أبحاثتشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوع

بين الدولة والسلطة صراع المؤسسات والأفراد/ حسان الأسود

 

2025.07.20

نشأت الدولة عبر تاريخ البشرية من الضرورة، فالتنظيم الذي هو ميزة الكون، أخذ مع الإنسان بعدًا أساسيًا فارقًا ولعب دورًا رئيسًا في تمايزه عن بقيّة الكائنات الحيّة. بدأت البيروقراطية مع توزيع العمل ضمن نطاق الأسرة الصغيرة، فكان لكل فرد فيها أدوارًا محددة تختلف مع موقعه فيها ودوره الإنتاجي وعمره. ثم عمّت هذه التراتبيات والتقاليد الجماعة الأكبر، فصارت جزءًا من تكوين القبيلة أو المجموعة السكانية المحددة. وبعد تعقّد العلاقات وتزايد المصالح وتشابكها باتت الحاجة مُلحّة لوضع القواعد القانونية الملزمة، ومن العرف الذي ساد بين أفراد الأسرة ثم الجماعة الأكبر، نشأت القواعد التي شكّلت مع الزمن قوانين وضعية ارتضتها أقوامٌ وشعوب وسارت عليها وطورتها، حتى أصبح بعضها جزءًا أصيلًا من بنية تعاقدية إنسانية رسخت في ضمير البشرية جمعاء.

من الحاجة للتنظيم نشأت المؤسسات، وهذه تطوّرت من أفكار بسيطة لتصبح هياكل مجرّدة عامّة تعمل وفق آليات داخلية ما فتئت تزداد تعقيدًا مع تطوّر العلوم واتساع الآفاق والأفكار. صار للدولة مع الزمن مؤسسات لا تقوم إلا بها، وإلا لما جاز لنا إطلاق وصف الدولة عليها بافتقادها. من ذلك مؤسسات السلطة السياسية التي تتمثل بالحكومة والبرلمان، ومنها مؤسسات الإدارة التي تتمثل بأجهزة القضاء، ومنها مؤسسات فرض القانون وحفظ الأمن وصيانة كيان الدولة كالجيش وأجهزة الأمن والشرطة. وخلال مسار تطوّر الدولة نشأت أيضًا مؤسسات متمايزة عنها، أي لم تكن جزءًا من بنيتها الإدارية، لكنها كانت بالوقت ذاته متداخلة معها في أداء بعض المهام والوظائف التي تخرج بطبيعتها عن تصنيف مؤسسات الدولة. كذلك كانت تلك المؤسسات متمايزة عن المجتمع الأهلي التراحمي، أي أنها لم تقم على علاقات القرابة والنسب. هذه هي مؤسسات المجتمع المدني التي قامت بالأساس على روابط المصلحة المشتركة، ونجد جذورها في طوائف الحرف والمهن الصناعية والتجارية وفي جمعيات المزارعين واتحادات طلبة العلم وصالونات النخبة المثقّفة. تحولت هذه جميعها مع الزمن إلى نقابات واتحادات، وتطوّر بعضها ليصير أحزابًا سياسية.

المشترك بين هذه التنظيمات جميعها أنها لم تأت بمعزلٍ عن الأفراد، ولم تسر من دونهم، فصحيح أنها تأخذ مع الزمن طبيعتها المستقلة وكياناتها المتفرّدة، إلا أنها تبقى مرتبطة بالأفراد بعرى لا يمكن فصمها. خلقت هذه الرابطة على الدوام عوامل توتر داخلي لا يهدأ إلا في حالات نادرة حيث تكون الغلبة لأحد الطرفين بشكل فجّ على الآخر. مصلحة المؤسسة تكمن دومًا بوجود القواعد واحترامها وسيادة القانون، في حين لا تتطابق مصالح الأفراد مع هذا المبدأ دومًا. ينزع البشر دائمًا لتوسيع نطاق صلاحياتهم ولفرض سلطتهم على ما حولهم وبين أقرانهم. طبيعة المؤسسات مختلفة من حيث هي هياكل افتراضية تقوم على التجريد، بينما الأفراد أشخاص من لحم ودم ومشاعر وطموحات وأطماع. تنزع الهياكل المؤسسية للاستقرار، بينما يسعى الأفراد للتمرّد، وتنحو المؤسسات دومًا باتجاه الديمومة، بينما الأفراد بطبيعتهم زائلون. تبقى المؤسسات، حتى لو مات الأفراد الذين أنشأوها أو عملوا فيها، وهذا هو السبب الرئيس في وجودها، أي ضرورة الاستمرارية رغم التحولات الطارئة استنادًا لطبيعة الأفراد الزائلين.

غالبًا ما تتأثر المؤسسات في أوقات الحروب والثورات والاضطرابات، فإما أن تقوى ويشتدّ تأثيرها ويتوسّع دورها كما يحصل عادة مع مؤسسات الجيش والأمن، أو أن تضعف وتخسر بعض الموارد والنفوذ كمؤسسات التعليم والفن والإدارة الناعمة عمومًا. في أوقات الاستقرار يكون للمؤسسات أدوارٌ أكبر، وفي أوقات الأزمات يبرز دور الأفراد ويتعاظم تأثيرهم. لكنّ ذلك غير مخصوص في تلك الظروف، بل يتعداها إلى الظروف الاعتيادية والطبيعية للمجتمعات والشعوب، والأمثلة على ذلك كثيرة، بعضها نراه في أقدم الديمقراطيات وأعرقها وأقواها، فالصراع بين مؤسسات الدولة والرئيس دونالد ترمب أفضل مثال على هذه الثنائية رغمّ أنّ الولايات المتحدة الأميركية لا تعيش ظروف حربٍ داخلية أو ثورة أو اضطرابات تخلّ بالنسق العام لوجودها. قد يكون الإصرار الشديد لدى النخبة الأميركية على البقاء في سدّة قيادة العالم أحد العناصر المؤسسة لصعود أفراد مثل الرئيس ترمب، لكنّ ذلك ينطبق بدرجة أو بأخرى على الانزياحات المتكررة بين المؤسساتية والفردية في عموم المجتمع، وهي بطريقة أو بأخرى تشمل الأحزاب السياسية وقوى المجتمع عمومًا.

في الشرق الأوسط ثمّة صراعٌ ظاهرٌ بين مؤسسات الدولة الإسرائيلية ونتنياهو، فالأخير يحاول الاستفادة من البنية المؤسسية حتى أقصى درجاتها ليعدّل عليها بحيث يبقى هو في سدّة الحكم. هذا وجه صارخٌ من وجوه الصراع بين الدولة الممثلة بالمؤسسات والسلطة المتمثلة بالأفراد. في الأنظمة الوراثية، ملكية كانت أم سلطانية أم أميرية، هناك تقاسمُ أدوار محسوب بدقّة أكبر، فالطبيعة الخاصّة بهذه الأنظمة، والقبول الشعبي بمشروعيتها يخفف الفوارق ويبرّد ساحات الصراع ويقرّب المصالح. في الدول الخارجة من أتون الحروب والثورات تدخل عوامل مجتمعية على ساحة التنافس بين المؤسسات والأفراد. ففي فترات ضعف الدولة من جرّاء الحرب أو الثورة أو الاضطرابات المجتمعية الممتدّة زمنيًا، يعادُ تشكيل بنى ما قبل الدولة لسدّ الفراغ. هنا تتدخل المؤسسة الدينية والمؤسسة العشائرية، كما تتنامى أدوار الطوائف والمذاهب باعتبارها عناصر ربط ومرجعيات هويّاتية في ظل تفتت الهُويّة الوطنية وتقطّع أوصال مجتمع المواطنة. يُضرب مثل العراق ومثل لبنان للدلالة على هذه الحالة. يمكن لنا أيضًا إيراد الوضع السوري الراهن مع بعض الفوارق، حيث هناك مؤشرات كبيرة على إعادة إنتاج مؤسسات الدولة وفق رؤية جديدة تمامًا تعجب فئة وازنة من الشعب، لكنّها لا تخلو من تحفّظاتٍ معقولةٍ ومنطقيةٍ وانتقاداتٍ هنا وهناك تتعلق بمخاوف احتكار السلطة لمصلحة فئة من دون غيرها، وهو الأمر الذي سيؤدي بالضرورة إلى احتكار الدولة وما تقوم عليه من عناصر تؤدي إلى احتكار الثروات وإعادة توزيعها بين أصحاب السلطة في النهاية. مصالح الفئات المختلفة في المجتمع هي التي تحدد في النهاية اصطفافها وراء الدولة بوصفها منظومة مؤسسات، أم وراء السلطة بوصفها منظومة أفراد.

اليوم نجد الحالة العربية عمومًا والسورية خصوصًا مثالًا مُعاشًا حول أدوار بنى ما قبل الدولة في إدارة دفّة الصراع المجتمعي، هذا الصراع الذي بدأ سياسًا حين انتفض الناس ضدّ حكم الدكتاتورية، تحوّل عسكريًا بين فرقاء داخليين وإقليميين ودوليين مع الأيام، ثم بدأ يتحوّل الآن إلى صراع واحتراب يقرب من أن يكون قبليًا أو طائفيًا، وقد يتطوّر ليصبح قوميًا أيضًا. ما الذي يعنيه أن ينتصر قسمٌ وازنٌ من الدروز في العالم لدرزيتهم ويهبّوا للدفاع عن الطائفة في السويداء، وما الذي يعنيه أن تهبّ العشائر ليس في سوريا فحسب، بل في الأردن والعراق والخليج لنصرة أقاربهم هناك؟ هذا شكل من أشكال النكوص عن الدولة باعتبارها إطارًا مجرّدًا من الدين والطائفة والمذهب والقومية والذهاب إلى العصبة الأصغر التي تجمع المتماثلين (بنظر أنفسهم) فقط. هذا يعني الابتعاد عن مشتركات المواطنة الآمنة والاقتراب من هاوية الطائفية والمذهبية والقومية الخطرة. يبقى الصراع بين الدولة والسلطة في النهاية صراعًا طبيعيًا ومفهومًا، ويبقى التوازن بين المصلحة العامة ومصالح الأفراد هو الناظم النهائي لبقاء المجتمعات وتطورها، ويبقى التوازن بين العام والخاص معيارًا أصيلًا من معايير بقاء المجتمعات وتقدّمها، لكنّ الأمر يتحوّل إلى حروب أهلية لن تبقي ولن تذر إذا انتصرت السلطة العارية الممثلة بالسلاح المتمترس خلف العقائد، على الدولة الكلّية المستندة لفكرة المواطنة المتساوية بغض النظر عن الدين والقومية والطائفة والمذهب.

تلفزيون سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى