إشتباكات السويداءالتدخل الاسرائيلي السافر في سورياالمقاتلين الأجانب و داعش في سوريةتشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسةعن أشتباكات صحنايا وجرمانا

مأساة اتخاذ موقف في سوريا/ أحمد نظير أتاسي

اذا كنت مراقبا للاحداث في سوريا، في الماضي والان وفي المستقبل، وتشعر انك بحاجة لاتخاذ موقف (من قتل من ولماذا) فأنت في ورطة حقيقية. اذا لم تجعلك التفاصيل الغامضة تظهر بمظهر الجاهل، فالتعميمات ستتكفل بالباقي. واذا تغلبت على التفاصيل والتعميمات وكنت من العباقرة  فالاصطفافات ستقضي على ما تبقى من عبقريتك الفذة. هذا بالاضافة الى أثر الشلال الذي يؤدي الى تفعيل مستويات مختلفة من العلاقات من المحلي وصولا الى العالمي.

السويداء: مجموعة عشائر، بعضها بدوي وبعضها قروي من بني معروف (ثقافة متشابهة من ناحية العشائرية والنزعة الحربية والاهتمامات الاقتصادية). هناك ايضا ميليشيات وفصائل متعددة تابعة لاطراف لا تعرفها ولتمويل لن تستطيع الوصول الى اصله وفصله. والجميع يتحدث باسم طائفة، والجميع يدعمه تجمع من رجال دين. هذا الوضع موجود في كل مناطق سوريا، لكن تعقيد السويداء هو القدرة على ادعاء تمثيل طوائف. المليشيات ورجال الدين وقادة القبائل يتحدثون باسم مجموعات اكبر منهم، اولا مجتمعات السويداء، وثانيا امتدادات طائفية وعشائرية وقومية خارج السويداء.  بالاضافة الى ذلك هناك دولة متعثرة في دمشق تريد ان تفرض نفسها في هذه البقعة المنسية، ودولة قوية في اسرائيل ترى السويداء القاحلة نقطة استراتيحية. انها وصفة خطيرة. لكنك لا تزال مصرا على الواجب الاخلاقي في اتخاذ موقف

الحدث الاول: ايقاف سيارة شحن يزعمون ان فيها خضار. بالطبع انت لا تعرف ماذا فيها. المنطقة مليئة بالتهريب من المخدرات الى السلاح والخضار. فصيل بدوي (غير محدد) يوقف الشاحنة التابعة لفصيل معروفي (غير محدد). يتبع ذلك اشتباكات. ويتم تفعيل شبكة الفزعات والتحالفات. شبكة هائلة تتخطى حدود المحافظة، بقية فصائل الطرفين في المنطقة، رجال الدين، الحلفاء الاقليميين. لا احد يعرف عن الحدث اي شيء. ولا احد سيعطي اية تفاصيل من اجل الحفاظ على القدرة في التجييش.

التدخل الاول: اي تدخل لطرف ثالث بين طرفين سيزيد فرص الفوضى. هذه نظرية فيزيائية. حكومة دمشق التي تريد فرض سيطرتها في السويداء، وهي في هذا تريد فرض مشروع اكبر يتوقف عليه دعم الداعمين لان حكومة دمشق طرف في شبكة توازنات اقليمة اكبر منها بكثير، لكن تدفق الاموال يتوقف على اي طرف تختار. انها تعتقد ان هناك فرصة في المعمعة. لكن ما هي ادوات هذه الحكومة؟ انها حكومة هواة لا يملكون الا التجييش الطائفي وفصائل بيك آبات مع مضادات الطيران. وبكل ثقة يرسلون فصائلهم، غير المنضبطة، للتدخل واجبار احد اطراف الصراع القائم على الاستسلام لهم. كعادتهم، لا يعرفون الا ارتكاب المجازر، يرتكبون المجازر الطائفية. يعتدون على المدنيين. وخبراتهم العسكرية المفقودة تؤدي الى مقتل الكثير من الجنود الاغرار. عندها، وبما انها تزعم انها دولة، الجميع يبدأ بالاهتمام. انت عزيزي القارئ ومئات من المهتمين تريدون ايضا التدخل نصرة لقضاياكم التي لها او ليس لها علاقة مباشرة مع ما يجري في السويداء. عندها تبدأ معركة السرديات. الفصيل البدوي يصبح عندها سني، والفصيل المعروفي يصبح عندها درزي. طبعا فهذه هي اللغة التي تتحدثها الحكومة. يستفيق الناس على صور مجازر، وتبدأ الاصطفافات. اذا كنت درزيا ودمك حامي فأنت لا ترى الا الطائفة ككتلة واحدة وتريد حمايتها. واذا كنت سنيا او كنت تناصر الحكومة فانك ترى طائفة مارقة. كل انسان يرى مستوى التعميم المناسب له. بالطبع المليشيات المنخرطة في الحدث فجأة اصبحت تتكلم لغة طائفية، اصبحوا سنة ودروز وليسوا فقط مهربين واصحاب حواجز طيارة. هنا نرى فعل المعلومات الناقصة والتعميمات الخاطئة والاصطفافات.

التدخل الثاني: عندما يتفعل لاعب جديد فانه يؤدي الى تفعيل لاعبين محتملين من نفس الحجم والمقام. اذا تدخلت حكومة دمشق، ستتدخل حكومة اسرائيل. معركة التوازنات الاقليمية مستعرة في باكو ودمشق وانقرة وتل ابيب. الحكومة استخدمت الخطاب الطائفي المناسب لاهدافها، اذن ستستخدم اسرائيل الخطاب الطائفي المقابل، انها تدعم الدروز وتدعي حمايتهم. انها سلسلة عجيبة تشبه سلسلة التحالفات التي ادت الى الحرب العالمية الاولى التي اعقبت اغتيال الدوق النمساوي فرديناند في صربيا. اسرائيل تضرب قوات دمشق ومقر الاركان والقصر الرئاسي لترسل رسالة. ليست رسالة بخصوص التهريب والخضروات وانما رسالة بخصوص تحالفات دمشق التي لا ترضى عنها. الهجري يتدخل لان الدولة تدخلت على مستوى يستدعي تفعيل دوره. الهجري عنده ادواته التي تجمع تحالفه مع اسرائيل وموقعه كرئيس روحي لطائفة كاملة وكذلك داعم لمليشيات محلية. ادواته تشبه ادوات الحكومة، شوية تجييش للطائفة الدرزية، مع مطالب علمانية لا يفهم معناها، مع طلب تدخل عالمي مفهوم كتدخل اسرائيلي، الوصفة السورية. ويستفيد في الوقت نفسه محليا من خلال تصفية اعداء مليشياته في سوق التهريب. ويتفوق على منافسيه من مشايخ الدروز في تمثيل الطائفة المستهدفة. في هذه الحال النظرة الطائفية تفعلت ولا احد يرى الا خطرا وجوديا. ويتدخل المثقفون الدروز لنجدة الطائفة لكن بروح مثقفة فيتحدثون عن هجوم مغول العصر الحديث، ولا احد يفهم هل هم السنة ام فصائل الجولاني او البدو. المستويات اختلطت والتعميمات اصبحت القاعدة. ويتدخل مثقفوا السنة مدعين ان البدو سنة وان السنة تعرضوا للابادة وهم لم يدخلوا الى بيت بدوي غي حياتهم ولو كان العشاء خاروف.

النتائج غير المتوقعة: قلت ان اية لعبة بأكثر من لاعبين ستكون عرضة للفوضى. تدخل دمشق خلق مشاكل على مستويات عالية لها تأثيرات محلية. القصف الاسرائيلي اضطر قوات دمشق على الانسحاب لكن بعد ان ارتكبت مجازر طائفية. انسحاب هذه القوات اعطى دفعة من الثقة للمليشيات الدرزية (انها درزية الان) لتثبت وجودها، اولا كمليشيات تسيطر على السوق، ثانيا كقوة طائفية تدعي حماية الطائفة من حكومة دمشق، وثالثا كحليف محتمل لاسرائيل القوة الاقليمية المتدخلة. تبدأ هذه المليشيات بحملات تطهير ضد العشائر البدوية. بالطبع لا بد من قتل المدنيين مقابل المدنيين المقتولين في السويداء، وثانيا لا بد من الانتقام من عائلات المليشيات البدوية، عصفورين بحجر واحد. اطراف اخرى تراقب وخاصة حكومة دمشق فجعلت من قتل عائلات البدو مجازر طائفية بحق السنة اي الطائفة التي تدعي حمايتها. انه تكتيك قد يجعل الحكومة تحول خسارتها الفادحة الى انتصار معنوي. يقوم اعوان الدولة في كل المحافظات باخراج مسيرات “عفوية” لنصرة الحكومة والثأر للجنود المحليين الاغرار الذين ماتوا في السويداء. الناس تريد ان تذهب الى الجهاد، ضد من لا أحد يعرف، ضد الدروز ام الهجري ام اسرائيل ام الفصائل البدوية ام …. من يريد الدولة فالدولة في خطر، ومن يريد الطائفة السنية فالطائفة في خطر، ومن يريد ارضاء الدولة فهذه فرصة عظيمة. تحول الصراع الى سني درزي على مستوى الدولة وليس فقط على مستوى المحافظة.

فاذا كانت ادواتك البسيطة مجرد اتخاذ موقف او اصدار بيان (اذا كنت حزبا صغيرا تجيد لغة البيانات) فإنك في ورطة حقيقية: من هم الاوادم ومن هم الاشرار؟ اية لحظة بداية ستختار؟ وهل ستنظر الى المستوى المحلي ام الوطني السوري ام الاقليمي ام العالمي؟ وحتى على المستوى المحلي هل ستنظر الى شاحنة الخضروات ام الى الفصائل العشائرية ام الى الفصائل الطائفية ام الى المشايخ ام الى المتدخلين من مختلف المستويات؟ لكن انت لم تفهم ما يجري. لكنك تعتقد ان ١٤ سنة من الحرب الاهلية جعلتك تفهم خوافي الامور. لقد اكتشفت حقيقة الحياة وحقيقة الازمة. انها طبيعة الانسان الحقيرة، انها العشيرة الفلانية او الفصيل الفلاني، انها الطائفة، انها الدولة، انها المعارضة، انها اسرائيل، انها امريكا، انها يد القدر. انت تفهم وتتخذ موقفا وتخرج لنصرة هذا او ذاك وتزيد الطين بلة. خليك بالدم السوري، خطاب جيد، الدم السوري على السوري حرام. لا بأس، موقف وطني ويعطي رسالة جيدة ويدعم انتاج دولة تنظر الى مواطنين وليس الى طوائف. خليك في الدم السوري على السوري حرام، خليك اعقل من الجولاني واعقل من الهجري وبالتأكيد اعقل من الحاجز الطيار الذي بدأ المشكلة. انا متأكد ان احدهم سيعلق، “اصلا انت ما فهمان شي وعم تتحامل على جماعتي”.

الفيس بوك

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى