ويشعر به كل من اضطر مكرهًا إلى مغادرة بيته وأهله، ألّا أجاريك في تعميمك المجحف هذا، وأن أخالفك الرأي فيه: لك ولي، كان وما يزال، أصدقاء حافظوا على مودتنا وأخوتنا رغم كل ما حدث من مآس وكوارث! أصدقاء لم يبخلوا في تقديم كل ما توجبه الصداقة من وفاء وإخلاص في أقصى حالات الخوف والخطر، أصدقاء يشاركوننا آمالنا وأحلامنا في بلدنا مهما آلت إليه مصائرنا! أمّا عمّن تكشفوا عن حقيقتهم، كما تصفهم، فأغلبهم، أراهم ويا للحسرة، وأرجو منك ومن القارئ الانتباه إلى هذه الفكرة، قد فشلوا في الاستمرار، ولم يستطيعوا متابعة مشاريعهم الشخصية بأن يكونوا بشرًا أفضل، مواطنين سوريين حقيقيين يضعون مصلحة شعبهم ووطنهم فوق كل اعتبار شخصي أو فئوي من أي نوع! وهذا، أقول لك، أحد انكشافات الثورة السورية التي لا تجعلني سعيدًا على الإطلاق!

5 ـ خاتمة متروكة للقارئ

تتضمّن القصيدة نقاطًا كثيرة كان يتوجّب عليَّ التطرق إليها، منها استخدام الشاعر لمفردة (الطاغية) التي درجت في الشعر السوري الجديد، حتى الصادر منه داخل سورية، محمد الماغوط، نزيه أبو عفش، رياض صالح الحسين، على سبيل المثال لا الحصر، كونها مجرد لفظة أتّفق على أنها لا تشير إلى رئيس محدد لبلد محدد، بل هي رمز لغوي يعبر عن حالة سياسية واجتماعية في فضاء ما، وكذلك ما قام عليه النص من مقارنات بين أرض أمٍّ جعلها الطغيان مقبرة، وبين صحراء من رمل وغبار ليس لها أمد. فلا سلام هناك، ولا حبّ هنا، ليرسم حالة ضياع كامل في كلتا الحالتين. وغير ذلك من حيثيات غنية جعلني طول ما سبق وكتبت أعفّ عن الكتابة عنه، وأدعه للقارئ المتمعّن في هذه القصيدة الفارقة في تجربة الشاعر السوري حسان عزت، وربما في تجربة الشعر السوري الجديد بمجمله.

ضفة ثالثة

———————————

حسان عزت في سباعية خلق نفَس ملحمي يعانق الحب أبدا/ علي لعيبي

2025 / 5 / 7

من عتبة العنوان نبدا مع الشاعر المتميز حسان عزت، الشاعر السوري المقيم في دولة الإمارات العربية المتحدة، والتي أبدع فيها أعمالا شعرية، ونصوص مفتوحة على الحب، و هو ما جعله يلقب برسول الورد.

يستوقفني عنوان هذا العمل، الصادر عن دار العوام في دمشق، سباعية خلق، حيث يقترن الشعر بالرقم سبعة، و بالخلق أيضا، في إشارة إلى مخيلة تستند عميقا على الإرث الثقافي الميثولوجي و الأسطوري معا.

و الرقم سبعة يحمل دلالات عديدة، ذكر في العهد القديم، ” أتمّ الله فى اليوم السادس الخلق وأشبع العالم ولم يعد ينقصه شيء ، وفي اليوم السابع استراح الله”.و ذكر في

القرآن :” أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا”،

والأرضين سبعا، والأيام سبعا، والإنسان كمل خلقه فى سبعة أطوار، وللرقم سبعة خواص كثيرة وقد لعب دوراً مهماً في السحر والمعتقدات الدينية، وقد قد ربط العراقيون القدماء الرقم سبعة بالأجرام السماوية السبعة التي كان لها تأثير مهم في حياة . وظهرت النواميس السبعة المقدسة التي نظمت حركة، ألست إلها صغيرة، إلى جانب قصائد أخرى، و قراءات نقدية عن أعمال الشاعر حسان عزت. الكون والازدهار الحضاري لسكان بلاد الرافدين.

و بالعودة لنصوص الشاعر حسان عزت، فقد ضم الكتاب الذي توج غلافه لوحة للفنانة فاطمة لوتاه، ترنيمة نقار الخشب، و زهوة الماتادور، وردة الرمل، لا أعرف صوغ الكلام، تانغو لأوراق الورد، و نصوص شعرية اخرى، إلى جانب قراءات نقدية لشعره….

ما وراء الشعر:

حسان عزت في سباعية خلق، يمشي بالقصيدة إلى ما وراء الشعر، و الحياة، وكانه يمسك بعالم المثل، الحب، الجمال، و الخير، كل هذا متشابك مع لغة شعرية متفردة، و قاموس شامي ، يتوق لمعانقة الشعر العالمي أراغون، مالارميه، ولوركا،

هو رسول الورد، يستنهض دين الحب ، من خلال تراجيديا الوجود، التي نراها في نصوصه الملحمية، التي تحمل نفسا طويلا، في قراءتها للحب و الحرب، و سيرة شاعر تتوزع بين النصوص، إلى جانب أزمنة، و أمكنة، و هو القادم من ثقافة الأنهار و الخصب، من بيبلوس في جبيل، إلى عشتار و إنانا، وهو المهجوس بالشعر وحده، فالشعر صديقه، و عشقه ومؤنسنه، الغطاء في البرد، و الشجر في الصيف، وهو ما نلمحه في نص ترنيمة نقار الخشب، و التي تاخذك بنفسها الملحمي إلى المسرح، و تعدد الأصوات، والمطر الذي يهطل سبعة أيام

في هذا النص (ترنيمة نقار الخشب ) ، يسافرُ بنا من “الأوديسا” زمناً لترسوّ بنا داخلَ مشهدٍ من مسرحِ “كوميديا ديل آرتي”، فينزلُ الستارُ سريعاً كما على إيقاع كونشيرتو “بريتيسيمو” كأنْه يحاكي صوتَ نقّار الخشب…

يقول: “

لا تَنْقري في الرّوحِ ياصبيّةْ

لا تَنْقُرِي في الرّوحِ

يَقُولونَ كانَ حَارسُ الغَابَةِ البَعيدةِ يُعلّقُ قِنْديلَهُ عَلى الأشْجارِ، ويُصَلّي في لَيالِي العتمةِ والرّيح….تَعالَي … تَعالَي

ويَقُولونَ أنّهُ كَانَ يُبَرِّحُ بِهِ الشّوقُ والوَجْدُ يُضْنِيهِ

فَيشْعِلُ في كُوخِه العُودَ والنّدَّ .. ويَتَماهَى في حَضْرةِ الحَبيبِ على تَرتِيلِ عبدِ الباسِطِ وأناشيدِ المِيلادِ، وعَلى وَقْعِ القَياثِرِ يَروحُ يَرقُصُ رَقْصَهُ الكَيانيّ “.

في هذه القصيدة يرسم أسطورة مسرحها دمشق و حمص، في فصل شتائي، و تحت مطر لا يشبهه مطر، يقول :” وفِي لَيلٍ لا يُشبِهُهُ لَيْلٌ ، ونَهَارٍ لا يُشْبِهُهُ نَهارٌ يَظَلُّ الحارسُ يَرْقُصُ ويَبْكي مُبرّحاً ، فَينزِلُ المَطرُ سَبْعةَ أيّامٍ دِيمَةً ورُخاءً وشآبِيبَ، فيَرُوحُ يُصلّي على جِمارِ القَلبِ ، ويَكْتُبُ على أضْواءِ الرّوحِ، حتّى لا يَعودُ يُحسُّ بَجَسدِهِ ، وَلا يَعْرِفُ لَيْلاً منْ نَهارٍ ، فَيتَحوّلُ إلى فَرسٍ بَيضاءَ تَشُبّ في الأفُقِ ، وتَصْهُلُ في الجِهَاتِ ، فَتَسْمَعُها القَارّةُ كُلّها”.

هنا يفاجؤنا بهذا السرد الشعري، و الأصوات المتعددة، والأقتراب من الغابة، بكل ما تحمله من رمز و غموض، وهناك حارس الغابة، الذي يذكرنا برواية عشيق الليدي شاترلي ،للكاتب (دي إتش لورنس)، و يتابع سرد حكاية أشبه بالأفلام، بطلها شاعر، و صبية، و عاشق، :”

صُدْفَةٌ بَيضَاءُ وقَلْبانِ شَاردانْ

رِحْلةٌ مَسْروقَةٌ منَ الزّمانِ

إلى مَدينةٍ نَائيةٍ وَغُرْفَةٍ بَعيدةْ

: عِمْتُمَا ظَهيرَةً يا أيُّها المُتَوّجانِ بالغُيومْ

_ عِمتَ صِحّةَ صدِيقَنا

: تُرى وَجَدْتُمَا صُعوبَةً حتّى وَصَلْتُما؟

_ كَيفً تَرَى وقَدْ وَجَدْنا البابَ مَردوداً لَنَا

: عِمْتُما ظَهيرةً وعِمْتُما

ورندلَ الخبيئ في جنائنِ الخَيالْ”، نص بطله الشاعر، و عاشقان، و صراع، و احتدام، و مطر بين مدينيتن، و لا يسعنا إلا القول، ما أحوج هذا النص لمخرج سينمائي و عازف ، يأخذ بالقصيدة إلى الأقاصي.

لماذا للشعر؟، فأجاب و هو يلملم صوته المريض:” سألت الشاعر حسان عزت،

انا شاعر الاسئلة

احمل الهاوية

احمل الرؤى

اطلُّ على شرفات الجحيم

واغني”.

و بتوضيح أكثر عن ماهية الشعر، و خصوصية الكتابة عند للشاعر يضيف:”

أحول الشعر واللغة الى ضوء وموسيقا وشعاع، ذلك هو عمل الشعر، إنه مشروع روحي،

ايضا، لابد من مسارح جديدة لتقديم الشعر بطرائق وفنيات جديدة ،من مسرح وغناء وموسيقا ،وفرجة، و هذا ينتمي إلى خصوصية تجربتي التي قدمتها في الشام ومدن أخرى، مسرحة الشعر، و قراءته مع كورال، وتوزيع موسيقي، “أحتفالية للشمس”، و أشرف عليها الفنان غسان مسعود، في المسرح العالي بدمشق.

ويؤكد شاعرنا حسان عزت أخيرا ..نتيجة حتمية للشعر كحياة اخرى ..

ويصير للشعر طقس الاحتفال والسهر ،

فرجة تتجدد لعدة سهرات وتسافر إلى بلدان، تحتاج إلى عمق فكري وفلسفي حقيقي غير ساذح، لتفكيك قصيدة حسان عزت، واعطائها قيمتها الأدبية.

و أعود في هذه القراءة إلى نص كرنفال الأميرة ، الأقرب للسوناتا، يقول فيه:..

تأخّرَتْ حَبيبتي تَأخّرتْ

ومِنْ عَادةِ الأمِيراتِ أنْ يَتَأخّرْنَ

ومِنْ عَادةِ العُشّاقِ أن يَخرُجوا

كَرْنَفالاتٍ لاستقْبالِهِنَّ

ثُمّ يَحْضُرْنَ في جَلالِ الأُبّهَةِ

لا المَلائِكَةُ

ولا أشْجارُ الرّبيعِ

تأخّرَتْ حَبيبتي

وهَاهِيَ تُرافِقُها الفُصولُ

وهَا هيَ تَسْبِقُها الفَراشَاتُ

وها هيَ تَرْتَمي تَحْتَ قدَمَيْها

الصّغيرَينِ المُوسيقى

العَاشقُ يُطلقُ قَمَرَ اللقَاءِ

العَاشقُ يُغْمِدُ خِنْجرَ الفِتْنةِ

العَاشِقُ

أوُهْ أنا العَاشِقُ

أيَمّمُ نَجْمَةً بَعيدَةً

أنَا العَاشِقُ

أقدّمُ باقَةَ النُّجومِ

أنا العَاشِقُ

أمُدُّ يدي إلى أمِيرَتي كَيْ أقولَ..وَدَاعَا

——————————-

ورد الغواية/ حسان عزت

تاريخ الإصدار:1 يناير 2014

https://archive.alsharekh.org/Articles/232/17953/404237

————————-

========================

حوارات مع حسان عزت

حسان عزت لموقع «سبا»: التحدي الأكبر في عملي «سباعية خلق»؛ مواجهة العدم بالحب

10 نوفمبر 2020

ثمة شيء ينقذني من الارتهان لحدث مهما كان عظيماً، وهو أنني أكتب ملاحم الحرية والحرب

حاورته: فاتن حمودي

تتفرد تجربة حسان عزت الشعرية، بمشاكلتها تجارب شعراء الحداثة العربية مشرقاً ومغرباً. شاعر دمشقي، مهجوس بروح التجديد، الذي لم تتخلَ عنه قصيدته، ولا نصوصه، والتي تشكل  ملامحها، وعلاماتها الفارقة.

في البدء كان الشعر، وكان الشاعر يرسم بالكلمات في ليل الوجود، في ليل كوني، في عالم  تراجيدي ودموي وصافع، لا بد من سباعية خلق، لا بد من الشعر لننجو قليلاً.

المتتبع للتجربة، يلحظ الشعر حين يصبح صورة، مقاربة للمشهدية السينمائية، وربما المسرح، والتي تتجسد في زهوة الماتادور هذا العمل الملحمي، الذي يشكل رحلة من الشام إلى الأندلس، ومن الأندلس إلى الشام، وفي نقار الخشب، النص المفتوح على الحب، الرحلة، والعلاقة المرسومة بخطوط حب الأبد.

صدر له بعد عقدين من التوقف عن طباعة الشعر «سباعية خلق»، والتي جاءت بعد شجر الغيلان، والتتجليات والزمهرير، وجناين ورد، وغيرها من الأعمال.

«سباعية خلق»، تأتي بعد دهر من الخراب، بكل ما يحمله الرقم سبعة من مرموزات كونية، الرقم الذي نسب إلى الشمس، إلى معلقات الشعر، وعجائب الدنيا، إلى ألوان الطيف، وكأن النص موشور الوجود، وقصائد  تحلق  مثل طيور مهاجرة.

وحول الشعر والتجربة، كانت لجريدة وموقع «سبا» هذا الحوار:

·       سباعية خلق، هذا العنوان الملفت، حدثنا عن هذا الخلق في مواجهة العدم؟

التحدي الأكبر في عملي، «سباعية خلق»، مواجهة العدم بالحب، الحب فيها ليس بوصف سكراً وحلماً، وانطفاءً بل حضوراً كلياً، للروح والذات والطبيعة والحضارة، وهو صرخة الشاعر الأخيرة، أمام كل هذا الوجود، لتكن هذه القصائد المضمخة بإبداع حضارات، تشبه انطفاء النجوم من ملايين السنين، لكننا نرى ضوءها الآن، وأبداً لم أشعر لحظة أنني وحدي، على عظمة التجسد في الحب والفردانية، والبصمة التي لا تشبهها بصمة، فأنا موصول بكل شعراء الحب، الذين أكدوا الحضور وردوا على الفقد.

وهناك ما يسمى بالتعطيش وعدم الوصول والسكنى في المرات الأولى التي يجددها العشاق بمخيال عظيم وتجديد وابتكار وتقطير على مدى العمر كله.

·       الغربة، وحرائق الروح في مواجهة العدم، كيف تواجه هذا اليأس؟

الكتابة والحب وحدهما جناحاي. الآن أكتب بالأمل لما سيكون من سلام وأعراس، وأكتب بعين أخرى لما يعانق الأبد على طريق الآلام، وهنا في أبو ظبي كتبت المعبديات والملاحم والغنائيات والسونتيتات، دون الالتفات الى شكل خارجي واهتمامات برانية، همي الشعر الرؤيا والقصيدة، معلقة حلب، لقد تحطم كوكب.

ثمة شيء ينقذني من الارتهان لحدث مهما كان عظيماً، وهو أنني أكتب ملاحم الحرية والحرب، لكن أكتب ملاحم الحب والفن والجمال في نفس الآن، أكتب قصائد التفعيلة، وأكتب قصائد النثر، أكتب بالفصحى بلغة كأنها ولدت الآن، وأكتب بالعامية غنائيات نضرة، أريد أن أجدد الجسد الحبيب الذي يغيب فأجعله شعراً وجسداً في القصيدة، أي روح عطر خالد لا يموت فيصير صوتاً وسطور ذهب.

يا سندان العاصفة

يا أشجار الزمهرير

أيتها المواجهة

هيئوا قناديلكم واتبعوني

أنا حامل الليل في طرقات الشظيّة وقائد السوسن في أنهار البجع

أوجه الحكايات للسنابل

معلناً براءتي من التوبة

معانقاً حانيتي في الريّح

أحمل صديق دمي وأغني

مايا.

·       كتبت القصائد العامية، لا سيما في أوج الثورة، والقصائد الملحمية، كيف نرفع العامي إلى الملحمي؟ بل كيف يلامس العامي تراجيديا الوجود؟

 نعم صديقتي، اللغة المحكية والعامية تصلحان لكتابة الملاحم، كل أعمال الرحابنة ميشال طراد، طلال حيدر، وجوزيف حرب والحداد في مصر ونجم والابنودي وبيرم، ومظفر النواب ورياض النعماني في العراق وزياد رحباني .

حاولت في النصوص العامية الغناء لأعراس الحرية لشعبي، وعانقت أناشيد عشتار وسومر بالعراضات الباقية في بلدنا، سوريا بصوت الآذان، بابا عمر باب السماء، وقبلها بكثير «لي صديق من كردستان»، والتي غناها سميح شقير.

النصوص المحكية حارة مدهشة مفاجئة تزخر بالشفاهي المحسوس وإذا كان شاعرها سليل ملاحم فصحى سيحلق بها في سموات.

·       في زحمة الكتابة، هل ثمة أسماء تشدك إلى عوالمها؟

ثمة أقلام شعرية في قصيدة النثر السورية تشد وتفاجأ، وتسحر، ندى منزلجي، فاتن حمودي، رشا عمران، أيمن مارديني، نجم الدين السمان، والأخيران أيمن ونجم روائيان لكن فاجأا بقصائد نثر ملحمية لم يكتبها الشعراء، على درجة عالية من الإبداع والرؤيا والملحمية، مها بكر، أفين إبراهيم، سليم بركات، ولقمان ديركي، منذر مصري، أضيف مرام مصري، صلاح الصالح.

وقد صدر في باريس كتاب أنطولوجيا الحرب والحرب، لمئة شاعر وشاعرة سوريين، جمعته الشاعرة مرام مصري لقصائد ونصوص صدرت باللغتين العربية والفرنسية، بتوقيع رئيس فرنسا ميتران.

قصيدة النثر هي نخلة الرمل واستخلاص ذرات الذهب من الرمل والتثر، وصهرها، وصياغتها فناً، الماغوط، أنسي الحاج في الرسولة، بول شاؤول، سرغون بولص، سيف الرحبي، جوزيه حلو، جوزف دعبول، جمانة حداد، فاتن حمودي، بروين حبيب، جوزف صايغ، توفيق صايغ ساحر اللغة وشقلبة القارئ والقصيدة معاً.

·       الشاعر حسان عزت متفرغ للشعر منذ أكثر من عشر سنوات. هذا التفرغ كيف انعكس على غزارة الإبداع، بالتالي كيف تتجنب أن تكرر نفسك؟ وهل ثمة كتابة بدون ألم؟

التفرغ للشعر اضطراراً بسبب الحصار المفروض على السوري عموماً، وعليّ بشكل خاص، لا أعتبره حرية بقدر ما أعتبره مسؤولية مواجهة للحصار والموت وفسحة لتسبح فيها كلمات وأجنحة الحب والشعر المهدد بالموت…

الشعر هنا لا يتخلى عن اللعب، لكن يرقص باعتباره القدح الأخير في رقصة الموت،

يطلق كما الحلاج صرخته الأخيرة وهو يعبّر عن حال شعب إلى الموت:

اقتلوني

وأنا أصرخ في الفضاء كله،

يا كون

يا سما

يا أرض، ولا أحد، لا أحد.

تلك هي الجمرة التي بعدها لا كلام.

·       توقفنا عن مراحل شعرية في تجربتك، الزمهرير مرحلة، التجليات وشجر الغيلان، وغيرها… برأيك هل ثمة مراحل في التجربة؟ ما هي ملامحها على مستوى اللغة، وطبيعة القصيدة؟

الكتابة الآن غير الكتابة قبل أكثر من ثلاثين عاماً، وأنا مقدم على الانتحار في كلية المدرعات أؤدي خدمتي الاجبارية، وكل أصدقائي في الأسر والمحرقة، ولم يكن أمامي إلّا رقصة المذبوح بين اختناق ومطر، أكتب، أهذي، أرقص… أسمع الموسيقى، أسمع الملائكة… يا طير كارمن، كونشيرتو اراخويز، عصفور النار، عبد الباسط، خوليو، ماريا كالاس، كارمينا بورانا، الأوديسا، ايرين باباس، زوربا، مذابح فلسطين وسوريا والغجر شرق المتوسط… والكون المغتلي بصباحات الضباب الدامي.

أرقص، أبكي، أعي لا أعي، وأنا مدجج باحتباسي وبدلة الجندية والاصطفاف الصباحات قبل كل شحاذي الأرض؛ لنؤدي تحية العلم، كمحكومين بالإعدام قبل الرمي. كيف لا أعانق روح لوركا وهو ينظر إلى حبيبته القمرة، وهو تحت طلقات الرصاص.

الكتابة المحمومة، بلا ترتيب، الكتابة المعادلة لانسلاخ الروح وبلد على هاوية إبادة. الكتابة بلا ألم، مَن قال أنّ الألم ملاءة كون نتغطى بها طيلة الوقت؟ الألم نسبي، قصير كالطلقة، كاشتعال النار، والألم واقعي واستعاري، حقيقي وشعوري. الألم برق وقصف ورعد واحتباس وزمهرير حمّى وموت. الألم أنا، أنت، أهلنا الذين غيبوا والذين غابوا. الألم شعبنا أرضنا ضحايانا. الألم كوكب الأم الأرض… الكوكب الألم هو ما نكتب ونحترق حطاماً، الألم حروفنا السوداء وأرواحنا بألف لون وطائر ملون مقتول، الألم جحيم ونايات مخنوقة. وتقولين الكتابة بلا ألم… وكل هذا الجحيم المنصوب في القصيدة وكل هذه الجراح.

·       بين «شجر الغيلان»، و«سباعية خلق» أكثر من ثلاثين عاماً، تجربة كتبت بأماكن وأزمان مختلفة، حدثنا هذه التجربة.

في الشعر موت وولادة وما بينهما مرحلة الضوء وللهفة وأول تحولات الوبر، بشراسة ولد بري خجول قرأ القرآن والشعر الجاهلي، والشعر العربي والجنبي، والكردي المترجم،  وأراد أن يقول بعد عجاف التمارين وتقليد الكبار.

كتبت «شجر الغيلان في البحث عن قمر»، ميرلادا وداعاً وجبيل والغربة قصيدة حب تحمل رائحة بيبلوس لبنان، «أيتها الغجرية البكر متى تلامسين شفتي؟»، وخلية الكوكب وشهادة المغني بتلويحة الفصول، بالغزال الاسكندراني، حيث اللغة العصية الغالبة والحالمة والحنون، كنا نجرب بعد أن قرأت تجارب كثيرة، درويش وآنسي الحاج والماغوط وسليم بركات…

والكتابة بنزف التجليات، والموقف من كراهية تلفّ كلَّ شيء إلى خلاص بالمطهر، وفي البدء كان الحب، ثم الحرب والكراهية، وبعد خدمة الجيش الإلزامي، كتبت «الزمهرير»، طائر الأوقات العاصية وأنشودة الجندي، قصائد مكثفة، مختلفة كلياً عن التجارب السابقة، بعد ذلك «جناين ورد»، نصوص وقمر، ووردة الشبهات، وعمل شعري للأطفال «حواري الورد».

وفي الغربة التي تمتد عشرين عاماً، كتبت الكثير من النصوص والقصائد، المساورات، وسباعية خلق، وفيها قصائد ملحمية، ترنيمة نقار الخشب، زهوة الماتادور، لا أعرف صوغ الكلام، بوليرو الحب والحرب، وغيرها، هنا كان للقصائد انزياح آخر نحو الكوني، والأسطوري، والحب والحرب، في مساحة الرمل وتشقق الذات تحت حربة قراصنة تحاول اغتصاب لوكريتس، وهنا بمقبرة النخيل ووردة الرمل ولا أعرف صوغ الكلام، بالربيع الذي تأخر دهوراً ولم يفاجئ الشاعر وفاجأ الناس وطلع بأعراس دم، وهنا اختلاط الصحو بالنوم بالولادة بالقتل بالإبادة الملاحم بالسونيت العامية بالفصحى بالسيمفوني بالمارشات بالمطري بالعشقي التفعيلة بالموسيقا الجنائزية، ودائماً معبديات الحب والروح والحياة…

·       أين نحن الآن، ولا سماء نقف تحتها؟

أكاد أصحو من حلم طويل، طويل بعد ألف كورونا مرئية وفاجعة، على كورنا صامتة تشمل الكوكب، ويتحقق معها انفراط الحلم السوري وانطراشه على كل جدران كوكب الأرض بكورنا لا تنفع معها كل الأسلحة والمبيدات، وأنا ما زلت أحمل ناي الأبد المكسور، وأقول صباح الشام يا وردة التاج بنت الحمودي، وأنا لا اعرف صوغ الكلام سيدتي، وما زلت إلهاً صغيراً يُتأتئ بشفتيه، ويغني، وهدهد لها بالأغاني، ونحن نعيش في عالم على كبره هو أشبه بقرية، وها هي الكورونا تؤكد، والأسئلة الكبرى والقلق الإنساني وما يهدد الجنس البشري وأمنه وسلامه واحد، فلماذا الترجمة؟ ولماذا لا أرى ماركيز عربياً؟ ونيرودا معلماً؟ وفي الشعر الإنساني والأممي، ولوركا صنوان روحي وشقيقي، ودرويش رفيق درب التطلعات والروح…؟ ولماذا لا أرى السينما وكل فن؟ وهذا لا يعني الانخلاع عن خصوصية وملامح ثقافة شخصية لكل إقليم ولكل شعب، وأبداً لا أحد يستهين بما وصل إليه الشعر العربي من تجدد وإبداع، وإن كان المناخ الآن يعبر عن أزمة فنون لأن كل المناخ لدينا مأزوم، ونعاني من حرب إبادة ومواجهة انقراض أمة، إن لم تنتهِ من حروب وكالة، وتنهض بمشروع كلي.

أما عن القصائد التي تستعاد بقراءات لتفهم، فالمتعة لا تعريف لها والشعر مطلق، والفهم نسبي، والشعر كالموسيقا ليقرأ ويستعاد، كالعشق والمرأة والفضول، والمقامرة والعبادة وآي الذكر، لينقلنا إلى سماوات لا تطال ويرفع ذوقنا ووجداننا الى جنات لا ترى.

نصوص العشق عندي كالمساورات، وكمن يحرس الورد، وبوليرو الحب والحرب وزهوة الماتدور، ترنيمة نقار الخشب، وشرفات الخلق، وعشرات الأناشيد، أشعر بأنها ستكون كالخمر، والفردوس البكر وتصبح خمراً لأنها جديدة لي ولغيري، وأشعر وبكل صدق كأن أحداً أعلى ومرفوعاً كتبها.

وهنا أتذكر ما قاله لي الشيخ العلامة حسين شحادة، الذي طبع لي كتابي التجليات: «أنت تغرف من البحيرات التي غرفت منها النبوة».

 عندما نستطيع تحويل حياتنا وآلامنا بكل تفاصيلها إلى أغنيات نكون وقتها قد اقتربنا من الطريق الصحيح، وهنا أذكر مقطع من ترنيمة نقار الخشب، تصف الشاعر الذي يتحوّل إلى مسرحي فيرقص يرقصه الكياني:

«يقولون أنه كان يبرّحُ به الشوقُ، والوجدُ يضنيه، كان يشعل في كوخه العود والندّ، ويتماهى في حضرة الحبيب على ترتيل عبد الباسط وأناشيد الميلاد، وعلى وقع القياثر يروحُ يرقص رقصه الكيانيّ، فيضرب الأرض بقدميه حتى تهتزّ من تحته الأرض فتتطاول وتتطاول، ويرجّ بيديه السماء فتنخفض وتدنو حتى تعانق الأرض، ثم يروح يصلي رقصاً، ويرقص دمعاً وشجواً، حتى ينزل المطر سبعة أيام، فيأخذه الحال، فلا يعرف الليل من النهار، ويشفّ حتى يصبح مثل رقاق المزاهرٍ، ويتهاوى سكران مثل ورق خريف ساقط».

————————-

الحكي سوري – حسان عزّت.. الشعر في مواجهة النظام السوري

——————————

مية هلا – الشاعر “حسان عزت”: علي فرزات شاعر الصرخة الأولى 11 – 12 – 2018

——————————-

حسان عزت يلقي قصيدة “يد الشاعر” في صباح الخير يا عرب

——————————-

الطريق الى دمشق مع الشاعر حسان عزت

——————————-

==========================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى