نصف عام على سقوط الأبد/ هبة الله بدر

17 يوليو 2025
ترسّخت الأبديّة الأسديّة في وجوه السوريين جَبْراً لا اختياراً، بسبب احتكار آل الأسد للسلطة التي تدّعي الجمهورية والديمقراطية التي لم تكن سوى صورة شكليّة تخفي وراءها ما تخفي من ظلمات واستبداد تحت نظام وراثي يُورّث آفاته وأمراضه. وكان افتراض الخلاص منه شبه مستحيل، في ظلّ القبضة الأمنية الخانقة التي قيّدت سورية وحولتها إلى سجن كبير، تغيب فيه الحقوق والحريات المنشودة.
عقود من الكبت والاستبداد تحت قبضة حافظ وخليفته بشار، خُتمت بسنوات من الدماء والدمار والتهجير بعد أن هبّ الشعب السوري رافعاً مطالبه وآماله في وجهه الشاحب، ولكنّه واجهها بسخرية وتهكّم، فتحوّل المسار الشعبي السلمي إلى مواجهة مباشرة مسلحة مع النظام المتوحّش الذي واجه المطالب الشعبية بالحريّة والكرامة بالحديد والنار، فذاقت سورية ويلات الحرب المستعرة من قتل وتغييب ودمار وجوع وأزمات خانقة في جميع القطاعات، وعُزلة وغياب عن الساحة الدوليّة مُنغمسةً بوضع مُترد في كل مجالات الحياة.
بعد كلّ تلك التضحيات تحقّق ما كان يَحلم به مُعظم السوريين لعقود طويلة، مع صعوبة استيعاب ما حدث لدى كثيرين، لأنّ حدوثه لم يَكن بالأمر السهل. ولكن إرادة الشعب كانت أقوى، فهَوى ذلك النظام في 8 ديسمبر/كانون أوّل 2024 في واد سحيق من دون رجعة، وحُطِّمت القيود على أسوار مسلخ صيدنايا.
اليوم، انقضى نصف عام على سقوط أبدية الأسد بعد نصف قرن، فيما تمرّ سورية اليوم بمرحلة جديدة ومُنعطف تاريخيّ حقيقي، لم تُكشف ملامحه بشكل جيّد بعد، حيث يدور في رؤوس السوريين أسئلة عديدة، وفي كلّ رأس سؤال يخصّ صاحبه، ويدور حول ما يريده ويعنيه.
منذ نصف عام على سقوط الأسد ما زالت سورية محطّ أنظار العالم واهتمامها في المجال السياسي والاقتصادي، بهدف الاستقرار والاستثمار
التحديات التي تواجه بناء الدولة من جديد ضخمة، متعدّدة خارجيّاً وداخليّاً في مجالات سياسيّة واقتصاديّة واجتماعيّة وثقافيّة وغيرها، إضافةً إلى شروخ مجتمعيّة وسياسية لم تلتئم بعد، إلّا أنّ هذا لا يمكن أن يخفي مشاعر السّعادة الغامرة التي ما تزال تبدو واضحة على وجوه السوريين بعد مضي ستة أشهر على سقوط بشار الأسد ونظامه.
بعد نصف عام من الأبدية تلقّى السوريون وعوداً كثيرة من الحكومة الجديدة ومن دول شقيقة وصديقة، والشأن السوري ما زال يسير بخُطى بطيئة نحو تحقيق الأهداف المرسومة، حيث لا عصا سحرية يمكن أن تصنع كلّ ما يُراد، فكتابة فصل جديد في تاريخ سورية ستأخذ وقتًا مديدًا، ومن المهم أن يرافق ذلك ارتياح وشعور بأنّها تسير في مسارها الصحيح؛ حتى لا تتكرّر التجارب الاستبدادية التي عاناها الشعب.
يمكن تلخيص أبرز ما حدث في نصف عام من سقوط الأبدية في تعيين الشرع رئيساً للمرحلة الانتقالية؛ ليقوم بمهام رئاسة الجمهورية العربية السورية، وإقامة مؤتمر الحوار الوطني، والإعلان الدستوري المؤقّت، وإلغاء العمل بدستور عام 2012، وإعلان حكومة جديدة، وحلّ الفصائل المسلحة والأجهزة الأمنية وحزب البعث، وإلغاء العقوبات المفروضة من قبل الولايات المتحدة الأميركية إضافة إلى إبرام اتفاقيات مع شركات متنوّعة، خاصة في مجال الطاقة.
فمنذ نصف عام على سقوط الأسد ما زالت سورية محطّ أنظار العالم واهتمامها في المجال السياسي والاقتصادي، بهدف الاستقرار والاستثمار، حيث البلاد مُربَكة ومُربِكة تفيض توتّراً واضطراباً وتصدّره للقريب والبعيد؛ نتيجة السياسة الرعناء للنظام المخلوع. والاستثمار حيث هناك فُرص تثير شهيّة المستثمرين في إعادة الإعمار والاستثمار في ثروات سورية.
أمام سورية طريق طويل حتى يستقيم أمرها وتنهض من جديد، فالدمار كبير على جميع الأصعدة، ولكن البناء ليس مستحيلاً، وما زال بريق الأمل لامعاً في عيون الشعب المسحوق المنهك، والأمل كبير بأن يكون لنا وطن نعيش فيه بحرّيّة وكرامة وأمان ورفاه، لنا وللأجيال القادمة.
العربي الجديد



