تحوّل جذري في العلاقات السورية ــ الخليجية… دمشق الجديدة باتجاه الانفتاح والتطبيع/ عمار عبد اللطيف

سوريا تعود إلى العرب: تحولات إقليمية ترسم ملامح “دمشق الجديدة
2025-07-19
تشهد العلاقات السورية ـ الخليجية تحولاً جذرياً منذ سقوط النظام المخلوع في كانون الأول/ ديسمبر الماضي، ووصول الحكومة الجديدة إلى الحكم، هذا التحول لا يقتصر على إعادة تفعيل المصالح الثنائية الضيقة، بل يتجاوزها إلى إعادة رسم موقع سوريا في المشهد الإقليمي الأوسع، ضمن رؤية تتلاقى فيها مصالح الدول الخليجية واللاعبين الدوليين وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الأميركية.
وتسعى دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية وقطر والإمارات، إلى تعزيز دعمها للحكومة السورية الجديدة، وسط تساؤلات متصاعدة حول طبيعة هذا الدعم، وما إذا كان يأتي في إطار تحالفات إقليمية جديدة تتقاطع مع الدور الأميركي المتجدد، بل وتتماهى مع مسارات مثل اتفاقات “أبراهام”، والتي كثر الحديث عن احتمال انضمام سوريا إليها خلال الآونة الأخيرة.
وتطرح هذه التطورات أسئلة كثيرة، منها هل نشهد اليوم بداية إعادة دمج سوريا في النظام العربي وفق شروط ومعايير مختلفة، وهل يمكن أن تصبح دمشق الجديدة جزءاً من منظومة تطبيع إقليمي يُعاد فيها تشكيل التحالفات على أنقاض النظام القديم الذي حكم سوريا لعقود.
عودة إلى العمق العربي
ويرى وائل علوان، وهو محلل سياسي سوري مقيم في مدينة إسطنبول التركية، أن الدول الخليجية وخاصة السعودية وقطر والإمارات كانت دائماً حريصة على استعادة سوريا لمكانتها في العمق العربي، لكن التوترات السياسية التي تراكمت على مدى عقود، منذ وصول حزب البعث إلى الحكم، ثم ما تبعها من ارتهان النظام السوري لمحور طهران، أفضت إلى قطيعة سياسية تعمقت في عهد الرئيسين حافظ وبشار الأسد، فقد اختار النظام طيلة سنوات، التموضع ضمن المحور الإيراني، ما أثار حفيظة دول الخليج التي كانت تسعى إلى احتواء نفوذ طهران في المنطقة.
ويضيف المحلل السياسي السوري في حديث لـ”963+”، أن سقوط النظام المخلوع جاء ليشكل من منظور خليجي وإقليمي فرصة تاريخية لإعادة تموضع سوريا ليس فقط على مستوى الداخل، بل أيضاً ضمن خارطة التحالفات الإقليمية والدولية، ومن هذا المنطلق بدأت دول الخليج وتركيا العمل على تحفيز انتقال سوريا من مشروع الاستثمار في الفوضى إلى مشروع الاستقرار والتنمية، بما ينزع فتيل التمدد الإيراني الذي طالما ربط طهران ببيروت مروراً ببغداد ودمشق.
رؤية للتنمية والشراكات
وفق هذا التوجه، تسعى الحكومة السورية إلى أن تتحول البلاد إلى دولة حليفة للدول الساعية إلى التنمية الاقتصادية والاستثمار وفتح خطوط النقل والإمداد، وبناء علاقات جيدة مع العمق العربي، والاتحاد الأوروبي، وحتى الولايات المتحدة، هذا الطموح لا يعبر فقط عن إرادة سوريا الجديدة، بل أيضاً عن رؤية خليجية تتلاقى مع المصالح الغربية، لإعادة استقرار المنطقة عبر دعم إعادة الإعمار واستعادة دمشق لمكانتها بوصفها دولة مركزية في الإقليم، وفقاً لما يذكره علوان.
ويشير، إلى أن هذا الدعم الخليجي المعلن سيأخذ في المرحلة المقبلة منحى تصاعدياً، وسيترافق مع رؤية استراتيجية تجعل من سوريا بوابة استقرار وتنمية وازدهار تنعكس آثارها على كامل المحيط الإقليمي.
ويؤكد، أن واشنطن كانت فاعلة في دعم إسقاط النظام المخلوع وتلعب دوراً محورياً في المرحلة الانتقالية الراهنة، إذ شجعت الولايات المتحدة حلفاءها في المنطقة، وخصوصاً السعودية وتركيا على دعم الحكومة السورية، في إطار مشروع إقليمي أوسع لإعادة تشكيل التوازنات، وبدأت مؤشرات الانفتاح الأميركي على دمشق الجديدة بالظهور خاصة من خلال رفع بعض العقوبات الاقتصادية، ما يُفسح المجال أمام تدفق الاستثمارات والدعم الدولي لسوريا.
ويعتبر المحلل السياسي وائل علوان، أن أحد الأهداف الاستراتيجية للمرحلة الجديدة يتمثل في دفع دمشق نحو التفاعل الإيجابي مع مسارات السلام الإقليمي، وتحديداً اتفاق “أبراهام”، وهنا تبرز فرضية إدماج سوريا ضمن هذا الإطار، شريطة وجود ضمانات وآليات التزام جماعي بعملية السلام ما يتطلب إعادة هندسة الموقف السوري من إسرائيل، وفق رؤية عربية وأميركية مشتركة.
التطبيع آت لكن مؤجل
وأظهرت التحركات الأميركية في المنطقة عن وجود مشروع أميركي في المنطقة بدأ من خلال توجيه ضربات إلى “حزب الله” اللبناني، ودعم إسقاط النظام في سوريا، وسيتواصل لاحقاً عبر ممارسة ضغوط إضافية على الفصائل الموالية لإيران في العراق واليمن وسوريا.
بينما يؤكد اللواء د محمد بن صالح الحربي، استاذ الدراسات الاستراتيجية والعلاقات الدولية، المقيم في العاصمة السعودية الرياض، أن ملف التطبيع مع إسرائيل لا يزال سابقاً لأوانه، في ظل أولويات داخلية قصوى لسوريا الجديدة، أبرزها إعادة مشاريع البنى التحتية وإطلاق خطة شاملة لإعادة الإعمار، وتأمين عودة المهجرين واللاجئين إلى ديارهم.
ويشير، إلى أن صفحة النظام المخلوع قد طويت وتُفتح أمام دمشق الجديدة نافذة لإعادة التموضع في المشهد الإقليمي، والعودة إلى الحاضنة العربية بهوية متجددة، وأن الموقف الخليجي من الحكومة السورية الجديدة لا يبدو مجرد عودة إلى الوضع السابق، بل هو محاولة لإعادة هندسة الدور السوري على أسس جديدة، تستند إلى منطق “الاستيعاب الإستراتيجي”، بما يحوّل سوريا إلى ممرّ آمن لإعادة تشكيل تحالفات المنطقة، ضمن مشروع “الشرق الأوسط الجديد”، كما تراه الرياض وأبو ظبي.
ويقول أستاذ الدراسات الاستراتيجية والعلاقات الدولية، إن الانفتاح الأميركي على دمشق الجديدة لم يكن ليتحقق لولا تغيّرات عميقة في الحسابات السياسية، انطلقت من بوابة اقتصادية وأمنية، وهو ما منح العواصم الخليجية الغطاء اللازم للتحرك ودعم سوريا الجديدة دون تردد.
ويعتقد أن سوريا ستعود اليوم إلى العرب ولكن ليس كالدولة القديمة، بل كفاعل سياسي جديد تُعاد صياغة هويته ووظيفته ضمن نظام إقليمي يعاد تشكيله على أنقاض مرحلة امتدت لعقود قد تكون هذه العودة بداية اندماج بنَفَس جديد، تتقدم فيه سوريا نحو المستقبل بخطى مختلفة، ووجهة أكثر اتساقاً مع التحولات العميقة التي يشهدها الشرق الأوسط.
وكانت أولى الزيارات الخارجية للرئيس السوري أحمد الشرع إلى المملكة العربية السعودية في 2 شباط/ فبراير الماضي، حيث استقبله ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في العاصمة الرياض، في زيارة حملت رمزية سياسية عالية في توقيتها ومضمونها.
وجاءت زيارة الشرع إلى السعودية في ظل تحركات خليجية نشطة باتجاه دمشق، إذ سبق زيارة الرئيس السوري إلى الرياض، زيارة أجراها أمير دولة قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، إلى دمشق في 30 كانون الثاني/ يناير الماضي، وهي أول زيارة لزعيم عربي إلى سوريا بعد سقوط النظام.
+963



