إشتباكات السويداءالتدخل الاسرائيلي السافر في سورياالعدالة الانتقاليةالعلاقات السورية-الأميركيةالمقاتلين الأجانب و داعش في سوريةتشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسةعن أشتباكات صحنايا وجرمانا

إشتباكات السويداء والتدخل الاسرائيلي السافر تحديث 22-23 تموز 2025

عن التدخل الاسرائيلي السافر في سورية الجديدة، ملف تناول “شهية إسرائيلية لتفتيت سوريا” – تحديث 15 تموز 2025

لمتابعة مكونات الملف اتبع الرابط التالي

التدخل الاسرائيلي السافر في سورية الجديدة

لمتابعة تفاصيل هذا الملف اتبع الرابط التالي

إشتباكات السويداء

لمتابعة تفاصيل هذا الملف اتبع الرابط التالي

عن أشتباكات صحنايا وجرمانا

———————————–

تحديث 23 تموز 2025

—————————–

«وقائع مجزرة معلنة»

عنوانٌ مكرّرٌ لواقعٍ متكرّرٍ

21 تموز 2025

سامر فرنجية

تفاصيل غير مهمّة

تفاصيل ما جرى غير مهمّة. 
ربّما بدأ الاقتتال باختطاف شخص، أو جراء ردّة فعل أقربائه، وربّما بعدما انتشرت أولى الصور لتجاوزات وانتهاكات، على يد «فصائل» أو قوى «رسمية». أو عندما صرّح أحدهم، أو ردّ عليه آخر. أو عندما خرق هذا الطرف وقف إطلاق النار، أو لم يخرقه. التفاصيل تبدو غير مهّمة لأنّه كان من الممكن استبدالها بأي تسلسل آخر للأحداث، وكنّا لنصل إلى النتيجة ذاتها: أكثر من

قتيل بأقل من بضعة أيام. 
دوران العنف بات هنا، وأي حركة أو كلمة ستعيد تكرار تسلسل الخطوات ذاتها لتنتهي بمجزرة. فلول النظام من هنا، فصائل خارجة عن النظام من هناك، ربّما مهرّبون غدًا أو القاعدة. نقطة البداية غير مهمة، فالختام بات معروفًا


عنف الدولة وأعذارها

الأعذار لم تعد مهمّة أيضًا. 
فمع تسلسل العنف، جاء تسلسل الأعذار: فصائل خارجة عن سيطرة الدولة، انتهاكات بحق القوى الأمنية، ردّة فعل على انتهاكات سابقة، عنف العقد الأخير، ضعف إمكانيات الدولة، ضرورة بسط سيادة الدولة. لكنّ تسلسل الأعذار بات يُفقدها مصداقيتها، لتتحوّل الأعذار إلى وجه العنف المقبول، وجهه الرسمي. فهناك مَن فهمَ «المرحلة الانتقالية» كمرحلة يُسمَح فيها العنفُ إن رافقته الأعذار، وهذا ما يفرّقه عن النظام السابق. لكنّ العنف عنيد، وما سيبقى من هذه «المرحلة الانتقالية»، هو هو عنفها، وليس الأعذار التي رافقت هذا العنف الذي سيرسم معالم

القادمة.


الطائفية كخطاب الحدّ الأدنى

التفاصيل والأعذار لم تعد مهمّة، لأنّ العنف يبسّط ويرجع الحياة إلى «حدّها الأدنى».
فالكلام عن «عدالة انتقالية» و«مسار سياسي» و«حوار وطني» و«دستور جديد» يتطلّب إمكانية الابتعاد ولو للحظة عن العنف ومقتضياته. في غياب هذه المسافة، تعود السياسة إلى «حدّها الأدنى»، إلى لحظة حالة الطبيعة عند هوبز، حالة يبدو فيها الكلام، أي كلام، خارجاً عن السياق. والطائفية هنا ليست بنى أهلية أو انتماءً دينياً، مهما كان مركّباً، بل هي لغَة الحدّ الأدنى، لغَة تدّعي العودة إلى الأصل الثابت، قبل الكلام. هكذا خاطب المبعوث الأميركي إلى بلاد الشام المتصارعين بولاءاتهم الأوليّة «الدروز والبدو والسنّة»، فما من سوريين أو دولة أو حدود في لحظة حالة الطبيعة، بل مجرّد مكوّنات أوليّة. 


الدولة والطائفيّة

المفارقة، والتي ليست مفارقة، هي أنّ لحظة التطييف هي لحظة بناء الدولة.
غالبًا ما وُضِعت الدولة الحديثة في مواجهة البنى الطائفية، كترياقها أو لحظة تجاوزها. لكنّ ما أظهرته التجارب في المنطقة، هو تماهي الدولة مع التطييف، أكان من باب سيطرة طائفة على جهاز الدولة أو تحويل الطوائف إلى مكوّنات هذه الدولة. وربّما كان ما يجري من خلال هذه المجازر هو التفاوض على أيّ نوع «تطييف دولتيّ» ستتّبعه سوريا اليوم، دولة طائفة أو دولة طائفية. سوف يعترض البعض على حتمية هذه الخلاصة، متحجّجاً بتاريخية الطوائف وسياقات سوريا الخاصة وطبيعة الحكم الجديد، لكنّ هذا لن يلغي أنّ أفق المستقبل يضيق، مجزرةً بعد أخرى.  


الخيبة جرّاء النصر

اعتدنا على الخيبات بعد فشل الثورات، وهذا ما شكّل تربة التفكير السياسي في السنوات الأخيرة. لكنّ الخيبات الفعلية هي التي تنبع من «نجاح» الثورات. فإذا كانت الخيبات الأولى غالبًا ما تنتهي بنوع من الميلانكوليا المُشِلّة، فإنّ الخيبات الثانية قد تنتج تحوّلات بالأفكار السياسية. والخيبة اليوم تأخذ شكل حتمية هذا العنف ومساره، وكأنّ السؤال لم يعد «هل سيحصل هذا؟» بل «لماذا يحصل هذا دائمًا؟». هو انتقال من سؤال إرادويّ، يُطرح من داخل السياق السياسي، إلى سؤال بنيوي، يسأله من نُفي من السياسة، ومن بات يكرّر

مقالاته، ربّما من وراء كسل فكري أو مجرّد ضجر من واقع بات يعلن رغباته الدموية بوضوح.


«وعد الثورة» الذي قضى تحت العنف

مع انحلال الخطابات أمام العنف، هناك كلمة بات وجودها اليوم ملتبساً، وهي «الثورة». فالثورة تشكّل، سواء أردنا ذلك أم لا، أحد مصادر شرعية النظام الجديد، النابع عنها، أو على الأقلّ، عن حيّز منها. قد لا يعني الحاكم الجديد بكلمة ثورة ما كان يطمح له العديد ممّن شارك وضحى واستشهد من أجلها، أي التطلّعات التحرّرية الأوسع التي تطمح لنظام عادل وحرّ. لكنّ هذا الخلاف حول مضمون الكلمة هو خلاف يصلح فقط في اللحظة التي يكون فيها للكلام دور. أمّا ما يتمّ القضاء عليه في لحظة العنف الحالية، فليس هذا التعريف أو ذاك، بل هو «وعد الثورة» نفسه، أي الوعد بأنّ هناك إمكانية لبناء نظام يفوق الحدّ الأدنى ويتّسع لسلطة الكلام، مهما كانت. وهذا ما لم يستطع الأسد القضاء عليه، رغم عنفه الإبادي في الداخل، فبقيت «الثورة» وعداً يُحرّك المخيّلة السياسية. أمّا اليوم، في لحظة «القمع الشعبي» الذي لا يصل إلى درجات العنف الأسدية، فلم يعد هناك وعد يمكن أن يشكّل منطلقًا لرفض النظام. المستقبل بات هنا. 


سوريا مُصغَّرٌ عن الشرق الأوسط الجديد

كُتِب الكثير عن شخصية الشرع، وطبيعة التأثيرات السياسية والثقافية على فكره السياسي وممارسته. وغالبًا ما كانت صفة «البراغماتية» تعود في التحاليل كإحدى نقاطه الإيجابية، والتي كانت تعني أنّه لن يفرض نظامًا إسلاميًا متشدّدًا. لكنّ هناك معنى آخر للـ«براغماتية»، وهو أنّ مخيلة الشرع السياسية هي مجرّد ما يبدو سائدًا في هذه اللحظة. فهو لن يخالف ما يبدو أنّه الأيديولوجية الصاعدة في الشرق الأوسط، و«براغماتيّته» تعني أنّ منبع أفكاره ليس في تاريخه، بل في حاضر المنطقة.
وما هي هذه الأيديولوجية إن لم تكن الطموح إلى أنظمة ليس للكلمة فيها من مكان، أنظمة باتت تنظر إلى

كنموذج «الدولة الفاضلة»، دول تدمج بين «التطبيع» كسياسة خارجية، و«إسلام معتدل»، بمعنى التماهي مع متطلبات الرأسمالية المتحوّلة، وأنظمة «قمعية ناعمة»، تقايض الحياة الاستهلاكية بالحقوق السياسية. أي أنظمة «الحد الأدنى» التي، مهما كانت متقدّمة تقنيًا، تقوم على التخلّص من السياسة، أكان إسمها فلسطين أو الديموقراطية أو الحقوق، من أجل «حدّ أدنى» من الاستقرار والثبات. أنظمة وجدت رافعتها الشعبية بعقد الدمار والمآسي والإبادات، لكي تعرض هذه المقايضة على من لا يزال يسكن هذه المنطقة. بهذا المعنى، ما يبنيه اليوم الشرع بـ«مخيلته البراغماتية» ليس «نظام ما بعد الأسد»، بل «نظام ما بعد الثورة السوريّة». 

ميغافون

——————————–

العشيرة بوصفها غدنا/ أرنست خوري

23 يوليو 2025

كثيرة الملاحظات التي يجدر أن تعلق في ذاكرة من تابع ولا يزال فصول حرب السويداء، المقتلة الطائفية الثالثة في عهد ما بعد سقوط نظام الأسد في ثمانية أشهر. إحدى تلك الملاحظات وربما أكثرها إثارة ليأس مديد، مدى انعدام حساسية شعوب تلك المنطقة، وسورية في قلبها، إزاء القتل حين لا يطاول طائفة المعني أو عشيرته أو عائلته، جرياً على تقليدٍ عريقٍ بالحكم على الجريمة بناءً على مذهب المجرم والضحية. انعدام الحساسية يقابله منسوبٌ فائق منها عندما يتعلق الأمر بالكلام أو المواقف التي غالباً ما تصدر بعد جريان نهر الدم. وكالعادة، تُنسي ردّة الفعل الفعل نفسه، فيتم القفز على المجزرة التي افتتحها مسلحو جيش العشائر، وتابعتها قوات حكومية بدت حليفة لمقاتلي البدو، ويمسي حكمت الهجري ومواقفه وطلبه الحماية من أي قوة ولو كانت إسرائيل، مثلما سبق لبعض من حاربوا نظام الأسد أن طلبوها سنوات، هو الخطيئة الأصلية، لا المجزرة نفسها. ولئن جمع تقدير موقف المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات نشره يوم السبت الماضي أهم ما يمكن قوله عن العامل الإسرائيلي في هذا السياق، أمكن الانتقال إلى تفنيد أوجه محلية الصنع من المجزرة التي أودت بحسب حصيلة أولية للشبكة السورية لحقوق الإنسان إلى قتل ما لا يقل عن 558 شخصاً (الشبكة لا تحتسب المسلحين القتلى خلال الاشتباكات في إحصاءاتها)، وإصابة أكثر من 783 آخرين، بينما العدد يراوح حول الـ1265 قتيلاً (505 مقاتلين و298 مدنياً من الدروز، بينهم 194 أُعدموا ميدانياً برصاص عناصر من وزارتي الدفاع والداخلية، و408 من عناصر وزارة الدفاع وجهاز الأمن العام، إضافة إلى 35 من أبناء العشائر، ثلاثة منهم مدنيون أعدموا ميدانياً على يد مسلحين دروز) بحسب حصيلة للمرصد السوري لحقوق الإنسان، وكلتا الحصيلتين صادرتان أول من أمس الاثنين.

وانعدام الحساسية تجاه القتل مولود من تزاوج الطائفية والوضاعة الأخلاقية وغياب الرابطة الوطنية عند المصاب بهذا الوباء الذي ينزل بحامله إلى مستوى دون إنساني. والحال أنّ أطناناً مما كُتب وقيل دفاعاً عن مهرجان القتل الذي افتتحه مسلحو العشائر في 13 يوليو/ تموز الحالي، لا يختلف بشيء عن تبريرات الأسديين مجازرهم، وقد كان وقعها النفسي عند ذوي الضحايا بمنزلة الجريمة إياها، وهو الشعور نفسه الذي ينتاب أهالي القتلى والضحايا في السويداء اليوم، ممن يشكّلون 3% فقط من سكان سورية، وهو ما يضاعف شعور المظلومية لديهم. وبما أنّ الكلام انفلت من عقاله، وجب التذكير بما لاحظه بعضٌ ممن لا يُعرف عنهم أي إصابة بالوباء الطائفي، بأنّ الحصيلة المذكورة أعلاه من القتلى الدروز بوصفهم كذلك، قد تجعلها المقتلة الكبرى التي لحقت بهذه الجماعة على امتداد تاريخها الطويل في المنطقة بين سورية ولبنان وفلسطين. وللبيبٍ أن يتوقّع حجم الأثر النفسي ــ السياسي ــ الاجتماعي لهذا الواقع في أوساط جماعة طائفية متماسكة، ومرشّحة، كبقية الجماعات الطائفية في ظروف مماثلة، لسلوك دروب انتحارية في بلد ليس مهدداً بحروب أهلية، بل إنه غارق فيها.

من الاكتشافات التي ليتنا لم نكتشفها في أسبوع الدم المساحة التي تشغلها العشائر في المجتمع السوري، والأسوأ الموقع الذي تحتله في السلطة السورية الحالية، إذ بدا عشرات آلاف المسلحين الهاجمين من كل أنحاء سورية على السويداء، عابرين بسلام حواجز الحكومة، بمثابة قوتها الضاربة وقد أغدقت عليهم أسمى صفات البطولة، مثلما فعلت عندما هنّأت “الغيورين على دينهم” ممن شنّعوا في جرمانا وصحنايا في إبريل/ نيسان الماضي بعد تسريب صوتي قيل إنه لرجل دين درزي مسيء للنبي محمّد، وتبين لاحقاً أنه مفبرك. في هذا السياق، كان لا بد للزميل محمد السلوم أن يذكّرنا، في منشور مطوّل نشره على حسابه في موقع إكس، بشيء من إرث مسلحي عشائر البدو في ارتكاب مهام قذرة لعهدي حافظ وبشار الأسد خصوصاً لضرب الحراك الثوري بعد 2011. هؤلاء العشائريون المتحالفون اليوم مع سلطة منبثقة من السلفية الجهادية، وكأنهم يرسمون ملامح الدولة السورية، على هيئة قتل وتعفيش وحرق وتوحش قبائل منبعثة من عصر خِلنا أنه مضى غير مأسوف عليه. ويبدو هروب مدنيي بدو السويداء من المحافظة التي يعيش فيها أجدادهم منذ القرن الثامن عشر مثلما يخبرنا الباحث مازن عزي، ابن السويداء في موقع درج، متّسقاً مع شكل الدولة الجديدة، وفيها لا مكان لتنوّعٍ كانت السويداء من رموزه، مع سكانها الـ35 ألفاً من عشائر البدو و50 ألفاً من المسيحيين إلى جانب 600 ألف من الدروز.

معيار التحضّر يُقاس بمدى الابتعاد عمّا يشير إلى العشيرة والقبيلة ومنطقهما وقوانينهما، أو هكذا ظننّا. ففي بلادنا التعيسة، العشيرة، بدوية أو طائفية، ليست ماضينا فحسب، بل تتراءى بوصفها غدنا الحتمي.

العربي الجديد

——————————–

في ضرورة تعديل مسار التغيير السوري/ مروان قبلان

23 يوليو 2025

ليس من قبيل المبالغة القول إن سورية تقف اليوم عند مفترق طرق، فيما تواجه بعضاً من أعظم التحدّيات التي فُرضت عليها منذ نشأة كيانها السياسي الحديث في عشرينيّات القرن الماضي، تتراوح بين الصراع الأهلي، ونشأة كانتونات طائفية وقبلية (صوملة معمّقة)، أو خسارة مزيد من أراضيها (لا سمح الله). بعد سقوط نظام الأسد، ساد تفاؤل كبير لدى شرائحَ واسعة من المجتمع السوري بأننا تجاوزنا الأصعب. كما تنفّس كثيرون في الإقليم والعالم الصعداء، إذ تجنّبت سورية الفوضى وأعمال الثأر والانتقام التي بشّر بها النظام البائد في حال سقوطه (سيناريو يوم القيامة). بهذا المعنى، شكّل الثامن من ديسمبر/ كانون الأول 2024، لكثيرين، داخل البلاد وخارجها، لحظةً مفصليةً في تاريخ سورية والمنطقة، واختباراً لقدرة الإدارة الجديدة على طيّ صفحة الماضي، والأكثر أهمية من ذلك كلّه أن تلك اللحظة الفارقة أكّدت من جديد أن السُّنّة السوريين العرب ظلّوا، كما كانوا دائماً، التجسيد الفعلي للهُويَّة الوطنية السورية، والوعاء القادر على احتواء المكوّنات المجتمعية الأخرى. بناء عليه، ورغم وجود هواجس لدى بعضهم بشأن ماضي الإدارة السورية الجديدة، وانتمائها الأيديولوجي، إلا أن دورها في إسقاط الأسد، وسلوكها السياسي لدى دخولها دمشق، أكسبها تأييداً كبيراً في الداخل السوري، كما حدا بالإقليم والعالم إلى احتضان التغيير في دمشق، وإعطاء السوريين فرصةً للتعافي وإعادة بناء بلدهم المدمّر.

بيد أننا لم نقطع سوى خطوات صغيرة في طريقنا الطويل نحو بناء الدولة الجديدة، حتى بدأت أجواء التفاؤل تتبدّد، ويحلّ محلّها نوازع الخوف من الفوضى والمجهول، في ظلّ احتقان طائفي لم تعرفه سورية المعاصرة، أخطر ما فيه محاولات “تطييف” السُّنّة السوريين العرب، وجعلهم طائفةً، شأنهم شأن بقية الطوائف، من جهة، وإيقاظ العصبيات العشائرية والقبلية لدى شرائح منهم، من جهة ثانية. تسارع هذا المسار (تطييف السُّنّة وإحياء انتماءاتهم العشائرية) وتعمّق بعد الهجمات التي شنّتها عناصر من فلول النظام السابق في مارس/ آذار الماضي، لتنطلق بعدها صدامات طائفية أخذت تتنقل من مكان إلى آخر، لتحطّ الرحال أخيراً في السويداء، التي شكّلت أحداثها، بغض النظر عن مسبّباتها وتفاصيلها، صدمةً عميقةً في الوجدان السوري، وجعلت كثيرين يعيدون النظر في مواقفهم من المسار السياسي الذي سلكته البلاد بعد 8 ديسمبر (2024)، كما بدأت ثقة المجتمع الدولي بقدرة السوريين على إدارة شؤونهم بحكمةٍ ورشاد تهتزّ.

لم يكن حتمياً أن تذهب الأمور في هذا الاتجاه، لو أن السلطة الجديدة اغتنمت فرصة التوافق الوطني والإقليمي والدولي على طيّ مرحلة الأسد، وسلكت طريقاً غير الطريق الذي سارت فيه تحت شعار “من يحرّر يقرّر”. بدأ الخطأ بـ”مؤتمر النصر”، الذي عُقد أواخر يناير/ كانون الثاني الماضي، وفيه جُمعت الفصائل المسلّحة التي شاركت في عملية إسقاط الأسد، واتُّخذت قراراتٌ مصيريةٌ مثل تعليق العمل بالدستور، وحلّ الأحزاب والبرلمان والجيش، وغيرها ممّا كان يجب فعله في إطار مؤتمر وطني عامّ، تدعى إليه قوى المجتمع السوري من مختلف الفئات والشرائح والمكوّنات، لتشكيل إجماع وطني على خريطة طريق للمرحلة الانتقالية. تتالت الأخطاء بعد ذلك، سواء في مؤتمر الحوار الشكلي الذي رُتّب على عجل في فبراير/ شباط الماضي، أو في الإعلان الدستوري، الذي تفرّدت السلطة الجديدة بكتابته، أو في تشكيل حكومة اللون الواحد التي لم تُجدِ محاولات تجميلها ببعض التنويعات، وما تلا ذلك (ورافقه) من إجراءات مصيرية تتعلّق بإعادة بناء الجيش وأجهزة الأمن وغيرها من مؤسّسات الدولة، التي كان ينبغي إنشاؤها على أسس وطنية، وصولاً إلى تقرير وضع القطاع العام، وهُويّة الدولة الاقتصادية، ومصير أملاك الدولة والاستثمار في القطاعات الاستراتيجية، وغير ذلك من قضايا كان يمكن لو أحسنا التعامل معها أن تعفينا من كلّ الأزمات التي حصلت في الشهور الستّة الماضية.

لم يتأخّر الوقت على تدارك الأمر، وإعادة النظر في الخطوات التي اتُّخذت، فيُصار إلى تشكيل إجماع وطني لا يمكن لسورية من دونه تجاوز التحدّيات الخطيرة التي تواجهها، بما فيها اعتداءات إسرائيل وتدخّلاتها. بالتوافق الوطني فقط، يمكن تطمين الجميع على مستقبلهم، ودفعهم إلى تسليم السلاح، والانضمام إلى الدولة الجديدة، والإسهام في بنائها، وكفّ اليد التي تمتدّ إلى الخارج طلباً لدعم أو حماية.

العربي الجديد

———————

وراء السويداء: ثبات إسرائيلي في إفشال الدولة السورية

حالت إسرائيل دون فرض الدولة السورية الأمن والنظام في السويداء، بمبرر حماية الدروز هذه المرة، لكنها استعملت مبررات مختلفة منذ نظام بشار الأسد، لتبرير ضربها المتواصل للقدرات السورية، حتى تكون الدولة السورية عاجزة عن حكم البلاد وحمايتها، فتصير خاضعة لإسرائيل وعاجزة عن استرداد المناطق المحتلة.

22 يوليو 2025

لم تتوقف إسرائيل عن مهاجمة سوريا طوال السنوات العشر السابقة على سقوط نظام الأسد. هاجمت بالطائرات والمسيرات أو الصواريخ الموجهة، أهدافًا متنوعة في كافة أنحاء سوريا، بما في ذلك مخازن سلاح وذخيرة، ومصانع عسكرية، ومواقع دفاع جوي، وطائرات شحن في مطار دمشق. وبررت هجماتها خلال السنوات الأخيرة من حكم الأسد بالادعاء أن سوريا باتت مركز نفوذ إيرانيًّا، وأن إيران تستخدم سوريا لتعزيز مقدراتها العسكرية وتهديد الأمن الإسرائيلي.

مباشرة بعد سقوط الأسد، بدأت إسرائيل موجة ثانية من الهجمات على سوريا، على الرغم من أن قوى المعارضة السورية التي أسقطت الأسد كانت تُعرف بعدائها لإيران وعزمها على التخلص كلية من النفوذ الإيراني ومن الميليشيات التابعة لها. خلال الشهور القليلة التالية على انتصار الثورة السورية، استهدفت إسرائيل كل ما استطاعت الوصول إليه مما تبقى من مقدرات الجيش السوري: معسكرات، ومطارات، وطائرات، ومواقع دفاع جوي، ومرابض مدفعية، ووحدات دبابات ومدرعات، ومستودعات سلاح. وإلى جانب ذلك، توغلت قوات إسرائيلية بعمق عدة كيلومترات على طول خط فصل القوات لعام 1974، شرقًا وشمالًا، وصولًا إلى جبل الشيخ، لتحتل المزيد من الأرض السورية.

في مساء 14 يوليو/تموز، وعلى خلفية تفاقم الأزمة في محافظة السويداء ذات الأغلبية الدرزية، أطلقت إسرائيل موجة جديدة من الهجمات على سوريا. استهدفت الهجمات في يومها الأول طابورًا من دبابات الجيش السوري، التي كانت في طريقها لتعزيز قوات الجيش والأمن العام المتقدمة نحو مركز السويداء. كما استهدفت مقار للجيش السوري في محافظة درعا. ادعت إسرائيل أن دفع الدولة السورية بالسلاح المدرع والثقيل إلى درعا والسويداء يعد انتهاكًا لسياسة تل أبيب المعلنة بنزع سلاح الجنوب السوري، الذي يمكن أن يشكِّل تهديدًا أمنيًّا على إسرائيل.

ولكن الهجمات على سوريا لم تتوقف ولم تقتصر على تمركزات معدات الجيش السوري الثقيلة. ففي اليوم التالي، بدأت إسرائيل قصف مواقع قوات الجيش والأمن العام السوري داخل مدينة السويداء، بما في ذلك مقر قيادة الأمن العام في السويداء، كما الحشود العسكرية في طريقي درعا-السويداء، ودمشق-السويداء؛ ما أدى إلى سقوط العشرات من الضحايا في صفوف قوات الجيش والأمن العام. هذه المرة، كشف رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، ووزير الدفاع، يسرائيل كاتس، عن موقفهما بما لا يترك مجالًا للالتباس: إن لدى إسرائيل التزامًا بحماية الدروز في سوريا، بمقتضى عهد الدم الذي وقَّعه دروز فلسطين مع قيادة دولة إسرائيل في مطلع خمسينات القرن الماضي، وإن على القوات السورية أن توقف محاولتها السيطرة على السويداء.

في اليوم الثالث، 16 يوليو/تموز، أعاد القادة الإسرائيليون تهديد الدولة السورية ومطالبتها بالانسحاب من السويداء، كما وجَّه شيخ عقل الدروز، حكمت الهجري، الذي يقود التمرد في السويداء ضد الدولة السورية، وللمرة الأولى، نداء إلى “الرئيس ترامب ودولة رئيس الحكومة نتنياهو، للتحرك لحماية دروز سوريا”. وسرعان ما اتسع نطاق الهجمات الإسرائيلية ليستهدف مقر هيئة أركان الجيش العربي السوري في ساحة الأمويين بقلب دمشق، وموقعًا عسكريًّا واحدًا على الأقل في محيط القصر الجمهوري، كما عدَّة أهداف في درعا.

فكيف، إذن، تفاقمت الأزمة في السويداء وتحولت من مسألة سورية داخلية إلى مسألة إقليمية ودولية؟ وما الدوافع الحقيقية خلف التدخل الإسرائيلي العدواني السافر في شأن سوري داخلي بحت؟

الطريق إلى أزمة السويداء

لم تستطع الدولة السورية الجديدة فرض سيطرتها على محافظة السويداء، على الرغم من محاولاتها المتكررة، منذ سقوط نظام الأسد، في ديسمبر/كانون الأول 2024. كانت المحافظة قد شهدت اندلاع انتفاضة شعبية ضد نظام الأسد في خريف 2023، حملت أهدافًا مشابهة لحركة الثورة السورية المستمرة منذ 2011. وعلى الرغم من عدم وضوح الأسباب خلف انفجار السويداء ضد نظام الأسد في هذه المرحلة المتأخرة من الثورة السورية، فالأرجح أن الضغوط الاقتصادية والأمنية كانت المحرك الرئيس للانتفاضة. هذا على المستوى الشعبي العام، أما على مستوى القيادات الدينية في المحافظة، فليس من المستبعد أن دوافع طائفية وطموحات زعامة قد لعبت دورًا ما في انتقال هذه القيادات من موقع موالاة النظام إلى معارضته، والمطالبة، من ثم، بنوع من الإدارة الذاتية في المحافظة.

خلال أكثر من عام من الانتفاضة ضد الأسد، تكدس السلاح بصورة متزايدة في أيدي النشطين الدروز في المحافظة، كما برز أكثر من مجموعة مسلحة منظمة، عُرِف عدد منها بمعارضة النظام والانضواء في الحراك الثوري الشعبي، وعدد آخر بالارتباط بالشيخ حكمت الهجري، أحد أبرز شيوخ العقل السوريين الثلاثة. لم تكن العلاقات بين هذه المجموعات ودية أو وثيقة دائمًا. ولكن ذلك لم يمنع مجموعات مسلحة درزية، في الأيام الأخيرة من عملية ردع العدوان، عندما بدا واضحًا أن نظام الأسد في طريقه إلى السقوط، من الاندفاع باتجاه دمشق والمساهمة في السيطرة على العاصمة السورية. إلا أن هذه المجموعات سرعان ما انكفأت عائدة إلى السويداء ما أن انتشرت قوات الثوار القادمة من الشمال السوري في دمشق، سيما بعد أن طالبت الحكومة السورية الجديدة كافة المسلحين بالانضواء في قوات وزارة الدفاع.

ولكن العلاقة بين الدولة السورية الجديدة ومجموعات المسلحين الدروز المرتبطة بالشيخ حكمت الهجري سرعان ما أخذت في التوتر. في يناير/كانون الثاني 2025، منع المسلحون من أتباع الهجري رتلًا من إدارة العمليات العسكرية للجيش السوري الجديد من دخول محافظة السويداء وتأسيس وجود حكومي أمني في المحافظة، كما كانت الحكومة السورية قد فعلت في محافظتي درعا والقنيطرة المجاورتين.

وبخلاف جماعة رجال الكرامة المسلحة التي يقودها النشط الدرزي، ليث البلعوس، والمجموعة المعروفة باسم لواء الجبل، اللتين أعلنتا الولاء لدمشق والترحيب بعودة الدولة ومؤسساتها إلى السويداء، أعلنت عدة مجموعات مسلحة أخرى، عُرفت بصلاتها الوثيقة بالشيخ الهجري، رفض الاعتراف بشرعية الدولة الجديدة والخضوع لسلطتها. في 6 مارس/آذار، نظمت المجموعات المتمردة، بما في ذلك المجلس العسكري في السويداء، وتيار سوريا الفيدرالي، والتيار السوري العلماني، مظاهرة تدعو إلى إسقاط الرئيس الشرع ونظامه، ورفعت صور الشيخ الهجري.

وقعت اشتباكات ذات طابع طائفي، في مارس/آذار وأبريل/نيسان، في محافظة السويداء، كما في بلدتي جرمانا وأشرفية صحنايا من ريف دمشق؛ حيث الوجود الدرزي الملموس، استدعت تدخلات مباشرة من قوات الأمن العام السوري. ما ساعد في النهاية على إخماد الاشتباكات ومنعها من التمدد، كان التوصل إلى اتفاق لاستعادة السلم في المحافظة بين ممثلي الدولة السورية ووجهاء وأعيان ورجال دين، بدون وجود الهجري أو ممثلين عنه، نصَّ على تشكيل قوات الأمن من أبناء المحافظة، تحت قيادة المركز في دمشق، وعودة ممثلي الدولة إلى مراكز عملهم في المحافظة. ولأن الهجري لم يخف معارضته للاتفاق، فإن العدد الأكبر من مسلحي السويداء أحجم عن تسليم سلاحه، أو الالتحاق بقوات الأمن الجديدة. خلال الأسابيع التالية، اتسم التحرك لتطبيق الإجراءات المتفق عليها بقدر كبير من البطء، إلى أن فقد الاتفاق فاعليته.

القيادة الدينية للدروز السوريين

يقود المرجعية الدينية لدروز سوريا ثلاثة شيوخ عقل: حكمت الهجري، وحمود الحناوي، ويوسف الجربوع. تسلم الثلاثة مواقعهم بصورة وراثية، ليس فقط لأن العلم في الطائفة الدرزية يورث داخل دائرة محدودة من كبار شيوخ الطائفة، ولكن أيضًا لأن العائلات التي ينتمي إليها الثلاثة عُرفت بتأثيرها على المجتمع الدرزي، وبتفردها بتقديم شيوخ العقل منذ القرن التاسع عشر على الأقل. ولكن العلاقات بين شيوخ العقل الثلاثة ليست علاقات مؤسسية، وليست ودية بالضرورة. يصطف الحناوي والجربوع، اللذان اتخذا من بلدة عين الزمان مقرًّا لهما، عادة في جهة، ويقف الهجري من مقره في القنوات في جهة أخرى. ولكن الهجري، ونظرًا لوزن عائلته الكبير، يدَّعي دائمًا موقعًا أعلى من موقع منافسيه، بل ويطلق على مقره اسم “الرئاسة الروحية” لدروز سوريا.

المشكلة في السويداء أن الرأي العام الدرزي بات أسيرًا، وبصورة كلية تقريبًا، للمرجعية الدينية. أغلب الجماعات السياسية أو الجماعات المسلحة، وأغلب الشخصيات النشطة في العمل العام، بمن في ذلك ذوو التوجه العلماني، يصعب عليها الخروج عن رأي مشيخة العقل. الجماعة الوحيدة التي تجرأت على معارضة مشيخة العقل كانت حركة الكرامة التي قادها الشيخ وحيد البلعوس، الذي أطلق حراكًا في السويداء مؤيدًا للثورة السورية. اغتيل وحيد البلعوس في 2015، بدون أن تُعرف الجهة التي أمرت باغتياله؛ وتولى ابنه ليث قيادة المجموعة، التي تؤكد على ولائها للدولة السورية الجديدة.

لم تكن الأوضاع هكذا دائمًا في سوريا الحديثة؛ ولكن التراجع الفادح في الحياة السياسية السورية في نصف القرن الماضي، وتهميش العمل الحزبي، وتراجع نفوذ الضباط الدروز في قيادة النظام الأسدي، أفسح المجال لتزايد نفوذ المرجعية الدينية للطائفة وما يشبه تفردها في الحديث باسم الدروز السوريين.

عُرف الشيخ حكمت الهجري، الذي خلف شقيقه أحمد في مشيخة العقل في 2012، بالولاء لنظام الأسد، تمامًا كما كان شقيقه، وكما كان شيخا العقل الآخرين، الحناوي والجربوع. والشائع أن خلافًا وقع بين الهجري وبين قائد استخبارات النظام، المسؤول عن السويداء، في 2021، كان السبب الذي أدى إلى ابتعاد الشيخ عن النظام. قد تكون طموحات الهجري في تحقيق استقلال إقليم درزي بسوريا أخذت في التنامي عندما تزايدت المؤشرات على ضعف المركز السوري. ولذا، وما أن انطلقت انتفاضة السويداء ضد النظام في 2023، لم يتردد الهجري في تأييد الحراك الشعبي في المدينة؛ ما ساعد على تقوية موقعه.

والأرجح أن الهجري أقام اتصالاً مع شيخ العقل موفق طريف، الذي يمثل المرجعية الدينية للدروز في إسرائيل. يتمتع موفق طريف بعلاقات وثيقة مع القيادة الإسرائيلية، تعود إلى “عهد الدم” الذي عقده شيوخ دروز في فلسطين مع القيادة الإسرائيلية في خمسينات القرن الماضي، وترتب عليه التحاق الدروز بالجيش والأجهزة الأمنية الإسرائيلية، بخلاف المسيحيين والمسلمين من عرب إسرائيل الآخرين.

تتعدد تفسيرات حرص الهجري على الابتعاد عن الدولة السورية الجديدة والتشكيك في شرعيتها منذ الأيام الأولى التالية على سقوط نظام الأسد، على الرغم من توجه القيادات الدينية لكافة الطوائف المسيحية والشيعية، إضافة إلى شيخي العقل الآخرين للدروز، إلى بناء علاقات طبيعية مع قيادات الدولة، في دمشق وفي مراكز المحافظات، وتقبل الدولة الجديدة بصفتها المعبِّرة عن إرادة أغلبية الشعب السوري.

ثمة من يعتقد أن معارضة الهجري للحكم الجديد تعود إلى مخاوف طائفية بحتة، ترسبت من الانعطافة الراديكالية في بنية الدولة السورية، التي انتقلت مرة واحدة وبصورة مفاجئة تمامًا من نظام حكم أقلوي إلى نظام حكم تقوده شخصيات سُنِّية ذات خلفية إسلامية بخلفية قتالية. وهناك بالطبع من يفسر موقف الهجري من زاوية علاقاته الحديثة بالمرجعية الدينية الدرزية-الإسرائيلية، وسعيه إلى الاستقلال بكيان درزي. وهناك، من جهة ثالثة، من يرى أن معارضة الهجري لدمشق تنبع من دوافع أنانية بحتة، ومن طموحات زعامة ذاتية.

أظهر تفاقم أزمة العلاقة بين جماعة الهجري والدولة السورية، واندلاع الصراع على مصير السويداء، أن الهجري بات يشكِّل عقبة كبرى أمام مشروع توحيد سوريا، وأمام انضواء دروز السويداء في الجماعة الوطنية السورية. وليس الهجري ومن التفوا حوله، وحسب، بل القوة الإسرائيلية الباطشة الموغلة في العدوانية.

انفجار الأزمة في السويداء

اندلعت أزمة السويداء، في مرحلتها الأخيرة، يوم الجمعة 11 يوليو/تموز، عندما هاجمت مجموعة مسلحة من البدو السنَّة عربة نقل خضروات يقودها سوري درزي على طريق السويداء-دمشق، واستولت على العربة. لم تكن هذه بالتأكيد حادثة معزولة، أو خارج سياق العلاقات الاجتماعية بين عشائر البدو والدروز في السويداء؛ فالعلاقات بين الطرفين، سواء في غرب، شمال، أو شرق المحافظة يشوبها التوتر وفقدان الثقة منذ عشرات السنين. عُرفت السويداء منذ قرون باسم جبل العرب لأنها كانت أصلًا مستقرًّا ومرعى لعشائر بدوية من قبائل الزبيد وعنزة وبني خالد. ولم يبدأ الدروز في التوافد إلى المنطقة من موطنهم في جبل لبنان إلا في نهاية القرن السابع عشر وفي القرنين التاليين، بفعل الصراعات القبلية بين القيسيين واليمنيين الدروز أنفسهم، أو بين الدروز والمسيحيين المارون.

أطلقت حادثة عربة الخضار سلسلة من الصدامات بين الجماعات الدرزية وأبناء العشائر، سيما في غرب السويداء، أخذت في التصاعد واكتساب طابع اقتتال دام، يومي السبت والأحد، 12-13 يوليو/تموز. قُتل في الصدامات العشرات من الطرفين، وتعرضت مستقرات العشائر للتدمير. وهذا ما دفع الدولة إلى التدخل لمحاولة الفصل بين الجماعات المتصارعة وفرض الأمن؛ ولكن القوة المحدودة من قوات الأمن السورية التي أرسلت إلى المحافظة تعرضت لكمين من المسلحين الدروز، ومقتل تسعة من أفرادها، على الأقل، وأسر آخرين. ولأن الدولة لم تكن طرفًا في الاشتباكات، كان واضحًا أن قوات الأمن تعرضت لعمل غادر من عصابات درزية مسلحة ترفض الانصياع للقانون وسلطة الدولة.

منذ صباح الاثنين، 14 يوليو/تموز، عقدت القيادة السورية العزم على إحكام سيطرة الدولة على السويداء برمتها، ووضع نهاية للانهيار الأمني ومحاولات فصل المحافظة عن الوطن السوري. أُنجز انتشار قوات الجيش والأمن العام السورية في المحافظة ومركزها الإداري في السويداء بسرعة فائقة وبسلاسة، وبدون خسائر تُذكر. ولكن، وما إن حل مساء اليوم حتى بدأ التدخل الإسرائيلي الأول بقصف المعدات الثقيلة التي أُرسلت إلى السويداء لمساندة قوات الجيش والأمن، وقصف عدد من معسكرات الجيش في درعا المجاورة.

استمرت الهجمات الإسرائيلية بصورة متصاعدة، يومي الثلاثاء والأربعاء، 15-16 يوليو/تموز، موقعةً خسائر فادحة في قوات الجيش والأمن العام، إلى أن وصلت ذروتها بقصف بناية هيئة أركان الجيش في ساحة الأمويين بالعاصمة، دمشق، وهدف عسكري آخر في جوار القصر الجمهوري. ولأن التقارير حول خسائر القوات السورية وفي صفوف أبناء العشائر انتشرت في كافة أنحاء البلاد، فقد ولَّد تداعي الأوضاع في السويداء غضبًا عارمًا في أوساط الرأي العام السوري. برر القادة الإسرائيليون في البداية مهاجمة القوات السورية بمسوغات أمنية، مؤكدين أنهم لن يسمحوا بنشر الجيش السوري والسلاح الثقيل في محافظات سوريا الجنوبية الثلاثة: القنيطرة ودرعا والسويداء. ولكنهم عادوا في اليوم التالي إلى الإعلان عن أن الهدف من الهجمات على سوريا وعاصمتها هو حماية الدروز ومنع سيطرة الدولة السورية على السويداء. فكيف، إذن، أقدمت دمشق على إرسال قوات الجيش إلى السويداء وهي تعلم أن الإسرائيليين سيستهدفون هذه القوات إن نُشرت في أي من المحافظات الجنوبية الثلاث؟

خلال الشهور الثلاثة السابقة على انفجار الوضع في السويداء، عُقد عدد من جلسات التفاوض المباشر، وغير المباشر، بين مسؤولين سوريين وإسرائيليين، بوساطة تركية وعربية وأميركية، بهدف التوصل إلى اتفاقية أمنية بين الطرفين. أراد السوريون من الاتفاق أن يستند إلى اتفاقية فصل القوات 1974 ويبني عليها، وأن يؤدي إلى الانسحاب من مناطق التوغل التي سيطرت عليها القوات الإسرائيلية بعد سقوط نظام الأسد، وإلى توقف الهجمات الإسرائيلية المتكررة على المواقع العسكرية السورية. في المقابل، عرض السوريون تقديم ضمانات بأن لا تشكِّل سوريا تهديدًا أمنيًّا للدولة العبرية.

ولكن الجانب الإسرائيلي أراد اتفاقًا جديدًا كلية، يتضمن إقرارًا سوريًّا بأن خط فصل القوات لعام 1974 يمثل خط الحدود الرسمية بين الدولتين، بما يعني تخليًا سوريًّا، وإن مستبطنًا، عن الجولان الذي احتُلَّ في 1967. كما طالب الإسرائيليون بأن تكون المحافظات الجنوبية السورية الثلاث: القنيطرة ودرعا والسويداء، خالية تمامًا من الوجود العسكري السوري. بهذا التباين الواسع بين تصوري الطرفين لما يجب أن يكون عليه الاتفاق الأمني، وصلت المفاوضات، كما يبدو، إلى طريق مسدود.

ولكن فشل المفاوضات لم يقف حاجزًا أمام تحرك قوات الجيش السوري إلى الجنوب، ربما لأن دمشق حسبت أن الإسرائيليين لن يجرؤوا على استهداف قوات أُرسلت لمعالجة مسألة سورية داخلية وليس لتهديد إسرائيل. والأرجح، أن دمشق ظنَّت أن الأميركيين لن يسمحوا لنتنياهو بالتدخل العسكري في السويداء، سيما بعد سلسلة التصريحات الصادرة من واشنطن وعن مبعوثها إلى تركيا وسوريا، توم باراك، التي أكدت على وحدة سوريا، وعلى أن كافة الطرق لابد أن تؤدي لدمشق، وعلى أن نظام ما بعد الحرب العالمية الأولى أوقع مظلمة كبرى بشعوب المشرق. بكلمة أخرى، وضع السوريون ثقتهم في الأميركيين، أو في استجابة إسرائيل للتطمينات المتلاحقة من دمشق؛ وأخطؤوا من ثم الحساب.

مهما كان الأمر، فقد كان التدخل الإسرائيلي قد دفع المسؤولين السوريين في السويداء إلى التوصل إلى اتفاق مع وجهاء المحافظة، بتأييد من شيخ العقل يوسف جربوع، بعد ظهر الأربعاء، 16 يوليو/تموز، يقضي بوقف إطلاق النار، واتخاذ كافة الإجراءات الكفيلة بانضواء السويداء في جسم الدولة السورية، وانسحاب قوات الجيش من المحافظة والإبقاء فقط على قوات الأمن العام. كما نَصَّ الاتفاق على توسع تشكيل قوات الأمن بضم أكبر عدد ممكن من الشبان المحليين، سيما أولئك الذين تخلوا عن السلاح. وما أن أُعلن عن الاتفاق، حتى سارعت دمشق إلى الأمر بانسحاب قوات الجيش من السويداء.

بيد أن الاتفاق لم يسمح له بالمضي قدمًا، بأي حال من الأحوال. سارع الشيخ الهجري إلى إصدار بيان حمل رفضًا صريحًا للاتفاق، والإصرار على استمرار القتال حتى إخراج كافة قوات الدولة السورية من أرض السويداء. كما أعلن الإسرائيليون في الوقت نفسه أنهم لن يتوقفوا عن مهاجمة القوات والمؤسسات السورية إلا بعد انسحاب كافة القوات السورية، العسكرية والأمنية على السواء، من السويداء.

وهذا ما دفع إلى إطلاق جهود وساطة محمومة، شاركت فيها تركيا والسعودية والولايات المتحدة، توصلت مع منتصف ليل الأربعاء/الخميس، 14-17 يوليو/تموز، إلى ما يشبه التفاهمات القاضية بتوقف الاعتداءات الإسرائيلية، مقابل الانسحاب الكامل لقوات الجيش والأمن العام السوريين من السويداء. ولابد أن هذا الاتفاق المهين لدمشق هو ما دفع الرئيس السوري، أحمد الشرع، إلى توجيه خطاب إلى الشعب السوري، في ساعات صباح الخميس المبكرة، يشرح فيه اضطراره إلى سحب قوات الجيش والأمن من السويداء، تجنبًا لحرب مدمرة مع “الكيان الإسرائيلي”.

تداعيات التدخل الإسرائيلي

ظن كثيرون أن أزمة السويداء قد تم احتواؤها، وإن جزئيًّا، وأن دعاة الانقسام في المحافظة حققوا، بدعم من إسرائيل، انتصارًا مؤكدًا على الدولة السورية الجديدة، حتى إن رئيس الحكومة الإسرائيلية، نتنياهو، لم يستطع منع نفسه من التفاخر بالنجاح في فرض السلم في السويداء وفي حماية حلفاء إسرائيل في المحافظة بالقوة وليس بالتوسل والتفاوض. ولكن الأمور في سوريا، كما هي عادة طوال قرون من تاريخ المشرق، كانت أكثر تعقيدًا مما ظنت أطراف الأزمة الخارجية.

خلال الساعات التالية على انسحاب قوات الجيش والأمن العام من السويداء، عادت الجماعات المسلحة الموالية للشيخ الهجري إلى السيطرة على المدينة، والاندفاع إلى ريف المحافظة الغربي، مرتكبة في طريقها مجازر بشعة في حق البدو السنَّة، واحتجاز آلاف من النساء والأطفال رهائن. وبدا واضحًا أن المسلحين الدروز أرادوا من العنف البالغ، الذي حرصوا على إذاعته ونشره، إيقاع نوع من التطهير الديمغرافي ودفع أبناء العشائر إلى مغادرة المحافظة كلية.

ولأن العشائر التي تقطن السويداء ليست سوى امتداد قبلي لعشائر زبيد وعنيزة وبني خالد في جوار السويداء السوري، كما في العراق والأردن والسعودية، فسرعان ما أثارت تداعيات الوضع في السويداء ردود فعل تضامنية في أوساط العشائر العربية السورية في درعا ودير الزور، وفي ريف دمشق، كما في محافظات الوسط والشمال، إضافة إلى العشائر التركمانية في شمال اللاذقية. طوال يومي الخميس والجمعة، 17-18 يوليو/تموز، تدفق الآلاف من أبناء العشائر المسلحين، مستخدمين كافة الوسائل والطرق، نحو السويداء لنجدة وحماية أشقائهم من عشائر بدو المحافظة.

اكتسح المسلحون العشائريون قرى وبلدات غرب السويداء خلال ساعات قليلة؛ ومع مساء الجمعة 18 يوليو/تموز، كانوا قد اقتحموا مدينة السويداء نفسها، مطالبين بالإفراج عن الآلاف المحتجزين لدى المسلحين الدروز. شهدت المدينة قتالًا بالغ العنف والتدمير بين الطرفين، وبدا أن المسلحين الدروز في طريقهم لخسارة المعركة. وهذا ما دفع إلى إحياء جهود الوساطة من جديد، التي قادتها هذه المرة الولايات المتحدة. توصل الوسطاء الأميركيون إلى اتفاق جديد لوقف النار في السويداء، تكفله تركيا والأردن، لم يتضح ما إن كان اتفاقًا بين الدولتين، السورية والإسرائيلية، وحسب، أو أن الشيخ الهجري كان هو الآخر طرفًا في الاتفاق. ولكن المؤكد أن الاتفاق لم يكن ممكنًا بدون إدراك الإسرائيليين أن حلفاءهم في السويداء باتوا في موقف عسكري حرج.

لم يُنشر نص رسمي واحد من الاتفاق في دمشق. ما نُشر كان تسريبات غير رسمية، إضافة إلى تصريحات من وزير الإعلام السوري، أشارت إلى أن الاتفاق يتكون من ثلاث مراحل، تنتهي بنزع سلاح الجماعات المتمردة وعودة قوات الأمن وكافة مؤسسات الدولة وممثليها إلى المحافظة. ولكن الشيخ الهجري، الذي تحدث بعد إعلان التوصل إلى الاتفاق، أكد من ناحية قبوله بوقف إطلاق النار، ولكنه قال أيضًا: إن قوات الأمن لن يُسمح لها بدخول السويداء، بأي صورة من الصور.

خلال يوم السبت، 19 يوليو/تموز، كانت قوات الأمن العام السورية قد انتشرت في منطقة أقرب إلى الحدود بين محافظتي السويداء ودرعا، بدون أن تعمل على دخول مدينة السويداء نفسها. قامت هذه القوات بمنع المزيد من مسلحي العشائر من التوجه إلى المدينة. وفي الوقت نفسه، كان ممثلو وزارة الداخلية السورية يسعون، بقدر كبير من الإقناع والضغط، لدفع رؤساء العشائر إلى الالتزام بوقف إطلاق النار وإخراج المسلحين من أبنائهم من السويداء. ومع منتصف ليل اليوم نفسه، كان كافة مسلحي العشائر قد انسحبوا بالفعل من المدينة.

ولكن رد فعل الهجري لم يكن إيجابيًّا. ففي صباح الأحد، 20 يوليو/تموز، منع الهجري وأتباعه قافلة إغاثة طبية وغذائية من وزارتي الصحة والشؤون الاجتماعية من دخول مدينة السويداء، وطالب بأن تقوم منظمات دولية بتنظيم الإعانات. ولم يلبث الهجري أن عاد بتصريح آخر، طالب بخروج كافة قوات الدولة السورية وممثليها من المحافظة. قد يكون طلب الهجري فتح ممر عبر الأردن لإيصال المساعدات للسويداء هو من أجل تكريس حالة الكيان المستقل أو الإدارة الذاتية للمحافظة، التي سعى إليها دائمًا. ولكن ما بدا واضحًا خلف ذلك كله، على أية حال، أن الاتفاق لا يسير على ما يرام.

عندما أُجبرت دمشق، تحت ضغط الهجمات الإسرائيلية، على سحب كافة قواتها من السويداء، ظهرت الدولة السورية بمظهر الضعيف والمنكسر، العاجز عن فرض السيادة على محافظة صغيرة من محافظات البلاد. ولكن اتفاق 19 يوليو/تموز جاء في وقت استعادة دمشق لزمام المبادرة، وعجز إسرائيل عن التدخل من جديد بدون إيقاع تدمير واسع النطاق بالسويداء، بعد أن انتشر الآلاف من أبناء العشائر في شمال وغرب المحافظة، كما في أحياء مدينة السويداء. وجَّه السوريون الانتقاد لقيادات دولتهم الجديدة، لقبولها الاتفاق بصورة مبكرة، وعملها على وقف إطلاق النار وإخراج مسلحي العشائر، قبل أن تحسم المواجهة بصورة قاطعة مع الهجري واتباعه. رغم أن الحراك العشائري عزز موقع الدولة السورية إلا أنها كانت قد أصبحت في وضع بالغ الحرج، ولم يكن رفض الوساطة الأميركية ليصب في مصلحتها.

يدل نص الاتفاق المنشور على أن الدولة السورية حققت مكاسب مهمة، فلقد كفل توقف الاعتداءات الإسرائيلية، ونزع السلاح المتوسط والثقيل من كافة الجماعات المتصارعة، وعودة سيادة الدولة التدريجية إلى المحافظة. ولو اختارت دمشق التأخر في قبول الاتفاق أو رفضته، قد تبدو أنها اختارت الوقوف موقف المتفرج على اقتتال أهلي، يدور على أرض بلادها، تخوضه جماعات من شعبها ضد بعضها البعض، فتظهر بمظهر الدولة العاجزة عن توفير الأمن لسكانها.

إفشال الدولة السورية

بدون التدخل الإسرائيلي، لم يكن ثمة شك في أن الدولة السورية كانت في طريقها لحسم الأزمة في السويداء، خلال أيام وبأقل قدر من الخسائر. أضاف التدخل الإسرائيلي تعقيدًا جديدًا إلى الأزمة، وعمل على تهميش دور الدولة السورية في واحدة من محافظات بلادها. وعلى الرغم من أن قطاعًا ملموسًا من النشطين الدروز اختار الدولة واصطف إلى جانبها، فقد استهدف الإسرائيليون من تدخلهم إظهار الأزمة وكأنها تجلٍّ لصراع بين الأقلية الدرزية ودولة السوريين السنَّة. ولكن التصور الإستراتيجي خلف التدخل الإسرائيلي ودوافع هذا التدخل كانت أبعد بكثير من مجرد حماية جماعة واحدة من دروز سوريا، حتى وإن كانت هذه الجماعة قد اختارت الانضواء تحت مظلة إسرائيل والتحالف معها.

كما أي كيان كولونيالي استيطاني، غريب كلية عن محيطه العربي والإسلامي، وُلدت إسرائيل مسكونة في بنيتها الجينية بالشعور بالضعف والتهديد. للتعايش مع هذا الشعور كان لابد لإسرائيل من أن تصبح مصدر تهديد معاكس، ومديد لجوارها؛ وأن تكون في حالة حرب دائمة.

خاضت إسرائيل منذ ولادتها عشر حروب كبرى ضد جوارها العربي والإسلامي، في 1948، 1956، 1967، 1973، 1982، 2006، 2008، 2012، 2014، وحربًا لم تتوقف منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023. ولكن السنوات الفاصلة بين هذه الحرب لم تكن أزمنة من السلم، بل شهدت قيام إسرائيل بعشرات العمليات العسكرية المحدودة: عمليات ضد سوريا والقوات السورية على ضفاف الحولة وطبريا، وضد قطاع غزة وإدارته المصرية، في الخمسينات؛ وعمليات ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية وإدارتها الأردنية، والمزيد من العمليات ضد القوات السورية، في الستينات؛ وضد كل جوارها العربي في نهاية الستينات والسبعينات؛ وضد الفلسطينيين في الضفة وقطاع غزة، كما ضد العراق ولبنان، خلال الفترة من 1982 إلى 2000؛ وضد اللبنانيين والفلسطينيين في الضفة والقطاع طوال السنوات حتى اندلاع حرب أكتوبر/تشرين الأول 2023.

وإن كانت إسرائيل مصدر تهديد مختلف المستويات لجوارها العربي والإسلامي، من إيران إلى مصر، ومن البحر الأسود إلى بحر العرب، فهي مصدر تهديد وجودي لجوارها الشامي: فلسطين والأردن ولبنان وسوريا. للمحافظة على وجودها، وحراسة هيمنتها وازدهارها، لابد أن تتبنى إسرائيل سياسة إضعاف مستدام لجوارها الشامي اللصيق، وتكريس هذا الضعف. كما تحرص إسرائيل على استمرار انصياع الأردن، وتقويض كافة عناصر القوة في لبنان وتشجيع الانقسام الطائفي اللبناني، وتعهد سياسة من الحرب الدائمة ضد الفلسطينيين، فإنها لن تسمح باستعادة سوريا لوحدتها ومصادر قوتها واستقرارها. التدخل لمنع الدولة السورية من توكيد سيادتها في السويداء، سيتلوه تدخل إسرائيلي مشابه، وبكافة الوسائل الممكنة، لمنع الدولة السورية من حسم الموقف في الجزيرة والشمال الشرقي. والدافع الأساسي في الحالتين ليس التعاطف مع الدروز أو الأكراد، بل إبقاء سوريا هشَّة، منقسمة على نفسها، ومستهلَكة في تدافعاتها الداخلية.

ظنَّت القيادة السورية الجديدة أن إعطاء الأولوية للبناء الاقتصادي، وإعلان توجهات انفتاح على الغرب، والولايات المتحدة على الخصوص، وتقديم ضمانات أمنية بحتة لإسرائيل، ستحمي سوريا من التهديد والمخاطر. ولكن سياسة إسرائيل تجاه سوريا لا تتعلق بما هو أمني مجرد وحسب؛ بل بكل ما يعنيه بروز سوريا موحدة وقوية، بوجود هذه “السوريا” نفسه. ولذا، فالواضح أن سوريا الجديدة لن تستطيع حماية نفسها من التهديد الإسرائيلي الإستراتيجي إلا بتعزيز مقدراتها الدفاعية، من ناحية، والعمل على استعادة وحدة أرضها وشعبها في أسرع وقت ممكن، من ناحية أخرى. وربما سيصعب تحقيق هذين الهدفين بدون تحالفات وثيقة مع القوى الشقيقة والصديقة في الإقليم والعالم، وبدون إعادة النظر في قاعدة نظام الحكم الجديد وتوسيع نطاق هذه القاعدة، وبدون إقامة سياسة دفاعية على أساس من الشراكة العضوية بين مؤسسات الدولة وقطاعات الشعب السوري المختلفة.

الطريق الآخر لحماية سوريا من الاستهداف الإستراتيجي الإسرائيلي هو أن تعمل الولايات المتحدة بصورة فعالة لتطبيق سياستها المعلنة تجاه سوريا الجديدة. ما تقوله الإدارة الأميركية هو أنها تريد سوريا مستقرة وموحدة، وصديقة للغرب؛ وإن كانت واشنطن جادة في إنفاذ هذه السياسة، فعليها أن تقف في مواجهة إسرائيل، حليفتها الرئيسة في الشرق الأوسط، وتمنعها من زعزعة استقرار سوريا. ولكن الواقع أن مثل هذا التحول الجوهري في سياسة واشنطن الشرق أوسطية لم يزل هدفًا بعيد المنال.

مركز الجزيرة للدراسات

————————–

السويداء بين الديمقراطية السورية والفيدرالية/ غسان المفلح

الفيدرالية تعني: الاتحاد الاختياري أو التعايش المشترك في “أقاليم” متعددة، على أساس ممارسات الخيار الحر المنصوص عليه في العهود والمواثيق الدوليّة، هذه الممارسات التي يرجى منها تحقيق الأهداف والمصائر المشتركة.

لم يتفق فقهاء القانون الدولي العام في العالم العربي على تعريف موحد للمصطلح الإنجليزي Federal State الذي يقابله بالفرنسية Federal Etate، بعضهم سماها “الدولة الاتحادية” ومنهم من سماها “الاتحاد المركزي” أو “الدولة الفيدرالية” أو “الاتحاد الفيدرالي” إلى غير ذلك من المسميات. ولعل سبب ذلك أن الفيدرالية قد جاءت في معناها الأساس من الغرب (1787 / أمريكا، 1901 / أستراليا، 1917/ المكسيك، 1948/ سويسرا)*. أما اليوم فيصل عدد الفيدراليات في العالم إلى أكثر من 30 دولة اتحادية. وقالت التجارب السابقة واللاحقة: إن الدولة الفيدرالية هي دولة واحدة، تتضمن كيانات دستورية متعددة، لكل منها نظامها القانوني الخاص واستقلالها الذاتي، إلا أنها تخضع، في مجموعها، لدستور فيدرالي، باعتباره المنشئ لها والمنظم لبنائها القانوني والسياسي. كما يحكمها رئيس واحد ولها جيش واحد وعلم واحد ولها حكومة واحدة وتمثيل دبلوماسي واحد.

كي لا نبقى في الإطار النظري سأطرح رأيي سوريا. بداية يمكننا القول ببساطة “إن كل محافظة سورية يمكن أن تكون إقليماً فيدرالياً”. هذه المقدمة في الطرح السوري مناسبتها ما أحاول طرحه للنقاش في حراك السويداء. هذا الرأي الذي يطرحه بعضنا قبولاً أو رفضاً، يستخدم مصطلح الإدارة الذاتية. الذي اشتق مما أطلقه حزب العمال الكردستاني التركي في سوريا بعد سيطرته أمريكيا على القاسم الغالب من الجزيرة السورية، التي تحتوي قلة من المناطق الكردية الصافية. لهذا مصطلح الإدارة الذاتية هنا يشمل تقريبا ثلاث محافظات سورية مختلطة الإثنيات والأديان، الحسكة والرقة زدير الزور، إضافة لبعض المناطق من ريف حلب. منطقة شاسعة أقيمت برعاية أمريكية مباشرة، لكن المتتبع لتلك التجربة، يجد أن أمريكا تريد هذه المنطقة لاعتبارات أمنية سياسية وليس لاعتبارات قانونية مجتمعية دستورية. هذا الأمر لا يهم أمريكا مطلقا حتى اللحظة. ليس أدل على ذلك سوى أنها سمحت باستمرار المربعات الأمنية الأسدية القاتلة في القامشلي والحسكة والدير وللحضور الإيراني في بعض ريف الجزيرة، خاصة دير الزور. كل هذا تم في إطار ما سمي المعركة ضد داعش أو التحالف الدولي ضد داعش أيلول 1914. أوروبا الغربية أيضا تدعم تجربة الإدارة الذاتية أيضا، أمنيا وسياسيا فقط. خاصة أنها شاركت في التحالف الدولي. الملاحظة الأساس في هذه التجربة أن الدول الراعية لها، وخاصة أمريكا، تحاول فقط تثبيت الأمور عسكريا كأمر واقع، دون السعي لإنشاء كيانات مؤسسة دستوريا وقانونيا حرا. هذا ما ترك تلك التجربة هشة ومعرضة للانهيار في أي لحظة لأن قوى التحالف هذه تريد تعايش هذه المنطقة مع الأسد، كما أنها سمحت بتسيير دوريات روسية وتركية هناك. أي جعلت المنطقة برمتها إذا أضفنا التواجد الأسدي الإيراني مرتع عمليات عسكرية وتبادل مواقع ومصالح. كما أن سيطرة كوادر حزب العمال الكردستاني في تركيا على التجربة جعلها أيضا أكثر إشكالية، وكأنها لغم متحرك. لهذا من الصعب أن تكون نموذجا لنا، إضافة أن موقفها من الأسدية القاتلة ما يزال موقفا حواريا وتبادل مصالح أيضا على حساب تأسيس كيان فيدرالي حقيقي دستوريا وقانونيا.

هذا ما يرفضه قادة التجربة لاعتبارات تتعلق برؤية العمال الكردستاني لعدوه التركي كعدو مركزي ورئيسي. كل القوى يجب أن توظف من أجل الساحة التركية. أي المنطقة بالنسبة لهم عبارة عن قاعدة لوجستية من أجل هذا الهدف. لهذا فإن هذه التجربة لا يمكن أن تكون نموذجا إيجابيا حتى الآن. لكن استخدام المصطلح سوريا صار عادة أكثر منه تدقيقا منهجيا وتاريخيا.

الوضع في السويداء الآن مختلف كليا، مختلف لأن الحراك الثوري الديمقراطي في السويداء، يطرح برنامجا ديمقراطيا سوريا من جهة، والشارع هناك مع الساحات تحولت إلى نموذج للحراك السوري الديمقراطي. عندما نحاول مقاربة الوضع هناك إنما نقاربه من أرض واقعه ومن خصوصية هذا الواقع هناك على كافة الصعد. السويداء من المحافظات القليلة التي يمكن أن ينجح فيها إقليم فيدرالي. عندما نقول إقليم فيدرالي لا يعني وجود وصفة جاهزة لذلك، بل كل إقليم فيدرالي يمكن أن يشتق قوانينه ومتطلباته انطلاقا من واقعه ومن خصوصيته. سوريا الديمقراطية عندما يكون فيها 15 محافظة، كل محافظة إقليم فيدرالي وفقا لخصوصية كل محافظة وظروفها، وليس وفق وصفة واحدة معممة وجاهزة، بل كل التجارب التاريخية القائمة الآن تكون عبارة عن نماذج يمكن الاسترشاد بها فقط، وليس تطبيقها بحذافيرها. ما أحاول طرحه الآن، إذا كان بمستطاع الحراك في السويداء انتخاب جمعية تأسيسية للسويداء ومكتب تنفيذي له صفة إدارية، مهمته هي إلغاء دور المندوب السامي الطائفي في السويداء والذي عادة يكون رئيس فرع الأمن العسكري، ومنع المخابرات اعتقال أي شخص بناء على قرارهم بل بناء على قرار قضاة السويداء وعلنيا ويخضع لمحاكمة هناك كمتهم. ثم التعامل مع حزب البعث أو البعثيين الذين انضموا للحراك بوصفهم بعثيين لا أسديين. من جهة أخرى محاول فرض علاقة ما مع الدولة السورية ومؤسساتها تأدية الواجبات تجاهها وأخذ حقوق السويداء. ليس مطروح الانفصال هنا، أو تمفصل لا يراعي الوضع الراهن. لماذا هذا الطرح للنقاش؟ لأن حراك السويداء ما يزال وحيدا رغم أن غالبية السوريين المنهكين يرنون إليه أملا. ما أطرحه هنا مقدمة لنقاش أتمنى أن يتوسع أكثر من المهتمين. أيضا هذا النموذج التاريخي هنا يخص السويداء وزخم الحراك الذي يجب أن ينتهي إلى نتيجة أقصاها إسقاط الأسد لصالح برنامج ديمقراطي سوري وأدناها تحويل السويداء إلى إقليم فيدرالي خاص.

ليفانت – غسان المفلح

* من مادة للدكتور عمر الحضرمي

————————-

حين ضرب “شبيحة جدد” اعتصاما بعنوان “دم السوري على السوري حرام”/ مصطفى رستم

مطالبات حقوقية من الحكومة لتوقيف المهاجمين ومحاسبتهم ومحاكمتهم بحسب القانون

الاثنين 21 يوليو 2025

أثارت قضية ضرب المعتصمين في دمشق ضد الأحداث في السويداء حال غضب بين المواطنين السوريين، إذ اعتبر مراقبون أن غياب المساءلة وعدم محاسبة المعتدين من قبل الدولة يعطيهما شعوراً بالحصانة، بل وأحياناً تشجيعاً ضمنياً على تكرار الفعل.

لم يرق اعتصام سلمي صامت حدث الجمعة الـ18 من يوليو (تموز) الجاري لمجموعة شبان مجهولي الهوية وبادروا بالهجوم على عدد من الناشطين المدنيين بالاعتداء الجسدي واللفظي العنيف خلال مشاركتهم في وقفة احتجاجية سلمية أمام مبنى مجلس الشعب (البرلمان) وسط العاصمة دمشق في إطار دعوة إلى وقف الاقتتال المتصاعد في محافظة السويداء والمطالبة بحماية المدنيين وتعزيز السلم الأهلي في البلاد.

ويأتي هذا الاعتصام من المجموعة المدنية إثر تواصل الاشتباكات ومواصلة القتال والعنف الدائر الذي أدى إلى مصرع قرابة 1000 شخص بين مقاتلين ومدنيين في معارك هي الأقسى منذ سقوط نظام بشار الأسد في الثامن من ديسمبر (كانون الأول) 2024 وهربه إلى العاصمة الروسية موسكو.

أوقفوا الحرب

ارتفعت الأصوات المناشدة بضرورة محاسبة الشبان الذين هاجموا الاعتصام السلمي وسط انتقادات طاولت الجهات المتخصصة بالتقصير بمحاسبتهم أو إصدار بيان مندد كـ”أضعف الإيمان”، إذ أكد شهود حدوث انتهاكات عندما أقدم عدد من المدنيين كان بعضهم يحمل عصياً خشبية على مهاجمة المحتجين السلميين بعد دقائق من بدء الاعتصام.

وتسببت الحادثة في إصابات جسدية وحالة ذعر في صفوف المشاركين، بينما أصاب السوريين حال استياء. وأعاد المشهد إلى الأذهان أحداثاً مشابهة دارت في بداية الثورة السورية في عام 2011 حين عمد النظام السابق في مرحلة ما قبل اندلاع الصراع المسلح إلى إطلاق فرق ممن كان يطلق عليهم “الشبيحة”، وهم مدنيون، لضرب المحتجين السلميين بالعصي والإمساك بهم وتسليمهم لأجهزة الأمن.

وانتشرت مقاطع مصورة على مواقع التواصل الاجتماعي تظهر بها مجموعة أشخاص يفترشون الأرض أمام البرلمان الذي علق أعماله منذ سقوط النظام منذ قرابة ثمانية أشهر ويرفعون لافتات تطالب بوقف إراقة الدماء، ومقاطع أظهرت تهجماً لفظياً مشيناً من قبل أحد الأشخاص في حق فتاة من المشاركات بالاعتصام، الذي دعت إليه مجموعة من السوريين والسوريات لرفع لافتة واحدة عنوانها “دم السوري على السوري حرام”، وذلك على خلفية الاقتتال المستعر لأكثر من أسبوع في محافظة السويداء، جنوب سوريا، ذات الغالبية الدرزية.

وتحدثت منظمة التجمع وإحدى المشاركات بالاعتصام، بيان العدوي، حول رسالة هذا التحرك الذي يخاطب الشارع السوري والسوريين بالتضامن مع بعضهم لوقف دائرة العنف بالجنوب، “لقد سار اليوم الأول من الاعتصام بصورة جيدة جداً مع ردود فعل جداً متفائلة وتشجيعية من الشارع والمارة، في اليوم الثاني سار بالمستوى نفسه إلى أن هاجمنا هؤلاء أثناء انتهاء وقت الاعتصام”.

وطالبت العدوي بالتواصل مع الحكومة لتوقيف المهاجمين ومحاسبتهم ومحاكمتهم قانونياً، “لقد تم التعرف عليهم وإرسال معلوماتهم إلى الجهات المتخصصة، رسائلنا ستبقى نفسها دون تغيير في سبيل أن نعيد الاستقرار إلى البلاد من بعد سنوات من الخسارات”.

قبول الآخر

في الوقت ذاته أطلقت مجموعة مدنية تضم ناشطين وإعلاميين وفنانين منهم من أبناء مدينة درعا والسويداء وسهل حوران نداءً إنسانياً بعنوان “تحريم الدم السوري”، وقع عليه ما يناهز 200 شخص. ويشرح الموقعون على البيان “الحاجة الملحة لرسالة واضحة تحصن المجتمع ضد الانزلاق في آتون حرب أهلية”. ويجزم رئيس الحركة الوطنية السورية زكريا ملاحفجي بأن “حادثة الاعتداء على الناشطين أمام البرلمان تشير بوضوح إلى أن المجال العام ما زال مشوباً بعدم تقبل الرأي والرأي الآخر، سواء من قبل السلطات أو من جهات غير رسمية تتصرف أحياناً بغض نظر عما يحصل، وما حدث يظهر أن هناك فجوة واضحة بين الخطاب الرسمي حول الحريات والواقع على الأرض، حيث ما زال التعبير عن الرأي عرضة للقمع أو المضايقة”. وأضاف، “المجتمع السوري يعيش في حال استقطاب حاد تجعل من المختلف سياساً أو فكرياً ’عدواً‘، مع انتشار ثقافة الخوف والتخوين، التي ترسخت على مدى عقود، حيث كان ينظر إلى أي تحرك مدني مستقل كتهديد لأمن الدولة أو للوحدة الوطنية”.

ولفت ملاحفجي إلى غياب المساءلة وعدم محاسبة المعتدين، مما يعطيهم شعوراً بالحصانة، بل وأحياناً تشجيعاً ضمنياً على تكرار الفعل. ورأى أنه “إذا كانت الدولة جادة في طي صفحة الحرب وبناء مرحلة جديدة، فإنها في حاجة إلى اتخاذ خطوات ملموسة، مثل سن قوانين واضحة تحمي حرية التعبير والتجمع السلمي، مع آليات تنفيذ فعلية، ومحاسبة كل من يعتدي على المتظاهرين السلميين، بغض النظر عن انتمائه أو خلفيته، وضمان استقلال القضاء، حتى يتمكن من الفصل في مثل هذه القضايا بموضوعية وشفافية”. كما أشار ملاحفجي إلى ضرورة “تعزيز ثقافة الحوار والتعددية، بخاصة عبر الإعلام والتعليم، والتوقف عن التخوين والتشهير بالمعارضين، وفصل الأمن عن الحياة المدنية، ومنع تدخل الأجهزة الأمنية أو المجموعات المرتبطة بها في قمع النشاط المدني”. وعبر عن اعتقاده أنه “لا يمكن الحديث عن إصلاح جذري ما لم تصن الحقوق الأساسية وعلى رأسها حرية التعبير، فهي ليست ترفاً، بل ركيزة لأي استقرار دائم”.

عواقب الاقتتال

وما زالت اشتباكات تدور في السويداء وريفها بين فصائل الشيخ الهجري، وبدو العشائر وسط انتهاكات في حق المدنيين وحالات إنسانية في غاية الصعوبة إثر فقدان الدواء والغذاء، ومناشدات من قبل أهالي المدينة بضرورة فتح معبر إنساني، وإجراء تسوية سياسية تحقن الدماء.

يأتي ذلك مع تدخل سلاح الجو الإسرائيلي الذي أغار على أطراف السويداء، مستهدفاً مقار ودوريات للأمن العام والجيش السوري، مع ضرب مقر مبنى الأركان وسط دمشق، وسبق هذا مناوشات جرت قبل أشهر في مدينتي جرمانا وصحنايا اللتين تقطنهما غالبية من السوريين الدروز، مع قوى الأمن الداخلي.

ويبلغ عدد السوريين من أبناء طائفة الموحدين الدروز بين 700 و800 ألف نسمة ويشكلون نحو 3.2 في المئة، يتركزون في ثلاث محافظات رئيسة قرب هضبة الجولان يعيش معظمهم في السويداء، بينما يعيش قرابة 20 ألف سوري درزي في الجولان الذي سيطرت عليه تل أبيب خلال حرب عام 1967 في حرب عرفت بـ”حرب الأيام الستة”.

وتعد قضية نزع السلاح من أبناء الطائفة الدرزية بعد سقوط النظام السابق، ودمج الفصائل المسلحة بالجيش السوري الجديد، المعضلة التي أشعلت الاقتتال، في ظل رفض شيخ العقل طائفة الموحدين الدروز، حكمت الهجري تسليم السلاح وأصر على إدارة المحافظة من قبل الفصائل المحلية ذاتها.

بلطجة و”شبيحة جدد”

في غضون ذلك يطالب حقوقيون بالكشف عن هوية المنفذين الذين شاركوا بالاعتداء ومحاسبتهم حتى لا تعاد صور التشبيح بـ”شبيحة جدد” وسط كل هذا الدم والعنف الحاصل.

ووثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان هذا الانتهاك الذي وصفته بـ”الصارخ” في حق النشطاء السلميين، واعتبرت أنه يعكس في الوقت ذاته “تقاعساً من الجهات المسؤولة في حماية المحتجين وملاحقة المعتدين”. وجاء في بيان خاص حول التأخر بالمحاسبة أن ذلك “يسلط الضوء على ثغرات قانونية ومؤسساتية تستوجب المعالجة العاجلة لضمان صون الحقوق الأساسية ومنع تكرار هذه الانتهاكات”.

في الأثناء أوصت الشبكة الحقوقية أيضاً بضرورة “فتح تحقيق جنائي وفوري ومستقل في حادثة الاعتداء، ونشر نتائجه مع محاسبة جميع المتورطين، بمن فيهم المنفذون المباشرون وأي جهات سهلت أو تقاعست عن أداء واجبها في الحماية”.

وأوصت الشبكة كذلك بضمان احترام الحق في التجمع السلمي وحرية التعبير، والعمل على مراجعة وتعديل القوانين والتعليمات المنظمة للفعاليات العامة بما ينسجم مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، و”إصدار تعميم رسمي إلى القوى الأمنية والمؤسسات الحكومية يؤكد وجوب احترام وحماية الاحتجاجات السلمية، ومنع أي جهات غير رسمية من التدخل أو الاعتداء على المدنيين”.

المحاسبة ضرورة

لفت التقرير الصادر على خلفية حادثة الاعتداء إلى ضرورة اتخاذ السلطات الأمنية والمؤسسات الشرطية جميع التدابير الوقائية اللازمة لحماية التجمعات السلمية، بما في ذلك نشر عناصر أمنية مرئية غير مسلحة وتدريبها على أسس التعامل مع الفعاليات المدنية وفقاً لمبادئ الأمم المتحدة، وضمان استجابة فورية لأي تهديد أو اعتداء يستهدف الناشطين المدنيين بصرف النظر عن هوية الجهة المعتدية أو خلفياتها.

وقال مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبدالغني بوجوب صدور إعلان والتحرك نحو محاسبة سريعة. ووصف ما حدث بـ”بلطجة” على شبان وشابات. وأرجع سبب هذا الاعتداء إلى التأجيج الطائفي على صفحات التواصل الاجتماعي واستسهال القتل والضرب.

واقتبس المعتصمون أمام البرلمان شعارهم “دم السوري على السوري حرام” من نداء مفتي الجمهورية السورية الشيخ أسامة الرفاعي في وقت سابق أواخر شهر أبريل (نيسان) الماضي حين دعا إلى التكاتف والوحدة الوطنية ورفض دعوات الفتنة.

وكرر المفتي الرفاعي دعوته في الـ18 من يوليو إلى تحريم قتل الأطفال والمدنيين من أي طائفة كانت والخيانة والاستعانة بإسرائيل في أعقاب التوترات الطائفية في محافظة السويداء.

وأكد الرفاعي ضرورة عدم الاعتداء على المدنيين وإخراجهم من ديارهم مما كانت طائفتهم، لافتاً إلى وجوب تحريم الخطابات الطائفية وخطرها.

——————————–

المخاض السوري… طائفية وظيفية/ علي العبدالله

23 يوليو 2025

بغضّ النظر عن السبب المباشر لانفجار القتال بين البدو والموحّدين الدروز في محافظة السويداء، وعن أنه مُدبَّر أو عفوي، فإن السلطة السورية الجديدة ركبت الموجة، وجرّدت حملة من قوات وزارتي الداخلية والدفاع على خلفية تقدير موقف مفاده بأن انخراطها في المفاوضات مع الكيان الصهيوني سيمنع هذا الأخير من التدخّل ضدّ تحرّكها لبسط السيطرة على المحافظة، التي رفضت الانضواء تحت سلطتها بشروطها، خصوصاً أنها متسلّحة بمباركة أميركية لتوجّهها لإقامة نظام مركزي في سورية. غير أن عمليات قتل المواطنين من أبناء طائفة الموحّدين الدروز وإذلالهم، وحلق شواربهم وإطلاق وصف “خنازير” عليهم التي وصفها معلّقون بمجازر معنوية، ونهب بيوتهم وحرقها، وتصوير ذلك وبثّه في وسائل التواصل الاجتماعي، منح الكيان الصهيوني فرصة لتجاهل الموقف الأميركي الداعم للسلطة في سعيها إلى بسط نفوذها على المحافظة المتمرّدة، والتدّخل بذريعة حماية الموحّدين الدروز، في حين كان هدفه الحقيقي تنفيذ تصوّره إزاء مستقبل سورية القائم على تفكيكها وإضعافها، بدءاً بفرض منطقة منزوعة السلاح في المحافظات الجنوبية الثلاث، القنيطرة ودرعا والسويداء، وصولاً إلى فرض نظام محاصصة فيها، ولعب دور مقرّر في سياساتها الداخلية والخارجية.

جاء زجّ العشائر العربية في مواجهة فصائل عسكرية من الموحّدين الدروز، فصائل موالية للشيخ حكمت الهجري على وجه الخصوص، لاحتواء تبعات فشل محاولة السلطة السورية الجديدة بسط سيطرتها على محافظة السويداء، واضطرارها لسحب قوات وزارتي الداخلية والدفاع، بعد دخول قوات الكيان الصهيوني خطّ المجابهة، وتنفيذها عدة غارات جوية لم تقتصر على استهداف قوات وزارتي الداخلية والدفاع في محافظة السويداء، بل غطّت مساحاتٍ شاسعة من الأرض السورية من الجنوب إلى الساحل، مستهدفة مواقع عسكرية، وبنى تحتية وخدمية، ومراكز سيادية. زجُّ العشائر خطوة ذكية وخطيرة في آن، تقيّد تدخّل قوات الكيان الصهيوني، من جهة، وتستبدل، من جهة ثانية، الحرب الأهلية بالمواجهة القائمة بين السلطة وقوى سياسية متمرّدة عليها، واضعاً سورية برمّتها في موقع الخطر والانفجار.

كانت تقديرات السلطة السورية الجديدة، كما عكسها حجم القوات والعتاد الثقيل، دبّابات وراجمات صواريخ وطائرات من دون طيّار (من نوع شاهين)، أن حسم الموقف والسيطرة على المحافظة بسرعة سيحدّ من فرص تدخّل قوى إقليمية ودولية، ومن تحفّظ منظّمات حقوقية وأممية، قبل أن تصطدم هذه التقديرات بالواقع، وتكشّف عدم صحّة قراءتها مواقف القوى الإقليمية والدولية، التي انتقدت، بقوة، سلوك قوات وزارتي الداخلية والدفاع، ضدّ المدنيين من الموحّدين الدروز، من قتل وإذلال ونهب وحرق البيوت، ودعت إلى محاسبة مرتكبي هذه الأفعال، هدّد مسؤولون أوروبيون بإعادة فرض العقوبات الاقتصادية مجدّداً. كان تصريح وزير الخارجية، ماركو روبيو، أكثر التصريحات الأميركية حدّة، إذ دعا الحكومة السورية إلى استخدام قواتها الأمنية لمنع “الجهاديين العنيفين” من دخول السويداء و”ارتكاب مجازر”.

جاءت نتيجة الحملة العسكرية بالضدّ من تقديرات السلطة السورية الجديدة، خسائر كبيرة في القوات والعتاد، وانسحاب اضطراري تحت تهديد صهيوني باجتياح برّي يصل إلى حدود العاصمة دمشق، وباستهداف السلطة مباشرة، ودعا وزير شؤون الشتات، عميحاي شيكلي، إلى القضاء على الرئيس الانتقالي أحمد الشرع فوراً، وفرض توازن قوى في ساحة المواجهة في غير صالح السلطة، لم تنجح “فزعة” العشائر العربية بتعديله عملياً، وظهر جلياً في بنود وقف إطلاق النار، الذي انطوى على التسليم بسيطرة أمنية للموحّدين الدروز على المحافظة بموافقة السلطة السورية الجديدة، وعلى انفرادهم بتسلّم الحواجز التي ستراقب الدخول إلى المحافظة والخروج منها، والاعتماد على ضبّاط من أبناء المحافظة للحفاظ على الأمن فيها، والاكتفاء بسحب السلاح الثقيل، ناهيك عن الإقرار بالمحافظة على خصوصية السويداء، ما يتعارض مع مبدأ سيادة الدولة في كلّ أراضيها، ويشكّل سابقة قد توظّفها قيادة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في دعم مطالبها بالاستقلالية العسكرية والأمنية.

لعبت توجّهات (وممارسات) السلطة السورية الجديدة، التي لا تزال تعيش مناخات حكمها محافظة إدلب، واستمرار سعيها إلى إقامة إمارة سُنّية، دوراً في تعميق الانقسام الداخلي وتكريسه، إن بتجاهلها وجود نسبة وازنة من السوريين من غير السُّنّة، وأنهم يتطلّعون إلى المشاركة الفعلية في تحديد توجّهات الدولة وخياراتها وصياغة قراراتها السياسية والاقتصادية والأمنية، عبر إقامة نظام تشاركي تعدّدي على قاعدة المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات، في تعارضٍ صارخٍ مع سلطة تتبنى خيارات سلفية، وتعمل على تحويل السُّنّة العرب إلى عصبية للسلطة، جيش سُنّي بعقلية وثقافة سلفية، وإدارات الدولة تخضع لرقابة مشايخ، دورهم أشبه بدور المفوّض السامي في الدول المُستعمِرة، وتعيينات على قاعدة الولاء لا الكفاءة، وتحويلهم (السُّنّة العرب) إلى أداة لمواجهة بقية المكوّنات السورية الأخرى، عبر إيهامهم بأن الدولة باتت دولتهم، وملك يمينهم، وعليهم المحافظة عليها بالالتفاف حول السلطة لتعزيز (وتكريس) سيطرتها على المجتمع. تشكيلة طائفية وظيفية، هدفها امتلاك الدولة وإلحاقها بالسلطة.

لم تكن المواجهة الدامية بين البدو والموحّدين الدروز مجرّد صدام بين مكوّنين سوريين تباينت مصالحهما، بل غطاء لبسط سيطرة السلطة السورية الجديدة على محافظة السويداء، وفق شروطها وتوجّهها لإقامة نظام رئاسي مركزي، وهو ما عكسته التجريدة العسكرية الضخمة، وعتادها الثقيل، دبابات وراجمات صواريخ ومسيّرات شاهين، التي لا تتناسب مع ما قيل إن هدفها هو “التهدئة”، ما اعتبر استفراداً بالموحّدين الدروز، ودفعهم نحو الاستسلام للسلطة، من دون اعتبار لمطالبهم بنظام تعدّدي تشاركي، والانخراط في مفاوضات جادّة معهم، بعيداً عن لغة السلاح، التي يمكن أن تجذب قوى محلّية وإقليمية ودولية تسعى إلى المحافظة على نفوذ قديم، أو الحصول على موطئ قدم جديد. فالخلاف السياسي بين السلطة وقيادات روحية وسياسية وعسكرية في محافظة السويداء لا يحلّ بالقوة، بل بالسياسة، وبالبحث الجدّي معهم حول منطقية وأحقّية مطالبهم، بالاستناد إلى رؤية وطنية شاملة، أساسها سورية آمنة ومستقرّة، دولة لكلّ مواطنيها. وهذا لم يتم. والأنكى ذهاب السلطة ومواليها لتجريم وتخوين الموحّدين الدروز، والحطّ من مكانة قياداتهم الروحية ممثّلة بالهجري، الذي بات هدفاً للتجريح والتخوين بعد أن كان مثالاً للشجاعة والوطنية، وبعد الإشادة بمواقفه وطروحاته حينما كان يبارك ويشجّع اعتصام ساحة الكرامة ضدّ النظام البائد، ويدافع عن مطالب المعتصمين، وتتطابق مواقفه العامّة (دولة مدنية علمانية، وسورية موحّدة) مع مواقف المعارضة السورية، أضاف إليها الآن التعددية والتشاركية ردّاً على استئثار السلطة السورية الجديدة بكلّ السلطات والصلاحيات، فالشيخ الهجري يعمل في المحافظة لما يعتبره كرامة الموحّدين الدروز، وهذا ما لم يجده في توجّهات (وممارسات) السلطة السورية الجديدة، فتحفّظ وعارض، وطالب بدولة يسودها القانون وتدار بالأكفاء لا بالموالين، تعترف بجميع مكوّناتها وتكفل حقوقهم.

قادت سياسات السلطة السورية الجديدة (الفئوية والتمييزية) إلى دفع الهجري لشدّ العصب الطائفي بطائفية وظيفية مضادّة، بتخويف الموحّدين الدروز من السلطة السورية الجديدة، التي نعتها بالتكفيرية، والعمل على توفير دعم دولي لمطالبه، عبر الحديث عن إبادة جماعية ضدّ الموحّدين الدروز، لكن من دون نجاح كبير، فالإدارة الأميركية، التي حدّدت مستقبل سورية وموقعها ضمن تصوّرها الشرق الأوسط الجديد، وباركت توجّه السلطة السورية الجديدة لإقامة نظام رئاسي مركزي، لم تكتفِ بتجاهل رسائل الموحّدين الدروز والعلويين والكرد، بلّ شكّلت غطاءً وحماية للسلطة، ما وضع الهجري في موقف دقيق وحرج، ودفعه نحو التخبّط وارتكاب الإثم الأكبر بطلب الحماية والدعم من الكيان الصهيوني، الذي يحتلّ أرضاً سورية، وفلسطينية، ويبيد الفلسطينيين في قطاع غزّة والضفة الغربية، وتحوّله هدفاً للتصويب عليه، وتحوّل الموحّدين الدروز “بطّة سوداء” لدى قطاعات واسعة من السوريين، وتحوّلت المواجهة بينه وبينهم مواجهة صفرية، خصوصاً بعد قصف الكيان الصهيوني قوات وزارتَي الداخلية والدفاع وتجمّعات العشائر في محيط مدينة السويداء، ومدّ عدوانه نحو مواقع عسكرية في الجنوب والساحل، وسيادية في العاصمة دمشق، ما انعكس سلباً على وضع الموحّدين الدروز الداخلي، على خلفية إدانة قوى عسكرية ودينية درزية مثل قوات رجال الكرامة، وقوات شيخ الكرامة، وتجمع أحرار جبل العرب، طلب الحماية، وتعرّضها لهجوم من فصائل المجلس العسكري، التي هاجمت مقرّات تجمّع أحرار جبل العرب وقوات شيخ الكرامة في السويداء، مع اتهامها بالخيانة والتعامل مع الدولة ضدّ الطائفة.

لن يجدي قول قيادة السلطة السورية الجديدة إنها تعتبر الموحّدين الدروز جزءاً أصيلاً من الشعب السوري، ولا وعدها بمحاسبة كلّ من ارتكب جرماً بحقّ المواطنين من كلّ الجهات، في رأب الصدع وجسر الهوة بين الطرفَين، إذ سينظر إلى أقوالها ذرّاً للرماد في العيون، لأنها لم تفعل ذلك طوال الشهور الماضية، وذهبت بعيداً في عنفها ضدّهم خلال المواجهات الأخيرة، فالمَخرج العملي الذي قد يفتح طريق المصالحة واستعادة الثقة يكمن في طرح مبادرة سياسية جادّة، وإطلاق مسار وطني حقيقي للتوافق على شكل النظام وعلى التوجّهات السياسية والاقتصادية المناسبة لإخراج البلاد من حالة الاستعصاء المدمّرة.

العربي الجديد

——————————–

توماس برّاك يدعو الشرع لتبني نهج أكثر شمولاً

23 يوليو 2025

دعا المبعوث الأميركي إلى سورية توماس برّاك الرئيس السوري أحمد الشرع إلى تقويم سياساته وتبني نهج أكثر شمولاً بعد جولة جديدة من الاشتباكات الدامية الأسبوع الماضي، وإلا سيكون مهدداً بفقدان الدعم الدولي وتفتيت البلاد. وقال برّاك إنه نصح الشرع في مناقشات خاصة بمعاودة النظر في تكوين الجيش قبل الحرب وطلب المساعدة الأمنية الإقليمية. وفي مقابلة في بيروت، قال برّاك لوكالة “رويترز” إنه من دون تغيير سريع، فإن الشرع يخاطر بفقدان القوة الدافعة التي أتت به ذات مرة إلى السلطة.

وأضاف توماس برّاك أنه يتعين على الشرع القول “سأتأقلم سريعاً، لأنني إن لم أفعل سأفقد طاقة الكون التي كانت تقف ورائي”، وقال إن الشرع يمكن أن “ينضج بصفة رئيس ويقول.. الشيء الصحيح الذي يجب أن أفعله هو ألا أتبع أسلوبي الذي لا يحقق المرجو منه”. ووصل الشرع إلى السلطة في سورية بعدما أطاح مسلحون تحت قيادته بنظام بشار الأسد في ديسمبر/ كانون الأول الماضي، وتعهد بحماية أفراد الأقليات الطائفية العديدة في سورية. إلا أن هذا التعهد بات على المحك، أولاً من خلال المواجهات التي جرت مع أفراد الطائفة العلوية التي ينتمي إليها الأسد في مارس/آذار، والآن من خلال الاشتباكات الدامية الأخيرة في السويداء بالجنوب الغربي.

وقال برّاك إن الحكومة الجديدة يجب أن تفكر في أن تكون “أكثر شمولاً على نحو أسرع” في ما يتعلق بدمج الأقليات في هيكل الحكم. لكنه رفض أيضا التقارير التي تقول إن قوات الأمن السورية مسؤولة عن الانتهاكات بحق المدنيين الدروز في السويداء، وأشار إلى أن مسلحي تنظيم “داعش” الإرهابي ربما كانوا متنكرين في زي الحكومة وأن المقاطع المصورة على وسائل التواصل الاجتماعي يسهل التلاعب بها وبالتالي لا يمكن الاعتماد عليها.

وقال “لم تدخل القوات السورية إلى المدينة. هذه الفظائع التي تحدث لا ترتكبها قوات النظام السوري. إنهم ليسوا حتى في المدينة لأنهم اتفقوا مع إسرائيل على عدم دخولها”. ساعدت الولايات المتحدة في التوصل إلى وقف لإطلاق النار الأسبوع الماضي ما أدى إلى إنهاء القتال الذي اندلع بين مسلحي العشائر البدوية والفصائل الدرزية في 13 يوليو/ تموز.

وقال توماس برّاك إن المخاطر في سورية عالية للغاية، في ظل عدم وجود خطة خلافة أو بديل ممكن للسلطات الجديدة. وأضاف “مع هذا النظام السوري، لا توجد خطة بديلة. إذا فشل هذا النظام السوري.. وهناك من يحاول دفعه للفشل.. (لكن) لأي غرض؟ فلا يوجد خليفة له”. ورداً على سؤال عما إذا كانت سورية يمكن أن يؤول بها الحال إلى ما آلت إليه ليبيا وأفغانستان، قال “نعم، بل أسوأ من ذلك”.

وقالت الولايات المتحدة إنها لم تدعم الغارات الجوية الإسرائيلية على سورية، التي زعمت تل أبيب أنها نفذت لـ”حماية” الدروز في السويداء. وقال برّاك إن الغارات زادت “الارتباك” في سورية. وتصف إسرائيل المسؤولين الحاليين في دمشق بأنهم متشددون خطيرون، وتعهدت بإبقاء القوات الحكومية بعيداً عن جنوب غربي سورية وحماية الأقلية الدرزية السورية في المنطقة، وشجعها على ذلك تحريض من الطائفة الدرزية في إسرائيل.

وقال برّاك إن رسالته إلى إسرائيل هي إجراء حوار لتهدئة مخاوفها بشأن القادة الجدد في سورية، وإن الولايات المتحدة يمكن أن تلعب دور “الوسيط النزيه” للمساعدة في تبديد أي مخاوف، وإن الشرع لمّح في بداية حكمه إلى أن إسرائيل ليست عدوا له، وأنه يمكن أن يطبع العلاقات معها في الوقت المناسب، وإن الولايات المتحدة لا تفرض الشكل السياسي الذي يجب أن تكون عليه سورية سوى أن يتسم بالاستقرار والوحدة والعدالة والشمول. وأضاف “إذا انتهى الأمر بحكومة اتحادية، فهذا هو قرارهم. والإجابة عن هذا السؤال هي أن الجميع قد يحتاجون الآن إلى التكيف”.

(رويترز، العربي الجديد)

——————————-

أيش يعني سوري ؟”… قتل على الهويّة في شوارع السويداء المنكوبة

23.07.2025

رفع منير الرجمة يديه في محاولة يائسة للنجاة. لم يكن يحمل سلاحاً ولا حتى حجراً، فقط كلمات تخرج من فمه المرتجف، يحاول بها إقناع قاتليه بالتراجع. قال لهم: “سوري”. لكن الإجابة جاءت باردة، قاطعة: “أيش يعني سوري؟ درزي ولا سني؟”. تلعثم، تردد، ثم قال بصوت خافت: “يا أخي درزي”، فأطلق عليه المُسلّح الرصاص من دون تردد.

رفع منير الرجمة يديه في محاولة يائسة للنجاة. لم يكن يحمل سلاحاً ولا حتى حجراً، فقط كلمات تخرج من فمه المرتجف، يحاول بها إقناع قاتليه بالتراجع. قال لهم: “سوري”. لكنّ الإجابة جاءت باردة، قاطعة: “أيش يعني سوري؟ درزي ولا سني؟”. تلعثم، تردد، ثم قال بصوت خافت: “يا أخي درزي”. فأطلق عليه المُسلّح الرصاص من دون تردد. منير من مدينة الثعلة، كان يعمل حارس بئر بحسب ما صرّح أقاربهم لـ “السويداء 24”.

لم يكن هذا الفيديو حالة استثنائية، في زحام المجازر في السويداء التي حصلت خلال الأسبوع الماضي، بل كان واحداً من مشاهد كثيرة توثّق عمليات إعدام ميدانية طائفية وجزءاً من سلسلة عمليات قتل طائفي خلال يومي 15 و16 تموز/ يوليو الجاري، داخل أحياء السويداء وقراها.

قالت لهم إن جيرانها مسيحيون

لم تكن غادة (اسم مستعار)، وهي سيدة مسيحية، تتوقع أن تكون سبباً في إنقاذ حياة جيرانها الدروز. فحين دخل عناصر من الأمن العام ووزارة الدفاع إلى منزل غادة وسألوها عن ديانتها، أجابتهم بأنها مسيحية، فقالوا لها: “مسيحية لا نريد، نريد الدروز فقط”، لتسارع السيدة بالقول: “المنزل المجاور لنا، والمقابل لنا أيضاً، كلاهما يعودان الى عائلات مسيحية”.

لكن الحقيقة أن المنزلين كانا يعودان الى عائلات درزية، وكانت في أحدهما عائلة كاملة تختبئ داخل ممر ضيق، من دون أن تصدر أي صوت.

تتحدث راما (اسم مستعار)، وهي واحدة من أفراد الأسرة التي نجت بتلك المصادفة، قائلة إنها غير مصدّقة الى الآن أنهم عاشوا تجربة كهذه. فقد ظلّوا جالسين في الممر ثلاثة أيام كاملة، من دون أن يجرؤ أحد منهم على إصدار أي صوت.

في 15 تموز/ يونيو الحالي، كان يفترض أن تتدخل القوات الحكومية لفضّ نزاع بين فصائل درزية وأخرى من أبناء العشائر في ريف السويداء الغربي. لكن بدلاً من تهدئة التوتر، أدى دخول قوات وزارة الدفاع والأمن العام إلى تصعيد خطير، إذ بدأت فور انتشارها عمليات قتل واسعة، ترافقت مع نهب للمنازل وإحراقها. تحوّل التدخل الرسمي إلى غطاء لمجزرة، طاولت مدنيين وعائلات كاملة، وسط غياب أي حماية أو مساءلة. لم تفرّق النيران بين مسلح وأعزل، وبدت القوات وكأنها جزء من الصراع، لا جهة ضابطة له، ما عمّق المأساة ووسّع رقعة العنف.

على إثر المجازر ضد الدروز، شنّت فصائل درزية مسلّحة هجمات انتقامية على أحياء يقطنها البدو، ما أسفر عن مقتل نحو 35 شخصاً حسب المرصد السوري لحقوق الإنسان في آخر إحصاءاته. في المقابل، هاجمت عشائر من مناطق مختلفة السويداء بغطاء حكومي، وسط اتهامات بتواطؤ رسمي ساهم في تأجيج الصراع.

المدينة الصغيرة لم تكن مستعدة لصراع كهذا، إذ سرعان ما امتلأت مستشفياتها بالمصابين والجثث، وزاد الحصار المفروض على المدينة الوضع سوءاً.

“كنا نعالج الناس ونسمع إطلاق النار حولنا”

يوم الإثنين 14 تموز، كانت الاشتباكات لا تزال مستعرة في عدد من القرى الحدودية. الطبيب حاتم المغوش كان يناوب في المستشفى الوطني في السويداء، ويتعامل مع موجة من الإصابات التي وصلت تباعاً. “استطعنا السيطرة على الوضع حينها”، يقول. لكن مع صباح يوم الثلاثاء، تصاعدت الأحداث بشكل مفاجئ.

استيقظ المغوش على دوي انفجارات، فقد بدأ قصف المدينة، وبدأت الإصابات بالتوافد بالعشرات. “هنا أدركنا أنهم باتوا قريبين من مركز المدينة”، يروي. “وصلنا قتلى وجرحى من أطفال ونساء وشيوخ، جثث كثيرة أُعدم أصحابها ميدانياً، طلقات مباشرة في الرأس والصدر… حاولنا التماسك، لكن في النهاية، انهار الجميع”.

أحرقت فصائل العشائر والفصائل المنضوية تحت الحكومة أكثر من 25 قرية في السويداء، ونزح نحو 100 ألف شخص إلى قرى وبلدات أخرى. في المقابل، أفادت شهادات من البدو المُهجرين بإحراق بيوت وقتل وتهجير مارسته فصائل درزية مسلحة محسوبة على الهجري.

ساء وضع المستشفى ظهر الثلاثاء مع وصول القوات الحكومية، يقول الطبيب حاتم المغوش: “سمعنا صوت رصاص. اكتشفنا أن عناصر من وزارة الخارجية والأمن العام يشتبكون مع شبابنا في قسم الإسعاف، كنا نعالج الناس ونسمع إطلاق النار حولنا”. لاحقاً، وصلت دبابة إلى حي المستشفى وبدأت القصف، “تخبّينا كلنا في الممر، ولم نعد قادرين على الوصول إلى المرضى”.

ويضيف حاتم: “ثم دخل عناصر الأمن العام إلى المستشفى، وكان بينهم سوريون، وكان التعامل معهم أيسر، إلى جانب أجانب وتشكيلات يرتدون عصبة حمراء لم نعرف هويتهم”.  يتابع: “لا يمكن وصف الشتائم التي وجهوها لنا، نعتونا بالخنازير والكلاب، وقال أحدهم لي: لو ما كنت دكتور وعم نحتاجك، كنت قتلتك”.

في الليل، عاد عناصر من القوات الحكومية وهاجموا المستشفى مجدداً، صادروا هواتف المرضى والكادر الطبي وهددوهم بالتصفية. يقول الطبيب: “قالوا لنا عند الساعة 11 راح تبدأ المجزرة، بس انتظروا ربع ساعة”. مرّت الساعة 11، فانتظر الكادر حتى الـ12، ثم حتى الواحدة. وعند الساعة الواحدة والنصف، غادر المقاتلون المستشفى، وسمع الطبيب أنهم غادروا المحافظة، ويختم: “الذي علمناه هو أنّه بينما كنّا محاصرين ومختبئين داخل المستشفى، كان أي مصاب يصل إليه يُطلق عليه النار عند الباب”.

تتقاطع شهادة الطبيب حاتم المغوش مع شهادات نشرتها بي بي سي، قال فيها الكادر الطبي إن المرضى قُتلوا في أسرّتهم.

“عقاب جماعي للسويداء”

على رغم إعلان وقف إطلاق النار يوم الإثنين الفائت، ما زالت قرى في الريف الشمالي تتعرض للهجوم، وقال الصحافي تمام صيموعة لـ “درج”: “شهد الريف الشمالي، وتحديداً مدينة شهبا، هجوماً بعدد من المسيّرات، تزامناً مع استهداف صوامع القمح في المنطقة الصناعية بأم الزيتون. وباتت مناطق الريف الشمالي، من الصورة إلى أم الزيتون، غير آمنة حالياً، مع انتشار مجموعات من العشائر التي تمارس أعمال القتل والقنص والسلب”.

وبحسب صيموعة، تعرضت غالبية القرى الشمالية ليس فقط للسرقة والتعفيش، بل أيضاً أُحرقت مراراً، في مشهد يُنذر بمزيد من التدهور الأمني والإنساني في المنطقة.

 وصلت إلى السويداء قافلة واحدة فقط قبل ثلاثة أيام، تابعة للهلال الأحمر. في المقابل، لم تدخل القافلة الثانية التي قدّمتها وزارة الصحة وإدارة الكوارث ووزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، وذلك بعدما رفضت الفصائل المحلية في السويداء استقبال الوفد الرسمي المرافق لها.

يقول صيموعة: “اختارت السلطات حرمان السويداء من المساعدات كردّ على رفض دخول الوفد الحكومي، في محاولة لإرسال رسائل سياسية مضلّلة، ضمن بروباغندا تصوّر ما يحدث على أنه نتيجة وجود “عصابات خارجة عن القانون”، في حين أن المشكلة أعمق وأكثر تعقيداً من ذلك”.

تشهد السويداء اليوم تحديات متفاقمة، أبرزها الحصار الخانق المفروض على المحافظة. فحتى في المناطق التي لم تتعرض لمواجهات عسكرية مباشرة، يعاني السكان من نقص حاد في المحروقات، ما أدى إلى شح كبير في المواد الغذائية والمياه، وازدياد صعوبة تأمين أبسط مقومات الحياة. بحسب صيموعة.

ويعد قطع الاتصالات اليوم من أبرز التحديات، إذ “يعاني معظم السكان من انقطاع شبه تام في خدمات الاتصال، ما أدى إلى تشتيت العائلات وفقدان التواصل بين النازحين والمهجّرين، وهو ما يُستخدم كوسيلة عقاب جماعي تعمّق من مأساة الناس”، يختتم صيموعة.

درج

——————————-

إيش يعني سوري؟”: إعدامات ميدانية للدروز في السويداء

الأربعاء 2025/07/23

أثار مقطع فيديو إعدام خارج القانون لشخص مدني ينتمي إلى الطائفة الدرزية يرجح أنه في محافظة السويداء السورية،  غضباً واسعاً في مواقع التواصل الاجتماعي بعدما أطلق عليه مسلح النار بناء على هويته الطائفية وأرداه قتيلاً.

وتداولت وسائل إعلام سورية مقطع فيديو يظهر مسلحاً من العشائر البدوية يقول لشخص مدني أعزل: “إيش يعني سوري؟ مسلم ولا درزي؟”، ليُسمع بعد ذلك صوت الرجل وهو يقول: “درزي أنا يا أخي”، وسط أصوات مسلحين آخرين يقولون لمن يستعد لإطلاق النار “درزي درزي”، حسبما نقلت شبكة “سي إن إن”.

وبعدما علم الجهادي المسلح بأن الضحية ينتمي للطائفة الدرزية صرخ: “ألله أكبر” ثم أطلق النار عليه حسبما يظهر المقطع، فيما قالت وزارة الدفاع السورية أنها ستجري تحقيقات بـ”انتهاكات صادمة وجسيمة ارتكبتها مجموعة غير معروفة ترتدي الزي العسكري في مدينة السويداء”.

وحدثت هذه الجرائم أثناء اندلاع أعمال عنف في السويداء طيلة الأسبوع الماضي واستمرت حتى مساء الثلاثاء، دخلت على إثرها قوات حكومية إلى المدينة لـ”فض الاشتباك” بين فصائل مسلحة درزية وأخرى بدوية في المحافظة، قبل أن يتحول الأمر إلى هجوم لعشائر عربية من محافظات متعددة على محافظة السويداء ضمن ما يسمى “الفزعة” و”انتقاماً لانتهاكات بحق البدو”.

وأثار الفيديو الأخير إلى جانب مقاطع أخرى لإعدامات ميدانية لمواطنين دروز في السويداء غضباً واسعاً إضافة إلى نقاش حول التمزق الذي تعيشه سوريا حالياً ولا يمكن إنكاره، مع مطالبات لحكومة دمشق بمحاسبة من يقوم بالانتهاكات خصوصاً من الفصائل المنضوية تحت إدارة الجيش الحالي أو العشائر البدوية الموالية للسلطة.

وانتشرت صورة الضحية الذي ظهر في المقطع، بشكل واسع في منصات التواصل الاجتماعي مع جملة “إيش يعني سوري؟” وسط إدانة شديدة لسلوك الجناة، وباتت الجملة شعاراً يحيل إلى بكائيات على الإنسان السوري المقهور في زمن الأسد وما بعده، حيث تبقى البلاد من دون هوية سورية وطنية جامعة، بينما تبرز الانتماءات الطائفية كمحدد وحيد للهوية، ما يعيد مجدداً إلى تعريف الحرب الأهلية التي ينكر وجودها سوريون كثر.

وقالت وكالة “أسوشييتد برس” أن رجلاً سورياً أميركياً من الطائفة الدرزية، قتل في جنوب سوريا بعدما علق في اشتباكات طائفية هناك الأسبوع الماضي أثناء زيارته لأفراد من عائلته، حسبما أفاد به أقاربه ومسؤولون أميركيون، مساء الثلاثاء.

وأكدت وزارة الخارجية الأميركية مقتل المواطن الأميركي حسام سرايا في مدينة السويداء، وقدمت تعازيها لعائلته. وقال أقاربه وأصدقاؤه أن سرايا، وهو في منتصف الثلاثينات ومن سكان أوكلاهوما، قتل في هجوم وقع الأربعاء الماضي، فيما قتل قتل مئات الأشخاص، من المدنيين والمقاتلين، قبل أن يهدأ وقف إطلاق النار القتال، لكن الاشتباكات استؤنفت بعد أيام. وقالت المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة إن أكثر من 130 ألف شخص نزحوا بسبب القتال.

وهددت الاشتباكات الانتقال الهش في سوريا وسلطت الضوء على الصعوبات التي تواجهها الحكومة الجديدة وهي تحاول ترسيخ سيطرتها على البلاد، بعد أشهر من إطاحة مقاتلين يقودهم الإسلاميون، رئيس النظام المخلوع بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر الماضي.

إلى ذلك، أعربت وزارة الداخلية السورية، عن “إدانتها” لمقاطع فيديو متداولة تظهر تنفيذ إعدامات ميدانية من قبل أشخاص وصفتهم بـ”مجهولي الهوية” في مدينة السويداء، مؤكدة أن هذه الأفعال “تمثل جرائم خطيرة يعاقب عليها القانون بأشد العقوبات”، حسبما نقلت “وكالة الأنباء الألمانية”.

المدن

————————–

غزوة العشائر”: البُنية والتعبئة والعلاقة مع “الهيئة” في هجوم السويداء/ مازن عزي

19.07.2025

يثبت استدعاء العشائر لشنّ هجمات بعيدة عن مواطنها، أن القيادة العسكرية للإدارة الانتقالية في سوريا تبحث عن أدوات حرب منخفضة الكلفة من منظورها، مرتكزة على وفرة المقاتلين وقابلية تحريكهم السريع عبر خطوط السيطرة القائمة.

تشكّل الهجمات الأخيرة على محافظة السويداء نقطة تحول خطير في مسار الصراع السوري، مع انتقال “الإدارة الانتقالية” التي تسيطر عليها “هيئة تحرير الشام” إلى تنفيذ حملات ذات طابع تطهيري طائفي وعشائري، تستهدف واحدة من أكثر المجتمعات تماسكاً وخصوصية في البلاد. المذبحة التي وقعت منتصف تمّوز/ يوليو، وما تلاها من تعبئة عشائرية من خارج البيئة الجغرافية والاجتماعية للمحافظة، تطرح أسئلة حول طبيعة الفاعلين العشائريين، ومدى ارتباطهم ببنية الدولة وأجهزتها العسكرية والأمنية.

يركّز هذا المقال على كيفية تجنيد عشيرتي العقيدات والنعيم، وعلى الدور الذي لعبته قيادة الإدارة الانتقالية و”هيئة تحرير الشام” في تحويل النَسَب القبلي إلى أداة صدامية عابرة للجغرافيا، مع توضيح غياب الروابط القرابية أو السياسية بين هذه العشائر ومحافظة السويداء، وما يعنيه ذلك من توظيف سياسي صرف للحشد العشائري في سياق الصراع السوري الحالي.

بدأت المشكلة فعلياً، عندما نصبت قوّات عشائرية من بدو منطقة المطلّة من منطقة الكسوة في ريف دمشق، تابعة للأمن العامّ في وزارة الداخلية، حاجزاً أمنياً على طريق دمشق السويداء. الحاجز وضع بعد حملة “بدنا نبيد الدرزية” التكفيرية والتخوينية ضدّ الدروز، على خلفيّة التسجيل الصوتي المفبرك المنسوب إلى شيخ درزي يشتم فيه رسول المسلمين.

الحملة العسكرية التي قادتها حينها قوّات وزارتي الدفاع والداخلية ومليشيات عشائرية، في نهاية نيسان/ أبريل ومطلع أيّار/ مايو، ضدّ دروز صحنايا وأشرفيتها وجرمانا، وقرية الصورة الكبيرة في ريف السويداء الشمالي، أسفرت عن مقتل نحو 130 شخصاً، ودمار كبير في قرية الصورة الكبيرة، وتهجير دروز أشرفية صحنايا.

ارتكب حاجز المطلّة انتهاكات متكرّرة بحقّ المسافرين الدروز بين السويداء والعاصمة دمشق، تنوّعت ما بين السرقة، والإهانات الطائفية، وقطع الطريق بشكل متكرّر. مع الوقت، تزايد حجم الانتهاكات بطريقة تصاعدية، مع استخدام “الإدارة الانتقالية” له كأداة سياسة لمعاقبة السويداء، التي رفضت فصائلها تسليم سلاحها.

الحاجز كان يقطع الطريق بشكل اعتباطي، ولأسباب متعدّدة، ولأيام، ما تسبّب بأزمات كبيرة في السويداء تتعلّق بتوريد المحروقات، والغذاء، والمواد الطبية، وحركة الطلّاب والموظّفين. في مرّات متعدّدة استخدم عناصر من بدو المطلّة الأسلحة الرشاشة ضدّ الحافلات والسيارات المارّة على الطريق من دون أسباب. وبعد مطالبات متكرّرة، أرسلت قوّات الأمن العامّ قوّة أخرى من دمشق لاستلام الحاجز، لكنّها قالت إنها خاضت اشتباكاً مسلّحاً مع العشائر، وعادت أدراجها إلى دمشق.

في 12 تمّوز/ يوليو، تعرّض تاجر درزي للتعذيب والسرقة والإهانات الطائفية على يد عناصر الحاجز. ردّاً على ذلك، أقدمت عصابة محلّية من السويداء، كانت على علاقة مع الأمن العسكري أيّام نظام الأسد، على عمليّة خطف مشبوهة الغايات، لمجموعة من بدو منطقة المقوس شمال شرق مدينة السويداء، بدعوى الاحتجاج على ما تعرّض له التاجر. وردّاً على ذلك، وفي خطوة هي الأولى من نوعها، خطفت مجموعة عشائرية من المقوس على حاجز، مجموعة من الدروز.

ولا علاقة فعلياً بين بدو المقوس، وبدو المطلّة. إذ إن بدو المطلّة بشكل رئيسي هم من فروع عشيرة النعيم، خاصّة نعيم الجولان ووادي عجم، وقد استقرّوا على أطراف غوطة دمشق في منتصف القرن العشرين. بينما بدو السويداء ينتمون إلى زبيد، وعنزة، وبني خالد، والفواعرة؛ وقد استقرّوا حول جبل العرب منذ القرن الثامن عشر.

حينها، بدأت قوّات وزارتي الداخلية والدفاع إرسال عناصرهما مدعومين بفصائل جهادية ومجموعات عشائرية إلى ريف درعا الشرقي، بغرض تنفيذ عمليّة عسكرية في السويداء، ضدّ “عصابات الهجري” ولـ”فضّ النزاع” بين البدو والدروز. ورغم إجراء عمليّة تبادل للمخطوفين، بدأت قوّات الإدارة الانتقالية هجوماً مسلّحاً على قرى ريف السويداء الغربي، بمساعدة عشائر اللجاة، عشائر السويداء خاصّة في بلدة المزرعة، ومن ثم الشقراوية، والمقوس.

تعداد عشائر بدو السويداء يصل إلى نحو 35 ألفاً، من أصل 700 ألف تقريباً من سكّان المحافظة. وتحظى عشائر بدو السويداء وريف دمشق ودرعا، بدعم وتمويل من الشيخ العشائري ركان الخضير، السوري- الأردني قائد “تجمّع عشائر الجنوب السوري”، ومن الأسماء الأبرز التي تتردّد في ملفّات التهريب بين الحدود السورية الأردنية. الخضير زعم في تصريحات تلفزيونية خلال الأحداث، بأن فصائل درزية ارتكبت مجازر بحقّ البدو واحتجزت أكثر من ألفي بدوي، وطالب الحكومة السورية بحماية العشائر والسماح لها بالدفاع عن نفسها.

بين يومي 15 و16 تمّوز/ يوليو، نفّذت قوّات الوزارتين والميليشيات العشائرية، عمليّة عسكرية استخدمت فيها القوّة المفرطة بالدبابات والمدفعية وقذائف الهاون والدرونات. واستولت القوّات المهاجمة على ريف السويداء الغربي، وأجزاء من مدينة السويداء. ونتيجة تصدّي فصائل السويداء المحلّية، والمقاومة الأهلية، وأيضاً ضربات الطيران الإسرائيلي على إدارة الأركان في دمشق، وعلى أرتال القوّات المهاجمة، اضطرّت “الإدارة الانتقالية” إلى سحب قوّاتها.

ومع تكشّف فجر 17 تمّوز/ يوليو، بدأت تتكشّف آثار المجزرة التي ارتكبتها تلك القوّات، والتي يُعتقد أنها بحسب تقديرات أوّلية قد خلّفت ما يزيد على 500 قتيل في مدينة السويداء وحدها، غالبيتهم من المدنيين، ممن قُتلوا في بيوتهم. وقد تعرّضت جميع المناطق التي دخلتها تلك القوّات إلى نمط ممنهج من الإعدامات الميدانية، والتعذيب، الإهانة والإذلال، وفقدان المئات من الأهالي. أيضاً، عفّشت تلك القوّات كلّ محتويات البيوت التي دخلتها، وأضرمت النيران بكثير منها.

وقبل أن تستوعب السويداء حجم الإبادة الرهيبة التي تعرّض لها الأهالي، وقبل أن يتمكّنوا من جمع جثامين أحبائهم من الشوارع والبيوت، وقبل أن تتمكّن الفصائل من تمشيط قرى الريف الغربي، انتقلت “الإدارة الانتقالية” إلى تنفيذ خطّة بديلة.

في صباح 17 تمّوز/ يوليو، تمّ نشر بضعة صور لانتهاكات قام بها الدروز ضدّ عشائر البدو في المحافظة، التي تبيّن لاحقاً أن أغلبها مفبرك. فعلاً، وقعت انتهاكات ضدّ عشائر البدو، من قِبل عناصر من الفصائل. بعدها مباشرة، بدأت حملة إعلامية واسعة النطاق، ركّزت بشكل كثيف على الانتهاكات بحقّ البدو، في اليوم الذي استفاقت فيه السويداء على أكبر مجزرة جماعية في تاريخ الجماعة الدرزية.

وعلى الفور، بدأت حشود عشائرية من محافظة دير الزور بالتوافد إلى السويداء، ضمن ما يُعرف بـ”فزعة العشائر العربية” للانتقام منهم. إذ بدأت تحشيدات العشائر تصل تباعاً إلى نقاط تمركز قوّات الإدارة الانتقالية شمال محافظة السويداء وغربها، بسرعة، رغم أن المسافة التي قطعوها من محافظة دير الزور شرق سوريا نحو 550 كيلومتراً، وتستغرق ما يقارب 7 ساعات بالسيّارة. وقد نُقِلَ المقاتلون بكلّ الوسائل الممكنة، بما فيها الباصات، و”البيكآبات”، والشاحنات، وشاحنات برّادات النقل.

أرتال العشائر الكبيرة، مرّت عبر كلّ الحواجز الأمنية والعسكرية التابعة للإدارة الانتقالية، وأيضاً حواجز تابعة لـ”قوّات سوريا الديموقراطية”، ويُظهر نمط التحشيد العشائري، وطريقة انتقال المقاتلين، وسرعة وصولهم، مروراً بالحواجز الأمنية والعسكرية، أن الأمر لم يكن استجابة عفوية أو ثأرية، بل جزء من خطّة بديلة معدّة مسبقاً، نُفّذت فور فشل الهجوم النظامي على السويداء.

ويتكوّن الحشد المشارك في “فزعة العشائر العربية” أساساً من عشيرتين نافذتين؛ العقيدات والنعيم، المنتشرتين شرقي دير الزور، ضمن مناطق تقع إما تحت سيطرة “الإدارة الانتقالية” التي تقودها “هيئة تحرير الشام” وإما “قوّات سوريا الديمقراطية”.

تتلقّى عشيرة العقيدات توجيهاً مباشراً من شخصيّتين مركزيتين في الإدارة الانتقالية: رئيس جهاز الاستخبارات في الإدارة الانتقالية حسين السلامة، وكذلك القيادي البارز في “هيئة تحرير الشام” يوسف الهجر، وكلاهما من العقيدات.

أما عشيرة النعيم، فتتمركز في مناطق مختلفة في سوريا، بعضها في دير الزور، يقودها محمد الجاسم “أبو عمشة”، القائد البارز في وزارة الدفاع، والمعاقب دولياً بسبب جرائم حرب وجرائم ضدّ الإنسانية بحقّ العلويين والكرد. “أبو عمشة” ينحدر في الأصل من عشيرة النعيم في سهل الغاب في ريف حماة الشمالي- الغربي، رغم أنه يروّج أحياناً لانتسابه إلى التركمان لكسب دعم سياسي.

من اللافت أن عشائر كبيرة أخرى في دير الزور والرقّة مثل البقّارة، الجبور، العفادلة، شُمّر، وِلدَة وطي، لم تنخرط في هذا الحشد، كما أنها لا تملك تمثيلاً في مواقع القرار داخل “هيئة تحرير الشام” أو الإدارة الانتقالية، مما يُضعف الطابع التمثيلي العشائري لـ”الفزعة”، ويُظهر الطابع الموجّه سياسياً وعسكرياً للحملة.

وبينما يوجد رابط واهٍ بين بدو المطلّة في ريف دمشق وعشيرة النعيم، فإنه لا يوجد أي روابط قرابية أو عائلية تربط بدو محافظة السويداء، بعشائر النعيم ولا العقيدات، ولم تُسجّل أي علاقة بين هذه المكوّنات، مما يُرجّح فرضية التوظيف السياسي المباشر لهذا الحشد.

في 18 تمّوز/ يوليو، ومنذ الفجر، تحشّدت العشائر على أكثر من محور، وبدأت هجومها، وتمكّنت من دخول بعض المواقع في مدينة السويداء، ومناطق متعدّدة في ريفها. ومجدّداً ارتكبت هذه العشائر أعمال إبادة ممنهجة، إعدامات ميدانية لعائلات بكاملها، سرقة كلّ شيء، ثم حرق المساكن والبيوت وتفجيرها.

ونقطة القوّة الكبرى التي امتلكها هذا الحشد العشائري، هي عدد المقاتلين الكبير الذي تراوح بين 7- 10 آلاف مقاتل، بحسب التقديرات، ما مكّنه من التوزّع على محاور كثيرة، وتسبّب بانهيار بعض محاور القتال. إذ إن المدافعين الدروز وهم من الأهالي الذين تسلّحوا لحماية مناطقهم بشكل رئيسي، وأيضاً من فصائل السويداء المحلّية، كانوا قد تعرّضوا لخسائر كبيرة جدّاً في الأرواح، والعتاد، والخطوط الدفاعية، بعد هجمات قوّات الوزارتين. بينما ظهر واضحاً ضعف تلك القوّات، وسوء تنظيمها، وتركيزها على التعفيش، وقد تمكّنت المقاومة الأهلية والفصائل المحلّية من صدّ تلك القوّات، وإيقاع خسائر في صفوفها.

مع ساعات مساء 18 تمّوز/ يوليو، سقطت بيد العشائر قرى جرين، المجدل، لاهثة، حيث ارتكبت فظائع رهيبة تتبع النموذج نفسه: إعدامات ميدانية، تعفيش كلّ شيء، من البيوت إلى المزارع، الى المعدّات، ثم حرق كلّ شيء.

في ليلة 18 تمّوز/ يوليو، وفجأة بعد التوصّل إلى اتّفاق برعاية أميركية، تركية أردنية وسعودية، توقّف إطلاق النار، وبدأت أرتال العشائر بالانسحاب، تاركة خلفها مناطق محروقة ومنكوبة، من دون تحقيق أي هدف له معنى سياسي، كما هو حال هجمات الوزارتين.

يثبت استدعاء العشائر لشنّ هجمات بعيدة عن مواطنها، أن القيادة العسكرية للإدارة الانتقالية تبحث عن أدوات حرب منخفضة الكلفة من منظورها، مرتكزة على وفرة المقاتلين وقابلية تحريكهم السريع عبر خطوط السيطرة القائمة.

غير أن هذه الاستراتيجية تكشف هشاشة سلطة حكومة أحمد الشرع، فهي تُراكم عداوات جديدة مع فئات محلّية وأطراف إقليمية، ولا تحقّق مكاسب سياسية قابلة للتثبيت. كما أن غياب مشروع جامع أو رابطة اجتماعية دائمة بين العشائر المهاجِمة والمنطقة المستهدَفة، يجعل الحشد أقرب إلى غزوة نهب لا إلى حملة استقرار، ويعني بالضرورة أن أي انسحاب مفاجئ سيخلّف أرضاً محروقة، من دون أي مكسب استراتيجي.

 الاعتماد على التعبئة العشائرية، لن يمنح “هيئة تحرير الشام” نفوذاً طويل الأمد، بل يُنذر بتحويل كامل الجغرافيا السورية، وربما الحدودية المجاورة، إلى مناطق مستباحة.

في سوريا هذه، المسافة بين دمشق والسويداء، باتت أبعد من أي وقت مضى. السويداء اليوم، رغم صدّها الهجمة العسكرية المزدوجة عليها؛ السلفية والعشائرية، هي منكوبة، وبانتظار اكتشاف أبعاد الحملة عليها، وتضميد جراحها، ودفن قتلاها، والتفكير طويلاً بعلاقتها بالجسد السوري المريض.

 – كاتب وصحافي سوري

درج

———————————

السويداء والسيناريو الأسوأ: أين يتواجد الهجري وإلى أين يمكن أن يلجأ؟

مصادر تؤكد بقاءه في السويداء وتستبعد مغادرته… والخطر يحوم حول الشرع

طارق علي

الأربعاء 23 يوليو 2025 15:42

ملخص

مفاوض قوي خير من شرذمة متنافرة… الهجري متشبث في البقاء بالسويداء في ظل معلومات تتحدث عن وجود نية لاغتياله ودوائر أخرى تخطط لاغتيال الرئيس أحمد الشرع.

لا يمكن القول إن مشكلة السويداء بمفهومها العام بدأت مع الأحداث الأخيرة التي ما زالت جارية خلال الشهر الجاري، بل هي قصة محافظة معقدة في تركيبتها السياسية والاجتماعية والدينية والجغرافية والديموغرافية، المحمولة كلها في الصراع منذ فترة حكم نظام الأسد وصولاً إلى عهد الثورة وتولي أحمد الشرع رئاسة البلاد. وكثيراً ما كانت السويداء على شفا انفجار جرى تداركه بطريقة أو بأخرى، إثر عقود من التداخل السياسي بين المركز في دمشق والمدينة الجنوبية التي ظلّت في موقع الوسط الذي لا يحارب بالسلاح ولا يهادن بالكلمة، ورويداً رويداً بترت يد حكم الأسد عنها، وحاولت أن تستمر في ذلك تحت حكم الشرع، فمنعت أرتاله من القوى الأمنية من دخول المحافظة عقب سقوط النظام، وذلك بناءً على أوامر من المرجعية الدينية الممثلة بالشيخ حكمت الهجري، شيخ عقل الموحدين الدروز، الذي تعمّد لاحقاً إحراج سلطة دمشق بعدم الاعتراف بها كركيزة شرعية واصفاً إياها بـ “الإرهابية والمطلوبة دولياً” مستبعِداً أية حالة اتفاق أو توافق معها.

محاولة الاستيعاب

حاولت سلطات الشرع تدارك الأمر، واستوعبت أن الشارع هناك يريد أمناً من أبناء المحافظة لحمايته، فأرسلت مصطفى البكور كمحافظ للمدينة وممثلاً عنها، وعمدت إلى إرسال أحد أكثر شخصيات السلطة هدوءاً وتفهماً وبراغماتيةً، لكن المحافظ تعرض لاعتداء في مكتبه من قبل عناصر خارجة على القانون من أبناء المدينة ما استدعاه لمغادرتها وتقديم استقالته، قبل أن يعود عن قراره في وقت لاحق ومتأخر ويعود أدراجه نحو الجنوب. ومع تتابع الوقت اصطلح على تسمية العميد أحمد دالاتي قائداً لأمن المنطقة الجنوبية بعد أن شغل مناصب في القنيطرة، على أن يبقى حُماة المدينة هم أبناؤها، لكن الوقت كان يمر على الطرفين كما السيف في ظل تعنت ومواجهات لفظية وكلامية، وسواد حالة من عدم الرضا بينهما، حتى انفجرت شرارة الأحداث التي انطلقت في الأسبوع الثاني من شهر يوليو (تموز) الجاري وقادت المحافظة نحو مصير أسود أفضى عن آلاف القتلى والمختطفين والمهجرين خلال عشرة أيام.

الانفجار المؤجل

مرحلة المواجهات تلك امتلأت ببيانات وأخرى مضادة من السويداء والسلطة، ومعهما دول الإقليم والعالم، لكن ذلك لم ينفع في تجنيب المنطقة هول ما آلت إليه الأمور، ما كرسّ مشهداً شبه وحيدٍ ينقسم فيه طرفان، الأمن والجيش أولاً، والعشائر العربية من كل الأراضي السورية لاحقاً، بمواجهة القوات الدرزية التي يقودها الهجري من دون أن تتمكن القوات المهاجمة خلال كلّ عمليات الكرّ والفر من إحداث خرق مستدام تسيطر فيه على المدينة من أقصاها لأدناها. ووسط كلّ ذلك أُعلن مراراً عن هدنٍ لم تصمد معظمها تحت وطأة ضعف التنسيق وانعدام الآلية المركزية لمراقبة القرارات.

الهجري الذي يبدو اليوم قائداً شعبياً محاطاً بأتباع وقبول كبير في الشارع الدرزي بات يمتلك قرار السلم والحرب الذي يوجه أتباعه من خلاله، على رغم بروز أصوات من داخل المدينة تعبر عن رفضها للطريقة التي يقود بها الأمور، لكن تلك الأصوات ظلت من دون جدوى أمام مسألة معقدة خلاصتها أن القضية هي “معركة حياةٍ أو موت” ما زاد الالتفاف نحو الهجري الذي يجيد نسج التحالفات الداخلية والخارجية.

من بديهيات السياسة ألّا تقبل أي دولةٍ قائمة بوجود تمردٍ يقوده زعيم ذو شعبية، لكن الحالة تختلف في السويداء، فالمدينة تعيش مذبحةً حقيقية قضى فيها من كل الأطراف، وهي لا ترغب في زيادة قاعدته الجماهيرية على رغم اتهامه مباشرةً من مسؤولين رفيعين في الحكومة بتعطيل مسارات التفاهم، وكذلك من قبل أطراف إقليمية ومن بينها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي وصفه بـ “الطرف الثالث المعطل”.

الهجري بين الاغتيال المعنوي والثقل الشعبي

مصادر مطلعة أكدت أن قرار اغتيال الهجري لم يُتخذ بأي شكل سابقاً أو حالياً، نظراً لأنه طرف سوري يصلح ليكون شريكاً في مضمار تهدئة طويلة لا تبحث عن حلول خارجية، طالما أن تسوية الملف تمّت ضمن البيت الواحد وتحت مظلة الشرعية، ولكن أين الشيخ الهجري الآن؟ ومن أين يقاتل؟ وإلى أين يمكن أن يلجأ في أسوأ السيناريوهات؟

وفي هذا الإطار تحدث الكاتب الأكاديمي الدكتور مالك الحافظ حول هذا الملف فقال إن “الشيخ الهجري ليس مختبئاً، هو في السويداء، وبالطبع هو لا يقاتل شخصياً لأنه مرجعية روحية دينية، كما أنه أصدر بياناً طالب فيه وتحدث بضرورة فتح معبر مع الأردن، وهو على تواصل مع ‘قسد’ شرق سوريا، وهذان ممران للجوء إن كان لا بد من ذلك ولو في الإطار التنسيقي، وذلك لأن السويداء ليس لها ثقة في هذه الحكومة أو السلطة. وقد تعرض الشيخ خلال الفترة الماضية لحملة تجييش كبرى في مواجهته ومواقفه تولاها إعلاميون محسوبون على السلطة في البداية قبل أن تتوسع الحملة وشملت حتى قناة “الإخبارية” السورية وهي الناطق الوحيد الرسمي باسم الدولة، وكأن ذلك ينم عن رغبة في الاغتيال المعنوي”.

ويرى الباحث صعوبة في التواصل بين الهجري وما يمثله مع السلطة بعد كل ما حصل، فلذلك قد يجري البحث عن شريان حياة آخر والأردن هي أكبر المرشحين لذلك، ويتابع، “بعد الهجمة الأولى من وزارة الدفاع، والثانية من العشائر، بات الموضوع أكثر صعوبة وأعطى شرعية أوسع للهجري في ظل الانتهاكات والتجاوزات التي مارستها بعض الأطراف، وتالياً، لم يعد من المهم أين هو جغرافياً، بل الأهم أين هو بما يمثله من ثقل فعلي، بعض الناس والفعاليات والفصائل لم تكن مقربة منه ولكنها باتت كذلك الآن بعد ما حصل. وكان واضحاً وجلياً أنه تعمّد مطالبة معونة الأردن لفداحة الأحداث، على رغم أنه تحدث عن أميركا وإسرائيل وطالب بحماية دولية، ولكن نحن نتحدث في الاحتمالات الأقرب والأكثر حيوية، وأهمها ‘قسد’ والأردن”.

ويؤكد الباحث أنه “في حين جرى الحديث عن توغل بري إسرائيلي، كان يتم الحديث عن إمكانية توغل بري أردني، وهو الأقل وطأة كون الأردن ليست دولة احتلال ولا مشاريع استعمارية أحادية الجانب أو توسعية لها، وبالتالي ليس ضرورياً أن تكون إسرائيل خياره الوحيد، فالأردن موجود وفاعل في الشأن السوري، “الأردن مكان جيّد للجوء في الحال الأسوأ، وعلى الصعيد المحلي الأكراد، وقد طالب الأكراد من توم براك المبعوث الأميركي وقف الحملة على السويداء. المشهد جداً ضبابي، وهذا ما يعطل إمكانية استنتاج مسار الحوار مع دمشق بشكل فعلي”. وحول إمكانية التفكير باغتيال الشرع يشير الباحث إلى أن “الاغتيال المعنوي بدأ فعلياً، ولكن هناك خطوات يمكن أن تتخذها بعض الجهات لاحقاً بدءاً بمحاولة عزله وإبعاده عن قاعدته وإيجاد مرجعيات أخرى موالية لها. وأضاف، “استبعد أن تتخذ السلطات خطوات تصعيدية ضد أمان الشيخ الهجري لما يمثله من ثقل وعلاقات وازنة لا سيما مع أعضاء في الكونغرس الأميركي، ودول الجوار، وهذا يمنع حدوث عملية تصفية جسدية، إلا في حال نشوب خلاف داخلي بين الفصائل القوية التي تبدو متماسكة حتى الآن”.

الحل هو الحوار

بدوره، استبعد الصحافي السوري علي عيد أن تسعى السلطات السورية لتجعل من الشيخ الهجري هدفاً لها، لأنه مرجعية دينية وروحية في الجنوب. وأضاف، “ربما يكون قد اتخذ موقفاً قائماً على مصلحة نابعة من اعتقادات سياسية أو تحالفات معينة أو حتى تحت تأثير أو ضغط مجموعات معينة كالشيخ موفق طريف أو مجموعات مسلحة أو موظفين قدامى شعروا بالخطر أو حتى من شريحة من السويداء شعرت بالخطر. لا أعتقد أن هدف الدولة قتل أو تصفية الهجري، قد يكون الهدف هي المجموعات التي تمارس العنف أو التي ارتكبت انتهاكات أو تورطت بمواجهات مسلحة مع الدولة، وأرى أن هذا التوجه سيكون مدعوماً مستقبلاً من قبل المجتمع الدولي، بخاصة أن الحكومة الحالية اكتسبت شرعية لا بأس بها. حكومة دمشق وفق قوانين الأمم المتحدة ومجلس الأمن هي حكومة شرعية، والدولة في مفاهيم السياسة تحتكر العنف والسلاح ولكن لا تمارسه، وفي القانون الدولي من غير المسموح وجود مجموعات مسلحة داخل الدولة تمارس العنف تجاه مؤسسات الدولة، واعتقد هذا هدف السلطة في حال كانت تفكر بمواجهة”. ومن وجهة نظر الكاتب فإن الأفضل هو أن يكون هناك حوار حتى مع هذه الفئة لتدارك وتجنب مواجهات وصدامات عسكرية مستقبلية معها، مع الأخذ في الاعتبار ضرورة فرض سيطرة الدولة، لأن استمرار المواجهات قد ينعكس إقليمياً.

وفي حال طرحت الدولة على الشيخ الدرزي إجراء حوار موسع ولم يقبل الاستجابة فيرى الكاتب عيد أن “الهجري يستند إلى موقف إسرائيلي وربما خطة كاملة بفرض توسع أمني ضمن أراضي سوريا. ربما هناك من يقنع الهجري بإمكانية سلخ السويداء، وطبعاً سمعنا بعض الأصوات من أحد الدروز في الكنيست الإسرائيلي وهو وزير سابق دعا لأشياء مشابهة، لكن يبدو أن الموقف الأميركي غير مستجيب، إضافة إلى الموقف العربي- التركي، ثم في تصريحات منفردة من الدول وبينها الأردن”. ويكمل “قد يكون هناك سيناريو معقد فيرتفع مستوى الصدام إلى درجة خطيرة قد تجعل الهجري مستهدفاً في مرحلة ما، لكن الأمور السياسية لا تسير هكذا، ومنطق الدولة أيضاً، فقد يتم تغليب موقف العقلاء في الجنوب نظراً لوجود نخب مثقفة وسياسيين وكوادر يتعارض مشروعهم مع الهجري، وهناك فصائل أيضاً تعارض المشروع على رغم تقلصها لكنها ربما تعود بعدما دفعت السويداء بمكوناتها من دروز وعشائر كل هذا الثمن، وبالتالي يمكن تقليص نفوذ الهجري إن لم يستجب للمبادرات الحوارية”.

اقرأ المزيد

    حكمت الهجري… شيخ العقل الدرزي في زمن الفتن

    تهجير بدو السويداء يهدد بتغيير ديموغرافي في سوريا

    وقف إطلاق النار صامد في السويداء وجهود حكومية لاحتواء التوتر

السويداء تعيش السيناريو الأسوأ

مصدر غربي مقرب من دوائر السياسة الفرنسية قال إن “الهجري اليوم يشكل أكبر تحدٍ وخصم للسلطة السورية، ولتركيا في الوقت ذاته، (الرئيس التركي رجب طيب) أردوغان ذكره بوضوح أخيراً، وقد يكون الشيخ هدفاً محتملاً للتصفية، لكني أعتقد أن الأمر صعب للغاية، ويحتاج حسابات معقدة ومراجعة لحظية للموقف وما سينتج منه، وهذا ما يوقف الأمر ويجعل التمهل فيه أمراً حيوياً واستراتيجياً، وبحسب معلوماتنا فإن الهجري اتخذ سلسلة احتياطات فعلية لتأمين نفسه، حتى أن القوات المهاجمة لم تتمكن من الوصول إلى دارته في قنوات، وكذلك أمر استهدافه صعب، ولو كان عبر مسيّرات، ومن المؤكد أنه لا يزال موجوداً في السويداء بحسب معرفتنا، لكنه كقائد في هذه المرحلة فلا بد أنه يغيّر موقعه باستمرار لضرورات أمنية، وهو عملياً يستحيل أن يقود توجيهات المعارك من الخارج”.

واستذكر المصدر من التاريخ أن “الرئيس السوري السابق أديب الشيشكلي في خمسينيات القرن الماضي حين حاصر السويداء وقصفها بالطيران التجأ قائد الثورة سلطان باشا الأطرش ورفاقه إلى الأردن. والهجري كشخص عربي لا شك أنه يفضل اللجوء للأردن في ظرف معين، هناك يوجد دروز أيضاً، حتى أن وزير خارجية الأردن الحالي، أيمن الصفدي، درزي”.

وتابع، “السويداء تعيش الآن السيناريو الأسوأ، ليس هناك سيناريو آخر أسوأ مما حصل فعلياً، الأمور بلغت ذروتها النهائية تماماً، وإن كان هناك أسوأ فهو تدخل جيوش أخرى وهذا ملف آخر مستبعد، ويمكن التذكير بأن جيش بشار بطيرانه وجيشه لم يتمكن من اقتحام حصون مناطق معارك كثيرة كداريا وجوبر والغوطة وغيرها، فماذا تملك السلطة السورية الآن؟ قتال المدن أهلها أدرى به، فالمنتصر بالعلوم العسكرية هو ابن المدينة، وهذا الفرق بين ما حصل في الساحل وما يحصل في السويداء”.

يعتقد المصدر أن “سوريا تقترب من سيناريو الفيدراليات إلا في حالة الإطاحة بالشرع وهو أمر مستبعد عملياً بحسب أروقة السياسات العالمية، ويُستنَد في ذلك إلى الحال في السويداء والجزيرة شرق سوريا والمصير المبهم للساحل”.

الخطر يحوم حول الشرع

يمكن الاستخلاص أن اغتيال الشيخ حكمت الهجري ليس مدرجاً حتى الآن وفق التطورات، على قائمة المعطيات التي يجري تداولها، وهو الذي أكده معنيون في دمشق لـ “اندبندنت عربية” مبينين أن تشابك الملف في السويداء يحول دون اتخاذ قرارات فعلية تحمل انعكاسات إقليمية قد تزيد من حدة الصراع بدل تهدئته، وبالعودة إلى زمن حكم الأسد المخلوع فهو أيضاً لم يفعل ذلك في ذروة صراعه مع الهجري، وذلك في السياسة مرده إلى الرغبة في عدم تحمل وزر مسؤوليات مضاعفة تزيد إرباك المشهد وتنحي شخصيةً قد تكون متاحةً للتفاوض في واقع أفضل عوضاً عن شخصياتٍ متناحرة تتصارع على القرار.

وفي الوقت الذي تُناقش فيه احتمالية اغتيال الهجري إبان أحداث السويداء، كان الرئيس السوري أحمد الشرع، نفسه، قد تعرض لثلاث محاولات اغتيال منذ سقوط النظام السوري أواخر العام الفائت، دبرها غالباً تنظيم “داعش” الإرهابي، بحسب ما أوردت صحيفة “يديعوت أحرونوت” الإسرائيلية، وكانت تركيا لعبت دوراً حاسماً في حماية الشرع من تلك المحاولات. المرة الأولى كانت في مارس (آذار) الماضي خلال خروج الشرع من القصر الرئاسي، حيث نجحت حاميته بالقبض على الانتحاري، وبأوامر منه لم يتم الإعلان عن الأمر، المرة الثانية كانت عند زيارته إلى درعا أخيراً وقد تمكن حماته من الأمنيين المحليين والأتراك تجنيبه تلك المحاولة، أما المرة الثالثة فكانت عبر كمين يسلكه الشرع إلى القصر الرئاسي وتم تدارك الموضوع في اللحظات الأخيرة، ما استدعى مغادرة الشرع للعاصمة موقتاً. هذا عدا عن استهداف القصر الرئاسي من قبل الطيران الإسرائيلي الأسبوع الفائت على خلفية أحداث السويداء، وكان المبعوث الأميركي توم براك تحدث سابقاً عن تهديدات جدية تحيط بحياة الرئيس الشرع.

——————-

سياسة واشنطن في سوريا بين توازنات الحلفاء والمصالح/ عبد الرحمن السراج

23/7/2025

لم تُبدِ الحكومة الأميركية تغييرا واضحا في موقفها تجاه دمشق في أعقاب أحداث السويداء التي جرت أخيرا، فقد أكدت واشنطن على لسان مبعوثها الخاص إلى سوريا توم برّاك أمس الاثنين أن التعامل مع الحكومة السورية الحالية هو السبيل الوحيدة لتوحيد البلاد التي لا تزال تتخبط من وطأة سنوات الحرب، وتعاني من موجة جديدة من العنف الطائفي، على حد وصفه، وأنه ليس لدى واشنطن “خطة ب” أو خيار آخر في التعامل مع هذا الملف.

لكن هذا الموقف المعلن يشوبه التباس بسبب ما يتضمنه من مواءمة معقدة بين التحول الكبير من سياسة عزل دمشق تحت حكم نظام بشار الأسد، إلى سياسة الانخراط المباشر معها في ظل الحكومة السورية الجديدة بعد 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، وبين علاقة واشنطن الوثيقة مع إسرائيل التي لا تبدي حكومتها الحالية التزاما باستقرار سوريا أو المنطقة عموما، ولم تُبدِ واشنطن حزما في وقف حملاتها الأكثر وحشية على غزة، ويضاف إلى ذلك علاقة واشنطن بقوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي لا تزال هي والإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا خارج مظلة الحكومة السورية.

وتزداد صعوبة فهم هذا الموقف عند إدراك أنه لا يحظى بتأييد واسع لدى فئتين من الفاعلين التقليديين في السياسة الأميركية بالشرق الأوسط: المتطرفين في تأييد الخط الإسرائيلي في الحزبين الجمهوري والديمقراطي، وخصوم الإدارة الأميركية في الحزب الديمقراطي وخاصة التقدميين من معارضي الحكومة الإسرائيلية الحالية. وقد تكررت هذه الأيام في واشنطن انتقادات للمبعوث الأميركي برّاك، وصفت بأنها حملة تهجُّم على دعم الإدارة الأميركية لدمشق، شاركت فيها أطراف أميركية وعربية وحتى سورية من معارضي حكومة الشرع.

متابعة حثيثة

وتابعت الإدارة الأميركية تطور أحداث السويداء عن كثب منذ اللحظة الأولى، حين أشار برّاك إلى ضلوعه في محاولات الدفع باتجاه ما وصفه بالحل السلمي الذي يضمن الشمول والمشاركة للدروز والقبائل البدوية والحكومة السورية، لكنه أدخل مع هؤلاء الثلاثة في عبارته “القوات الإسرائيلية”، وذلك قبل يوم واحد من ضربها أهدافا في دمشق بما فيها مقر هيئة الأركان السورية في 16 يوليو/تموز، وما تلا ذلك من صراع أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 558 سوريا وتهجير المئات.

وانطلاقا من مواءمة واشنطن المعقدة، فإنها لم تصدر إدانة مباشرة للضربات الإسرائيلية، واكتفت بوصف ما حدث بأنه “سوء فهم” بين الجانبين السوري والإسرائيلي، وذلك على لسان وزير الخارجية ماركو روبيو الذي ظهر في فيديو بجانب الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مؤكدا استمرار التواصل مع الجانبين للتوصل إلى التهدئة والعودة إلى مسار بناء الدولة السورية الذي ربطه بتحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط.

ومع تطور الصراع في السويداء بعد انسحاب قوات الحكومة السورية ودخول قوات العشائر، والانتهاكات التي طالت بعض المناطق في المدينة، أدان المبعوث الأميركي الانتهاكات ضد المدنيين، كما أشار إلى بيان الرئاسة السورية الذي وصفه بالقوي، داعيا إلى إنفاذ ما جاء فيه من إنهاء العنف وضمان المحاسبة وحماية جميع السوريين.

وعلى مدى يومين، اجتمع المبعوث الأميركي مع الحكومة السورية وشيوخ العشائر بمشاركة الجانب الأردني وبالتواصل مع تركيا وإسرائيل، حيث تم التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار ونشر قوات الأمن السورية في السويداء وإخراج المعتقلين وإيصال المساعدات الإنسانية، وتوّجت المحادثات بلقاء جمع براك بوزيري الخارجية السوري أسعد الشيباني والأردني أيمن الصفدي، حيث أكد الجانبان الأميركي والأردني أن الاستقرار في سوريا أساسي لاستقرار المنطقة.

ورغم دعوة المبعوث الأميركي إلى عدم التسامح مع أحداث القتل والانتقام والمجازر التي وصفها بالمؤسفة، فإنه أكّد أن الحكومة السورية الحالية طابقت أفعالُها أقوالَها ولم ترتكب خطأ فيما جرى، وأنها تتسم بالقدرة والكفاءة والموثوقية، وأنها قدمت أفضل ما تستطيعه حكومة ناشئة تملك موارد محدودة للغاية لمواجهة قضايا متعددة آخذة بالظهور تباعا والسعي إلى توحيد مجتمع متنوع.

عقدة العلاقة بإسرائيل

لا يخلو هذا الموقف من علامات الاستفهام حول ملفات فرعية وجوهرية في آن معا، وعلى رأسها سؤال: إلى أي مدى قد تذهب واشنطن في كبح جماح حكومة نتنياهو إذا قررت مواصلة العدوان على سوريا؟ وهل ستكفي وساطات الإدارة الأميركية واتصالاتها مع دول الجوار لوقف القوات الإسرائيلية إذا افترضنا أنها قررت الاجتياح وصولا إلى السويداء؟

وترتبط الإجابة عن هذا السؤال بمدى التزام الحكومة الأميركية باستقرار سوريا في عهدها الجديد، ولا توجد حتى الآن مؤشرات على رغبة واشنطن في العودة إلى الوراء فيما يتعلق بالانزلاق نحو الفوضى، وما يتضمنه ذلك من إفساح المجال لإيران وروسيا بالتسلل من خلال الحدود السورية أو بالشراكة مع ما تبقى من فلول النظام السابق، وهذا هو الإطار العام الذي وضعه وصرّح به وزير الخارجية الأميركي لسياسة بلاده تجاه سوريا منذ لحظة تعيينه.

لكن هناك نقطة ضعف يُخشى أن تكون كعبَ أخيَل في هذه الرؤية الأميركية، وهي العلاقة الأميركية الإسرائيلية التي تمثل عقدة مركزية، ليس في سوريا فقط بل في المنطقة برمّتها، فما زال البيت الأبيض حتى اليوم يصرّح بأن ترامب فوجئ بالقصف الإسرائيلي لسوريا، وقد صرّح براك أيضا بأن الولايات المتحدة لم يطلب رأيها في الضربات الإسرائيلية، وأنها لا تتحمل مسؤولية ما تراه إسرائيل دفاعا عن نفسها، وهذا يبرّئ العدوان الإسرائيلي عمليا ويمنحه أفضلية المبادرة في المستقبل بتوجيه الضربات المباغتة بحسب وجهة النظر الأميركية، وهي أفضلية لا يملكها الجانب السوري في الوقت الراهن.

ويضاف إلى ذلك معطى جديد، ذكره براك في تصريحه الأخير، حين قال إن إسرائيل ترى أنها جزء من القرار في جنوب سوريا، وإن دخول القوات الحكومية إلى السويداء لم يكن ضمن هذه الرؤية، مؤكدا أن اتفاق وقف إطلاق النار بين الجانبين السوري والإسرائيلي كان مقتصرا على السويداء، مما يدل على أن الإدارة الأميركية لم تستطع الضغط على إسرائيل باتجاه حسم مسألة سيادة الحكومة السورية على جنوب البلاد.

وهذه التصريحات تجعل من الصعب هضم الانتقادات الأميركية للضربات الإسرائيلية التي وصفها براك بأنها عامل تشويش وبأنها جاءت في أسوأ الأوقات، وقوله إن إسرائيل تفضل أن تكون سوريا مجزّأة وألّا تكون دولة ذات حكم مركزي قوي، وحتى تصريحات أخرى من واشنطن مثل إدانة السيناتور جين شاهين للقصف الإسرائيلي على السويداء ودمشق، فمثل هذه الإدانات تجعل المسؤولين الأميركان أشبه بالمعلّقين الذين يطلقون تحليلات أو مقولات حكيمة على مسألة لا شأن لهم فيها، مثل قول براك إن الأقليات في سوريا باتت تدرك أن وحدتها تحت دولة مركزية أفضل لمستقبلها.

الشراكة مع قسد

ويتعلق السؤال الجوهري الثاني بمآل العلاقة الأميركية مع قسد، والتي بدأت قبل تعيين المبعوث الأميركي الحالي وحتى قبل فترة رئاسة ترامب الأولى، حينما تأسست على أساس الشراكة في قتال تنظيم إرهابي، في الإشارة إلى تنظيم الدولة الإسلامية. ورغم تصريح إدارة ترامب خلال زيارته للسعودية في مايو/أيار الماضي بأن ملف محاربة الإرهاب سيُدار بالشراكة مع الحكومة السورية الجديدة، فإن موقع قسد من هذه الشراكة لا يزال غير مُعرّف.

وبعد تعثُّر الاتفاق الذي وقعه الرئيس السوري أحمد الشرع، وقائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي في مارس/آذار الماضي، تدخل المبعوث الأميركي لوضع خريطة طريق لتنفيذ الاتفاق، لكن المفاوضات لم تحقق تقدّما في هذا المسار حتى الآن، وهنا يبرز وجه تشابه آخر مع الملف الإسرائيلي وهو تقارب الموقف الأميركي المُعلن مع موقف الحكومة السورية رغم عدم تمكُّنِها أو تمكينِها من فرض رؤيتها، حيث اعتبر براك أن أمام قسد طريقا واحدا هو الطريق نحو دمشق، وحرص على تكرار الحديث عن أهمية وجود حكومة مركزية قوية في سوريا.

وبالنظر إلى الإطار العام للسياسة الأميركية في سوريا الذي يميل نحو دعم الاستقرار فيها، يبدو أن إدارة ترامب تقترب أكثر من حسم مصير قسد والإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا، خاصة بعد سعيها إلى إنهاء وجودها العسكري الذي بدأ بتقليص عدد الجنود الأميركيين إلى أقل من ألف جندي، وتصريحات ترامب الداعية إلى تولّي الحكومة السورية مسؤولية مراكز احتجاز عناصر تنظيم الدولة، لكن تخصيص تمويل لدعم مجموعات في سوريا أبرزها قسد ضمن ميزانية عام 2026 يشير إلى أن هذا الحسم قد يتأخر حتى السنة المقبلة على الأقل.

ويضاف إلى الحسم المؤجّل لملف قسد، رفع العقوبات الأميركية عن سوريا، الذي تبيّن أنه يواجه تحديات تقنية لم يحسمها قرار ترامب التنفيذي في 30 يونيو/حزيران الماضي بإنهاء العقوبات، وخاصة ما يتطلب منها تحركا في الكونغرس من قبيل إلغاء تشريعات قائمة أو وقف تجديد تشريعات أخرى.

المصدر: الجزيرة

————————————

أحداث السويداء وتأزيم الاقتصاد السوري … ما التداعيات؟/ عبد الحافظ الصاوي

23 يوليو 2025

بعد سقوط بشار الأسد في الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024، ظلت تطلعات كافة المعنيين بالشأن السوري، تركز على إقامة الدولة على أسس جديدة، والبدء بمشروعات إعادة الإعمار، وعودة المهاجرين، وتحسين معيشة المواطنين. ولا يزال الاقتصاد السوري بعد سقوط الأسد، يعتمد على المساعدات بشكل كبير لتسيير أمور الدولة، بخاصة رواتب الموظفين، وبعض الاحتياجات من الطاقة.

وحسب تصريح خالد أبو دي، مدير مؤسسة نقل وتوزيع الكهرباء في سورية، فإن بلاده تعاني من عجز نسبته 80% من احتياجاتها الحقيقية من الكهرباء، وإن اصلاح قطاع الكهرباء يحتاج لتكلفة قدرها 40 مليار دولار، والأمر قد يستغرق خمس سنوات. وذكر تقرير حديث للبنك الدولي صدر في يوليو 2025، بعنوان “تقييم الاقتصاد الكلي والمالية العامة في سورية” أن معدل نمو الاقتصاد في 2025 بسورية احتمال يصل إلى 1%، بعد انكماش 1.5% في عام 2024.

وأظهر التقرير أن متوسط دخل الفرد بسورية بلغ 830 دولارا في عام 2024، وأن الفقر المدقع هناك ينال من شخص من بين كل أربعة أشخاص، وأن ثلثي الشعب السوري يعيشون تحت خط الفقر، مما يعكس حالة الوضع الاقتصادي شديد الضعف في سورية، علماً بأنّ تصنيف البنك الدولي لمتوسط دخل الفرد في الدول منخفضة الدخل هو عند 1135 دولاراً وما أقل، وهو ما يعني أن متوسط دخل الفرد في سورية لا يزال دون سقف الحد الأعلى للدول منخفض الدخل بنحو 305 دولارات.

البحث عن مخرج

لذلك احتل الشأن الاقتصادي السوري بعد سقوط الأسد قمة اهتمامات الجميع، الحكومة والقوى السياسية، والشركاء الدوليين والإقليميين والمتعاطفين من الخارج مع سورية الجديدة، وقد بذلت حكومة الرئيس أحمد الشرع جهوداً كبيرة في قضايا مهمة، على رأسها رفع العقوبات الأميركية عن سورية، والتي استمرت لأكثر من أربعة عقود، وكذلك إقامة علاقات جديدة مع المؤسسات المالية الدولية، كما أنّ الاتحاد الأوروبي اتخذ قراره أيضاً برفع العقوبات الاقتصادية عن سورية. ومؤخراً عاد النظام المصرفي السوري للاندماج في المنظومة العالمية، وباشر المصرف المركزي السوري صلاحياته في القيام بالتحويلات الخارجية عبر نظام “سويفت”.

إلا أن الخطوة المهمة في الشأن الاقتصادي، والتي لها وزنها في إعادة بناء الاقتصاد السوري، هي تلك العلاقات والمساندة من الدول الإقليمية، وبخاصة دول الخليج (السعودية، وقطر، والإمارات) فضلاً عن الحضور التركي القوي، بخاصة أنّ تركيا دولة جوار، ودولة منتجة لديها العديد من السلع والخدمات، التي يمكنها أن تكون سنداً حقيقياً لإعادة بناء سورية وتلبية احتياجات أسواقها.

السويداء وأخواتها

منذ اللحظات الأولى لسقوط الأسد، ومجيء حكومة الرئيس الشرع، والأوضاع الأمنية تمثل هاجسًا ليس بالقليل يهدد مستقبل الاستقرار الاقتصادي في سورية، بدءًا من ممارسات بعض فلول النظام السابق، ومحاولتهم زعزعة النظام الجديد، من خلال بعض المواجهات المسلحة مع قوى الأمن، والتي انتهت بالقضاء على تلك البؤر لبقايا نظام الأسد.

كما مثلت الاعتداءات الإسرائيلية منذ الأيام الأولى لسقوط الأسد، هاجسًا قويًا لزعزعة الأمن في سورية، وإيصال رسالة بأن لها اليد الطولى، التي تمكنها من الوصول لكافة الأرضي السورية، وبخاصة في حالة الانكشاف الجوي لسورية في ظل قيادة الشرع. ثم كانت قضية “قسد” المعبرة عن المكون الكردي، ومحاولة فرض أمر واقع يتيح لهم حكماً ذاتياً، ولا تزال المفاوضات جارية بين “قسد” والحكومة السورية للحفاظ على وحدة الأراضي ونظام الحكم في سورية.

ثم مثلت الجبهة والحدود مع لبنان مصدراً للقلاقل الأمنية لسورية الجديدة، وإن كانت أقل مناوشة على الصعيد الأمني، إلا أن الأحداث الأخيرة في السويداء، التي تضم تجمعاً لطائفة الدروز، كانت الأكثر تهديداً للوضع الأمني في سورية، لحملها السلاح ضد الدولة من جانب، واستقوائها بالكيان الصهيوني من جانب آخر، والذي مارس بدوره القيام باعتداءات عبر سلاح الجو، ضد الدبابات الخاصة بقوات الجيش السوري ومهاجمة وزارة الدفاع والقصر الجمهوري.

ولا تزال الأحداث مستمرة في السويداء، على الرغم من الوصول لاتفاق وقف إطلاق النار، لكنّ هذه الأوضاع المركبة فيما يخص الجانب الأمني والعسكري، سوف يكون لها دورها في مستقبل الاقتصاد السوري. ويمكن رصد أبرز التداعيات المتوقعة لغياب الاستقرار الأمني والعسكري في سورية في النقاط التالية:

– في ظل الإمكانات المادية الضعيفة، ستكون مواجهة الانفلاتات الأمنية هنا وهناك داخل سورية، ذات تكلفة عالية على ميزانية الدولة، التي تعاني من مشكلات ضخمة تتعلق بالرواتب والدعم، وبخاصة للفقراء الذين يمثلون ثلثي المجتمع ونقص الموارد بما فيها الدولارية.

– سقوط القتلى والجرحى من أبناء الشعب السوري، يعد خسارة لرأس المال البشري، في دولة تحاول النهوض وإعادة بناء ما تهدم على مدار 14 عامًا من الحرب من قبل نظام الأسد وقوات أجنبية ضد الشعب السوري.

– في ظل هذه الانفلاتات الأمنية، وكذلك الاعتداءات من الكيان الصهيوني، سوف يزيد تركيز حكومة الشرع، للإنفاق على الأمن والتسليح، بما يؤثر على توجيه الموارد الضعيفة للدولة إلى محاربة الفقر والبطالة وتحسين مستوى معيشة الأفراد وإعادة إعمار المناطق المهدمة.

– استمرار هذه الانفلاتات الأمنية، سيكون له مردود نفسي سيئ على شركاء النشاط الاقتصادي في سورية، سواء بالنسبة للمقيمين من المدخرين والمستثمرين، أو من السوريين في الخارج الذين يفكرون في العودة لبلادهم واستثمار ما لديهم من مدخرات في مشروعات تعود بثمارها الإيجابية على البلاد، أو على المستثمرين الأجانب الذين يخططون لأن تكون سورية على خريطة استثماراتهم الخارجية، وبخاصة أن سورية قد نجحت مؤخراً في إبرام تعاقدات مع شركات تابعة لحكومات عربية، وكذلك مع شركات أجنبية لإدارة بعض الموانئ، أو التنقيب عن النفط والغاز، أو تنفيذ مشروعات لقطاع الطاقة من خلال تمويل البنك الدولي.

– من المتوقع في ظل حالة عدم الاستقرار الأمني، أن تتراجع تدفقات المساعدات الإنمائية لسورية خلال الفترة القادمة، وبخاصة أن تلك المساعدات مهمة، لإقامة المدارس للتعليم الإلزامي، أو مؤسسات الرعاية الصحية، أو تلك البرامج التي تستهدف العائدين من الهجرة، ولديهم مشكلات تتعلق بالدخل أو فرص العمل، أو السكن.

– ثمة أنشطة خدمية خارجية ينتظرها الاقتصاد السوري، وبخاصة في قطاع السياحة، التي توقفت منذ 14 عاماً مضت، وتحتاج عودة السياحة الخارجية بسط الأمن على ربوع سورية بشكل كامل. لقد كانت سورية أحد أهم المقاصد السياحية بمنطقة الشرق الأوسط، وكانت العائدات السياحية تمثل أحد أهم مصادر النقد الأجنبي للبلاد.

الاقتصاد السوري وتهدئة المطلوبة

تحاول حكومة الرئيس أحمد الشرع القيام بمهمة شديدة الصعوبة، تتمثل في لمّ شمل البلاد تحت راية واحدة، وتوحيد جغرافية البلاد، وفي نفس الوقت ممارسة دورها السياسي والاقتصادي، وبخاصة في ظل المطالب الطائفية المتعددة، والتي يراد منها في بعض الأحيان، تفتيت وتقسيم سورية، لتظل دولة ضعيفة في مواجهة المخاطر الخارجية والداخلية.

وقد ظهر خطر هذه المطالب الطائفية، مؤخراً في حالة دروز السويداء، والاستقواء بالكيان الصهيوني، وممارسات القتل والتعذيب بحق مواطنين سوريين، لذلك لا بد من استمرار نهج حكومة الرئيس أحمد الشرع في مشروع وحدة سورية، والاستعانة بالحلفاء الإقليميين والقوى الدولية، لوقف ممارسات الكيان الصهيوني، وعدم قيامه بأيّ اعتداءات أخرى على الأراضي السورية.

يبقى التحدي الحقيقي أمام سورية متمثلاً في صمودها الحقيقي أمام المخطط الرئيس لهذه الممارسات الأمنية الطائفية، التي تهدف إلى إرغام البلاد على أن تكون جزءاً من مشروع الشرق الأوسط الجديد، أو أن يكون البديل، أن تصبح سورية مجزأة.

العربي الجديد

—————————-

ممدوح عزّام: أحرقوا البيت والمكتبة وشجرات الزيتون

محمود منير

22 يوليو 2025

جمَع حجارته الصغيرة قبل خمسين عاماً، وساعد البنّاء في رفعها جدراناً وسقفاً ضمّت لقاءات حميمة مع الأهل والأصدقاء، وخلوته مع الكِتاب والكُتّاب، وهوى ربطه بكلّ تفصيل احترق. هكذا يسرد الروائي السوري ممدوح عزّام لـ”العربي الجديد” ذكرياته في البيت الذي أحرقه المسلحون قبل أيام في هجومهم على قريته تعارة بالقرب من مدينة السويداء في جنوب سورية، ونهبوا ممتلكاته وليس بإمكان أحد الوصول إليه.

افتقاد المنزل والسكن والملاذ، والخوف على بلاد عاشت وتعيش عنفاً وصراعاتٍ لا نجاة حتى اللحظة منها، استحوذا على حديث عزّام الذي يقول: “في سنوات الحرب القاسية التي شنّها بشار الأسد ضدّ الشعب السوري، رفضت أن أغادر بيتي. اقتربت الحرب قليلاً من المكان لكنْ شظاياها، وهو ما حدث حرفياً، إذ وصلت الشظايا أخيراً إلى بيتي، ومجازياً، إذ كان اللهيب في كل مكان من سورية، ورفضت أن أغادره”. ويستعيد ذاكرة الكتابة في المكان الذي خطّ فيه مسوّدات رواياته من “قصر المطر” إلى “أرض الكلام” إلى “جهات الجنوب”، التي تحدّثت عن اجتياح السويداء من الطاغية أديب الشيشكلي عام 1954، إلى “نساء الخيال”، وكذلك رواية “أرواح صخرات العسل” التي كُتبت في زمن الحرب، واقترب فيها من مصائر الأبرياء الذين ضيعت أعمارهم حرب عبثية مجنونة، وروايات “حبر الغراب” و”لا تخبر الحصان” و”الرجل الرفيع بالقميص الأبيض”.

ويتابع عزام: “من ذلك البيت كتبت مئات المقالات لـ”العربي الجديد”، وكنت أقول لكل من يسألني: لن أغادر هذا المكان الحميم إلى المجهول، إلّا إذا أرغمت على ذلك. فمن قشة المكنس، إلى آلاف الكتب التي اشتريتها منذ أن كنت في أول الشباب، إلى الأمس فقط، ذرات ملتصقة بلحمي ودمي”، مضيفاً “من الحجارة الصغيرة التي جمعناها أنا وزوجتي، حين بدأنا بناء البيت قبل خمسين عاماً، ونقلنا الماء، وساعدنا المعمرجي (البنّاء) الذي كان يضع الأساسات من حجارة براكين المنطقة، إلى كساء كل غرفة من الغرف، واحدة بعد أخرى، كلما توفر لدينا قدر من المال الزائد عن حاجتنا الضرورية، إلى الشكل النهائي الذي وصل إليه، ونحن نفرح به، إلى كل مسمار علقنا عليه لوحات تمّام ابني، وأصدقائه من الفنانين، على حيطان الغرف، إلى الكراكيب أيضاً، حيث كنا نتبادل النكات، أنا وزوجتي وصديقاتنا وأصدقائنا، عن الهوى الذي يربط البشر بالأشياء القديمة”.

هنا، يتساءل صاحب “معراج الموت”: “هل أحرقوا المكتبة؟ لا أعرف، لكنّ تجربة الحرب السورية تؤكد أن مثل هؤلاء المهاجمين يدوسون الكتب عادة بأقدامهم، آمل ألّا يكونوا قد أحرقوها، وأنتظر الأمل على الرصيف ريثما يخرجون من بيتي. هل أحرقوا شجرات الزيتون الثماني التي كنت أفاخر بأنها تمنحني مؤنتي من الزيت والزيتون؟ شجرة التين؟ لا أعرف بعد فالمحتلون السوريون لا يزالون يحتلون قريتي وبيتي إلى هذه الساعة، لكنّني أعرف أن كل تلك المنمنات الصغيرة صنعت المكان الذي أسميته وطني”.

فُقد البيت في لحظة يواجه المثقف السوري أعباء ومحناً جديدة، في لحظة لا يزال الخطر يتهدّد الوطن من داخله، إذ تطفو نزعات طائفية وانقسامية، وخارجه أيضاً من عدّو يواصل اعتداءاته. يشير عزّام “المحيّر في الأمر أن المهاجمين الذي اجتاحوا المنطقة بكاملها في الصباح لا يعرفون أي شيء عن سكانها، باستثناء ما قيل لهم عن انتمائهم إلى طائفة أخرى، لكنّ الطائفة نفسها، المشغولة بنفسها، إلى حدود الانغلاق، لم تؤذ أحداً منهم، أو من آبائهم، أو أجدادهم في أي يوم. وكان فخرها الممتد طوال الوقت، هو أنها أنجبت رجلاً قاد الثورة السورية ضدّ الاستعمار الفرنسي، هو سلطان الأطرش”.

ويختم: “أنا نفسي لم أجد في أي يوم حاجة للانضمام إلى طائفة، فالطائفة لم تثقل عليّ، وأنا سجّلت ارتباطاً بوطن كبير اسمه سورية. ولذلك هنأت سورية والسوريين حين سقط بشار الأسد. بكيتُ مع أولادي في ساعات الفجر، حين رحل الطاغية، وقد فعل مثل ذلك كل هؤلاء الفقراء الذين أحرقت بيوتهم منذ عشرة أيام إلى اليوم. حتى إنّ الجميع باتوا يسألون: ما الوطن؟ بينما تمتلئ صفحاتهم بالقول النبيل لغسان كنفاني: الوطن هو أن لا يحدث هذا كلّه. يا صفية”.

العربي الجديد

——————————

أنشد أنت، يا هوميروس، ملحمة سورية/ جعفر العلوني

23 يوليو 2025

“أنشدي أنتِ، أيتها الإلهة، غضب أخيل”، بهذه الشهوة للدم والقدر، تبدأ الإلياذة، لا كقصيدة، بل كمرآة لحرب تتصارع فيها الآلهة والظلّ، وتُكشَف فيها المأساة الإنسانية على حقيقتها. لم تكن الإلياذة حكاية عن نصر أو هزيمة، بل عن الإنسان وهو يُختبَر في لحظة الغضب، والولاء، والفقد. هناك، في قلب الملحمة، لم ينحز هوميروس لأحد. أنصت لأخيل كما أنصت لهكتور، وخلّد المأساة بتعدّد وجوهها، لا بانتصار أحد على الآخر.

هذه الإرث الهوميري المتجسد في الرؤية المتعددة التي ترى في كل طرف جزءاً من الحقيقة هي ما نفتقده اليوم في فهم السياسة، وبشكل أخص في النظر إلى ما جرى، وما يجري، في سورية.

منذ أكثر من عقد، تعيش سورية في قلب مأساة متواصلة: مدنٌ مدمرة، ومنفى يُجرّ إلى منفى، وخرابٌ يلد خراباً، وكلماتٌ تُقطع كما تُقطع الرؤوس. مَن الذي كتب المأساة؟ ومن أي مرآة ننظر إليها؟ حربٌ متعددة الأبعاد والوجوه، لم تُبقِ سردية إلا مزّقتها، ولم تترك إنساناً إلا امتحنته بالموت أو الخسارة أو التهجير.

مع هذا كله، طغى ولا يزال على المشهد السوري خطابٌ تبسيطي حاد: “نظام” و”معارضة”، “علوي” و”سني”، “درزي” و”مسيحي”، “شهيد” و”خائن”، “معنا” و”ضدنا”، “شهيد” و”خنزير”، “وطني” و”عميل”، “أموي” و”شيعي”. هكذا، ضاعت اللغة، اختفت المساحات الرمادية، وصعدت الطائفية كدخان أسود، يخنق الفكرة قبل أن تولد. ضاعت الفروق، وصار من المستحيل أن تُصغي لصوت “الآخر” دون أن تُتهم بالخيانة.

لكن، ماذا لو سمعنا صوت هكتور في السويداء، وصوت أخيل في دمشق؟ ماذا لو نزعنا القناع الطائفي عن اللغة، ونظرنا إلى الإنسان تحت اللقب؟ ألن نكتشف أن البطولة، كما قال هوميروس، قد تكون في الهزيمة أيضاً؟

إن العنف، في جوهره، هو نفي للسياسة. وهذا ما فهمه الإغريق مبكراً، وما أنكرتْه شوارع دمشق واللاذقية والرقة وغيرها. في سورية، لم يُقتل الإنسان فقط، بل قُتل معه الحوار. قُتلت المساحات الرمادية. لم يعد ممكناً أن تسأل دون أن تُتَّهَم، أو أن تُفكّر دون أن تُجرَّد من حقك في الانتماء.

ما نحتاجه اليوم هو ما يمكن تسميته بالحياد الهوميري، لا كحيادٍ رماديٍّ أو عدميّ، بل كقدرة على رؤية الآخر من دون اختزاله أو شيطنته. وكما منح هوميروس الكلمة للطرفين، نحتاج نحن أيضاً أن نمنح المعاناة صوتاً، في جميع مواقعها، من دون أحكام مسبقة، ومن دون هندسة سياسية تخدم سردية واحدة.

لكن المأساة السورية ليست في العنف وحده، بل في اختفاء السياسة ذاتها. في غياب الكلمة، وضياع القدرة على النقاش، وظهور جدران لغوية تمنع التفاهم. شيئاً فشيئاً، صار التفكير خارج المعسكرات المتقابلة مدعاة للريبة، إن لم يكن للخطر. فقدنا ما وصفه أرسطو بـ”الفطنة السياسية” (phronesis) — أي القدرة على اتخاذ موقف انطلاقاً من استيعاب تعقيد الواقع، لا عبر الاستسلام للشعارات.

السياسة الحقيقية لا تبدأ عندما نُقصي من نختلف معه، بل عندما نُنصت إليه، لا لنغيّره بالضرورة، بل لنفهمه. وفي الفهم، تكمن بذور التغيير الحقيقي. سورية لن تكون طالما أن نصفها يُقصي النصف الآخر، وطالما أن التفكير من منظور مختلف لا يزال يُعَدّ خروجاً عن “الصف”.

لا خلاص في سورية من دون لغة سياسية جديدة، تعترف بتعدّد الهويات، وتفصل بين الدولة والطائفة، وتعيد للكلمة دورها الأساسي في الفعل السياسي. ليست هذه دعوة إلى تسامحٍ شكلي، بل إلى اعتراف واقعي وصريح بتعقيد البنية السورية، وتجاوزها عبر تفكير يتجاوز الهوية الضيقة، ولا يسقط في فخ الانتقام.

وكما في الإلياذة، لا يكون المجد في الانتصار وحده، بل أحياناً في الاعتراف بالمأساة، بحقيقة الآخر، وبحدود الذات. ففي واحدة من أعمق لحظات الملحمة، يخاطب الملك بريام قاتل ابنه هكتور، لا ليأخذ بثأره، بل ليسترد جسد ابنه من أرض المعركة. يقول له: “اذكر أباك، يا أخيل، فكّر به، مثلي أنا الذي يفقد ابنه الآن… لا عدل في هذا العالم، بل دموع الآباء في زمنٍ لا يعرف الأبناء فيه إلا السيف”. بهذه الكلمات، ينقلب ميزان الحرب: مأساة يتقاسمها الجميع.

في سورية اليوم، لن تكون البداية من دستور جديد أو سلطة بديلة، بل من هذه اللحظة الإنسانية العميقة: الاعتراف المتبادل بالخسارة. فأنشد أنتَ، يا هوميروس، إلياذة سورية.

* شاعر ومترجم مقيم في إسبانيا

—————————-

متلازمة العنف السوري/ ميادة سفر

23 يوليو 2025

يبدو أنّ السوريّين لا يجمعهم سوى العنف الذي ما برحوا يمارسونه في العقد الماضي، كأنّ خيار الصدام حتميّ لا محالة، ولو بأسماء مختلفة للمتصارعين الذين سيجدون ألف سبب ومبرّر للقتال الذي يقضّ مضاجع البلاد كلّها بلا تفرقة، بالموت والجراح والتهجير، ويقضي على قيامة وطن يريدونه، لكنّهم يعملون في أغلب الأحيان ضدّه. ما تزال الحوارات الشكلية التي كان يجريها نظام الأسد على عجل سائدةً مع السلطة الجديدة الانتقالية، ومفهوم المواطنة الملتبس في الماضي يتعرّض لشبه سحقٍ حالياً، إذ تراكم السياسةُ ضمورها الممتدّ في سورية نحو نصف قرن. وفي لحظة الحاجة الملحّة، تُستدعى العشائرية والقبلية والطائفية، بالجملة والمفرّق، نحو التطرّف والانغلاق، وتُطلَق كلّ أشكال الانتهاكات، فيصبح المجتمع لا يجتمع إلا على الخلاف، ويُصنع من العنف فرجةً ومنصّةً لافتتان المجرمين بتعذيب ضحاياهم وسحق أرواحهم، أولاً بالإهانات، قبل قتلهم والتمثيل بجثثهم.

صفة البشاعة خجولة أمام هول المشاهد، والأقذر أنّ المجرم يُنظر إليه، ويُحتفى به بين جماعته، بطلاً انبرى للدفاع عنهم من مخاوف متوهمّة من الآخر، بافتراض أنه عدوّ ليس لديه فرصة لإثبات العكس، وإذا كانت سلطة النظام القديم قد استطاعت إدارة التناقضات بالقمع بكلّ أشكاله، فالسلطة الحالية لا تبتعد كثيراً من ذلك، وعن قصد أو من دونه تساهم بتسعير العنف، ربّما على قاعدة أنّ المزيد منه قد ينجح في تذليل عقبات “بناء الدولة”. في المقابل، تغيب (أو تكاد) مصطلحات مثل الديمقراطية والحرية والمواطنة والعدالة من أدبيات السلطة الحالية، وبطبيعة الحال من الشعب الذي ما زالت الأغلبية منه تؤجّج عوامل الاختلاف ورفض الآخر، بينما الإدارة الحالية للبلاد ميّالة إلى جانب طرف، وتارّة تنعت المجازر التي حصلت في الساحل السوري، وما جرى من انتهاكات في السويداء، بأنها تصرّفات فردية، وتثني على ما قامت به بعض المجموعات وتستجيب لـ”الفزعات”، بدل إطلاق حوار وطني واسع يضع أسس الدولة الجديدة، والأهم تعاقد اجتماعي جديد عنوانه العدل بين السوريين.

لم تعرف البلاد بعد كيف تتخطى نظام الحزب الواحد القديم، بل تُماثله السلطة الانتقالية وتتناسى أنها مؤقّتة، وعليها مسؤولية تأمين الطريق لانبثاق سلطة من انتخابات شفّافة حقيقية، لا لبس فيها، ولم يعرفها السوريون منذ أكثر من نصف قرن. في الدول الديمقراطية، نادراً ما تلجأ السلطات الحاكمة إلى استخدام العنف ضدّ مواطنيها، إلا في حال تعرّض السلطة إلى التهديد المباشر وفقاً للمنظّرة حنة أرندت، ويبدو أنّ ما جرى في سورية خلال العقود الماضية (وما زال مستمرّاً) استشعار الخطر الذي يتهدّد السلطة، لذا تلجأ في كلّ مرّة إلى العنف المفرط، بإثارة النعرات الخبيثة من كلّ مستوىً، وإثارة أبناء الشعب الواحد ليصبحوا شعوباً، فكما كان نظام الأسد يوحي لبعض السوريين أنّ وجوده ضمانٌ لبقائهم، يبدو الحال واحداً اليوم بالنسبة لأولئك الذين تربّعوا في هرم السلطة الآن، ويعتقدون أنّ أيّ تغيير قد يهدّد وجودهم، بينما ترى أرندت أنّ العنف “إن ترك على سجيته سينتهي الأمر باختفاء السلطة”، وهذا ما حصل في غير بلد حين ترك العنف ليحسم معارك الديمقراطية.

يكتب أمين معلوف، في كتابه “الهويات القاتلة”: “إذا ما شعر هؤلاء أنّ الآخرين يمثّلون خطراً على إثنيتهم وديانتهم أو قوميتهم، فكلّ ما بمقدورهم القيام به لتبديد هذا الخطر هو مشروع، حتى ولو اقترفوا المجازر”، لذا يعيش السوريون اليوم أكثر أوقاتهم قلقاً وتوتراً وتوجّساً من المقبل، ومن “الآخر” المختلفين عنه، وكما يقول معلوف: “لا يشعر القتلة في أغلب الأحيان بتأنيب الضمير على أفعالهم”، بل إنّ كثيرين منهم يتباهون بما اقترفوه، ويصوّرون أفعالهم توثيقاً لمنجز جماعتهم لكسب الجاه بينهم. الأخطر في المسألة السورية أن العنف الذي بدأ من انطلاق الحراك الشعبي تحوّل مع الوقت عنفاً طائفياً، وتكمن خطورته في أنه استقطب كثيراً من الجماعات المتشدّدة التي ألبسته لبوس القداسة وعمدت إلى شرعتنه، فلا تقيم وزناً للوطن والمواطنة، ولا للمكوّنات وحياتها معاً منذ مئات السنين، وهي تختزل الدولة بالانتماء السياسي على أساس طائفي، وربّما الأخطر أنّ هذا العنف لن ينتهي بقتل الضحايا من كلا الطرفين، بل سينتقل بالوراثة من جيل إلى آخر في دوامة لا نهاية لها.

اختزال الدولة في مكوّن واحد وخطاب واحد وفكر واحد، لن يؤدّي إلا إلى مزيد من القتل على الهُويَّة والثأر المتكرّر، وزرع الخوف والشقاق بين أبناء البلد الواحد، لذا لا بدّ أن تتخفّف السلطات الحالية من العقلية التي حملتها طوال السنوات في صراعها مع النظام السابق، والتفكير بعقلية الدولة إذا كانت فعلاً تريد بناءها، وأن تحافظ على هذا التنوّع الذي لطالما امتازت به سورية، لأن الدول لا تبنى بالشعارات والخطابات والتمنّيات، فلن تتحوّل سورية سنغافورة بالرغبات فقط، بل من خلال توفير الفرص والأجواء التي تساهم في ذلك، أمّا إذا استمرّ الحال على ما هو عليه فإن البلاد ذاهبة حتماً إلى الخراب.

على حكومة الرئيس أحمد الشرع أن تقف على مسافة واحدة من كلّ أبنائها إذا أرادت فعلاً بناء دولة، لا أن تعيد تدوير أدوات النظام السابق، معتقدة أنّ بإمكانها فرض الولاءات بالقوة على مواطنين، يشعر كلّ فرد منهم أنّ حياته مهدّدة في كلّ لحظة، وأنّ سيف “الشبّيحة الجدد” مسلّط على رقبته، وما تعرّض له المعتصمون أمام مبنى البرلمان السوري مثال فاضح على ضيق صدر السلطة وأنصارها بالمعارضة، مهما كان مستواها.

العربي الجديد

——————————

 إدارة التوحش/ شادي لويس

الأربعاء 2025/07/23

أساءت سلطة الأمر الواقع في دمشق فهم التصريحات الأميركية، أو لعلها فهمتها على وجه صحيح، لكن أساءت التنفيذ. منذ السابع من أكتوبر، وحروبه متعددة الجبهات، صارت سوريا بالنسبة للأميركيين الجائزة الكبرى. سقوط بشار الأسد وخروج الإيرانيين وحزب الله من سوريا، يعني أكثر من هزيمة الحلقة الضعيفة في “محور الشر”، فانضواء موطئ القدم الروسي على البحر المتوسط -آخر مواريث الاتحاد السوفياتي في الشرق الأوسط- تحت جناح واشنطن، له دلالاته المعنوية والتاريخية. ثمة نشوة في تصريحات المبعوثين الأميركيين، ووجدت صداها لدى سلطة دمشق المظفرة بـ”حق الفتح”، بعد حرب بلا قتال تقريباً.

تُرفع العقوبات، برعاية الحلفاء الإقليميين في أنقرة والعواصم الخليجية، تمهيداً لفتح الأبواب السورية لرياح النيوليبرالية العاتية. على خلاف نماذج أخرى، لا تحتاج دمشق لإعادة هيكلة لاقتصادها، فخرائب الدولة التي تركها النظام السابق وراءه أقل من أن يطلق عليها صفة الهيكل، ما يمكن هو إعادة تأسيس من الصفر. الأتراك كانوا قد مددوا اقتصادهم في أدلب، حيث كانت الليرة التركية هي عملة التداول والسوق أقرب إلى كونه سوقاً محلياً. وثمة فرصة للتمدد بطول البلاد وعرضها. الرعاة الإقليميون الآخرون يبحثون عن فرص لتدوير فوائضهم الرأسمالية، في أسواق إعادة الإعمار وخصخصة مؤسسات الدولة.

حين انطلق الهجوم على السويداء، وصل وفد من رجال أعمال أميركيين ومدراء تنفيذيين في مجالات النفط والغاز إلى دمشق. تواصل هؤلاء مع واشنطن، وهم قلقون، لكن تم طمأنتهم بأن الاشتباكات بعيدة عن العاصمة ولن تصل إليها. على نهاية المذبحة الوحشية والسريعة، كان المسؤولون الجدد في دمشق يفتتحون في هدوء معرضاً لإعادة الأعمار.

لم تفهم دمشق الإيماءات الأميركية بشكل خاطئ. ترامب يقدر الأقوياء، وإدارته التي تقول إنها غير معنية بسايكس بيكو ثانية، تريد سوريا مركزية وبسلطة تبسط سيطرتها على كامل الأرض. سادة دمشق الجدد في حاجة لإثبات جدارتهم كوكلاء للرساميل المقبلة وأصحابها. الهم الامبراطوري الآخر هو الأمن، الجهادي التائب أو بالأحرى الجهادي المعاد تأهليه، هو الأقدر على تجفيف منابع “الإرهاب”، السني والشيعي معاً. تدجين جهاديي الأمس بأجانبهم في جيش نظامي، وطرد جيوب التنظميات الفلسطينية المسلحة، والاشتباك مع حزب الله على الجانب الآخر من الحدود. الأمن كما الاقتصاد يستدعي فرض سلطة السلاح الواحد على الأكراد والدروز، بعد إخضاع العلويين بمجزرة. وظهر أن الأميركيين لا يمانعون.

الشرع العائد من باكو، باتفاق لتوريد الغاز، ولقاء سوري-إسرائيلي خلف الكواليس، لا ندري ما دار به ، يطلق العنان للتوحش في السويداء. إن مرت مذبحة الساحل بسلاسة فلماذا لا يمر بعدها مذبحة أخرى. المفارقة المأساوية والساخرة في آن، أن يخرج تقرير تقصي الحقائق بخصوص المذبحة الأولى ودماء المذبحة الثانية لم تبرد بعد. في ذلك التوحش بعض من صديد الكراهية الموروث من نصف عقد وأكثر من الرعب الأسدي. ومع هذا، هو توحش قائم بذاته، له منابعه وأيديولوجياته وتواريخه المستقلة أيضاً. وكذلك ينتمي إلى عالم يبدو وقد تخلى علناً وبشكل نهائي عن كوابح الهمجية، كما نعاين في غزة على مدار الساعة لأكثر من عشرين شهراً. ثمة طقس إبادي يتمدد في المنطقة بأكملها.

الإمبراطورية على سطوتها، لا تدير شؤون أطرافها بشكل مباشر. ثمة وكلاء وشركاء إقليميين وإمبرياليات صغيرة تعمل بالنيابة أو تتنازع فيما بينها على الحصص، وتتجلى سلطة المركز في الفصل بينها. من تل أبيب تأتي الضربة على دمشق، قبل أن تتدخل واشنطن لتوقف القصف. لإسرائيل مصالحها الخاصة، التي لا تتطابق بالضرورة مع مصالح الأميركيين، وإن كانت لا تناقضها. خرجت سلطة دمشق بخسائر مركبة بعد المذبحة، في الداخل والخارج أيضاً. لكن التفويض الإمبراطوري لها ودعم الرعاة الإقليميين ما زال على حاله.

المدن

————————

 نتنياهو يخرِّب المسار الأميركي فيها: ليس بالعنف تثبَّت وحدة سوريا

الأربعاء 2025/07/23

لم يكن من الممكن تخيّل تجدد مشاهد “التهجير القسري” في سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد. لعب الأسد لعبة التطهير باسم “سوريا المفيدة” و”التجانس”، وخاض معارك في سبيل تغيير ديموغرافية سوريا. هذا المشهد تكرر في الأيام الماضية في السويداء بعد المواجهات الدامية التي وقعت. حصل التهجير بعد مجازر، وبعد تدخل إسرائيلي مباشر ضد القوات السورية لمنعها من الدخول إلى الجنوب السوري، معلنين مطلبهم الواضح بمنطقة منزوعة السلاح تشمل درعا، السويداء والقنيطرة.

“ممر داوود”

كان الدخول الإسرائيلي المتجدد إلى المسرح السوري إشارة في غاية الخطورة إلى مشروع تل أبيب، وسط مواقف تعبّر بوضوح عن سعي لفتح خط مباشر بين السويداء ومناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية، وهو الذي يُطلق عليه اسم “ممر داوود”، أو بالمعنى الأوضح: وصول إسرائيلي بالنفوذ والامتداد من الجولان نحو الفرات في الشمال الشرقي. هذا الممر كانت قد أثارته تركيا منذ سنوات، وتعده تهديداً مباشراً لها. إذ تنظر إلى أن تقسيم سوريا سيكون مقدمة لتقسيمها. تكمن الخطورة الإسرائيلية تجاه سوريا في تغذية نزعة التقسيم وعدم السماح لسوريا أن تكون دولة مركزية قوية. تحاول إسرائيل دوماً الاستثمار في مخاوف الأقليات وعدم تحصيلها لحقوقها في دولها، للعب على هذا الوتر. وهو الأمر الذي يحصل في سوريا وقابل لأن يتكرر دوماً.

تمارس إسرائيل ضغوطها القصوى على دمشق، سياسياً في الداخل، أو عسكرياً وأمنياً. كما لا تتخلى عن ممارسة ضغوطها الدولية من البوابة الأميركية، عبر الضغط داخل الكونغرس لإعادة فرض عقوبات على سوريا، وتطويق سلطة الشرع. الأمر الذي نجحت به إسرائيل حتى الآن هو تكريس تعدد الآراء داخل الإدارة الأميركية حول كيفية التعاطي مع الشرع، بين من لا يزال يفضل دعمه ودعم مساره، ومن يحاول الاعتراض، ويعد أن كل الخطوات الإيجابية التي اتخذتها واشنطن من رفع العقوبات إلى إعطاء قوة دعم للشرع، لم تؤد إلى النتائج المطلوبة. لكن الرأي الثاني لا يزال مطموراً نسبياً. إذ أن كل المعلومات تفيد بأن واشنطن لا تزال تدعم الشرع ومساره حتى الآن. وهو ما ورد في بيان البيت الأبيض عن أن ترامب تفاجأ بخطوة نتنياهو في استهداف دمشق.

المرآة اللبنانية

في لبنان، كما في دول مختلفة تركزت الأنظار على تداعيات أحداث السويداء، وانعكاسها على سلطة الشرع. تماماً كما كان الحال بالنسبة إلى أحداث الساحل السوري. ففي حينها تكونت وجهات نظر تشير إلى أنه لا يمكن للشرع أن يثبت سلطته وينتقل في سوريا إلى مرحلة بناء الدولة، في ظل هذه العقلية العنفية، والتي تنطوي على طبائع الثأر وممارسته. الفكرة نفسها تتكرر الآن بعد أحداث السويداء. أما بالنسبة إلى الشرع والمقربين منه، فإن ما يقوم به هدفه بسط سيطرة الدولة على كامل أراضيها وعدم السماح بإقامة أي كيان ذاتي.

لبنانياً أيضاً، تكونت وجهة نظر تستند إلى ما يجري في سوريا، تقول إنه لا يمكن للبنانيين، أو لحزب الله على وجه التحديد، أن يشرعوا في تسليم سلاحهم، ولا سيما في ظل المخاطر الإسرائيلية والمخاطر التي قد تنجم عن تطورات الوضع السوري. هذا الكلام كان قد استبقه الموفد الأميركي توم باراك، والذي يبدو أنه من أكثر الداعمين للشرع، معتبراً أنه يجب عدم التذرع بالتطورات السورية للتراخي في مسألة حصرية السلاح بيد الدولة. ويذهب باراك أبعد من ذلك، إذ يشدد في لقاءاته وتصريحاته على أهمية الحفاظ على سوريا كدولة مركزية موحدة. وكان قد قال قبل أيام في مؤتمر صحافي في وزارة الخارجية الأميركية إنه يجب عدم التفكير في إقامة كيانات مستقلة أو إدارات ذاتية داخل سوريا، بل يجب اندماج كل القوى المجتمعية والأقليات ضمن النسيج السوري.

نتنياهو “المخرِّب”

ما يراه باراك، وهو يعبّر عن رأي الكثيرين في الإدارة الأميركية، أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هو الذي يريد تخريب المسار السوري. أصحاب هذا الرأي في واشنطن يعتقدون أن نتنياهو في وضع سياسي صعب جداً على المستوى الداخلي، وحكومته مهددة بالفعل. لذلك هو يريد التهرب من مواجهة الاستحقاقات الداخلية عبر إثارة الحروب الخارجية ومواصلتها، وبما أن الضغوط تتزايد لوقف الحرب على غزة، فإن رئيس الوزراء الإسرائيلي سيبحث عن ساحات جديدة للقتال، كانت سوريا من بينها. كما أن تدخله العنيف تحت شعار حماية الدروز، له أهداف ذات بعد استراتيجي يتصل بالجغرافيا السورية وبالشروط الإسرائيلية عليها. كما له أهداف تتصل بالحسابات الداخلية، لإرضاء الدروز، في ظل اهتزاز الحكومة واتجاه أحزاب للانسحاب منها، وفي ظل أزمة الجيش والتجنيد.

لا تزال الوجهة في سوريا غير محسومة. في واشنطن هناك من يصر على دعم الشرع، كما أن الرجل يحظى بدعم عربي واسع ودعم إقليمي ولا سيما من تركيا. في حين أن الولايات المتحدة الأميركية ستسعى إلى تجديد التفاوض السوري الإسرائيلي لإعادة إحياء التفاهمات والوصول إليها، إلى جانب مواصلة العمل للوصول إلى تسوية بشأن السويداء. ووفق المعلومات، فإن الاجتماع الذي عقد قبل أيام في العاصمة الأردنية عمان بين وزراء خارجية الأردن، تركيا وسوريا، نتج عنه لجنة متابعة تعمل للوصول إلى تفاهم واضح، في حين أن الاستحقاق الثاني المقبل سيكون كيفية التعاطي مع قوات سوريا الديمقراطية.

المدن

————————-

عندما يفكّر توم باراك في كتابة مذكراته اللبنانية والسورية/ إيلي القصيفي

يبدو أنه لا يزال هناك طريق واحد وهو الذي يؤدي إلى دمشق

آخر تحديث 22 يوليو 2025

بمقدور توم باراك أن يبدأ الآن بالتفكير في كتابة مذكراته. فكرة أن يكون هو المبعوث الأميركي الذي يتولى ملفين ملتهبين ومتداخلين، كالملفين السوري واللبناني، وفي لحظة تأسيسية في المنطقة تحاكي لحظة ما بعد انهيار السلطنة العثمانية، مغرية جدا لأي دبلوماسي غربي قرأ سيرة لورانس العرب أو سمع عنه.

ولا شك أن أحداث السويداء الأخيرة بكل ما فيها من “خصائص” شرقية ستكون محفزا إضافيا لباراك للمباشرة بكتابة سيرته التي سيكون توليه ملفي لبنان وسوريا أبرز محطاتها، إضافة إلى قصة هجرة والده من زحلة في لبنان إلى أميركا وكيف انطلق من الصفر ليصبح رجل أعمال ثريا مثل بقية أصدقاء ترمب ومبعوثيه.

إنها فعلا فرصة سانحة لباراك لا تتوفر إلا نادرا لدبلوماسي غربي في المنطقة، خصوصا أن طبيعة الأحداث المتلاحقة ولاسيما في سوريا تصلح لحبكة روائية استثنائية. وسيحتاج المبعوث الأميركي عالم أنثربولوجيا متخصصا بعشائر البدو والدروز ومؤرخا للعلاقة التاريخية بينهما، كما سيكون ملزما بالاطلاع على الأرشيف العسكري والاستخباري البريطاني والذي يغطي حقبة طويلة من تدخل الإنكليز في الجنوب السوري والمنطقة. ويمكنه والحال هذه أن يقيم مقارنات ممتعة بين الأسلوب الإنكليزي والأميركي في حياكة الدسائس والمؤامرات كما تسميها الروايات الشائعة.

والأدهى أن الحاضر لا يقل أهمية عن الماضي في كل القضايا السورية ومرادفاتها اللبنانية، بل إن الحاضر فيه الكثير من استعادات الماضي وكأن تجاوزه مهمة مستحيلة في هذه المنطقة، وهو ما شهدت عليه أحداث السويداء التي أعادت إنتاج خلافات عشائرية تعود إلى مئتي عام، وهذا كله يقوي حبكة باراك ويزيد روايته تشويقا. أضف إلى ذلك أن الأحداث لا تقتصر على الأبعاد المحلية بكل تفاصيلها السياسية والاجتماعية والتاريخية، بل هي تختزن في دوافعها وسيروراتها كل أنواع التجاذبات والصراعات الدولية والإقليمية، بحيث لا تعدو في النهاية سوى صدى لها كلها، أو أنه لا يمكن قراءة الأحداث بأبعادها المحلية وحسب بكل ما أظهرته هذه المحلية من إجرام وتفاهة.

إلى ذلك يمكن لباراك أن يكون فخورا بأنه كان شاهدا خلال فترة قصيرة جدا على تسارع هائل للأحداث، فلا يكاد يخبو حدث لبناني حتى يبدأ حدث سوري أخطر منه، وكل ذلك بفارق ساعات قليلة، وبذلك يكون قد أثبت قدرات استثنائية على الإلمام بأحداث متسارعة ما يضطره إلى نقل تركيزه من ملف إلى آخر بين عشية وضحاها. هكذا بعد أن كان يركز على ملف سلاح “حزب الله”، انشغل بإطفاء حريق السويداء، ثم عاد إلى لبنان بتكليف مباشر من الرئيس دونالد ترمب، “الذي يولي الملف اللبناني أهمية بالغة ضمن رؤيته لتحقيق استقرار إقليمي شامل”. لكنه أكد في المقابل أن بلاده لا تستطيع أن تجبر إسرائيل على القيام بأي شيء، أي إنه لا يضمن وقف إسرائيل لهجماتها في لبنان إلا في حال تم التوصل إلى اتفاق جديد غير ذلك الذي أنهى الحرب الأخيرة، على أن يشمل تسليم “حزب الله” أي سلاح يمكن أن يهدد إسرائيل، ولو احتفظ بكل ترسانته من الأسلحة الخفيفة والمتوسطة لاستخدامها في أي اقتتال داخلي مستقبلا!

ولعل هذه الرؤية الأميركية لتحقيق استقرار إقليمي شامل هي أكثر ما يجب التوقف عنده لفهم الأحداث السورية التي تعكس مجمل المشهد الإقليمي الجديد، انطلاقا من مواقف القوى المنخرطة في النزاع وموازين القوى الجديدة التي أفرزتها الحرب الإقليمية منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.

والعامل الإسرائيلي هنا ليس عاملا ثانويا أيضا بل هو عامل رئيس بالنظر إلى أن إسرائيل أصبحت فاعلا أساسيا في المشهد السوري خصوصا بعد قصفها مقر قيادة الأركان ومحيط القصر الجمهوري. ثم وفي خضم مواجهات السويداء أعلن عن التوصل لوقف إطلاق النار بين سوريا وإسرائيل في اعتراف على أن إسرائيل طرف في المواجهة التي تدور في الجنوب السوري.

لكن العامل الإسرائيلي في سوريا يبدو إشكاليا أكثر من ساحات أخرى بالنظر إلى الانخراط الأميركي المكثف في “بلاد الشام” والذي يعبر عنه المبعوث باراك في دعم الحكومة المركزية في دمشق، مقابل الرفض الإسرائيلي- غير المعلن رسميا- لأن تكون سوريا دولة مركزية. بيد أن هذا التناقض حول طبيعة الدولة السورية بين واشنطن وتل أبيب يبدو أنه قابل للاحتواء في المدى المنظور، خصوصا أن “المرحلة الانتقالية” في سوريا لن تكون قصيرة في ضوء تفجر التناقضات الداخلية واحدا تلو الآخر، واستمرار الصراع الإقليمي حول سوريا ولاسيما بين تركيا وإسرائيل التي ما فتئت تنظر بحذر شديد إلى دعم أنقرة للرئيس أحمد الشرع.

إلا أنه لا يبدو أن أحداث السويداء قد جعلت واشنطن تعيد النظر في استراتيجيتها تجاه سوريا وهو ما عبر عنه باراك بقوله إنه لا توجد خطة عمل أميركية بديلة عن دعم حكومة الشرع، وإن قال من بيروت أن “الحكومة السورية يجب أن تحاسب بعد السيطرة على كامل الدولة”. وهو تصريح حمال أوجه، إذ أقرن  المبعوث الأميركي هذه المحاسبة بسيطرة حكومة دمشق على كامل الدولة، فهل يقصد السيطرة على كامل الجغرافيا السورية أم على جميع القوى العسكرية بما في ذلك تلك الموالية للحكومة؟ لكن من جانب آخر فإن الكونغرس الأميركي يناقش إجراءات لضبط عملية رفع العقوبات عن سوريا، وهو ما يمكن أن يشكل عامل ضغط على الحكومة السورية التي بذلت أقصى جهودها لرفع هذه العقوبات.

أيا يكن من أمر فإنه لا يمكن أن تتغاضى حكومة دمشق عن إطلاق آليات محاسبة جدية لكل الانتهاكات التي تتهم قوى موالية لها بارتكابها، وإلا فإنها ستظل تواجه تآكلا مضطردا في شرعيتها الداخلية وهو ما يضعف في نهاية المطاف مفاعيل الدعم الدولي والإقليمي لها. وعلى الأرجح سيشكل الإعلان عن تقرير لجنة التحقيق في أحداث الساحل والتي وثقت 298 شخصاً “ممن ثبت تورطهم بانتهاكات”، بداية مسار المحاسبة تلك.

إذن من الواضح أنه لا يزال هناك طريق واحد في سوريا وهو الذي يؤدي إلى دمشق، كما قال المبعوث الأميركي، في إشارة إلى الرغبة الأميركية في اندماج “المكونات السورية” جميعا ضمن الدولة الجديدة.

المجلة

——————————

 توجهان إقليميان يتدافعان في سوريا.. إلى من ستنحاز إدارة ترمب؟

2025.07.23

أظهرت التطورات في سوريا على مدار الأشهر الماضية وجودَ توجّهين إقليميّين؛ الأولُ تقوده السعودية وتركيا ويدعم استقرار سوريا ووحدة أراضيها، والثاني تتزعمه إسرائيل، التي لم تُخفِ رغبتها في تقويض حكومة دمشق من خلال العمل مع أطرافٍ سوريةٍ أخرى.

مع اندلاع الأحداث الدامية في محافظة السويداء منتصف تموز/ يوليو الجاري، اتضح التدافع بين التوجهين، حيث انخرطت إسرائيل في التصعيد، بالمقابل نشطت الدبلوماسية التركية والأردنية والسعودية لنزع فتيل الأزمة.

إسرائيل وتهديد السيادة السورية

أعلن وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر مبكراً وبعد فترة قصيرة من سقوط نظام بشار الأسد أن خيار بلاده دائما هو التحالف مع الأقليات في سوريا والمنطقة، كما أكدت تقارير رسمية إسرائيلية عديدة رفضها لعودة سوريا موحدة، وهذا ما أكده المبعوث الأميركي إلى سوريا توماس براك بعيد أحداث السويداء، حيث أشار إلى رغبة إسرائيل بأن تبقى سوريا دولة مجزأة.

وسبق تصعيد الاحتلال الإسرائيلي ضد القوات الحكومية السورية في السويداء جولة مفاوضات في أذربيجان، رفضت خلالها سوريا التنازل عن الجولان، والسماح لإسرائيل بتأسيس نقاط دائمة بعد خط فض الاشتباك على حدود عام 1974 مقابل اتفاق سلام، وتمسكت دمشق بطرح تفعيل خطوط الاتصال الأمنية لمعالجة المخاوف الإسرائيلية، لأنها وجدت في الطرح الإسرائيلي إمعاناً في تهديد السيادة السورية.

ومن الواضح أن تل أبيب وجدت في التوترات التي حصلت في محافظة السويداء فرصة لإنفاذ سياساتها في سوريا تحت ذريعة “حماية الدروز”، وأعلنت بشكل واضح نيتها إبقاء جنوب سوريا منطقة منزوعة السلاح، وهذا من شأنه تقويض سيطرة السلطة السورية على الأرض، بالتوازي مع تقديم الدعم والمساندة للتشكيلات العسكرية التي تدين بالولاء لحكمت الهجري.

دفع سعودي وتركي باتجاه الاستقرار ووحدة الأراضي السورية

عقب أحداث السويداء أعلنت أنقرة دعمها لوحدة واستقرار الأراضي السورية، بالإضافة إلى الكشف عن رغبتها بتقديم الدعم العسكري في مجال الاستشارة والتدريب للقوات السورية بناء على طلب دمشق، فيما بدا أنه رسالة موجهة لإسرائيل، بالإضافة إلى تنظيم قسد الذي استثمر الفوضى التي حصلت إثر مواجهات السويداء للإعلان عن رفضه إلقاء السلاح.

السعودية من جهتها أرسلت وفدا استثماريا إلى سوريا يضم العشرات من المسؤولين ورجال الأعمال، والهدف عقد المنتدى السعودي السوري، والتجهيز لاستثمارات بمليارات الدولارات، واللافت أن الإعلان عن هذه الخطوة أتى بعد يوم واحد من موافقة اللجنة المالية في مجلس النواب الأميركي على إحالة مقترح إلى المجلس يتضمن تمديد العقوبات بموجب قانون قيصر إلى عامين إضافيين، ويبدو أن الرياض أرادت من خلال هذه الخطوة التأكيد على ثبات دعمها للاستقرار في سوريا وتدوير عجلة الاقتصاد مجدداً بغض النظر عن التطورات الميدانية والسياسية الأخيرة في البلاد.

أين ستقف إدارة ترمب؟

من الأمور التي ينبغي أن تثير قلق دمشق هي الرسائل المتضاربة التي تصل من إدارة ترمب، والتي سببها فيما يبدو حرص الإدارة على مراعاة مصالح دول الخليج وتركيا من طرف، والمصالح الإسرائيلية من طرف آخر.

المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا نفى مسؤولية القوات الحكومية عن أحداث السويداء، لكنه في الوقت ذاته أشار إلى تناقص الزخم الذي تمتع به الرئيس أحمد الشرع في البدايات، وطالب بجهود أكبر لإشراك الأقليات في الانتقال السياسي، لكن الأهم تأكيده أن بلاده لم تُستشر بالضربات الإسرائيلية على سوريا، والإشارة إلى عدم قدرة واشنطن على فرض أي شيء على تل أبيب.

ربما تركز إدارة ترمب بشكل أساسي على استدامة حالة الاستقرار الهشة في سوريا إلى حين اكتمال باقي الترتيبات المتعلقة بتقليص نفوذ إيران الإقليمي، وبناء عليه لا تريد في الوقت الراهن زعزعة السلطة السورية الحالية، لكن الرسائل المتضاربة من واشنطن تثير الشكوك بخصوص مستقبل موقفها من السلطة السورية، ويضاف إلى هذا وجود تيارات أميركية داعمة للمصالح الإسرائيلية تؤثر على توجهات إدارة ترمب بخصوص الملف السوري، وتدفعها لغض النظر عن بعض سلوكيات تل أبيب، دون اصطدام مع مصالح بقية الحلفاء وعلى رأسها تركيا، ولذا أعلن المبعوث الأميركي في وقت سابق أن بلاده ليس لديها موقف من إمكانية توقيع تركيا اتفاقية دفاع مشتركة مع الحكومة السورية.

تلفزوين سوريا

————————

 مجازر الأسد.. دماء وصمت دولي/ محمد برو

2025.07.23

شهد السوريون في العقود السابقة مجازر عدة ربما كان من أشهرها مجازر الأسد الأب والابن، وهذا ما ذكرنا بمجازر رواندا ومجازر البوسنة والهرسك.

مجزرة رواندا استمرت زهاء مئة يوم وتراوحت أعداد ضحاياها بين ثمانمئة ألف ومليون ضحية معظمهم من المدنيين، في حين استمرت المجازر في البوسنة والهرسك ثلاث سنوات ونصف وكانت ذروتها مجزرة سربرنيتسا التي استمرت عدة أيام راح ضحيتها ما يزيد عن ثمانية آلاف مدني نازح من مناطق القتال، وكانوا في منطقة معزولة ومحمية من الأمم المتحدة، في حين بلغ عدد ضحايا المجازر في البوسنة والهرسك خلال ثلاثة سنوات ونصف ما يقارب ثمانين ألف مدني، وبالرغم من التباطؤ الشديد للمجتمع الدولي ، إلا أنه سارع بالنهاية بالتدخل لوقف تلك المجازر.

أما في سوريا وهي موضع حديثنا فالأمر أشد فظاعة وأكثر وحشية فقد بدأت مجازر الأسد منذ أحداث 1980 في مواجهته مع تيار الطليعة وتنظيم الإخوان المسلمين، في حلب وحماة على وجه الخصوص، واستمرت تلك المجازر في عهد ابنه بشار الذي كان يعتبر نيرون وهتلر وستالين خير أسوة له وربما فاقهم عسفا ووحشية وإجراما، وفي الحلقة الأخيرة من هذه السلسلة الدموية والتي استمرت منذ عام 2011 وانتهت بنهاية عام 2024 عند فرار كبير المجرمين وأعوانه وسقوط النظام الأسدي، نكون كسوريين قد طوينا صفحة سوداء من تاريخ سوريا، وما يزال عشرات آلاف المختفين قسرا مجهولي المصير بالرغم من ترجيح قتلهم على يد الأجهزة الأمنية في سوريا، وما تزال الأعداد الحقيقية غير منتهية، فالمقابر الجماعية التي ضمت الآلاف وأعداد المفقودين الذين أحصتهم منظمات متخصص بحقوق الانسان، وآلاف مؤلفة لم يتم الإفصاح عنهم إلى يومنا هذا لشدة خوف الأهل من جريرة التصريح عن ضحاياهم من قتل منهم أو غيب قسريا، ويرى الكثير من المتابعين من كثب أن أعداد الضحايا والمفقودين يزيد عن ستمئة ألف، في حين وثقت الشبكة السورية لحقوق الانسان ما يزيد عن مئتي ألف ضحية، وتعتبر الشبكة السورية من أوثق وأدق المصادر في توثيق المذبحة السورية، لكننا نعلم أن التوثيق لم يكن ليشمل جميع الضحايا، لأسباب تقنية وضوابط تقيد عمل المنظمات الحقوقية وبسبب تمنع شريحة واسعة من الأهالي بالتصريح عن ضحاياهم.

القاسم المشترك بين تلك المجازر هو عجز المجتمع الدولي عن التدخل في الوقت المناسب وعدم السماح بتدهور الأمور إلى هذا الحد، الأمر الذي يغري الكثير من الأنظمة القمعية بتكرار تلك الجرائم بحق الإنسانية، ربما يفسر البعض هذا الموقف السلبي من المجتمع الدولي وفي مقدمته الاتحاد الأوربي والولايات المتحدة الأميركية بأنهم يفتقرون الى وجود استراتيجية واضحة وعملية لحماية المدنيين الأبرياء وإنصاف الضحايا، لكن الوقائع التي تمطرنا بها وسائل الإعلام والتي ترصد كل تصريح وموقف واجتماع تؤكد أن تلك الجهات الدولية لا تملك إرادة حقيقية في لعب الدور المناط بها حسب مواثيق الأمم المتحدة وغيرها من الهيئات الدولية، بل هي تقف وقفة المتفرج وتندد وتصرح وتبدي مزيداً متكرراً من القلق، في حين كانت بعض الأنظمة الأوربية والعربية تزود النظام السوري الذي يستمر في ارتكاب مجازره بالأسلحة والعتاد والمعلومات الاستخباراتية، اللازمة لمزيد من القمع وللحيلولة من دون سقوط النظام الديكتاتوري في هذه البلد أو

تلك، فهذه الديكتاتوريات والأنظمة القمعية ترتبط بمراكز القوة في المجتمع الدولي عبر شبكات من الأدوار والمصالح، ولن يكون سقوطها إن حصل مصدر استقرار لتلك المصالح والشبكات.

امتازت مجازر الأسد عن نظيراتها في القرن العشرين وما تلاه بالامتداد الزمني الطويل وبالدعم الصريح من دول إقليمية وعالمية، وبمشاركة مباشرة من ميليشيات وجيوش خارجية كان لها دور واضح وكبير في تلك الانتهاكات، وفي منع سقوط النظام، حتى بعد أن أصبح دمية هزيلة بيد داعميه أو مستخدميه وفقده لكل مقومات البقاء، كما امتاز بضلوعه الكارثي في حجم المعتقلين وتعذيبهم لسنوات طويلة وتفننه المبدع في تلك الأساليب، ويمكن أن يقدم عبر التاريخ كنموذج شيطاني مريع في أفانين القهر والتعذيب التي يعد الموت خلالها والنجاة من استمرارها هبة إلهية طالما تمناها آلاف المعتقلين، كما كان الشعب السوري المعارض خلالها ضحية لاختبارات السلاح الروسي الذي صرح عنه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بشكل واضح حين أكد أنه في سنوات الحرب الأولى في سوريا اختبر أكثر من 320 سلاحا حديثاً انتجته روسيا، وفي آذار 2017 أكد الرئيس فلاديمير بوتين أن الحرب في سوريا مثلت أفضل تدريب عملياتي وحقيقي للقوات الروسية لم تكن لتحظى به في أي تدريب، بعد هذا التاريخ بعام أعاد بوتين تأكيده على اختبارات متميزة للأنظمة الصاروخية الروسية في الأراضي السورية، كما أكد في 2019 أن مشاركة القوات الروسية الجوية خلال القتال في سوريا كشف عن مواطن الضعف في تلك الطائرات الأمر الذي ساهم في إعادة تصميمها على نحو أفضل، ولن ينسى العالم تصريحه عام 2020 حول تطور حجم مبيعات الأسلحة الروسية التي تم اختبارها في سوريا، كما امتازت مجازر الأسد في سوريا باستخدامه للعديد من الأسلحة المحرمة دوليا وفي مقدمتها استخدام السلاح الكيماوي بمباركة روسية وإيرانية، ولم يكتف بقتل المدنيين بالسلاح الكيماوي بل عمد الى جعل الكثيرين منه فئران تجارب لمخابره الكيماوية، كذلك ضلوعه في تجارة الأعضاء البشرية التي كانت تسرق من ضحايا التعذيب.

اليوم بعيد سقوط نظام الأسد يتم الكشف بشكل متتابع عن أنواع فظيعة من الجرائم كاختطاف أطفال المعتقلين والضحايا والاتجار بهم عبر شبكات دولية، وتوظيف المختطفات في شبكات تجارة الرقيق الأبيض وغير هذا كثير مما لا يتسع له السياق.

خلاصة القول إن تلك المجازر المتكررة والتي استمرت لسنوات طويلة من دون أن يتمكن المجتمع الدولي من إيقافها والضرب على يد من يرتكب جرائم صارخة الوضوح بحق الإنسانية يسقط بقايا ورقة التوت العفنة التي يحاول أن يستر عورته وعاره بها، وما المجازر التي ترتكب اليوم في غزة بحق الشعب الفلسطيني وبشكل ممنهج ومحمي ومدعوم دوليا، إلا تأكيدا على أن هذا العالم تحكمه عصابات مافياوية، غير معنية بالإنسانية المعذبة ولا بأعداد الضحايا الأبرياء، وكل ما يعنيها استمرار تدفق النفط والسلاح والاتجار بأرواح البشر، وكل ما عداه من شعارات وتصريحات وإدانات وقلق مزعوم ومهرجانات خطابية، ما هو إلا استخفاف بالعقول واحتقار لحقوق الإنسان وتخليق مستمر للعنف والإرهاب

تلفزيون سوريا

—————————–

 سوريا: تداعيات الطّغيان الأسديّ على المجتمع والدّولة/ رضوان السيد

2025-07-22

تثير أحداث السويداء أسئلة كثيرة. صحيح أنّ التدخّل الإسرائيلي كان الأبرز في المشهد، لكنّ في المشهد أيضاً قضايا كثيرة أخرى، ومنها العلائق بين الدروز والبدو، والعشائر في سورية والأردن وإسرائيل، وقبل ذلك وبعده الخراب الذي أحدثه النظام السابق في العقول والنفوس.

مسؤوليّة السلطات الجديدة كبيرة في الحصول على ثقة الناس بدوافع السلم وإعادة الإعمار. اتّسم وليد جنبلاط بالشجاعة والحكمة في التعامل مع الأزمة، الأمر المطلوب من العقلاء المتبصّرين في سورية ولبنان.

لا يكاد أحدٌ يتذكّر أنّ أحداث الربيع العربي (2011) اشتعلت بسورية بعد تونس ومصر بأشهرٍ قليلة. وهي بشكلٍ موجز تمثّلت بعاملين:

1- خروج الفئات الوسطى في المجتمع السوري على نظام الاستبداد والطغيان.

2- الثوران الفوضويّ الكاسح لفقراء الريف السوري الشاسع.

ثمّ استجدّت عوامل أخرى فرعيّة مثل المشكلة الكرديّة، والقمع الأسطوري، وتدخّل إيران وميليشياتها، ومنها “الحزب” والشراذم المذهبية العراقية والباكستانية والأفغانية، والتطرّف الداعشيّ، فالتدخّل الروسي والأميركي والتركي… والإسرائيلي.

أظنّ أنّ الأمر كان في خريف عام 2012 حين أُتيح لي في جلسةٍ عامّة مع وزير الخارجية السعودي الراحل الأمير سعود الفيصل، حضرها أيضاً شقيقه الأمير تركي الفيصل، سماع رأي الأمير سعود: كنّا نعدّ المجتمع السوري ضمن المجتمعات العربية الأكثر تماسكاً، فإذا هو لا يختلف عن المجتمع اللبناني المجاور، وإنّما الفرق الأوّل أنّ المجتمع اللبناني ينقسم عندما يتعرّض لضغوط خارجية، بينما ما يتعرّض له المجتمع السوري آتٍ في  معظمه من الداخل بسبب الضغوط الهائلة للنظام السياسي السائد طوال عقود. والفرق الآخر أنّ الشعب السوري أكثر تنوّعاً بفئاته الشعبية العرقية والدينية والجهوية ممّا كنّا نعتقد، وهو يشبه في ذلك المجتمع العراقي.

هدوء مع الحدود الإسرائيليّة

ما تعرّضت الطائفة الدرزية في سورية لضغوطٍ شديدةٍ في سنوات الثوران الأولى على بشّار الأسد، وذلك لحرص النظام الأسديّ من جهة ووجهاء الطائفة من جهةٍ ثانية على التزام نوعٍ من الهدوء والانضباط على مقربةٍ من الحدود مع إسرائيل بعد احتلال الجولان عام 1967 وعدم تغيّر وضعه في حرب عام 1973.

إنّما في السنوات الثلاث الأخيرة من عمر النظام المتصدّع تحت وطأة القمع والتدخّلين الإسرائيلي والإيراني في الجنوب السوري بين الأردن وإسرائيل، ظهرت ميولٌ لدى الفئات الشابّة في السويداء لنوعٍ من التفرّد تجنّباً لفوضى الجنوب السوري، وبسبب ازدياد سوء الأوضاع الاقتصادية والمعيشية. لكن ظلّت مؤسّسات النظام الخدميّة والأمنيّة والشرطيّة موجودةً في الحدّ الأدنى، حتّى فرع حزب البعث.

يتحدّث الجميع الآن عن الاضطراب الدائم بين الدروز والبدو في الجوار من الناحية التاريخية. والبدو وإن كانوا من أصولٍ عربيّة لكنّهم أقلّ استقراراً من العشائر والقبائل الأخرى في سورية والأردن والسعودية التي صارت دولاً.

السويداء

البدو في الغالب في بعض نواحي سورية والأردن من قاطني الخيام، ويعتمد نظام حياتهم على تربية المواشي والتنقّل بحسب أحوال الطقس والأمطار وتوافُر المراعي. ومعروفٌ من الناحية التاريخية الاضطراب شبه الدائم بين البدو والفلاحين، والدروز بمعظمهم فلّاحون في الأصل، ثمّ كبرت القرى فصارت بلداتٍ ومدناً، أهمّها السويداء بالطبع. وازداد التواصل مع المحافظات القريبة وصولاً إلى دمشق القريبة، ومع الأردن قديماً ومع قيام الدول الوطنية.

الدّروز والثّورات

شاركت الطائفة الدرزية في الأحداث الوطنية ليس في ثورة سلطان باشا الأطرش على الفرنسيين عام 1925 فقط التي انطلقت من جبل الدروز، بل وفي التمرّد على عهد أديب الشيشكلي عام 1954. وكان لهم تمثيل ملحوظ في الحكومات وحتّى في الانقلابات (عام 1963 مثلاً)، ولآل أرسلان والأطرش وشقير إسهامٌ بارز في الحياة الوطنية والعسكرية بسورية، وهذا دليلٌ إضافي على التماسك بين الجماعات والمجتمعات الدرزية في سورية ولبنان والأردن وفلسطين، كما هو الشأن لدى الأقلّيات، وبالذات في أزمنة الاضطراب.

في الاضطرابات الأخيرة التي تخلّلتها مذابح مفزعة بدأ الأمر بظاهرتين: التدخّل والتداخل الإسرائيليَّين من جهة، والتجاوزات البدويّة على القرى الدرزيّة في عقد القحط وندرة المراعي في سنوات الجفاف الأخيرة، من جهة أخرى. ولا ينبغي أن ننسى أيضاً التجاوزات على أقلّيةٍ درزيّةٍ بنواحي إدلب في سنوات الثوران، وهي أحداثٌ تدخّل فيها الزعيم وليد جنبلاط أيضاً، شأنه في التدخّل الإصلاحي الحكيم اليوم. ولذلك ما كان الدروز مطمئنّين إلى العهد الجديد، وبخاصّةٍ أنّ أصله تنظيم أصوليّ معروف.

بخلاف الولايات المتّحدة، ما سلّمت إسرائيل بالنظام السوري الجديد. وما كان ذلك منتظراً لأنّ إسرائيل كانت تتدخّل في سورية بحجّة مكافحة التسلّل الإيراني باتّجاه الجولان المحتلّ، وهو الأمر الذي زال مع صعود النظام الجديد الذي أزال الإيرانيين وميليشياتهم من سورية. تدخّل الإسرائيليون بكثافة في سورية أيّام الشرع متجاوزين اتّفاقات عام 1974، ثمّ ضربوا أخيراً هيئة الأركان ووزارة الدفاع بدمشق لمنع إمكان قيام جيش سوري من جديد.

فشل المفاوضات

أمّا تدخّلهم في السويداء ومحيطها فجاء، كما قالوا، لنجدة دروز الجبل استناداً إلى إلحاح الدروز بإسرائيل على إغاثة إخوانهم. أمّا هذه القسوة المشهودة فيُقال إنّ سببها فشل المفاوضات التي جرت بينهم وبين مسؤولين سوريّين بأذربيجان.

تفاقمت الإشكاليّات عندما قرّر النظام الجديد دخول السويداء بقوى جيشه الجديد. ويقول النظام إنّه قرّر ذلك للحيلولة دون تفاقم الاشتباك بين البدو والسويداء وقراها. ويبدو أنّ الأميركيّين ما كانوا ضدّ التدخّل بهذه الحدود. ويقال إنّ الأردنيّين وعرباً آخرين يؤيّدون النظام الجديد نصحوا بعدم التدخّل إلى حين انجلاء المشكلة مع الأكراد في محاولات النظام لإعادة توحيد سورية.

التدخّل الإسرائيلي حتّى في السويداء كان حاصلاً، لكنّ دخول قوّات النظام أعطاهم حجّةً جديدةً وظاهرة، وبخاصّةٍ أنّه بعد يومٍ واحدٍ تصاعدت الصرخات بأنّ قوى النظام لا تقف بين البدو والدروز بل تقاتل مسلَّحي الدروز، لا سيما كما يقال أنّ بعض مسلَّحي البدو دخلوا معها! ما كان أصدقاء إسرائيل ودروزها كثيرين ضمن دروز السويداء وقراها. بل وفي الجانب المحتلّ من الجولان أكثر من نصف الدروز ما قبلوا الجنسيّة الإسرائيلية.

شروط نجاح الاتّفاق

لقد توقّفت الاشتباكات الآن وجرى توقيع اتّفاق بين السلطة والفريق الذي يقوده الشيخ يوسف الجربوع. لكنّ فريقاً كبيراً من دروز الجبل والجولان ولبنان صاروا الآن ضدّ النظام، الذي كان الزعيم وليد جنبلاط أوّل زوّاره من لبنان بعد الاستيلاء على دمشق وهروب الأسد.

هل ينجح الاتّفاق أو يستمرّ؟ هذا وقفٌ ليس على العرب وأميركا الذين تضامنوا جميعاً مع النظام، بل هو وقفٌ أيضاً على استعادة الثقة بين الطرفين. ومن شروط نجاحه إبعاد البدو عن قرى السويداء، وشجاعة “شيوخ العقل” في التصدّي للاختراق الإسرائيلي.

الزعيم وليد جنبلاط الذي صادقَ النظام الجديد، كان يفكّر بعظمة ما حدث بسقوط نظام الأسد وما فيه من مصالح كبرى لسورية ولبنان ومنطقة بلاد الشام كلّها. والأمل الآن وفي المستقبل أن تقترن شجاعة شيوخ الطائفة بالحكمة والبصيرة، اللتين يتمتّع بهما الزعيم الجنبلاطيّ وبنو معروف بل بنو المعروف.

كلّ الناس يبصرون، وأمّا بصيرة السلم والنظر في المآلات فلا تتمتّع بها غير قلّةٍ من الناس. نحن في لبنان ينبغي أن نكون أعرف الناس بذلك بسبب تجاربنا الزاخرة.

لا أحد يقبل الظلم، والأكثرية في سورية كانت الأكثر معاناةً  من نظام الأسدين، الذي شرذم الشعب السوري، وجعل الجميع أقليّات وأكثريّة يبحثون عن الحماية. ليس الحكم مسألة أكثريّة أو أقليّة بل قوامه التأهّل والكفاية والصبر، وهي سماتٌ ما كانت متوافرةً طوال عقود لدى الأنظمة  في سورية ولبنان والعراق. شجاعة المبادرة وحكمة السلم خصلتان من فضائل أفلاطون الأربع.

إنّ تداعيات الدمار الذي أحدثه نظام بشار في العمران وأكثر في العقول والنفوس تتجلّى وستتجلّى قبل أن تقوى أذرع النظام الجديد. ومن ذلك الدمار خوف كلّ فئةٍ من الأخرى، والخوف الناجم عن القتل والتجويع والهلاك في السجون والمقابر الجماعية. وهي الأمور التي على النظام مكافحتها للخروج منها. وأوّل ما يجب تجنّبه القتل ثمّ القتل ثمّ القتل.

 أساس ميديا

————————————

العشائر السورية وسلاحها وتجربة السويداء… حماية لفكرة الدولة الوطنية أو تهديد لها؟

الأربعاء 23 يوليو 2025

من يحكم البادية حين تنسحب الدولة؟ ومن يملأ الفراغ حين تتداخل المفاهيم بين ولاء الدم والمواطنة؟ وهل العشائر السورية مجرّد بقايا نظام قديم استثمرها ثم همّشها أو أنها كيان حيّ يعيد تشكيل ذاته في قلب الفوضى بأدوات قديمة لكن فعّالة؟

من دير الزور إلى السويداء، ومن بادية حمص إلى سهول الرقة، قد لا تتشابه العشائر السورية تماماً في أنماط عيشها، لكنها تتفق في إدراكها ثقلها السياسي والاجتماعي في أوقات فراغ السلطة، أو على الأقل عدم تمكّن السلطة الجديدة من زمام الأمور، والأهم في قدرتها على قلب الطاولة أو تثبيتها.

المثال الأوضح على إدراك العشائر السورية ثقلها، ظهر في تموز/ يوليو 2025. وبينما كانت القوات الحكومية بصدد “إعطاء فرصة للتهدئة” في السويداء، كما ورد في بيان وزارة الداخلية، كانت مشاهد الدراجات النارية والبيارق القبلية تنقل إلى السوريين والعالم صورةً مغايرةً عن التهدئة: آلاف المقاتلين من عشائر البدو يتّجهون جنوباً، وبيانات “النفير العام” تتوالى، وبعض العائلات تُقتل أو تُهجّر، فيما البيانات الرسمية لا تزال تكرر عبارة “مجموعات خارجة عن القانون”.

لكن من هم هؤلاء؟ ما الذي نعرفه عنهم باستثناء وضعهم تحت عنوان عريض واحد “العشائر السورية”؟ وما الذي تغيّر بعد سقوط نظام الأسد وتشكيل السلطة الجديدة؟ في هذا التقرير نحاول تفكيك هذا العنوان العريض.

أهم العشائر السورية وخريطة توزّعها 

في تقرير تحليلي نشره مركز “جسور” للدراسات، بعنوان “خارطة أهم القبائل والعشائر العربية في سوريا”، وُزّعت العشائر السورية على ثلاث فئات: العشائر البدوية، العشائر الريفية والزراعية، والعشائر الكردية والتركمانية والديرية، حسب مناطق توزّعها في الشرق والشمال.

يُعدّ ريف الحسكة موطناً لأكبر التجمعات العشائرية في سوريا، وتتصدّرها قبيلة شمّر بفروعها عبده، الأسلم، وزوبع، المرتبطة بعشائر العراق، كما تقطن في القامشلي عشائر العساف، الحريث، الجوالة، بني سبعة، الحرب، البوعاصي، بالإضافة إلى الجبور الزبيدية التي تمتد زراعياً ورعوياً حتى شمال العراق وغربه.

وتُعدّ عشيرة العكيدات (العقيدات)، أكبر تجمع عشائري في دير الزور بفروعها البوسرايا، البوحسن، البورحمة، القرعان وغيرها، وهي من العشائر التي حافظت على طابعها البدوي. كما تنتشر قبيلة البقارة وعشيرة البوصليبي، ويعتمدون في معيشتهم على الزراعة وتربية المواشي.

غير بعيد عنها، تضمُّ الرقة عشائر بارزةً عدة، أهمّها شمّر، البقارة (بفروع مثل البوحسن والبومعيش)، وبنو خالد ذات الجذور القحطانية، التي لها تاريخ في تأمين طرق القوافل الصحراوية. أما البادية الممتدة من حمص إلى دير الزور فتضم عشائر عنزة وفرع “السبعة” الرحل، بالإضافة إلى عشيرة الفواعرة في البادية الشرقية وفروع بني خالد على أطراف المحافظة، وتتمركز قبيلة الحديديين (عدنانية الأصل)، في بادية حماة وريف حلب الشرقي، وأبناؤها مشهورون بتربية الخيول والفروسية.

أما السويداء جنوباً، مركز الطائفة الدرزية، فتضم عشائر عربيةً بدويةً من قبيلة عنزة مثل السرحان، السلوط، الزويد والحرافشة، ومعظمهم استقروا في القرى الشرقية كملح وخربة عواد، كما يتواجدون في حي المقوس داخل المدينة.

دولة داخل الدولة

في المنطقة العربية، لا تُفهم السلطة عبر مؤسسات الدولة فقط، بل عبر تلك البنى الاجتماعية الممتدة في التاريخ، حيث تأخذ “الأنساب” أهميةً كبرى في تحريك المجتمعات وتثبيت عاداتها، في الصحراء كما في المدن، فكما تعرف حلب عائلاتها، وكذلك دمشق، تعرف كل عشيرة سورية أبناءها، لكنها ليست مجرد رابطة دم أو نسب مشترك، بل نظام اجتماعي متكامل، فيه القيادة والسلطة والاقتصاد وحتى القضاء وأدوات العدالة.

بحسب تقرير موسّع نشره موقع “الجزيرة” بتاريخ 21 تموز/ يوليو 2025، فإن البنية القبلية في سوريا تعود إلى قرون طويلة، حين هاجرت قبائل عربية من الجزيرة العربية واليمن إلى بادية الشام بحثاً عن الماء والكلأ، واستقر بعضها في القرى، بينما حافظ آخرون على حياة الترحال.

ما زلنا في عين العاصفة، والمعركة في أوجها

كيف تقاس العدالة في المجتمعات؟ أبقدرة الأفراد على التعبير عن أنفسهم/ نّ، وعيش حياتهم/ نّ بحريّةٍ مطلقة، والتماس السلامة والأمن من طيف الأذى والعقاب المجحف؟

للأسف، أوضاع حقوق الإنسان اليوم لا تزال متردّيةً في منطقتنا، إذ تُكرّس على مزاج من يعتلي سدّة الحكم. إلّا أنّ الأمر متروك لنا لإحداث فارق، ومراكمة وعينا لحقوقنا.

ادعمونا

هؤلاء، أي بدو سوريا، لعبوا أدواراً بارزةً في التاريخ الحديث، إذ شاركوا في مقاومة العثمانيين، ووقف بعضهم في وجه الاستعمار الفرنسي، بل كان لبعض شيوخهم نفوذ مؤثر في صياغة التحالفات الاقتصادية والسياسية المحلية. واليوم، تنقسم هذه العشائر إلى ثلاث فئات رئيسية:

عشائر متحضّرة: وهي التي استقرت منذ أجيال في القرى والمدن، وتخلّت جزئياً عن الترحال، لكنها حافظت على تسميتها وهويتها القبلية.

عشائر شبه متحضّرة: تعيش بين القرية والبادية، وتزاوج بين الزراعة وتربية المواشي، وتنتقل موسمياً.

عشائر بدوية بالكامل: لا تزال ترتبط بأسلوب الترحال والرعي وتربية الإبل، وتُعدّ الأكثر محافظةً على أعراف البدو التقليدية، برغم اضطرار كثر من أبنائها إلى الاستقرار بسبب الأوضاع الأمنية المتدهورة بعد عام 2011.

بيد أنّ هذا التعدّد في مستويات العيش والاندماج لم يمنع من تمسّك العشائر -بفئاتها كلها- بمرجعياتها التقليدية، إذ ظلت كلمة الشيخ نافذةً، وظلّ الانتماء إلى العشيرة متقدماً على الانتماء إلى الدولة، خصوصاً في مناطق التهميش التنموي والأطراف.

فإذا عدنا إلى العلاقة بين العشائر والدولة في سوريا، نجد مساراً متقلّباً بدأ مع العثمانيين الذين وظّفوا العشائر لحماية الطرق الصحراوية مقابل امتيازات مادية ومعنوية، ومع دخول الفرنسيين، حاولت سلطة الانتداب تأمين ولاء شيوخ العشائر بمنحهم الأراضي والامتيازات، في خطوة أدّت إلى تصنيفات داخلية بين عشائر “مسلَّحة”، وأخرى خُصّصت لتكون بلا سلاح.

بعد الاستقلال، ألغى البرلمان “قانون العشائر” الفرنسي، وأصدر “مرسوماً لعشائر البدو” بهدف دمجهم في المجتمع المستقر. وفي أثناء الوحدة مع مصر عام 1958، أصدر جمال عبد الناصر قانون الإصلاح الزراعي، ما أدى إلى تراجع نفوذ شيوخ العشائر اقتصادياً واجتماعياً. غير أنّ حافظ الأسد غيّر المسار ليستعيد دور العشائر من خلال دمج شيوخها في البرلمان وتكليفهم بأدوار أمنية، وتم توطين بعضهم في مناطق ذات أغلبية كردية.

في عهد بشار الأسد، استمر استثمار النظام للعشائر عبر دمج أبناء القبائل في الأجهزة الأمنية واستخدام ولاءاتهم في قمع احتجاجات الأكراد عام 2004، لكن جفاف الجزيرة بين 2007 و2008، وفشل المشاريع الزراعية، أضعفا دورها في مناطق مثل الحسكة والرقة ودير الزور، التي أُدرجت ضمن الأفقر في البلاد عام 2010.

كل شيء حدث في السويداء

منذ أن بدأت أحداث السويداء الأخيرة، والتساؤلات حول حجم وقوة العشائر في المحافظة تزداد، وكذلك قوتها وقدرتها على حمل السلاح وتجنيد نفسها، ولا سيما بعد إعلان البدو “النفير العام” وسكب القهوة أرضاً، ومطالبتهم الحكومة السورية بعدم التدخل بينهم وبين “ميليشيا الهجري الإرهابية” كما أسموها في البيان، الذي صرّحوا فيه أيضاً بوجود 50 ألف مقاتل من البدو للـ”فزعة”.

لا توجد أرقام رسمية محدثة لتعداد البدو في محافظة السويداء، لكن بحسب تقرير نشرته “مونت كارلو الدولية” بتاريخ 18 تموز/ يوليو 2025، يبلغ عدد أبناء العشائر البدوية في محافظة السويداء وحدها نحو 250،000 نسمة، يتمركزون في مناطق مثل المقوس والشهبا وعرى والمزرعة، ويشكلون امتداداً لموجات استقرار قديمة حافظت على رموز الحياة البدوية من لباس ولهجة وممارسات.

يدعم هذا الرقم تقرير آخر نقلته “العربي الجديد” عن الباحث العشائري أحمد أبو نجد، الذي قال إنّ أبناء العشائر عربية الهوية يشكّلون نحو ثلث سكان المحافظة (250،000 من إجمالي نحو 750،000 نسمة)، وهم منتسبون إلى قبائل مثل زبيد وعنزة وبني خالد والفواعرة، ومستقرون في مناطق مثل المقوس وحي المقوس وجبل العرب منذ مئات السنين. 

العشيرة كـ”كتلة سياسية”

يعرف من عايش الثورة السورية أنّ العشائر لم تجتمع على كلمة واحدة منذ البداية، ففي الوقت الذي انضم فيه عشائر إلى الثورة، انضمت عشائر أخرى إلى قوى النظام وحاربت في صفّه، وظهرت بعض العشائر كقوة ثالثة لا تنتمي إلا إلى نفسها. فإن كان لأحد القدرة على السيطرة على العمق الإستراتيجي الفارغ من السكّان والبني التحتية والممتد على طول الحدود، فالبدو هم الأقدر على هذا الأمر.

في هذا السياق، يشير الباحث في التاريخ الاجتماعي السياسي محمد الكاطع، في مقابلة له على موقع “عنب بلدي”، إلى أنّ غياب السلطة في بعض المحافظات السورية دفع الأهالي إلى الاحتماء بالعشائر بحثاً عن الطمأنينة والدفاع عن مصالحهم، ما عزز الدور الاجتماعي والسياسي للعشيرة، وإن بشكل متفاوت.

فعلى الرغم من قلّة عدد أفرادها في الحسكة، برزت قبيلة “شمر” بدور محوري بعد الثورة، بتحالفها مع “الإدارة الذاتية” واستفادتها من الدعم الأمريكي لـ”قسد”، ما وفّر لزعمائها مكاسب ماديةً وحصانةً نسبيةً من التجاوزات. في المقابل، وقفت قبيلة “طيء” إلى جانب النظام وأسهمت في تشكيل “الدفاع الوطني” في القامشلي، لكنها خضعت لاحقاً لضغط النظام الذي أجبرها على تسليم مقارها لـ”قسد”. أما قبيلة “العقيدات” في دير الزور، فكان لها دور بارز في الثورة، حيث نظّمت جماعات مسلحة وطردت النظام من المحافظة، لكنها انقسمت لاحقًا بسبب الفوضى، فاستُخدم بعض أبنائها في معارك النظام، وآخرون في صفوف “قسد”، بحسب الكاطع.

حسب تقرير لـ”مونت كارلو الدولية” بتاريخ 18 تموز/ يوليو 2025، فإنّ العشائر السورية أصبحت في السنوات الأخيرة تُدار ككتل سياسية -أكثر من كونها مكوّناً اجتماعياً- في إطار صراعات النفوذ بين النظام، الأكراد، والقوى الإقليمية، وأحياناً بين أمراء الحرب المحليين.

كل ذلك أدى إلى تآكل “العرف العشائري” لحساب “منطق التحالف والسلاح”، وجعل من العشيرة حلبةً لصراع داخلي، بدل أن تكون كما كانت في الماضي: حاضنة حماية اجتماعية. لكن السؤال الذي يُطرح الآن: ما الذي تبقّى من ذلك النظام القَبَلي؟ وهل يمكن إصلاحه أو إعادة دمجه في مشهد سياسي جديد؟

لعلّ الإجابة تبدأ من السويداء.

عودة إلى الثأر القديم… 25 عاماً إلى الوراء

مع تولّي بشار الأسد الحكم في عام 2000، اندلع واحد من أبرز الصدامات بين الدروز والبدو، في ما عُرف لاحقاً بـ”أحداث البدو”، وهو توصيف رَوّج له النظام نفسه. وتشير شهادات السكان المحليين ودراسات متعددة إلى أنّ شرارة الخلاف انطلقت حين عُثر على حمار نافق داخل إحدى مقابر السويداء، بالتزامن مع تعرّض بعض الأهالي لمضايقات من ضباط وعناصر منتمين إلى البدو العاملين في أجهزة النظام. سرعان ما تصاعد التوتر وتحوّل إلى اشتباكات مسلّحة، خاصةً أنّ البدو كانوا حينها يتمتعون بتفوّق في امتلاك السلاح.

وجد أبناء السويداء أنفسهم أمام خطر حقيقي، ما دفعهم إلى التماس الحماية من الدولة بعد أحداث عنف ذهب ضحيتها 20 شخصاً وجرح أكثر من 200 معظمهم من الدروز، في المقابل، استغل النظام هذه الفرصة لتعزيز وجوده الأمني والعسكري داخل المدينة، مستخدماً ذريعة “حماية السويداء من البدو” كوسيلة لإحكام قبضته وضمان ولاء الأهالي. كما لعبت الأجهزة الأمنية دوراً خفيّاً في إذكاء نار الخلاف، إذ كانت تستعين بضباط من الطرفين لتأجيج الصراع وتنظيم عمليات خطف متبادلة، قبل أن تتدخل لاحقاً عبر وسطاء محسوبين عليها لاحتواء الأزمات، بما يضمن بقاء حالة التوتر قائمةً بين الطرفين.

وعلى مدار السنوات الممتدة من عام 2000 وحتى اندلاع الثورة السورية في 2011، استمرت العلاقات بين البدو والدروز في التذبذب، حيث شهدت المنطقة سلسلةً من التوترات والمواجهات الطفيفة التي كان يتم احتواؤها من خلال وساطات محلية وأدوار مرسومة بعناية من أجهزة الأمن. ومع انفجار الثورة وبدء المواجهة المسلحة بين النظام وقوى المعارضة، اتجهت معظم الأطراف إلى التسلّح، وكان للدروز والبدو نصيب وافر من هذا السباق.

عسكرة البدو

بعد سقوط النظام في نهاية العام 2024، اتجهت معظم المجتمعات المحلية والأقليات الطائفية والعرقية، إلى اتخاذ موقع المدافع عن نفسها، وكما تمّت تصفية خلافات شخصية في استغلال فترة فراغ السلطة، تمت تصفية خلافات جماعية، أو على الأقل استدعاؤها من الماضي.

وفي منتصف تموز/ يوليو 2025، اندلعت في محافظة السويداء المواجهات الدموية بين فصائل درزية مسلحة ومجموعات عشائرية بدوية، وعرفت باسم “مقتلة السويداء” وراح ضحيتها 1،311 شخصاً بين مدنيين ومقاتلين، بحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، الذي لم يعفِ في توثيقاته أياً من الأطراف الثلاث من أعمال العنف: البدو، الدروز، وقوات الأمن السوري.

الأحداث أعادت ملف العشائر إلى الواجهة. لكن هذه المرة، ليس كقوة اجتماعية أو كمخزون انتخابي أو حتى كواجهة أمنية، بل ككيان سياسي عسكري قادر على الهجوم والدفاع والتحدث ككتلة عسكرية.

تسارع الأحداث في السويداء كان وحده منبعاً للرعب، إذ أكدت جهوزية العشائر للتحرك الفوري والتجنيد السريع، حين دعا الشيخ عبد المنعم الناصيف، رئيس مجلس القبائل والعشائر السورية، للنفير العام لـ”نجدة أهالي البدو في السويداء”، ضد ما وصفه بـ”جرائم إبادة وتهجير قسري”، نُسبت إلى فصائل محلية درزية بعد انسحاب قوات الأمن التابعة للدولة.

في مشهد غير مسبوق منذ بدء الثورة السورية، أظهرت مقاطع فيديو توجه آلاف المقاتلين من 41 عشيرةً وقبيلةً باتجاه السويداء، وسط أخبار عن احتجاز مدنيين من البدو . وقدّرت تقارير عدد المشاركين في المواجهات من طرف العشائر بما يفوق 50 ألف مقاتل، وهو ما يؤكده تصريح مجلس العشائر.

في المقابل، ناشد الشيخ حكمت الهجري، أحد زعماء طائفة الموحدين الدروز العالم، طالباً بتدخل دولي عاجل لحماية السكان في السويداء، متحدثاً عن “حرب إبادة شاملة” تقودها الحكومة السورية وحلفاؤها. وقال الهجري في بيان مصوّر إنهم يواجهون “حملةً بربريةً” تُشنّ ضدهم “بكل الوسائل الممكنة”، مطالباً بالحماية من “جميع دول العالم”.

 وفي الوقت نفسه، برزت مواقف درزية مناقضة؛ إذ أصدر عدد من زعماء الطائفة بياناً آخر رحّبوا فيه بتدخل الحكومة السورية، داعين إلى بسط سلطة الدولة في السويداء، وتسليم السلاح من قبل الجماعات المسلحة، وبدء حوار مباشر مع دمشق. هذا الانقسام العلني في مواقف الزعامة الدرزية يسلّط الضوء على تعقيدات المشهد في السويداء، وسط تصاعد المواجهات وتباين الرؤى حول مستقبل العلاقة مع النظام السوري.

ومع هذا الانفلات، تدخّل الجيش الإسرائيلي أيضاً بضربات جوية في 15 و16 تموز/ يوليو 2025، وبدا كأنّ الأحداث في طريقها إلى التصعيد لا التهدئة، قبل أن تتدخل الولايات المتحدة الأمريكية، ويتم الإتفاق على وقف إطلاق النار في 16 من الشهر نفسه، وينسحب الجيش السوري. 

أدى انسحاب الجيش إلى عودة الاقتتال الدامي في 17 تموز/ يوليو، وأصدرت الرئاسة السورية بياناً، حمّلت فيه “مجموعات مسلحة خارجة عن القانون” مسؤولية العنف في السويداء، مؤكدةً أنّ انسحاب الجيش جاء لـ”منح فرصة للحوار”، لكن غيابه استُغلّ في ارتكاب ما وصفته الرئاسة بأنه “جرائم موثقة ضد المدنيين من النساء والأطفال والبدو”، مع التأكيد على ضرورة استعادة الدولة سيادتها على الأرض.

ثم مع تدخل الولايات المتحدة الأمريكية مرةً أخرى، تم إعلان وقف إطلاق النار، وبرغم نفي وزارة الداخلية السورية نيتها دخول المدينة بعد انسحابها، إلا أنها أكّدت في بيان رسمي بتاريخ 19 تموز/ يوليو الجاري أنّ قواتها “في حالة جاهزية طبيعية ولم يصدر أي أمر باقتحام السويداء”. ولاحقاً، صدر عن عشائر تجمّع الجنوب، بياناً أعلنت فيه التزامها الكامل بقرار الرئيس المؤقت أحمد الشرع وقف إطلاق النار، وعبّرت عن رفضها “منطق الفتنة”، مؤكدةً أنها لم تكن يوماً “داعية قتال، ولكن حين يُفرض القتال، يصبح دفاعاً عن النفس والكرامة”، على حد تعبير البيان.

وفي ظل هذا التصعيد، برزت الأسئلة الأهم: هل ما زالت العشائر قادرةً على الاندماج ضمن مشروع وطني جامع؟ أو أنّ ما حدث في السويداء كشف حدود الدولة الجديدة أمام الموروث القبلي المسلّح؟ وهل نحن اليوم بصدد تصاعد قبلي يشبه سيناريو العراق بعد سقوط البعث؟

بحسب تحليلات، حاولت الحكومة الجديدة بعد 2024، اعتماد سياسة أكثر واقعيةً تجاه العشائر، فعيّنت ممثلين عنهم في مؤسسات رسمية، وأطلقت برامج لإعادة الإعمار في مناطقهم، مقابل تعهّد واضح من الشيوخ بعدم تشكيل أي ميليشيات خارج سلطة الدولة. كما سعت إلى إعادة المجالس العشائرية التقليدية ضمن إطار قانوني، وأبدت انفتاحاً على مطلب بعض العشائر في الجزيرة بالحصول على تمثيل أفضل في توزيع الثروات والحكم المحلي.

لكن هذه المقاربة لا تزال تصطدم بمعوقات حقيقية، منها استمرار النفوذ الخارجي (إيراني، تركي، وأمريكي)، والانقسامات داخل العشيرة الواحدة، بالإضافة إلى إرث عقود من التوظيف الأمني والسياسي. ولعلّ ما تسعى إليه الحكومة السورية اليوم هو “اتّقاء شرّ” العشائر أكثر من محاولة دمجها.

مقارنة لا بدّ منها… عشائر العراق وسوريا ما بعد الـ”بعثَين”

من ينظر إلى الخريطة القَبَلية في المشرق العربي، يلحظ بوضوح أنّ العشائر لا تعترف بالحدود الحديثة، بل تمتد من الأنبار إلى البوكمال، ومن الجزيرة الفراتية إلى نينوى، مروراً بالحسكة والرقة. لكن على الرغم من هذه الامتدادات العائلية واللغوية، اتخذت العشائر في سوريا والعراق مسارين مختلفين منذ 2003، حين سقط نظام صدام حسين، ثم لاحقاً مع اندلاع الثورة السورية في 2011.

في العراق، تحوّلت العشائر بسرعة إلى فاعل سياسي مباشر بعد انهيار الدولة المركزية. فمنذ المرحلة الأولى للاحتلال الأمريكي، اعتمدت واشنطن على زعامات عشائرية في ضبط الأمن وتأسيس مجالس الصحوة، خصوصاً في الأنبار وصلاح الدين.

ومع غياب مؤسسات الدولة، برزت العشيرة كبديل للدولة في التحكيم، والحماية، والتوظيف. وقد تجلّى ذلك في ازدياد نفوذها النيابي والسياسي مع مرور السنوات، إذ أصبح للزعامات العشائرية حضور دائم في البرلمان والحكومة، وتمّ دمج منطق “التحاصص العشائري” في البنية السياسية الطائفية الجديدة.

أما في سوريا، فقد ظلت العشائر لعقود تحت عباءة الدولة البعثية التي جرّدتها من أدوات التأثير الحقيقي، وأبقتها مجرد أداة لضبط المناطق الريفية، لا شريكاً في القرار. وعندما اندلعت الثورة، لم تكن العشائر جاهزةً للعب دور موحد، بل دخلت الصراع بانقسامات داخلية شديدة، بعضها اصطف مع النظام، وبعضها الآخر مع المعارضة، وآخرون اختاروا الحياد أو العمل تحت رايات محلية. وحتى بعد سقوط الأسد في 2024، لم تظهر بعد بنية عشائرية سورية قادرة على ملء الفراغ السياسي، كما حصل في العراق.

ومن ناحية الدمج المؤسسي، نجح العراق في إدخال العشائر ضمن جهاز الدولة ولو شكلياً، عبر المناصب والموازنات، بينما بقيت العشائر السورية في معظمها خارج هذه الدائرة، باستثناء بعض التعيينات الرمزية أو العسكرية. كذلك، غالباً ما تشكّل العشيرة العراقية عنصر حماية اجتماعية بوجه الطائفية السياسية، بينما في سوريا لا تزال تعاني من استقطابات طائفية ومناطقية تعمّق انقساماتها، خصوصاً بعد الصراع في السويداء.

لكن تبقى النقطة الأخطر هي أنّ التحول العشائري نحو التسلّح في كلا البلدين جعل من بعض العشائر قوةً عسكريةً، لا مجتمعية فحسب. والفرق هنا أنّ العراق يملك (نظرياً على الأقل)، دولةً متماسكةً نسبياً، تحاول إعادة ضبط هذا التسلّح، بينما في سوريا، لا تزال الدولة الجديدة تُختبر في قدرتها على فرض هذا الضبط، بعد عقد من التصدّع الكامل.

رصيف 22

————————-

جنرال إسرائيلي: سوريا نسخة جديدة من الصومال.. “الجولاني” مجرد واجهة كاذبة.. وانفجار وشيك في دول سايكس-بيكو

23 تموز 2025

يؤكد الجنرال الإسرائيلي البارز في الاحتياط يسرائيل زيف أن إسرائيل ترتكب كل الأخطاء الممكنة في تعاملها مع المحيط العربي والإسلامي، ويتوقع انفجارًا جديدًا للربيع العربي، معتبرًا أن جميع دول سايكس– بيكو ليست في الحقيقة سوى براكين خامدة تنتظر لحظة الانفجار.

ويقول زيف، في مقال مطوّل نشره موقع القناة 12 العبرية، إن ما يحدث في سوريا هذه الأيام يُعَدّ مثالاً حيًّا وواضحًا للحالة الأساسية، ليس فقط داخل سوريا التي تتأرجح بين الفوضى والهدوء المشوب بالتوتر بين ليلة وضحاها، بل أيضًا في معظم دول المنطقة، حيث الاستقرار هشّ وعرضة للتحوّل خلال يوم واحد. معتبرًا أن واقع سوريا الراهن يكشف أنها لم تعد دولة بمفهومها التقليدي، إنما أصبحت كيانًا مفككًا يتكوّن من تجمعات طائفية وعرقية، يمكن أن يتحوّل في لحظة إلى مسرح لمجازر جماعية وصراعات إثنية، يُقتل فيها الآلاف.

ويزعم الجنرال الإسرائيلي أن “الجولاني” ليس أكثر من واجهة زائفة، فوراء كلماته المعسولة لا يوجد شيء؛ لا “سورية جديدة”، ولا تعايش مشترك، ولا دولة أصلًا.

ويرى أن السؤال المطروح الآن هو ما إذا كان قد خدع العالم عمدًا، وأن استعراضه أمام إدارة ترامب لم يكن سوى ستار يخفي وراءه “القاتل” الجديد القادم من دمشق، أم أنه ببساطة عاجز وغير قادر على السيطرة على أي شيء.

ويمضي في حملته على الشرع: “غالبًا، هذا السؤال لم يعد ذا أهمية كبيرة، إذ إن النتيجة واحدة في الحالتين: سواء أكان الجولاني هو المسؤول شخصيًّا عن عمليات التصفية الجهادية، أم كان مجرد شخصية بلا نفوذ، فإن الواقع على الأرض لا يتغيّر؛ سوريا اليوم أصبحت نسخة من الصومال بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

وربما الأمل الوحيد المتبقي لاستقرارها هو قيام توازُن قوى حقيقي بين أقلياتها لتنشأ فيها عقيدة عسكرية جديدة وجيش جديد يحمل مشروعًا وطنيًّا جامعًا”.

ويعتبر زيف أن الموقف الفاتر لإسرائيل في دعم الدروز يُعَدّ خيانة لأشقائنا، كما خذلنا من قبل جيش جنوب لبنان وتخلّينا عن المسيحيين.

ويضيف: “هذا التخلي سيبقى وصمة عار في سجل الدولة الإسرائيلية، وسيتسبب بتمزق عميق في علاقتها بأبناء الطائفة الدرزية الذين ظلّوا أوفياء للدولة بصورة مُطلقة وبلا شروط”.

براكين خامدة

ويمضي الجنرال الإسرائيلي في مزاعمه بالقول إن شأن سوريا هو شأن باقي الدول التي تتكوّن من تجمع أقليات يغلب فيها الطابع الإثني- الديني على الانتماء الوطني والمبادئ الدستورية؛ لا يمكن لها أن تستمر في الوجود من دون نظام ديكتاتوري مركزي قوي وقادر على فرض هيبته، وأي تغيير حقيقي يتطلب إعادة تربية ثقافة مشتركة صوغها، وهذه عملية تستغرق أجيالًا.

ويتوقع الجنرال الإسرائيلي انفجارًا جديدًا للربيع العربي: “جميع دول سايكس- بيكو ليست في الحقيقة سوى براكين خامدة تنتظر لحظة الانفجار. وعند كل نقطة ضعف، تنفجر الحمم الداخلية وتُطيح بالحكم”.

ويتابع محذرًا: “السلاح في هذه الدول لا ينقص أبدًا، وكل عملية تطهير عرقي أو داخلي ما هي إلاّ بداية لانقلاب، ينتهي عادةً بتوجيه الغضب نحو عدو خارجي يُعَدّ العداء له أمرًا شعبيًّا، كإسرائيل. في دول تُغطّى أرضها دائمًا بالوقود الجاهز للاشتعال، لا يجوز ارتكاب الأخطاء للحظة واحدة”.

ومع ذلك، يقول إن إسرائيل لم تُفوّت أي فرصة سياسية أو عسكرية لارتكاب الأخطاء مع دول الجوار؛ فسياستها الأمنية ضيقة جدًا ومبنية على اعتبارات تكتيكية صغرى، ولطالما قامت بعكس ما يجب فعله، وما زالت تكرّر الأخطاء ذاتها حتى اليوم”.

تجاهل نتنياهو للأردن

ضمن المقارنات، يزعم زيف أنه في لبنان وغزة، حيث كان واضحًا للعيان كيف ينمو “الوحش الأصولي” ليصبح تهديدًا “إرهابيًّا” هائلًا، تمسّكت إسرائيل بسياسة “الهدوء في مقابل الهدوء” التي وضعها نتنياهو، وهو ما أتاح لهذه التنظيمات أن تتضخم وتتحوّل إلى تهديد وجودي حقيقي.

ويقول أيضًا إنه مع ذلك، لم تتحرك إسرائيل لمنع الخطر إلاّ بعد أن انفجر في وجهها.

وفي الأماكن التي لا يزال في الإمكان فيها تعزيز الاستقرار ومنع الانهيار وتجنّب صعود التنظيمات المتطرفة التي يمكن أن تجرّنا إلى حرب، فإن الحكومة تتصرف بالعكس، إذ تنتهج سياسة غير مسؤولة تُضعف السلطة المركزية بدلًا من أن تدعمها؛ فالأردن، على سبيل المثال، الدولة ذات الأهمية الأمنية القصوى لإسرائيل، يقوم نتنياهو بكل ما في وسعه لتجاهل ملكها، وبعدها سنجد أنفسنا نستيقظ ذات صباح ونهرع إلى صرف المليارات لبناء جدار حدودي، رأينا بأم أعيننا كيف لم يساعدنا في 7 تشرين الأول/أكتوبر.

ويعتقد أن الخطأ نفسه يُعاد ارتكابه الآن مع السلطة الفلسطينية؛ فمهما تكن مكروهة أو فاسدة، فإن وجودها وبسْط نفوذها على عدد كبير من المناطق والسكان يشكّل مساهمة حاسمة في أمن إسرائيل، ويوفّر عليها نشر آلاف الجنود.

ويستمر في انتقاداته: “لكن بدلًا من تقويتها، كما أوصت بذلك الأجهزة الأمنية كلها، فإن نظام نتنياهو يواصل إضعافها بهدف تحويل كل الضفة الغربية إلى غزة جديدة، لا نستطيع فك رموزها”.

“نُلاحق البعوض بدلًا من تجفيف المستنقع”

ويرى أن القصف العسكري المستمر على سبع جبهات، في الظاهر، ما هو إلاّ محاولة للتكفير عن سياسة خاطئة امتدت لأكثر من عقد ونصف العقد، سمحت بظهور هذا العدد الكبير من الأعداء اللادولاتيين الذين أصبحوا يشكلون تهديدًا وجوديًّا على إسرائيل.

لافتًا إلى أن الذين استفادوا من هذا الوضع ورسموا خريطة الشرق الأوسط الإستراتيجية هم الإيرانيون، الذين بنوا لأنفسهم صورة قوة إقليمية ذات تأثير، بينما كانت إسرائيل منشغلة ببناء الأسوار بدلًا من بناء التحالفات.

ويقول إن استمرار الحرب في غزة بدوافع سياسية فقط يُفكّك البنية الهشة أصلًا للقطاع، ويُبعد أي إمكان لإعادة إعمار حقيقية، أمّا الشعارات القائلة إن الحرب تُضْعِف “حماس”، فهي محض كذب.

ويتابع منبهًا، متكاتفًا مع مراقبين إسرائيليين آخرين: “في الواقع، فإن الحرب أطالت أمد المعركة، وقلبت ساعة الرمل لمصلحة “حماس”، التي باتت تتمتع اليوم باعتراف إعلامي ومعنوي كبير كقوة تعجز إسرائيل عن هزيمتها على مدار نحو عامين. وبدلًا من تقويضها، فإن اتهامات نتنياهو لـ “حماس” بأنها تُفشل صفقة التبادل لا تفعل سوى تقوية مكانتها أكثر”.

ويتساءل: كيف يمكن تفسير أن إسرائيل تقول، منذ عامين، إنها تُضعف “حماس”، وفي النهاية تعجز عن إنجاز صفقة، بينما “حماس” تُشدد مواقفها؟

ماذا يعني ذلك في ما يخصنا؟ أن الحرب على “حماس” فشلت؟

عن ذلك يضيف: “مستوى اليأس داخل غزة يتصاعد يومًا بعد يوم، ويدفع السكان مجددًا نحو الخيار الوحيد المتاح: العودة إلى أحضان “حماس”.

حقيقة أن إسرائيل، لدوافع سياسية بحتة، ترفض تغيير حكم “حماس” وتصر على استمرار العمليات العسكرية غير المبررة، ومن دون أهداف واضحة، هي أشبه بمطاردة البعوض بدلًا من تجفيف المستنقع. وحتى الآن، فإن محاولة الضغط على الحركة لإطلاق سراح 20 رهينة حيّة كلّفتنا 33 جنديًّا قتيلًا، وما زلنا نغرق أكثر في الوحل”.

ويخلص إلى القول: “يمكن القول إن نتنياهو، الذي دعم لأعوام تقوية “حماس” من أجل إضعاف السلطة الفلسطينية، عاد إلى السياسة نفسها تمامًا، لكن من باب آخر؛ فوجود “حماس” بات شرطًا لوجود الائتلاف الحاكم في إسرائيل، إزالتها من المعادلة تساوي تفكيك الحكومة. لذلك، ورغم فظاعة هذا الواقع، فإنه يتوجّب على الحرب أن تستمر. وعلى باقي الجبهات أيضًا، فإن سياسة “مزيد من القوة العسكرية” لا تُنهك العدو بقدر ما تُنهك جنودنا، ومن دون أي بوصلة إستراتيجية أو سياسية، فإن النتيجة ستكون الفشل في بناء منظومات مستقرة، ناهيك بإنشاء تحالفات إقليمية ضرورية لإعادة بناء سورية، أو لتقوية لبنان، أو لإعادة تنظيم السلطة الفلسطينية. نحن، أنفسنا، في حاجة ماسة إلى الخروج من دوّامة الحرب العنيفة المستمرة كي نعيد بناء قوتنا من جديد”.

انعدام الإستراتيجيا

كما يرى أن إسرائيل المستنزَفة هي في حاجة إلى إعادة تشغيل أكثر من أي وقت مضى؛ فهي مُطالبة ببناء اقتصادها، وترميم المجتمع المنقسم، ومكانتها الدولية التي دُمِّرت تقريبًا بالكامل.

أما الجيش نفسه فهو في حاجة إلى استراحة كي يُعيد تنظيم نفسه بعد عامين صعبين جدًا، ويُجدِّد قدراته، ويستخلص العبر، ويُجري تغييرات ضرورية، وللسماح لأفراد الاحتياط والجيش النظامي بالعودة قليلًا إلى أنفسهم بعد استنزاف هائل.

القدس العربي

——————————-

دمشق تطلب رسمياً دعماً من تركيا لتعزيز قدراتها الدفاعية ومكافحة الإرهاب/ عبد الله البشير

23 يوليو 2025

أعلنت وزارة الدفاع التركية، الأربعاء، أن الإدارة السورية طلبت دعماً رسمياً من أنقرة لتعزيز قدراتها الدفاعية ومكافحة التنظيمات الإرهابية وعلى رأسها تنظيم “داعش”. وأوضحت مصادر في وزارة الدفاع لوكالة الأناضول أن تركيا تواصل جهودها من أجل تقديم التدريب والاستشارات والدعم الفني لتعزيز القدرات الدفاعية لسورية استجابة لطلب من حكومة دمشق. وفي ما يتعلق بالاشتباكات في محافظة السويداء جنوبي سورية، والعدوان الإسرائيلي على دمشق، أشارت المصادر إلى أن الهجمات الإسرائيلية المكثفة في الآونة الأخيرة أدّت إلى زيادة التوترات بين المجتمع الدرزي وحكومة دمشق، وخصوصاً في السويداء. وأكدت المصادر أن تركيا متمسكة بموقفها “الثابت” في حماية وحدة الأراضي السورية وضمان الاستقرار ومكافحة التنظيمات الإرهابية.

وقالت: “تعمل وزارة الدفاع (التركية) بتعاون وثيق مع الحكومة السورية الجديدة، التي طلبت دعماً رسمياً من تركيا لتعزيز قدراتها الدفاعية ومكافحة جميع التنظيمات الإرهابية، وخصوصاً داعش”. وأضافت: “يتمثل الهدف الرئيسي لتركيا بدعم الوحدة السياسية لسورية وسلامة أراضيها، وقيادة الجهود الرامية إلى تحقيق سلام دائم في المنطقة”. ومنذ مساء الأحد، تشهد السويداء وقفاً لإطلاق النار عقب اشتباكات مسلحة دامت أسبوعاً بين مجموعات درزية وعشائر بدوية، خلفت 426 قتيلاً، وفق الشبكة السورية لحقوق الإنسان. وضمن مساعيها لاحتواء الأزمة، أعلنت الحكومة السورية 4 اتفاقات لوقف إطلاق النار بالسويداء، أحدثها السبت.

ولم تصمد الاتفاقات الثلاثة السابقة طويلاً، إذ تجددت الاشتباكات إثر قيام مجموعة تابعة لحكمت الهجري، أحد زعماء الدروز، بتهجير عدد من أبناء عشائر البدو من السنة وارتكاب انتهاكات بحقهم. وتبذل الإدارة السورية الجديدة جهوداً مكثفة لضبط الأمن في البلاد، منذ الإطاحة في 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024 لنظام الرئيس بشار الأسد بعد 24 عاماً في الحكم. وبشأن اندماج تنظيم “واي بي جي” الإرهابي المعروف باسم “قسد” في حكومة دمشق، قالت المصادر: “كوزارة الدفاع، فإننا أكدنا مراراً وتكراراً أن حماية وحدة أراضي سورية وحقوقها السيادية أمر لا غنى عنه لاستقرار بلدنا والمنطقة”. وأضافت: “إن رؤية التأثير الفوري للقضايا التي تم الاتفاق عليها بين الحكومة السورية وتنظيم قسد الإرهابي في 10 مارس/ آذار على الأرض من شأنها أن تساهم في الاستقرار”.

وأردفت: “على تنظيم قسد الإرهابي أن يثبت بشكل ملموس التزامه الاتفاق الذي توصل إليه مع حكومة دمشق. وتجري متابعة التطورات في هذا الشأن من كثب مع مؤسساتنا المعنية”. وفي 10 مارس/ آذار الماضي، وقّع الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد “قسد” فرهاد عبدي شاهين، اتفاقاً ينص على وقف إطلاق النار في جميع أنحاء الأراضي السورية، مع الاعتراف بالمجتمع الكردي جزءاً لا يتجزأ من الدولة وضمان حقوقه المواطنية والدستورية.

وبخصوص التعاون العسكري ما بين تركيا وسورية، أوضح الباحث رشيد حوراني لـ”العربي الجديد” أن تركيا تنطلق في تقديمها الدعم العسكري لسورية من ثلاث نقاط أساسية: الأولى، دورها المحوري في دعم سورية دولياً، وخصوصاً لدى الجانب الأميركي. الثانية، دعمها لقوى المعارضة ومعرفتها بالقدرات البشرية لهذه القوى. والثالثة، علاقاتها المتأرجحة بإسرائيل، التي تتخوف من النفوذ التركي وتناميه في سورية. وأضاف حوراني أنه بعد سقوط النظام، سارعت تركيا إلى تعيين ملحق عسكري لها في سورية، حيث تقع على عاتقه مهمة تقديم المشورة وتقدير الموقف للقوات السورية، إضافة إلى تحديد حجم الدعم الواجب تقديمه لسورية، خصوصاً أن تركيا تعتبر ما يحدث في سورية تهديداً لأمنها القومي.

وفي النزاع الأخير بين الحكومة السورية والفصائل المحلية في مدينة السويداء، تصاعد الدور الإسرائيلي عسكرياً، كما أكد حوراني، وبلغ حد استهداف مبنى الأركان، وهذا التصعيد نظرت إليه تركيا بقلق بالغ، ووجدت نفسها مضطرة إلى الحضور بمختلف الجوانب، إذ إن تدخل إسرائيل قد يشجع مدينة السويداء على تشكيل إدارة ذاتية، الأمر الذي من شأنه أن يعزز من دعوات مماثلة في مناطق أخرى على الأرض السورية، ولا سيما أن “قسد” شرق الفرات تدعم هذا التوجه، مردفاً: “لذلك، تسعى تركيا، ويبدو أنها في طريقها، لتزويد سورية بأسلحة دفاعية بعد الحصول على الموافقة الدولية، وذلك بهدف تشكيل حالة ردع ضد الغارات الإسرائيلية”.

العربي الجديد

————————

=========================

تحديث 22 تموز 2025

===================

—————————

 قليلٌ من العقل كثيرٌ من الوطن/ محمد صبرا

2025.07.22

يقف الإنسان مشدوهاً من حجم الجرائم التي ارتكبت في الأسبوع الأخير في السويداء، هذه الجرائم ليست عنفاً عابراً بين طرفين، بل شكلت جرحاً غائراً في الذات السورية، ولا أبالغ بالقول إن هذا الجرح قد يكون مؤسساً لشكل الاجتماع السوري في المستقبل، لأن انفلات الغرائز الطائفية والقبلية، بهذه الطريقة المروعة والمتوحشة، وانخراط مستويات مختلفة من المجتمع فيها، سواء من نخب سياسية وإعلامية وفكرية، وارتداد جمع كبير من هذه النخب، لطوائفهم وقبائلهم، والتحريض المتبادل على القتل واستسهال الإبادة واستدعاء قوة محتلة لتكون حامياً لفئة من السوريين، في مقابل استدعاء حشد عشائري لإخضاع فئة أخرى، هذا المشهد المربك والمعقّد الذي تختلط فيه الصراعات التاريخية الاجتماعية والطائفية والسياسية وتقاطعات المصالح الدولية والإقليمية، يجعل من الصعب جداً على أي شخص أن يحلل أسبابه والسياق الذي تطورت فيه الحوادث إلى هذا الحد المتوحش من عنفٍ، كنا نظن أنه انتهى بلا رجعة مع سقوط حكم المجرم الهارب.

وللأسف فإن كل التحليلات لا يمكن أن تُحيط بمستويات الصراع المركّب الذي يجري الآن على أرض الجنوب السوري، فلا يكفي مثلاً أن نبني تحليلنا على مقولة ساذجة تتحدث عن صراع بين “الدولة”، وبين “فصيل” حكمت الهجري الذي اختار التحالف مع إسرائيل لمواجهة هذه الدولة، ولا يكفي أن نبني تحليلنا على أساس هجوم متطرفين جهاديين على السويداء وأن “فصيل” حكمت الهجري وجد نفسه مضطراً للدفاع عن العرض والأرض حسب شعارات وبيانات الهجري، كذلك لا يمكن اختزال التحليل بالصراع التاريخي بين البدو والدروز في السويداء، أو الحديث عن صراع سني درزي، إن جميع مستويات الصراع هذه قد تجد ما يشير إليها، ولذلك أي نظرة أحادية للصراع المركب المتعدد المستويات، ستجد عشرات الحقائق التي تدعمها.

في مطلق الأحوال فإن تحليل ما يحدث في السويداء بعمق يحتاج لفترة من الزمن ويحتاج لأدوات معرفية كثيرة تنتمي لحقول علمية مختلفة من علم الاجتماع إلى السياسة إلى علم النفس الاجتماعي إلى دراسات العنف وسلوك الجماعات، ولذلك سأختصر ما أريد قوله بثلاث مقولات إن جاز التعبير، مركزاً في هذه المقولات على ما أراه أخطاء قاتلة وقعت بها ثلاثة أطراف، وهي السلطة وحكمت الهجري والنخب المجتمعية سواء السياسية أو الإعلامية أو الزعامات العشائرية والعائلية، وضمن هذا التركيز المكثف ستكون هناك محاولة لاستشراف المستقبل أو كيف نتجنب الأخطاء الكارثية التي وقعنا بها.

مأزق السلطة: من المظلومية إلى الاستعلاء

لم يعد خافياً أن السلطة الحالية انطلقت من مرجعية أيديولوجية سلفية، سنّية الهوى، ذات بنية مغلقة لا تقبل الاختلاف أو التعدد، لا دينياً ولا فكرياً، حتى داخل الطيف السني نفسه، ووصلت إلى السلطة للحكم في دمشق، محمولة على أربعة عشر عاماً من المجازر والانتهاكات وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، التي ارتكبها نظام المجرم الهارب بشار الأسد، وهذه الجرائم بكاملها تم توظيفها في إطار بناء ” مظلومية سنية” تحوّلت إلى عنصر مركزي في الوعي السياسي لدى شرائح واسعة من السوريين.

غير أن هذه المظلومية، ومنذ 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، ما لبثت أن تحوّلت إلى شعور بالاستعلاء والانتصار، ليس فقط على النظام السابق، بل على إيران وحلفائها، بما يمثلونه من قطب مذهبي مناوئ، وانطلقت بذلك سردية جديدة تُحيي ما بات يُعرف بـ”الأموية الجديدة”، عبّر عنها الرئيس أحمد الشرع في خطابات متعددة تحدث فيها عن “استعادة دمشق لمجدها”، وعن “عودة المركز الحضاري الفاعل في تشكيل المشرق”.

هذا المزج الخطير بين شعور الاضطهاد وشعور الغلبة، أفرز نمطاً نفسياً سياسياً مُركباً يهيمن الآن على بنية السلطة الصلبة، وهو ما جعلها تتصرف وكأنها في موقع لا يوجب المراجعة أو المصالحة أو التنازل، بل في موقع الوصي على المجتمع السوري، الذي ينبغي تطويعه على مثالها، لا التحاور معه أو احتضانه، وهكذا بدلاً من أن تُعيد السلطة النظر في أدواتها لتشكيل الدولة، شرعت في تشكيل المجتمع نفسه وفق تصوّراتها الأحادية، باعتباره كتلاً أهلية طائفية صلبة، سنّة في مواجهة علويين ودروز ومسيحيين وإسماعيليين ومرشديين، وبهذا المسلك، أهدرت السلطة قرناً كاملاً من التراكم السياسي والقانوني السوري، وقامت بقطيعة معرفية وإدارية مع تاريخ الدولة منذ نشأتها الحديثة في عام 1918.

ولم تكتف السلطة بهذا الانفصال، بل بدأت بتطبيق تجربتها في بناء المؤسسات من “الصفر” – تلك التجربة التي تبلورت في إدلب – على كامل الجغرافيا السورية، متجاهلة أن سوريا ليست أرضاً خلاء، وأن لها بنية قانونية وإدارية متجذّرة لا يمكن القفز فوقها، ولذلك مارست انتقائية فجة في التعامل مع المنظومة القانونية، فما ينسجم مع أيديولوجيتها يُعتمد، وما يصطدم بها يُلغى، حتى لو خالف الإعلان الدستوري الذي تكرر انتهاكه دون تردد.

هذه المقاربة للسلطة، بدأت تشكل ترسيخاً لحكم سلطاني يقوم على مركزية الفرد ويشكل عائقاً أمام بناء “الدولة” بمفهومها كياناً عقلانياً يُجسد الإرادة العامة والحرية الكلية، أو كما يقول هيغل في فلسفة الحق: ” إن الدولة هي العقل الأخلاقي الواقعي، وإن الإرادة العامة لا تجد تعبيرها الحقيقي إلا في الدولة”، هذا التفارق بين مفهوم الدولة والسلطة، أدى حقيقة إلى اختلاط مفاهيمي كبير عند الجميع، فمن يؤيدون السلطة، باتوا يتحدثون عن الدولة وحق الدولة وسلطة الدولة، متناسين أن المرحلة الانتقالية هي جسر للعبور إلى الدولة التي يتفق السوريون على تشكيلها، وأننا الآن ما زلنا نقف عند أول الجسر ولم نخطُ أيَّ خطوة على هذا الجسر، فالتركيز الذي يجري الآن على بناء المؤسسات الأمنية والعسكرية وإحكام السيطرة على المناطق السورية، لا يقود لبناء دولة، بل يقود في أحسن الأحوال إلى بناء سلطة مركزية تفرض رؤيتها على المجتمع السوري.

وفي مقابل ذلك فإن الرافضين للسلطة، يخلطون بينها وبين الدولة المرجوّة، بحيث إنَّ رفضهم للسلطة بات يتجلى في الرفض العميق لفكرة الاجتماع السوري الواحد أي فكرة بناء دولة، وهذا من أخطر ما نمر به الآن، حيث تظهر دعوات الانفصال والنزعات الانعزالية ونزعات المطالبة بالالتحاق بدول أخرى، وهذا أخطر ما نواجهه كسوريين في اللحظة الراهنة.

الشيخ حكمت الهجري: رفضٌ صفري بلا مشروع

في المقابل، لم يقدّم الشيخ حكمت الهجري أي رؤية واضحة يمكن أن تُفهم في إطار سياسي أو تفاوضي، منذ اليوم الأول لسيطرة السلطة الجديدة على دمشق، تبنّى الهجري موقفاً رافضاً بالكامل، لا يعترف بشرعية السلطة ولا يسعى للتفاوض معها، بل يضع شروطاً تعجيزية أقرب إلى السرديات العقائدية منها إلى الخطاب السياسي.

وخلف هذا الخطاب، تتوارى نزعة طائفية صريحة، تستند إلى شعور بالتمايز وربما بالتفوق، تُخفي نفسها خلف شعارات “الديمقراطية العلمانية”، والمفارقة أن الهجري نفسه لم يكن يعترض على دستور 2012، الذي لم يكن علمانياً، في ظل حكم الأسد، لكنه اليوم يشترط “علمنة الدولة” قبل أي حوار، هذا التناقض الفجّ يضعف مصداقية خطابه، ويفضح افتقاره لرؤية واقعية لحل سياسي لمعضلة السويداء التي خلقها الهجري بنفسه.

إن رفض الهجري المطلق للسلطة، لا يمكن تفسيره إلا ضمن منطق عدمي، يُحوّل الأزمة إلى صراع صفري مغلق، تتلاشى فيه فرص التفاوض، وينزلق نحو الاحتراب الأهلي، ويبدو أن الهجري ومن معه، لا يجدون وسيلة لهدم مشروعية السلطة الجديدة في دمشق والتي تحظى بقبول كبير لدى طيف واسع من السوريين، سوى بإغراقها بالدم، ولذلك اتخذ ومنذ أشهر مجموعة من الخطوات التصعيدية التي تدفع للصدام العسكري المباشر، في محاولة منه لجر السلطة لهذا المستنقع من الدماء، والكفيل ربما من وجهة نظره أن يدفع المجتمع الدولي للتدخل، ويحقق حلم الهجري بخلق كانتون درزي في السويداء، مع فتح ممر له باتجاه الأردن، وربما هذا الهدف هو الذي يقف وراء رفض الهجري غير المبرر والمتعنت لدخول قوافل المساعدات الإنسانية القادمة من دمشق، وإصراره على فتح معبر خربة عواد مع الأردن ليكون ممراً لهذه المساعدات، وهذا تأسيس لفكرة حدود دولية للكيان الدرزي الذي يحلم به الهجري ومن معه.

نكوص النخب: حين تسقط الذات في قبضة القطيع

أمّا الأخطر من ممارسات السلطة ومواقف الهجري، فهو انهيار النخب المجتمعية والأهلية أمام موجة العنف، لقد رأينا كيف انحازت فئات من المثقفين والكتاب والفنانين إلى طوائفهم أو قبائلهم، وبدؤوا يبرّرون الجرائم ويُجيّشون الناس بخطابات بدائية: “الثأر”، و”الفزعة”، و”غيرة الدين”، في عودة مذهلة إلى ما قبل الدولة.. بل ما قبل المجتمع السياسي.

إنه سقوط مدوٍّ للذات السورية، التي لطالما تباهت بحداثتها وتعدديتها، وكما يقول إريك فروم: “حين يصبح الخوف أقوى من الفكر، ينحاز الإنسان إلى القطيع”، وهذا ما جرى بالضبط: محوٌ للفرد، وتحكّمٌ للجماعة، وإقصاءٌ للعقل.

ما الحل؟

لا يمكن الادّعاء بامتلاك حلّ جاهز، فالأزمة معقّدة ومتداخلة، لكن يمكن اقتراح مسارات أولية للخروج من هذا النفق، تبدأ من السلطة، بصفتها الطرف الأقوى الذي يملك أدوات التأثير السياسي والعسكري والإعلامي، والأكثر مسؤولية:

أولاً: يجب فتح المجال العام، وحلّ الأمانة السياسية العامة التابعة لوزارة الخارجية، التي باتت تحتكر المجال السياسي بشكل شبه أوحد.

ثانياً: إعادة الالتزام بالسير وفق المنظومة القانونية النافذة في سورية، وعدم استسهال مخالفتها، وعدم التطبيق الانتقائي للقانون.

ثالثاً: بناء جيش وأمن مهنيين، منزّهين عن التوظيف الطائفي، ومنع أي شعارات دينية أو طائفية أو رموز دينية يرفعها عناصر الأمن والجيش، ومعاقبة كل من يخالف هذا المنع.

رابعاً: إطلاق حوار وطني حقيقي يشمل كافة المستويات المجتمعية ولا يكون هذا الحوار تحت هيمنة الإدارات السياسية في المحافظات والتي يجب أن يتم حلها.

خامساً: إعادة الاعتبار لفكرة المواطنة، بدلاً من هندسة المجتمع على أسس طائفية، والتوقف عن التعامل مع السوريين باعتبارهم جماعات أهلية، بل باعتبارهم مواطنين يخضعون للقانون، وبالتالي عندما ترى السلطة أن الهجري يخالف القانون فعليها أن تصدر مذكرة توقيف بحقه، لا أن ترسل له أحد مسؤوليها ومحاولة حل الأمور بتبويس اللحى والشوارب.

إن ما جرى في السويداء ليس مجرّد “أحداث مؤسفة”، إنه اختبار وجودي للدولة السورية، ولسؤالها الوطني الكبير: هل نريد دولة تُعبّر عن إرادة الجميع، أم سلطة تُلغي الجميع؟ وزعماء يختطفون طوائفهم ومحافظات كاملة لإرضاء شهوة الزعامة ولبناء كانتون طائفي حتى ولو أدى ذلك إلى القيام بتطهير عرقي كامل لمكون ديني آخر، أو حتى لو أدى ذلك إلى استدعاء جيش محتل للتدخل، هذه الأسئلة يجب أن يسألها كل مؤيد للسلطة أو الهجري لنفسه أولاً، فالوطن وسورية أكبر من السلطة ومن الهجري ومن كل هذا العبث الدموي الذي يجري الآن.

تلفزيون سوريا

——————————–

مغامرة السويداء… فرصة لعقد اجتماعي سوري جديد/ عدنان علي

22 يوليو 2025

سيكون للعملية العسكرية التي أقدمت عليها الحكومة السورية في محافظة السويداء، وانتهت بعد أربعة أيام بانسحاب بدا مهيناً لسلطة الدولة بعد تدخل عسكري إسرائيلي فج، ما بعدها، سواء في علاقة الحكومة مع المحافظة المتمرّدة، أو علاقة المكون الدرزي عموماً مع بقية السوريين، والسنّة منهم بشكل خاص. كما أن هذه العملية قد تشكل حداً فاصلاً في اتصالات حكومة الرئيس أحمد الشرع مع الجانب الإسرائيلي، التي كانت الحكومة تعوّل عليها كما يبدو، ضمانةً لتحييد التدخّل الإسرائيلي السلبي في الشأن الداخلي السوري في مرحلة حسّاسة تتطلب تركيز كل الجهود على عملية البناء الداخلي، السياسي والعمراني.

سوف يلزم بعض الوقت لاستيعاب كل الدروس المستقاة مما حصل اعتبارا من 13 يوليو/ تموز الجاري، والمعطيات التي توفرت لدى أهل الحكم ليطلقوا عملية حساسة بهذا القدر لم يتجرأ عليها نظام بشّار الأسد في ذروة المواجهة مع المحافظة، ما يعود بالذاكرة السورية إلى المواجهة الأقدم التي جرت بين دروز جبل العرب والمركز في دمشق منذ ما قبل الاستقلال عن فرنسا منتصف أربعينيات القرن الماضي، عبوراً إلى الصدام الأشهر بعد الاستقلال في عهد الرئيس أديب الشيشكلي الذي قصف السويداء بالطيران، مروراً بصراعات الستينيات بين قيادات حزب البعث ومن ضمنهم الشخصيات الدرزية، وأبرزها سليم حاطوم الذي اعتقل الرئيس نور الدين الأتاسي ومعه صلاح جديد خلال زيارتهما محافظة السويداء.

وطوال حكم آل الأسد سورية بين عامي 1970 و2024، سعى الأب والابن إلى تخويف السويداء من محيطها السني، وتقديم نفسه حامياً لها، ولمجمل الأقليات، مقابل القبول بحكمه، وعدم المشاركة في أية احتجاجات ضدّه، لكن هذه العلاقة شابها الاضطراب في أواخر حكمه، لأسباب معيشية تتصل بضعف النظام اقتصادياً، وعدم قدرته على تأمين الحد الأدنى من الخدمات المعيشية.

وبعد إطاحة نظام الأسد، كان من الطبيعي أن تبرز إلى السطح مجدّداً مخاوف الدروز، ومجمل الأقليات، إزاء حكم ذي خلفية إسلامية جهادية. وبعد زوال طفرة الأسابيع والأشهر الأولى لسقوط النظام، بدأت المخاوف نفسها تطفو إلى السطح من جديد، وقدّم وجهاء الدروز المطالب نفسها للحكم الجديد التي كانت تقدّم لحكم الأسد، لربما يفاجأ بعضهم إذا اكتشف أنها نفسها تقريباً التي قدمت سنة 1946 من الوفد الدرزي بقيادة حسن الأطرش حين التقى رئيس الحكومة جميل مردم بك، ومن أهمها أن تكون خدمة الدروز العسكرية في مناطقهم، ولكن الحكومة رفضت الاستجابة لتلك المطالب أيضاً، كما فعلت مجمل الحكومات اللاحقة.

وحدة الأراضي السورية

منذ وصولها إلى السلطة، رفعت الحكومة في دمشق بقيادة الرئيس أحمد الشرع شعار ضرورة بسط سلطة الدولة على جميع الأراضي السورية، وحصر السلاح بيد الدولة، وعملت على تحقيق ذلك عبر حوارات فتحتها مع قوى الأمر الواقع، بدءاً من الفصائل القريبة منها لإقناعها بالاندماج بالجيش الجديد، مروراً ببعض المناطق ذات الطبيعة الخاصة، مثل حواضن النظام السابق في الساحل السوري وحمص، إضافة إلى درعا التي كان لدى بعض القوى فيها بعض التحفظات، وانتهاء بالملفين المستعصيين، وهما السويداء وشرق سورية.

ويبدو أن تقديرات السلطة في دمشق كانت أن التعامل مع ملف السويداء أسهل من قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في شرق سورية، وإذا أصابت نجاحاً فيه، فسيمكّنها ذلك من التفاوض بقوة أكبر مع “قسد” وحسم الوضع نهائياً، خصوصاً مع بروز تململ أميركي في الآونة الأخيرة من مماطلة “قسد” في تنفيذ الاتفاقيات المبرمة مع دمشق.

ووفق تسريبات وتحليلات لا تخلو من وجاهة، جاء قرار الرئيس الشرع التوجّه إلى السويداء بعد “سوء تفاهم خطير” حصل في اجتماع (مباشر أو غير مباشر؟) بين وفدين سوري وإسرائيلي، وهو التعبير الذي استخدمه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في معرض إعلانه عن التوصل إلى ترتيبات للتهدئة بين سورية وإسرائيل. وتردّد أن خلافات حدثت بين الجانبين في اجتماع باكو حول إعادة إحياء اتفاقية فك الاشتباك لعام 1974 الذي رفضته إسرائيل، وطالبت بوجود عسكري إسرائيلي خارج حدود الجولان فترة انتقالية خمس سنوات، إضافة إلى “تطبيع دافئ” يشمل فتح سفارات وروابط تجارية، وهو ما رفضه الجانب السوري. وعلى ما قالت مصادر لم تتأكّد موثوقيتها، طالب الجانب السوري، في الاجتماع، إسرائيل بأن تعطي الضوء الأخضر لدمشق لدمج السويداء بالكامل ضمن هياكل الدولة السورية، ويبدو أن الوفد السوري فهم أن إسرائيل وافقت على ذلك، وتحرّكت دمشق بناء على هذا الفهم مستغلة التوترات بين الدروز والبدو، خصوصاً مع تصريحات المبعوث الأميركي توم برّاك بشأن مستقبل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) برفض الفيدرالية. وحسب مطلعين، تلقّى الرئيس نصائح سيئة من وزيري الدفاع والخارجية اللذين كانا يسعيان إلى تحقيق إنجازات سريعة في مجاليهما.

وفي المقابل، كانت القراءة الإسرائيلية للاتفاق في باكو أضيق بكثير، وتقتصر الموافقة على تنفيذ الترتيبات المتفق عليها سابقاً، مثل إعادة الخدمات الحكومية مع وجود أمني محدود، ولا تصل إلى السيطرة الكاملة على السويداء. ورغم اتضاح جدية إسرائيل في معارضة العملية منذ اليوم الثاني على الأقل، فقد جرى تجاهل التحذيرات الإسرائيلية بالانسحاب خشية أن يُنظر إلى ذلك تراجعاً مهيناً. 

وربما لم تؤثر هذه النكسة العسكرية كثيراً على شعبية الرئيس الشرع عند الشارع السنّي الذي ظهر بطلاً تحدّى إسرائيل (بعد خطابه فجر الخميس) وتحدّى الزعيم الدرزي حكمت الهجري الذي بات ينظر إليه الشارع السني خائناً ودمية إسرائيلية، بل تفشت موجة من الكراهية ضد عموم الطائفة الدرزية، وصلت إلى حد الدعوة إلى المقاطعة الاقتصادية للسويداء. وفي الوقت نفسه، مسّ ما يمكن اعتباره من بعض الزوايا فشلاً في السويداء صورة القيادة الجديدة التي بدت ضعيفة، ليس فقط أمام ضربات إسرائيل المهينة لرئاسة الأركان ومحيط القصر الجمهوري، بل أيضاً تكبيل يد الحكومة للثأر من مقتل مئات من قوات الأمن والجيش الذين زجّهم في معركة محفوفة بالمخاطر، وغير مدروسة جيداً. وكشف هذا الفشل هشاشة خيار بناء الدولة ودمج الأقليات عبر وسائل قسرية بدلاً من الحوار السياسي. وما كان يُفترض أن يكون تأكيداً للسيادة، أدّى بدلاً من ذلك إلى تقويض مصداقية الحكم على الساحتين، الدولية والمحلية، وهو ما سوف يصعّب من عملية دمج “قسد” وشرق سورية في الدولة. بل أثارت العملية المتسرّعة في السويداء الإحباط لدى تركيا التي ترى أنها منحت إسرائيل ذريعة لتوسيع نفوذها السياسي والميداني داخل سورية على حساب تركيا.

الدوافع الإسرائيلية

خاضت إسرائيل في العامين الماضيين سلسلة حروب ناجحة بالمعايير العسكرية في غزّة ولبنان ومع إيران، اعتمدت على الصدمة والرعب، بالاستناد إلى دعم أميركي وغربي غير محدود. وزرعت هذه النجاحات لدى حكومتها قناعة كبيرة بأنها باتت القوة المهيمنة في المنطقة، ما يخولها إعادة ترتيبها وفق المصالح الإسرائيلية بعيدة المدى. ومن بين النظريات التي تسعى إلى تطبيقها مع الجيران، في غزّة ولبنان وسورية أيضاً، توسيع مجالها الحيوي ليس بالنار فقط، بل على الأرض أيضاً، بما يشمل منع هؤلاء الجيران من الوجود العسكري على حدودها لمسافات تمتد عشرات الكيلومترات، بدعوى استخلاص العبر لعدم تكرار عملية طوفان الأقصى في غزّة في سورية أو لبنان.

ومن هذا الفهم المتضخم للأمن، عكفت إسرائيل منذ سقوط نظام الأسد على توجيه ضربات في الأراضي السورية لتدمير ما لديها من مقومات عسكرية قد تشكل خطراً عليها مستقبلاً، إضافة إلى احتلال أراض سورية بعمق كيلومترات عدة خارج المنطقة العازلة، أو منزوعة السلاح المقررة بموجب اتفاقية فك الاشتباك لعام 1974، والتي تمتد مسافة 80 كلم من الشمال إلى الجنوب، وبعمق لا يتجاوز عشرة كيلومترات في أقصى الحالات. وهي تريد اليوم زيادة هذا العمق ليصل إلى حدود دمشق، ومنع وجود الجيش السوري جنوب دمشق كلياً، أي منع وجوده في محافظات القنيطرة ودرعا والسويداء، ما يوسّع المنطقة العازلة من نحو 235 كلم حالياً إلى أزيد من 600 كلم. ولا تقتصر الأهداف الإسرائيلية على الجوانب الأمنية، بل تسعى إسرائيل، وفق تصريحات بعض مسؤوليها المعلنة، إلى تقسيم سورية، ومنع قيامها دولة واحدة مركزية، عبر دعم المطالب الانفصالية أو الفيدرالية في شرق سورية وجنوبها، وحتى في الساحل السوري. وإسرائيل المزهوّة بانتصاراتها العسكرية قدّرت أن الموقف مع سورية يسمح لها بتحقيق أقصى مطالبها مستغلّة ضعف الحكم الجديد وحاجته الملحّة للحصول على دعم دولي وشرعية سياسية، وأن بيدها تعطيل ذلك في حال عدم استجابة دمشق لكل مطالبها.

هذه الرغبة الإسرائيلية التي قدمت في اجتماع باكو كان يخفف من رعونتها موقف أميركي داعم للحكم الجديد في سورية، ويسعى إلى عقد “صفقة شاملة” بين الجانبين، لا تقتصر على الجوانب الأمنية، ضمن مشروع الرئيس دونالد ترامب القديم المسمّى “الاتفاقيات الإبراهيمية” الذي طرحه منذ ولايته الأولى عام 2017. غير أن الإدارة الأميركية، وكما فعلت من قبل مرّات عدة في غزّة ولبنان وإيران، تترك لإسرائيل مساحة تتحرّك فيها حتى في حال عدم موافقتها المبدئية على ما تقوم به، وفي حال نجحت في تحرّكها، لا تجد واشنطن حرجاً في الالتحاق بالموقف الإسرائيلي والبناء عليه. ولعل اندفاعة إسرائيل في سورية اليوم تكمن في شعور لدى حكومتها بأنها انتصرت في حروب العامين الماضيين، لكنها لم تجن أية ثمار بعد، وتريد الآن ترجمة الانتصارات العسكرية إلى اتفاقات ترسم وقائع جديدة على الأرض، وفي سورية، تريد تقسيمها على أساس طائفي وقومي وإرساء نظام فيدرالي بداية بالسويداء، لينتقل لاحقاً إلى شرق البلاد وربما إلى الساحل السوري، ما يمنع قيام دولة مركزية مهيمنة في دمشق، ويفرش الساحة السورية أمام التدخلات الإسرائيلية مستقبلاً، باعتبار أن قيام هذه الكيانات واستمرارها هو بفضل إسرائيل، ما سيجعلها أداة بيده الأخيرة لابتزاز أية حكومة مركزية في دمشق وتكبيلها.

لقد باتت قوة إسرائيل المنفلتة أداة في صنع السياسات في المنطقة. وعندما لا تجري الأمور على هواها، تستخدم القوة والتصعيد وقلب المعطيات على الأرض. غير أن إعلان المبعوث الأميركي إلى سورية توم بارّاك عن التوصل إلى اتفاق بين سورية وإسرائيل  على وقف إطلاق النار بدعم من تركيا والأردن والدول المجاورة، يشير إلى أن واشنطن، وتحت نصائح من حلفائها الموثوقين في المنطقة، خصوصاً تركيا والسعودية، تدخلت أخيرا لدى حكومة نتنياهو، ليكف عن العبث بالمسرح السوري المتفجر، خاصة مع الهبات الشعبية والعشائرية المسلحة التي تدفقت إلى السويداء من كل حدب وصوب، لتنوب مكان الحكومة التي عمل جيش الاحتلال على إخراجها من السويداء. وهذا التدخل الأميركي يشير إلى أن المساحة التي تركتها واشنطن لحكومة نتنياهو للتحرك قد استهلكت، وأي تمادي إسرائيلي إضافي قد يفجر الوضع ويقلب الطاولة سواء في الساحة الداخلية السورية مع شعور جمهور “السنة” بالإهانة نتيجة استقواء طائفة صغيرة عليهم بإسرائيل، فهبوا فرادى وجماعات ليقوموا بما منعت حكومتهم من القيام به، أم الخشية من عواقب حشر الرئيس الشرع بالزاوية، وفرض المواجهة مع إسرائيل عليه كخيار لا مناص منه، خاصة بعد خطاب الفجر الذي قال فيه انه لا يخشى الحرب، مع ما يترتب على ذلك من احتمالات “سيئة”  تتصل بعودة إيران إلى المنطقة من باب المواجهة مع إسرائيل.

ويشير التدخل الأميركي أيضا إلى أن الولايات المتحدة ودول المنطقة والدول الأوروبية تخشى من تدحرج الوضع في سورية إلى حرب أهلية قد يطال شررها الدول المجاورة، خاصة لبنان الذي تتفاعل فيه سريعا الأحداث السورية، خصوصا مع وجود مكونات طائفية مشابهة لما هو قائم في سورية.

ولعل الرئيس ترامب شعر أيضا أن ترك الحبل أكثر لنتنياهو سوف يعني نسف الخطط الأميركية بشأن الاتفاقيات الإبراهيمية والتطبيع السعودي الإسرائيلي الذي يتطلع إليه، والذي من الصعب أن يتم دون سورية مستقرة، ومنطقة مستقرة، ما يحيل بدوره إلى الوضع في غزة.

خلاصة

تظهر هذه التطورات عدم نضج في آلية صنع القرار لدى الحكومة في دمشق والافتقار إلى الخبرة في إدارة الأزمات، نتيجة سياسات الإقصاء التي اعتمدتها السلطة خلال الأشهر الماضية، بحيث قرّبت الموالين فقط، واستبعدت الكفاءات حتى ممن هم ضمن حاضنتها السياسية. ومن الواضح أنه يترتب على الحكومة بذل جهد أكبر للانفتاح على جميع مكوّنات الشعب السوري، ليس عبر البيانات والخطب، بل ضمن سياسة عملية تتخلّى عن سياسة الاستحواذ، وعن الحلول الأمنية، بما يمكن من فتح حوار وطني حقيقي ينتج عنه تظهير قيادات حقيقية وناضجة لكل المكونات لا تقتصر على القيادات التقليدية من مشايخ وزعماء عشائر وطوائف، بل تشمل الشباب والمثقفين وقوى المجتمع المدني، بما يقود إلى بناء عقد اجتماعي جديد بين السوريين، يعزّز هوية وطنية تجمع مزيجهم المعقد،  وتوفر حصانة داخلية حقيقة، وتقطع الطريق على التدخّلات الخارجية، وفي المقدمة منها الإسرائيلية.

ولا شك أن المرحلة الحساسة التي تمر بها سورية اليوم، تتطلب من الحكومة التحلي بالشجاعة للتراجع أن اقتضى الأمر، عن خطوات سابقة اتخذتها ولم تستحوذ على رضى بعض المكونات الداخلية مثل الإعلان الدستوري، فضلا عن إعادة تشكيل الحكومة لضمان مشاركة أوسع للقوى السياسية والمجتمعية المختلفة، وإصدار قانون للأحزاب يتيح إثراء الحياة السياسية، وبروز قوى جديدة أكثر تمثيلية لمجتمعاتها من القوى التقليدية لكي تتنافس على برامج سياسية واقتصادية، بعيدا عن ساحات التجييش الطائفي والعرقي التي لا تنتج سوى المزيد من الاحتقان والتشنج والفتن.

العربي الجديد

—————————-

الخطر الصهيوني يهدّد سورية… والسويداء في الميزان/ عمار ديوب

22 يوليو 2025

خطت دبابات العدو الصهيوني إلى الأرضي السورية منذ اليوم التالي لهروب بشّار الأسد متجاوزةً اتفاق 1974، ودمّرت كامل البنية العسكرية السورية، وأعلنت خطتها لتقسيم سورية ودعمها الأقليات الدينية والقومية، فيما إعلانها لا يتساوى مع قبول هذه الأقليات له. وأعلنت (احتلت مناطق واسعة من القنيطرة ودرعا تقدر بنحو 650 كيلومتراً) أنها ستفرض منطقةً منزوعة السلاح في الجنوب السوري. وبالتالي، أراد العدو فرض هيمنته على سياسات إدارة دمشق، كما يحاول فرضها على كامل المنطقة.

تهاونت إدارة دمشق بداية، تجاه هذا العدو، وأعلنت أنها تريد إقامة علاقة طبيعية مع دول المنطقة كافّة، ولم تستثنِ دولة الاحتلال، وهناك من نسب إلى الرئيس أحمد الشرع قوله عن وجود أعداء مشتركين بين سورية ودولة العدو، وكان يقصد إيران، ويحاول جاهداً تحييد هذا الخطر، باعتبار سورية مُدمَّرة، وبحاجة إلى دعم دولي وإقليمي، وتزامن ذلك، سيّما مع لقاء ترامب والشرع في الرياض بقول ترامب بضرورة دخول سورية في الاتفاقات الإبراهيمية. الشرع رجلٌ طامحٌ لحكم سورية، تهاون في شروطه مع دولة الاحتلال، ولكنّه، وبعد زيارته باكو (أذربيجان) منذ أكثر من أسبوع، أعلن موقفاً متشدّداً بعض الشيء، وسمّى دولة الاحتلال بالكيان، ويبدو أنه رفض (عبر وسطاء)، شروط هذا الكيان الاعتراف بكلّ ما فعله في سورية منذ هروب بشّار الأسد، وفرض منطقة خالية من السلاح جنوبي سورية.

هناك انتقاداتٌ واسعةٌ لإدارة دمشق، تتناول استئثارها بالحكم، ورغبتها في فرض سياسات خاصّة بها تجاه السوريين كافّة، المختلفين دينياً وقومياً، وهي سياسات لا تتوافق مع هذا التنوّع، ولا مع أغلبية السُّنّة في سورية. لم تُعر هذه الخلافات أهمية، ومارست مجموعات من الفصائل، التابعة وغير التابعة لها، انتهاكات واسعة، فانفجر الوضع في الساحل، ثمّ في أشرفية صحنايا وجرمانا، ثمّ منذ أسبوع في السويداء، ذات الأغلبية الدرزية. لم تُعالج الإدارة العلاقة مع السويداء بحكمة وطنية، أي بجذب واستقطاب المدينة، واستقطبت مجموعات هامشية، ولكنّها ليست ذات ثقلٍ في توازنات المحافظة، وبدلاً من أن تنتهج الحوار والمفاوضات، وتعيّن شخصياتٍ منها في مؤسّسات الدولة، عمدت إلى تعيين شخصياتٍ من خارجها، فلم توافق امرأة درزية على أن تكون هي المحافظ، وبدلاً من الموافقة على شخصيات من المحافظة لتتسلم القيادات العسكرية أو الأمنية وسواها، أصرّت السلطة على ذلك التعيين. لم يُعطَ (رغم الأشهر الستّة) المحافظ الذي عُيّن من الشرع مجالاً واسعاً، وقد خَبِرَ بعض خصوصيات المحافظة، ولا الصلاحيات الواسعة في الوصول إلى توافقات جادّة بين دمشق والسويداء، وقُيّد أخيراً بشخصية أمنية، أحمد الدالاتي، تؤمن بالحلّ العسكري والأمني، وبالتالي، تشدّدت دمشق، وتشدّدت السويداء، جاء الحلّ للمشكلة كارثياً، فاختطفت مجموعة من إحدى العشائر تاجراً درزياً، وحدثت اختطافات وغارات متبادلة، ترافقت مع حملة عسكرية لإخضاع المحافظة بأكملها، وانقطعت شعرة معاوية. وإذا كان حكمت الهجري، وهو أحد مشايخ العقل لطائفة الموحدين الدروز، هو المشكلة، فكان يمكن رفع الدعاوى القضائية ضده.

اندلعت معارك حقيقية بين الجيش وأهالي السويداء، ولم تعد القضية بين فصيل تابع للهجري والجيش. تدخلّت الدولة الصهيونية، وقصفت جيشها في درعا والسويداء، ومبنى الأركان ومحيط قصر الشعب، وكانت الرسالة واضحة أن على إدارة دمشق الالتزام بمشيئة دولة العدو في فرض منطقة خالية من السلاح في درعا والقنيطرة والسويداء. وأمام خساراته في المعارك مع فصائل السويداء والضربات الجوية الصهيونية، غادر الجيش السويداء، ثم فجأة ظهرت الفزعات العشائرية في سورية كلّها، وامتدّت إلى خارجها، وكأنّها الجيش البديل، وقد أشاد الرئيس الانتقالي أحمد الشرع بها في خطابه عن أزمة السويداء، وكأنّها قوات تابعة له. لقد وضع الشرع مكونين أهليين قبالة بعضهما، فتنازعت وسائل التواصل الاجتماعي التحشيد الصفري الاجتثاثي بين الدروز والعشائر، وفعلاً أتت حملات عسكرية عشائرية من كلّ سورية، ولم تواجهها السلطة، فظلّ طريق دمشق السويداء مفتوحاً أمام هذه العشائر، بينما فُرض الحصار الكامل على السويداء، ولم يعد يصل إليها طحين أو كهرباء أو إنترنت أو أدوية، وتعطلّت آبار المياه. كانت هجمات العشائر كارثية، ومورست فيها مختلف أشكال الانتهاكات التي مورست في الساحل في مارس/ أذار الماضي، مجازر، حرق منازل، اختطاف، سرقة الأثاث والمحالّ التجارية، تهجير، إرهاب للأهالي، واستخدمت في هجماتها الرشّاشات الثقيلة والمسيّرات وقذائف الهاون، وهي أسلحة تخصّ الجيش (تدخّلت دولة الاحتلال أحياناً) وصدّ أهل السويداء الهجوم.

عُقدت لقاءات دولية وإقليمية لإيقاف حفلة الجنون في السويداء، وشاركت فيها دولة العدو، وأنتجت اتفاقاً يؤكّد إيقاف إطلاق النار، ويبدو أنّه قابل لإنهاء المعارك. المشكلة أن دولة الاحتلال شاركت فيه وفَرضت منطقةً عازلةً على كامل الجنوب السوري، بغضّ النظر عن موافقة أحمد الشرع، وهذا أسوأ نتائج العملية العسكرية على السويداء. لا تستطيع إدارة الشرع تغيير الواقع التي تشكّل منذ 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024، ولن يتمكّن من الاستثمار بالقوة في العشائرية في مواجهة العدو، فقد تبيّن مدى هشاشتها أمام عدّة ضربات مُركزة ومحدودة في محيط السويداء. إذاً، ومع احتلال أراضٍ جديدة (غير الجولان السوري المحتلّ في 1967)، ما العمل؟

أولاً، يجب على إدارة دمشق رفض احتلال الجولان منذ 1967، وكلّ ما رسّخه الاحتلال داخل سورية بعد 8 ديسمبر (2024)، وبشكلٍ مُعلَن. وثانياً، يجب تغيير سياساتها تجاه الداخل السوري تماماً، فالقضية ليست فقط تذمّر الأقليات، بل تخصّ كلّ السوريين. وثالثاً، العودة إلى لغة التفاوض والحوار مع السويداء وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) والسوريين كافّة، والكفّ عن الخيار الأمني والعسكري. رابعاً، الاستعانة بخبراء سوريين في مختلف المجالات، سيّما بشأن الموقف من احتلال الأراضي، ووضع خطة محكمة واستراتيجية لمواجهة الاحتلال عبر الأطر الدبلوماسية، العالمية والعربية، الرسمية والشعبية، بما يُرسّخ حقّ السوريين في استقلال بلادهم، ودعم وصول الفلسطينيين إلى دولتهم الكاملة وغير المنقوصة.

هناك أزمات هُويّاتية، سببها سياسات إدارة دمشق مع العلويين والدروز، وهناك “قسد”، التي قد تتفجر كذلك في حال لم تتغيّر سياسات دمشق. هناك تحشيد عشائري، وبعد السويداء وجهته “قسد”، وللدقّة، هو قديم وكان كذلك ضدّ الدروز. سيرسّخ دعم العشائرية تيّار الهجري أكثر فأكثر، وكذلك “قسد”؛ إنّه خيار خاطئ، أدّى وسيؤدّي إلى إنتاج إدارات ذاتية في مناطق سورية، وسيكون لها شأن أساسي في الإشراف على شؤونها وبشيء من العدائية تجاه سلطة دمشق، سيّما بعد أن فرضت السويداء ذلك، بقوة السلاح، وبالتدخّل الصهيوني، وبإخلاء المحافظة من سلاح السلطة الثقيل.

اعتماد سياسات تشاركية مع الشعب هو المدخل نحو حلّ الاستعصاءات مع الداخل ولمواجهة الخطر الصهيوني، وذلك بعدم الاعتراف باحتلال الأراضي، الجديدة والقديمة، والاعتراف للسوريين بحقّهم في المشاركة السياسية، وهو ما سيعيد الثقة بالسلطة، فالمشاركة السياسية تدعم السلطة ضدّ الخطر الصهيوني الذي بات يهدّد وحدة سورية، وستحاصر أيّ نزعات محلّية أو طائفية أو قومية قد تستثمر هذا الخطر، وتفتح المجال لبروز وطنية سورية جامعة.

العربي الجديد

———————

الخسائر المتوقعة لحرب السويداء السورية/ عدنان عبد الرزاق

22 يوليو 2025

لنطوِ تكاليف وأوجاع الحرب السورية حتى تحرّرت البلاد وسقط بشار الأسد، في 8 ديسمبر/ كانون الأول العام الماضي، التي تقدرها التقارير الدولية بنحو 400 مليار دولار، وتقول أخرى إن تكلفة إعادة الإعمار إضافة إلى الخسائر الناجمة عن فوات المنفعة توصلان فاتورة الحرب إلى نحو 1.2 تريليون دولار. ونحاول غضّ الطرف عن الوجع الأكبر الذي لحق بالشعب السوري، بعد نزوح وتهجير نصف السكان، وقتل وإعاقة وتغييب نحو مليون سوري خلال فترة حكم الأسد.

طبعاً من دون أن ندخل بتفاصيل الخسائر الكارثية الأخرى، التي عادة ما تغيب عن التقارير الدولية التي تنظر للإنسان رقماً، وتتعامى عن آثار الحروب على الصحة العامة وخروج الأطفال عن مقاعد الدراسة والآثار النفسية والبيئية، أو حتّى ما تتركه الحروب من شروخ مجتمعية عميقة، قلما تندمل بواقع الانقسام والتحريض، لتعيد الاقتتال والتدمير وتعمّق الأوجاع، كالذي رأيناه اليوم في سورية. قلنا لنطوِ تلك التكاليف والأوجاع، ليس لأنّ ملامح ترميمها وتعويضها قد بدأت، بل للأسف، لأن ثمة أثماناً جديدة وتكاليف باهظة أخرى ستضاف للسابقة، وإن بأعذار وأسباب أخرى هذه المرة، يختلط فيها الداخلي مع الخارجي… وتتوزع مسؤوليتها على الجميع، وإن كانت السلطة الجديدة تتحمل الوزر الأكبر.

ورغم أن الوقت الآن، بواقع سفك الدم وتهديم البلاد والفتح على غير سيناريو، لا يحتمل توزيع المسؤوليات وتحميل الأوزار، بيد أن نهج حكومة الرئيس أحمد الشرع الإقصائية وانشغالها بالخارج عن الداخل، تغدو هي المسؤولة الأكبر والمعنية بمآلات تمرد قد يتسع، نوعياً وجغرافياً.

ففضلاً عن أنها دولة، أو هكذا يفترض، ولا بدّ أن تفكر بذهنية وعقلية وتعاطي الدولة، التي تختلف عن الفصائلية الطائفية، لم تأخذ بحسبانها أدوار “يتامى الأسد وفلوله”، وما الذي يمكن أن يفعلوه لتهديم حلم الدولة والسوريين، إن وجدوا تراخياً بالمحاسبة ما بعد إعلان “اذهبوا فأنتم الطلقاء”، أو تحاول الحكومة أن تفهم، مدى استمرار خطورة الارتباطات الخارجية ومدى تأذي دور الإقليم بعد تحرير سورية من نظام الأسد وبدء التخطيط لدولة قوية، وذلك الذي رأيناه عبر محاولة من إيران بالساحل حيناً… ومن الكيان الإسرائيلي طيلة الأحايين.

قصارى القول: من اللاأمانة المهنية وحتى التاريخية، إن أرّخنا الحرب الدائرة بمحافظة السويداء بتاريخ 12 يوليو/تموز الجاري، وقت تعدى “قطاع طرق” على مواطن من السويداء، وسرقوا بضاعته وأمواله، قبل أن تتحول المحافظة لحرب، يتزايد عدد قتلاها وخسائرها، وينتهي أحد أطوار المقتلة اليوم بتنفيذ اتفاق، نصَّ فيما نصَّ على تهجير بعض سكان المحافظة “البدو” وعدم السماح للدولة “جيشاً وأمناً” بدخول السويداء. لتبقى المحافظة خاصرة رخوة ومبرّر تدخل خارجي، وعامل إعاقة أمام وحدة سورية، وليس بعيداً أن تقتدي بأخواتها (قوات سوريا الديمقراطية “قسد”)، إن أرادت حكومة دمشق بسط سيطرتها على المنطقة (شمال شرقي سورية) التي تعد خزان سورية النفطي والغذائي والمائي.

قلنا من اللاأمانة تأريخ “أزمة السويداء” بحادثة خطف التاجر وسلب بضاعته وماله، لأن السويداء ومنذ تحرير سورية وهروب بشار الأسد، وهي، أو بصيغة أدق، فصيل منها يتبع للشيخ حكمت الهجري (وهو واحد من ثلاثة يمثلون الرئاسة الروحية للموحدين الدروز بسورية، إلى جانب الشيخين، يوسف جربوع وحمود الحناوي)، ترفض دخول قوات الأمن واستعادة عمل المؤسّسات الحكومية، وسبق أن أفشل الهجري وفصيله اتفاقات عدّة، كما سبق التعدي على محافظ السويداء في مكتبه، قبل أن يترك المحافظة ويعود إلى العاصمة دمشق.

وليستوي القول، ثمة أسباب، محقة أو أعذار، يعتمد عليها الهجري برفضه الانضواء تحت سلطة الدولة، أو السماح لها بدخول السويداء وتفعيل مؤسّساتها، منها له علاقة بإقصاء تمثيل المحافظة (الدروز)، ومنها اتهام السلطة بالتطرف، ومنها، وفق ما أكدته الأحداث الأخيرة، ولم يعد محض اتهام وتوقّع، إيلاء قرار الهجري لإسرائيل، والعمل وفق ما تطلبه وتقتضيه خطط التفتيت والتقسيم وإبقاء سورية ضعيفة.

نهاية القول: في محاولة لتقدير الخسائر الأولوية لمحرقة لم تزل، بل ومرشحة لاحتمالات وسيناريوهات عدّة، يمكننا القول إنّ سورية خسرت هيبتها، بعد قصف العدو الصهيوني قلب دمشق وأطراف القصر الرئاسي، وخسرت حكومة الشرع الكثير من مؤيديها في الوسط السوري، ومن “الأقليات” على وجه الخصوص، بعد تأييد لم يشهده فاتح، خلال وبعيد تحرير سورية وهروب الأسد الوريث، وخسرت سورية آلاف السوريين، قتلى ومصابين، حتى الآن، وبنى تحتية جراء القصف وتدمير المنازل والممتلكات، إلى جانب خسارة ثقة البعض بالحكومة والثقة بين جلّ السوريين الذين اصطفوا وتخندقوا وعاد معظمهم للأسف، إلى البداوة والعشيرة والانتماءات الضيقة، ما ينذر بتفتيت ودمار. وأمام هاتيك الخسائر التي تنذر بعودة سورية للحرب والدمار والتدخل الخارجي، قد تبدو الخسائر الاقتصادية غير جديرة بالذكر، على أهميتها وآثارها.

وربما من الخسائر التي بدأت تلوح، التردّد الأميركي برفع كامل العقوبات عن سورية، رغم توقيع الرئيس دونالد ترامب أمراً تنفيذياً برفع العقوبات مطلع الشهر الجاري، أو احتمال فرض عقوبات جديدة، أوروبية وأميركية، بعد تقارير الانتهاكات بالسويداء وصدور التقرير النهائي للجنة التحقيق بأحداث الساحل التي وقعت في مارس/آذار الماضي، والتي (العقوبات) سيكون لها الدور الأخطر على سورية، سواء لتقييد مساعيها بالانفتاح والتطوير والإعمار، أو حتّى لاستقطاب الرساميل والاستثمارات، بل وعلى الاستثمارات التي جاءت فعلاً، ما بعد رفع العقوبات الأوروبية، ووقعت مع الحكومة السورية مذكرات تفاهم واتفاقات.

كما أعاد الاحتراب والقتل في سورية حالات التردّد إلى أقصاها، حتّى من السوريين المهاجرين والمهجّرين، ليبقى ملف الخسائر مفتوحاً ما بقيت المقتلة، ويبقى قلق السوريين على وطن لم يصلوا إلى ملامحه، إلّا بعد تضحيات وخسائر وتهجير لم يشهدها مثلهم شعب، خلال العصر الحديث. ويبقى الأمل على حكومة الرئيس الشرع بأن يكون اختبار السويداء القاسي، بداية جديدة للتعاطي، الداخلي والخارجي، بعد أن ذابت قمم ثلوج كثيرة بالداخل، كانت تغطي مكائد وارتباطات وانتماءات ضيقة، وأخرى تغلّب فكر العشيرة على الوطن… والأهم قمم الخارج المتربص بوحدة سورية واستعادة قوتها، وفي مقدمتها مطامع الكيان الإسرائيلي الذي يفضّل دويلات، وإن قوية، على سورية موحدة ضعيفة.

العربي الجديد

———————————-

الدولة السورية و”إدارة” العنف/ سميرة المسالمة

الثلاثاء 2025/07/22

تتابع الدول الغربية باهتمام ما يحدث في سوريا، وتتعامل مع الصراع الطائفي الذي أنشب مخالبه في عنق الحكومة الجديدة، كأنه اختبار عملي لها، عن مدى قدرتها بإبقائه “مشكلة داخلية” تستطيع احتواءها داخل حدودها، فلا يتسرب إلى محيطها الإقليمي والدولي، إلا وفق خريطة طريق معدة سلفاً لتمددها. بمعنى أن الدول تستكشف من خلال ما يحدث قدرة السلطة على “حصار العنف الجغرافي” من جهة، وإدارته من جهة أخرى، بهدف ضبط تحركات الفصائل العنفية أينما وجدت، وإبقاء نشاطها تحت السيطرة الحكومية، للتحكم بتوقيت التوترات المنظمة في منطقتنا، وغير المنفلتة دولياً، واستثمارها عند الحاجة.

في هذا السياق، يمكن قراءة ما حدث في سوريا من سماح حكومة الرئيس أحمد الشرع لآلاف من المسلحين غير التابعين للجيش السوري التابع لوزارة الدفاع السيادية، بالتحرك نحو السويداء والمشاركة في القتال ضد الفصائل المحلية (الدرزية)، بأنها محاولة فاشلة لاستخدام سياسة إدارة العنف غير المنضبط، أو ما يمكن تسميته استجابة غير واعية لهذا النمط من السياسات الأمنية الحساسة، حيث سمح للمسلحين بإدارة معركة أهلية كبديل عن الحل السياسي المأمول، أو توظيف انفلات العنف، وتغذية النزاع الطائفي مقابل السلم الأهلي.

فالقرار الذي اتخذته الدولة كمحتكر شرعي وحيد للسلاح، بددته بالتغاضي عن وجوده خارج سيطرتها لدى جهة دون أخرى، مع ما يمثل ذلك من مخاطر لاحقة على قدرتها في فرض سيطرتها في أماكن متفرقة من البلاد، يحكمها سلاح مواز لسلاح منفلت قبلت الحكومة بالصمت عنه، متجاهلة مبدأ المساواة أمام القانون. ما يكشف عن خلل بنيوي في إدارة هذا الملف، وعدم القدرة على فهم منعكساته على ملف المصالحة الوطنية. وهو إن استمر يُفقد وظيفة أساسية للدولة، وهي لعب دور الضامن للأمن المحلي، وتتحول هي نفسها إلى أحد أطراف النزاع الطائفي.

يمكن اعتبار أن الفخ الحقيقي الذي تستجر الدول إليه هو استثمار قوى “عنفية” غير حكومية في الصراعات الداخلية. ففي حال تمكنت هذه القوى من السيطرة أو التفوق في معركة ما، فإن نشوة تفوق قوتها لن تتوقف عن متابعة توسعها، واستمرار استقلاليتها عن الدولة، ما يعني أنها ستبقى تدير دولة داخل الدولة، وتفقد الحكومة الجديدة صفة السيادة على كامل سوريا، وتتحمل مسؤولية إضافية لإبقاء “العنف الجغرافي” المنفلت محاصراً داخل أراضيها، ما يحول البلد إلى صندوق صراع لا نعرف متى ومن يفتح غطاءه؟

ربما من قبيل الإصرار على إنجاح مرحلة ما بعد سقوط نظام الأسد القمعي، هو الطلب من حكومة الشرع التمسك بالقرار المركزي لإدارة السلاح ( القرار المركزي للجيش لا يعني التشجيع على الدولة المركزية)، لأن فوضى السلاح وما ينتج عنه من العنف يعني غياب القرار المركزي لوزارة الدفاع، باحتكارها وحدها السلاح وقرار المواجهة به. والسماح لأي جهة غيرها بممارسة الأمرين، يمثل انهيار مبدأ سيادة القانون، وتفكك العقد الاجتماعي (الذي يجب أن يكون محل نقاش الآن)، فالدولة التي تشرعن عنف بعض الجهات ضد أخرى، أي تبرر “العنف الانتقائي”، من خلال التغاضي عن وجود سلاح خارج مؤسساتها لأي جهة كانت، تسهم في تقويض سلطتها، وتحويل النزاعات المحلية إلى حروب أهلية مستدامة.

لهذا، فإن ما حدث في السويداء من الركون إلى القوة غير المنظمة في حل النزاع المحلي، هو وصفة مؤكدة لمزيد من الانقسام والتآكل الداخلي، ويمكنه أن يفتح المجال أمام جماعات مسلحة تتجاوز سلطة الدولة، بل تعيد الدولة حديثة العهد إلى ساحة صراع مفتوحة كما كانت منذ أشهر عديدة. والتعاطي مع الوضع على أنه “داخلي” محدود، هو تجاهل لعمق التشابكات الإقليمية والدولية التي تؤثر في كل طرف من أطرافه، سواء عبر تغذيته بالسلاح أو عبر تأجيجه سياسياً. فإنكار ما تعنيه امتدادات الصراع الخارجية حتى تلك التي تمر بدول “صديقة”، من شأنه أن يعيق الحلول الجذرية، حيث لم يعد ممكناً إدارة أزمة مركبة ومعقدة بعقلية محلية ضيقة، وبعواطف كاذبة، فالصراع تجاوز حدود الجغرافيا لمن يريد أن يعلم، وأصبح بلا شك جزءاً من لعبة أمم أكبر تراقب وتتصيد!

المدن

—————————

 إنهم لا يعرفون سوريا يا أبتاه/ عمر قدور

الثلاثاء 2025/07/22

يتحدث كثيراً أهل السلطة في سوريا عن الدولة، وهم يستخدمونها عمداً على نحو مزدوج. إذ يجب أن تحيل أولاً إلى بلد اسمه سوريا بحدوده السياسية المعروفة، ربما باستثناء الجولان! وأن تحيل إلى السلطة بوصفها الممثّل الحصري للجغرافيا السياسية إياها، لكن من دون أدنى تساؤل حول ماهية السلطة ذاتها، ومن دون أدنى تساؤل عن جانبين شديدَي الأهمية؛ أولهما علاقة السلطة الجديدة بسوريا، ومن ثم المشروع الذي تقدّمه لها.

في الجانب الأول، من المؤسف القول إن نسبة ساحقة من بيئة السلطة الحالية لا تعرف سوريا، ولا نستبعد أن يكون عشرات الألوف ممّن دخلوا دمشق مع سقوط الأسد يدخلونها لأول مرة في حياتهم. بل لا يُستبعد إطلاقاً أن يكونوا، طوال السنوات المريرة الماضية، قد نظروا إليها كمصدر للشرّ والخراب، كما هو حال نظرتهم إلى الكثير من المناطق السورية وأهلها التي كانت تنطلق منها ماكينة الدمار والخراب الأسديين.

كان الانقسام السوري الكبير قد بدأ في آذار 2011، ثم راح يترسّخ ويستقر مع تجربة المناطق المحررة. ذلك في الكثير من الأحيان جعل الروابط بين السوريين خاضعة لغريزة البقاء، فلم يكن الانقسام طائفياً أو إثنياً فحسب، كما يُختصر دائماً. مثلاً، في تجربة حلب المنقسمة بين قوات الأسد وفصائل المعارضة، كان خط الانقسام يرسم إلى حد كبير خط الخوف المتبادَل من قذيفة هاون تأتي من إحدى الجهتين، أو من أسطوانة غاز متفجّرة. العدو كان بالنسبة للمدنيين الخائفين هو الذي يقصفهم، وهذه بلا شكّ عتبة تحت الانحياز السياسي، إلا إنها ناجمة أصلاً عن انعدام السياسة، وعن انعدام الالتزام بحماية المدنيين أثناء الحرب.

خلال هذه السنوات كلها، كان ثمة خطوط تماس تفصل بين أقسام سوريا المختلفة. نذكّر بأنها كانت منقسمة بين مناطق سيطرة الأسد، ومنطقة سيطرة “هيئة تحرير الشام”، ومناطق سيطرة “الجيش الوطني”، ومناطق سيطرة “قوات سوريا الديموقراطية”. فضلاً عن السويداء التي صارت مستقلة أمنياً وعسكرياً منذ انتفاضتها، في حين بقيت متصلة بالمركز في دمشق مدنياً وخدمياً.

إذا استثنينا حالة السويداء لكونها بين بين، يتبقى هناك أربع مناطق سورية متحاجزة، والحواجز التي تفصل بينها ليست عسكرية فحسب. في الشمال الخاضع للنفوذ التركي، صارت العملة التركية هي المعتمدة، فضلاً عن الحضور التركي في مختلف المجالات الخدمية. الحضور التركي في منطقة الهيئة أقل مما هو عليه في منطقة الجيش الوطني، ولكل من المنطقتين حكومته وقضاؤه وتعليمه واقتصاده المستقلين عن الأسد والمختلفين فيما بينهما. الحال نفسه نجده في مناطق سيطرة قسد، حيث هناك افتراق عن المركز اقتصادياً وخدمياً، ما يتضمن الاختلاف تعليمياً وقضائياً… إلخ.

كانت الحواجز تتقاضى أتاوات، هي بمثابة رسوم عبور بين مختلف المناطق. وهذا تفصيل لا ضرورة لذكره من أجل القول بوجود انفصال تام بينها، وهو انفصال جغرافي وسياسي ونفسي أيضاً، وكان لمختلف قوى الأمر الواقع مصلحة في تغذية الانقطاع بين محكوميهم وجيرانهم، لأن وجودها يتغذّى على الانقسام. بعبارة أخرى، كان كل ما تفعله سلطات الأمر الواقع يتعمّد ترسيخ الانقسام وشيطنة الآخر. جميع سلطات الأمر الواقع كانت ضالعة في ذلك، بما فيها بالطبع وبالتأكيد هيئة تحرير الشام التي انتقلت بمشيئة غير إلهية من حكم إدلب إلى دمشق.

قبل هذه المرحلة كان الوطن السوري يتشكل، رغم كل الكلام المحق عن لاوطنية الأسد. الأمر لا يتوقف على النوايا وحدها، فالعيش المشترك كان لا بد أن يفرض آثاره على الاجتماع السوري. نتحدث هنا عن دور الجامعات مثلاً، وعن السفر بغرض الاستشفاء أو التعليم. نتحدث عن النقابات على المستوى الوطني وإن قُضي عليها في أواخر السبعينات، وعن الأحزاب المعارضة وشبه المعارضة التي كانت فرصة للانفتاح على المجال الوطني، حتى إذا لم تكن أيديولوجيتها الأساسية متصلة بقضية المواطنة.

الوظائف العامة لعبت أيضاً دوراً في التعارف بين السوريين، بل نكاد لا نستثني دور المنظمات مثل الطلائع والشبيبة كقنوات تعارف بين الأطفال والمراهقين من مختلف أنحاء سوريا، لولا أنها استُخدمت على أسوأ وجه من قبل صانعيها. نشير أيضاً إلى تزايد الأحياء المختلطة في المدن الكبرى، بما تشير إليه من رغبة لدى قاطنيها في العيش خارج الجماعة الأهلية الأصلية، وهذا لم يكن حكراً على جماعة بعينها، وفي بعض الحالات كان للمستوى الطبقي دور فيه.

سوريا الموحّدة، بصرف النظر عن أنها حملت أسباب الثورة، لم تعد موجودة. بهذا المعنى، هناك أعداد ضخمة ممّن هم ليسوا سوريين، لأنهم لم يعيشوا أصلاً سوريا الموحّدة المتشابكة. في الماضي لم تكن سوريا تخلو من فئات منغلقة على ذاتها، إلا أن ذلك كان خياراً طوعياً، في حين أن انقسام سوريا منع خيار الانفتاح حتى إذا وُجِد. في المحصّلة، الحديث عن أن هناك سوريين ليسوا بسوريين، لأنهم لم يعيشوا سوريا هو كلامٌ شديد الواقعية، وينطبق على السلطة الحالية إلى حدّ كبير، مثلما ينطبق على الملايين من الذين هم خارجها.

كان يمكن سدّ فجوة عدم معرفة سوريا بمزيد من إشراك السوريين في تدبير شؤونهم، أي بنوع من اللامركزية المعمّمة على الجميع، ووضع خطة واقعية في المقابل لسحب السلاح. إلا أن ما حصل كان على الضد تماماً، إذ أقرت السلطة إعلاناً دستورياً يتضمن مركزية مفرطة، تؤول في النهاية إلى مركزية القرار ضمن السلطة نفسها. تغلَّبَ منطق الجماعة الحاكمة على منطق الدولة، ليكون الاستئثار بالسلطة وصولاً إلى مستوياتها الدنيا تجسيداً لغياب فكرة المواطنة. وصار واضحاً أن السياسة ممنوعة حتى إشعار آخر، أي أن الأطر التنظيمية من أحزاب ونقابات حرة وغيرهما لن تكون متاحة لتساهم في توحيد السوريين، أو بالأحرى في إعادة تنظيمهم واختلافهم على نحو وطني.

تعاملت السلطة مع السوريين بوصفهم جماعات أهلية، طوائف أو عشائر، تحت مسمّى “مكوِّنات”. وهذه اللغة الرسمية أجّجت الانقسام الموجود، وعززت القناعة بأن السلطة ذاتها ممثِّلة لجماعة طائفية، رغم عدم دقّة هذا التصوّر الذي يخدم السلطة بمنحها صكّ تمثيل الأكثرية من دون حاجة لصناديق الاقتراع. المصيبة أن هذا النهج يطعن في وطنية الأكثرية السُنية، ويطعن فيما قيل عن كونها هي الأمة. الأسوأ أن الذين يفعلون ذلك استعاروا اللحظة الأموية من التاريخ، ولم يأخذوا منها محطتين شديدتَي الأهمية، هما عام الجماعة الأول وعام الجماعة الثاني، وكلٌّ منهما استهلّ عهداً مؤسِّساً في حينه. نشير إلى هنا رمزية استحضار عامَي الجماعة، لا إلى حرفية ما حدث وكان ابن زمنه.

في مثال معبِّر، هوجم طُلاب جامعيون دروز، في حلب وحمص ودمشق، ورُحِّلوا من المدن الجامعية، سواء في أحدث نهاية نيسان الفائت أو أحداث السويداء الأخيرة. هكذا، تحت سمع وبصر السلطة، تنحدر الجامعة من كونها أحد أمكنة الالتقاء الوطني إلى مكان للتنكيل بالفكرة الوطنية. وتُشجَّع الفئة العمرية الأكثر انفتاحاً على الانغلاق بدغدغة الغرائز، غرائز التسلط قبل الطائفية.

لقد حُمِّل عهد الأسد مسؤولية الانحدار بسوريا على كافة المستويات، ومنها الانحدار بالاجتماع السوري، وتحميله المسؤولية أولاً لا يعني أن المجتمع السوري بخير وعافية، بل يشير إلى تقاعس السلطة عن القيام بواجبها الوطني، وفي الأصل لا يجب أن توجد سلطة تتقاعس في هذا المجال الحساس. بعد السقوط، تتحمّل السلطة الحالية المسؤولية ذاتها، بموجب المنطق ذاته، ولن يتوقف الزمن حتى تكتسب معرفة أفضل بالبلد. وسوريا، سوريا المصلوبة منذ 14 عاماً، قد لا تستمر في طلب المغفرة لأبنائها الذين يقتلونها!

المدن

————————–

هل اغتالت “الهيئة” الحكومة في دمشق؟/ نجيب جورج عوض

18.07.2025

بيّنت مذبحة السويداء المروّعة، وتسليط الضوء على سلطة “هيئة تحرير الشام” فيها، وانكشاف أيديولوجيتها أمام العالم أجمع، ومن ثم انسحابها من المحافظة وتركها تحت إدارة ذاتية وتحت هجمات فصائل محسوبة على البدو، أن إسرائيل قد نجحت في إيقاع أحمد الشرع و”الهيئة” في فخ عميق، مدروس، وشديد المكر، فخ قد يبتلع كامل الجنوب السوري ويديره لعقود طويلة.

من “الهيئة” إلى “الدولة”

بعدما أعلنت “هيئة تحرير الشام” حلّ نفسها، وانضواء الفصائل تحت وزارتي الدفاع والداخلية، وما رافق ذلك من تهليل دولي وصل حدّ رفع الهيئة من قوائم الإرهاب، بالتزامن مع معطيات موضوعية خلال الأشهر الخمسة الأخيرة، بدأت من مجازر الساحل وانتهت بمجازر السويداء، تكشف لمن يريد أن يرى وتقول لمن يريد أن يسمع، إن مسار القتل في سوريا يتسارع وقد يبلغ مداه الأقصى.

تمّ التوغل في تطبيق سياسة العنف التأسيسي واستراتيجية الترهيب التمكيني. وتمّ تخدير جمهور واسع من أهل سوريا بحقن عالية من الخطابات الشعبوية الانتصارية، عن سلطة قيل لهم إنها أعادت الاعتبار والهيبة والعزوة الى تاريخهم “الأموي المجيد”، وأنها أعادتهم إلى القيادة والانتصار والكرامة، وأنهم اليوم من سيقرّرون، كونهم وحدهم من حرّروا، ووحدهم من ظُلموا واختبروا المقتلة من دون سواهم من أطياف المجتمع السوري.

هذا  كله شكّل الأرضية التي وقفت عليها إدارة “هيئة تحرير الشام”، وراحت عبر “سلطة الشيوخ” تمارس سياسة تفكيك الدولة (قتل القانون والدستور، قتل المواطنة والمدنية، قتل الإدارة والحوكمة، قتل التماسك والتعدّد المجتمعي، قتل الثقافة، قتل الحريات، قتل المؤسسات، وقتل الطبيعة)، والآن توسّع حدود قتل الجماعات تمهيدًا لتفتيت الكيان السوري ووأد إمكانية إعادة خلقه من الداخل.

اليوم، ومع مذبحة السويداء، وما ارتكبته قوى “الأمن العام” و”وزارة الدفاع” التابعة لحكومة دمشق، ها هي الفصائل التي تكشف علامات بعض مقاتليها عن انتماءاتهم، تجعل حكومة دمشق المشكّلة حديثًا، تدفع ثمن تهاونها وتساهلها مع “الهيئة” وارتكاباتها، وثمن استخدامها كتائب الهيئة لتطبيق سياسة العنف التأسيسي. وها هي إسرائيل تستغل نقطة الضعف تلك، وتستغل رفض حكومة دمشق لاحتضان السوريين وبناء دولة مدنية دستورية قائمة على القانون والتعدّد وحقوق الجميع، لتُنزل بها أشد الضربات، مستفيدة من الجرح السوري النازف في الجنوب.

سبق وقلنا لحكومة دمشق إنها يجب أن تحاسب المتورطين في مذبحة الساحل، لكنها لم تستمع. واليوم، دعونا الشرع وإدارته الى وقف القتل في السويداء، ولكن، هذه المرة أيضًا، لا هو ولا “هيئته” سمع أو استجاب، لأنه اعتقد أنه وضع إسرائيل وأميركا وأوروبا في جيبه، بعدما رفعوا عنه العقوبات والتصنيفات السابقة، وبعدما أدخلوه في نشوة انتصار وصورة إعلامية مدروسة جعلته يعتقد أنهم أعطوه الضوء الأخضر لتحويل سوريا كلها إلى “الإمارة”، التي ساعدته تلك الدول أصلاً على خلقها بين عامي 2018 و2024 في شمال سوريا.

تقول الأحداث إن الشرع ومن حوله كانوا يُجرّون بأقدامهم إلى فخٍّ محكم، قاد أخيراً إلى هزيمتهم في السويداء، وتعرضهم لانتهاك السيادة من إسرائيل وضرباتها (واجتياحها المحتمل للجنوب).

ها هي الإدارة في دمشق تدفع ثمن أوراق فشلها، التي منحتها إسرائيل، واكتملت آخر فصول سياسة القتل في سوريا. فبدلاً من أن يتّجه الشرع وإدارته إلى الداخل السوري بأذرع مفتوحة ووطنية حقيقية، ويحتضنوا أهالي سوريا ويتخلّوا عن “الهيئة” ويعاقبوا جرائمها وجرائم أمرائها ومشايخها، تعالوا على الداخل السوري وراحوا يتعاملون معه باستهتار، وغرقوا في عمليات العلاقات العامة التسويقية في الخارج طمعًا بمكاسب إعادة الإعمار والاقتصاد.

سبق وقلنا للشرع وإدارته، إن عليهم أن يتحرروا من عبء الاعتماد على “الهيئة” وتسليمها إدارة البلد الداخلية، ونصحناه باحتضان الشعب السوري بكل أطيافه، وكان هذا الشعب سيساعده على التخلص من نير “الهيئة” إن كان عاجزًا عن ذلك.

واليوم، مع ذهاب كل هذه النصائح أدراج الرياح، ومع هزيمة الشرع في السويداء وخداعه من إسرائيل، تكتمل فصول القتل التي بدأت منذ خمسة شهور.

من اغتال من؟

أولاً، هل نشهد قيام أبو محمد الجولاني بقتل أحمد الشرع؟

خلال الشهور الماضية، جهد الجولاني في إقناع العالم والسوريين بأنه خلع بذلة الجهاد والإرهاب، ولبس بذلة جديدة هي بذلة رئيس دولة مدني منفتح وتسامحي، يريد أن يخدم الشعب ويحتضن تعدديته، ويجعل سوريا للجميع.

وظّف الشرع ماكينة إعلامية وتسويقية ضخمة من جمهور الهيئة لمساعدته في إقناع السوريين بذلك، لكنها تألفت فقط من إعلاميين ووزراء ومديرين وقيادات ورجال أعمال وأصحاب رأي أساؤوا إليه والى صورته أكثر مما أفادوها.

ومع تساهل الشرع مع كتائب الهيئة وممارساتها اليومية ضد السوريين، حتى توظيفها حديثاً في السويداء ضد الدروز، نتساءل:

هل قتل أبو محمد الجولاني أحمد الشرع؟

هل دفن قائد الميليشيا وأمير الحرب رئيس الدولة ومدير مرحلتها الانتقالية المدني؟

حكومة “الديكورات الخارجية”

ثانيًا، هل قتلت “هيئة تحرير الشام” إدارة المرحلة الانتقالية التي أسسها الشرع؟

كنا نأمل أن ينشئ جهازًا حكوميًا يتولى إدارة سوريا خلال المرحلة الانتقالية، وفق استراتيجية تسمح للمدنيين والتكنوقراط بتولي شؤون الحكم. لكن انتهى به الأمر إلى تشكيل حكومة صورية لا تتجاوز كونها ديكورًا خارجيًا، تخفي خلفها المديرين الحقيقيين: أمراء الميليشيات ومشايخ الهيئة.

وعلى رغم وجود محاولات خجولة من بعض أفراد الإدارة للتحرر من سيطرة مجالس الشورى وتشخيصات الهيئة، إلا أن مأساة السويداء تدفعنا لنسأل:

هل عمدت “هيئة تحرير الشام” إلى قتل إدارة المرحلة الانتقالية؟

هل وصلنا إلى النهاية: من قتل الدولة وتحويلها إلى “لا-دولة”، وصولًا اليوم إلى قتل الإدارة وتحويلها إلى “زعامة مماليك إقطاعيات”؟

نحو اللامركزيّة

أحداث اليوم توحي بأن الجولاني و”الهيئة” قد يعودان إلى المشهد، بينما يُدفن أحمد الشرع والإدارة الانتقالية تحت تراب سوريا الممزوج بدماء أبنائها.

فهل بقي أمام سوريا خيار سوى التخلي عن مشروع الجمهورية المركزية الرئاسية؟ إن كان الأمر كذلك، فإننا نتجه إلى ما اقترحناه منذ البداية: نظام جمهوري اتحادي وحكم لا مركزي.

يفتح نجاح الدروز في فرض إدارة ذاتية الباب واسعًا أمام تطبيق هذا النموذج في مناطق الأكراد ثم الساحل.

ولعلّ هذا يكون أهون الشرور، مقارنة بمشروع تقسيم إسرائيل سوريا إلى كيانات منفصلة. في ظل هذا التهديد، يبقى النظام الاتحادي خيارًا أرحم: يُزيل المركزية، لكنه لا يُنهي وحدة البلاد بالضرورة.

لكن، هل تسير سوريا نحو هاوية لا قعر لها؟

المعطيات لا تشير إلى أن مسار القتل قد انتهى، ولا إلى وجود من يعمل على وقفه.

الشارع المناصر للهيئة ما زال غارقًا في نشوة الانتصار، ولا يبدو أن ارتكابات الهيئة تذكّره بممارسات نظام الأسد التي عاناها.

وكأن المشكلة لم تكن الاستبداد نفسه، بل هوية المستبد.

فريق الجولاني الإعلامي يواصل الإنكار والتبرير والتنمر على كل من يفتح فمه للنقد.

وإسرائيل وأميركا وأوروبا – بل وحتى دول عربية مؤثرة – تواصل دعم الجولاني وهيئته، وتمنحهما هامش اعتراف يكفي لتثبيت سلطتهما.

أما باقي فئات الشارع السوري وفعالياته الديمقراطية فهي أقلية، مهمشة، محاربة، لا تملك إلا صوتها، في بلد قُتلت فيه السياسة والعقل والرأي الآخر.

إلى أين سوريا؟

إلى هوة بلا قرار؟

إلى أرض محروقة ومجتمع مدمَّر؟

إلى حلم ضائع في تقاسم الغنائم وتوزيع الأدوار بين أطراف خارجية؟

هل نحمد الله إن صرنا جمهورية اتحادية؟ أم نبكي على أطلال وطن لم يبقَ منه سوى اللا-دولة؟

هل قتل الجولاني الشرع؟ وهل قتلت الهيئة الإدارة؟

 – باحث سوري

درج

——————————–

الهُويَّة الوطنية/ سمر يزبك

22 يوليو 2025

ليست السويداء مجرّد مدينة سورية تشهد نزاعاً دموياً. ما يحدث هناك اليوم لحظة كاشفة لأزمة الدولة القومية العربية برمتها. نزاع محلّي بعد ما يفترض أنه انتصار للثورة على نظام مجرم، انفجر إلى حرب أهلية مصغّرة، فتداخلت فيه جبهاتٌ عابرةٌ للحدود: دروز من الجليل يحاولون عبور الحدود لنصرة “أبناء الطائفة”، في حين تستنفر عشائر سُنّية من لبنان للالتحاق بـ”أبناء العمومة” في الداخل السوري. ما نشهده ليس فقط تفكّك الدولة، بقدر ما هو ولادة ما يُشبه نموذجاً بديلاً للدولة، يتجاوزها وينقضها في آن. الدولة القومية، كما تخيّلها المشرقيون منذ “سايكس بيكو”، لم تنجح في إيجاد شعور عضوي بالانتماء الجمعي. إنما كانت مشروعاً هندسياً فوقياً، يُفترض أن يصهر التنوّع داخل بوتقة قومية موحّدة. ولكن في لحظة الأزمة، لا يعود المواطن يرى نفسه “سورياً” بقدر ما ينكفئ إلى طائفته أو قبيلته أو طيفه الثقافي. الدروز ليسوا وحدهم هنا؛ البدو ليسوا وحدهم. الجميع يتصرّف بوصفه جزءاً من سرديةٍ أضيق من الدولة، لكنّها (في نظره) أكثر صدقاً وأكثر استعداداً للقتال. من منظور علم الاجتماع السياسي، ليس هذا الانكفاء انحداراً، بل ارتداد طبيعي عن نموذج لم ينجح قط في الترسّخ. نحن لا نشهد انهيار دولة ناجحة، بل تفكّك شكل هشّ لم يستطع خلق عقد اجتماعي. ما يظهر في السويداء من اقتتال إعلان جماعي بأن الهُويَّة الوطنية كانت قناعاً فوقيّاً لا جذور له. والهُويَّة، حين لا تكون مؤسّسة على عدالة، تتحوّل وقودَ عنف.

اندفاع الدروز في الجليل لنصرة دروز سورية، والسُّنّة اللبنانيين لنصرة بدو الداخل، يُحيلنا إلى ما يمكن تسميته “تجاوز الحدود من تحت الدولة”. بمعنى: حين تتآكل مشروعية الدولة، يصبح الجسم الاجتماعي لا يعترف بحدودها. الطائفة أهم من الجغرافيا. الرابط العرقي أصدق من الجواز. وهكذا تُعاد خريطة الولاء، لا حسب الوطن، بل حسب شبكة متخيّلة من القرابة، تتجاوز مفهوم السيادة الحديثة. من هذا المنظور يمكن فهم ما يحدُث بوصفه شكلاً من أشكال “تفكّك الشرعية التمثيلية”. فالدولة، في النماذج الحديثة، تمثّل الشعب كلّه من دون تمييز. لكنها هنا تتحوّل (في نظر مواطنيها) فاعلاً طائفياً، أو متواطئاً، أو عاجزاً. وحين تنهار شرعيتها الرمزية، لا يعود لها من سلطة سوى العنف، وهذا العنف نفسه يصبح مرفوضاً لأنه غير عادل. ومن هنا يتولّد عنف مضاد، لا يقل طائفية، لكنّه مبرَّر من الداخل بوصفه “دفاعاً وجودياً”. ما تقدّمه السويداء إذاً ليس استثناءً، بل نموذجاً مصغّراً لما قد يصيب دول المشرق العربي التي لم تحلّ بعد معضلة الهُويَّة. لا تزال الدولة سجناً لمكوّناتها، لا بيتاً لها. والطائفة، رغم كلّ محاولات الشيطنة، تظلّ المعبر الوحيد المتبقّي للشعور بالكرامة والحماية. وهذا بحدّ ذاته كارثة. لكن لا يمكن لوم الناس على التشبّث بالقبيلة حين تخذلهم الدولة، فالدولة التي لم تنصفهم، ولم تحمِهم، ولم توفّر لهم مساواة في الحقوق، لا يمكن أن تطلب منهم الولاء الصامت. العدالة لا تولّدها الحدود، بل تنتجها الثقة، والثقة هنا منهارة.

تقول أحداث السويداء لنا شيئاً مرعباً: حتى الوطنية القُطرية لم تُبْنَ، بل فُرضت. وأن الطائفة ليست “العدو الطبيعي للدولة”، بل أحياناً هي ملاذها الأخير حين تنهار كلّ مقومات العقد المدني. لذا، لا ينفع اليوم التنديد بـ”الطائفية”، ولا اجترار خطاب الوحدة الوطنية، بل لا بد من مساءلة جذرية: من يمثل من؟ من يحمي من؟ وما الدولة التي نريدها أصلاً؟ أمامنا اليوم مفترق: إمّا أن نبني مفهوماً جديداً للدولة، قائماً على التعدّد والاعتراف المتبادل، أو نستمرّ في العيش داخل حدود صورية تنهار كلّما اندلعت شرارة. وما لم نواجه حقيقة أن شعوبنا لم تُشفَ بعد من انقسامها الأولي، لن ننتج إلا دولاً مهزومة أمام أهلها، وأهلاً خائفين من دولتهم. ما يحدُث في السويداء ليس نكسةً أمنيةً. إنه اختبار للهُويَّة، وللوطن، ولجدوى الحدود. والأرجح أنه اختبارٌ رسبنا فيه جميعاً.

العربي الجديد

——————————

الشرع وإنذار أخير في السويداء/ حسام أبو حامد

22 يوليو 2025

أشار الرئيس السوري أحمد الشرع في القمّة العربية الطارئة في القاهرة (فبراير/ شباط الماضي) إلى إسرائيل بـ”العدو” و”الاحتلال”، متمسّكاً باتفاقية فكّ الاشتباك لعام 1974، مطالباً بوقف العدوان الإسرائيلي على سورية. سرعان ما تبدّل الخطاب، وسقطت مفردات المواجهة، وبدأ النظام الجديد يسحب من القاموس السوري ما يشير إلى العداء، ويؤسّس مرحلةً جديدةً عنوانها “التفاهم”، مع “إسرائيل”.

لم يكن التحوّل اعتباطياً، إذ كانت هناك مساعٍ (مُعلَنة) لتسويةٍ ما، رُوّج أن هدفها رفع العقوبات وتحقيق إنعاش اقتصادي سريع، من دون أن تُعلَن أثمانها السياسية المحتملة. رافَقت ذلك حملة إعلامية شارك فيها فنّانون ومؤثّرون وصحافيون سوّقوا التطبيع نهايةً لـ”مسرحية الممانعة” التي أتقنها نظام الأسد، بعضهم تجاوز ما كانت “خطوطاً حمراء”، معلناً استعداده للتنازل عن الجولان (أو تقاسمها) في سبيل الخلاص. وبينما روّج الخطاب الرسمي “براغماتيةً سياسيةً”، بدا الشارع المنهك أكثر استعداداً لتطبيع مُنقِذ، وتحدّث سوريون في تقارير مصوّرة محلية (علناً) كاسرين “تابوهات” الأمس، التي بدت مباحةً في قوانين سلطة الشرع. لم يُبنَ هذا القبول الشعبي الظاهري على وعي سياسي، بل على تعبٍ جماعي، وغياب بدائلَ وطنيةٍ واضحة. لم يسأل السوريون عن نوع السلام الذي يُحضَّر، ولا عن ثمن تلك “المصالحة”. سقطت الأسئلة مع سقوط النظام القديم، وسادت فكرة “السلام بأيّ ثمن”.

اختار الشرع طريقاً “أقصر”، نحو الخارج، ولم يفهم أنه لا سلام خارجياً من دون سلام داخلي، في وقتٍ لا مؤسّسات قويةً تحمي الداخل، ولا جيشاً موحداً، ولا جهازاً أمنياً محلّ ثقة، ولا عقداً اجتماعياً جديداً. بدا ما يسعى إليه قفزة في فراغ، فكانت الإخفاقات أسرع منه، وفي السويداء اصطدمت الأوهام بالواقع. ما جرى هناك لم يكن اشتباكاً عابراً، بل هو انفجار متأخّر لكلّ ما تجاهله الشرع: التهميش، والاحتقان الطائفي، وغياب الأمن، وتضارب الولاءات… تحوّلت السويداء ساحة قتالٍ مفتوحةً بين الدروز وبعض العشائر. وفيما كان حكمت الهجري يُدان لاستقوائه بإسرائيل، كان التحشيد الطائفي يجرّد الدروز جميعهم من وطنيّتهم. وإسرائيل التي دخلت من الباب الخلفي، مدّعية حماية الدروز، قصفت أهدافاً عسكريةً سوريةً لا تمتّ في معظمها لخطوط التماس بصلة. لم تأتِ لحماية أحد، بل وجدت في الشرخ الطائفي فرصةً لتوسيع نفوذها. لم يتعلّم الشرع أن الطغيان يجلب الغزاة، ومثلما حمى الأسد نفسه بالخارج (روسيا وإيران)، استقوى سوريون بقوىً خارجية، بما فيها إسرائيل. ففي سنوات الثورة، عولج مسلّحون سوريون في مستشفيات إسرائيلية (في صفد خصوصاً)، وسلّحت إسرائيل مجموعات معارضة لمنع مليشيات تدعمها إيران، ومقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، من الوجود عند “حدودها”، وطالب معارضون بأن تجتاح إسرائيل القنيطرة ودرعا، وشكرها آخرون لقصفها قواعد صاروخية في مطار المزّة، بحجّة أنها كانت مجهزة لقتل أطفال حلب (نقول ذلك في سياق تفسيري لا تبريري). هلّل سوريون وشمِتوا بقصف إسرائيل أهدافاً في سورية، كما هلّلوا منذ وقت قصير بحرب إسرائيل على إيران. والمفارقة أن الشرع، إمّا سمح بعبور الطيران الإسرائيلي الأجواء السورية لقصف إيران، أو أنه تنازل عن السيادة السورية مرغماً، واستمرّ يحارب “العدو” المتوغّل في الأراضي السورية بالدبلوماسية، ويحاور الداخل المتوجّس من الاستئثار بالسلطة بالسلاح.

اصطدمت مغامرة “التسوية” مع الاحتلال بالابتزاز والضغط، ولم تُرفع العقوبات كاملةً (قانون قيصر)، ولم يتحقّق الاستقرار ولا التعافي. ما تحقّق انكشاف كامل سياسياً وأخلاقياً وسيادياً. كان من المفترض أن تكون المرحلة الانتقالية بداية إعادة بناء، لكن الشرع أدارها صفقةً تجارية. لم يقرأ هشاشة المجتمع، ولم يفهم عمق الاحتقان، ولم يدرك أن أيّ تسوية سياسية تحتاج، قبل أي شيء، إلى عقد داخلي جديد، يشعر فيه السوريون بالأمان والكرامة والانتماء، ويتّفقون فيه على البدائل الوطنية للمواجهة. بعد مجازر الساحل، فإنّ مجازر السويداء أيضاً كلفةٌ مباشرة للفشل، لكنّها ليست النهاية، هي جرس إنذار أخير، إن استمرّ الرئيس في المسار نفسه.

لا يمكن تطبيع ما هو غير طبيعي، والسلام معه من موقع الضعيف ابتزاز، ولأنّني فلسطيني سوري، أدرك من نكباتنا المتلاحقة أن إسرائيل ليست نصيراً لأحد، هي عدوٌّ لمن مدّ يده إليها ولمن رفع السلاح ضدّها. هي حليف مصالحها العنصرية التوسّعية فقط. الفارقُ أنه ليس للفلسطينيين دولة ينطلقون منها لنيل حقوقهم، أمّا السوريون فلديهم ما يمكن إنقاذه منها بنظام سياسي يكفل حقّ المواطنة للجميع.

العربي الجديد

——————————

اختبار السويداء/ معن البياري

22 يوليو 2025

لم تعد القضية تعيين المسؤوليّات أو توزيعها بشأن الذي جرى (ويجري) في محافظة السويداء في جنوب سورية، فكل الأطراف تتحمّل قسطَها من العنف وسوء إدارة الأزمة، فالشناعاتُ الباهظةُ في “الغزوات” والاعتداءات والاشتباكات عوينت عند الجميع، كلٌّ بمقداره. وليس في هذا الكلام استسهالٌ يذهبُ إلى أن “الحقّ على الطليان”، وليس فيه هروبٌ عن قول ما لا يصحّ التعمية عليه، أن الدولة هي المسؤولة الأولى عن أمان مواطنيها وأمنهم. … هي طبيعة الحروب، الصُّغرى والكبرى، يكثر فيها الملتبس والصحيحُ وغير الصحيح، والكذب والادّعاءُ والاتهامُ والاتهامُ المضاد. ولذلك، وحدَها هيئةٌ لتقصّي الحقائق، مهنيةٌ وعلى كفاءةٍ عاليةٍ وذات صلاحيات، الأقدر على تبيّن كل المسؤوليات عن ارتكابات القتل الأعمى في مدنيين عزّل، وفي إهانة بعضٍ منهم، وفي استباحات منازل ونهبها وحرقها. ولمّا كان السوريون قد ضجروا، ربما، من تشكيل اللجان والهيئات، ومن بيانات الوعود بالمحاسبة والقصاص، ومن التشديد على صوْن السلم الأهلي، فلم يلمسوا، بعدُ، أثراً ملحوظاً لهذا كله، وإنْ يُؤمَل أن يكون الخير في كل تأخير.

بانتظار جلاء تفاصيل كل ما عبَرت فيه السويداء من أيام سوداء، وبانتظار أن تؤكّد الدولة حضورها، على كل الأصعدة والمستويات، في المحافظة، وليس الأمن وحدَه، فإن حقيقةً شديدة الوضوح يحسُن أن لا يُتغافَل عنها، موجزُها أن الاستقطابات الحادّة التي عوينت في غضون هذه الأزمة الصعبة عمّقت الصدع الاجتماعي والشروخ السكّانية والنزوعات الطائفية في سورية. ولا يجوز إغماض العيون عن هذا كله، وسورية أحوجُ ما تكون، في لحظة عبورها الراهنة إلى بناء أفق العدالة والإنصاف والديمقراطية والمساءلة والمحاسبة، وإلى تحقيق التشاركيّة في صناعة القرار وفي التخطيط للمستقبل، أحوجُ ما تكون إلى أن تتعافى من أمراض الطائفية والمذهبية، والتي ساهم نظام الأسديْن في تعزيزها في المجتمع، إلى حدٍّ ملحوظ، من دون التسليم بمسؤوليته وحده عن هذا الحال، فقد ساعد الخطاب التكفيري والجهادي الفئوي على انشداد سوريين كثيرين إلى حواضنهم الطائفية، كما أن تظهير الذي جرى بعد خلع بشّار الأسد وهروبه في 8 ديسمبر (2024) انتصاراً للسوريين السنّة أخاف سوريين آخرين، وأيقظ وحوشاً نائمة، فكانت الجرائم التي شهدتها، في مارس/ آذار الماضي، مدنٌ وبلداتٌ في الساحل السوري، قضى فيها نحو 500 من قوى الأمن العام والجيش، ونحو 1500 مدني أعزل ينتسبون إلى الطائفة العلوية. … وهذه السويداء تتكرّر فيها المأساة، بلبوس اقتتالٍ أهليٍّ بعد توتّرٍ وتأزّمٍ لا ينفكّان يتجدّدان، بفعل موتورين ومهزوزين، وبفعل فئةٍ من الطائفة الدرزية الكريمة يلتحق زعيمٌ فيها بإسرائيل علنا، ويدلّس على الجميع. لا حاجة إلى الفرز بين رجل أمنٍ وسنّي ودرزي، بين مديني وبدوي، بين مدني وعسكري، ممن سقطوا في أثناء الاحتراب العابر، وبفعل أزمةٍ سياسيةٍ عامةٍ في البلاد، من قبلُ وبعد، شوهدت تمثيلاتٌ لها في نوبات التوتّر المتتابعة، بعد وقائع الساحل وقبلها، وتتّصل بها حوادث السويداء والحالة الشاذّة في الشرق السوري، الذي تسيطر على مساحاتٍ واسعةٍ منه قوات سوريا الديمقراطية.

إنها البديهيّة التي ليس بعدها قول، إن وقائع السويداء، بالجروح الاجتماعية الدامية العميقة التي تجدّدت فيها، اختبارٌ سوريٌّ شديد الحساسية والأهمية، لا خيار فيه إلا أن تنجح السلطة الحاكمة، بمشاركة العقلاء والحكماء من عموم السوريين ونخبهم، فتذهب إلى مؤتمر وطني جامع، يلتقط الجوهريَّ في هذه الوقائع، ولا يقفز عن مواريث الماضي، وينبني عليه تسريعٌ في الذهاب إلى حاجة سورية الملحّة، حيوية مجتمعية وسياسية وحزبية وأهلية مدنية، ليتداول الجميع في شأن البلاد وخلاصها من معيقات نهوضها وقيامتها. وليُرى برلمانٌ، مثلاً، يشرّع قوانين انتخاباتٍ وأحزاب، لتتدشّن مرحلةٌ جديدة، تُعاد فيها الحسابات والرهانات، وتُغادر فيها السلطة منظورَها إلى نفسها، أنها الأقدر من غيرها على إقامة الحق والعدل.

سورية بعد اختبار السويداء إلى التعافي والتشافي، إلى انطلاقةٍ أخرى، أو الانتحار لا سمح الله.

العربي الجديد

—————————-

قراءة إسرائيلية في أحداث السويداء/ بسام مقداد

الثلاثاء 2025/07/22

كثيرة مواقع الإعلام الإسرائيلي المرئي والمسموع التي تحرص على إيصال ما تنشر وتعرض إلى “الشارع الروسي” في إسرائيل. البعض من كبريات الصحف الإسرائيلية، مثل يديعوت أحرونوت وهآرتس، يمتلك أو يشارك في إصدار مواقع ناطقة بالروسية تترجم إلى هذه اللغة أهم نصوصه. كما توجد مواقع مستقلة تنقل إلى الروسية أهم ما تراه مهماً مما ينشره الإعلام الإسرائيلي والعالمي. والقراءة الإسرائيلية المقصودة هنا، تقتصر على متابعة ما نشرته المواقع الإسرائيلية الناطقة بالروسية، وليس كل ما نشره الإعلام الإسرائيلي بشان أحداث السويداء.

دور إسرائيل المفصلي في  أحداث السويداء جعل المواقع المذكورة تمنح مكاناً بارزاً على صفحاتها منذ اليوم الأول للإختبار الجديد الذي يتعرض له حكم الشرع في مقاربته للعلاقة مع الأقليات. ومن الطبيعي أن تتلاءم تغطية هذه الأحداث مع النهج السياسي للموقع المعني، موالٍ لحكومة نتنياهو أم معارض لها. فالمواقع الموالية تصر على إسم “أبو محمد الجولاني” وتقديمه للقارئ بوصفه رئيس تنظيم إرهابي قفز إلى السلطة، ولا يزال يشكل تهديداً محتملاً لأمن إسرائيل. أما الإعلام والكتاب المعارضون، فعلى العكس. سقط من قاموسهم الآن “أبو محمد الجولاني”، ويطالبون الحكومة بعدم تفويت الفرصة والتقارب مع النظام الجديد، الذي عول عليه ترامب لانتشال سوريا من الهوة التي ألقاها بها النظام البائد.

الموقع الإسرائيلي الواحد، وبغض النظر عن تصنيفه موالياً أو معارضاً، قد ينشر رأيين متعارضين كلياً، ومن دون أن يذيل النص بتعبير “رأي الكاتب قد لا يتطابق مع رأي هيئة التحرير”.

موقع Zahav الإسرائيلي المستقل الذي ينقل إلى الروسية نصوص الإعلام الإسرائيلي والعالمي، نقل عن موقع walla الإسرائيلي الموالي لحكومة نتنياهو أكثر من نص تتضمن آراء متضاربة بشأن أحداث السويداء وموقف إسرائيل منها. النصان الأبرز كانا لكاتبين أمنيين إسرائيليين سابقين، ويحملان رأيين متناقضين كلياً بشأن موقف إسرائيل المفترض بها أن تتخذه من أحداث السويداء ومن النظام السوري.

في 20 الجاري نشر موقع walla نصاً للرئيس السابق للمخابرات العسكرية الإسرائيلية “أمان” الجنرال آموس يادلين. عنون الكاتب نصه بما وصفه “الرد الإسرائيلي الذكي على الأزمة في سوريا”، وأرفقه بآخر ثانوي ” لقد حان الوقت لوضع الشروط أمام دمشق وتعزيز الردع وتشكيل جبهة دولية قادرة على منع انهيار سوريا”.

استهل الكاتب نصه بالإشارة إلى القصف الإسرائيلي لوحدات الجيش السوري المنسحبة من السويداء، ومن ثم لوزارة الدفاع السورية ومحيط القصر الجمهوري، وأثنى على هذه الخطوة ووصفها بالصحيحة والضرورية، “وإن كانت متأخرة”. واعتبر أن القرار بالقصف يرتبط بما يسميه “العلاقات التاريخية- تحالف الدم والمصير المشترك” بين إسرائيل والطائفة الدرزية المتواصلة منذ 77 عاماً، والتي تجددت بعد 7 أوكتوبر. ورأى أن إسرائيل ملزمة بالدفاع عن الدروز، حتى خارج الحدود، عندما يتعرضون للعنف الوحشي، وخصوصاً إذا أظهر النظام السوري الجديد العجز، إن لم يكن التواطؤ في الجريمة. لكن واجب الدفاع عن الدروز لا يلغي، برأيه، ضرورة تعزيز المصالح الاستراتيجية الإسرائيلية طويلة الأمد في سوريا. بل على العكس، فمن الضروري بناء مسار شامل -عسكري وسياسي- يضمن أمن الدروز، ويعزز الحدود الشمالية لإسرائيل، ويخلق إمكانية الحوار العملي مع دمشق، وربما حتى التوصل إلى اتفاقيات في مجال الأمن والسياسة.

وبعد أن يتساءل عن براغماتية الشرع أو جهاديته المتخفية، يشير إلى شرعيته المتصاعدة في المجتمع الدولي ورفع العقوبات عن نظامه. كما يشير إلى المفاوضات المباشرة بين ممثلي إسرائيل وسوريا في باكو، والتي تهدف إلى التوصل إلى اتفاقيات بشأن الأمن، ونبذ العمل العسكري، وربما التطبيع بروحية اتفاقيات إبراهيم.

يفترض الكاتب أن لإسرائيل ست مصالح رئيسية في سوريا:

1. منع التهديد المباشر لأمن سكان مرتفعات الجولان؛ 2. إحباط محاولة تسلل إيرانية مجددًا؛ 3. الالتزام الأخلاقي تجاه الطائفة الدرزية؛ 4. الحفاظ على قنوات الحوار مع النظام، بهدف توضيح الاتفاقيات الممكنة في المجالين الأمني والسياسي؛ 5. احتواء نفوذ تركيا: وجود القوات التركية في جنوب سوريا لا يخدم مصالح إسرائيل؛ 6. الحفاظ على مكانة إسرائيل الدولية. فمن غير المقبول تفسير الضربات على سوريا على أنها عدوان غير متناسب من جانب إسرائيل أو رغبة في التوسع الإقليمي.

كما يفترض أن لدى إسرائيل أربعة مطالب من سوريا:

1. الالتزام برصد وحماية حقوق الأقليات؛ 2. منع انتقال قوات النظام والجهاديين إلى الجنوب؛ 3. الالتزام بوقف إطلاق النار بين الدروز وجميع الأطياف السنية؛ 4. معاقبة القوى التي ارتكبت المذبحة.

موقع Detaly الإسرائيلي الناطق بالروسية نقل في 18 الجاري عن صحيفة هآرتس نصاً للمعلق في الصحيفة تسفي باريل، بعنوان “تحولت السويداء إلى فخ استراتيحي لكل من نظام الشرع ونتنياهو”.

في مطلع نصه يستعرض الكاتب تفاصيل الأيام الأولى من أحداث السويداء، ويصف الشيخ حكمت الهجري بزعيم الدروز السوريين صاحب الكاريزما الذي رفض الاعتراف باتفاقية البنود الأربعة عشر، ولا ينوي التفاوض مع “نظام الشغب وعصاباته”.

يتوقف الكاتب عند الاتفاقية المذكورة ويصفها بالطموحة وخريطة طريق لتسوية العلاقة بين الطائفة الدرزية والدولة السورية. ويرى أن بعض بنودها يتعارض مع سعي الشرع لتثبيت سيادة الدولة على كافة مكونات الشعب السوري، ويتوقف عند البند الذي ينص على تسلم دروز السويداء للحواجز التي تتحكم بمنافذ المحافظة. ويرى أن هذا يعني الاعتراف الفعلي من قبل النظام بحق الدروز، ولو المؤقت، بالإشراف على الأمن، وتخلي النظام عن الاندماج الكلي للمحافظة في الدولة المركزية. ويتوقف عند البنود المتعلقة بالسلاح في السويداء، ويقول بأنها صيغت بتعابير غامضة، تجعل من الصعب تحديد مصير سلاح الدروز وعلاقة الدولة به. ويرى أن لهذا الموضوع أهمية، ليس بالنسبة لمسألة نظام الأمن في السويداء والمنطقة فقط، بل ولمسألة معنى سيادة الدولة السورية. وقد يؤدي هذا إلى تقويض النموذج الذي يسعى الشرع إلى فرضه على الأقليات الأخرى، بما في ذلك الأكراد، بل وحتى التشكيك في الاتفاق الذي تم التوصل إليه مع قائد قوات سوريا الديمقراطية، الجناح العسكري للإدارة الذاتية الكردية.

يشير الكاتب إلى أن المسؤولين الأميركيين يتخوفون من أن يطالبهم الأكراد، وعلى غرار الدروز، بالاحتفاظ بسلاحهم، مما يرفع من صعوبة تنفيذ الخطة الأميركية لإنهاء الصراع السوري وتسليم السلطة إلى المركز في دمشق.

يسترسل الكاتب في الحديث عن تاثير الأحداث في السويداء على لبنان، الذي يعاني من المشكلة عينها: حصر السلاح بيد الدولة، وانتزاع قرار السلم والحرب من يد حزب الله. ويدخل في تفاصيل العلاقات الدرزية الدرزية في لبنان، ويتوقف عند دعوة وئام وهاب، السياسي الذي يبدل آراءه كما ملابسه، دروز لبنان وسوريا وإسرائيل إلى تشكيل “مقاومة مستقلة” ضد النظام السوري.

ويرى الكاتب أن مشاركة إسرائيل في أحداث السويداء، تجعل منها اللاعب المركزي في السياسة الدرزية في سوريا ولبنان. لكنه يذكّر القيادة الإسرائيلية من أن قسماً من دروز سوريا يعتبر مشاركة إسرائيل في أحداث السويداء تدخلاً في الشؤون الداخلية للطائفة وللدولة السورية. ويحذرها من الوقوع في فخ السياسة الطائفية التي قد تلحق الضرر بمصالح إسرائيل الخاصة.

——————–

دولة القانون والمؤسّسات ضمان للسوريين/ عبد الباسط سيدا

22 يوليو 2025

الدولة السورية حديثة نسبياً (أُسّست في عام 1920)، بدأت بالمَلكية التي لم تعمرّ سوى أشهر معدودات تفصل بين إعلان الأمير فيصل ملكاً على سورية في 8 مارس/ آذار 1920، ودخول الجنرال غورو في رأس القوات الفرنسية إلى دمشق في 28 يوليو/ تموز 1920. وقسّم الاستعمار الفرنسي البلاد بين أربع دويلات: دولة دمشق ودولة حلب ودولة العلويين ودولة الدروز. وهي الدويلات التي توحّدت لاحقاً نتيجة الرفض الشعبي العارم للتقسيم، وبفعل وجود رجال كبار أكفّاء طالبوا بالوحدة والاستقلال، وحصلوا بفعل صبرهم وحنكتهم عليهما معاً.

ومنذ الأيام الأولى للاستقلال، فُعّلت مؤسّسات الدولة الناشئة، وهي في غالبيتها كانت قد تشكّلت في عهد الاستعمار الفرنسي، ولكنّها في عهد الاستقلال اتخذت طابعاً وطنياً، وكان في أولوية أهدافها المحافظة على أمن الشعب والوطن، وضبط العلاقات بين المواطنين أنفسهم من جهة، وبينهم وبين الدولة على أساس القانون والالتزام بالحقوق والواجبات، من جهة ثانية. ولم تشهد سورية في سنوات الاستقلال الأولى أيّ صراع أو خلافٍ بين المكوّنات المجتمعية السورية، بصرف النظر عن الانتماءات الدينية والمذهبية والقومية، وحتى المناطقية. وسبب ذلك بسيط، يتمثّل في عدم هيمنة أيديولوجيات شمولية تعبوية تجييشية، كالأيديولوجية القوموية أو الإسلاموية في ذلك الحين، وإنما كان التوجّه الوطني الجامع مفتاح التواصل بين الجميع.

ولكن هذا الوضع لم يستمرّ طويلاً (بكلّ أسف!)، إذ سرعان ما بدأت الصراعات الداخلية على السلطة بين ضبّاط الجيش، وليس سرّاً أن تلك الصراعات كانت تستمدّ الزاد من القوى الإقليمية والدولية التي كانت تتنافس في ما بينها، وتتصارع من أجل الحصول على نفوذ في سورية، أو إلحاق هذه الأخيرة بدائرة نفوذها. بدأت مرحلة الانقلابات في سورية بانقلاب حسني الزعيم عام 1949، وتتالت لاحقاً. ورغم عودة الحكم المدني فترات قصيرة، إلا أن الجيش ظلّ المسيطر على الدولة والسلطة في سورية، وتعزّزت هذه السيطرة بصورة شبه كاملة بعد انقلاب حافظ الأسد عام 1970.

واللافت بالنسبة إلى مرحلة الانقلابات أن السلطات العسكرية، باستثناء سلطة حافظ الأسد، أبقت على مؤسّسات الدولة التي ظلّت قائمةً تمارس عملها بحيادية نسبية مقبولة إلى حدٍّ ما، رغم تبدّل الجماعات التي كانت تتولّى السلطة بعد كلّ انقلاب. أمّا حافظ الأسد، فقد اعتمد أسلوب التمكّن مع مختلف الشرائح السورية، وزار غالبية المحافظات، وعين أعضاء مجلس الشعب بعد أشهر من انقلابه، ثم أجرى الانتخابات المحلية، ومن بعدها البرلمانية، ولكن بمراقبة وضبط كاملين من الأجهزة الأمنية. شكّل الجبهة الوطنية التقدّمية بقيادة حزب البعث، وكان الهدف منها تدجين الأحزاب مقابل فُتات بخس. بنى العلاقات مع رجال الدين من مختلف المذاهب والطوائف، ولا سيّما مع مشايخ الدين السُّنّة في دمشق وحلب، بالإضافة إلى التجّار في هاتين المدينتين. وبعدما استتبت له الأمور، خصوصاً بعد الحرب الدموية التي أعلنها على جماعة الإخوان المسلمين في بداية ثمانينيّات القرن المنصرم، انتقل إلى الخطوة التالية، التي تجسّدت في التحكّم بجميع السلطات (التشريعية والتنفيذية والقضائية)، والهيئات والمؤسّسات المدنية، والأجهزة الأمنية والعسكرية، وحوّل النقابات إلى مجرّد واجهات شكلية تسبّح بحمد القائد وعطاءاته.

واستمرّ الخط نفسه في عهد ابنه بشّار، الذي دمّر ما كان قد تبقّى من مؤسّسات الدولة، وأدار الدولة بالتعاون مع بطانته الفاسدة المُفسِدة بعقلية زعماء العصابات. وهكذا هيمن الاستبداد والفساد في كلّ المجالات، وأصبحت سورية في واقع الحال مزرعةً خاصّةً بآل الأسد، وعُومل المواطنون بوصفهم رعايا، بل أقناناً عليهم تأدية الواجبات، والالتزام بالأوامر من دون أيّ مقابل على صعيد الحقوق. ولم يكتفِ بشّار الأسد بذلك، بل فتح أبواب سورية أمام الأجهزة الإيرانية وأذرعها، ومكّنها من التحكّم في مفاصل الدولة والمجتمع.

ومع انتصار الثورة السورية، كان التحدّي الأبرز (وما زال) أمام الإدارة السورية الجديدة كيفية تفعيل مؤسّسات الدولة عبر إعادة بنائها، ومدّها بالكفاءات المهنية، ودعمها بمختلف الأشكال، ومساعدتها لتستعيد الهيبة والمصداقية في أوساط سائر السوريين. وما كان (وما زال) يضفي صعوبةً استثنائيةً غير عادية على هذا التحدّي هو صراع قوى إقليمية ودولية على سورية، إلى جانب وجود قوىً مناوئة للوضع الجديد، قوىً كانت مستفيدةً من سلطة آل الأسد على مدى عقود. مؤسّسات الدولة السورية اليوم في حاجة ماسّة إلى الترميم وإعادة البناء، وهذا الأمر لن يتحقّق بالاعتماد على مجموعة بعينها، لأن الدولة غير السلطة أو الحكومة. الدولة جهاز إداري بيروقراطي تقني، يتكوّن من مؤسّسات وهيئات وإدارات لا بدّ أن تكون مستقرّة ومستمرّة بغض النظر عن المتغيّرات التي تشهدها السلطة في أثناء المراحل الانتقالية. ونظراً إلى الوظائف الحيوية اليومية التي تؤدّيها الدولة، خصوصاً من جهة الحفاظ على وحدة وأمن المجتمع والوطن، لا بدّ أن تكون عمليات تجديدها وتفعيلها، وضمان حياديتها الإيجابية تجاه سائر المكوّنات المجتمعية، والتوجّهات السياسية والجهات المناطقية والشرائح المجتمعية… حصيلة حوارات وطنية حقيقية فاعلة بين النُّخب السورية الوطنية من سائر المكوّنات والتوجّهات، حوارات تتوّج بعقد اجتماعي يكون أساساً لدستور وطني جامع تجري بموجبه الانتخابات التشريعية التي تضفي المشروعية على مؤسّسات الدولة وحكومتها وأجهزتها. وهذا فحواه أن الدولة تُعَدّ الصيغة الأكثر تقدّماً لتنظيم المجتمعات وحماية حقوق المواطنين جميعاً، بغضّ النظر عن انتماءاتهم وتوجّهاتهم، وهي بذلك تتناقض بالمطلق مع بدعة “الهبّات” المليشياوية التي تدمّر الدول، أو “الفزعات” العشائرية، التي من السهولة بمكان أن تُستغلّ وتخرج عن السيطرة. لا بد أن تكون مؤسّسات الدولة مفتوحةً أمام الجميع، وفق لوائح مهنية تشدّد على شروط الكفاءة، والنزاهة، والإخلاص للواجب المهني، والتعامل مع الجميع بموجب القوانين.

أثبتت الأحداث المؤلمة التي شهدتها مناطق سورية عديدة خلال الفترة المنصرمة (خصوصاً منطقة الساحل ومحافظة السويداء)، وجود ثغرات كبيرة في مؤسّسات الدولة السورية، وهناك ارتجالية واضحة في عملية اتخاذ القرارات على صعيد التعامل مع القضايا الداخلية. هذا إلى جانب عدم ظهور نتائج ملموسة في أرض الواقع لمختلف التصريحات والوعود الإيجابية الواعدة التي تصدر من الرئاسة، الأمر الذي يفسّر أحياناً بوجود تبايناتٍ ضمن المجموعة الحاكمة نفسها، أو عدم قدرتها على تنفيذ تلك الوعود، وسيؤدّي مثل هذا الأمر في حال استمراريته إلى تآكل المصداقية، وإتاحة المجال أمام القوى المتضرّرة من سقوط سلطة آل الأسد.

المجتمع السوري متنوّع بطبيعته على صعيد الانتماءات ما قبل الوطنية. ولتعزيز الانتماء الوطني العام الجامع لا بدّ من احترام الخصوصيات والحقوق على مستوى الجماعات، وإفساح المجال أمام كلّ المواطنين، من دون أيّ تمييز، ليتمكّنوا من المساهمة في عملية النهوض بالمجتمع والوطن وفق قواعد واضحة عادلة تقطع الطريق أمام الاستئثار والفساد. ومن الضروري أن يُشار إلى ضرورة تجريم الخطاب الطائفي المقيت والعنصري البغيض، والتشديد، في المقابل، على الخطاب الوطني الجامع الذي يحترم سائر المكوّنات المجتمعية السورية، ويركّز في القواسم والقيم الوطنية المشتركة بين جميع السوريين وهي لا تُحصى. فالمرحلة التي تمرّ بها سورية حرجة ومعقّدة للغاية بكل المقاييس، وهي تستلزم تعاملاً حكيماً (وبعيد النظر) مع سائر القضايا المجتمعية، حتى تكون سورية بالفعل، لا بالأقوال والشعارات، بكلّ (ولكلّ) أبنائها.

بقي أن نقول: إن العمل من أجل تخفيف الضغوط المعيشية التي يعاني منها معظم السوريين، إلى جانب إفساح المجال أمام حرّية التعبير والنقد وفق أسس موضوعية بنّاءة لا تتجاوز الأطر القانونية، ولا تساهم في تسويق الخطاب الطائفي العنصري، ينبغي أن يكونا من الأولويات، فالمواطن الذي لا يعاني من ظروف بالغة الصعوبة في الميدان المعيشي، ويشعر بكرامته وقدرته على التعبير عن رأيه بحرية، هو المواطن الذي سيكون في مقدوره المساهمة الفاعلة في بناء سورية والاعتزاز بالانتماء إليها.

——————-

ملاحظات/ خالد وليد سرحان

🔷 تعقيباً على الخطاب الثاني للرئيس الانتقالي المؤقت في سوريا أحمد الشرع واتفاق المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا توماس براك مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على وقف إطلاق النار في محافظة السويداء:

🟥 أولاً: الخطاب الثاني للرئيس الانتقالي المؤقت في سوريا أحمد الشرع بعد الأحداث الوحشية الدامية في محافظة السويداء يجسد قمة التذاكي الساذج والتعالي والعنجهية وصب الزيت على النار واستفزاز الشعب السوري بدلاً من احتوائه؛

إذ لم يكترث أو يبالي بالإعتراف بكل صلافة ووقاحة بأن حكومته في دمشق تلقت العديد من الدعوات للتدخل الخارجي في تصريح أعاد إلى ذاكرتي تصريح عبثي لوزير خارجية نظام الأسد المخلوع وليد المعلم في مؤتمر صحافي بدمشق في 26 آب / أغسطس 2014 عندما قال: “من يريد العدوان على سوريا لا يوجد لديه مبرر إلا بالتنسيق معنا”

🟥 ثانياً: الرئيس أحمد الشرع اتهم من وصفهم بأصحاب المصالح الضيقة والطموحات الانفصالية من بعض الشخصيات في السويداء بالاستقواء بالخارج وقيادة مجموعات مسلحة مارست القتل والتنكيل، بل وأكثر من ذلك تحدثه عن تقديمه الخدمات الأساسية السويداء كأنها مكرمة أو هبة أو تفضل منه ومن سلطته على المحافظة،

وهو من حيث يدري أو لا يدري كانت حملته العسكرية العبثية في السويداء نتيجة سوء فهم وقراءة خاطئة منه لضوء أخضر أمريكي – إسرائيلي في أذربيجان بدخول المحافظة أسفرت عن جرائم حرب وانتهاكات صارخة لحقوق الإنسان لستة أيام على التوالي،

وبالتالي كان بشكل مباشر المنفذ لإملاءات المبعوث الأمريكي الخاص لسوريا توماس براك ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو؛ وليس من قام بمهاجمتهم في السويداء ممن كانوا في وضعية الدفاع عن النفس أمام جحافل من الفصائل والميليشيات التي استباحت مدن وقرى المحافظة وارتكبت فيها أفظع الجرائم.

🟥 ثالثاً: الرئيس أحمد الشرع بدلاً من أن يكون خطابه لرأب الصدع أو إصلاح ما تم هدمه بين سلطته في دمشق وبين السويداء زاد الطين بلة باتهامه كذباً لأهلها بالانفصالية؛

دون أن يدري أنه ما من صغير أو كبير في السويداء سواء من يقف خلف الرئيس الروحي للمسلمين الموحدين الدورز في سوريا الشيخ حكمت الهجري أو مع شيوخ العقل الآخرين يوسف الجربوع وحمود الحناوي أو الموالين لفصائل السويداء المختلفة الأخرى مثل سليمان عبد الباقي أو ليث البلعوس أو الممثلين عن المجتمع المدني في المحافظة نادى أو طالب يوماً من الأيام بالتقسيم أو الانفصال لا في ذروة تظاهراتهم مجتمعين ضد نظام الأسد المخلوع في ساحة الكرامة ولا بعد سقوط بشار الأسد وتولي الإدارة السورية سدة الحكم كسلطة أمر واقع في دمشق نصبت أحمد الشرع رئيساً للجمهورية دون أن يقبل به أو ينتخبه بعضهم أو يرضون بسلطته عليهم رغم استقبالهم موفده مصطفى البكور والتعاون معه.

🟥 رابعاً: الرئيس أحمد الشرع توجه بالشكر والثناء للعشائر العربية التي استباحت السويداء وأشاد بما وصفه تاريخها المشرف بالوقوف إلى جانب الدولة السورية،

وهو من حيث لا يدري أثنى وأشاد بوقوف البعض من هذه العشائر إلى جانب تنظيم داعش الإرهابي والحرس الثوري الإيراني والميليشيات الطائفية العراقية واللبنانية ونظام الأسد المخلوع في قتل وتهجير الشعب السوري خلال الثورة السورية،

بل كان بعضها رأس حربة في تجارة المخدرات والكبتاغون وما فرحان المرسومي الذي استقبل في مضافته جمال الشرع شقيقه ووزير (طبق الكرامة) وزير الثقافة محمد ياسين صالح إلا غيض من فيض.

ولا يعلم أحمد الشرع أن هذه العشائر هي أول من ستحتفل بسقوطه وهزيمته فيما لو تغيرت الظروف الدولية تجاهه كما تغيرت من قبل تجاه بشار الأسد،

وأنها بطبيعة الحال ستفعل ما يحلو لها وما تمليه عليه مصلحة العشيرة لا مصلحة الدولة وأن فزعاتها ولبت لبت هاهاها وسكب القهوة على الأرض والامتناع عن شربها حتى دخول السويداء والسيطرة عليها كاملة لن يثنيها من أن تفعل ما تشاء دون أن تقيم أي وزن أو احترام له كرئيس للجمهورية،

بل ربما إن شاءت نفذت انقلابا عسكرياً عليه إن لزم الأمر خاصة أنه زج بهم كرأس حربة للقتال ضد أهالي السويداء؛ وقام بالتضحية بأبنائهم كوقود بذريعة محاربة الشيخ حكمت الهجري (الصهيوني العميل الإسرائيلي) ثم جلس واتفق مع الإسرائيليين بمباركة الأمريكان دون التشاور معهم وقفز من فوق دمائهم التي حاول ذر الرماد في العيون بالترحم عليها ليس إلا.

🟥 خامساً: الرئيس أحمد الشرع قال أنه لا يجوز أن يتم محاكمة كافة المواطنين السوريين من المسلمين الموحدين الدروز الذين وصفهم بـ (الطائفة الدرزية) بسبب تصرفات من وصفهم بالفئة القليلة التي انزلقت في مواقف لا تمثل تاريخ هذه الطائفة العريق حسب وصفه، مشيراً إلى التزامه بحماية من وصفهم بالأقليات.

والحقيقة أن حملته العسكرية والتجييش الطائفي العنصري والتحريض الإعلامي من أبواق سلطته كموسى العمر وجميل الحسن وهادي العبد الله وقتيبة ياسين ومحمد كاظم الهنداوي وغسان ياسين وآخرين في غروبات التيلغرام وغرف الواتس أب والتحشيد العشائري والقبلي لم يميز بين سوري موحد درزي جيد وسوري موحد درزي سيء وكان التحريض الممنهج لا حدود ولا ضوابط له.

لدرجة أن أحد نشطاء الثورة السورية المشهود بنزاهتم ومصداقيتهم خلال السنوات الماضية أمثال تامر التركماني إنزلق من حيث يدري أو لا يدري بالتحريض على من رفع شعار الدم السوري على السوري حرام والذي انتهى بقيام مجموعة من الغوغاء والشبيحة الجدد الموالين للإدارة السورية الجديدة بالاعتداء على نشطاء مدنيين سلميين من أمام مبنى مجلس الشعب السوري على دمشق؛

وضرب عضو لجنة المفقودين في سوريا والمناضلة والصحافية والمعتقلة السابقة في سجون نظام الأسد المخلوع زينة شهلا وشتمها بألفاظ نابية قذرة دون الاعتذار لها وللمتظاهرين معها أو رد الاعتبار لكراماتهم وحقهم المشروع في حرية التعبير والتظاهر؛

أو تقديم المدعو قاسم عبد الرزاق المصلح المنادي الملقب بـ “أبو زيد القرعاني” وهو من قرية الطيانة بريف دير الزور والغوغاء الموتورين الذين كانوا بصحبته إلى القضاء ومحاسبتهم ومسائلتهم القانونية.

🟥 سادساً: إصرار الرئيس أحمد الشرع على التعريف بالمواطنين السوريين من غير المسلمين العرب السنة كـ “أقليات” لم ولن يؤدي إلى بناء جسور الثقة بين الشعب السوري وسيؤدي إلى تعزيز التفتت والشرخ السياسي والإجتماعي ويضرب السلم الأهلي عرض الحائط وبالصميم؛

كما ضربه عضو اللجنة العليا للسلم الأهلي الشيخ أنس عيروط حينما قام بالتمجيد والتهليل والمباركة لما فعلته العشائر بالسويداء بدلاً من أن يدعو لحقن الدماء ورأب الصدع بينهم وبين أهل السويداء بحكم موقعه الذي لا يليق به بشهادة من تعرض للمجازر الوحشية من المدنيين الأبرياء في الساحل السوري. 

🟥 سابعاً: الرئيس أحمد الشرع توعد بمحاسبة المنتهكين من أي طرف دون افلات أحد من المحاسبة وأنه يتبرأ من جميع الجرائم والتجاوزات التي حدثت داخل وخارج السويداء.

والحقيقة أن هذه الوعود مجرد كذب وتدليس لا يمت للواقع بصلة فذات العناصر التي ارتكبت الجرائم الوحشية في الساحل السوري ولم يتم محاسبتها ولا وضعها في السجون وعلى رأسها المدعو أبو الميش السراوي الذي كان شامت وسعيد بإحراق جبلة وسرقة البرتقال من قراها وأتى مع من أحرق وقتل وسرق في السويداء وريفها،

وارتكب عناصر تابعين لوزارة الدفاع والجيش السوري الجديد وجهاز الأمن الداخلي قبل انسحابهم بالتعاون قوات العشائر أبشع الجرائم الوحشية التي تعيد للأذهان مجزرة التضامن التي ارتكبها المجرم أمجد يوسف والمجرم فادي صقر (الذي أصبح عراب السلم الأهلي الجديد واعتبره حسن صوفان شريك التحرير من الأسد)؛

حينما أقدموا على تنفيذ إعدام ميداني بحق كلاً من الشهيد المهندس براء بشار عرنوس وأخوه الشهيد الدكتور معاذ بشار عرنوس والشهيد الدكتور أسامة معضاد عرنوس وقاموا بقذفهم بدم بارد من فوق شرفة منزلهم الثاني في منطقة الشرطة العسكرية في السويداء،

ناهيك عن عشرات الجثث المرمية في الشوارع والطرقات والمحال التجارية والمنازل التي تم سلبها وحرقها وتعفيشها وبعضها تم توثيقه بالصوت والصورة خلال البث المباشر لتلفزيون سوريا المقرب من الإدارة السورية الجديدة.

🔷 يبدو أن الرئيس الانتقالي المؤقت في سوريا أحمد الشرع وحكومته في دمشق  لا يرغبون في الاحتكام إلى العقل رغم دعوتهم لذلك؛ ولا وضع النقاط على الحروف وخارطة طريق حقيقية لإنقاذ سوريا أو إطلاق مؤتمر حوار وطني سوري – سوري بقيادة سورية كما طلب ذلك مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى سوريا غير بيدرسون والخراب والدم لن يجلب الا الخراب والدم،

الجميع يزعم أنه انتصر في أحداث السويداء والجميع تعرض لخسارة فادحة وهزيمة نكراء؛ والتاريخ سيكتب أسماء الكثير من السوريين بماء الذهب كصناع للسلام ورموزاً للإنسانية والمواطنة وحقوق الإنسان والسلم الأهلي وسُيدخل إلى مزبلته الكثير الكثير من السوريين من أوسع الأبواب ولا استثني أحداً ولا أمنح صك البراءة لأحد؛ بعد العبث والعمى والجنون الذي لم يتوقف لـ 15 سنة متواصلة وربما أكثر.

العاقل من يناضل حتى الرمق الأخير من أجل تغليب المصلحة الوطنية السورية العليا على كافة المصالح الفرعية الصغيرة السفلى والدفاع عن هوية وطنية سورية جامعة،

ومرة ثانية وثالثة وعاشرة سأظل من دعاة جلوس السوريون على طاولة الحوار وتقبيل جبين أمهات الشهداء والثكالى والأرامل واليتامى وجبر قلوبهم المنكسرة ووضع الملح فوق الجرح وإطلاق مصالحة وطنية كبرى دون التفريط بالقصاص من القتلة والمجرمين بمسار عدالة انتقالية حقيقي؛ ولن أكون يوماً من دعاة الاقتتال والسلاح والدم والانتقام والثأر.

19 – 07 – 2025

———————————

ماذا تريد إسرائيل من سوريا؟/ جمال محمد تقي

22 تموز 2025

تغير النظام في سوريا، ومعه تغيرت الأولويات والاهتمامات السورية، فالنظام الجديد ذاهب لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من حطام الدولة المنهارة، وبالتالي إنقاذ نفسه من الفشل، البنى التحتية بمجملها خربة، والاقتصاد شبه مشلول، والوضع الأمني والإداري تتقاذفه انقسامات الأمر الواقع، ونصف الشعب ما بين مهجر ومهاجر، والباقي محروم من مستلزمات النمو الطبيعي، نظام لا تراكم لديه غير المعضلات، لقد جاء قبل الصفر بقليل، وما زاد الطين بلة، هو التخريب الإسرائيلي الممنهج لمساعي النظام الجديد، لإعادة بناء المقدرات السورية وخاصة في مجال الأمن والدفاع وإعادة تأهيل الكيان السوري داخليا وخارجيا، على الرغم من إعلان سعيه لبناء علاقات حسن جوار وسلام مع كل جيرانه، بما فيهم إسرائيل، خاصة وأن عملية التطبيع السياسي والميداني مع الأمريكان والأوروبيين قد أثمرت عن نتائج ملموسة، كان أهمها الرفع التدريجي للعقوبات القاسية المفروضة على سوريا.

تصرفات إسرائيل تشي بسقوف عالية تتجاوز قضية انتزاع الجولان نهائيا ضمن سياق تطبيعي مناسب مع سوريا، وقضية عدم ثقة إسرائيل بنظام أحمد الشرع التي أثارها وزير الدفاع الإسرائيلي كاتس أثناء زيارته للبنتاغون مؤخرا، تؤكد أن إسرائيل ازاء وجبة دسمة لا غنى عنها في رسم الموائد غير المستديرة للشرق الأوسط الجديد الذي لطالما تغنى به نتنياهو، ومن ثم تناغمه غير المباشر مع الإيحاءات الأمريكية الناقدة لسايكس بيكو والتي وردت على لسان توماس باراك وضمنا في ثرثرات ترامب المتعلقة بمشاكل الشرق الأوسط، فمن يستسهل تهجير أهل غزة وإقامة ريفييرا على أرضهم، لا يستصعب تقبل فكرة إقامة كيان درزي يتدرج من فدرلة منطقة الجنوب السوري منزوع السلاح ليحقق عدة أهداف وبضربة واحدة، منها أولا خلخلة التركيبة الديموغرافية لمصلحة غلبة المكون الدرزي في الجنوب الغربي من سوريا «المنطقة المنزوعة السلاح» والتي تضم القنيطرة ودرعا والسويداء على حساب العشائر العربية المتواجدة، ثانيا تجهيز مقدمات لبلورة كانتون درزي جامع بصيغة مطاطة، تضم الجولان السوري والسويداء وما بينهما، بتخادم مع شيوخ العقل الدرزي من أمثال موفق طريف وحكمت الهجري، ثالثا طرح مشروع للحكم الذاتي الإسرائيلي للدروز في كل أماكن تواجدهم في الجليل أو الجولان لينسجم مع كانتون السويداء، وفي جبل لبنان أن تحرك دروزه، وكل هذا بحماية أمنية إسرائيلية، رابعا جعل موضوع دروز السويداء مقدمة لسلوك مماثل من قبل الإدارة الذاتية الكردية في شرق سوريا لتقزيم مشروع الدولة الموحدة وجعلها تتقبل فكرة الفدرلة كمخرج مؤقت لساعة صفر جديدة متعلقة هذه المرة بتركيا ودورها في الشرق الأوسط، من خلال إشغالها بالإحاطة الكردية المقلقة عن لعب دور المترصد للمشروع الإسرائيلي للتسيد على مفاصل الشرق الاوسط !

إسرائيل أكثر من معنية بتغذية مشاعر الانفصال الكردي في العراق وإيران وسوريا وكذلك في اختراق الحالة الكردية في تركيا والاستثمار في تطوراتها، لرسم خرائط جديدة للشرق الأوسط الذي تريد!

إسرائيل لا توفر وسيلة لتحقيق أهدافها التوسعية في سوريا ومحيطها ولا توفر جهدا أو تكلفة ولا وسيلة إلا وجربتها، وهي تستثمر حثيثا بالتناقضات الداخلية لدرجة أنها تبدو متناقضة مع نفسها في مسعاها للتطبيع مع محيطها، فالفوضى الميليشياوية على حساب الدولة الضامنة في سوريا لا تخدم إسرائيل، إلا إذا كانت على يقين بأنها «فوضى خلاقة» حصيلتها مضمونة النتائج ولمصلحة إسرائيل حصرا وبالضد من مصالح كل الآخرين في الشرق الأوسط. اعتمدت إسرائيل في إعاقة النظام الجديد على منحيين متخادمين، الأول: التدخل العسكري المباشر من خلال قصف وتدمير البنى العسكرية القائمة، وإضعافها بما يكفي، لتكون أقل قدرة من ميليشيات الأمر الواقع، إضافة للانتقاص من سيادتها وهيبتها وبما يحفز المنافسين على عصيانها، وهذا ما تجسد وبشكل شبه يومي خلال الأشهر الستة من عمر الحكم الجديد، قصف الأعيان العسكرية في دمشق والساحل، احتلال المنطقة العازلة على طول حدود هضبة الجولان وإلغاء اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974 واعتبارمنطقة جنوب غرب سوريا من جبل الشيخ والقنيطرة الى جبل العرب في السويداء منطقة منزوعة السلاح، بقرار إسرائيلي ترجمته العملية، تعني، منع تواجد الجيش وقوات الأمن السوري في ثلاث محافظات سورية هي القنيطرة ودرعا والسويداء، وفعلا يجري تنفيذ هذا القرار من خلال قصف أي مظاهر عسكرية وأمنية للنظام الجديد في هذه المناطق بذريعة حماية أمن إسرائيل. والثاني : التدخل غير المباشر بذريعة حماية الأقليات ودعم الأنشطة الانعزالية لأي حراك محلي مضاد داخل سوريا يعارض الدولة السورية المركزية !

لا يكفي إسرائيل استيفاء سوريا للشروط الأمريكية !

قطع الطريق على إيران ومحاربة أي نشاط لها في سوريا وملاحقة أنشطة حزب الله، ومنع أي نشاط سياسي وعسكري فلسطيني داخل سوريا، والعمل المشترك مع الأمريكان في محاربة تنظيم الدولة، واطلاع الأمريكان على كل صغيرة وكبيرة بخصوص البناء العسكري والاقتصادي والسياسي الجديد، وبضمانات تركية وسعودية وإماراتية، جرى فتح صفحة جديدة بين النظام الجديد والإدارة الأمريكية، بنفس الوقت جرى إبلاغ الإسرائيليين بحسن نوايا حكومة أحمد الشرع وعدم ممانعتها لإقامة علاقات طبيعية مع إسرائيل، وجرت تسريبات عن لقاءات مباشرة بين الجانبين بوساطة طرف ثالث، كل هذه التطورات لم تثن إسرائيل عن عزمها بجعل الحالة السورية نموذجا وعبرة للآخرين في شرق أوسطها الجديد، ومن خلال سوريا ستنطلق إسرائيل للنيل من العراق وتركيا مرورا بلبنان، وبالتزامن تجري عمليات تصفية الحساب مع غزة والضفة مع الاستمرار بتضخيم مخاطر البعبع الإيراني لمزيد من الابتزاز لدول الخليج يبدو ظاهريا أن لإسرائيل وأمريكا أجندة مختلفة يعززها بعض عمليات تبادل الأدوار، لكن اختصاص إسرائيل الحصري هو الشرق الأوسط وعدم التطابق بين الاختصاصات يحسم عادة لمصلحة إسرائيل، إلا إذا كان الإمعان بالتخصص يفضي لانكسار شمولي للمصلحة الأمريكية وهذا ما لا يحدث غالبا !

كاتب عراقي

القدس العربي

—————————–

سقوط سورية اليوم الحلقة الأخطر/ غازي العريضي

22 يوليو 2025

توقّع كثيرون التوصّل إلى هدنة في غزّة مدّتها 60 يوماً، أثناء زيارة بنيامين نتنياهو الأسبوع الماضي إلى واشنطن. لم تنجح كلّ الاتصالات، ولا استنفار قطر ومصر، إلى جانب واشنطن، للوصول إلى اتفاق. يؤكّد نتنياهو عدم الانسحاب من غزّة، ويُصرّ على البقاء في مناطق أساسية، وبالتالي يريد أخذ كلّ شيء من حركة حماس من دون الالتزام بشيء في المقابل، ويصرّ على استكمال الحرب، حتّى لو اضطرّ إلى الوصول إلى اتفاق فهو سيفعل ما فعله ترامب مع إيران، يعني هدنة 60 يوماً وبعدها مباشرة يعود إلى ممارسة حرفة وهواية القتل، الذي لم يتوقّف.

في محصّلة الأيام الماضية، مئة شهيد تقريباً يومياً، وقسم منهم في مصيدة المساعدات. أُعدموا رمياً بالرصاص من الجنود الإسرائيليين على مرأى من العالم كلّه عبر شاشات التلفزة، ومنهم من أصيب بالإغماء، بعد رشّ رذاذ الفلفل في عيونهم من رجال أمن أميركيين. ورغم كلّ المناشدات الفرنسية والبريطانية والأوروبية عموماً، لعدم استهداف المدنيين، فإنّ نتنياهو متمسّك بسياساته، وإذا أبدى انفتاحاً شكلياً على أيّ مطلب لكسب الوقت، انقضّ عليه بن غفير وسموتريتش رافضَين أيّ وقف لإطلاق النار، وأيّ انسحاب من أيّ منطقة في غزّة.

ومع استقالة وزراء، بات نتنياهو أسير هذين أكثر من أيّ وقت مضى لضمان استمرار حكومته. وبالتالي؛ فالمذبحة بحقّ الفلسطينيين مستمرّة. في هذا الوقت، حصل أمران؛ الأولُ ذهاب رئيس الموساد إلى واشنطن، وعقده اجتماعات مكثّفة مع المسؤولين الأمنيين والسياسيين في إدارة ترامب لتسريع المساعي لدى الدول الأفريقية، التي بدأ البحث معها للحصول على الموافقة النهائية لتهجير الفلسطينيين إليها، إذ لا تراجع عن التهجير وتكريس الاحتلال. هذه هي الضمانة الوحيدة لإسرائيل كما قال، والأميركيون ليسوا بعيدين من هذه الفكرة. وصرّح وزير الطاقة الإسرائيلي إيدي كوهين: “يجب أن تبقى غزّة مدمّرة عقوداً وإسرائيل لا تنوي المساعدة في إعادة بناء البنى التحتية في القطاع بعد انتهاء الحرب”. ويترافق ذلك كلّه مع أعمال عدوانية مفتوحة في كلّ الاتجاهات في الضفة الغربية، من القدس إلى الخليل وغيرها، وتوسيع دائرة إنشاء المستوطنات الجديدة، إذ ارتكب المستوطنون في بلدة الطيبة في رام الله اعتداءً على كنيسة تاريخية، وقتلوا في بلدة سنجل الشاب الفلسطيني الأميركي سيف الدين مصلط، ما دفع السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي إلى زيارة البلدة والدعوة إلى محاسبة الذين استهدفوا الكنيسة وقتلوا الشاب، لا أن يُكتفى بتوبيخهم. وتصاعدت وتيرة حرب الإبادة في غزّة في ظلّ اهتمام المنطقة والعالم بما يجري في سورية، إذ تواصل إسرائيل تدخّلها بغرض تكريس احتلالها وتوسّعها في أكثر من منطقة.

الأمر الثاني، الاتفاق بين أميركا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا على تحديد مهلة 60 يوماً لإيران لتوقيع اتفاق نووي معها. يعني، وفي تكرار للجولة الأولى من الحرب معها منذ أسابيع، أنّه إذا انتهت المهلة من دون اتفاق، فستشنّ إسرائيل في اليوم التالي تماماً ضربات ضدّها. خلال هذه المهلة يكون جيش الاحتلال قد أمّن مستلزمات الجولة الجديدة من خلال المساعدات الأميركية التي شملت قنابل متطوّرة وأنظمة دفاعية حديثة قادرة على تمكين إسرائيل من إسقاط الصواريخ الإيرانية التي دمّرت مواقع أمنية وعسكرية ونفطية عدّة في أكثر من منطقة في الجولة الأولى.

لن تتوقّف الحرب الإسرائيلية المفتوحة في أكثر من منطقة؛ الحرب ضدّ لبنان، والحرب ضدّ سورية التي استهدفت مجدّداً وزارة الدفاع وقواعد عسكرية ومحيط القصر الجمهوري، وضدّ إيران، وغزّة والضفة، وحركة أنصار الله في اليمن. والأخيرة تؤرّق الإسرائيليين، خصوصاً بعد الضربات التي نفّذتها أخيراً ضدّ سفن في البحر الأحمر، أغرقت بعضها وكانت متجّهة إلى إسرائيل، وأطلقت صواريخ ضدّ الداخل الإسرائيلي أيضاً. لذا؛ لن يتوقّف نتنياهو قبل أن يحقّق أهداف حروبه، وهو حقّق نجاحات كبيرة.

صحيح أن ضربات موجعة وُجّهت إلى الجيش في أرض غزّة، وأن دبّابات تعتبر الأكثر حماية في العالم دمّرها مقاتلون فلسطينيون، وأن العسكر الإسرائيلي يعيش حالة توتّر وقلق، وسُجّلت حالات انتحار في صفوفه، وقال بعضهم: “دمّرنا كلّ شيء في غزّة، فلا نجد مأوى يحمينا. وإذا بقيت منازل فنخشى الدخول إليها لأنها قد تكون مفخّخةً. نحن مكشوفون”… هذا كلّه صحيح، والخسائر البشرية ارتفعت في الأيام الماضية، لكنّ نتنياهو مصرّ على الاستمرار في الحرب، يريد حماية حكومته، وضمان نجاحه في الانتخابات النيابية المقبلة، والثمن: دماء الفلسطينيين. وهكذا يفعل في سورية تحت عنوان حماية الدروز، مستفيداً من انجراف بعضٍ من هؤلاء معه. وآثار هذه الحرب الجديدة ستكون كارثيةً على مستوى المنطقة كلّها. الموقف العربي أصغر بكثير من هذه المخاطر والتحدّيات كلّها، لا تأثير عربياً ولا دور عربياً فاعلاً. ثمّة نوع من الهروب إلى الأمام، الهروب من الحقائق والوقائع، فماذا ينتظر المعنيون؟

لا المال الذي دُفِع لترامب نفع، ولا الاتفاقات مع إسرائيل نفعت، ولا العلاقات غير المُعلَنة تحمي، وإسرائيل تمارس سياسة الضغط والابتزاز. والنتيجة في مثل هذه الحالة: سيطرة إسرائيلية تامّة، مباشرة وغير مباشرة، وسقوط عربي كامل. للأسف، لم يعد مطلوباً إلّا الحدّ الأدنى من الوعي والشجاعة، والاستفادة ممّا تبقى في هذا العالم العربي من إمكانات قبل الغرق الجماعي في مستنقعات الفتن والفوضى المذهبية والسياسية. وسقوط سورية اليوم هو الحلقة الأخطر في المشروع الإسرائيلي.

العربي الجديد

—————————–

 بعد أحداث السويداء.. “قسد”: من المستحيل تسليم سلاحنا

الثلاثاء 2025/07/22

أكد المتحدث باسم قوات سوريا الديمقراطية (قسد) أبجر داوود، أن مسألة تسليم السلاح “غير ممكنة في الظروف الحالية”، وذلك بعد نحو أسبوعين على لقاءات في العاصمة دمشق، بين الحكومة السورية ووفد من “قسد” و”الإدارة الذاتية”، تتعلق بتطبيق آذار/مارس، وكذلك بالتزامن مع الأحداث التي تشهدها محافظة السويداء.

الانضمام للجيش السوري

وقال داوود في تصريحات صحافية، إنه “من المستحيل” أن تسلم “قسد” سلاحها، في ظل التوترات المستمرة في سوريا وارتفاع وتيرة العنف وتهديد “داعش”، مضيفاً أن “قسد يمكن أن تنضم إلى الجيش السوري، عبر اتفاق دستوري يعترف بخصوصية المكون الكردي”.

وذكر المتحدث الكردي أن “قسد ليست مع الحرب، لكنها ستدافع عن شعبها في كل مكان تتواجد فيه” حسب تعبيره.

يأتي ذلك بعد أسبوعين، على احتضان قصر الشعب في العاصمة دمشق، اجتماعاً بين الحكومة السورية مع وفد كردي يرأسه زعيم “قسد” مظلوم عبدي، بحضور المبعوث الأميركي إلى سوريا توم باراك، في إطار تنفيذ الاتفاق الموقع بين عبدي والرئيس السوري أحمد الشرع في 10 آذار/مارس الماضي، وفق وكالة “فرانس برس”.

ويتضمن اتفاق الشرع- عبدي عدداً من البنود، أبرزها دمج مؤسسات شمال شرق سوريا، العسكرية والمدنية، ضمن الدولة السورية، إلى جانب تسليم حقول النفط والغاز إلى الحكومة السورية، وسط تباين بين الجانبين بشأن تطبيق بنود الاتفاق وتوقيت تنفيذها.

 تعثّر المفاوضات

وعقب المفاوضات، أكدت مصادر مطلعة في الإدارة الذاتية لـ”المدن” أن دمشق لم تقدم بعد أي مقترح عملي أو صيغة مفصلة لدمج مقاتلي “قسد” ضمن وزارة الدفاع، رغم قبول مبدئي مكرر بهذا الطرح. وتتمثل العقدة الأكبر، في غياب أي تصور رسمي لمصير ما يزيد عن عشرين ألف مقاتلة من وحدات حماية المرأة، وسط ما وصفته المصادر بـ”تشدد الحكومة السورية في التعامل مع النساء المقاتلات”، سواء على المستوى العسكري أو المجتمعي.

طريق دمشق

وكانت الرئاسة السورية قد أعلنت عن لقاء جمع الشرع وباراك في دمشق، بالتزامن مع مباحثات الحكومة السورية ووفد “قسد”.

وقال باراك بعد اللقاء، إن “هناك طريقاً واحداً فقط لا غير أمام قسد، وهو الذي يؤدي إلى دمشق”، لافتاً إلى أن الحكومة السورية أبدت “حماساً بشكل لا يُصدق” لضم “قسد” إلى مؤسساتها ضمن مبدأ “دولة واحدة، أمة واحدة، جيش واحد، حكومة واحدة”.

وتابع باراك، أن “قسد بطيئة في الاستجابة والتفاوض والمضي قدما في هذا المسار”. وأوضح أن “قسد تتباطأ في تنفيذ الاتفاق مع الحكومة السورية”، مشدداً على أن “الفدرالية غير ممكنة في سوريا”، مضيفاً أن “الأكراد شعب رائع ومذهل وجميل داخل دولهم”.

المدن

——————————-

 إسرائيل أكثر حذراً.. هل ينتقل صراع السويداء إليها؟/ يوسف الحيدر

الثلاثاء 2025/07/22

لم يكن من المتوقع لدى أكثر الفاعلين والمراقبين للشأن السوري حجم فزعة العشائر العربية في سوريا -60% من السكان تقريباً- لعشائر البدو في السويداء، بعيداً عن التجييش الإعلامي الذي صاحبها.

كما لم يكن متوقعاً أن تقف إسرائيل موقفاً حذراً وتتأخر بتدخلها ضدهم، وهي التي قصفت بقوة قوات الحكومة السورية- وأماكن عسكرية مختلفة في سوريا أبرزها قيادة الأركان- عند دخولها السويداء، ما خلّف شهداءً وجرحى وخوفاً لدى السوريين عامةّ، فما هي أسباب هذا الحذر وهل للدور الجديد الذي تقوم به العشائر علاقة في ذلك؟.

صراع عابر للحدود

يرى الباحث السياسي عمر رحمون أن ما حدث في الجنوب ليس مجرد صراع محلي، بل زلزال أهلي له ارتداداته العميقة في عمق الكيان الصهيوني فالمجتمعان– عشائر البدو والدروز– موجودان بقوة داخل إسرائيل، وتشظيات هذا الصراع العابر للحدود تربك صانع القرار في تل أبيب أكثر من أي جهة أخرى.

دروز وبدو إسرائيل

ويصف رحمون في تصريح لـ”المدن” الدروز في فلسطين المحتلة بأنهم “جنودها الملتزمون”، لكنها تعرف أن ولاءهم لها “هشٌّ” أمام صحوة دينية في السويداء تنعكس في نفوس الدروز في الجليل والكرمل.

ويضيف، أما البدو في إسرائيل فهم “خزانها الصحراوي المهمش”- يشكلون نحو 15-20% من العرب في الداخل الفلسطيني- واشتعال نارٍ عشائريةٍ عبر الحدود، كفيل بإيقاظ القبلية الراقدة لديهم.

استفزاز لا يعرف الحدود

وحول تمدد الفزعة العشائرية خارج سوريا إلى الأردن والسعودية، وأثر ذلك على إسرائيل، أوضح الدكتور في العلوم السياسية باسم نعمان أنّ معظم العشائر العربية في سوريا هي امتداد (أفخاذ) لعشائر (بطون) في بلاد عربية أخرى، مشيراً إلى أنّها بـ”فزعتها” كانت أداةً كغيرها لدى لإسرائيل وقدمت لها خدمةً كبيرةً، إذ زادت حجم المظلومية التي تعرض لها الدروز وعَظّمت الشرخ مع الحكومة وبين فئات الشعب، ما يسهل لها جنوباً خالياً من السلاح في دولة مفككة ضعيفة.

لكن رحمون يخالف نعمان فيرى أن إسرائيل تعرف جيداً أن اللعب بورقة العشائر محفوف بالمخاطر، فهي حين تُستَفز، لا تضبطها الجغرافيا، وأن أي استثمار خاطئ في الدم أو السلاح أو الاصطفاف، سيحوّل الفضاء العشائري إلى عاصفة تهدد أمن المنطقة.

هل ينتقل الصراع إلى إسرائيل؟

يستبعد الباحث السياسي د. نعمان ذلك، ويعزوه لتأثير الدروز القوي في الداخل الإسرائيلي- مقارنة بالعشائر- بسبب “حلف الدم” القائم منذ خمسينيات القرن الماضي والوجود الجغرافي للطرفين في الكيان، وهذا ما انعكس بتدخلات جوية لمصلحة المحاصرين في السويداء ولقاءات مع رئاستهم الروحية وإرسال مساعدات طبية وغذائية.

بينما يعدُّ رحمون أنّ ما يجري في السويداء اختبار إقليمي معقد تتداخل فيه خرائط الطوائف، وحدود الاستعمار، وإن لم يخمد هذا الصراع فربما تنتقل ناره المشتعلة من جبل العرب إلى الناصرة والنقب والجليل.

المدن

————————–

لو كنت مكان الشرع لما اخترت المواجهة مع الدروز/ وائل السواح

22.07.2025

لحملة على السويداء لم تُحقّق سوى تعميق الانقسامات، وإضعاف هيبة السلطة، وفتح الأبواب لتدخّلات خارجية. الشعب السوري، بكلّ مكوّناته، يستحقّ دولة تمثّله، لا دولة تقسّمه. إن الدعوة إلى حوار شاملٍ وعقد اجتماعي عادل ليست رفاهية، بل ضرورة للحفاظ على ما تبقّى من نسيج هذا الوطن.

اختار الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع أن يدخل في معركة كسر عظم مع الدروز في جبل العرب، ولا شكّ في أن لديه حساباته وأهدافه، ولكن كم كانت تلك الحسابات دقيقة وصائبة؟

في قلب الجنوب السوري، تتكشّف في السويداء مأساة تُلقي بظلالها القاتمة على مستقبل البلاد، ولا أحسب أن قرار السلطة بشنّ حملة عسكرية على معقل دروز سوريا كان خطأ تكتيكياً، بل خطيئة استراتيجية وخطوة كارثية عمّقت جذور الانقسام وتُنذر بعواقب وخيمة.

وحتى اللحظة لم تثمر هذه الحملة، التي زعمت السلطة ووسائلها الإعلامية أنها تهدف إلى فرض “هيبة الدولة” وترسيخ القانون، سوى زعزعة الاستقرار، وتدمير الثقة بين السلطة ومكوّنات الشعب السوري، وفتح الأبواب لتدخّلات خارجية خطيرة.

بين باكو والسويداء: هل أخطأ الشرع في قراءة إسرائيل أم دُفع إلى الفشل؟

في تمّوز/ يوليو 2025، زار الرئيس السوري أحمد الشرع العاصمة الأذربيجانية باكو للمشاركة في لقاء علني رفيع المستوى مع الرئيس إلهام علييف، غير أن لقاءات أكثر أهمّية جرت خلف الأبواب المغلقة، إذ أفادت مصادر موثوقة بأن مسؤولين سوريين وإسرائيليين أجروا محادثات مباشرة في العاصمة الآذرية، مع تلميحات إلى حضور الشرع إحدى هذه الجلسات، ووفقاً لتسريبات متعدّدة، تناولت المناقشات إطاراً أمنياً جديداً بين سوريا وإسرائيل، قد يشمل تفاهمات تهدف إلى تحقيق الاستقرار في جنوب البلاد وفي منطقة الشمال الشرقي الكردية.

لكن بعد أيّام قليلة من عودته إلى دمشق، أصدر الشرع أوامر بشنّ هجوم عسكري على محافظة السويداء ذات الغالبية الدرزية، التي بقيت لسنوات خارج نطاق السيطرة المركزية. وأشعلت العمليّة موجة عنف واسعة النطاق، ترافقها تهم بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضدّ الإنسانية، وردّ فعل إسرائيلي لم يقتصر على الاحتجاج الدبلوماسي، بل شمل غارات جوّية مباشرة.

وبالتالي، ما بدأ كمحاولة لفرض هيبة الدولة باستخدام القوّة، تحوّل سريعاً إلى أزمة إقليمية، مما أثار تساؤلات حول ما إذا كان الشرع قد أساء تقدير الموقف الإسرائيلي، أم أنه دُفع عمداً إلى هذا المسار.

استند قرار الرئيس السوري بإرسال قوّات إلى السويداء إلى قراءة خاطئة وحاسمة للإشارات الأميركية والإسرائيلية. فبحسب دبلوماسيين ومسؤولين سوريين ومصادر إقليمية تحدّثت إلى وكالة “رويترز”، اعتقدت دمشق أن الرسائل الأخيرة، لا سيّما من المبعوث الأميركي توماس برّاك، تنطوي على موافقة ضمنية على إعادة بسط سيطرة الحكومة المركزية على المناطق المضطربة مثل السويداء.

أغلب الظنّ أنه كان يعتقد أن إسرائيل لن تضحّي بمباحثاتها معه، وسوف تغضّ الطرف عن اقتحام قوّاته المحافظة ذات الغالبية الدرزية، ولعلّه وقر في ظنّ الشرع أن إسرائيل يهمّها فعلاً الدفاع عن الدروز، وإذا كان الأمر كذلك، فقد جانبه الصواب. إسرائيل لا تهتمّ بأي مجتمع سوري، ولا يعنيها الدروز بأكثر مما تعنيها بقيّة المكوّنات، من الكرد إلى العلويين. هدفها الأوحد هو منع اقتراب جنود الشرع من حدودها، فالرئيس السوري، في نظر الحكومة الإسرائيلية، لا يزال القائد أبو محمد الجولاني.

الردّ الإسرائيلي جاء سريعاً وصادماً. شنّت تل أبيب غارات جوّية استهدفت دبابات ومواقع أمنية سورية، مبرّرة تدخّلها بالتزامها بحماية أبناء الطائفة الدرزية، والحفاظ على منطقة جنوب سوريا كمنطقة منزوعة السلاح. أما واشنطن، التي بدت وكأنها فوجئت بالتطوّرات، فسارعت إلى التوسّط لوقف إطلاق النار، لكنّها نأت بنفسها عن الضربات الإسرائيلية، ووصفت ما جرى بأنه “سوء تفاهم”.

غير أن المخاطر الناجمة عن هذه الحسابات الخاطئة تتجاوز البعد التكتيكي. فبحسب تقارير إقليمية موثوقة، لم تكن الغارات الإسرائيلية مجرّد ردع أو تحذير، بل بدت وكأنها جزء من خطّة استراتيجية أوسع، تهدف إلى ترسيخ ما يشبه “جنوباً محايداً عسكرياً” داخل سوريا، منطقة عازلة خالية من قوّات وزارة الدفاع، ولكن ليست بالضرورة خالية من مظاهر الدولة.

وقد أشارت تسريبات إسرائيلية إلى عدم الاعتراض على وجود وحدات شرطة مدنية أو أجهزة أمن داخلي، ما يؤكّد أن القلق الإسرائيلي لا يتعلّق بعودة الدولة السورية بحدّ ذاتها، بل بقدرتها العسكرية المستقلّة قرب الحدود.

وعلى الأرض، جاءت الروايات صادمة. وُجّهت تهم إلى القوّات السورية بارتكاب انتهاكات جسيمة، من إعدامات ميدانية إلى أعمال إذلال بحقّ المدنيين الدروز، ما لم يستفزّ إسرائيل فحسب، بل زاد أيضاً من حدّة التوتّرات الطائفية، وعزّز مخاوف الأقلّيات الأخرى من مشروع إعادة بناء الدولة بقبضة أمنية ذات طابع أيديولوجي إسلامي.

وبينما يرى مراقبون أن الشرع بالغ في تقدير مدى قبوله الدولي، واعتقد أن الخطاب الأميركي ضدّ الفيدرالية يمنحه تفويضاً باستخدام القوّة، فإن العمليّة برمّتها ارتدّت عليه. زادت الهوّة الطائفية، وقوّضت مصداقية دمشق إقليمياً، وسمحت لإسرائيل بإعادة ترسيخ حضورها العسكري كضامن لحدود ما بعد الأسد.

وفي المحصّلة، ما كان يفترض أن يكون عرضاً للسيادة الوطنية، تحوّل إلى مأزق سياسي وعسكري يهدّد بفتح الباب مجدداً أمام سيناريوهات التقسيم. الدم المسفوك في السويداء لم يكن نتاج خلل أمني داخلي فحسب، بل نتيجة مباشرة لفشل تفاوضي إقليمي، تُوظّف نتائجه اليوم كورقة ضغط على دمشق.

ومع تصاعد الدعوات لتحقيق دولي في الفظائع المرتكبة، وظهور مطالب درزية بالحكم الذاتي أو الحماية الدولية، يبقى مستقبل الدولة السورية رهناً بخطوة الشرع التالية، أهي عسكرية، أم سياسية؟

الحملة العسكرية ووهم السيطرة

منذ البداية، بدا واضحاً أن الحملة العسكرية على السويداء لن تُثمر انتصاراً حقيقياً. فالسيطرة العسكرية المؤقتة لا تعني إخضاع المجتمع، بل على العكس، تُشعل نار الرفض والمقاومة. أهالي السويداء، بتاريخهم العريق وهوّيتهم المتماسكة، لن يقبلوا بسلطة تُفرض عليهم بالقوّة. هذا المكوّن الاجتماعي، كما هو الحال مع العلويين والكرد وغيرهم، لا يُمكن قهره عبر العنف. إن محاولة السلطة فرض هيمنتها بالقوّة تُشبه محاولة احتواء النار بالزيت؛ فبدلاً من إخماد التوتّرات، أجّجتها ووسّعت الفجوة بينها وبين الشعب.

ادّعت السلطة في بياناتها الرسمية أن الحملة تهدف إلى فضّ النزاعات، وملاحقة “الخارجين عن القانون”، واستعادة الاستقرار. لكنّ الواقع يكشف عكس ذلك: لم يُقبض على المتسبّبين الحقيقيين، وتحوّلت السويداء من منطقة مستقرة نسبياً إلى ساحة للتوتّر والفوضى، بدلاً من ترسيخ القانون، أصبحت المحافظة خارج سيطرته، وهيبته التي زُعِمَ أن الحملة ستعزّزها، تهاوت أكثر.

ما زاد الطين بلّة هو التجاوزات الصارخة التي ارتكبتها الفصائل الأمنية التابعة للسلطة. حرق المنازل، والنهب، والإهانات الموجّهة ضدّ الأهالي، مثل حلق شوارب الرجال – وهي رمزية تحمل إذلالاً عميقاً في الثقافة المحلّية – لم تكن مجرّد أفعال طائشة، بل رسالة واضحة تهدف إلى تجريد المكوّن الدرزي من كرامته. هذه الأفعال ليست موجّهة فقط ضدّ أفراد، بل ضدّ هوية اجتماعيةٍ بكاملها، وهي تحذير لكلّ من يجرؤ على معارضة السلطة، بغضّ النظر عن انتمائه.

معضلة السويداء

لماذا يرفض الدروز تسليم أسلحتهم؟ للإجابة عن هذا السؤال، لا بدّ من النظر إلى الوراء في صفحات التاريخ. فمنذ القرن الثامن عشر، لم يكن جبل حوران – المعروف أيضاً باسم جبل العرب أو جبل الدروز – ساحة سهلة للغزاة والحكّام. ومع توالي موجات الهجرة الدرزية من الشوف والجليل وجبل السمّاق، تحوّل الجبل إلى معقل تمرّد عصيّ على الإخضاع، تكسّرت عليه محاولات السيطرة من قِبل إبراهيم باشا المصري إلى الانتداب الفرنسي، وصولاً إلى أديب الشيشكلي، الذي جلبت له لعنة الجبل نهاية حكمه، بل ونهاية حياته.

في عام 1837، ارتكب إبراهيم باشا خطأ قاتلاً حين حاول فرض التجنيد الإجباري على سكّان الجبل. جاءت ردّة الفعل دامية: ذُبح أربعمئة من فرسانه في الليلة الأولى لدخولهم، وتحوّلت اللجاة البركانية إلى مقبرة لجيوشه. لم ينسحب إلا بعد أن فقد آلاف الجنود والضبّاط في معركة أنهكت مشروع محمد علي في بلاد الشام.

وفي عهد السلطان العثماني عبد الحميد الثاني، واجه الوالي الإصلاحي مدحت باشا تمرّداً عنيفاً في جبل الدروز في عام 1879، حين سعى إلى استثمار هزيمة التمرّد بتنظيم القضاء المحلّي واستبدال الزعامات التقليدية بموظّفين حكوميين. أثار قراره سخط الدروز الذين رفضوا الإصلاحات العثمانية التي تجاهلت البنية الاجتماعية المتماسكة للجبل، مما أشعل ثورة جديدة اضطرّ معها مدحت باشا إلى اللجوء إلى الحلّ العسكري، وهو ما أضعف موقعه السياسي وشوّه سمعته الإصلاحية. غادر دمشق والجبل في حالة عصيان دائم، وظلّ جبل الدروز معقلاً للثوار حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى.

وبعد أقلّ من نصف قرن، انطلقت الثورة السورية الكبرى مجدّداً من الجبل نفسه، بقيادة سلطان باشا الأطرش ضدّ الفرنسيين، وذلك بعد إهانة الفرنسيين للباشا باعتقال دخيله أدهم خنجر وإعدامه في بيروت. وزاد المفوّض الفرنسي موريس ساراي الطين بلّة حين طرد وفداً درزياً من بيروت في عام 1925، بعد أن جاءه يطالب بتعيين حاكم درزي، مما دفع سلطان الأطرش إلى عقد اجتماع في السويداء أشعل شرارة الثورة.

وفي الخمسينيات، كرّر أديب الشيشكلي أخطاء من سبقوه، فاستهان بعصبيّة الجبل واعتقل منصور الأطرش، نجل سلطان، وقصف السويداء بالطائرات في محاولة لقمع الاحتجاجات على سياساته التعليمية والتسلطية. لم تمرّ أيّام حتى اشتعل الجبل، وتحوّلت الاحتجاجات إلى تمرّد مسلّح. برّر الشيشكلي حملته بكشف أسلحة ومخطّطات أجنبية، لكنّ النتيجة كانت إعلان حالة الطوارئ في نصف البلاد، واعتقال أبرز قادة المعارضة، قبل أن تنقلب عليه حلب في شباط/ فبراير 1954، في انقلاب أطاح به ودفعه إلى المنفى. هناك، في البرازيل، طاردته اللعنة ذاتها، حين اغتاله بعد سنوات شابّ درزي يُدعى نوّاف غزالة، ثأراً لما فعله بجبل الدروز.

ثبات الجذور في وجه العواصف

للدروز تاريخ طويل من الاعتماد على الذات والقدرة على الدفاع عن النفس، ولا سيّما في المناطق التي يشكّلون فيها غالبية أو ثقلاً مجتمعياً، وقد أسهمت النزاعات والاضطرابات التي شهدتها سوريا خلال السنوات الأخيرة في تعميق هذه الهواجس، ما جعل كثيرين يتحسّسون رؤوسهم خوفاً من الاضطهاد، وسلّط الضوء على أهمّية الحفاظ على السيطرة على أراضيهم التقليدية.

وزادت الأحداث التي شهدتها مناطق الساحل ذات الغالبية العلوية، ثم منطقتي جرمانا وصحنايا وأشرفية صحنايا ذات الغالبية الدرزية، من هذه المخاوف، وصولاً إلى التفجير الإرهابي الذي استهدف كنيسة في ضواحي دمشق، بعد شهور من التحريض اللفظي ضدّ المسيحيين في أحيائهم الخاصّة.

تشدّد العقيدة الدرزية على الترابط المجتمعي والحفاظ على الذات، وهو ما يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمناطقهم الجبلية التقليدية، ويتيح لهم التمسّك بهذه المناطق فرصة صون ممارساتهم الثقافية والدينية المميّزة، ومقاومة الضغوط الخارجية الرامية إلى الاستيعاب أو الذوبان في محيطهم.

وعلى مدى سنوات، عبّر وجهاء السويداء عن مطالب واضحة تتعلّق بإدارة لا مركزية وبنية أمنية محلّية تراعي خصوصية المحافظة، إلا أن هذه الدعوات قوبلت في معظم الأحيان برفض من السلطات المركزية، التي تمسّكت بهيكلية حكم عمودية تُقرَّر من الأعلى وتُنفَّذ في الأسفل، وقد أسهم هذا التباين في الرؤى في تفاقم التوتّر، وأضعف فرص التوصّل إلى حلول تفاوضية مستدامة.

وعلى الرغم من أن الدروز عُرفوا عموماً باستعدادهم الشديد للدفاع عن أنفسهم، فإنهم لم يُعرفوا في سوريا بميلهم إلى الاعتداء، وقد تميّزت العلاقات التاريخية بين محافظتي درعا (السنّية) والسويداء (الدرزية) في الغالب، بطابع سلمي واحترام متبادل، وإن شابتها في بعض الأحيان حالات من التوتّر.

الدروز وإسرائيل: ادّعاءات في غير محلّها

برّرت إسرائيل غاراتها الجوّية الأخيرة على سوريا، التي استهدفت وزارة الدفاع والقصر الرئاسي في دمشق، بأنها محاولة لحماية الأقلّية الدرزية في السويداء وسط تصاعد الاشتباكات مع القبائل البدوية المحلّية، وحاول رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو تصوير هذه الضربات كرادع في مواجهة حكومة “متطرّفة” ومعادية للأقلّيات. ومع أن إسرائيل قدّمت نفسها كمدافع عن المجتمعات الدرزية، خصوصاً على حدودها الشمالية، فإن الواقع أكثر تعقيداً وأقلّ تبادلاً مما تُوحي به هذه الرواية.

يجد الدروز أنفسهم اليوم عالقين بين طائفية متجدّدة، وحكومة انتقالية متقلّبة، وطموحات إسرائيلية لا تُخفي نفسها. يُقدّر عدد الدروز في سوريا بين 700 ألف ومليون نسمة، أما في إسرائيل، فلا يزيد عددهم على 160 ألف نسمة، ما يشكل 1.6% من إجمالي السكّان و7.6% من مجموع المواطنين العرب، ولكنّ دروز إسرائيل يتمتّعون بالجنسيّة، ويشاركون في الخدمة العسكرية، وقد اندمجوا في بنية الدولة.

رغم التمايز في وضعهم القانوني والاجتماعي، يتمسّك الدروز في سوريا بهوّيتهم الوطنية، ولم يعملوا يوماً كوكلاء أو أدوات لإسرائيل، ورغم بعض الدعوات الفردية من شخصيّات درزية للحماية أو الضمّ تحت وطأة التهديدات الوجودية، فقد حافظ المجتمع الدرزي السوري الأوسع على موقف واضح من الحياد والانتماء الوطني.

الغارات الجوّية الإسرائيلية، رغم تبريرها بمفردات إنسانية، تخدم في الحقيقة أهدافاً استراتيجية، أبرزها إنشاء منطقة عازلة منزوعة السلاح في جنوب سوريا، ومنع تمركز الإسلاميين قرب حدودها. غير أن اعتبار هذا التحرّك العسكري شكلاً من التعاون مع الدروز هو تبسيط خطير للواقع. لم يطلب الدروز السوريون تدخّل إسرائيل، ولم ينسّقوا معها؛ بل يجدون أنفسهم في سوريا ما بعد الأسد وسط مناخ من انعدام الثقة، والتهميش، والاستفزازات المسلّحة، غالباً من جانب الحكومة ذاتها التي تتّهمهم الآن بالتواطؤ.

مع تصاعد العنف واستعداد إسرائيل لمواصلة غاراتها، تزداد الحاجة إلى التمييز بين المصالح الإسرائيلية ودور الدروز. فهؤلاء ليسوا وكلاء لإسرائيل ولا عملاء لجهات خارجية، بل هم مجتمع سوري عريق يسعى للبقاء والكرامة والاندماج في وطن يحاول النهوض من ركام حرب أهلية. إن تحريف موقفهم لا يشوّه نضالهم فحسب، بل يعرّض هذه الأقلّية الضعيفة لخطر التحوّل إلى كبش فداء في صراع جيوسياسي لا يد لهم فيه ولا سلطان، ومع ذلك، في حال هدّدت الميليشيات الطائفية وجودهم وهوّيتهم، فلن يكون غريباً أن يشعروا بالأمن إذا ما تلقوا مساعدة من إسرائيل.

صوت العقل في زمن الجنون

في ظلّ هذه الأزمة، تبرز الحاجة الملحّة إلى خطاب عقلاني يتجاوز التحريض الطائفي، ويُركّز على بناء عقد اجتماعي يشمل الجميع. أما السلطة الحاكمة في دمشق فعليها، إذا أرادت استعادة شرعيّتها، أن تتفاوض مع المكوّنات المختلفة، لا أن تُحاول قهرها. فالدولة التي تُقام على القمع لن تكون سوى قوقعة فارغة من الثقة والاستقرار.

في خضم هذه الأزمة، يبقى صوت العقل الأمل الوحيد لإنقاذ سوريا من دوّامة الدمار. إن الحملة على السويداء لم تُحقّق سوى تعميق الانقسامات، وإضعاف هيبة السلطة، وفتح الأبواب لتدخّلات خارجية. الشعب السوري، بكلّ مكوّناته، يستحقّ دولة تمثّله، لا دولة تقسّمه. إن الدعوة إلى حوار شاملٍ وعقد اجتماعي عادل ليست رفاهية، بل ضرورة للحفاظ على ما تبقّى من نسيج هذا الوطن.

واختصاراً، من إبراهيم باشا إلى بشّار الأسد، ما أخطأ حاكم في تقدير الجبل إلا ودفع الثمن، ولهذا أقول إنني لو كنت مكان الشرع لما اخترت مواجهة الدروز.

درج

————————-

هذا هو حلم إسرائيل الأكبر في سوريا/ أحمد الحيلة

22/7/2025

دعا حكمت الهجري، أحد المرجعيات الدرزية الروحية في محافظة السويداء السورية، إلى فتح معبر دولي بين السويداء والأردن جنوبًا، وفتح الطرقات التي توصل السويداء بمنطقة شرق الفرات شمالًا، وهي المنطقة التي تسيطر عليها قوات حماية الشعب الكردية “قسد”.

هذه الدعوة من الرجل المعروف بتعاونه مع الاحتلال الإسرائيلي، جاءت مباشرة عقب مغادرة الجيش السوري والأجهزة الأمنية محافظة السويداء نتيجة قصف الطيران الإسرائيلي المكثف لها.

وكانت تعبيرًا عن شعور بالانتصار على الدولة السورية بدعم إسرائيلي مباشر، وبأن الوقت حان لتمهيد الطريق لخروج السويداء عن حكم السلطة في دمشق، ما دام الحديث بات عن معبر سيادي خاص بالمحافظة مع الأردن.

الطائفية وإسرائيل

الهجري لا يمثل بالضرورة الأغلبية الدرزية في سوريا، في ظل وجود مرجعيات روحية أخرى أمثال الحنّاوي وجربوع، رافضة للتدخل الإسرائيلي، بالإضافة إلى الشيخ ليث البلعوس، القيادي في تجمع رجال الكرامة، الذي يقف ضد الهجري ويتمسك بوحدة الدولة السورية.

خروج الهجري عن الصف الدرزي والوطني، منذ سقوط نظام الأسد، تقاطع مع سياسات إسرائيل التي عملت على تدمير مقدرات الجيش السوري عبر مئات الغارات الجوية، بالإضافة إلى احتلالها مرتفعات جبل الشيخ، وأراضيَ سورية تقع خلف خط هدنة العام 1974، بعمق يصل إلى نحو 3 كيلومترات.

وما كان له أن يقف ضد الحكم الجديد في دمشق، لولا دعم إسرائيل له بالمال والسلاح، وبتدخلها مباشرة عبر سلاح الطيران لصالحه، ما يعني أن إسرائيل هي المحرك، وهي من يرسم حدوده وسقفه.

إسرائيل، المتهمة بالإبادة الجماعية أمام محكمة العدل الدولية، ورئيس وزرائها مطلوب للمحكمة الجنائية الدولية، والتي تقتل يوميًا 28 طفلًا فلسطينيًا منذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 وحتى الآن، حسب إحصاءات الأمم المتحدة، ليست أخلاقية أو إنسانية، وليست أهلًا لدعم حقوق شريحة من طائفة في بلد آخر.

وواقع الحال يشير إلى أن إسرائيل تستخدم الهجري لتحقيق أهدافها السياسية الاستعمارية في سوريا، ومنها إقامة ما يسمى بـ”ممر داود” في عمق الأراضي السورية، والذي يمر حُكمًا بمحافظة السويداء التي يقطنها الرجل وأتباعه.

ما هو “ممر داود”؟

حسب التنظير الصهيوني التوراتي، فإن إسرائيل تتطلع لإقامة محور أو ممر جيوسياسي ينطلق من شمال فلسطين عبر الجولان ومحافظتي درعا والسويداء، ومن ثم التمدد في الأراضي السورية الشرقية نحو الشمال، عبر منطقة التنف (نقطة التقاء الحدود السورية مع الأردن والعراق) وصولًا إلى شرق الفرات على الحدود التركية العراقية، والدخول بلسان جغرافي من محافظة الأنبار العراقية إلى كردستان العراق.

هذا المخطط يرتبط بفكرة إسرائيل الكبرى ودولة بني إسرائيل في عهد النبي داود، وهي دولة مزعومة، ليس لها ما يدل عليها في علم الآثار في بلاد الشام أو العراق، ما يشير إلى أهداف إسرائيل الاستعمارية الرامية إلى التمدد والسيطرة عبر التحكم بالجغرافيا.

إسرائيل تحتل الآن أجزاء واسعة من محافظة القنيطرة السورية المحاذية لفلسطين، وهي تعمل بالتعاون مع حكمت الهجري لإنشاء كيان موالٍ لها في محافظة السويداء، في وقت تدعم فيه قوات “قسد” الكردية المسيطرة واقعيًا على شرق الفرات.

إذا استطاعت إسرائيل، تحت إشرافها وسيطرتها، الوصل جغرافيًا بين محافظة القنيطرة التي تحتل أجزاء منها جنوب غرب سوريا، وبين السويداء جنوب شرق سوريا، ومن ثم فتحت طريقًا بين السويداء جنوبًا وشرق الفرات شمالًا- وهو ما طالب به حكمت الهجري كما أُشير له في بداية المقال- فإن ذلك سيُعد نجاحًا إستراتيجيًا لإسرائيل، سيكون له الكثير من التداعيات الجيوسياسية.

التمدد الجغرافي داخل الأراضي السورية، وصولًا إلى شرق الفرات، سيكون توطئة للوصول إلى كردستان العراق عبر محافظة الأنبار العراقية، فيكتمل هنا ما يسمى “ممر داود”.

إنجاز هذا المشروع الاستعماري يعتمد على مستوى نجاح إسرائيل في توظيف الأقليات الطائفية (الدروز) والعرقية (الأكراد)؛ وهذا ما تعمل عليه إسرائيل وقوى الاستعمار بإثارتها الأبعاد الطائفية والعرقية، بعيدًا عن الحس الوطني أو الانتماء لفكرة الأمة، لإبقاء دول المنطقة ممزقة، مستنزفة، وغير قادرة على حماية نفسها.

التهديد الوجودي

لطالما كان للجغرافيا تأثير كبير على سلوكيات البشر والكيانات السياسية، فالدول المطلة على البحار، سلوكها ونظريات أمنها القومي تختلف عن الدول الداخلية، كما الدول ذات المساحة الصغيرة والدول التي تحظى بمساحات كبيرة ارتباطًا بالتعداد السكاني.

إسرائيل، منذ إنشائها وحتى الآن، تعيش عقدة الديمغرافيا قليلة العدد، وانحسار الجغرافيا لمحدودية مساحة فلسطين المحتلة، ما يجعلها على الدوام تتحدث عن مواجهتها تهديدات وجودية، وذلك لعدة أسباب، منها:

1- الشعور العميق لدى الإسرائيليين بالاغتراب، وعدم الأصالة، وانعدام اليقين؛ فإسرائيل نبتٌ من خارج نسيج المنطقة العربية، واتصالها بالغرب وسياساته الاستعمارية يجعلها دائمة القلق.

وهذا يفسر سبب حرصها الدائم طوال 77 سنة من الاحتلال على اعتراف الشعب الفلسطيني بشرعية وجودها كدولة يهودية.

2- محدودية مساحتها وفقدانها العمق الجغرافي؛ فرغم قوتها العسكرية المدعومة من واشنطن وعموم المنظومة الغربية، فإنها تعيش خشية متعاظمة مع مرور الزمن، لا سيما في السنوات الأخيرة، مع التقدم الكبير في منظومات الصواريخ والمسيرات الهجومية التي أصبحت متاحة لأغلب الدول، كما هو الحال مع إيران التي قصفت بعنف مواقع إسرائيلية حساسة بصواريخها الفَرط صوتية ردًا على العدوان الإسرائيلي عليها في الشهر الماضي.

3- توسع ظاهرة المقاومة المناهضة للاحتلال الإسرائيلي من داخل فلسطين وعبر الحدود، كما تقوم بذلك حركة حماس والمقاومة الفلسطينية وحزب الله اللبناني، إضافة إلى خشية إسرائيل من تداعيات ارتفاع منسوب العداء لها من قبل الشعوب العربية؛ بسبب سياساتها وجرائمها بحق الشعب الفلسطيني، والتي دفعت الشعب اليمني لنصرة غزة في مواجهة الإبادة الجماعية.

في ظل هذه البيئة السياسية الرافضة للاحتلال، تعيد إسرائيل النظر في محددات أمنها القومي، بإدخال عنصر التوسع الجغرافي في المنطقة لمواجهة تحدياتها الأمنية الوجودية، مستعينةً بأساطير توراتية لتضفي القداسة والشرعية اللاهوتية على احتلالها أراضي الدول العربية المجاورة لفلسطين المحتلة.

الجغرافيا والأمن القومي

مشروع “ممر داود” يشكل رأس جسرٍ بري لاختراق بلاد الشام حتى شمال العراق، توطئة لاختبار إمكانية تمدد الاحتلال في أراضي الدول العربية، تحقيقًا لفكرة إسرائيل الكبرى.

الأهداف المنشودة لمشروع “ممر داود”، تتمثل في عدة أمور منها:

    توسيع مساحة إسرائيل بالسيطرة على أراضٍ عربية كجزء من إسرائيل الكبرى إن استطاعت إلى ذلك سبيلًا، وإن لم تتوفر الظروف والبيئة المناسبة لذلك، فيمكن تحويل الممر إلى منطقة هيمنة لإسرائيل بالتعاون مع “الدروز” جنوبًا و”الأكراد” شمالًا، وبغطاء أميركي، حيث تتواجد القوات الأميركية شرق الفرات.

    خلق بيئة لتقسيم سوريا على أساس طائفي وعرقي؛ كيان درزي جنوب سوريا في السويداء، وكردي شرق الفرات، وعَلوي على الساحل، وسني عربي في الوسط، ما يؤدي إلى إضعاف سوريا وإنهاكها على المدى الطويل.

    الفصل بين سوريا والعراق، وإضعاف فرص التنسيق بينهما كدولتين عربيتين مهمتين مناهضتين للاحتلال الإسرائيلي.

    إضعاف النفوذ الإيراني بقطع خط التواصل بين طهران وبيروت، عبر السيطرة على الحدود الشرقية لسوريا مع العراق، ما يعني إضعاف حزب الله كقوة مقاومة ضد إسرائيل.

    الاقتراب من حدود تركيا الجنوبية وتهديد أمنها الإقليمي كدولة منافسة ومزاحمة لإسرائيل في الشرق الأوسط، وتقليص نفوذها داخل سوريا بعد نجاح الثورة السورية.

    التدخل في الشؤون العراقية الداخلية عبر المكونات الطائفية والعرقية.

    الاستفادة من مصادر الطاقة والأراضي الزراعية شرق الفرات.

ختامًا

اشتباكات محافظة السويداء بين مليشيات درزية تابعة لـ (حكمت الهجري) وبين العشائر العربية في منتصف يوليو/ تموز الجاري، ربما كانت فعلًا مقصودًا بتحريض إسرائيلي، لدفع الجيش السوري والأجهزة الأمنية للتدخل، ما يؤدي إلى تكرار تدخل إسرائيل في المشهد السوري بذريعة الدفاع عن الدروز، لتثبيت واقع نزع سلاح الدولة السورية في المحافظات الجنوبية، ولتدمير ما يمكن تدميره لإعاقة البناء والنهوض في سوريا، بعد نجاح الإدارة السورية الجديدة في اختراق الحصار المضروب عليها.

هذا الاشتباك بين الدروز من أتباع (حكمت الهجري) والعشائر العربية، أعطى مؤشرًا مهمًا على دور إسرائيل التخريبي في سوريا، ولعبها على وتر الطوائف والأقليات، لإنهاك سوريا، وتعظيم التدخل والنفوذ الإسرائيلي فيها.

إسرائيل متحفزة لاستمرار ضغطها على دمشق لدفعها للقبول بشروطها، وفي مقدمتها الاعتراف بإسرائيل، والتطبيع معها، والتنازل عن هضبة الجولان وأراضٍ سورية أخرى في الجنوب السوري.

إن حصل اعتراف دمشق بوجود إسرائيل على أرض فلسطين المحتلة، وهو أمر مستبعد، فلن يحول دون أطماع إسرائيل في سوريا والأراضي العربية، لقناعة إسرائيل بأن العرب لا يأتون إليها إلا مذعنين ضعفاء تحت سيف القوة، ما يزيد شراهتها الاستعمارية وتطلعها لكسب المزيد.

في هذا السياق، فإن فكرة مشروع “ممر داود” تُعد تحديًا إستراتيجيًا لسوريا والعراق ولبنان وإيران وتركيا، ما يستدعي النظر إليه باهتمام، والنظر في كيفية مواجهته، ومواجهة عبث إسرائيل في أمن المنطقة التي تعيش حالة من انعدام اليقين، بسبب رعونة إسرائيل التي ترى نفسها فوق القانون وخارج نطاق المحاسبة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

كاتب ومحلل فلسطيني

الجزيرة

—————————-

السويداء وتحدي إسرائيل الصريح لسوريا/ محمود علوش

21/7/2025

يُشكّل الاتفاق الأخير الذي سمح بدخول الدولة السورية إلى السويداء بهدف تهدئة التوترات الدامية بين أبناء العشائر ومجموعات مقاتلة يقودها رئيس طائفة الموحدين الدروز حكمت الهجري، فرصة للحد من تصاعد التوترات في العلاقة بين الدروز والدولة السورية عقب الاشتباكات الأخيرة.

لقد خلق هذا التوتر هامشًا جديدًا لإسرائيل لتعزيز نفوذها في سوريا، بهدف تحقيق هدفين رئيسيين:

    الأول، إضعاف الوجود المتكامل للدولة السورية في السويداء لدعم فكرة إقامة كيان محلي في المحافظة.

    والثاني، جعل جنوب سوريا منطقة منزوعة السلاح.

ومع ذلك، لا تقتصر الأهداف الإستراتيجية الإسرائيلية في سوريا على هذين الهدفين. فتحقيقهما يُمثّل مدخلًا لتحويل جنوب سوريا إلى منطقة تخضع للإدارة الأمنية الإسرائيلية على المدى البعيد، وتعزيز رؤيتها لسوريا كدولة مقسّمة طائفيًا، تُديرها حكومة غير قادرة على بسط سيطرتها على جميع أراضيها.

إن حقيقة أن التدخل الإسرائيلي قد أسهم في تعميق الفجوة بين الدروز والدولة السورية- إلى جانب الدعم الأميركي الإقليمي للاتفاق الأخير- تُسلّط الضوء على الدوافع العميقة لأزمة السويداء.

تتمثّل هذه الدوافع في مقاومة فكرة الدولة المركزية في المحافظة، والتدخلات الإسرائيلية في الشأن السوري، وتأثير سياسات القوى الإقليمية والولايات المتحدة في توجيه الديناميكيات السورية في مرحلة ما بعد الإطاحة بنظام الأسد.

يعتمد نجاح الاتفاق بشكل أساسي على ثلاثة عوامل:

    قدرته على معالجة الآثار العميقة للانقسام الطائفي في العلاقة بين الدروز والدولة.

    طبيعة السياسة الإسرائيلية في سوريا، التي تلعب دورًا حاسمًا في تعزيز فكرة جنوب سوريا كمنطقة خالية من السلاح، مع تقليص حضور الدولة فيها إلى الجوانب الإدارية والشرطية فقط.

    تأثير الولايات المتحدة على إسرائيل لضبط سلوكها في سوريا، ومنع تحوّل هذا السلوك إلى تهديد للرؤية الأميركية لسوريا كدولة موحّدة لا تُشكّل مصدرًا للفوضى في محيطها الإقليمي.

وعلى الرغم من أن الاتفاق الأخير يقوم على أرضية غير مستقرة تمامًا، ويظل عرضة للانهيار أو الفشل في تحقيق استقرار دائم في السويداء، إلا أنه يُقدّم ثلاثة مؤشرات بارزة:

    الأول: أن أحداث السويداء قد أدخلت العلاقة بين إسرائيل والنظام الجديد في سوريا مرحلة جديدة، خاصة أنها كانت أول مواجهة كبيرة بين الطرفين.

يعكس هذا أن أزمة السويداء تُمثّل، في جوهرها، تحديًا بين سوريا وإسرائيل، أكثر من كونها نزاعًا بين دمشق والدروز، أو بين العشائر والدروز. وعليه، فإن الاشتباكات العنيفة بين العشائر ومجموعات الهجري لم تكن سوى صراع بالوكالة بين الدولة السورية وإسرائيل.

    الثاني: يُظهر قبول إسرائيل بدخول الدولة السورية لتهدئة التوتر في السويداء أن محاولات إسرائيل لمنع حضور الدولة السورية في المحافظة غير واقعية. فقد أدّى غياب الدولة إلى تهديدات أمنية أكبر بكثير مما تزعم إسرائيل أنه يُشكّل خطرًا على الدروز.

تُبرز الاشتباكات الدامية بين العشائر ومجموعات الهجري أن تكلفة إقصاء الدولة عن السويداء وجنوب سوريا باهظة، وتُفاقم من هشاشة الاستقرار الأمني والاجتماعي في المنطقة.

وقد نجح الرئيس أحمد الشرع في استخدام ملف العشائر كأداة ضغط لتذكير إسرائيل بهذه التكاليف. ومع ذلك، فإن بروز العشائر كقوة مؤثرة في تشكيل ديناميكيات جنوب سوريا قد يُعقّد المشهد بدلًا من تبسيطه، وقد يُشكّل مدخلًا لأطراف متعددة لمحاولة استغلال الحالة العشائرية لخدمة مصالحها في المنطقة.

    الثالث: نجحت إسرائيل في تعزيز دورها كجهة تُحدّد طبيعة حضور الدولة السورية في السويداء وجنوب سوريا بشكل عام.

هذا التطوّر سيترك تداعيات كبيرة على النفوذ الإسرائيلي في ديناميكيات الوضع السوري، خاصة في الجنوب، ويفتح الباب أمام مخاطر تهدد وحدة سوريا وسيادتها على أراضيها في المستقبل القريب والبعيد.

وعليه، فإن دعم إسرائيل لمجموعات الهجري في مواجهة الدولة لم يؤدِ فقط إلى فرض تكاليف على دمشق، بل أيضًا إلى تكريس دور إسرائيل في تشكيل معادلة الأمن في الجنوب، وفي تحديد طبيعة العلاقة بين الدروز ودمشق.

تُبرز هذه العوامل المعقّدة التي تُحرّك ملف الجنوب السوري التحديات الكبيرة التي تواجه وحدة سوريا واستقرار حكمها الجديد. فالبلاد لم تتجاوز بعد دائرة المخاطر الجسيمة، والتي قد تتفاقم في أي لحظة نتيجة الهشاشة في حسابات القوى الإقليمية والدولية الفاعلة في المشهد السوري.

كما أن البيئة المحلية المتوترة في العلاقة بين الدروز والدولة ستظل عامل ضغط على أي تنسيق بين سياسات إسرائيل والولايات المتحدة وتركيا والقوى الإقليمية الأخرى في سوريا.

ومع ذلك، فإن الحقيقة التي يتعيّن استيعابها بعد أحداث السويداء، والمخاطر التي لا تزال تواجهها في مناطق أخرى، هي أن المدخل الأساسي لتعزيز المناعة ضد هذه المخاطر يكمن في إطلاق عملية لترميم النسيج الوطني السوري، ومواجهة الخطاب الطائفي التحريضي الذي يُعيق بناء علاقة مستقرة بين الدولة الجديدة ومكونات المجتمع المتنوعة.

وفي حالة السويداء، فإن الاتفاق الأخير – إذا ما تحقّق استقراره على المدى الطويل – يُمكن أن يُوفّر بيئة مواتية لمعالجة الانقسام الطائفي الخطير، وإرساء علاقة واضحة بين الدولة والسويداء.

هذا هو السبيل الوحيد للحد من قدرة إسرائيل على الاستمرار في استغلال الحالة الدرزية لخلق المزيد من التحديات لسوريا الجديدة، وصرف تركيزها عن تحقيق الاستقرار والتعافي.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

باحث في العلاقات الدولية

الجزيرة

————————–

سوريا وإسرائيل… الباب لم يُغلق بالكامل بعد أحداث السويداء/ مايكل هراري

إعادة النظر في التصرفات بعقلانية

آخر تحديث 22 يوليو 2025

كشفت الأحداث العنيفة في السويداء عن مدى تعقيد المشهد السوري، مؤكدة الحاجة إلى التحلي بالصبر وصياغة سياسات حكيمة لقيادة البلاد نحو الاستقرار. وعلى الرغم من أن هذه التطورات لا تُعد بالضرورة دليلا على فشل القيادة الجديدة في دمشق، فإنها تكشف بوضوح عن وجود حاجة ملحة، كما هو الحال في مناطق سورية أخرى، إلى دمج الأقليات الدينية والإثنية ضمن مشروع إعادة بناء الدولة. وتشكل خطورة ما جرى في السويداء نقطة تحول حاسمة في مسار النظام السوري، وكذلك بالنسبة لجميع الأطراف الأخرى، محليا ودوليا.

وفي هذا السياق، يصبح فهم التركيبة السكانية للمنطقة أمرا ضروريا، إذ تضم السويداء عددا كبيرا من أبناء الطائفة الدرزية، إلى جانب قبائل بدوية. ويُعد التوتر القائم بين هاتين الجماعتين مسألة قديمة، تمتد جذورها إلى سنوات طويلة. وخلال سنوات الحرب، برزت قوى محلية متعددة داخل المجتمع الدرزي، تمثلت في ميليشيات متنوعة التوجهات، اعتمد بعضها على الولاءات العائلية أو العشائرية. وبينما حافظ بعضها على علاقات مستقرة نسبيا مع نظام الأسد، اتخذ بعضها الآخر موقفا أكثر استقلالية، مصرا على الحفاظ على ما اكتسبه من حكم ذاتي بحكم الأمر الواقع. في المقابل، تنقسم القوى في صفوف البدو وفق خطوط قبلية واضحة.

في خضم هذه التوترات، اضطر الشرع إلى التدخل في الاشتباكات التي اندلعت بين الفصائل المتنازعة، ساعيا إلى استثمار اللحظة لتعزيز سلطته المركزية. غير أن طبيعة التدخل تثير تساؤلات، إذ لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت الوحشية التي مارستها قواته جاءت بأمر مباشر منه، أم كانت نتيجة لتصعيد ميداني محلي تأثر بتشكيلة القوات المشاركة، بما في ذلك وجود مقاتلين أجانب.

ومع ذلك، من الواضح أن الشرع خسر جزءا من رصيده السياسي، على الصعيدين المحلي والدولي، لا سيما في نظر مكونات الشعب السوري المتعددة دينيا وعرقيا. وعلى صعيد العلاقة بإسرائيل، يبدو أن الاتصالات بين الجانبين لا تزال قائمة، لكن مستوى التنسيق وفهم الإشارات المتبادلة لم يكن واضحا بشكل كامل.

ومن منظور إسرائيلي، لا يبدو الوضع أقل تعقيدا. فقد سلّط تدخل تل أبيب في النسيج العرقي والديني السوري الضوء على مدى حساسية وخطورة هذا المسار وما ينطوي عليه من إشكاليات. ويُعد إدراج المكون الدرزي ضمن الحسابات الاستراتيجية الإسرائيلية أمرا مفهوما ومبررا في بعض الجوانب، إذ ترى إسرائيل أن علاقتها بالدروز داخل حدودها لا يمكن تجاهلها. فهؤلاء يشكّلون جزءا من النسيج المجتمعي الإسرائيلي، ويشاركون في مؤسساته، بما في ذلك الخدمة العسكرية الإلزامية، رغم التوتر المتزايد في الداخل الإسرائيلي في ظل قانون الدولة القومية ومناخ الاستقطاب المتزايد خلال السنوات الأخيرة.

وقد دفع هذا الارتباط والتضامن بين دروز إسرائيل وأبناء طائفتهم في سوريا، تل أبيب إلى التدخل بدافع الحماية. كما أن لهذا التدخل بعدا سياسيا داخليا، يتمثل في السعي إلى كسب أصوات الدروز في الانتخابات المقبلة. غير أن الأسلوب الذي انتهجته إسرائيل، وخاصة من خلال شن هجمات مباشرة على أهداف تابعة للنظام في دمشق، لم يكن بنّاءً. بل إن تقديم نفسها كـ”وصي” على الطائفة الدرزية السورية أضعف قدرتها على بلورة استراتيجية متماسكة تجاه الملف السوري.

ورغم ذلك، فإن المصالح الاستراتيجية لإسرائيل في جنوب سوريا تبدو محددة بوضوح. فهي تسعى إلى الحفاظ على منطقة منزوعة السلاح، بما في ذلك التوصل إلى تفاهمات حول طبيعة القوات التي تؤمّن المنطقة العازلة، وتطالب بضمانات سورية تكفل حماية الأقلية الدرزية. كما أنها تربط انسحابها من المناطق التي تقدمت إليها مؤخرا بتنفيذ النظام لهذه الشروط. وتعتقد إسرائيل أن تفوقها العسكري، المدعوم أميركيا، رغم ما يشوبه أحيانا من خلافات أو سوء فهم، يمنحها القدرة على التحرك بحزم، بل بسرعة وعنف مفرطين، كما تجلى في الأحداث الأخيرة، من أجل فرض شروطها وتحقيق مصالحها.

ورغم حدة الأزمة الراهنة، فإن الباب لم يُغلق بالكامل أمام تفاهمات أوسع بين سوريا وإسرائيل. غير أن تحقيق ذلك يتطلب من الطرفين إعادة النظر في تحركاتهما بعقلانية أكبر وحسابات أكثر اتزانا. ومن المرجح أن الشرع لا يرغب في التفريط في المكاسب الدبلوماسية التي حققها على المستويين الإقليمي والدولي خلال فترة قصيرة. كما يبدو مدركا أن الشرط الأساسي للحصول على الدعم الدولي السخي الذي تحتاجه سوريا يكمن في ترسيخ السلطة المركزية، لا عبر القمع والعنف، ولا من خلال إعادة إنتاج مشاهد الوحشية التي سبقت سقوط الأسد، بل عبر تجنب الصدام مع جيران سوريا، وفي مقدمتهم إسرائيل.

أ.ف.ب أ.ف.ب

قوات الأمن العام الحكومية تقف بالقرب من حاجز ترابي أثناء انتشارها في بصر الحرير في محافظة درعا جنوب سوريا في 21 يوليو

في المقابل، تجد إسرائيل نفسها أمام حاجة ملحة لإعادة النظر في ثغرات استراتيجيتها تجاه سوريا. فهي ما زالت تشكك في مدى تحول الشرع أو قابليته للتحول، كما أنها لم تحسم موقفها من فكرة دعم نظام مركزي قوي ومستقر في دمشق، يكون قادرا على التعامل مع مصالحها الاستراتيجية، لكنه قد ينتهي به الأمر إلى تبني توجهات إسلامية متشددة.

ظاهريا، توحي مصالح الجانبين، السوري والإسرائيلي، بضرورة مواصلة الجهود لصياغة تفاهمات متبادلة، لا سيما في جنوب سوريا، بما قد ينعكس على بقية أنحاء البلاد. ويمكن، بل ينبغي، أن تُشكّل أحداث العنف في السويداء حافزا لفهم أعمق للمصالح المشتركة، التي، كما ذُكر، ليست قليلة. أما الولايات المتحدة، فيُنتظر منها أن تضطلع بدور أكثر فاعلية، يتمثل في توجيه الطرفين بوضوح نحو ما ينبغي فعله، ومساعدتهما على تحديد أولوياتهما الاستراتيجية.

المجلة

—————————-

«رئاسة الجمهورية» وفرصة أخرى مهدورة/ دمّر سليمان

لم تكن مأساة السويداء قدراً محتوماً

22-07-2025

        في صباح 19 تموز (يوليو) 2025، وبعد أكثر من أسبوع على التصعيد الدامي الذي شهدته محافظة السويداء، خرج رئيس الجمهورية في المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، بخطاب مُتلفز طال انتظاره. خطابٌ بدا كأنه محاولة متأخرة للإمساك بلحظة وطنية تتداعى أمام العنف الأهلي المتصاعد، لحظة تستدعي استشعار ثقل المسؤولية السياسية والاجتماعية التي يُفترض أن تليق بموقع الرئاسة، لكنها أيضاً، ويا للأسف، لحظة كانت كفيلة بأن تكشف هشاشة السلطة الانتقالية وعجزها عن تحويل المشهد إلى قطيعة حقيقية مع تركات النظام الأسدي.

        ففي صبيحة 11 تموز 2025، شهدت مدينة السويداء حادثة خطف ونهب راح ضحيتها سائق شاحنة درزي على طريق دمشق – السويداء، في حادثة ليست الأولى من نوعها، بل في سياق ممتدّ لسنوات من الانفلات الأمني والنهب وقطع الطرقات، التي غالباً ما اتُّهمت بها مجموعات مسلحة من أبناء القبائل البدوية المنتشرة في بادية السويداء. كانت هذه الحادثة شرارة التي فجّرت غضباً مكبوتاً لدى أبناء المدينة، وسرعان ما تحولت إلى اشتباكات مفتوحة بين مجموعات محلية مسلحة، معظمها تدين بالولاء لشيخ عقل طائفة الموحدين الدروز حكمت الهجري، وبين تجمعات بدوية في محيط المدينة وداخل بعض القرى المختلطة.

        لم تكن تلك الاشتباكات مجرد حادث أمني عابر، بل تجسيداً لصراع دفين ومُركَّب بين المكونات المحلية في المحافظة، حيث تتقاطع سرديات الظلم التاريخي مع الانقسام الطبقي والهشاشة الاقتصادية، فضلاً عن تنامي النزعات العصبوية، في ظل غياب كامل لمؤسسات الدولة وأجهزتها عن لعب أي دور فعلي في ضبط الأوضاع. وزاد الطين بلة أن وزارتي الدفاع والداخلية في الحكومة المؤقتة، اللتين كان يُفترض بهما التحرك لوقف النزاع وحماية المدنيين، اكتفيَتا بإصدار بيانات إعلامية مضطربة، قبل أن تُعلن قواتهما عن تدخل عسكري «لضبط الأمن».

        غير أن هذا التدخل لم يكن محايداً كما زُعِم، بل سرعان ما انقلب إلى مواجهات دامية بين قوات وزارة الدفاع في السلطة الانتقالية والفصائل المحلية الدرزية، رافقتها انتهاكات واسعة بحق السكان الدروز من قتل وتهجير وإحراق للمنازل.

         في ذروة التصعيد، وفي خطوة لم تكن مفاجئة إلا لوزير الدفاع السوري، شنَّ الطيران الإسرائيلي غارة جوية على مقر قيادة الأركان في دمشق، مُوجِّهاً رسالة لا لبس فيها: إيقاف العملية العسكرية فوراً وسحبُ القوات من السويداء. استجابت الرئاسة السورية في المرحلة الانتقالية، وتم الإعلان عن وقف لإطلاق النار، لكنه كان وقفاً هشاً، لأن الأرض كانت قد تشبعت بالغضب والثأر والأحقاد التي يصعب احتواؤها بقرار فوقي لا يملك أدوات إنفاذه على الأرض. ارتُكبت أعمال عنف بحق العديد من السكان البدو في المحافظة من قبل بعض أصحاب الرؤوس الحامية، ثم في تجاوز جديد لمفهوم الدولة أُطلقت دعوات النفير بين القبائل البدوية في عموم البادية السورية تحت شعار «نصرة أهلهم في السويداء»، الأمر الذي سمح للعديدين من العناصر التابعين لوزارتي الدفاع والداخلية والعديد من الأجانب والمتطرفين بالتنكر بملابس القبائل البدوية والدخول في القتال وارتكاب العديد من المجازر والانتهاكات.

        لم تكن مأساة السويداء قدراً محتوماً، بل نتيجة للعجز عن معالجة الجراح العميقة بين مكونات المجتمع، وعن تفكيك منظومة العنف التي زرعها النظام السابق في بنية السلطة والمجتمع معاً. وما كان ينبغي أن يحدث هو أن تتحرك الرئاسة سريعاً، لا كطرف يُمسك بخيوط التوازنات الهشة، بل كضامن لوحدة المجتمع السوري على قاعدة المواطنة المتساوية، لا كوصي على طائفة أو قبيلة.

        بدلاً من ذلك، جاء خطاب الشرع باهتاً، عمومياً، يتحدث عن «الألم السوري المشترك» ويدعو إلى «التعقل والحوار»، دون أن يُسمي المسؤوليات بوضوح أو يتعهد بآليات محددة لمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات التي ارتُكبت بحق المدنيين من الطرفين. كان السوريون ينتظرون خطاباً يؤسس لمنع تكرار المجازر، ويُعلن موقفاً واضحاً من تواطؤ بعض الأجهزة الأمنية والعسكرية، ويدعو إلى نزع السلاح من كافة الأطراف، لكنهم وجدوا أنفسهم أمام نسخة أخرى من خطابات التوازن البارد، كما لو أن الرئاسة قررت أن تبقى متفرجاً على وطن يتفكك قطعةً قطعة. في بداية الكلمة شكر الرئيس المؤقت قوات العشائر على «فزعتها»، الأمر الذي يُعيد بدوره إلى أذهان العديد من السوريين شكر الرئيس الهارب في العام 2011 لمليشيات اللجان الشعبية.

        المأساة لا تكمن فقط في الفشل السياسي، بل في أن هذا الفشل يُعيد إنتاج العنف بوصفه شكلاً مستداماً من أشكال السياسة. عندما تغيب الدولة بوصفها مؤسسات حامية ومحايدة، يُترَك المجتمع لمصيره في قبضة زعماء الطوائف وأمراء الحروب. فتتسع الفجوة بين الدولة والمجتمع، ويُصبح العنف وسيلة للتفاوض على الحقوق والهويات والموارد، بدل أن تكون القوانين والمؤسسات هي الإطار الحاكم.

        ربما يكون الشرع قد أدرك متأخراً حجم الكارثة، وربما شعر بخطورة ترك النزاع الأهلي يستشري، لكن الأوان كان قد فات. فالتاريخ لا ينتظر الخطابات المُرتجِفة، والمجتمعاتُ التي تتركها السلطة في عراء الثأر لا تستعيد توازنها بخطاب تعزية سياسية.

        إن مسؤولية الرئاسة اليوم لا تقتصر على إصدار الأوامر بوقف إطلاق النار، بل تتجاوزها إلى إعادة تعريف معنى السلطة في سوريا الجديدة: سلطة تحمي الجميع، تُخضِعُ الجميع لحكم القانون، وتضع حدوداً فاصلة لا تُخترَق بين الدولة والعصابة، بين الجيش والمليشيا، بين السياسة والثأر. دون ذلك، ستظل رئاسة الجمهورية مجرد مكتب فارغ يملؤه خطاب بارد، فيما تتساقط المدن والبلدات في حفرة العنف واحدة تلو الأخرى.

        خاتمة: مرآة الوطن المكسورة

        لكن، لعل المأساة الأكبر في مشهد السويداء اليوم، وفي غيرها من الجغرافيات السورية التي احترقت وتحترق، ليست في القتل أو الفتنة بحد ذاتها، بل في هشاشة فكرة الدولة ذاتها في المخيال السوري. الدولة التي كان يُفترَض بها أن تحمي جميع مواطنيها، أن تُبقي السلاح خارج المجتمع، وأن تصون كرامة الجميع بلا تمييز، تبدو اليوم مجرد شبح يتنقل بين الخُطَب المتلفزة والبيانات الإنشائية.

        هذا ما يجعل العنف السوري مُستداماً: ليس لأنه قدر، بل لأن الدولة لم تُخترَع من جديد على أسس المواطنة الحقة والعدالة والمُساءلة. وربما ما يزال أمام السوريين، ومنهم الرئيس في المرحلة الانتقالية، لحظة نادرة لإعادة صياغة هذا الاختراع، قبل أن يبتلعهم مجدداً زمن القتل المجاني وتاريخ الحروب الصغيرة التي لا تنتهي.

        قد تكون السويداء اليوم مرآتنا جميعاً؛ فيها تتجلى هشاشتنا، كما تتجلى فرصتنا الأخيرة لنكون مجتمعاً لا طوائفه، وشعباً لا قبائله، ووطناً لا كانتوناته الدامية.

موقع الجمهورية

——————————

 بدو السويداء.. عن أوّل “تهجير قسري” في سوريا الجديدة/ سعيد اليوسف

2025.07.22

في صباح يوم الإثنين، 21 تموز 2025، شهدت سوريا أوّل عملية تهجير قسري علني، منذ سقوط نظام المخلوع بشار الأسد في 8 كانون الأول 2024، حيث خرجت مئات العائلات من عشائر البدو عبر حافلات -بيضاء هذه المرّة لا خضراء- باتجاه ريف درعا.

رُوّج لهذه العملية -وفق الإعلام الرسمي- على أنها “إجلاء” أو “خروج الراغبين”، وجرت بإشراف مباشر من قادة الأمن الداخلي في الجنوب السوري، لكن الوقائع تكشف أنها استنساخٌ مروّع لسياسات النظام السابق، الذي حوّل التهجير القسري إلى أداةٍ ممنهجة، قبل سقوطه.

المختلف هذه المرّة، أن الفاعلين ليسوا من أذرع النظام البائد، بل طرفان يُفترض أنهما من بين مَن ثاروا عليه وعلى أساليبه القمعية والمنهجية، وفي مقدّمتها التهجير القسري، لكنّهما -للأسف- توصّلا معاً إلى اتفاقٍ يقضي بتهجير عائلات من بيوتها وأراضيها، ما يثير تساؤلات مؤلمة حول استمرارية تلك الممارسات وتكرارها!؟

والطرفان هما: الدولة السورية، وفصائل محليّة يقودها حكمت الهجري (أحد مشايخ الطائفة الدرزية)، الذي يواصل فرض سياسة “الأمر الواقع” في محافظة السويداء، متحدياً الدولة، ورافضاً كل مبادراتها لضبط السلاح وترسيخ سلطتها في المنطقة.

كيف بدأت الأحداث الدامية في السويداء؟

قبل أسبوع وتحديداً صباح الأحد (13 تموز 2025)، اندلعت اشتباكات دامية في محافظة السويداء بين فصائل محلية (درزية) ومجموعات مسلّحة من البدو، أدّت إلى وقوع عشرات القتلى والجرحى، بينهم نساء وأطفال.

المواجهات التي اندلعت على خلفية عمليات خطفٍ متبادلة، تركّزت في حي المقوّس شرقي مدينة السويداء، وسط توتر غير مسبوق وتبادل للاتهامات بين الطرفين بشأن مسؤولية التصعيد، ما دفع قوات الجيش والأمن الداخلي إلى إطلاق عملية تهدف إلى بسط الأمن، حيث تمكّنت خلال ساعات من دخول المدينة والانتشار على أطرافها.

في البداية، رحّب “الهجري” بهذا التدخّل، لكنّه انقلب عليه بعد ساعات مدّعياً أنّه فُرض عليه بالقوة، وتزامن انقلابه مع عدوانٍ إسرائيلي استهدف بشكل مباشر، مقار حكومية (هيئة الأركان) ومحيط قصر الشعب في العاصمة دمشق، بحجة “حماية الدروز”، في رسالة واضحة تعكس مستوى التداخل بين الصراع المحلي والتدخّل الخارجي.

العدوان الإسرائيلي، أجبر قوات الجيش والأمن على إعلان الانسحاب من باب “حماية الوطن”، بحسب وصف الرئيس السوري أحمد الشرع، الذي علّق على تطورات الأحداث في السويداء، التي شهدت عقب ذلك، انتهاكات وفظائع وتجاوزات، دفعت مقاتلي العشائر إلى مؤازرة مجموعات البدو، وإرسال تعزيزات إلى المنطقة.

تجدّدت الاشتباكات داخل مدينة السويداء وعلى أطرافها، بين الفصائل المحلية ومقاتلي العشائر، ليتطور الأمر سريعاً إلى صراع دموي اتخذ طابعاً طائفياً بين (دروز وسنّة)، وتحوّل من خلاف محلي إلى خطر يهدّد النسيج الاجتماعي في عموم الجنوب السوري.

تعثّر الدولة وعودة أدوات “الأسد”

منذ إسقاط نظام الأسد، تحوّلت السويداء إلى عقدة أمام محاولات الدولة الجديدة فرض سيادتها وبسط القانون فيها، وبدلاً من انخراط الفصائل المحلية في مؤسسات الدولة، عزّزت -بتوجيه مباشر من حكمت الهجري- نفوذها وتصرّفت كـ”سلطة أمر واقع”.

ورغم محاولات الدولة المتكررة لإنهاء الاقتتال الأخير، ظلّ حكمت الهجري متعنتاً، ورفض كل جهود التهدئة، وواصلت فصائله فرض الواقع العسكري في السويداء، واقع يستند إلى تهديداتٍ بتدخّل إسرائيلي في أي لحظة.

وعندما حاولت الدولة تجنّب الصدام عبر سحب قوات جيشها وأمنها ومطالبة مقاتلي العشائر بالانسحاب، قوبل هذا التجنّب بالتمادي من قبل “الهجري” وأنصاره، الذين تباهوا بانتصارهم، خاصّةً بعد التوصّل إلى اتفاق في 20 تموز الجاري، قضى -وفق المتفقين- بـ”الإفراج” عن عائلات العشائر المحتجزة في المحافظة، ونقلها إلى ريف درعا.

وهكذا، تكرّرت سيناريوهات التهجير القسري، التي سبق وطبّقها نظام الأسد البائد في حلب وحمص والغوطة، إذ يعدّ تكرارها سابقة خطيرة قد ترّسخ الانقسامات وتعيد إنتاج الأدوات القمعية نفسها التي عانى منها السوريون طوال سنوات الثورة.

“التهجير جريمة”

التهجير القسري ليس حلًّا لأيّ نزاع، بل هو جريمة تُرتكب ضدّ الإنسانيّة وتُعمّق جراح المجتمع، فعندما يُجبر الناس على مغادرة بيوتهم وأراضيهم تحت التهديد أو بفعل المخاوف، فإنّهم لا يفقدون ممتلكاتهم فحسب، بل يفقدون أيضاً هويّتهم وكرامتهم.

ومن المؤسف أنّه بعد إسقاط نظام الإجرام وتحرير سوريا من استبداده، استُخدمت بعض أساليبه القمعية، فبدلاً من حفظ حقوق الجميع عبر فرضٍ حقيقي للأمن وحماية المدنيين ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات والتجاوزات، تم اللجوء إلى الحل الأسهل والأكثر قهراً: “تهجير الناس من أرضهم”!

نعم، ما جرى في السويداء من “إجلاء” لعشرات العائلات من البدو، جريمة موصوفة، تحمل كل مواصفات التهجير القسري المُجرَّم دولياً، فالذين أُجبروا على مغادرة قراهم وبلداتهم، لم يكن أمامهم خيار آخر، في ظل الانتهاكات والتهديد وفشل الدولة في حمايتهم.

والحقيقة، أنّ الدولة التي تعجز عن حماية جميع مواطنيها، تَفقد هيبتها، إذ كان من واجبها التدخل بحزم لوقف الاشتباكات من دون الانحياز إلى أي طرف، ومنع تهجير الأهالي تحت أي ظرف، بدلاً من الإشراف عليه تحت مسميات لن تُخفّف من وطأة المأساة، كـ”إجلاء المصابين والمحتجزين” أو “خروج الراغبين”.

“الحل في الحوار”

ومع ذلك ورغم فداحة ما حدث، ما يزال بالإمكان لجم هذا الانهيار، شرط أن تتحمّل الدولة كامل مسؤولياتها، وتُعيد ضبط الأمور في السويداء من خلال فتح حوار مجتمعي حقيقي يُنهي رواسب الطائفية والانقسام، ويمنع تهجير الناس، فالمهجّرون اليوم سيُصبحون وقوداً لثارات المستقبل إن لم تُعالج قضيتهم بعدالة، وإن لم يشعروا بأنّ هناك دولة تحميهم وتُنصفهم.

أبداً لا يمكن إدانة التهجير الذي كان يمارسه نظام الأسد البائد، ثم السكوت عن تهجيرٍ مماثل جاء بعد سقوطه، إنّ عار التهجير القسري سيبقى وصمةً في جبين مَن شارك فيه أو سكت عنه، وسيُسجّله التاريخ كواحدة من أكبر الخيانات لمبادئ الثورة السورية التي اندلعت ضد الظلم، وعلّمتنا بأنّه لن يدوم، فالشعوب التي تُهجّر قسراً ستعود يوماً، ولو بعد حين.

تلفزيون سوريا

——————————

 السويداء.. إطفاء الحريق أهم من البحث عن أسبابه/ عبد القادر المنلا

2025.07.22

رغم كل التخوفات التي صاحبت فترة ما بعد سقوط الأسد، ورغم السيناريوهات المتشائمة المتعددة التي حاول السوريون تجنبها، إلا أن أحداث السويداء فاقت أشد السيناريوهات سوداوية، فهي إنذار شؤم قد يفضي -إذا ما استمر الحال على ما هو عليه، أو تم تصعيده أكثر- إلى تحطم الحلم السوري ودخول البلاد في نفق أشد إظلاما وإيلاماً من كل الأحداث التي مرت بها البلاد خلال الأربع عشرة سنة السابقة.

القنبلة الموقوتة في السويداء انفجرت لسوء حظ السوريين جميعاً وتناثرت شظاياها على أطراف سوريا، ثمة من سحب الصاعق بالتأكيد، عمداً أو بمحض تعقد الأحداث، ولكن الانفجار تم وأحدث منحى أشد خطورة من كل التوقعات وأعاد تفريق السوريين مرة أخرى ووضعهم في لحظة استحقاق تاريخية، وفي محنة عميقة لا يمكن معالجتها إلا باستخدام أعلى درجات الحكمة والتعقل ومواجهة الذات من قبل جميع الأطراف قبل مواجهة الآخر.

وفي إطار هذا الحدث المأساوي، يبدو الحل الوحيد هو ترتيب الأولويات بشكل دقيق ومتوازن، حيث لا بد من الإسراع في إطفاء الحريق قبل البحث عن أسبابه لمحاصرته وإخماده بدلاً من التراشق بالشظايا، والغرق في دوامة الاتهامات والاتهامات المضادة والتي تزيد من صب الزيت على النار والذي يزيد النار اشتعالاً واتساعاً ما يضع البلاد كلها فريسة للنار المتصاعدة.

ليس أمام السوريين فرص كبيرة للنجاة ولإنقاذ سوريا إلا بالاتفاق على إخماد ذلك الحريق ولو على حساب الخسائر التي تكبدتها جميع الأطراف، ولو على حساب تنازلات مؤلمة يقدمها الجميع، فتنازل السوري للسوري في هذه المحنة لا يعد إذلالاً أو خضوعاً، بل نوعاً عالياً من العمق والوعي بعيداً عن عقدة الانتصار والهزيمة والانحياز.

بشاعة الجرائم التي ترتكب في السويداء منذ أيام تنقل صورة متوحشة عن سوريا والسوريين جميعاً بصرف النظر عن الجهة التي ترتكب تلك الجرائم، صورة بشعة ستكون نتائجها خسارة تعاطف المجتمعات الأخرى التي لا تعرف خصوصية سوريا وتركيبها الإثني والطائفي المعقد، ومهما حاول كل فريق إلصاق التهمة بالآخر، ستبقى هذه الجرائم ممهورة بالطابع السوري ومحسوبة على السوريين وحدهم، جميعهم، وسيلاحقم عار الجريمة كسوريين لا كطوائف وإثنيات متناحرة.

غير أن الأقسى من الجريمة المرتكبة اليوم، هو التباهي بها وتصويرها من مرتكبيها على أنها إنجاز وانتصار على الآخر، فضلاً عن لهجة الشماتة والتشفي التي تظهر السوريين كأعداء أزليين لا كشعب واحد، وهذه ظاهرة تنم عن غياب تام للوعي، لأنّ أسباب العداء غير موجودة في العمق، والمتقاتلون اليوم كانوا جميعاً يعانون من طغيان سلطة الأسد التي لم توفر منهم أحداً.

كان من المفترض أن يكون سقوط الأسد عاملاً أساسياً في إعادة توحيد السوريين كأسرة وعائلة تخلصت من عدوها الوحيد، غير أن جذور السياسة القمعية للأسد عادت لتنبت في الأرض البور التي خلفتها سنوات حكم الأسدين، أكثر من خمسين عاماً من القمع والتسلط والطغيان وسياسة التفرقة والتشكيك وتمزيق الجسد الواحد.

يتردد صدى جذور الحقد والكراهية التي سقاها الأسد من دماء السوريين في أصقاع البلاد، فيعيد الاقتتال بين أبناء الأسرة الواحدة، ذلك أمر ليس جديداً على البشرية، ولكن إذا ما اضطرر المرء لقتل أخيه فعليه أن يكون حزيناً وواعياً بحجم الكارثة لا أن يكلل عار الجريمة بعار آخر من التباهي والشماتة واستعراض القوة والحط من شأن الآخر والتعامل معه كعدو تاريخي تجب إهانته حتى وهو ميت والتمثيل بجثته مع الافتخار بهذا الفعل في أقسى صورة عن الإنسان، فكيف يمكن لعاقل أن يتباهى ويفتخر بالتمثيل بجثة أخيه؟

وفي ترتيب الأولويات التي لا بد من اتباعها للوصول إلى حلول للكارثة السورية، لا بد من اعتراف الجميع بداية بأن ما يحدث اليوم هو أخطر منزلق وصلت إليه البلاد بعد سنوات طويلة من المعاناة مع “الأسد” ونظامه، الذي قاد سوريا إلى طريق مسدود من خلال حالة الاستعصاء التي خلقها وانعدام الحلول الوطنية في فترة حكمه خلال الثورة وتركيزه على الحل الأمني وحده.

وقد أتى التحرير كمعجزة غير متوقعة، ولكن تحرير سوريا من نظام الأسد لم يكن الحدث الأكثر أهمية في إعادة الأمل للسوريين باسترداد بلدهم ونهوضه، فالأكثر أهمية كان تحرير البلاد من الهيمنة الإيرانية ومن ميليشياتها، التي كان وجودها في سوريا خلال سنوات الثورة السورية، الحدث الأكثر إيلاماً ومرارة بالنسبة للسوريين، حيث تغلغلت إيران في مفاصل الدولة السورية وتثبيت دعائمها وميليشياتها كقوة احتلال تخطط للبقاء طويلاً، بل سعت أيضاً إلى طمس ملامح سوريا وإلى الأبد.

ومع الصمت والدعم الدولي في فترة محددة، أصبح وجود إيران كقوة احتلال واقعاً، وكثيراً ما تساءل السوريون حينها: ما الفائدة من سقوط نظام الأسد بعد تمكن إيران من سوريا؟ وما الحل مع إيران في غياب نظام الأسد، فسوريا بلا أسد مع وجود الإيراني لن تختلف عن وجوده، ومن هنا لم يكن سقوط النظام وحده كفيلاً بإيقاظ حلم السوريين في استرداد بلدهم، بل كان لا بد من سقوط المشروع الإيراني أيضاً وهو ما حدث كمعجزة أخرى لم تكن لتتحقق لولا تناقضات السيستم العالمي في فترة معينة، فضلاً عن إصرار السوريين على تحرير بلدهم.

بالتخلّص من المشروع الإيراني، فتحت الطريق أمام سوريا جديدة، غير أن إسرائيل التي لعبت الدور الأكبر في دحره، ترث اليوم ذلك المشروع وتتابع تجسيده على الأرض من خلال إعادة زراعة الفتنة والانقسام بين أبناء سوريا، مستندة إلى بعض الاختلافات الطائفية تماماً كما كانت تفعل إيران.

وهنا نجدنا أمام مشكلة أخرى أشد تعقيداً ولكنها تستخدم لتبرير الاقتتال الداخلي وإلقاء مسؤولية ذلك على إسرائيل، وهل نتوقع من إسرائيل أو من أي قوة احتلال أخرى أن تفعل شيئاً معاكساً، أو أن تتعاون مع السوريين في إعادة الثقة ببعضهم وببلدهم؟

لذلك لا يمكن التعويل على المواقف الإسرائيلية ولا يكفي إلقاء اللوم على تدخلاتها، بل يجب مقارعة ذلك بالوحدة الوطنية والوعي بمشاريع الآخرين، الوحدة الوطنية ليس بمعناها الرومانسي الخطابي، بل بضروراتها الآنية وبقدرتها على إطفاء النار وإيقاف زخات البنزين التي تفتعلها إسرائيل وغيرها من المناهضين لمشروع سوريا برشها على بقايا الجمر كلما بدأ يخمد.

وهنا يبرز دور الدولة، وهو الدور الأكثر أهمية وحساسية، إذ مطلوب من الدولة أيضاً أن تقدم تنازلات، وهي تنازلات غير مذلة بدورها بل كثيراً ما تتحول التنازلات إلى نوع من الواجب الوطني إذا كانت ستسهم في إطفاء الحريق، ويمكن حصرها فيما تتطلبه اللحظة الفارقة من إعادة فتح حوار وطني شامل وحقيقي، إعادة النظر في الإعلان الدستوري، توسيع رقعة المشاركة، إعادة ترتيب الأولويات في إطار تعيين الإدارات والتركيز على الكفاءات الوطنية بدلاً من الولاءات بصرف النظر عن خلفية تلك الكفاءات وانتماءاتها، والأهم، البدء بمحاسبة فعلية وعلنية لكل من ارتكب انتهاكات أياً كان نوعها وضد من ارتكبها، وصولاً إلى دولة القانون والعدالة والتشاركية.

ليس ثمة فرص كثيرة أمام السوريين، ولا وقت، فالقطار السريع للتآمر الخارجي ماض بكل ما أوتي من قدرات، والطريقة الوحيدة لفرملته والهروب من تحت عجلاته يكمن في خطاب وطني جامع وحقيقي وفعلي وليس مجرد خطابات أو نوايا، فإفشال أي مشروع خارجي أو حتى داخلي يهدف إلى تمزيق سوريا لن يكون إلا عبر بوابة المواطنة وذلك يعني مواجهة الاصطفافات والاستقطابات والكراهية والتهم المتبادلة والتشكيك والانقسامات والإنكار والإنكار المضاد.

ليس سهلاً إصلاح ما انكسر، ولا يمكن إعادة الحليب المسكوب إلى الكأس المكسورة، لكنه ليس مستحيلاً بعد، ثمة فرصة أخيرة إن لم نستثمرها جميعاً فلن تتاح مرة أخرى، وإن لم نفعل فلربما تنزلق البلاد إلى حرب فعلية حقيقية لا تبق ولا تذر هذه المرة.

تلفزيون سوريا

———————–

 فرص جديدة لدولة الاحتلال الإسرائيلي/ محمود سمير الرنتيسي

2025.07.22

تستعد دولة الاحتلال الإسرائيلي لجني ثمار ما تعتقد أنها بيئة جديدة في المنطقة، وتبني على عدة تطورات منها إضعاف “حزب الله” بشكل كبير في لبنان، انهيار نظام الأسد في سوريا، وأخيرا نتائج مواجهتها الأخيرة مع إيران، والتي استمرت لمدة 12 يوماً.

تعتقد دولة الاحتلال أن ميزان القوى في المنطقة تغير لصالحها وخُلق واقع إقليمي جديد وترى أن هناك مؤشرات على ذلك ومنها أن وكلاء إيران لم يتدخلوا بأي شكل إلى جانبها في المواجهة الأخيرة، ورغم أن الحوثيين نفّذوا بعض الأعمال إلا أن تأثيرها كان محدوداً جداً، وعدم تدخلهم في أكثر الأوقات حسماً بالنسبة لإيران، تعتبره إسرائيل تغييراً استراتيجياً مهما.

واستطاعت إسرائيل أيضاً، استخدام الأجواء السورية من دون أي عائق، كما أن الرد الإيراني الضعيف على التدخل الأميركي المباشر في ضرب المنشآت النووية كان مؤشرا آخر، فضلاً عن أنّ إيران لم تستطع إغلاق مضيق هرمز رغم التلويح بذلك.

وعلى مستوى الخسائر في المواجهة مع إيران، تعتقد إسرائيل أنّ مقتل 29 إسرائيلياً واضطرار الإسرائيليين للبقاء في الملاجئ وتدمير بعض المباني كان أقل بكثير من تقديراتها، وكانت كلفتها بسيطة أمام ما تحقق من إنجازات.

وعلى المستوى الدولي، لم تتدخل الصين ولم تقدّم روسيا مساندة واضحة لإيران ولا حتى كوريا الشمالية، وبالتالي فإن المحور الذي كان يُنظر إليه على أنه يمكن أن يعتبر الهجوم على إيران بداية للهجوم عليه، فيُقدم على رد فعل معين، أثبت أنه غير معني بالتدخل، وهذا أعطى ارتياحاً أيضاً للولايات المتحدة بالنظر إلى التقديرات النظرية التي كانت تشير إلى التحدي الأمني الذي يشكله تعاون هذه الدول معاً.

مرة أخرى تكون ردود الفعل على الخطوات الإسرائيلية أقل بكثير من التخوفات ومن التوقعات، ففي 2018 عندما قرر ترامب نقل السفارة الأميركية إلى القدس كان هناك تخوفات عميقة من ردود الفعل، لكن لم يحدث شيء، وأجّلت إسرائيل الضربة العسكرية للبرنامج النووي الإيراني عدة مرات، منذ 2009، لأنّ التخوفات كانت كبيرة جدا، وعندما حصل الهجوم تبيّن أن الثمن أقل بكثير من التخوفات، وهذا الأمر سيشجع أصحاب المدرسة الهجومية التوسعية في دولة الاحتلال.

من خلال ما سبق فإنّ دولة الاحتلال الإسرائيلي تنظر إلى المنطقة كلها كفرص لا بد من استغلالها، ولا بد من تحويل مكاسبها العسكرية في لبنان وسوريا وإيران إلى نتائج سياسية، وفي هذا السياق أشار الباحث الإسرائيلي عيران ليرمان، إلى 6 مجالات لفرص جديدة للكيان الصهيوني:

    أوّل هذه الفرص هو تعميق التنسيق بين إسرائيل والولايات المتحدة بشأن المنطقة، خاصة رسم حدود نفوذ إيران والشروط التي يمكن تطبيقها عليها ومنها شروط جديدة لم تكن موجودة في الاتفاق النووي السابق مثل التخلي عن البعد العسكري للبرنامج النووي ووقف تطوير الصواريخ الباليستية، ووقف دعم الوكلاء.

    الفرصة الثانية، بعد استخدام المجال الجوي السوري كمسار عملياتي لضرب إيران من دون أي عوائق، تريد إسرائيل انضمام سوريا إلى “اتفاقيات أبراهام”، ولكن في الوقت نفسه تريد أخذ شرعية لسيطرتها على الجولان السوري الذي تحتله منذ 1967، وتعتقد إسرائيل أن حاجة النظام السوري الجديد للشرعية والدعم الاقتصادي يمكن استغلالهم لبناء قواعد جديدة للعلاقات مع سوريا.

    الفرصة الثالثة فإنّ إسرائيل تسعى لنزع سلاح “حزب الله”، وتعمل على الاستفادة من المصالح المشتركة لها وللسعودية وفرنسا في رسم خارطة طريقة جديدة في لبنان.

    الفرصة الرابعة تتعلق بالسعودية، حيث ترى إسرائيل أن تطبيع العلاقات معها يجب أن يتم من دون تنازلات في الملف الفلسطيني، وأن هناك اختراقا يمكن أن يحصل، وبعد فتح العلاقات مع السعودية، تُفتح علاقات رسمية مع أندونيسيا.

    الفرصة الخامسة، بخصوص مصر والأردن -صاحبتا أطول حدود مع فلسطين- حيث تعتقد إسرائيل أن هناك فرصة لتحسين العلاقات معهما من خلال النفوذ الصهيوني في واشنطن لزيادة الدعم الاقتصادي الأميركي لهما.

    أمّا الفرصة الأخيرة التي يدور الحديث عنها فهي استغلال مفاوضات وقف إطلاق النار من أجل بناء بديل لحكم حماس في غزة.

يعتمد النجاح في استغلال الفرص السابقة على الحوار المكثف مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب والتنسيق مع كل أصدقاء دولة الاحتلال الإسرائيلي، والتنسيق المتكامل مع جميع الأطراف لتجاوز كل التحديات.

تلفزيون سوريا

——————————

 هل تجتاح قواطر التشبيح سوريا الجديدة؟/ حسن النيفي

2025.07.22

في خضمّ الأحداث التي تعصف في البلاد منذ 13 تموز الجاري، بسبب ما يجري في محافظة السويداء من مقتلة سورية بالغة التعقيد والشناعة بآن معاً، ظهر مقطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي لمجموعة من الأشخاص يتجمعون أمام مبنى البرلمان السوري في دمشق بتاريخ (18 تموز الجاري)، يحملون لافتات تتضمن عبارات (الشعب السوري واحد – دم السوري على السوري حرام) في إيحاء واضح بأنهم يؤكّدون -بطريقة سلمية خالية من أي مظهر من مظاهر العنف والصخب- رفضهم للاقتتال السوري-السوري، ويطالبون بتدخّل مباشر لحقن الدماء، وفي سلوك مضاد.

يُظهر الفيديو ذاته مجموعة أخرى من الأشخاص تهاجم المحتجين وتحاول الانقضاض عليهم بغية تفريقهم وتقريعهم، كما يظهر في المجموعة المُهاجِمة شخص يعتدي على سيدة بالشتم، مُهدّداً إيّاها بما هو أقسى من ذلك، إذ ينادي بصوت واضح: (أعطوني عصا، أنا لا أمدّ يدي على النساء).

لا أدري لماذا لمع في ذاكرتي وبسرعة كلمح البرق، كلام رفعت الأسد، ردّاً على اتهامه بقتل السوريين في مجزرة حماة، شباط 1982، وسواها من المجازر: (أنا بحياتي لم أرفع يدي على أي سوري)، في حين أنّه كان الآمر الفعلي والقائم المباشر على أكبر كيان عسكري قمعي متوحّش “سرايا الدفاع”، التي قتلت -بالاشتراك مع (الوحدات الخاصة التي يرأسها حينذاك اللواء علي حيدر)- قرابة 30 ألف مواطن في مدينة حماة، فضلاً عن أنه كان صاحب القرار في ارتكاب مجزرة سجن تدمر – حزيران 198، التي أودت بأرواح ما يقارب 800 معتقل سياسي.

طهرانية رفعت الأسد الذي لا تسمح له أخلاقه ومبادؤه أن يرفع يده لإهانة أي سوري، هي ذاتها الطهرانية التي يحاول تقمّصها الشخص الذي اعتدى على السيدة -كانت إحدى معتقلات الرأي في سجون الأسد سابقاً- إذ لا تتيح له قيمُه ونخوته الرجولية أن يلمس امرأة بيده، فيطالب بعصا لتكون وسيلة تمكّنه من تجسيد رغبته بالعدوان، ويا لها من شهامة عظيمة أن يستخدم هراوةً بدلاً من الضرب المباشر بيده، في حين وقفت السيدة المُعتدى عليها مذهولةً تتساءل عن سبب شتمها والتهجّم عليها.

والحال أنني أقرّ بعدم القدرة على التعاطي مع المشهد المذكور بدرجة معقولة من الموضوعية، ولا أملك زجرَ هالةٍ من الصور التي تنبثق من ذكريات دفينة تحمل في طياتها مشاهد لأشخاص سلطويين (سجانون وجلادون وعناصر مخابرات)، وهم يعتدون شتماً وضرباً على معتقلات ومعتقلين في السجون الأسدية أو أقبية التحقيق والتعذيب، مع إدراك الفارق أن (السجان أو الجلّاد أو عنصر المخابرات) موظفون لدى مؤسسات سلطوية، وإنهم إذ يمارسون انحطاطهم بحق المواطنين، فإنما ينفّذون ما أُوكل إليهم من أوامر، أي ثمة علاقة مهنية بينهم وبين ما يمارسونه من أذى، أمّا الأشخاص الذين اعتدوا على المحتجين أمام مبنى البرلمان، ومن ضمنهم الذي شتم السيدة، لم يكن لهم أي صفة وظيفية، لا في الأمن ولا في أي مؤسسة، بل هم متطوّعون بممارسة الإساءة، ضدّ من؟ ولماذا؟

ثمة عبارة يكرّرها ضبّاط المخابرات داخل السجون الأسدية على مسامع المعتقلين السياسيين: (نسجنكم حفاظاً على أرواحكم، ولو تركناكم لقتلكم الشعب )، وإن كان من الصحيح أن العبارة السالفة تنطوي على قدر هائل من التضليل، إلّا أن ثمة أصلاً واقعياً لها، وأعني بذلك أن ثمّة متطوعين للقيام بمهمة عنصر الأمن أو الجلاد، فهل السلطة بحاجة إلى مساعدة من هذا النوع؟ أليس لديها فائض هائل من السجانين والجلادين وعناصر المخابرات؟

نعم ليست بحاجة ولديها هذا الفائض، ولكن ربما لإثبات ولائهم الصادق للسلطة والبرهنة على حسن سلوكهم وارتفاع منسوب الحس الوطني لديهم، أو طمعاً بنيل رضى السلطة والظفر ببعض المكاسب أو النفوذ لديها، وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا لا يمارسون أذاهم وانحطاطهم على المجرمين واللصوص والقتلة مثلاً، لماذا التطوّع بممارسة الأذى تجاه أصحاب الرأي وأصحاب المواقف المناهضة للسلطة؟ هل لأنهم الطرف الأضعف؟

الجواب ببساطة، لأنّ السلطة تُجرّم أصحاب الرأي، وتنظر إلى أي صاحب موقف أو رأي مباين لموقفها على أنه جريمة تفوق أية جريمة جنائية أخرى، وبناء عليه، ومع وصول القمع والتوحّش السلطوي إلى ذروته في سوريا خلال العقود الخمسة الماضية، فقد بات التطوّع بممارسة الأذى والإساءة إلى مناهضي السلطة مهنةً لدى فئات عديدة من خارج قطّاع مؤسسات السلطة، تمكّن صاحبها من الوصول إلى الحاكم والتماس ودّه، والحصول على بعض النفوذ الذي يمكّنها من ممارسة السمسرة والتغوّل على حقوق البشر وجميع أشكال الزعرنة.

ولعله من الطبيعي أن يتنامى دور هذه الفئة وتغدو أكثر انتشاراً كلّما ازداد منسوب الفساد لدى السلطة، بل ربما كان الأصح: كلّما ازدادت السلطة انحطاطاً وفساداً ازدادت حاجتها إلى هؤلاء، وقد سبق لحافظ الأسد أنْ قال عبارته المشهورة في ثمانينيات القرن الماضي، حين وصله عدد من الشكاوى والتذمّر من سلوك المتنفّذين: “المرحلة وسخة ونحن بحاجة للوسخين”.

لم يكن مصطلح “التشبيح” قد تبلور إلّا في تسعينيات القرن الماضي، وظهر في مناطق الساحل السوري حصراً، وكان يُطلق على مجموعة من أصحاب النفوذ الذين يمارسون مهنة تهريب المخدرات والسطو والخطف، ومعظمهم ينحدر من جسد السلطة الحاكمة، ولم يتوانوا عن مجابهة السلطة بالسلاح حين تقتضي مصالحهم ذلك.

ومع انطلاقة الثورة السورية في آذار 2011، بات هذا المصطلح يُطلق على جميع الفئات الرديفة للسلطة والتي تمارس القمع بحق المتظاهرين، وقد أتاح اتساع النفوذ الإيراني في سوريا لهؤلاء أن يتّسع طيفهم ويصبح لهم علاقات مع أطراف دولية، ومنهم من تحوّل إلى رجال أعمال وقراصنة ناشطين لإقامة صفقات مال وسلاح ومخدرات تتجاوز المستوى المحلّي.

منذ اندحار نظام الأسد في 8-12-2024، تحاول فئات عديدة من الشبيحة العودة لتأسيس مرحلة جديدة من التشبيح، وبوقاحة قل نظيرها، طالما أن غياب الرادع الأخلاقي لهؤلاء هو الشرط الملازم لاستمرارية عملهم، فقد رأيناهم في مظاهر شتى، سواءٌ عبر التسلل إلى صفوف المسؤولين لالتقاط الصور، أو عبر إقامة الولائم وإبداء استعدادهم لتقديم خدمات معيّنة، أو عبر توظيف نفوذهم المالي، وصولاً إلى المشهد الصارخ بالقذارة، المشهد الذي ورد في بداية المقالة، ولعل ما هو أشدّ إيلاماً رؤية بعض هؤلاء وهم يتسلّلون إلى صفوف قوات العشائر التي تقاتل في السويداء وهم يلوّحون ببنادقهم ويهتفون، معبّرين عن ولائهم لزعيمهم (فرحان المرسومي).

تنبغي الإشارة إلى أنّ السلطة الحاكمة لا تدفع باتجاه صعود أو بروز هذه الطبقة من البشر، فهي على سبيل المثال تمنع انتشار صور الرئيس أحمد الشرع وتعليقها على الجدران أو في الأماكن العامة، كذلك تمنع تمجيد شخص الرئيس والهتاف باسمه، وهو مسعى محمود يؤكّد رغبتها في إحداث قطيعة مع الإرث الأسدي، إلّا أن المرجو هو عدم اكتفاء السلطة بالتفرّج على هؤلاء أو عدم الترحيب بهم فحسب، بل ينبغي العمل للقضاء على هذه الظاهرة من خلال اجتثاث أسبابها وبواعثها، كما ينبغي مكافحتها -قانونياً وقضائياً- وعدم الاغترار بتصفيق هؤلاء ونفاقهم الزائد، فموبقاتهم كفيلة باستحالة أي خير يرجى منهم.

تلفزيون سوريا

——————————-

===================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى