حين تصبح البراغماتية مقتلاً/ ماهر اسبر

الأربعاء 2025/07/16
في قلب الجغرافيا المعقدة للشرق الأوسط، تتموضع سوريا كحيّز جغرافي ملغّم، مشبّع بعُقَدٍ تاريخية وإثنية وطائفية وسياسية واقتصادية متراكبة، تحوّلت على امتداد العقود إلى شبكة متداخلة من التصدعات والاستقطابات، يصعب على أي فاعل سياسي تجاهلها أو اختزالها في مقاربة مبسّطة. هذا التشابك البنيوي المعقّد لا يُختزل في تداعيات الحرب الأخيرة أو في مسؤولية نظام واحد، بل هو نتاج لتراكمات طويلة الأمد، تداخل فيها الإرث العثماني مع خرائط الانتداب، وتشابكت فيها حكومات الاستقلال مع دكتاتوريات البعث، واختلطت السرديات الوطنية بالدينية، كما تداخلت المصالح الإقليمية مع الأجندات الدولية. من هنا، فإن أي محاولة لحلّ “المسألة السورية” دون إدراك عميق لهذا التشابك البنيوي، ستقع حتماً في فخ التبسيط المخل، وستكون مهيأة لإعادة إنتاج الكارثة نفسها، وإن بأسماء جديدة وأقنعة مغايرة.
إن الموقع الجيوسياسي السوري، الذي طالما وصفه المستشرقون بأنه نقطة الالتقاء الحضاري، تحوّل فعلياً إلى لعنة جيواستراتيجية على من يسكن هذه الأرض. لا هو معبر محايد، ولا هو دولة مكتملة السيادة، بل مفترق طرق مزدحم بالمصالح المتضاربة لقوى محلية وإقليمية ودولية، تُنتج اشتباكاً دائماً بين الداخل والخارج، وبين بنية مجتمعية مأزومة مشحونة بالانتماءات الإثنية والطائفية، وبين طموحات جيوسياسية متنافرة للجماعات السورية ذات الامتدادات العشائرية والدينية العميقة، من العرب إلى الكرد، ومن الدروز إلى الشيعة والسنّة. وهذا بالتحديد ما يجعل من الملف السوري، لا مجرد “أزمة وطنية”، بل واحدة من أعقد قضايا النظام الدولي بعد الحرب الباردة.
في هذا السياق المعقّد، برزت السلطة الجديدة بقيادة أحمد الشرع، ساعيةً لتقديم نفسها كامتداد للثورة وبانية محتملة لدولة المستقبل. غير أن بنيتها السياسية والاجتماعية ليست سوى إعادة إنتاج لمنظومات الاستبداد المشرقي، وإن تزينت بأدوات أشدّ مرونة.
ومنذ لحظات تشكّلها الأولى، لم تُخفِ هذه السلطة اندفاعها نحو نسج علاقات براغماتية مع مختلف القوى، وفي مقدمتها إسرائيل، التي سرعان ما يُرفع بوجهها “كارت خطاب الممانعة لا غيره”، عند كل قصف جديد لمقارّهم ومواقعهم، كما حدث اليوم، في تناقض فاضح بين ما يُعلن وما يُمارس.
وبينما تمتلئ صفحات الإعلام بخطابات التخوين والتنديد بـ”المتعاونين مع العدو”، تشير كل الأخبار الموثوقة، فضلاً عن شهادات دبلوماسيين وفاعلين دوليين، إلى سلسلة من المبادرات السياسية، والاتصالات العلنية والسرية، التي امتدت من باريس إلى برلين، ومن عمّان إلى واشنطن، وكلها تحمل الرسالة ذاتها ـ نحن على استعداد لتقديم كل ما يُطلب منا مقابل اعتراف سياسي، أو دعم دولي، أو حتى لمجرّد إشارات رضا إقليمي تعيننا على تثبيت سلطتنا.
اللافت، وربما الكاشف عن منطق مقلوب في قراءة العلاقات الدولية، أن الشرع ومبعوثيه قدّموا عروضاً للخدمات لم يُطلب معظمها منهم أصلاً. لم تكن تلك العروض جزءاً من مفاوضات متكافئة، بل بادرة استباقية، تستبطن وهماً شائعاً بأن الإفراط في المرونة سيُكافأ بالاعتراف. وقد نُقل عن بعض المقربين من دوائره أنهم فهموا إشارات غامضة من الجانب الإسرائيلي حول “رغبة في ترتيبات إقليمية جديدة”، فسارعوا إلى تأويلها كدعوة ضمنية للتعاون الكامل، وقاموا بترجمتها إلى أفعال من طرف واحد “يدرج ضمنها الهجوم على السويداء”، في غياب أي تعهّد مقابل. هذا النوع من البراغماتية المفرطة لا يُبنى على وعي استراتيجي أو يستند إلى مشروع سياسي داخلي جامع أو قاعدة وطنية حاضنة، بل على قراءة “أمنياتية” لوقائع لا تتحقق.
فإسرائيل، رغم تاريخها السياسي المتقلب، لا تنظر إلى سوريا من زاوية صفقات آنية أو تبادلات ظرفية، بل من زاوية أمن استراتيجي طويل الأمد، حددته عبر تجاربها ومواجهاتها طوال عقود، وعلى طول الإقليم امتدت عملياتها العسكرية من تونس في المغرب العربي إلى شرق إيران في وسط أسيا. وتخلص هذه التجارب إلى استنتاج واضح لأي مراقب. أن الأنظمة الطائفية أو المليشياوية غير المستقرة -سواء رفعت راية الإسلام السياسي أم راية المقاومة القومية- لا تصلح شركاء في الاستقرار، حتى لو بدا ظاهرها منضبطاً، أو تخلّت تكتيكياً عن شعاراتها المؤدلجة.
إن الخطر، في نظر إسرائيل، لا يتجسّد فقط في خطاب العداء، بل في الفوضى التي قد تنجم عن “التمكين” السياسي لأطراف مؤدلجة، ذات بنى طائفية غير قابلة للتنبؤ، ولا خاضعة لأي منظومة مساءلة. وهذا ينطبق تماماً على الحالة السورية الراهنة، التي لا تطرح فقط خيار سلطة دكتاتورية مستندة إلى شبكة مذهبية، بل أيضاً تهدد بتفكيك البلد إلى كانتونات طائفية وإثنية متنازعة. وبين دكتاتورية هشة لا يمكن الوثوق بها، وديمقراطية ناشئة تحمل عداءً مستتراً أو معلناً، يبدو أن إسرائيل (حتى اللحظة) تُفضّل استمرار حالة اللااستقرار المُسيطر عليه، دون تمكين حقيقي لأي طرف، إلى أن تظهر صيغة تحكمها مؤسسات واضحة، ويصوغها دستور يتجاوز الانتقام والهيمنة، ولا يكون معادياً لها بحال من الأحوال، إن كان تحقيق هذا الأمر ممكناً يوماً ما.
يتفاقم الانكشاف البنيوي حين ننظر إلى خارطة السيطرة داخل سوريا : شرق ممزق تحت سلطة قوات سوريا الديمقراطية بدعم أميركي، غرب ساحلي بحضور ديمغرافي مسيطر لأبناء الطائفة العلوية، والتي صدمت بعد ارتكاب مجازر بحقها، وتم إستئصالها مع نخبها تماماً من أي دور سياسي أو موقع في الدولة المستقبلية، بل وشيطنتها في خطاب السلطة الجديدة على نحو يذكّر بأنماط من الإبادة الرمزية، وجنوب درزي بتشابكاته مع الأردن ولبنان وإسرائيل، يتعرض اليوم لهمجة هجمية طائفية ولدعوات إبادة معلنة تسد أفق السماء السوري، فضلاً عن الامتدادات العسكرية لكل من روسيا وإيران وتركيا. في ظل هذا التشظي، لا يبدو أن سلطة إسلامية طائفية حتى في أكثر صورها “الاعتدالية” المزعومة قادرة على توفير الحد الأدنى من الاستقرار أو توقيع اتفاقات سلام يُعوَّل عليها. فالمجتمع الدولي، وفي قلبه إسرائيل، يبحث عن طرف شرعي، دستوري، يقبل بها ويمكن مساءلته أمام شعبه والعالم، لا مجرد بنية تسلطية مموّهة بشعارات دينية وخطابات براغماتية جوفاء.
هنا تتعاظم المفارقة، السلطة الجديدة التي لم تتحصل على شرعية داخلية، وتبالغ في براغماتيتها عندما تسعى إلى تقديم أوراق اعتمادها للغرب، تعود لتجلد غيرها بتهمة العمالة للخارج او لاسرائيل حين يُرفض عرضها أو يقدّم غيرها عليها، كما يحدث مع الأكراد في الشرق أو الدروز في الجنوب، فتلجأ إلى التصعيد الخطابي ضد إسرائيل و”الخونة والمتآمرين”، في حين أنها في الوقت ذاته، تُظهر استعداداً غير محدود للتخلي عن كل الأوراق الوطنية مقابل اعتراف جزئي أو دعم مؤقت لها دون غيرها.
ولتكتمل دائرة البؤس السوري، فإن المأزق لا يقتصر على البنى السياسية أو المؤسساتية، بل يمتد عميقاً إلى جوهر الوعي السياسي السوري نفسه، الذي لم يخضع حتى اللحظة لأي مراجعة جذرية، خصوصاً فيما يتصل بإسرائيل.
فقد تشكّل هذا الوعي، على امتداد عقود، ضمن سردية دينية/قومية صلبة، صورت إسرائيل “كشيطان أنطولوجي” وشرٍّ مطلق لا يمكن التعامل معه إلا عبر الإبادة أو المقاومة اللاهوتية، مما أغلق الباب أمام أي تأطير عقلاني للعلاقة، حتى على أسس مصلحية واضحة، وأيضاً بعيداً عن الانزلاق في خطاب التطبيع المجاني أو التواطؤ السياسي.
ولعل ما جرى في غزة مؤخراً شكّل ـ رغم فداحته ـ فرصة موضوعية وضرورية لطرح سؤال تأسيسي طال تأجيله. كيف يمكن لسوريا أن تعيد تعريف موقعها من إسرائيل، لا باعتبارها عدواً أزلياً فحسب، بل كفاعل إقليمي محوري لا يمكن القفز فوقه في أي معادلة استراتيجية واقعية؟
هذا السؤال لا يخصّ إسرائيل وحدها كطرف خارجي، بل يرتبط عضوياً بإمكانات تأسيس الدولة السورية ذاتها، لأن بناء أي مشروع وطني حديث يفترض بدايةً وضوحاً في تعريف الذات ـ من نحن؟ ما هي هويتنا؟ ما هي حدودنا، مصالحنا، ومجالنا الحيوي، وهو ما يفرض بالضرورة تحديد من هو العدو، من هو الخصم، من هو الحليف، وأين تقع مصالح البلاد ضمن توازنات الإقليم وتحولات النظام الدولي، لا وفق انفعالات العقائد.
وبرغم تباين المواقف تجاه إسرائيل بين دعوات للاعتراف والتحالف، ونداءات إلى الإبادة والرمي في البحر، لم ينتج عن هذه التذبذبات أي استراتيجية ناضجة أو موقف واقعي أوعقلاني ناضج، بل كرّست حالة من العجز السياسي، والقصور في تحديد أولويات الأمن القومي.
واليوم لم يعد مجدياً أمام هذه المعضلة المتعلقة بالموقف من إسرائيل اعتباره مسألة شعاراتية، فهذا الموقف يرتبط بمسائل وجودية جوهرية ـ ما هي سوريا؟ ما هي مصالحها؟ كيف تفكر بحدودها، بأمنها، وبعلاقاتها الخارجية؟ وكيف ستدير أي سلطة سيادية فيها موقعها المعقّد في ظل خريطة إقليمية يتغير فيها كل شيء؟
إن الهوّة السحيقة بين خطاب السلطة المؤقتة وممارساتها، تفرض إعادة تعريف الموقف من إسرائيل، لا كتنازل أيديولوجي، بل كشرط ضروري لإعادة هندسة العقل السياسي السوري، والخروج من أسر سرديات ماضوية بائسة وإنتاج مشروع وطني عقلاني. شرط يبدأ بإعادة صياغة مصالح السوريين أنفسهم عبر تعريف ما يحتاجه السوريون من دولتهم، عبر نقاش وطني صريح، يعيد الاعتبار للسيادة والمصلحة، دون التفريط بالعدالة ولا الانجرار إلى خطاب الكراهية المؤبدة. إنها لحظة تأسيسية تتطلب شجاعة فكرية، لا شعارات محفوظة.
كما أن هذا الواقع، في تعقيده وتشظيه، يفرض على الفاعلين الدوليين “وفي مقدمتهم إسرائيل” النظر بتمعّن إلى بنية الفاعلين السوريين المطروحين كشركاء محتملين. وفهم البنية النفسية والسياسية التي تحكم سلوكهم، لا الاكتفاء بالتعهدات الخطابية أو الأقنعة التكتيكية. فإسرائيل “كما هو معروف عنها” لن تقبل بتمكين جماعة لا يؤتمن جانبها، وتحديداً برأس كأحمد الشرع، الذي قدّم نفسه قائداً براغماتياً، لكنه يحمل في سلوكه النفسي والسياسي نمطاً بالغ الخطورة من تقلبات الهوية والانزياحات الأيديولوجية. إذ يُصنّف هذا النمط في علم النفس السياسي ضمن فئة الشخصيات “التحويلية الانتهازية” (Transformational-Opportunistic Personality)، التي لا تنبع براغماتيتها من حسابات عقلانية مستقرة، بل من هشاشة داخلية تُخفي تمركزاً مرضياً حول الذات.
ومن هنا يبدو الشرع ليس كفاعل سياسي يحاول التكيف بمرونة مع المتغيرات، بل كنموذج لشخصية تعيد تشكيل ذاتها تبعاً لموازين القوة، حتى لو تطلب الأمر إنكار كل ولاء سابق، بل وحتى الانقلاب على رفاق الأمس كما حدث معه طوال مسيرته، ابتداءً من البغدادي ومروراً بالظواهري، أو حتى انقلابه على رفاقه المؤسسين في جبهة النصرة، وتصفيته المعنوية أحياناً والمادية غالباً، لشخصيات منافسة بارزة في الفصائل الإسلامية.
من هنا، يصبح الحديث عن “تمكين” هذا النموذج، أو الاعتراف به كشريك، أمراً يناقض أبسط قواعد الاستقرار السياسي. فلا إسرائيل، ولا أي طرف دولي فاعل، سيغامر ببناء علاقة أمنية أو سياسية مع جماعة لا تؤتمن، تتغذى على تقويض خصومها من الداخل، وتحيا على بقايا الولاءات المهشّمة. أما خطاب التجديد والوطنية الذي يلوّح به الشرع بين الحين والآخر، فقد أثبتت المجريات لغاية اليوم بأنه ليس إلا قناعاً مؤقتاً، يخفي عمق العداء البنيوي لأي وعي وطني مستقل، ولأي مشروع دولة ذات مؤسسات حقيقية.
إن سوريا التي يمكن لها أن تدخل حيز السلام والاستقرار، لا يمكن أن تقوم على خطاب مزدوج، أو صفقات سرية، أو سلطات أحادية. بل تحتاج إلى عقد وطني شفاف، ينطلق من قاعدة اجتماعية حقيقية، ويُترجم إلى دستور عادل، ومؤسسات خاضعة للمساءلة. فدولة المستقبل لا تُبنى على الدهاء اللحظي ولا على وهم التفاهم مع الأقوياء من موقع الضعف، بل على الثقة بالنفس، واحترام التعدد، وبناء الشرعية من الداخل.
كما أن البراغماتية، حين تُفرغ من مشروع وطني أخلاقي، تصبح شكلاً من أشكال النفاق السياسي، وتفقد كل جدواها الاستراتيجية. وحين يفقد النظام السوري الحالي “بجميع أجنحته وأقنعته” قدرته على إقناع الداخل، فلن تنفعه صفقات الخارج، ولا تنازلاته من طرف واحد. فالشرعية لا تُعطى، بل تُنتزع عبر التمثيل الحقيقي الذي يؤدي للاستقرار بالضرورة. وهذا ما لم يفهمه بعد من يظنون أن أبواب الحكم تُفتح بتقديم الخدمات، لا ببناء دولة مستقرة.
المدن



