سورية الملتحية/ شعبان عبود

22 يوليو 2025
بعد مضي نحو شهر على سقوط النظام السوري، وبعد تعيينات أجرتها السلطات الجديدة، وكانت في معظمها لأشخاص من خلفية إسلامية، كتبتُ، غير مصدّق، وعلى سبيل السخرية المُرّة، على صفحتي: “إذا حابب ابنك يصير طبيب أو مهندس أو قاضي أو صحافي، خليه يدرس شريعة”. … لم تكن هذه العبارة مجرّد نكتة، بل توصيفاً مختصراً لحالة الإحباط والاستغراب التي سادت لدى كثيرين في سورية الجديدة. فبعد أن تولّت هيئة تحرير الشام، بقيادة أحمد الشرع، زمام الحكم، تحوّل حلم الدولة المدنية التعدّدية إلى واقع مغاير تماماً، تجسّدت ملامحه سريعاً في بنية الحكم الجديدة، القائمة على أساس الولاء العقائدي والانتماء الفكري، لا على الكفاءة أو المشاركة الوطنية.
برزت مظاهر الإقصاء مبكراً، وامتدت إلى قطاعات الدولة كافة، من القضاء إلى الإعلام والتعليم. لم يطاول الاستبعاد أبناء الأقليات فحسب، بل شمل أيضاً شخصيات من الطائفة السنية نفسها، حتى من الذين شاركوا في الثورة، وعانوا من الاعتقال والملاحقة، فقط لأنهم لا ينتمون إلى التيار المتشدّد الذي يمسك بزمام السلطة.
أخبرني أحد ممن حاولوا التقدّم للعمل في وزارة الإعلام بعد نحو شهرين من سقوط النظام: “كنت ضد نظام الأسد، تقدّمت بطلب للانضمام إلى وزارة الإعلام، تم رفض طلبي، أحدهم قال لي بشكل غير مباشر بأني علماني، ولا مكان لي هنا”. … ليس هذا الصحافي فحسب، بل وجد كثيرون ممّن كانوا في طليعة الثورة السورية أنفسهم مبعدين، لا لسببٍ سوى أنهم غير إسلاميين، ولديهم قناعاتهم الفكرية الخاصة. لقد جرى تجاهل الكفاءات والخبرات لمصلحة التزكيات التنظيمية والانتماءات العقائدية، وبعض من دخلوا الوزارات والمؤسّسات لم يسبق لهم العمل في أي مجال مرتبط بتخصّصاتهم الجديدة. أحد الدبلوماسيين السابقين المنشقين عن النظام، في جلسة خاصة، أخبرني أن لا أحد، بعد سقوط النظام، اتصل به، رغم سنوات عمله الطويلة لصالح القضية السورية في دولة غربية، ثم قال ساخراً: “عُيِّن شباب ملتحون لا يعرفون الفرق بين سفارة وقنصلية”.
لم يقتصر الأمر على غياب الكفاءة، بل تجاوزه إلى تهميش صريح للمدنيين وأصحاب التوجهات المختلفة. التعيينات التي شملت شخصيات من الأقليات الدينية كانت رمزية في الغالب، ولم تُمنح لهم صلاحيات حقيقية، بل استُخدِموا أدواتٍ تجميلية أمام الرأي العام والمجتمع الدولي.
لنكن واضحين هنا: لم تقم الثورة السورية لتستبدل علمانية استبدادية إقصائية بسلطة دينية إقصائية، بل من أجل الحرية والعدالة والمشاركة. ما يحدث الآن في “سورية الملتحية” ليس انحرافاً بسيطاً، بل خطر وجودي على ما تبقى من معنى الثورة. ما يعيشه كثيرون من السوريين اليوم، ممن ناضلوا سنوات وضحّوا بأغلى ما لديهم من أجل إسقاط النظام، لا يمكن وصفه إلا بخيبة موجعة، فقد ظنّوا، لوهلة، أن لحظة التحرّر ستمنحهم أخيراً مكاناً يستحقونه، وأن تضحياتهم ستُقابل بالتقدير، وأن سورية الجديدة ستُنصفهم، وتفسح لهم المجال ليكونوا شركاء حقيقيين في إعادة بنائها. لكنهم وجدوا أنفسهم خارج الصورة، يُنظر إليهم بارتياب، ويُعاملون كغرباء.
الوجوه التي حلمت بإعادة إعمار سورية، دبلوماسياً، إعلامياً، قانونياً، وثقافياً، تقف اليوم على الهامش، تراقب كيف يُعاد تشكيل السلطة بأدوات الإقصاء نفسها التي مارسها النظام السابق، وإن اختلفت اللغة والمظهر. لقد سقط النظام، نعم، لكنّ كثيرين يشعرون أن الثورة، التي آمنوا بها حتى الرمق الأخير، تُسلب منهم اليوم بأدواتٍ جديدة وأسماء جديدة.
لا مكان في “سورية الملتحية” لغير الملتحي ممن حمل وجعه وأحلامه طوال سنوات القمع والدم والغربة واللجوء. في سورية هذه، ما على هؤلاء إلا الفرجة من بعيد.
العربي الجديد



