هل يتأثر الاقتصاد السوري بإقصاء “أبو غزالة وشركاه”؟/ نور ملحم

23 يوليو 2025
في خطوة أثارت جدلاً داخل الأوساط الاقتصادية والرقابية، أصدرت وزارة المالية السورية قراراً يقضي بإيقاف تجديد ترخيص شركة “طلال أبو غزالة وشركاه”، عقب تصريحات أدلى بها رئيس المجموعة خلال مقابلة تلفزيونية، اعتُبرت مخالفة للإعلان الدستوري، إذ نفى خلالها ما وُصف بجرائم ارتُكبت في البلاد من النظام السوري السابق.
القرار، الذي سُجّل رسمياً تحت الرقم /1191/د، أعاد تسليط الضوء على العلاقة المعقّدة بين المؤسّسات المهنية الخاصة والتوجهات الرسمية، في وقت حساس تشهده البلاد على مستوى إعادة بناء هياكلها الاقتصادية.
وتزامن القرار مع تقارير تكشف عن اتفاق غير معلن بين النظام السوري المخلوع والشركة المذكورة، لتولي الأخيرة مهمة تدقيق الحسابات المالية لشركات التأمين الخاضعة لرقابة وزارة المالية، وهو ما لم يُعلن عنه رسمياً من النظام السابق.
وتعليقاً على قرار الحكومة إلغاء ترخيص شركته، أكد أبو غزالة التزامه بالتنفيذ وتعهد بالاستمرار بدفع كامل رواتب ومستحقات الموظفين المالية، لأنهم على حد قوله لا ذنب لهم بما حدث. وقال أبو غزالة، في كتاب وجهه أمس إلى وزير المالية السوري محمد برنية، إن المواقف الأخلاقية والمهنية التي التزمت بها طوال حياتي في عملي كمحاسب قانوني مرخص منذ عام 1963 ترفض الانحياز والظلم، وتضع كرامة الإنسان فوق كل اعتبار.
وأضاف أن “العاملين في المكتب، وجميعهم سوريون، أبنائي وأبقى مسؤولاً تجاههم في عملهم ورواتبهم، لذلك أود أن أستمر في تسديد رواتبهم شهريا حتى انتهاء ترخيصنا وحتى ما بعده لأنهم لا ذنب لهم في مقتضيات هذا القرار”. وشكر أبو غزالة المؤسسات السورية الجديدة “على إشادتها بدوري خلال السنوات الماضية”.
استخدمها بشار لتجاوز العقوبات
كانت شركة “طلال أبو غزالة” قد عادت للعمل في سورية أواخر 2016، بعد توقف دام لسنوات، في ظل تقاربها مع جهات اقتصادية في روسيا والصين، إذ استخدمها النظام السوري لتجاوز العقوبات الاقتصادية المفروضة عليه، وسط توقعات بلعب دور في مرحلة إعادة الإعمار.
أطراف السويداء في سورية، 20 يوليو 2025 (هسام حاج عمر/ الأناضول)
موقف
الخسائر المتوقعة لحرب السويداء السورية
مصدر مسؤول في وزارة المالية السورية صرّح لـ”العربي الجديد”، بأن قرار إيقاف تجديد ترخيص شركة “طلال أبو غزالة وشركاه” جاء نتيجة مباشرة لتصريحات أدلى بها رئيس المجموعة، طلال أبو غزالة، خلال مقابلة تلفزيونية مؤخراً، اعتبرتها الوزارة “مخالفة صريحة للإعلان الدستوري” وتشكل “دعماً غير مباشر للأعمال الإجرامية ولمنظومة الفساد التي ارتبطت بالنظام السابق”.
وأضاف المصدر، الذي رفض ذكر اسمه، أن الوزارة تأخذ على عاتقها مسؤولية حماية النزاهة القانونية والمالية في البلاد، ولن تتغاضى عن أي نشاط أو خطاب يروج لخطابات تتعارض مع التوجهات الوطنية في مكافحة الفساد وتعزيز الشفافية، وشدد على أن استمرار الترخيص للشركات العاملة في سورية يستوجب الالتزام بالقوانين والتشريعات النافذة، واحترام الدستور ومبادئ المساءلة وسيادة القانون.
وأوضح المصدر أن القرار يسمح للشركة بمواصلة أعمالها المرخصة حتى نهاية عام 2025، دون إمكانية التعاقد على أي مشاريع تخصّ عام 2026، ويشمل استثناءً للمحاسب القانوني أحمد هيثم العجلاني الذي سيستمر في عمله بترخيص مستقل وفق الضوابط القانونية.
“العربي الجديد” حاولت الاتصال بطلال أبو غزالة مراراً لتحصل منه على تعقيب بخصوص الخبر، لكن لم تفلح المحاولات المتكرّرة.
خرق للدستور
في تعليق قانوني على قرار وزارة المالية السورية، اعتبر المحامي السوري حسان المقدسي أن الوزارة تملك من الناحية القانونية الحق في تعليق أو عدم تجديد ترخيص أي شركة تعمل تحت إشرافها، إذا تبين وجود مخالفة جوهرية للقوانين أو للإعلان الدستوري النافذ في البلاد. وأوضح أن التصريحات التي أدلى بها رئيس مجموعة “أبو غزالة”، التي أنكر فيها ما وُصف بجرائم ارتُكبت خلال فترة النظام السابق، تُعد، من وجهة نظر قانونية، خرقاً للدستور، وقد تُفَسَّر على أنها ترويج غير مباشر للفساد الذي ارتبط بالمراحل السابقة من الحكم.
وأضاف المقدسي أن ربط هذه التصريحات بصاحب الشركة لا يُعد افتقاراً للتجرد القانوني، بل هو إجراء مبرّر بالنظر إلى العلاقة المباشرة بين نشاط الشركة وشخص مالكها، خاصة إذا كانت التصريحات الصادرة منه تعكس توجهاً يتناقض مع المبادئ التي تنظّم العمل المالي في سورية، وشدد على أن الوزارة، بصفتها الجهة المُرخصة والرقابية، تتمتع بصلاحية قانونية لتنظيم السوق ومحاسبة الجهات التي لا تلتزم بالمعايير المهنية أو تتعارض مواقفُها المعلنة مع التوجهات الوطنية في مكافحة الفساد.
وفي الوقت ذاته، أشار المقدسي إلى أن القرار الإداري الصادر بحق الشركة يظل خاضعاً للطعن أمام القضاء المختصّ، وهو ما يُبقي الباب مفتوحاً لأي مراجعة قانونية يمكن أن تقوم بها الشركة وفقاً للآليات القضائية المعمول بها.
وقت حساس اقتصادياً
في سياق الجدل الدائر حول قرار وزارة المالية السورية بحق شركة “طلال أبو غزالة وشركاه”، يرى عدد من الخبراء أن تأثير المجموعة في القطاع المالي والمحاسبي السوري كان لافتاً خلال السنوات الماضية، خاصّة في ظل غياب مؤسّسات دولية متخصّصة نتيجة العقوبات والحصار الاقتصادي.
وفي هذا الإطار، يرى الخبير الاقتصادي منير الدالي في حديثه لـ”العربي الجديد”، أنّ أحد أبرز الإشكالات التي واجهها طلال أبو غزالة في القضية الأخيرة، هو تداخل الرأي الشخصي في مسار العمل المهني، مشيراً في تصريح لـ”العربي الجديد” إلى أن الإدلاء بتصريحات ذات طابع سياسي، مهما كانت منطلقاتها، لا يصبُّ في صالح من يُعتبر مرجعية اقتصادية عربية، يجري التعامل مع مؤسّساته على أساس الحياد والاحتراف.
ويضيف الدالة: “ربما ما جرى يُصنّف ضمن ما يُقال عنه “غلطة الشاطر”، خاصة عندما نتحدث عن شخصية لها وزنها في الحقول الأكاديمية والمهنية. فدخول أبو غزالة في ملفات ذات حساسية سياسية أضعف الحياد المفترض في مؤسّساته، وهو ما أدى إلى قرار من شأنه أن يحرمه من أسواق سورية التي قد تكون واعدة في مرحلة ما بعد العقوبات الغربية، خصوصاً إذا استؤنفت مشاريع إعادة الإعمار”.
ويتابع الخبير الاقتصادي: “النجاح المهني لا يكون كاملاً إذا لم يُفصل عن المواقف الشخصية، خاصة حين تكون المؤسّسة بحجم وتأثير مجموعة أبو غزالة. فبمجرد أن تدخل التصريحات في سياق حساس سياسياً، تنقلب الأدوار وتتداخل التقييمات المهنية مع التوجهات العامة، ما يعرض الشركة لمساءلة لا علاقة لها بجودة خدماتها أو التزامها المهني”.
ويضيف أن الأسواق السورية، التي كانت حتى وقت قريب تُعتبر مغلقة أو محدودة بفعل العقوبات الغربية، قد تكون على أعتاب تحوّل جديد يفتح المجال أمام الاستثمارات والخبرات الأجنبية، ما يجعل من خسارة المجموعة لهذه السوق في هذا التوقيت “فرصة ضائعة”، خصوصاً أنها تملك من الأدوات والكفاءات ما يؤهلها للمساهمة الفاعلة في مشاريع إعادة الإعمار والرقمنة المؤسّسية.
ويختم الدالة بالقول: إنّ غياب “أبو غزالة” عن المشهد المحاسبي في سورية قد يُحدث فراغاً مؤقتاً، خاصة في قطاع التأمين الذي كانت الشركة مكلفة بتدقيق حساباته، لكنه يرى أن هذا الفراغ قد يُعاد ملؤه عبر شركات محلية أو إقليمية إذا ما توفرت الإرادة السياسية والبيئة القانونية المناسبة.
أبو غزالة
برز طلال أبو غزالة في عالم الاقتصاد والإدارة. فمنذ سبعينيات القرن الماضي، انطلق أبو غزالة من بيروت، وينشر باستمرار تحليلاته وتوقعاته في مقالات دورية وبرامج تلفزيونية، مثل “العالم إلى أين؟”، إذ يقدم قراءات لأزمات الاقتصاد العالمي.
اليوم، وعلى الرغم من الجدل الذي يحيط بأنشطته في سورية، فإنّ له تأثيراً في تطوير قطاع الخدمات المهنية هناك، وتوفير بيئة معرفية ساهمت، ولو جزئياً، في سدّ فجوة الانقطاع عن المؤسّسات الدولية. وتُعد شركة “طلال أبو غزالة وشركاه” واحدة من أبرز الأذرع المهنية التابعة لمجموعة طلال أبو غزالة العالمية، وهي شركة متخصّصة بتقديم خدمات المحاسبة والتدقيق المالي على المستويَين الإقليمي والدولي.
العربي الجديد



