إشتباكات السويداءالتدخل الاسرائيلي السافر في سورياالعلاقات السورية-الأميركيةالمقاتلين الأجانب و داعش في سوريةتشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسة

لقاء الشرع ترامب ورفع العقوبات الأمريكية عن سوريا تحديث 23 تموز 2025

لمتابعة هذا الملف اتبع الرابط التالي

ملف رفع العقوبات عن سوريا

—————————–

سياسة واشنطن في سوريا بين توازنات الحلفاء والمصالح/ عبد الرحمن السراج

23/7/2025

لم تُبدِ الحكومة الأميركية تغييرا واضحا في موقفها تجاه دمشق في أعقاب أحداث السويداء التي جرت أخيرا، فقد أكدت واشنطن على لسان مبعوثها الخاص إلى سوريا توم برّاك أمس الاثنين أن التعامل مع الحكومة السورية الحالية هو السبيل الوحيدة لتوحيد البلاد التي لا تزال تتخبط من وطأة سنوات الحرب، وتعاني من موجة جديدة من العنف الطائفي، على حد وصفه، وأنه ليس لدى واشنطن “خطة ب” أو خيار آخر في التعامل مع هذا الملف.

لكن هذا الموقف المعلن يشوبه التباس بسبب ما يتضمنه من مواءمة معقدة بين التحول الكبير من سياسة عزل دمشق تحت حكم نظام بشار الأسد، إلى سياسة الانخراط المباشر معها في ظل الحكومة السورية الجديدة بعد 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، وبين علاقة واشنطن الوثيقة مع إسرائيل التي لا تبدي حكومتها الحالية التزاما باستقرار سوريا أو المنطقة عموما، ولم تُبدِ واشنطن حزما في وقف حملاتها الأكثر وحشية على غزة، ويضاف إلى ذلك علاقة واشنطن بقوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي لا تزال هي والإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا خارج مظلة الحكومة السورية.

وتزداد صعوبة فهم هذا الموقف عند إدراك أنه لا يحظى بتأييد واسع لدى فئتين من الفاعلين التقليديين في السياسة الأميركية بالشرق الأوسط: المتطرفين في تأييد الخط الإسرائيلي في الحزبين الجمهوري والديمقراطي، وخصوم الإدارة الأميركية في الحزب الديمقراطي وخاصة التقدميين من معارضي الحكومة الإسرائيلية الحالية. وقد تكررت هذه الأيام في واشنطن انتقادات للمبعوث الأميركي برّاك، وصفت بأنها حملة تهجُّم على دعم الإدارة الأميركية لدمشق، شاركت فيها أطراف أميركية وعربية وحتى سورية من معارضي حكومة الشرع.

متابعة حثيثة

وتابعت الإدارة الأميركية تطور أحداث السويداء عن كثب منذ اللحظة الأولى، حين أشار برّاك إلى ضلوعه في محاولات الدفع باتجاه ما وصفه بالحل السلمي الذي يضمن الشمول والمشاركة للدروز والقبائل البدوية والحكومة السورية، لكنه أدخل مع هؤلاء الثلاثة في عبارته “القوات الإسرائيلية”، وذلك قبل يوم واحد من ضربها أهدافا في دمشق بما فيها مقر هيئة الأركان السورية في 16 يوليو/تموز، وما تلا ذلك من صراع أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 558 سوريا وتهجير المئات.

وانطلاقا من مواءمة واشنطن المعقدة، فإنها لم تصدر إدانة مباشرة للضربات الإسرائيلية، واكتفت بوصف ما حدث بأنه “سوء فهم” بين الجانبين السوري والإسرائيلي، وذلك على لسان وزير الخارجية ماركو روبيو الذي ظهر في فيديو بجانب الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مؤكدا استمرار التواصل مع الجانبين للتوصل إلى التهدئة والعودة إلى مسار بناء الدولة السورية الذي ربطه بتحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط.

ومع تطور الصراع في السويداء بعد انسحاب قوات الحكومة السورية ودخول قوات العشائر، والانتهاكات التي طالت بعض المناطق في المدينة، أدان المبعوث الأميركي الانتهاكات ضد المدنيين، كما أشار إلى بيان الرئاسة السورية الذي وصفه بالقوي، داعيا إلى إنفاذ ما جاء فيه من إنهاء العنف وضمان المحاسبة وحماية جميع السوريين.

وعلى مدى يومين، اجتمع المبعوث الأميركي مع الحكومة السورية وشيوخ العشائر بمشاركة الجانب الأردني وبالتواصل مع تركيا وإسرائيل، حيث تم التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار ونشر قوات الأمن السورية في السويداء وإخراج المعتقلين وإيصال المساعدات الإنسانية، وتوّجت المحادثات بلقاء جمع براك بوزيري الخارجية السوري أسعد الشيباني والأردني أيمن الصفدي، حيث أكد الجانبان الأميركي والأردني أن الاستقرار في سوريا أساسي لاستقرار المنطقة.

ورغم دعوة المبعوث الأميركي إلى عدم التسامح مع أحداث القتل والانتقام والمجازر التي وصفها بالمؤسفة، فإنه أكّد أن الحكومة السورية الحالية طابقت أفعالُها أقوالَها ولم ترتكب خطأ فيما جرى، وأنها تتسم بالقدرة والكفاءة والموثوقية، وأنها قدمت أفضل ما تستطيعه حكومة ناشئة تملك موارد محدودة للغاية لمواجهة قضايا متعددة آخذة بالظهور تباعا والسعي إلى توحيد مجتمع متنوع.

عقدة العلاقة بإسرائيل

لا يخلو هذا الموقف من علامات الاستفهام حول ملفات فرعية وجوهرية في آن معا، وعلى رأسها سؤال: إلى أي مدى قد تذهب واشنطن في كبح جماح حكومة نتنياهو إذا قررت مواصلة العدوان على سوريا؟ وهل ستكفي وساطات الإدارة الأميركية واتصالاتها مع دول الجوار لوقف القوات الإسرائيلية إذا افترضنا أنها قررت الاجتياح وصولا إلى السويداء؟

وترتبط الإجابة عن هذا السؤال بمدى التزام الحكومة الأميركية باستقرار سوريا في عهدها الجديد، ولا توجد حتى الآن مؤشرات على رغبة واشنطن في العودة إلى الوراء فيما يتعلق بالانزلاق نحو الفوضى، وما يتضمنه ذلك من إفساح المجال لإيران وروسيا بالتسلل من خلال الحدود السورية أو بالشراكة مع ما تبقى من فلول النظام السابق، وهذا هو الإطار العام الذي وضعه وصرّح به وزير الخارجية الأميركي لسياسة بلاده تجاه سوريا منذ لحظة تعيينه.

لكن هناك نقطة ضعف يُخشى أن تكون كعبَ أخيَل في هذه الرؤية الأميركية، وهي العلاقة الأميركية الإسرائيلية التي تمثل عقدة مركزية، ليس في سوريا فقط بل في المنطقة برمّتها، فما زال البيت الأبيض حتى اليوم يصرّح بأن ترامب فوجئ بالقصف الإسرائيلي لسوريا، وقد صرّح براك أيضا بأن الولايات المتحدة لم يطلب رأيها في الضربات الإسرائيلية، وأنها لا تتحمل مسؤولية ما تراه إسرائيل دفاعا عن نفسها، وهذا يبرّئ العدوان الإسرائيلي عمليا ويمنحه أفضلية المبادرة في المستقبل بتوجيه الضربات المباغتة بحسب وجهة النظر الأميركية، وهي أفضلية لا يملكها الجانب السوري في الوقت الراهن.

ويضاف إلى ذلك معطى جديد، ذكره براك في تصريحه الأخير، حين قال إن إسرائيل ترى أنها جزء من القرار في جنوب سوريا، وإن دخول القوات الحكومية إلى السويداء لم يكن ضمن هذه الرؤية، مؤكدا أن اتفاق وقف إطلاق النار بين الجانبين السوري والإسرائيلي كان مقتصرا على السويداء، مما يدل على أن الإدارة الأميركية لم تستطع الضغط على إسرائيل باتجاه حسم مسألة سيادة الحكومة السورية على جنوب البلاد.

وهذه التصريحات تجعل من الصعب هضم الانتقادات الأميركية للضربات الإسرائيلية التي وصفها براك بأنها عامل تشويش وبأنها جاءت في أسوأ الأوقات، وقوله إن إسرائيل تفضل أن تكون سوريا مجزّأة وألّا تكون دولة ذات حكم مركزي قوي، وحتى تصريحات أخرى من واشنطن مثل إدانة السيناتور جين شاهين للقصف الإسرائيلي على السويداء ودمشق، فمثل هذه الإدانات تجعل المسؤولين الأميركان أشبه بالمعلّقين الذين يطلقون تحليلات أو مقولات حكيمة على مسألة لا شأن لهم فيها، مثل قول براك إن الأقليات في سوريا باتت تدرك أن وحدتها تحت دولة مركزية أفضل لمستقبلها.

الشراكة مع قسد

ويتعلق السؤال الجوهري الثاني بمآل العلاقة الأميركية مع قسد، والتي بدأت قبل تعيين المبعوث الأميركي الحالي وحتى قبل فترة رئاسة ترامب الأولى، حينما تأسست على أساس الشراكة في قتال تنظيم إرهابي، في الإشارة إلى تنظيم الدولة الإسلامية. ورغم تصريح إدارة ترامب خلال زيارته للسعودية في مايو/أيار الماضي بأن ملف محاربة الإرهاب سيُدار بالشراكة مع الحكومة السورية الجديدة، فإن موقع قسد من هذه الشراكة لا يزال غير مُعرّف.

وبعد تعثُّر الاتفاق الذي وقعه الرئيس السوري أحمد الشرع، وقائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي في مارس/آذار الماضي، تدخل المبعوث الأميركي لوضع خريطة طريق لتنفيذ الاتفاق، لكن المفاوضات لم تحقق تقدّما في هذا المسار حتى الآن، وهنا يبرز وجه تشابه آخر مع الملف الإسرائيلي وهو تقارب الموقف الأميركي المُعلن مع موقف الحكومة السورية رغم عدم تمكُّنِها أو تمكينِها من فرض رؤيتها، حيث اعتبر براك أن أمام قسد طريقا واحدا هو الطريق نحو دمشق، وحرص على تكرار الحديث عن أهمية وجود حكومة مركزية قوية في سوريا.

وبالنظر إلى الإطار العام للسياسة الأميركية في سوريا الذي يميل نحو دعم الاستقرار فيها، يبدو أن إدارة ترامب تقترب أكثر من حسم مصير قسد والإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا، خاصة بعد سعيها إلى إنهاء وجودها العسكري الذي بدأ بتقليص عدد الجنود الأميركيين إلى أقل من ألف جندي، وتصريحات ترامب الداعية إلى تولّي الحكومة السورية مسؤولية مراكز احتجاز عناصر تنظيم الدولة، لكن تخصيص تمويل لدعم مجموعات في سوريا أبرزها قسد ضمن ميزانية عام 2026 يشير إلى أن هذا الحسم قد يتأخر حتى السنة المقبلة على الأقل.

ويضاف إلى الحسم المؤجّل لملف قسد، رفع العقوبات الأميركية عن سوريا، الذي تبيّن أنه يواجه تحديات تقنية لم يحسمها قرار ترامب التنفيذي في 30 يونيو/حزيران الماضي بإنهاء العقوبات، وخاصة ما يتطلب منها تحركا في الكونغرس من قبيل إلغاء تشريعات قائمة أو وقف تجديد تشريعات أخرى.

المصدر: الجزيرة

——————————

في سوريا ….. ترامب في مواجهة ترامب

بين رفع العقوبات وقطع المساعدات: ازدواجية ترامب تُربك سوريا الجديدة

في النقاش الشائك حول كيفية التعامل مع سوريا، برز الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشكل مفاجئ كواقعي وبراغماتي ورجل ذو نظرة دقيقة. منذ الإطاحة في ديسمبر 2024 بنظام الديكتاتور السوري المدعوم روسياً، بشار أسد، يقود سوريا الآن تنظيم إسلامي متشدد. ومع ذلك، في مايو، تصدر ترامب المبادرة بإلغاء عقوبات عمرها سنوات، موضحاً أنه يريد منح السوريين طريقاً نحو التعافي الاقتصادي.

لكن، للأسف، هذا النهج البراغماتي المرتكز على الاستقرار هو نصف القصة فقط. قد يُعرّف إرث ترامب في سوريا ليس بتخفيف العقوبات ولا بإعادة العلاقات الدبلوماسية، بل بقرار اتُخذ في وقت سابق وأثره لا يزال يتردد في القطاع الإنساني السوري: التدمير الفوضوي لوكالة التنمية الدولية الأميركية (USAID).

قال ترامب لجمهور مندهش في الرياض بتاريخ 13 مايو: “سأصدر أمراً بوقف العقوبات على سوريا لكي أمنحهم فرصة للعظمة”. وحصل على تصفيق حار من الحضور. واستناداً إلى نداء شخصي من ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، صافح ترامب زعيم سوريا الجديد، أحمد الشرع، القائد السابق لتنظيم القاعدة. سارت اللقاءات بشكل جيد، وبدا ترامب معجباً حقيقياً بالشرع: “رجل قوي، له ماضٍ صلب”، ثم تأمل قائلاً: “هل ستضع شخصًا مثاليًا بريئًا في هذا المنصب؟ لا أظن… إنها بيئة خطرة.“

عندما أُسقط نظام أسد الذي دام عقوداً على يد فصائل المعارضة بقيادة هئية تحرير الشام في أواخر 2024، كان من المفترض رفع العقوبات الأميركية والأوروبية المفروضة على سوريا.

فقد اختفى النظام الذي فرضت العقوبات ضده، وكانت الحاجة لإزالتها أكثر إلحاحاً لأن سوريا أصبحت منهكة اقتصادياً لدرجة تهدد انهيار الدولة. لكن مخاوف واشنطن وحلفائها من خلفية الشرع المتشددة جعلتهم يحتفظون بالكثير من العقوبات، واستمر انهيار سوريا.

تغير كل شيء عندما سافر ترامب في مايو إلى المملكة العربية السعودية وطلب منه ولي العهد إعطاء السوريين فرصة. قال نعم، وفجأة تغير مستقبل سوريا. بدأت العقوبات الأميركية تُرفع تدريجياً، وتبعتها أوروبا بإلغاء قيودها الاقتصادية.

واصل ترامب الدفع بالملف السوري، وسلمه إلى صديقه في مجال العقارات وسفيره لدى أنقرة توماس باراك، الذي توجه بسرعة إلى دمشق لرفع العلم الأميركي، ويواصل دفع تطبيع العلاقات السورية الأميركية بسرعة فائقة. على عكس سياسة سوريا غير الفعالة في ولاية ترامب الأولى، حيث كان يُضلّل غالباً من قبل معاونيه، يبدو أن الإدارة الحالية متّحدة وتعمل بنسق واحد. وفي الأسبوع الماضي، أزال وزير الخارجية ماركو روبيو تصنيف هيئة تحرير الشام كمنظمة إرهابية أجنبية.

تبني إدارة ترامب المتحمس لزعيم سوريا الجديد الجهادي سابقا ليس خالياً من الجدل أو المخاطر.

الشرع رجل يحمل الكثير من الأعباء، والتوترات الداخلية في سوريا شديدة القابلية للاشتعال، كما ظهر في مارس في أحداث الساحل . لكن يصعب تصور مسار آخر لا يزيد من مشاكل سوريا الداخلية.

تستند السياسة الأميركية الجديدة إلى افتراض معقول بأن الشرع هو أفضل أمل لاستقرار سوريا، لأنه الخيار الوحيد المتاح. ويحتاج الاستقرار لتمكين ما تريده الولايات المتحدة في سوريا: إعادة الإعمار، عودة اللاجئين، التعاون في مكافحة الإرهاب وعدم انتشار الأسلحة، انسحاب عسكري أميركي سلس، وشكل من أشكال التهدئة مع إسرائيل.

إذاً، لمن يستحق الفضل؟

تحت حكم ترامب، استعادت الولايات المتحدة، على الأقل حالياً، روح البراغماتية وتحاول إنقاذ دولة عربية مهمة من الانهيار. سيكون الوضع أفضل في المنطقة إذا نجح.

لكن للمضي قدماً، يجب أن يتجاوز رهان ترامب على استقرار سوريا العقبات الهائلة التي خلقتها سياساته الأخرى.

بعد 14 عاماً من الصراع ، سوريا فقيرة ومنقسمة وتغلي بالاضطرابات. شهدت الحرب دماراً واسعاً في حلب، حمص، والرقة، حيث حُولت أجزاء كبيرة إلى ركام بفعل القصف والغارات الجوية، ولم يشهد إعادة إعمار حقيقية حتى اليوم. شبكة الكهرباء توفر ساعات قليلة من الكهرباء يومياً، والبنية التحتية تنهار. تزداد التلوث وتدهور التربة وإزالة الغابات، وتنتشر الأمراض بسبب فشل أنظمة المياه والري.

تقدّر الأمم المتحدة أن ثلثي السكان سيحتاجون لمساعدات أجنبية في 2025. ملايين اللاجئين يعانون حول حدود سوريا، ورغم حُلمهم بالعودة، لا يجدون ما يعودون إليه: لا وظائف، لا مدارس، لا مستشفيات، لا منازل. والأمر يزداد سوءاً بسبب أسوأ جفاف منذ 60 عاماً، وحذرت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة من أن 16 مليون شخص معرضون لانعدام الأمن الغذائي.

إذا كان على حكومة الشرع الوليدة التعامل مع هذه المشكلات والتوترات الاجتماعية الناتجة، بجانب إعادة بناء الدولة وتشكيل جيش من الثوار السابقين ، فإنها ستحتاج إلى دعم خارجي كبير. وفعلاً، سوريا تعتمد على المساعدات الخارجية منذ سنوات. لكن، في أمر مؤلم، لم تزد المساعدات الآن عندما أصبحت الحاجة أكبر من أي وقت مضى، بل على العكس، تراجعت كثيراً، وكانت العواقب وخيمة.

الحكومات الأوروبية والعربية البخيلة وقصيرة النظر تتحمل جزءاً من المسؤولية، لكن الجاني الرئيسي في هذه المأساة هو ترامب نفسه.

لطالما كان ترامب يزدري المساعدات الخارجية، لكن قراره عند توليه الرئاسة بتدمير وكالة التنمية الدولية الأميركية (USAID) جاء أكثر استعراضاً منه أيديولوجياً، كجزء من الصراعات الثقافية الأميركية. ربما كان رئيس محافظ تقليدي سيطالب بتخفيضات وتعديلات، لكن ترامب لم يفعل ذلك. وسط ادعاءات غريبة بأن الوكالة هي “عش لليبراليين المتطرفين”، تحرك بسرعة متهورة لتدمير الجهاز الأميركي للمساعدات، مما قد يؤدي إلى وفاة ملايين.

حتى ربيع هذا العام، كانت الولايات المتحدة واحدة من أكبر الفاعلين الإنسانيين في سوريا، بعد الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء. بين 2012 و2024، قدمت واشنطن أكثر من 18 مليار دولار مساعدات، ساعدت ملايين السوريين الضعفاء على النجاة من أسوأ أزمة إنسانية في العالم. كما خدمت هذه المساعدات الاستراتيجية الأميركية بالحفاظ على البنية التحتية والمؤسسات لتجنب الانهيار الكامل لسوريا، ودعم شركاء إقليميين مثقلين بأزمة اللاجئين كالأردن ولبنان.

عام 2024، كانت USAID تدير ربع المساعدات العالمية للسوريين، لكنها لعبت أيضاً دوراً حيوياً في القيادة والقدرات المتخصصة للجهود الدولية. لكن هذا الشتاء، هدم ترامب كل ذلك لاستفزاز خصومه المحليين، وبعد نصف عام بدأت نتائج القرار تظهر.

في سوريا، بدأ الناس يفقدون بسرعة الوصول إلى دعم الغذاء والرعاية الصحية والمياه الصالحة للشرب، مع تسريح المنظمات غير الحكومية موظفيها وإنهاء مشاريعها. حذرت منظمة Mercy Corps في فبراير من توقفها عن توصيل المياه النظيفة إلى 118,000 سوري، وأعلنت Save the Children إغلاق 20 من 50 برنامج تغذية، مما يعرض أكثر من 400,000 طفل لخطر سوء التغذية الحاد. أشار تقرير من Refugees International إلى فقدان الدعم المائي والصحي لحوالي مليون سوري، وحذر من أن هذه التخفيضات قد تثير موجات نزوح جديدة. كما تأثرت مشاريع تعزيز الديمقراطية والحكم الرشيد، إذ تم سحب الدعم عن منصات مثل Verify-Sy التي تكافح التضليل، وEnab Baladi الأسبوعية المستقلة.

إذن في سوريا، يواجه ترامب نفسه: من جهة، مسار براغماتي يحاول إنقاذ سوريا عبر دعم زعيمها الجديد ورفع العقوبات، ومن جهة أخرى، قرارات تقشفية متهورة تضر بالاستقرار الاجتماعي والاقتصادي. في بلد تغمره الأسلحة والثأر، لن تؤدي نتائج تدمير USAID إلى معاناة بشرية فحسب، بل قد تشعل دوائر جديدة من العنف وعدم الاستقرار.

مصير إرث ترامب في سوريا ما زال مجهولاً: هل سيكون هو الرجل الذي منح سوريا فرصة للعظمة، أم من أحبط انتقالها بعد الأسد؟

المصدر:

نُشرت هذه المادة في مجلة Foreign Policy تحت عنوان:

In Syria, It’s Trump vs. Trump

————————–

مفارقات العلاقة بين دمشق وواشنطن/ مروان قبلان

16 يوليو 2025

لا نملك معطيات كافية لفهم طبيعة الدور الذي لعبته إدارة الرئيس الأميركي السابق بايدن، في التحولات العميقة التي شهدتها سورية في الهزيع الأخير من العام الماضي، لكنّنا بتنا، مع ذلك، نعرف أن المفاوضات ظلت مستمرّة مع نظام الأسد، بوساطة عُمانية، حتى بعد سيطرة فصائل المعارضة على حلب، بحسب تحقيق نشرته صحيفة نيويورك تايمز في ديسمبر/ كانون الأول الماضي. تضمن العرض استعداد إدارة بايدن لسحب القوات الأميركية من مناطق شرق الفرات إذا وافق الأسد على فكّ تحالفه مع إيران، وأوقف خط إمداد حزب الله عبر سورية. لكن إدارة بايدن، وفيما كانت تغري الأسد بالانقلاب على حلفائه، كانت تمنع، في الوقت نفسه، المليشيات العراقية (جماعة الحشد الولائي) من عبور الحدود لدعم نظامه الذي تهاوى بسرعة صدمت حتى إدارة بايدن نفسها بشهادة كبار مسؤوليها (وزير الدفاع لويد أوستن، ووزير الخارجية أنتوني بلينكن). سوف تُبدي لنا الأيام، بالتأكيد، تفاصيل إضافية تساعد في رسم صورة أكثر وضوحاً لمجريات الأيام الـ 12 التي هزّت سورية والمشرق، لكن الواضح أن إدارة بايدن لزمت الحذر في التعامل مع “زلزال” سقوط نظام الأسد، ووصول هيئة تحرير الشام إلى الحكم في دمشق، ولم تشأ تقييد خلفها بسياسة معينة تجاه دمشق.

خلال الشهور الثلاثة الأولى من حكمها، لم تبدِ إدارة ترامب اهتماماً كبيراً بسورية، حتى إنّ ترامب نفسه لم يذكرها سوى مرّة أو اثنتين عرضاً، وكملف ملحق بقضايا إقليمية أكثر أهمية بالنسبة إليه، أبرزها عندما أبدى خلال لقائه رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، مطلع إبريل/ نيسان الماضي، في البيت الأبيض، استعداداً للوساطة في الصراع بين حليفيه في أنقرة وتل أبيب حول سورية، كاشفاً أنه قال لأردوغان “أعرف أنك أنت من أخذ سورية”. كان واضحاً خلال هذه الفترة وجود تيارين داخل إدارة ترامب يتنازعان السياسة حول سورية؛ الأول تعبّر عنه وزارة الخارجية، ويرى بضرورة منع انزلاق سورية إلى الفوضى، وإعطاء إدارة دمشق الجديدة فرصة لإثبات أنها تغيّرت، وقطعت مع ماضيها. والتيار الثاني يعبّر عنه الجناح الأمني في الإدارة، ويقف على رأسه سبستيان غوركا، مسؤول ملف الإرهاب في مجلس الأمن القومي، وتولسي غابارد، مديرة المخابرات الوطنية، ويتخذ موقفاً متشكّكاً ومتشدّداً من حكّام دمشق الجدد. ساعد تدخل تركيا ودول خليجية، في مقدمتها السعودية وقطر، في ترجيح كفة وزارة الخارجية في واشنطن، من طريق التأثير على ترامب، وإقناعه بأهمية الانخراط مع دمشق، والاستثمار في التحول الكبير الذي مثله سقوط الأسد.

التغيير في الموقف الأميركي، عقب لقاء ترامب برئيس السلطة الانتقالية السورية أحمد الشرع، في زيارته الرياض في 13 مايو/ أيار الماضي، كان عميقاً وسريعاً، إذ رفعت الولايات المتحدة أو جمّدت أكثر العقوبات عن سورية، وبعضها يمتد عقوداً، وتوجت ذلك برفع هيئة تحرير الشام، أخيراً، من قائمة التنظيمات الإرهابية، التي كانت دخلتها عام 2012. لا شكّ أن الوساطات العربية الخليجية والتركية لعبت دوراً مهمّاً في تغيير موقف ترامب، لكن الواضح أيضاً أن الولايات المتحدة بدأت تدرك حجم المصالح المرتبطة بالتغيير الذي شهدته دمشق. بالنسبة إلى إدارة ترامب، وآخر همها الديمقراطية، تمثل سورية فرصة لإحداث تحوّل عميق في الشرق الأوسط لا يقلّ أهمية عن التحوّل الذي أحدثه غزو العراق عام 2003، بل هي فرصة لمحو بعض آثاره، من ذلك تفكّك الدولة المشرقية، وهيمنة جماعات ومليشيات مسلّحة يصعب السيطرة عليها، بعكس السلطات المركزية، فضلاً عن تغوّل النفوذ الإيراني، وصعود التنظيمات الجهادية ردَّ فعل عليه. السلطة الجديدة في دمشق يمكن أن تؤدي دوراً مهمّاً في الترتيب الجديد للمنطقة، وهي تبدي كل الاستعداد لذلك. طبعاً، لا يمكن أن يكتمل المشهد الجديد، بالنسبة لواشنطن، إلّا بالتطبيع مع إسرائيل، الذي قال المبعوث الأميركي، توماس برّاك، أنه أحد الشروط الخمسة لرفع العقوبات عن سورية. برّاك يتولى حاليّاً إدارة شؤون سورية ولبنان، وهو يقود التوجّه الأميركي الجديد في المنطقة، ومثل رئيسه، ترامب، يتعامل مع القضايا السياسية الحسّاسة بكثير من “الشخصنة”، بما في ذلك إفراطه في التعبير عن “مشاعر الحب” للسلطة السورية الجديدة، رغم أنه، يدرك، باعتبار جذوره المشرقية (لبنانية)، أن الكثير من الحب قد يكون مؤذياً، لكنه، يعطي، من جهة ثانية، فكرة عن مقدار التحوّل في العلاقة بين دمشق وواشنطن، من العداء إلى الاحتضان، في ستة شهور.

————————

أميركا “السورية” والانفتاح الناقص/ رفيق خوري

ما يهم واشنطن في دمشق هو العداء لإيران والانفتاح على إسرائيل وترتيبات تشريعية للاستثمارات الأجنبية

الأربعاء 16 يوليو 2025

الحل البسيط لمجتمع متنوع وتعقيداته مثل سوريا هو نظام ديمقراطي في دولة مواطنة مدنية لا أكثرية ولا حلف أقليات (أ ف ب)

ملخص

 الكل يعرف أن مشكلة سوريا لا يحلها نظام مركزي ولا نظام لا مركزي ولا نظام فيدرالي، فالنظام الرئاسي المركزي الشديد جعل سوريا صحراء سياسية بعدما كانت تنبض بالحيوية السياسية أيام النظام الديمقراطي البرلماني.

أميركا لا تلعب مع أي بلد من دون أهداف لها تتعلق ببلدان أخرى، وهذا ليس اختراع الرئيس دونالد ترمب والإدارات السابقة، بل تقليد مكرس لدى الـ “استبلشمنت” أو الدولة العميقة مهما تغيرت الإدارات، وهذا ما يفسر الانفتاح الأميركي على سوريا وإدارتها الجديدة من دون التشدد في لائحة المطالب التي تسلمتها دمشق من موفدي إدارة الرئيس السابق جو بايدن، ثم من موفدي إدارة ترمب مع وضعها تحت المراقبة.

ما يهم واشنطن في دمشق هنا هو ثلاثة أمور من بين 10 أخرى على اللائحة، مرشحة للتغاضي عنها مع تحقيق الأمور الثلاثة، وهي أولاً العداء لطهران ومنع أي نفوذ إيراني وأي خلايا مرتبطة بالحرس الثوري أو “حزب الله” اللبناني، وثانياً وقف العداء مع إسرائيل وبدء التفاوض معها مباشرة وبالواسطة في الجنوب السوري وأذربيجان وعُمان والإمارات، وثالثاً ترتيب الإطار التشريعي والقانوني لضمان الاستثمارات الأجنبية وأولها الأميركية، وهذا ما فعلته بنجاح وسرعة إدارة الرئيس أحمد الشرع.

ذلك أن سوريا هي حتى الآن قصة فشل للنظام السابق في رهان على أن تصبح قصة نجاح للإدارة الجديدة التي وجهت الضربة القاضية خلال ربع الساعة الأخير لنظام متهالك قضى على الدولة قبل القضاء عليه، أما مئات الألوف من الذين تظاهروا في الشوارع وتعرضوا للقمع والعنف والسجن والقتل وقاتلوا النظام بين عامي 2011 و2024، فإنهم لا يزالون خارج المشاركة في بناء سوريا الجديدة، وأما شعار “القضاء على الأقليات” بعد تكفيرها على يد فصائل سلفية جهادية مرتبطة بالإدارة الجديدة أو خارجها، فإنه عملياً قضاء على حق الأكثرية التي لم تكن ولن تكون إلا “وسطية” لا سلفية، وبالتالي على المجتمع السوري المتنوع، فالسلفية الجهادية لا تبني دولة ولا تحافظ على مجتمع ولا تعمل إلا بالقتل والإقصاء.

 ولا أحد يعرف مدى الانفتاح والمشاركة الذي يريد أو يستطيع الرئيس أحمد الشرع الذهاب إليه، لكن مرحلة انتقالية لخمسة أعوام زمن طويل، وإمساك المقربين بمفاصل السلطة الأساس مع أقل قدر من الخبرة والعلم هو وصفة لتركيب نظام يشكل الوجه الآخر للنظام المنهار، وترتيب الأولويات بما يعني تأخير المعالجة الضرورية للسوريين اللاجئين في الخارج والنازحين في الداخل، وهم يشكلون نحو نصف الشعب، ليس تسريعاً للنهوض الاقتصادي بمقدار ما هو إبطاء له، فما حدث في تفجير الكنيسة في دمشق ليس صاعقة في سماء صافية وقد سبقته مجازر الساحل والاعتداءات على جرمانا وصحنايا والسويداء، وما يحدث من قتل لأشخاص وعائلات بشكل يومي، ويوضع في باب الحوادث الفردية، هو في الواقع متأثر بمناخ عام لا تزال معالجته مقصرة أو بطيئة أو مجرد بيانات من ورق.

وليس أمراً قليل الدلالات أن يضع ديفيد أوتاواي ومارينا أوتاواي في كتاب “قصة أربعة عوالم في المنطقة العربية” العراق وسوريا ولبنان “في قائمة اللادول”، فما فعلته حرب سوريا عبر سياسة بشار الأسد وسياسة معارضيه في تيار الإسلام السياسي المتشدد هو قتل مفهوم المواطنة لمصلحة الهويات الطائفية، وما لم يتقدم بعد كما يجب هو مفهوم الشراكة الوطنية في إدارة البلد، وحسناً فعلت دمشق بالإعلان “أن المطلوب هو العودة للهوية الوطنية الجامعة والدخول في مشروع الدولة الوطنية السورية الجامعة”.

لكن السؤال هو: هل يمكن القول إن السلطة الانتقالية تعمل كل ما تستطيع لحماية الهوية الوطنية الجامعة من دعاة حرب الهويات، وتبني مشروع الدولة الوطنية السورية الجامعة؟

مهما يكن الجواب فإن الحاجة ماسة إلى الانفتاح في الداخل إضافة إلى الانفتاح الخارجي وعلى الخارج، فالانفتاح على الداخل يبدو في سرعة السلحفاة، والانفتاح على الخارج في سرعة الأرنب، شيء من “فورد بودعسة” (سيارة قديمة) وشيء من طائرة نفاثة.

ومن الوهم تجاهل التعقيدات في المسألة الكردية بعد حرب سوريا وقيام “قسد” والإدارة الذاتية بحكم شرق الفرات على مساحة لا تقل عن ثلث مساحة سوريا، فضلاً عن حماية القوات الأميركية للكرد والتحالف معهم ضد “داعش”، وإذا كانت المركزية واللامركزية وحتى الفيدرالية هي العنوان الكبير للخلاف بين الإدارة السورية وتجمع القوى الكردية، فإن سوريا ليست مشكلة بلا حل على طريق القول إن كل مشكلة لا حل لها ليست مشكلة.

والكل يعرف أن مشكلة سوريا لا يحلها نظام مركزي ولا نظام لا مركزي ولا نظام فيدرالي، فالنظام الرئاسي المركزي الشديد جعل سوريا صحراء سياسية بعدما كانت تنبض بالحيوية السياسية أيام النظام الديمقراطي البرلماني، والنظام اللامركزي الرخو يشكل خطورة على بلد ممزق عملياً وفي حاجة إلى توحيد، والنظام الفيدرالي الناجح في أميركا وسويسرا وألمانيا ودول عدة يصعب أن ينجح في سوريا ولبنان، حيث الخلاف على قضايا السياسة الخارجية والدفاعية التي يجب أن تكون في يد المركز.

 أما الحل البسيط لمجتمع متنوع وتعقيداته مثل المجتمع في سوريا والمجتمع في لبنان فإنه النظام الديمقراطي في دولة مواطنة مدنية، لا أكثرية ولا حلف أقليات، وقبل أكثر من 2000 عام قال أرسطو في أثينا “إن الدولة هي جماعة مواطنين عاقلين أحرار لا جماعة مؤمنين”، ولا مكان ونجاح لدولة دينية في القرن الـ 21، ولن يصمد اليوم الرهان على ما سماها المحلل الفرنسي جيل كييل “الطبقة الثالثة من السلفية الجهادية”، و”كي نفهم الحياة يجب أن نتطلع إلى الوراء، وكي نحيا يجب التطلع إلى الأمام”، كما يقول الفيلسوف سورين كيركيغارد.

——————————

 نتنياهو يخرِّب المسار الأميركي فيها: ليس بالعنف تثبَّت وحدة سوريا

الأربعاء 2025/07/23

لم يكن من الممكن تخيّل تجدد مشاهد “التهجير القسري” في سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد. لعب الأسد لعبة التطهير باسم “سوريا المفيدة” و”التجانس”، وخاض معارك في سبيل تغيير ديموغرافية سوريا. هذا المشهد تكرر في الأيام الماضية في السويداء بعد المواجهات الدامية التي وقعت. حصل التهجير بعد مجازر، وبعد تدخل إسرائيلي مباشر ضد القوات السورية لمنعها من الدخول إلى الجنوب السوري، معلنين مطلبهم الواضح بمنطقة منزوعة السلاح تشمل درعا، السويداء والقنيطرة.

“ممر داوود”

كان الدخول الإسرائيلي المتجدد إلى المسرح السوري إشارة في غاية الخطورة إلى مشروع تل أبيب، وسط مواقف تعبّر بوضوح عن سعي لفتح خط مباشر بين السويداء ومناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية، وهو الذي يُطلق عليه اسم “ممر داوود”، أو بالمعنى الأوضح: وصول إسرائيلي بالنفوذ والامتداد من الجولان نحو الفرات في الشمال الشرقي. هذا الممر كانت قد أثارته تركيا منذ سنوات، وتعده تهديداً مباشراً لها. إذ تنظر إلى أن تقسيم سوريا سيكون مقدمة لتقسيمها. تكمن الخطورة الإسرائيلية تجاه سوريا في تغذية نزعة التقسيم وعدم السماح لسوريا أن تكون دولة مركزية قوية. تحاول إسرائيل دوماً الاستثمار في مخاوف الأقليات وعدم تحصيلها لحقوقها في دولها، للعب على هذا الوتر. وهو الأمر الذي يحصل في سوريا وقابل لأن يتكرر دوماً.

تمارس إسرائيل ضغوطها القصوى على دمشق، سياسياً في الداخل، أو عسكرياً وأمنياً. كما لا تتخلى عن ممارسة ضغوطها الدولية من البوابة الأميركية، عبر الضغط داخل الكونغرس لإعادة فرض عقوبات على سوريا، وتطويق سلطة الشرع. الأمر الذي نجحت به إسرائيل حتى الآن هو تكريس تعدد الآراء داخل الإدارة الأميركية حول كيفية التعاطي مع الشرع، بين من لا يزال يفضل دعمه ودعم مساره، ومن يحاول الاعتراض، ويعد أن كل الخطوات الإيجابية التي اتخذتها واشنطن من رفع العقوبات إلى إعطاء قوة دعم للشرع، لم تؤد إلى النتائج المطلوبة. لكن الرأي الثاني لا يزال مطموراً نسبياً. إذ أن كل المعلومات تفيد بأن واشنطن لا تزال تدعم الشرع ومساره حتى الآن. وهو ما ورد في بيان البيت الأبيض عن أن ترامب تفاجأ بخطوة نتنياهو في استهداف دمشق.

المرآة اللبنانية

في لبنان، كما في دول مختلفة تركزت الأنظار على تداعيات أحداث السويداء، وانعكاسها على سلطة الشرع. تماماً كما كان الحال بالنسبة إلى أحداث الساحل السوري. ففي حينها تكونت وجهات نظر تشير إلى أنه لا يمكن للشرع أن يثبت سلطته وينتقل في سوريا إلى مرحلة بناء الدولة، في ظل هذه العقلية العنفية، والتي تنطوي على طبائع الثأر وممارسته. الفكرة نفسها تتكرر الآن بعد أحداث السويداء. أما بالنسبة إلى الشرع والمقربين منه، فإن ما يقوم به هدفه بسط سيطرة الدولة على كامل أراضيها وعدم السماح بإقامة أي كيان ذاتي.

لبنانياً أيضاً، تكونت وجهة نظر تستند إلى ما يجري في سوريا، تقول إنه لا يمكن للبنانيين، أو لحزب الله على وجه التحديد، أن يشرعوا في تسليم سلاحهم، ولا سيما في ظل المخاطر الإسرائيلية والمخاطر التي قد تنجم عن تطورات الوضع السوري. هذا الكلام كان قد استبقه الموفد الأميركي توم باراك، والذي يبدو أنه من أكثر الداعمين للشرع، معتبراً أنه يجب عدم التذرع بالتطورات السورية للتراخي في مسألة حصرية السلاح بيد الدولة. ويذهب باراك أبعد من ذلك، إذ يشدد في لقاءاته وتصريحاته على أهمية الحفاظ على سوريا كدولة مركزية موحدة. وكان قد قال قبل أيام في مؤتمر صحافي في وزارة الخارجية الأميركية إنه يجب عدم التفكير في إقامة كيانات مستقلة أو إدارات ذاتية داخل سوريا، بل يجب اندماج كل القوى المجتمعية والأقليات ضمن النسيج السوري.

نتنياهو “المخرِّب”

ما يراه باراك، وهو يعبّر عن رأي الكثيرين في الإدارة الأميركية، أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هو الذي يريد تخريب المسار السوري. أصحاب هذا الرأي في واشنطن يعتقدون أن نتنياهو في وضع سياسي صعب جداً على المستوى الداخلي، وحكومته مهددة بالفعل. لذلك هو يريد التهرب من مواجهة الاستحقاقات الداخلية عبر إثارة الحروب الخارجية ومواصلتها، وبما أن الضغوط تتزايد لوقف الحرب على غزة، فإن رئيس الوزراء الإسرائيلي سيبحث عن ساحات جديدة للقتال، كانت سوريا من بينها. كما أن تدخله العنيف تحت شعار حماية الدروز، له أهداف ذات بعد استراتيجي يتصل بالجغرافيا السورية وبالشروط الإسرائيلية عليها. كما له أهداف تتصل بالحسابات الداخلية، لإرضاء الدروز، في ظل اهتزاز الحكومة واتجاه أحزاب للانسحاب منها، وفي ظل أزمة الجيش والتجنيد.

لا تزال الوجهة في سوريا غير محسومة. في واشنطن هناك من يصر على دعم الشرع، كما أن الرجل يحظى بدعم عربي واسع ودعم إقليمي ولا سيما من تركيا. في حين أن الولايات المتحدة الأميركية ستسعى إلى تجديد التفاوض السوري الإسرائيلي لإعادة إحياء التفاهمات والوصول إليها، إلى جانب مواصلة العمل للوصول إلى تسوية بشأن السويداء. ووفق المعلومات، فإن الاجتماع الذي عقد قبل أيام في العاصمة الأردنية عمان بين وزراء خارجية الأردن، تركيا وسوريا، نتج عنه لجنة متابعة تعمل للوصول إلى تفاهم واضح، في حين أن الاستحقاق الثاني المقبل سيكون كيفية التعاطي مع قوات سوريا الديمقراطية.

المدن

————————-

 سوريا: قانون قيصر إلى التمديد بدل الإلغاء

الأربعاء 2025/07/23

أجازت لجنة الخدمات المالية في مجلس النواب الأميركي، مشروع قانون لتعديل قانون “قيصر” بدلاً من إلغائه، حيث صوت 31 عضواً بالموافقة، مقابل اعتراض 23.

لم يصبح قانون

وقال مسؤول التخطيط في التحالف السوري- الأميركي محمد علاء غانم، إن التصويت لا يعني أن هذا المشروع صار قانوناً نافذاً، لأنه أمامه طرق طويل، لكنه يعني تجاوز المشروع خطوة أولى مهمة. وأضاف “سنستمرُّ في عملنا لمعارضة المشروع في مراحله اللاحقة”

وفي وقت سابق، قال المجلس السوري- الأميركي  إنه يعارض المشروع، لأنه يُعتبر توسيعاً للباب الخلفي للعقوبات الأميركية على سوريا، مضيفاً أن مشروع القانون هذا، الذي قدمه النائب مايك لولر، يحرك البلاد وسياسة الولايات المتحدة بشكل حاسم في الاتجاه الخطأ.

تعديلات المشروع

وينص مشروع القانون على إنهاء العمل بالعقوبات المفروضة على سوريا بموجب “قيصر”، في 31 كانون الأول/ديسمبر 2029، شرط التزام الحكومة السورية لمدة عامين، بعدد من البنود، هي، وقف القصف العشوائي على المدنيين والمناطق السكنية، وإنهاء الاعتقالات السياسية والإفراج عن المحتجزين تعسفياً، والسماح بوصول المساعدات الإنسانية دون عراقيل، ووقف استهداف البنية التحتية والطبية والتعليمية.

كما تتضمن البنود، التزام الحكومة السورية، بوقف استخدام البراميل المتفجرة والأسلحة الكيماوية، ومحاسبة مرتبكي جرائم الحرب، ووقف تهريب “الكبتاغون” ومكافحة إنتاجه وتصديره، والكف عن استهداف الأقليات الدينية والطائفية.

ويلسون: المشروع لا يناسب نهج ترامب

وتعليقاً على التصويت، قال السيناتور الجمهوري جو ويلسون، إن مشروع القانون الجديد بصيغته الحالية “ليس النهج المناسب للمضي قدماً”، ولا يتماشى مع أجندة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، بشأن سوريا، معرباً عن أمله في أن تعيد لجنة الخدمات المالية النظر في هذا الإجراء، وأن تأخذ وقتاً أطول لدراسة العقوبات المفروضة على سوريا والعمل عليها.

وأكد أن “الإلغاء الصريح لقانون قيصر يعزز الاستقرار”، و “يدعمها العديد من الجمهوريين، بمن فيهم ستة من الرعاة الجمهوريين لمشروع قانون إلغاء قانون قيصر، وتتوافق مع نهج الرئيس ترمب”.

ولفت إلى أن إلى التعديل “يتضمن السياسية نفسها التي ينص عليها المشروع المشترك بين الحزبين، وهي الإلغاء الصريح”.

وفرضت الولايات المتحدة قانون “قيصر لحماية المدنيين في سوريا” على نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد، في 21 كانون الأول/ ديسمبر 2019، بعد نحو 3 سنوات على إقراره من مجلس النواب الأميركي.

المدن

————————-

إرث العقوبات الأميركية الثقيل على سوريا… من الأسد الأب إلى الشرع/ جو معكرون

إعفاءات مؤقتة لا رفع كامل… وعقبات «إجرائية» بينها فيتو روسي

12 يونيو 2025 م

عاش السوريون 46 عاماً تحت سيف العقوبات الأميركية، ونشأت أجيال كاملة لم تعرف غيرها. اندمجت العقوبات في تفاصيل الحياة اليومية، من المصارف والطيران الدولي إلى أعمال البناء والمواد الغذائية، وكان أثر هذه العقوبات أقسى على الناس العاديين مما كان على رموز النظام الأسبق. رفع العقوبات حالياً سيسمح بإطلاق جهود التخطيط وإعادة الإعمار لا شك، لكن المخاوف السياسية والأمنية لا تزال قائمة كما أن الحالة المتهالكة للبنى التحتية قد تكون عائقاً أمام استثمارات القطاع الخاص في سوريا. والأهم من ذلك، معرفة ما إذا كان قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب بإطلاق مسار رفع العقوبات ارتجالياً مثلما كان إعلانه الانسحاب العسكري من سوريا نهاية 2018، أم أنه تحوّل مفصلي في السياسة الخارجية الأميركية حيال سوريا؟

كان ترمب أعلن في 13 مايو (أيار) الماضي رفع العقوبات الأميركية عن سوريا خلال زيارته السعودية، ما أدى إلى فترة إرباك ومراجعة في إدارته قبل إعلانها آلية أولية توازن بين تنفيذ إعلان ترمب وأخذ في الاعتبار هواجس فريقه حيال انفتاح غير مشروط على السلطة الجديدة. وقبل تقييم المرحلة الحالية من رفع العقوبات، لا بد من مراجعة تاريخية لسياق وخلفيات هذه العقوبات، وطبيعة القرار الذي اتخذته واشنطن وآليات تنفيذه، وما أثره المحتمل على سوريا والسوريين. ويمكن تقسيم مراحل العقوبات على سوريا على ثلاث مراحل منذ عهد الرئيس الأسبق حافظ الأسد، ثم عهد ابنه بشار، وصولاً إلى الرئيس الحالي أحمد الشرع.

الاتجاه نحو إيران 1979 – 2000

بدأت مرحلة العقوبات الأميركية على سوريا عام 1979 بعد توقيع اتفاق كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل وصعود الثورة الإسلامية في إيران. مع انتهاء الحلف الاستراتيجي بين القاهرة ودمشق، رأى حافظ الأسد في النظام الجديد في إيران محاولة لإيجاد ثقل موازن للعراق وإسرائيل. هذا التحوّل الاستراتيجي وضعه في نقيض مع مصالح أميركا وحلفائها، وأدرجت واشنطن سوريا على قائمة الدول الراعية للإرهاب منذ إنشاء القائمة عام 1979 نتيجة تدخلها في لبنان ودعمها وإيوائها المقاتلين ضد إسرائيل، كما حزب العمال الكردستاني. ومن ثمّ بدأ منذ ذلك الوقت القيود على المساعدات الخارجية الأميركية، والحظر على الصادرات والمبيعات الدفاعية، ومنع وصول المواد ذات الاستخدام المزدوج التي يمكن استخدامها لأغراض مدنية وعسكرية على حد سواء. وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 1986، فرضت إدارة الرئيس رونالد ريغان إجراءات عقابية ضد نظام حافظ الأسد، منها منع الطائرات السورية من الهبوط في الولايات المتحدة.

غزو العراق 2001 – 2010

الموجة الثانية من العقوبات بدأت بتحوّل في السياسة الأميركية هذه المرة بعد توقف دور واشنطن التقليدي في مسار مفاوضات السلام العربية – الإسرائيلية، لا سيما بعد اللقاء الأخير بين بيل كلينتون وحافظ الأسد في مارس (آذار) عام 2000، والأهم من ذلك اعتداءات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 على الولايات المتحدة وتداعياتها في الغزو الأميركي لأفغانستان والعراق، وذلك بالتزامن مع وصول بشار الأسد إلى الحكم في يوليو (تموز) 2000.

ولأول مرة استخدم الرئيس الأسبق جورج بوش الابن عبارة «محور الشر» في خطاب حالة الاتحاد أمام الكونغرس في 29 يناير (كانون الثاني) 2002 في إشارة إلى إيران والعراق أيام حكم حزب البعث وكوريا الشمالية. وجاء رد النظام الإيراني بتشكيل ما أطلق عليه اسم «محور المقاومة» الذي كان يضم سوريا و«حزب الله» اللبناني.

هذه التحوّلات أدت إلى مرحلة جديدة من العقوبات بدأت مع قانون محاسبة سوريا وسيادة لبنان لعام 2003، الذي بدأ تنفيذه مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (أوفاك) في وزارة الخزانة عام 2004، عبر القرار التنفيذي 13338 الذي ركز على احتلال النظام السوري السابق في لبنان وسعيه لامتلاك أسلحة دمار شامل وتقويضه الاحتلال الأميركي للعراق.

واللافت إنه في في 7 مايو (أيار) الماضي، وقعت إدارة ترمب «إشعار – استمرار حالة الطوارئ الوطنية فيما يتعلق بإجراءات الحكومة السورية» الذي يشمل تجديد القرارات التنفيذية بين عامي 2003 و2012، وهذا القرار يبقى ساري المفعول حتى 7 مايو 2026 إلا إذا بادرت إدارة ترمب بإلغائه.

الانتفاضة الشعبية وقانون قيصر

الموجة الثالثة للعقوبات كانت مع بداية الانتفاضة السورية في مارس (آذار) 2011، حيث فرضت واشنطن عقوبات على سوريا عبر سلسلة قرارات تنفيذية رداً على أعمال العنف وانتهاكات حقوق الإنسان، وأصدر الرئيس باراك أوباما في 29 أبريل (نيسان) 2011 قراراً تنفيذياً بحظر ممتلكات المتورطين في نظام الأسد، تبعه في أغسطس (آب) 2011 حظر على قطاع النفط وتجميد أصول الدولة السورية، بالإضافة إلى حظر تجاري يشمل تصدير السلع والخدمات التي يكون منشؤها أراضي الولايات المتحدة أو من شركات أو أشخاص أميركيين إلى سوريا، باستثناء المواد الغذائية والأدوية.

لكن نقطة التحول الرئيسية كانت مع إقرار الكونغرس «قانون قيصر لحماية المدنيين السوريين لعام 2019»، المعروف باسم «قانون قيصر»، الذي وقّعه ترمب في ديسمبر (كانون الأول) 2019 ودخل حيز التنفيذ في يونيو (حزيران) 2020، واستهدف الصناعات المتعلقة بالبنى التحتية والصيانة العسكرية وإنتاج الطاقة، والشركات والأفراد في الدائرة التمويلية لنظام بشار الأسد، والأهم من ذلك حظر الاستثمار الأجنبي في إعادة إعمار سوريا.

هذه العقوبات الأميركية أتت بشكل أساسي على خلفية محاولة موسكو إطلاق مسار إعادة الإعمار في سوريا وتقاربها مع البلدان العربية عام 2018 لتكريس نفوذها في سوريا وتحجيم الدور الإيراني، وانعكس ذلك في محاولات تقارب خجولة قامت بها بعض الدول حيال نظام بشار الأسد. إذن في ظل المنافسة الروسية – الإيرانية على موارد الدولة السورية وقراراتها في تلك الفترة، جاء «قانون قيصر» ليردع الطرفين معاً اقتصادياً ويحظر التعامل مع الحكومة السورية وأجهزتها العسكرية والاستخباراتية.

ويبقى أن هدفه الرئيسي كان الدفع نحو التفاوض مع موسكو بحيث سمح القانون للرئيس الأميركي بتجميد العقوبات في حال كانت هناك مفاوضات مجدية. وبهذا، فإن «قانون قيصر»، الذي دخل حيّز التنفيذ بعد تسعة أعوام على الثورة السورية، لم تكن له علاقة بديناميات النزاع الداخلي السوري، بل كرادع اقتصادي لأي محاولة استثمار. يكفي أنه جاء في وقت كانت المعارضة المسلّحة في أسوأ مراحلها في حين لم تساعدها واشنطن عندما كانت في ذروة قوتها.

الشرع… وما بعد الأسد

بعد سقوط نظام بشار الأسد نهاية 2024، وتسلّم إدارة ترمب السلطة بداية العام الجاري، لم تبد سوريا أولوية أميركية وكانت هناك وجهات نظر متباينة داخل الإدارة حول كيفية التعامل مع السلطة الجديدة. لكن بدأ الأمر يتغيّر تدريجياً منذ 16 مارس (آذار) الماضي بعد أول اتصال هاتفي بين الرئيس التركي رجب طيب إردوغان وترمب، بالتزامن مع تقرّب الأخير من الخيار التركي – السعودي في سوريا، ليناقض المقاربة الإسرائيلية المتشددة حينذاك حيال الشرع، قبل أن يكرّس هذا التحوّل الأميركي عملياً خلال زيارة ترمب إلى السعودية.

وعليه بدأ ترمب برفع العقوبات تدريجياً عن سوريا، فيما يبقى السؤال حول «قانون قيصر» معلقاً. فالآن بعد خروج النفوذين الإيراني والروسي، هل تلغي إدارة ترمب كل مفاعيل هذا القانون أو تعيد النظر في وظيفته كي يبقى ورقة ضغط على النفوذ التركي في سوريا عند الضرورة؟

يطرح السؤال علماً أن القانون تم تجميده لـ180 يوماً قابلة للتجديد. وهي ليست المرة الأولى، فقد علّق بشكل محدود لأسباب إغاثية خلال الزلزالين التركي والسوري في 7 فبراير (شباط) 2023، كما في حال الأراضي تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد).

آليات التنفيذ وصعوباتها

بدأت إدارة ترمب كمرحلة أولى بإصدار قرارات تنفيذية تغطي نطاقات واسعة من الاقتصاد السوري لتسهيل مسار إعادة الإعمار الذي لا يزال الإقبال عليه بطيئاً نسبياً نتيجة التكاليف المرتفعة.

حتى الآن، هناك ثلاثة قرارات رئيسية تنظم آلية رفع العقوبات.

قرار تجميد العقوبات «GL 25» الذي أصدره مكتب مراقبة الأصول الأجنبية في وزارة الخزانة الأميركية في 23 مايو (أيار) الماضي، وقرار إعفاء لمدة 180 يوماً من «قانون قيصر»، والإعفاء الاستثنائي من التدابير الخاصة المفروضة على المصرف التجاري السوري، ما يسمح بفتح حسابات مراسلة، وأصدرته شبكة إنفاذ قوانين الجرائم المالية التابعة لوزارة الخزانة.

القرار «GL 25» ليس له تاريخ انتهاء صلاحية كما يمكن إلغاؤه في أي وقت أو استبداله، لكن الإعفاءات من قانون قيصر يتم تجديدها دورياً كل ستة أشهر.

وليس الترخيص العام السوري رقم 25 الأول هذا العام، بل أصدرت الخزانة الأميركية الترخيص رقم 24 في يناير (كانون الثاني) الماضي لفترة ستة أشهر أيضاً، وسمح بعدد محدود من المعاملات مع السلطات الرسمية وقطاع الطاقة، كما تم إعفاء التحويلات الشخصية من المواطنين الأميركيين إلى سوريا، لكن المصارف الأميركية لم تكن مستعدة للمخاطرة بعد.

ويشمل الترخيص العام «GL 25» أربعة قطاعات رئيسية؛ هي الخدمات المالية، والنفط والغاز، والشحن البحري، والطيران. كما لا يسمح للأشخاص الأميركيين بالمشاركة في المعاملات التي يمكن أن تفيد روسيا أو إيران أو كوريا الشمالية أو تسهيلها، ما يعني أنه سيكون هناك تحريات وتدقيق في أي معاملة للتأكد أنها لا تشمل أياً من هذه الأطراف المحظورة. ولم يتم بعد إلغاء الأوامر التنفيذية التي فُرضت بموجبها معظم التصنيفات ذات الصلة بسوريا بشكل رسمي، لكن تقارير إعلامية ألمحت إلى احتمال إصدار مثل هذه القرارات في المدى المنظور.

لكن هناك معضلة «إجرائية». فسوريا لا تزال حتى الآن مصنفة على لائحة الدول الراعية للإرهاب، ورفعها عن تلك اللائحة يتطلب تقديم وزارة الخارجية الأميركية تقريراً إلى الكونغرس يتضمن نتائج وقائعية محددة.

كذلك، لم يُدخل بعد مكتب الصناعة والأمن التابع لوزارة التجارة الأميركية ولا مديرية ضوابط التجارة الدفاعية التابعة لوزارة الخارجية الأميركية تغييرات على لوائح مراقبة الصادرات الأميركية لتعليق قرار حظر التصدير إلى سوريا، التي لا تزال مدرجة بدورها على لوائح الاتجار الدولي في الأسلحة ولا تزال تخضع لضوابط لوائح إدارة الصادرات، ومن ثمّ لا تزال جميع المواد الخاضعة للرقابة الأميركية على الصادرات (بخلاف معظم الأغذية والأدوية) تتطلب ترخيصاً للتصدير أو إعادة التصدير إلى سوريا.

وإلى ما سبق، لا تزال «هيئة تحرير الشام» مصنفة «منظمة إرهابية أجنبية». ورغم عقد ترمب اجتماعاً وجهاً لوجه مع الرئيس أحمد الشرع وقرار وزارة الخزانة إعفاءه من العقوبات، لا تزال هذه العقوبات قائمة عليه تحت كنية أبو محمد الجولاني.

وهناك قرار مجلس الأمن الدولي 1267 الذي يفرض عقوبات على «هيئة تحرير الشام»، لا يزال قائماً وملزماً للدول الأعضاء، وأي محاولة لرفعه قد تواجه بفيتو روسي، بينما العقوبات الدولية المتعلقة بحظر الأسلحة والقيود المفروضة على تكنولوجيا المراقبة ستبقى سارية المفعول.

في الأثناء، تم تجديد قانون قيصر في الكونغرس في يناير (كانون الثاني) 2025، لمدة خمس سنوات، ومن ثمّ لن ينتهي مفعول القانون حتى يناير (كانون الثاني) 2030، إلاّ إذا تم إلغاؤه بقرار تشريعي لا يزال مستبعداً في المدى المنظور. لكن بحلول 23 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل يمكن لإدارة ترمب أن تقرر ما إذا كانت ستجدد تعليق العقوبات لمدة ستة أشهر إضافية، وهي صيغة يمكنها تكرارها ريثما تتأكد من سلوك السلطة السورية الجديدة.

الديمقراطيون حلفاء ترمب

المؤكد أنه لا يمكن رفع العقوبات بشكل دائم إلا من خلال تشريعات يقرها الكونغرس الأميركي. وللصُّدَف، فإن حليف ترمب في معركة رفع العقوبات عن سوريا هم الديمقراطيون في الكونغرس، فالجمهوريون، لا سيما في مجلس الشيوخ، أكثر تحفظاً حيال هذا الانفتاح السريع.

ورأى رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ السيناتور الجمهوري جيم ريش، أن ترمب رفع العقوبات «بشكل أقوى قليلاً مما كنا نتوقع»، لافتاً إلى «أننا ما زلنا في حالة انتظار وترقب، وتلك العقوبات التي تم رفعها يمكن إعادتها مرة أخرى».

وكانت هناك محاولات تأثير على ترمب من قبل الشركات الأميركية المهتمة بالاستثمار في سوريا، لا سيما في قطاع الطاقة، التي تتقاطع مصالحها مع المجموعات السورية – الأميركية، مقابل اللوبي المؤيد لإسرائيل، لا سيما لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (إيباك) التي ترى أن أي تغيير في العقوبات «يجب أن يستند إلى إظهار مستمر للسلوك الإيجابي من الحكومة السورية الجديدة».

الأثر على الاقتصاد والناس

في عام 2018، قدرت الأمم المتحدة أن إعادة إعمار سوريا بالكامل سيتطلب ما لا يقل عن 250 مليار دولار، وهو مبلغ يستحيل تمويله من دون الدعم الدولي. هناك تحديات جدية تواجه أي استثمارات خارجية محتملة في سوريا. البنى التحتية المدمرة، بما في ذلك الطرق والمستشفيات وشبكات الكهرباء، تعوق توفير الخدمات الأساسية. وسيتطلب الانتعاش الاقتصادي استثمارات ضخمة لإحياء الصناعات، في حين أن ملايين الأشخاص الذين نزحوا بسبب النزاع في الداخل والخارج سيحتاجون إلى إعادة إسكانهم. هناك حاجة لتوفير كل أنواع الطاقة للسكان والمعدات الطبية الحديثة وتوفير فرص عمل بمرتبات مناسبة.

يُعد رفع العقوبات، حتى لو كان جزئياً، تحولاً جذرياً في الاقتصاد السوري، حيث سيسمح بفتح الأسواق أمام البضائع والسلع الأساسية، ما يسهل الحصول على المواد الغذائية والأدوية والنفاذ إلى التكنولوجيا، كما سيفتح المجال أمام مشاريع إعادة الإعمار التي تحتاج إليها البنية التحتية المتضررة من النزاع، بما يشمل بناء المدارس والمستشفيات والطرق وغيرها. رفع العقوبات يسمح بإنهاء التجميد عن الأصول الدولية لسوريا، وسيمكّن الشركات الأجنبية من العودة إلى القطاعات الرئيسية مثل البناء والطاقة والتجارة.

التحوّل الأكبر بالنسبة للسوريين هو رفع الحظر عن وصول المصارف السورية إلى أنظمة الدفع العالمية، ما يعزز مسار انهيار الاقتصاد السوري في وقت لا يثق السوريون بمصارفهم منذ وقت طويل. ومن المتوقع أن تبدأ قريباً إعادة ربط سوريا بنظام المدفوعات الدولية «سويفت» في حين تحتاج البلاد إلى تدابير داعمة في ظل غياب قطاع مصرفي محلي للخروج من السوق السوداء، ونقص في السيولة النقدية، وعدم القدرة على استيراد المواد الأولية. سوريا مدرجة على القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي (FATF)، وهو عامل سلبي لثقة النظام المصرفي الدولي، من هنا أهمية إنشاء آلية تنظيمية مصرفية فعالة.

هناك مشاريع طموحة داخل سوريا ومع محيطها وتوقع حكومة الشرع اتفاقات مع جهات خارجية وإن دون اتباع مبادئ المناقصات والمزايدات والعقود الحكومية. ميناء طرطوس مثلاً، تم تلزيمه لدولة الإمارات عبر «مذكرة تفاهم» مع «مواني دبي العالمية» بـ800 مليون دولار بهدف تطوير وإدارة وتشغيل محطة متعددة الأغراض وتأسيس مناطق صناعية ومناطق حرة وموانٍ جافة ومحطات عبور للبضائع.

كذلك وقّعت الحكومة السورية عقداً مدته 30 عاماً مع شركة الشحن الفرنسية CMA CGM لتطوير وتشغيل ميناء اللاذقية. ووقعت الهيئة العامة للمواني البرية والبحرية «اتفاقية استراتيجية» مع شركة فيدي الصينية تمنحها فيه حق الاستثمار في 300 ألف متر مربع من المنطقة الحرة في عدرا في ضواحي دمشق لمدة 20 عاماً، حيث سيتم التركيز على المنتجات التجارية والخدمية للسوق المحلية والإقليمية، بحيث تحصل على مزايا تشمل الإعفاءات الضريبية الكاملة، وحرية توظيف العمالة المحلية أو الأجنبية والتحويل غير المقيد لرأس المال الأجنبي. كذلك وقعت الحكومة اتفاقية مع اتحاد شركات قطري – أميركي – تركي بقيمة 7 مليارات دولار في مجال الطاقة لتوليد 5.000 ميغاواط من الكهرباء.

تحاول الإدارة السورية الجديدة استمالة القوى الخارجية عبر هذه التلزيمات لمحاولة التأثير على سياستها الخارجية حيال سوريا، بحيث تمارس هذه الشركات النفوذ على حكوماتها لضمان مصالحها الاقتصادية. فعلى سبيل المثال جوناثان باس، وهو ناشط جمهوري مؤيد لترمب والرئيس التنفيذي لشركة أرجنت للغاز الطبيعي المسال، زار دمشق أوائل شهر مايو (أيار) الماضي في زيارة نسقتها المنظمة السورية للطوارئ (وهي تجمّع سوري – أميركي) لعرض خطة على الشرع لتطوير موارد الطاقة مع شركات غربية وشركة النفط الوطنية السورية.

في العموم، يمكن القول إن هناك ثلاث محطات رئيسية للعقوبات الأميركية على سوريا: الإدراج على قائمة الدول الراعية للإرهاب منذ عام 1979، قانون محاسبة سوريا وسيادة لبنان عام 2003، قانون قيصر عام 2019. الأول يحتاج إلى قرار متوقع أن تأخذه وزارة الخارجية، والباقي إلى قرارات من الكونغرس. أي هناك تحوّل جذري متوقع ووشيك في الركيزة الأولى فقط، فيما تستكشف إدارة ترمب ما يمكن لحكومة سوريا الجديدة تحقيقه قبل السعي إلى رفع دائم للعقوبات.

لذا، يصعب القول إن الاستثمار الأميركي سيتدفق سريعاً إلى سوريا، فنشهد مثلاً برج «ترمب» يعلو قرب سوق الحميدية، بل ذلك إعطاء ضوء أخضر لتركيا والدول العربية بالاستثمار في إعادة الإعمار دون التعرض لعقوبات أميركية، ريثما تتأكد واشنطن من ضمان الاستقرار الأمني والسياسي قبل المخاطرة باستثماراتها. فحكومة دمشق لا تسيطر على كامل سوريا حالياً، ولا تملك سيطرة كاملة على الفصائل المسلحة، كما أن هناك اتجاهاً دولياً لفرض عقوبات جديدة على كيانات وأشخاص بسبب ارتباطهم بأحداث الساحل السوري في مارس (آذار) الماضي.

وبهذا يمكن القول إن عقوبات قانون قيصر كانت لتغيير سلوك نظام الأسد وأصبحت وظيفتها الآن التأكد من حسن سلوك حكومة الشرع. هذا التجديد كل ستة أشهر لن يطمئن المستثمرين، لا سيما في الغرب، لدخول الأسواق السورية فيما الرابح الأكبر سيكون دول الجوار.

أفكار فريق الشرع قد تكون طموحة وتهدف حالياً إلى استمالة ترمب شخصياً عبر تعاملات اقتصادية مثل طرح خطة إعمار على غرار خطة مارشال مع شركات غربية. لكن ترمب يصعب «سحره» بسهولة. فحتى الآن ليست أولوية إدارته إعادة تعيين سفير في دمشق، بل عينت السفير الأميركي في تركيا توم باراك مبعوثاً لسوريا، ما يشي أن سوريا هي امتداد للسياسة الأميركية حيال تركيا.

وصحيح أن ترمب متقلب وقد يغيّر قراراته أحياناً بالسرعة نفسها التي يتخذها بها، لكن المؤشرات تدل على أننا لا نزال في مرحلة إعفاءات مؤقتة ومنح تراخيص ظرفية وليس إلغاء كاملاً للعقوبات.

الشرق الأوسط

——————————-

عندما يفكّر توم باراك في كتابة مذكراته اللبنانية والسورية/ إيلي القصيفي

يبدو أنه لا يزال هناك طريق واحد وهو الذي يؤدي إلى دمشق

آخر تحديث 22 يوليو 2025

بمقدور توم باراك أن يبدأ الآن بالتفكير في كتابة مذكراته. فكرة أن يكون هو المبعوث الأميركي الذي يتولى ملفين ملتهبين ومتداخلين، كالملفين السوري واللبناني، وفي لحظة تأسيسية في المنطقة تحاكي لحظة ما بعد انهيار السلطنة العثمانية، مغرية جدا لأي دبلوماسي غربي قرأ سيرة لورانس العرب أو سمع عنه.

ولا شك أن أحداث السويداء الأخيرة بكل ما فيها من “خصائص” شرقية ستكون محفزا إضافيا لباراك للمباشرة بكتابة سيرته التي سيكون توليه ملفي لبنان وسوريا أبرز محطاتها، إضافة إلى قصة هجرة والده من زحلة في لبنان إلى أميركا وكيف انطلق من الصفر ليصبح رجل أعمال ثريا مثل بقية أصدقاء ترمب ومبعوثيه.

إنها فعلا فرصة سانحة لباراك لا تتوفر إلا نادرا لدبلوماسي غربي في المنطقة، خصوصا أن طبيعة الأحداث المتلاحقة ولاسيما في سوريا تصلح لحبكة روائية استثنائية. وسيحتاج المبعوث الأميركي عالم أنثربولوجيا متخصصا بعشائر البدو والدروز ومؤرخا للعلاقة التاريخية بينهما، كما سيكون ملزما بالاطلاع على الأرشيف العسكري والاستخباري البريطاني والذي يغطي حقبة طويلة من تدخل الإنكليز في الجنوب السوري والمنطقة. ويمكنه والحال هذه أن يقيم مقارنات ممتعة بين الأسلوب الإنكليزي والأميركي في حياكة الدسائس والمؤامرات كما تسميها الروايات الشائعة.

والأدهى أن الحاضر لا يقل أهمية عن الماضي في كل القضايا السورية ومرادفاتها اللبنانية، بل إن الحاضر فيه الكثير من استعادات الماضي وكأن تجاوزه مهمة مستحيلة في هذه المنطقة، وهو ما شهدت عليه أحداث السويداء التي أعادت إنتاج خلافات عشائرية تعود إلى مئتي عام، وهذا كله يقوي حبكة باراك ويزيد روايته تشويقا. أضف إلى ذلك أن الأحداث لا تقتصر على الأبعاد المحلية بكل تفاصيلها السياسية والاجتماعية والتاريخية، بل هي تختزن في دوافعها وسيروراتها كل أنواع التجاذبات والصراعات الدولية والإقليمية، بحيث لا تعدو في النهاية سوى صدى لها كلها، أو أنه لا يمكن قراءة الأحداث بأبعادها المحلية وحسب بكل ما أظهرته هذه المحلية من إجرام وتفاهة.

إلى ذلك يمكن لباراك أن يكون فخورا بأنه كان شاهدا خلال فترة قصيرة جدا على تسارع هائل للأحداث، فلا يكاد يخبو حدث لبناني حتى يبدأ حدث سوري أخطر منه، وكل ذلك بفارق ساعات قليلة، وبذلك يكون قد أثبت قدرات استثنائية على الإلمام بأحداث متسارعة ما يضطره إلى نقل تركيزه من ملف إلى آخر بين عشية وضحاها. هكذا بعد أن كان يركز على ملف سلاح “حزب الله”، انشغل بإطفاء حريق السويداء، ثم عاد إلى لبنان بتكليف مباشر من الرئيس دونالد ترمب، “الذي يولي الملف اللبناني أهمية بالغة ضمن رؤيته لتحقيق استقرار إقليمي شامل”. لكنه أكد في المقابل أن بلاده لا تستطيع أن تجبر إسرائيل على القيام بأي شيء، أي إنه لا يضمن وقف إسرائيل لهجماتها في لبنان إلا في حال تم التوصل إلى اتفاق جديد غير ذلك الذي أنهى الحرب الأخيرة، على أن يشمل تسليم “حزب الله” أي سلاح يمكن أن يهدد إسرائيل، ولو احتفظ بكل ترسانته من الأسلحة الخفيفة والمتوسطة لاستخدامها في أي اقتتال داخلي مستقبلا!

ولعل هذه الرؤية الأميركية لتحقيق استقرار إقليمي شامل هي أكثر ما يجب التوقف عنده لفهم الأحداث السورية التي تعكس مجمل المشهد الإقليمي الجديد، انطلاقا من مواقف القوى المنخرطة في النزاع وموازين القوى الجديدة التي أفرزتها الحرب الإقليمية منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.

والعامل الإسرائيلي هنا ليس عاملا ثانويا أيضا بل هو عامل رئيس بالنظر إلى أن إسرائيل أصبحت فاعلا أساسيا في المشهد السوري خصوصا بعد قصفها مقر قيادة الأركان ومحيط القصر الجمهوري. ثم وفي خضم مواجهات السويداء أعلن عن التوصل لوقف إطلاق النار بين سوريا وإسرائيل في اعتراف على أن إسرائيل طرف في المواجهة التي تدور في الجنوب السوري.

لكن العامل الإسرائيلي في سوريا يبدو إشكاليا أكثر من ساحات أخرى بالنظر إلى الانخراط الأميركي المكثف في “بلاد الشام” والذي يعبر عنه المبعوث باراك في دعم الحكومة المركزية في دمشق، مقابل الرفض الإسرائيلي- غير المعلن رسميا- لأن تكون سوريا دولة مركزية. بيد أن هذا التناقض حول طبيعة الدولة السورية بين واشنطن وتل أبيب يبدو أنه قابل للاحتواء في المدى المنظور، خصوصا أن “المرحلة الانتقالية” في سوريا لن تكون قصيرة في ضوء تفجر التناقضات الداخلية واحدا تلو الآخر، واستمرار الصراع الإقليمي حول سوريا ولاسيما بين تركيا وإسرائيل التي ما فتئت تنظر بحذر شديد إلى دعم أنقرة للرئيس أحمد الشرع.

إلا أنه لا يبدو أن أحداث السويداء قد جعلت واشنطن تعيد النظر في استراتيجيتها تجاه سوريا وهو ما عبر عنه باراك بقوله إنه لا توجد خطة عمل أميركية بديلة عن دعم حكومة الشرع، وإن قال من بيروت أن “الحكومة السورية يجب أن تحاسب بعد السيطرة على كامل الدولة”. وهو تصريح حمال أوجه، إذ أقرن  المبعوث الأميركي هذه المحاسبة بسيطرة حكومة دمشق على كامل الدولة، فهل يقصد السيطرة على كامل الجغرافيا السورية أم على جميع القوى العسكرية بما في ذلك تلك الموالية للحكومة؟ لكن من جانب آخر فإن الكونغرس الأميركي يناقش إجراءات لضبط عملية رفع العقوبات عن سوريا، وهو ما يمكن أن يشكل عامل ضغط على الحكومة السورية التي بذلت أقصى جهودها لرفع هذه العقوبات.

أيا يكن من أمر فإنه لا يمكن أن تتغاضى حكومة دمشق عن إطلاق آليات محاسبة جدية لكل الانتهاكات التي تتهم قوى موالية لها بارتكابها، وإلا فإنها ستظل تواجه تآكلا مضطردا في شرعيتها الداخلية وهو ما يضعف في نهاية المطاف مفاعيل الدعم الدولي والإقليمي لها. وعلى الأرجح سيشكل الإعلان عن تقرير لجنة التحقيق في أحداث الساحل والتي وثقت 298 شخصاً “ممن ثبت تورطهم بانتهاكات”، بداية مسار المحاسبة تلك.

إذن من الواضح أنه لا يزال هناك طريق واحد في سوريا وهو الذي يؤدي إلى دمشق، كما قال المبعوث الأميركي، في إشارة إلى الرغبة الأميركية في اندماج “المكونات السورية” جميعا ضمن الدولة الجديدة.

المجلة

——————————

 توجهان إقليميان يتدافعان في سوريا.. إلى من ستنحاز إدارة ترمب؟

2025.07.23

أظهرت التطورات في سوريا على مدار الأشهر الماضية وجودَ توجّهين إقليميّين؛ الأولُ تقوده السعودية وتركيا ويدعم استقرار سوريا ووحدة أراضيها، والثاني تتزعمه إسرائيل، التي لم تُخفِ رغبتها في تقويض حكومة دمشق من خلال العمل مع أطرافٍ سوريةٍ أخرى.

مع اندلاع الأحداث الدامية في محافظة السويداء منتصف تموز/ يوليو الجاري، اتضح التدافع بين التوجهين، حيث انخرطت إسرائيل في التصعيد، بالمقابل نشطت الدبلوماسية التركية والأردنية والسعودية لنزع فتيل الأزمة.

إسرائيل وتهديد السيادة السورية

أعلن وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر مبكراً وبعد فترة قصيرة من سقوط نظام بشار الأسد أن خيار بلاده دائما هو التحالف مع الأقليات في سوريا والمنطقة، كما أكدت تقارير رسمية إسرائيلية عديدة رفضها لعودة سوريا موحدة، وهذا ما أكده المبعوث الأميركي إلى سوريا توماس براك بعيد أحداث السويداء، حيث أشار إلى رغبة إسرائيل بأن تبقى سوريا دولة مجزأة.

وسبق تصعيد الاحتلال الإسرائيلي ضد القوات الحكومية السورية في السويداء جولة مفاوضات في أذربيجان، رفضت خلالها سوريا التنازل عن الجولان، والسماح لإسرائيل بتأسيس نقاط دائمة بعد خط فض الاشتباك على حدود عام 1974 مقابل اتفاق سلام، وتمسكت دمشق بطرح تفعيل خطوط الاتصال الأمنية لمعالجة المخاوف الإسرائيلية، لأنها وجدت في الطرح الإسرائيلي إمعاناً في تهديد السيادة السورية.

ومن الواضح أن تل أبيب وجدت في التوترات التي حصلت في محافظة السويداء فرصة لإنفاذ سياساتها في سوريا تحت ذريعة “حماية الدروز”، وأعلنت بشكل واضح نيتها إبقاء جنوب سوريا منطقة منزوعة السلاح، وهذا من شأنه تقويض سيطرة السلطة السورية على الأرض، بالتوازي مع تقديم الدعم والمساندة للتشكيلات العسكرية التي تدين بالولاء لحكمت الهجري.

دفع سعودي وتركي باتجاه الاستقرار ووحدة الأراضي السورية

عقب أحداث السويداء أعلنت أنقرة دعمها لوحدة واستقرار الأراضي السورية، بالإضافة إلى الكشف عن رغبتها بتقديم الدعم العسكري في مجال الاستشارة والتدريب للقوات السورية بناء على طلب دمشق، فيما بدا أنه رسالة موجهة لإسرائيل، بالإضافة إلى تنظيم قسد الذي استثمر الفوضى التي حصلت إثر مواجهات السويداء للإعلان عن رفضه إلقاء السلاح.

السعودية من جهتها أرسلت وفدا استثماريا إلى سوريا يضم العشرات من المسؤولين ورجال الأعمال، والهدف عقد المنتدى السعودي السوري، والتجهيز لاستثمارات بمليارات الدولارات، واللافت أن الإعلان عن هذه الخطوة أتى بعد يوم واحد من موافقة اللجنة المالية في مجلس النواب الأميركي على إحالة مقترح إلى المجلس يتضمن تمديد العقوبات بموجب قانون قيصر إلى عامين إضافيين، ويبدو أن الرياض أرادت من خلال هذه الخطوة التأكيد على ثبات دعمها للاستقرار في سوريا وتدوير عجلة الاقتصاد مجدداً بغض النظر عن التطورات الميدانية والسياسية الأخيرة في البلاد.

أين ستقف إدارة ترمب؟

من الأمور التي ينبغي أن تثير قلق دمشق هي الرسائل المتضاربة التي تصل من إدارة ترمب، والتي سببها فيما يبدو حرص الإدارة على مراعاة مصالح دول الخليج وتركيا من طرف، والمصالح الإسرائيلية من طرف آخر.

المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا نفى مسؤولية القوات الحكومية عن أحداث السويداء، لكنه في الوقت ذاته أشار إلى تناقص الزخم الذي تمتع به الرئيس أحمد الشرع في البدايات، وطالب بجهود أكبر لإشراك الأقليات في الانتقال السياسي، لكن الأهم تأكيده أن بلاده لم تُستشر بالضربات الإسرائيلية على سوريا، والإشارة إلى عدم قدرة واشنطن على فرض أي شيء على تل أبيب.

ربما تركز إدارة ترمب بشكل أساسي على استدامة حالة الاستقرار الهشة في سوريا إلى حين اكتمال باقي الترتيبات المتعلقة بتقليص نفوذ إيران الإقليمي، وبناء عليه لا تريد في الوقت الراهن زعزعة السلطة السورية الحالية، لكن الرسائل المتضاربة من واشنطن تثير الشكوك بخصوص مستقبل موقفها من السلطة السورية، ويضاف إلى هذا وجود تيارات أميركية داعمة للمصالح الإسرائيلية تؤثر على توجهات إدارة ترمب بخصوص الملف السوري، وتدفعها لغض النظر عن بعض سلوكيات تل أبيب، دون اصطدام مع مصالح بقية الحلفاء وعلى رأسها تركيا، ولذا أعلن المبعوث الأميركي في وقت سابق أن بلاده ليس لديها موقف من إمكانية توقيع تركيا اتفاقية دفاع مشتركة مع الحكومة السورية.

تلفزوين سوريا

————————

========================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى