أبحاثإشتباكات السويداءالأحداث التي جرت في الساحل السوريالإعلان الدستوري لسوريا 2025الاتفاق بين الحكومة السورية و"قسد"التدخل الاسرائيلي السافر في سورياالعدالة الانتقاليةالعلاقات السورية-الأميركيةالمقاتلين الأجانب و داعش في سوريةتشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوععن أشتباكات صحنايا وجرمانا

ملف من اعداد موقعنا “صفحات سورية” تناول فيها العشائر السورية ، تفرعاتها، دورها قبل وبعد الثورة، ارتباطها بالأحداث الجارية في سوريا

العشائر السورية وسلاحها وتجربة السويداء… حماية لفكرة الدولة الوطنية أو تهديد لها؟

الأربعاء 23 يوليو 2025

من يحكم البادية حين تنسحب الدولة؟ ومن يملأ الفراغ حين تتداخل المفاهيم بين ولاء الدم والمواطنة؟ وهل العشائر السورية مجرّد بقايا نظام قديم استثمرها ثم همّشها أو أنها كيان حيّ يعيد تشكيل ذاته في قلب الفوضى بأدوات قديمة لكن فعّالة؟

من دير الزور إلى السويداء، ومن بادية حمص إلى سهول الرقة، قد لا تتشابه العشائر السورية تماماً في أنماط عيشها، لكنها تتفق في إدراكها ثقلها السياسي والاجتماعي في أوقات فراغ السلطة، أو على الأقل عدم تمكّن السلطة الجديدة من زمام الأمور، والأهم في قدرتها على قلب الطاولة أو تثبيتها.

المثال الأوضح على إدراك العشائر السورية ثقلها، ظهر في تموز/ يوليو 2025. وبينما كانت القوات الحكومية بصدد “إعطاء فرصة للتهدئة” في السويداء، كما ورد في بيان وزارة الداخلية، كانت مشاهد الدراجات النارية والبيارق القبلية تنقل إلى السوريين والعالم صورةً مغايرةً عن التهدئة: آلاف المقاتلين من عشائر البدو يتّجهون جنوباً، وبيانات “النفير العام” تتوالى، وبعض العائلات تُقتل أو تُهجّر، فيما البيانات الرسمية لا تزال تكرر عبارة “مجموعات خارجة عن القانون”.

لكن من هم هؤلاء؟ ما الذي نعرفه عنهم باستثناء وضعهم تحت عنوان عريض واحد “العشائر السورية”؟ وما الذي تغيّر بعد سقوط نظام الأسد وتشكيل السلطة الجديدة؟ في هذا التقرير نحاول تفكيك هذا العنوان العريض.

أهم العشائر السورية وخريطة توزّعها 

في تقرير تحليلي نشره مركز “جسور” للدراسات، بعنوان “خارطة أهم القبائل والعشائر العربية في سوريا”، وُزّعت العشائر السورية على ثلاث فئات: العشائر البدوية، العشائر الريفية والزراعية، والعشائر الكردية والتركمانية والديرية، حسب مناطق توزّعها في الشرق والشمال.

يُعدّ ريف الحسكة موطناً لأكبر التجمعات العشائرية في سوريا، وتتصدّرها قبيلة شمّر بفروعها عبده، الأسلم، وزوبع، المرتبطة بعشائر العراق، كما تقطن في القامشلي عشائر العساف، الحريث، الجوالة، بني سبعة، الحرب، البوعاصي، بالإضافة إلى الجبور الزبيدية التي تمتد زراعياً ورعوياً حتى شمال العراق وغربه.

وتُعدّ عشيرة العكيدات (العقيدات)، أكبر تجمع عشائري في دير الزور بفروعها البوسرايا، البوحسن، البورحمة، القرعان وغيرها، وهي من العشائر التي حافظت على طابعها البدوي. كما تنتشر قبيلة البقارة وعشيرة البوصليبي، ويعتمدون في معيشتهم على الزراعة وتربية المواشي.

غير بعيد عنها، تضمُّ الرقة عشائر بارزةً عدة، أهمّها شمّر، البقارة (بفروع مثل البوحسن والبومعيش)، وبنو خالد ذات الجذور القحطانية، التي لها تاريخ في تأمين طرق القوافل الصحراوية. أما البادية الممتدة من حمص إلى دير الزور فتضم عشائر عنزة وفرع “السبعة” الرحل، بالإضافة إلى عشيرة الفواعرة في البادية الشرقية وفروع بني خالد على أطراف المحافظة، وتتمركز قبيلة الحديديين (عدنانية الأصل)، في بادية حماة وريف حلب الشرقي، وأبناؤها مشهورون بتربية الخيول والفروسية.

أما السويداء جنوباً، مركز الطائفة الدرزية، فتضم عشائر عربيةً بدويةً من قبيلة عنزة مثل السرحان، السلوط، الزويد والحرافشة، ومعظمهم استقروا في القرى الشرقية كملح وخربة عواد، كما يتواجدون في حي المقوس داخل المدينة.

دولة داخل الدولة

في المنطقة العربية، لا تُفهم السلطة عبر مؤسسات الدولة فقط، بل عبر تلك البنى الاجتماعية الممتدة في التاريخ، حيث تأخذ “الأنساب” أهميةً كبرى في تحريك المجتمعات وتثبيت عاداتها، في الصحراء كما في المدن، فكما تعرف حلب عائلاتها، وكذلك دمشق، تعرف كل عشيرة سورية أبناءها، لكنها ليست مجرد رابطة دم أو نسب مشترك، بل نظام اجتماعي متكامل، فيه القيادة والسلطة والاقتصاد وحتى القضاء وأدوات العدالة.

بحسب تقرير موسّع نشره موقع “الجزيرة” بتاريخ 21 تموز/ يوليو 2025، فإن البنية القبلية في سوريا تعود إلى قرون طويلة، حين هاجرت قبائل عربية من الجزيرة العربية واليمن إلى بادية الشام بحثاً عن الماء والكلأ، واستقر بعضها في القرى، بينما حافظ آخرون على حياة الترحال.

ما زلنا في عين العاصفة، والمعركة في أوجها

كيف تقاس العدالة في المجتمعات؟ أبقدرة الأفراد على التعبير عن أنفسهم/ نّ، وعيش حياتهم/ نّ بحريّةٍ مطلقة، والتماس السلامة والأمن من طيف الأذى والعقاب المجحف؟

للأسف، أوضاع حقوق الإنسان اليوم لا تزال متردّيةً في منطقتنا، إذ تُكرّس على مزاج من يعتلي سدّة الحكم. إلّا أنّ الأمر متروك لنا لإحداث فارق، ومراكمة وعينا لحقوقنا.

ادعمونا

هؤلاء، أي بدو سوريا، لعبوا أدواراً بارزةً في التاريخ الحديث، إذ شاركوا في مقاومة العثمانيين، ووقف بعضهم في وجه الاستعمار الفرنسي، بل كان لبعض شيوخهم نفوذ مؤثر في صياغة التحالفات الاقتصادية والسياسية المحلية. واليوم، تنقسم هذه العشائر إلى ثلاث فئات رئيسية:

عشائر متحضّرة: وهي التي استقرت منذ أجيال في القرى والمدن، وتخلّت جزئياً عن الترحال، لكنها حافظت على تسميتها وهويتها القبلية.

عشائر شبه متحضّرة: تعيش بين القرية والبادية، وتزاوج بين الزراعة وتربية المواشي، وتنتقل موسمياً.

عشائر بدوية بالكامل: لا تزال ترتبط بأسلوب الترحال والرعي وتربية الإبل، وتُعدّ الأكثر محافظةً على أعراف البدو التقليدية، برغم اضطرار كثر من أبنائها إلى الاستقرار بسبب الأوضاع الأمنية المتدهورة بعد عام 2011.

بيد أنّ هذا التعدّد في مستويات العيش والاندماج لم يمنع من تمسّك العشائر -بفئاتها كلها- بمرجعياتها التقليدية، إذ ظلت كلمة الشيخ نافذةً، وظلّ الانتماء إلى العشيرة متقدماً على الانتماء إلى الدولة، خصوصاً في مناطق التهميش التنموي والأطراف.

فإذا عدنا إلى العلاقة بين العشائر والدولة في سوريا، نجد مساراً متقلّباً بدأ مع العثمانيين الذين وظّفوا العشائر لحماية الطرق الصحراوية مقابل امتيازات مادية ومعنوية، ومع دخول الفرنسيين، حاولت سلطة الانتداب تأمين ولاء شيوخ العشائر بمنحهم الأراضي والامتيازات، في خطوة أدّت إلى تصنيفات داخلية بين عشائر “مسلَّحة”، وأخرى خُصّصت لتكون بلا سلاح.

بعد الاستقلال، ألغى البرلمان “قانون العشائر” الفرنسي، وأصدر “مرسوماً لعشائر البدو” بهدف دمجهم في المجتمع المستقر. وفي أثناء الوحدة مع مصر عام 1958، أصدر جمال عبد الناصر قانون الإصلاح الزراعي، ما أدى إلى تراجع نفوذ شيوخ العشائر اقتصادياً واجتماعياً. غير أنّ حافظ الأسد غيّر المسار ليستعيد دور العشائر من خلال دمج شيوخها في البرلمان وتكليفهم بأدوار أمنية، وتم توطين بعضهم في مناطق ذات أغلبية كردية.

في عهد بشار الأسد، استمر استثمار النظام للعشائر عبر دمج أبناء القبائل في الأجهزة الأمنية واستخدام ولاءاتهم في قمع احتجاجات الأكراد عام 2004، لكن جفاف الجزيرة بين 2007 و2008، وفشل المشاريع الزراعية، أضعفا دورها في مناطق مثل الحسكة والرقة ودير الزور، التي أُدرجت ضمن الأفقر في البلاد عام 2010.

كل شيء حدث في السويداء

منذ أن بدأت أحداث السويداء الأخيرة، والتساؤلات حول حجم وقوة العشائر في المحافظة تزداد، وكذلك قوتها وقدرتها على حمل السلاح وتجنيد نفسها، ولا سيما بعد إعلان البدو “النفير العام” وسكب القهوة أرضاً، ومطالبتهم الحكومة السورية بعدم التدخل بينهم وبين “ميليشيا الهجري الإرهابية” كما أسموها في البيان، الذي صرّحوا فيه أيضاً بوجود 50 ألف مقاتل من البدو للـ”فزعة”.

لا توجد أرقام رسمية محدثة لتعداد البدو في محافظة السويداء، لكن بحسب تقرير نشرته “مونت كارلو الدولية” بتاريخ 18 تموز/ يوليو 2025، يبلغ عدد أبناء العشائر البدوية في محافظة السويداء وحدها نحو 250،000 نسمة، يتمركزون في مناطق مثل المقوس والشهبا وعرى والمزرعة، ويشكلون امتداداً لموجات استقرار قديمة حافظت على رموز الحياة البدوية من لباس ولهجة وممارسات.

يدعم هذا الرقم تقرير آخر نقلته “العربي الجديد” عن الباحث العشائري أحمد أبو نجد، الذي قال إنّ أبناء العشائر عربية الهوية يشكّلون نحو ثلث سكان المحافظة (250،000 من إجمالي نحو 750،000 نسمة)، وهم منتسبون إلى قبائل مثل زبيد وعنزة وبني خالد والفواعرة، ومستقرون في مناطق مثل المقوس وحي المقوس وجبل العرب منذ مئات السنين. 

العشيرة كـ”كتلة سياسية”

يعرف من عايش الثورة السورية أنّ العشائر لم تجتمع على كلمة واحدة منذ البداية، ففي الوقت الذي انضم فيه عشائر إلى الثورة، انضمت عشائر أخرى إلى قوى النظام وحاربت في صفّه، وظهرت بعض العشائر كقوة ثالثة لا تنتمي إلا إلى نفسها. فإن كان لأحد القدرة على السيطرة على العمق الإستراتيجي الفارغ من السكّان والبني التحتية والممتد على طول الحدود، فالبدو هم الأقدر على هذا الأمر.

في هذا السياق، يشير الباحث في التاريخ الاجتماعي السياسي محمد الكاطع، في مقابلة له على موقع “عنب بلدي”، إلى أنّ غياب السلطة في بعض المحافظات السورية دفع الأهالي إلى الاحتماء بالعشائر بحثاً عن الطمأنينة والدفاع عن مصالحهم، ما عزز الدور الاجتماعي والسياسي للعشيرة، وإن بشكل متفاوت.

فعلى الرغم من قلّة عدد أفرادها في الحسكة، برزت قبيلة “شمر” بدور محوري بعد الثورة، بتحالفها مع “الإدارة الذاتية” واستفادتها من الدعم الأمريكي لـ”قسد”، ما وفّر لزعمائها مكاسب ماديةً وحصانةً نسبيةً من التجاوزات. في المقابل، وقفت قبيلة “طيء” إلى جانب النظام وأسهمت في تشكيل “الدفاع الوطني” في القامشلي، لكنها خضعت لاحقاً لضغط النظام الذي أجبرها على تسليم مقارها لـ”قسد”. أما قبيلة “العقيدات” في دير الزور، فكان لها دور بارز في الثورة، حيث نظّمت جماعات مسلحة وطردت النظام من المحافظة، لكنها انقسمت لاحقًا بسبب الفوضى، فاستُخدم بعض أبنائها في معارك النظام، وآخرون في صفوف “قسد”، بحسب الكاطع.

حسب تقرير لـ”مونت كارلو الدولية” بتاريخ 18 تموز/ يوليو 2025، فإنّ العشائر السورية أصبحت في السنوات الأخيرة تُدار ككتل سياسية -أكثر من كونها مكوّناً اجتماعياً- في إطار صراعات النفوذ بين النظام، الأكراد، والقوى الإقليمية، وأحياناً بين أمراء الحرب المحليين.

كل ذلك أدى إلى تآكل “العرف العشائري” لحساب “منطق التحالف والسلاح”، وجعل من العشيرة حلبةً لصراع داخلي، بدل أن تكون كما كانت في الماضي: حاضنة حماية اجتماعية. لكن السؤال الذي يُطرح الآن: ما الذي تبقّى من ذلك النظام القَبَلي؟ وهل يمكن إصلاحه أو إعادة دمجه في مشهد سياسي جديد؟

لعلّ الإجابة تبدأ من السويداء.

عودة إلى الثأر القديم… 25 عاماً إلى الوراء

مع تولّي بشار الأسد الحكم في عام 2000، اندلع واحد من أبرز الصدامات بين الدروز والبدو، في ما عُرف لاحقاً بـ”أحداث البدو”، وهو توصيف رَوّج له النظام نفسه. وتشير شهادات السكان المحليين ودراسات متعددة إلى أنّ شرارة الخلاف انطلقت حين عُثر على حمار نافق داخل إحدى مقابر السويداء، بالتزامن مع تعرّض بعض الأهالي لمضايقات من ضباط وعناصر منتمين إلى البدو العاملين في أجهزة النظام. سرعان ما تصاعد التوتر وتحوّل إلى اشتباكات مسلّحة، خاصةً أنّ البدو كانوا حينها يتمتعون بتفوّق في امتلاك السلاح.

وجد أبناء السويداء أنفسهم أمام خطر حقيقي، ما دفعهم إلى التماس الحماية من الدولة بعد أحداث عنف ذهب ضحيتها 20 شخصاً وجرح أكثر من 200 معظمهم من الدروز، في المقابل، استغل النظام هذه الفرصة لتعزيز وجوده الأمني والعسكري داخل المدينة، مستخدماً ذريعة “حماية السويداء من البدو” كوسيلة لإحكام قبضته وضمان ولاء الأهالي. كما لعبت الأجهزة الأمنية دوراً خفيّاً في إذكاء نار الخلاف، إذ كانت تستعين بضباط من الطرفين لتأجيج الصراع وتنظيم عمليات خطف متبادلة، قبل أن تتدخل لاحقاً عبر وسطاء محسوبين عليها لاحتواء الأزمات، بما يضمن بقاء حالة التوتر قائمةً بين الطرفين.

وعلى مدار السنوات الممتدة من عام 2000 وحتى اندلاع الثورة السورية في 2011، استمرت العلاقات بين البدو والدروز في التذبذب، حيث شهدت المنطقة سلسلةً من التوترات والمواجهات الطفيفة التي كان يتم احتواؤها من خلال وساطات محلية وأدوار مرسومة بعناية من أجهزة الأمن. ومع انفجار الثورة وبدء المواجهة المسلحة بين النظام وقوى المعارضة، اتجهت معظم الأطراف إلى التسلّح، وكان للدروز والبدو نصيب وافر من هذا السباق.

عسكرة البدو

بعد سقوط النظام في نهاية العام 2024، اتجهت معظم المجتمعات المحلية والأقليات الطائفية والعرقية، إلى اتخاذ موقع المدافع عن نفسها، وكما تمّت تصفية خلافات شخصية في استغلال فترة فراغ السلطة، تمت تصفية خلافات جماعية، أو على الأقل استدعاؤها من الماضي.

وفي منتصف تموز/ يوليو 2025، اندلعت في محافظة السويداء المواجهات الدموية بين فصائل درزية مسلحة ومجموعات عشائرية بدوية، وعرفت باسم “مقتلة السويداء” وراح ضحيتها 1،311 شخصاً بين مدنيين ومقاتلين، بحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، الذي لم يعفِ في توثيقاته أياً من الأطراف الثلاث من أعمال العنف: البدو، الدروز، وقوات الأمن السوري.

الأحداث أعادت ملف العشائر إلى الواجهة. لكن هذه المرة، ليس كقوة اجتماعية أو كمخزون انتخابي أو حتى كواجهة أمنية، بل ككيان سياسي عسكري قادر على الهجوم والدفاع والتحدث ككتلة عسكرية.

تسارع الأحداث في السويداء كان وحده منبعاً للرعب، إذ أكدت جهوزية العشائر للتحرك الفوري والتجنيد السريع، حين دعا الشيخ عبد المنعم الناصيف، رئيس مجلس القبائل والعشائر السورية، للنفير العام لـ”نجدة أهالي البدو في السويداء”، ضد ما وصفه بـ”جرائم إبادة وتهجير قسري”، نُسبت إلى فصائل محلية درزية بعد انسحاب قوات الأمن التابعة للدولة.

في مشهد غير مسبوق منذ بدء الثورة السورية، أظهرت مقاطع فيديو توجه آلاف المقاتلين من 41 عشيرةً وقبيلةً باتجاه السويداء، وسط أخبار عن احتجاز مدنيين من البدو . وقدّرت تقارير عدد المشاركين في المواجهات من طرف العشائر بما يفوق 50 ألف مقاتل، وهو ما يؤكده تصريح مجلس العشائر.

في المقابل، ناشد الشيخ حكمت الهجري، أحد زعماء طائفة الموحدين الدروز العالم، طالباً بتدخل دولي عاجل لحماية السكان في السويداء، متحدثاً عن “حرب إبادة شاملة” تقودها الحكومة السورية وحلفاؤها. وقال الهجري في بيان مصوّر إنهم يواجهون “حملةً بربريةً” تُشنّ ضدهم “بكل الوسائل الممكنة”، مطالباً بالحماية من “جميع دول العالم”.

 وفي الوقت نفسه، برزت مواقف درزية مناقضة؛ إذ أصدر عدد من زعماء الطائفة بياناً آخر رحّبوا فيه بتدخل الحكومة السورية، داعين إلى بسط سلطة الدولة في السويداء، وتسليم السلاح من قبل الجماعات المسلحة، وبدء حوار مباشر مع دمشق. هذا الانقسام العلني في مواقف الزعامة الدرزية يسلّط الضوء على تعقيدات المشهد في السويداء، وسط تصاعد المواجهات وتباين الرؤى حول مستقبل العلاقة مع النظام السوري.

ومع هذا الانفلات، تدخّل الجيش الإسرائيلي أيضاً بضربات جوية في 15 و16 تموز/ يوليو 2025، وبدا كأنّ الأحداث في طريقها إلى التصعيد لا التهدئة، قبل أن تتدخل الولايات المتحدة الأمريكية، ويتم الإتفاق على وقف إطلاق النار في 16 من الشهر نفسه، وينسحب الجيش السوري. 

أدى انسحاب الجيش إلى عودة الاقتتال الدامي في 17 تموز/ يوليو، وأصدرت الرئاسة السورية بياناً، حمّلت فيه “مجموعات مسلحة خارجة عن القانون” مسؤولية العنف في السويداء، مؤكدةً أنّ انسحاب الجيش جاء لـ”منح فرصة للحوار”، لكن غيابه استُغلّ في ارتكاب ما وصفته الرئاسة بأنه “جرائم موثقة ضد المدنيين من النساء والأطفال والبدو”، مع التأكيد على ضرورة استعادة الدولة سيادتها على الأرض.

ثم مع تدخل الولايات المتحدة الأمريكية مرةً أخرى، تم إعلان وقف إطلاق النار، وبرغم نفي وزارة الداخلية السورية نيتها دخول المدينة بعد انسحابها، إلا أنها أكّدت في بيان رسمي بتاريخ 19 تموز/ يوليو الجاري أنّ قواتها “في حالة جاهزية طبيعية ولم يصدر أي أمر باقتحام السويداء”. ولاحقاً، صدر عن عشائر تجمّع الجنوب، بياناً أعلنت فيه التزامها الكامل بقرار الرئيس المؤقت أحمد الشرع وقف إطلاق النار، وعبّرت عن رفضها “منطق الفتنة”، مؤكدةً أنها لم تكن يوماً “داعية قتال، ولكن حين يُفرض القتال، يصبح دفاعاً عن النفس والكرامة”، على حد تعبير البيان.

وفي ظل هذا التصعيد، برزت الأسئلة الأهم: هل ما زالت العشائر قادرةً على الاندماج ضمن مشروع وطني جامع؟ أو أنّ ما حدث في السويداء كشف حدود الدولة الجديدة أمام الموروث القبلي المسلّح؟ وهل نحن اليوم بصدد تصاعد قبلي يشبه سيناريو العراق بعد سقوط البعث؟

بحسب تحليلات، حاولت الحكومة الجديدة بعد 2024، اعتماد سياسة أكثر واقعيةً تجاه العشائر، فعيّنت ممثلين عنهم في مؤسسات رسمية، وأطلقت برامج لإعادة الإعمار في مناطقهم، مقابل تعهّد واضح من الشيوخ بعدم تشكيل أي ميليشيات خارج سلطة الدولة. كما سعت إلى إعادة المجالس العشائرية التقليدية ضمن إطار قانوني، وأبدت انفتاحاً على مطلب بعض العشائر في الجزيرة بالحصول على تمثيل أفضل في توزيع الثروات والحكم المحلي.

لكن هذه المقاربة لا تزال تصطدم بمعوقات حقيقية، منها استمرار النفوذ الخارجي (إيراني، تركي، وأمريكي)، والانقسامات داخل العشيرة الواحدة، بالإضافة إلى إرث عقود من التوظيف الأمني والسياسي. ولعلّ ما تسعى إليه الحكومة السورية اليوم هو “اتّقاء شرّ” العشائر أكثر من محاولة دمجها.

مقارنة لا بدّ منها… عشائر العراق وسوريا ما بعد الـ”بعثَين”

من ينظر إلى الخريطة القَبَلية في المشرق العربي، يلحظ بوضوح أنّ العشائر لا تعترف بالحدود الحديثة، بل تمتد من الأنبار إلى البوكمال، ومن الجزيرة الفراتية إلى نينوى، مروراً بالحسكة والرقة. لكن على الرغم من هذه الامتدادات العائلية واللغوية، اتخذت العشائر في سوريا والعراق مسارين مختلفين منذ 2003، حين سقط نظام صدام حسين، ثم لاحقاً مع اندلاع الثورة السورية في 2011.

في العراق، تحوّلت العشائر بسرعة إلى فاعل سياسي مباشر بعد انهيار الدولة المركزية. فمنذ المرحلة الأولى للاحتلال الأمريكي، اعتمدت واشنطن على زعامات عشائرية في ضبط الأمن وتأسيس مجالس الصحوة، خصوصاً في الأنبار وصلاح الدين.

ومع غياب مؤسسات الدولة، برزت العشيرة كبديل للدولة في التحكيم، والحماية، والتوظيف. وقد تجلّى ذلك في ازدياد نفوذها النيابي والسياسي مع مرور السنوات، إذ أصبح للزعامات العشائرية حضور دائم في البرلمان والحكومة، وتمّ دمج منطق “التحاصص العشائري” في البنية السياسية الطائفية الجديدة.

أما في سوريا، فقد ظلت العشائر لعقود تحت عباءة الدولة البعثية التي جرّدتها من أدوات التأثير الحقيقي، وأبقتها مجرد أداة لضبط المناطق الريفية، لا شريكاً في القرار. وعندما اندلعت الثورة، لم تكن العشائر جاهزةً للعب دور موحد، بل دخلت الصراع بانقسامات داخلية شديدة، بعضها اصطف مع النظام، وبعضها الآخر مع المعارضة، وآخرون اختاروا الحياد أو العمل تحت رايات محلية. وحتى بعد سقوط الأسد في 2024، لم تظهر بعد بنية عشائرية سورية قادرة على ملء الفراغ السياسي، كما حصل في العراق.

ومن ناحية الدمج المؤسسي، نجح العراق في إدخال العشائر ضمن جهاز الدولة ولو شكلياً، عبر المناصب والموازنات، بينما بقيت العشائر السورية في معظمها خارج هذه الدائرة، باستثناء بعض التعيينات الرمزية أو العسكرية. كذلك، غالباً ما تشكّل العشيرة العراقية عنصر حماية اجتماعية بوجه الطائفية السياسية، بينما في سوريا لا تزال تعاني من استقطابات طائفية ومناطقية تعمّق انقساماتها، خصوصاً بعد الصراع في السويداء.

لكن تبقى النقطة الأخطر هي أنّ التحول العشائري نحو التسلّح في كلا البلدين جعل من بعض العشائر قوةً عسكريةً، لا مجتمعية فحسب. والفرق هنا أنّ العراق يملك (نظرياً على الأقل)، دولةً متماسكةً نسبياً، تحاول إعادة ضبط هذا التسلّح، بينما في سوريا، لا تزال الدولة الجديدة تُختبر في قدرتها على فرض هذا الضبط، بعد عقد من التصدّع الكامل.

رصيف 22

—————————–

خارطة أهم القبائل والعشائر العربية في سورية/ إعداد أنس شواخ , عبد الوهاب عاصي , وائل علوان

تمهيد

تعدُّ دراسة وتحديد توزُّع وانتشار القبائل والعشائر في سورية أمراً بالغ الصعوبة في ظل ظروف عدم الاستقرار التي تشهدها البلاد، وغياب الإحصائيات الرسمية، وعدم القدرة على الاعتماد على الإحصائيات غير الرسمية الصادرة عن الوجهاء والأعيان.

وتشمل المعلومات التي تمَّ الرجوع إليها في رسم خارطة أهم القبائل والعشائر العربية في سورية التوزع والانتشار قبل اندلاع النزاع عام 2011؛ كون العمليات القتالية تسبَّبت في نزوح العديد من سكان المدن والقرى والبلدات بشكل كامل، وهي تغييرات ديمغرافية لا يُمكن اعتبارها ثابتة إلّا بعد إعادة النظر فيها حين عودة الاستقرار العسكري والأمني والسياسي والاقتصادي. 

وقد ابتعد فريق البحث عن اختيار المناهج الإحصائية والاستقصائية، مقابل التركيز على الوصف الذي لا يتم فيه ادّعاء احتكار الفهم والحقائق. وعليه؛ تم اختيار مجتمع الدراسة من عدد من العيّنات بشكل نوعي وغير عشوائي، مثل وجهاء وشيوخ قبائل، وقادة عسكريين، ونشطاء مجتمع مدني، وصحفيين، وخبراء، وباحثين، ومؤرخين، وغيرهم. وتم إجراء المقابلات بشكل فيزيائي وافتراضي على نحو مستقل أو عبر جلسات عمل مركَّزة.

ولم يتم الاعتماد على أيَّة مراجع تاريخية في تحديد مناطق توزع وانتشار القبائل والعشائر في سورية، رغم الاطلاع على عدد منها، لأنّ معظمها لا تعطي دلالة واضحة لتحديد وتفصيل التوزع السكاني، فعادة ما يتم الاكتفاء بالصيغ العامة المقتصرة على المناطق لا القرى والبلدات. عموماً؛ إنَّ غالبية المراجع والمؤلفات لا تطابق التحوّلات السكانية التي طرأت على واقع العشائر والقبائل في سورية من هجرة ونزوح وازدياد في عدد السكان، نتيجة الحروب والعوامل الاقتصادية والبيئية.

كما لم يتم التطرّق لتعداد أيّة قبيلة وعشيرة في سورية؛ لغياب الإحصائيات الرسمية الدقيقة، وعدم وجود مبادرات إحصائية مستقلّة وموثوقة، وقد لاحظ فريق البحث وجود خلط واضح بين الانتشار الكبير المحقّق للقبائل والعشائر وبين التعداد السكاني الفعلي. ومع ذلك؛ لم يتم رصد كامل مناطق الانتشار في سورية، بل تم التركيز على أبرز الأحياء السكنية والبلدات والقرى التي تُشكّل تجمعاً كبيراً معروفاً.

علماً، أنّ المعلومات الواردة في التقرير والخرائط تشمل القبائل والعشائر العربية المنتشرة شرق وشمال ووسط سورية، وبالتالي لم يتم التطرُّق إلى تلك التي تتوزع في جنوب وغرب البلاد؛ نظراً لانتقال رابطة النسب فيها من النموذج القبلي إلى النموذج العائلي (الأسرة)، والتي طرأ عليها تغيير كبير في الثقافة من ناحية البنية التنظيمية وأحياناً من ناحية العادات والتقاليد.

وإذ ينشر مركز جسور للدراسات هذه الخرائط الأولية، فإنّه يؤكِّد انفتاحه على تلقي الملاحظات والإضافات من كلِّ الخبراء والمختصين، حيث يمكن أن يُصار إلى إصدار نسخة معدّلة من الخرائط لاحقاً.

لقراءة المادة بشكل كامل يمكنكم تحميل النسخة الإلكترونية ( اضغط هنا )

الباحثون

أنس شواخ

عضو فريق وحدة الدراسات تتركّز اهتماماته على سياسات القوى المحلية والدولية شرق سورية لديه خبرة في جمع وتحليل البيانات خريج كلية التجارة والاقتصاد تخصص إدارة أعمال ومعهد البترول تخصص أجهزة دقيقة

عبد الوهاب عاصي

عبد الوهاب عاصي

مدير وحدة البحوث والدراسات تتركّز اهتماماته على سياسات القوى المحلية والدولية في سورية عمل في مجال الإعلام المكتوب والمسموع مع وسائل إعلامية سورية وعربية عديدة عمل في مجال العمل المدني مع منظمات محلية في سورية دَرسَ الاقتصاد في جامعة حلب لمدة ثلاثة أعوام، ويّدْرُسُ حالياً التاريخ في جامعة غازي عينتاب

وائل علوان

وائل علوان

مدير قسم البحوث تتركّز اهتماماته على سياسات القوى المحلية والدولية في سورية مدرس سابق مُجاز باللغة العربية وآدابها ومتخصص بالتعلم الناشط درس العلوم السياسية والعلاقات الدولية أثناء عمله في المجال الإعلامي والسياسي في صفوف المعارضة السورية متطوِّع سابق في أنشطة التعلم المجتمعي في اليونسكو وبعد الثورة في الهلال الأحمر العربي السوري، كما شارك في بعثة المعارضة لمفاوضات جنيف عام

موقع جسور

——————————

عشائر بدو سوريا.. جذور عميقة في التاريخ وامتداد في الجغرافيا

21/7/2025

عشائر البدو عنصر أساسي في تركيبة المجتمع السوري، إذ يعود وجودها إلى قرون طويلة، حين هاجرت قبائل عربية من الجزيرة العربية واليمن إلى بادية الشام بحثا عن الماء والكلأ. واستقرت هذه العشائر في مناطق شرق ووسط وشمال سوريا، وحافظت على نمط حياة بدوي مبني على الترحال وتربية الإبل والأغنام وحماية القوافل والتجارة الصحراوية.

وفي ظل غياب إحصائيات رسمية، تشير بعض التقديرات إلى وجود نحو 25 قبيلة عربية في سوريا تنحدر منها مئات العشائر، وتتركز بشكل رئيسي في البوادي الممتدة بين حمص وحماة ودير الزور والرقة والحسكة وصولا إلى تخوم السويداء وحوران جنوبا.

وقد أدى بدو سوريا أدوارا بارزة عبر التاريخ، فمنهم قادة شاركوا في مقاومة العثمانيين، وآخرون قاوموا الاستعمار الفرنسي، ومنهم زعماء كان لهم تأثير في صياغة التحالفات السياسية والاقتصادية في المنطقة.

يتميز البدو بنظام اجتماعي صارم مبني على القبيلة والشيخ الذي يمثل رمز الحكم والسلطة، ويتمسكون بعادات الضيافة والسخاء والكرم، إضافة إلى الشعر النبطي والغناء البدوي الذي يوثق الذاكرة الجماعية، وترتبط حياتهم اليومية بتربية الإبل والأغنام والخيل، في حين تعتبر الخيمة رمزا لهويتهم البدوية.

أقسام العشائر العربية في سوريا

تنقسم العشائر في سوريا إلى 3 فئات كبرى وفقا لدرجة ارتباطها بحياة البادية وأسلوب عيشها:

    عشائر متحضرة: وهي العشائر التي استقرت في القرى والحواضر منذ أجيال واندمجت في الحياة الزراعية أو التجارية في المدن وضواحيها. وغالبا ما تحتفظ هذه العشائر بأسمائها وأنسابها القبلية رغم تخليها عن نمط الترحال الكامل، وقد أصبحت جزءا من النسيج الاجتماعي للمدن والأرياف.

    عشائر شبه متحضرة: وهي العشائر التي جمعت بين الاستقرار الجزئي في القرى والأرياف وممارسة بعض الأنشطة البدوية التقليدية مثل تربية المواشي والتنقل الموسمي، وتمثل هذه الفئة حالة وسطى، إذ حافظت على كثير من العادات القبلية وفي الوقت نفسه تبنّت نمطا أكثر استقرارا في السكن والمعيشة.

    عشائر البدو: وهي العشائر التي ترتبط ارتباطا وثيقا بحياة البادية والترحال، وتعتمد بشكل رئيسي على تربية الإبل والأغنام والتنقل وفق المواسم بحثا عن الماء والكلأ، وتتميز بتمسّكها الشديد بقيم وأعراف البدو التقليدية. وقد اضطر عدد كبير من عشائر البدو إلى الاستقرار في الحواضر نتيجة عدم استقرار الأوضاع الأمنية بسبب اندلاع الثورة السورية عام 2011، ورغم استقرارهم ظلوا محافظين على نمط حياتهم البدوي كما احتفظوا كذلك بمسمى “عشائر البدو” الذي ظل ملازما لهم.

محطات تاريخية لعلاقة العشائر بالسلطة المركزية

يعود الوجود القبلي في سوريا إلى عصور قديمة حين هاجرت مجموعات قبلية عربية من اليمن وجنوب الجزيرة العربية وانتشرت في العراق وبلاد الشام، بينما عبرت قبائل أخرى صحراء سيناء باتجاه شمال أفريقيا.

واستقرت بعض هذه القبائل في الحواضر والقرى مفضلين الزراعة والتجارة، في حين حافظ آخرون على نمط الحياة البدوية المرتكز على الترحال والرعي.

تطورت التركيبة الديمغرافية للمنطقة تبعا للممالك والدول التي تعاقبت على حكمها. ففي صدر الإسلام إبان عهد الخلفاء الراشدين وزمن الدولة الأموية، ظل العرب هم العنصر الغالب في بلاد الشام، قبل أن يدخل العنصر الفارسي في أواخر الدولة العباسية، ثم التركمان والأكراد والأرمن والشركس إبان الحكم العثماني، وهو ما أضاف تنوعا واسعا إلى البنية الاجتماعية في سوريا.

وأسست العشائر العربية علاقاتها مع الدولة العثمانية على مبدأ المنفعة المتبادلة، إذ أوكل العثمانيون إليها مهمة تأمين الصحراء والطرق التجارية مقابل الدعم المادي (المال والهدايا) والمعنوي (منح رمزية ومكانة اعتبارية لبعض شيوخ العشائر)، غير أن أغلبها وقف لاحقا مع “الثورة العربية” ضد الدولة العثمانية في العقد الثاني من القرن الـ20.

وبعد سقوط الخلافة العثمانية، سعى الانتداب الفرنسي إلى كسب ولاء شيوخ العشائر عبر تسجيل أراضٍ واسعة بأسمائهم ومنحهم امتيازات، في محاولة توطينهم ودمجهم في مشروع الدولة الحديثة. وصنف الفرنسيون العشائر إلى قسمين: عشائر رُحّل سُمح لها بحمل السلاح، وعشائر شبه رحل مُنع عنها التسلح.

وقفت معظم العشائر على خط الحياد تجاه الاستعمار، إذ آثر بعض شيوخها الحفاظ على الامتيازات التي يحظون بها، مما دفع البرلمان السوري لاحقا إلى إلغاء “قانون العشائر” الفرنسي وإصدار “مرسوم العشائر” الذي استهدف تحويل البدو الرحل إلى مجتمع مستقر.

ومع إعلان الوحدة السورية المصرية عام 1958، أصدر الرئيس جمال عبد الناصر قانون الإصلاح الزراعي الذي حد من ملكيات الأراضي الواسعة، مما أدى إلى تقليص نفوذ شيوخ العشائر ودفع بعضهم للهجرة خارج سوريا.

ومع وصول حزب البعث إلى حكم سوريا، تبنّت الدولة سياسات إضافية لمواجهة القبلية، فأعادت توزيع أراض للفلاحين، ومنعت بعض الرموز القبلية مثل ارتداء العقال، وصوّرت العشيرة باعتبارها “بنية تقليدية متخلفة” يجب تقليص نفوذها.

بعد استيلائه على السلطة، تبنى حافظ الأسد نهجا مغايرا في التعامل مع العشائر، فأعاد لشيوخها شيئا من اعتبارهم ومكانتهم عبر تمثيلهم في البرلمان وتكليفهم بأدوار أمنية في مواجهة التيارات الإسلامية، كما استخدم بعض العشائر لتغيير البنية الديمغرافية في مناطق ذات أغلبية كردية عبر توطينهم فيها.

ومع مرور الوقت، ارتفع تمثيل العشائر في البرلمان حتى وصل إلى 10%، كما تزايد حضورهم في الوزارات والأجهزة الأمنية.

ومع بداية حكم بشار الأسد عام 2000، واصلت السلطة استثمار المجموعات القبلية لصالحها، فأصبح بعض رجال الأمن من أبناء العشائر يتفاخرون بانتمائهم العشائري لتعزيز حضور النظام في مناطقهم، واستُخدمت العشائر كذلك في مواجهة احتجاجات الأكراد عام 2004.

لكنّ فشل سياسات الري والزراعة التي تبنتها الحكومة، والجفاف الذي ضرب منطقة الجزيرة (محافظات الحسكة والرقة ودير الزور) بين عامي 2007 و2008، أدت إلى تدهور الوضع الاقتصادي في المنطقة التي صُنّفت عام 2010 الأفقر في البلاد، مما خلق تصدعا في علاقة العشائر بالنظام.

ومع اندلاع الثورة السورية عام 2011، انقسمت العشائر في مواقفها، فساند بعض أبنائها الحراك الشعبي وتشكيلات المعارضة، وفضل آخرون الحياد أو الاصطفاف إلى جانب النظام حفاظا على “مكاسبهم التاريخية”، مما أدى إلى نشأة مجموعات مسلحة محلية، وظهر في العشيرة الواحدة مسلحون يقاتلون ضمن فصائل متصارعة، وهو ما تسبب بانقسامات اجتماعية عميقة خاصة في مناطق دير الزور والرقة وحمص.

وبعد تراجع “تنظيم الدولة الإسلامية” وصعود “قوات سوريا الديمقراطية”، تراجع الدور التقليدي للقيادات العشائرية، وحل محلهم جيل جديد من الناشطين وقادة المليشيات المحلية، وتحولت بعض العشائر إلى حواضن اجتماعية لفصائل مسلحة مدعوم بعضها من قوى خارجية.

وفي ظل هذا الوضع، طالبت عشائر “الجزيرة السورية” (منطقة الجزيرة: محافظات الحسكة والرقة ودير الزور) بحصة أكبر من الحكم الذاتي والثروات، واندلعت احتجاجات قادتها هذه العشائر ضد “قوات سوريا الديمقراطية” التي كانت سابقا حليفة لها.

وبعد سقوط نظام الأسد أواخر عام 2024 وتشكيل حكومة سورية جديدة، تغير النهج تجاه العشائر، إذ اعتبرتها السلطة شريكا أساسيا في إعادة بناء الدولة. وتمثل ذلك في تعيين ممثلين للعشائر في مناصب رسمية، وإطلاق برامج لإعادة الإعمار في المناطق العشائرية.

كما سعت الحكومة أيضا لإعادة دور المجالس العشائرية التقليدية ضمن إطار قانوني، مقابل الالتزام بعدم إنشاء مليشيات مسلحة خارج سلطة الدولة. ورغم استمرار تحديات النفوذ الخارجي والانقسامات الداخلية، عبّرت هذه السياسات عن دافع في دمج العشائر ضمن مشروع وطني جامع بعد عقود من التوظيف الأمني والسياسي.

التوزيع الجغرافي للعشائر

    محافظة الحسكة

هي موطن لأكبر التجمعات العشائرية في سوريا، وتعتبر قبيلة “شُمّر” أبرزها، وتتفرع إلى بطون رئيسية هي عبده والأسلم وزوبع، وتتميز بامتداد عشائري تاريخي قوي في العراق، مع حفاظها على التقاليد البدوية وتحالفات واسعة تتجاوز الحدود.

وفي منطقة القامشلي شمال المحافظة تستقر عشائر العساف والحريث واليسار والجوالة والراشد وبني سبعة وحرب والغنامة والبوعاصي، وهي عشائر تنتمي إلى قبيلة طيّئ، إضافة إلى فرع من المعامرة وكذلك البقارة (البكارة).

كما تستقر في المنطقة عشيرة الجبور المنحدرة من قبيلة زبيد، والتي تعيش أساسا بين الزراعة وتربية الأغنام، ولها أيضا حضور بارز شمال وغرب العراق. وتضم المحافظة أيضا عشائر أصغر مثل البوشعبان والشرابيين التي تنتشر جنوبا.

    محافظة الرقة

تتنوع التركيبة العشائرية في الرقة بين قبائل كبرى وبطونها المختلفة، إذ توجد فيها عشائر شمّر التي تحافظ على امتدادها التاريخي في الجزيرة السورية. وتبرز أيضا قبيلة البقارة التي تضم عشائر مثل البوحسن والبومعيش، ويعتمد أبناؤها على الزراعة وتربية المواشي مستفيدين من قربهم من المدن.

كما تستقر في المنطقة قبيلة بني خالد، وهي فرع من القبائل القحطانية، وتضم مجموعة من العشائر المعروفة تاريخيا بسيطرتها على طرق القوافل ومفارق البادية.

    محافظة دير الزور

تتوزع عشائر بدوية وعربية متنوعة في دير الزور، وتعد قبيلة العكيدات (العقيدات) أكبرها وتشمل عشائر البوسرايا والبوخابور والبورحمة والقرعان والبوحسن والبوسلامة، وتحتفظ هذه المجموعات بهوية بدوية قوية متوارثة عبر الأجيال.

كما تنتشر في المحافظة قبيلة البقارة، ويجمع أبناؤها بين الزراعة وتربية المواشي، إضافة إلى عشيرة البوصليبي وهي عشيرة عدنانية أصغر حجما تعيش في الريف وتعتمد على نشاطَي الزراعة وتربية المواشي وتتميز بتداخل اجتماعي كبير مع كل من العكيدات والبقارة.

    محافظة حمص والبادية الوسطى

تُعد منطقة البادية بين حمص ودير الزور موطنا لعدد من أبرز عشائر قبيلة عنزة، من بينها عشيرة السبعة التي حافظت على نمط حياة الترحال وتربية الإبل وتواصل ممارسة تقاليدها البدوية الأصيلة.

كما تتمركز في البادية الشرقية من حمص وحتى تخوم مدينة تدمر؛ عشيرة الفواعرة المعروفة بدورها التقليدي في حماية قوافل التجارة ونشاطها في نقل البضائع بين المدن والقرى عبر الصحراء. كما توجد بعض عشائر قبيلة بني خالد في أطراف حمص.

    محافظتي حماة وحلب والشمال السوري

توجد في هذه المنطقة قبيلة الحديديين البدوية العدنانية الكبيرة التي تضم بطونا وعشائر متعددة، وتتمركز بشكل رئيسي في بادية حلب وحماة، وتشتهر بتاريخها العريق في تربية الخيول العربية الأصيلة ومهارات الفروسية، مما جعلها رمزا للفروسية في الشمال السوري.

    محافظة السويداء (بادية حوران الشرقية والجنوبية)

تُعدّ السويداء معقلا للطائفة الدرزية المستقرة في جبل العرب، لكنها في الوقت ذاته تحتضن عشائر عربية بدوية ذات امتداد تاريخي عميق في المنطقة، من أبرزها عشيرة السرحان، إحدى العشائر التي تنحدر من منطقة الجوف شمال الجزيرة العربية واستقرت في قرى شرقية منها ملح وخربة عواد.

كما تتمركز فيها عشيرة السلوط، وهي إحدى فروع قبيلة عنزة المتمركزة في جنوب شرق المحافظة قرب الحدود الأردنية، إضافة إلى عشيرة الزويد، وهي أيضا من عنزة، وتستوطن البادية الشرقية، أما عشيرة الحرافشة، فهم الذين توطنوا تدريجيا في البادية ذاتها.

وتركز حضور بدو السويداء في القرى والبلدات الواقعة شمال وشرق المحافظة، بينما استقر بعضهم داخل مدينة السويداء، وتحديدا في حي المقوس.

ورغم استقرار معظم العشائر البدوية وتخليها عن نمط الترحال، فإنها حافظت على تقاليد الحياة البدوية، ونسجت عبر العقود علاقات وثيقة مع الدروز اتسمت بالتكامل الاقتصادي، والمصاهرة، والتعاون في حماية طرق القوافل.

وانعكس هذا التفاعل في المشهد الثقافي المحلي، ومن أبرز مظاهره انتقال رقصة “الجوفية” إلى المجتمع الدرزي.

وعلى مدى عقود، شابت هذه العلاقة توترات متراكمة، وتجلت بوضوح في أحداث منتصف يوليو/تموز 2025، حين اندلعت اشتباكات عنيفة دفعت قوات وزارتي الدفاع والداخلية إلى التدخل لفرض الأمن، وانتهى هذا التدخل باتفاق لوقف إطلاق النار، تلاه انسحاب القوات الحكومية من مناطق التوتر.

غير أن مجموعات وصفتها دمشق بأنها “خارجة عن القانون” خرقت الاتفاق وهاجمت مناطق البدو، وارتكبت مجازر بحقهم، مما تسبب بموجات نزوح قسري بحسب تقارير محلية، وأدى ذلك إلى تجدّد الاشتباكات وتصاعد حدة المواجهات بعد تدخل عشائر بدوية أخرى دفاعا عن بدو السويداء.

المصدر: الجزيرة + مواقع إلكترونية

———————-

العشائر العربية في السويداء: تاريخها وعلاقتها مع المكون الدرزي/ عبسي سميسم

15 يوليو 2025

شكلت الأحداث الدامية الأخيرة التي طرأت على محافظة السويداء جنوبي سورية خلال اليومين الماضيين تهديداً حقيقياً للسلم الأهلي بين عشائر البدو السورية في المحافظة والمكوّن السوري الدرزي بعد سقوط عشرات الضحايا من الجانبين، في واحدة من أسوأ حالات العنف والاقتتال المناطقي والطائفي منذ سنوات.

ويعيش في محافظة السويداء مجتمع متنوع تشكّله الطائفة الدرزية إلى جانب عشائر بدوية عربية عريقة، ربطت بينهما سنوات طويلة من التعايش، وقطعتها أحياناً موجات من التوتر، ساهم النظام السوري السابق أحياناً في تغذيتها. وتتوزع العشائر العربية البدوية على أطراف مدينة السويداء الشمالية والشرقية في مناطق الحروبة ورجم الزيتون والمقوس وبريكة والمزرعة ونجران والمنصورة والمقوس والكفر وسهوة البلاطة والشعاب ويوجدون أيضاً بكثافة في بلدة عرى جنوب غرب مدينة السويداء ذات الغالبية الدرزية.

ووفق الباحث في مجال العشائر العربية، أحمد أبو نجد، ينتمي البدو في السويداء إلى قبائل عربية عديدة أبرزها زبيد، كما ينتسب آخرون إلى عنزة وبني خالد والفواعرة. ويوضح أن وجود هذه العشائر في الجبل قديم جداً، ويعود لمئات السنين ويقال إنّ تسمية جبل العرب جاءت نسبة لهذه العشائر العربية.

ولا تتوفر إحصائية دقيقة ورسمية لعدد سكان العشائر في السويداء، لكن أبو نجد تحدث عن تقديرات تشير لوجود حوالى 250 ألف نسمة من أبناء العشائر العربية في السويداء ومحيطها، ويشكلون حوالى ثلث سكان المحافظة، وفق تقديراته. ويضيف أبو نجد لـ”العربي الجديد” أنه منذ سنوات طويلة عاشت هذه العشائر بجوار المجتمع الدرزي، ويرتبط الجانبان بعلاقات اجتماعية واقتصادية قائمة على التجارة والزراعة والمصاهرة، مع فوارق نمطية في أسلوب العيش، إذ استقر الدروز في القرى، بينما حافظ البدو لفترات على نمط الترحال قبل أن تستقر هذه العشائر بمعظمها منذ منتصف القرن العشرين.

ولم تخلُ العلاقة بين المكونين خلال هذه السنوات من التوتر بسبب خلافات حول المراعي أو قضايا جنائية فردية تحولت أحياناً إلى خلافات جماعية. ويوضح أن أحداث عام 2000 التي شهدتها السويداء من صدامات حادة ما بين البدو والدروز، التي تطورت إلى معارك متفرقة أسفرت عن سقوط عشرات القتلى والجرحى من الجانبين، أثرت كثيراً على العلاقة بينهما لسنوات طويلة.

ورغم هذه التباينات، لم تصل العلاقة إلى صدامات طائفية شاملة، بفضل وجهاء العشائر وقيادات المجتمع المدني في السويداء، الذين كانوا يسارعون إلى احتوائها. ويُتهم النظام السابق باستخدام العشائر العربية في السويداء ورقةَ ضغط في وجه المجتمع الدرزي، من خلال دعم بعض شيوخ العشائر بامتيازات أمنية وحتى توظيف بعضهم بمهام استخباراتية، وتجنيدهم لصالحه في المحافظة، وتأجيج الأوضاع بين فترة وأخرى وسيلةً للسيطرة لا سيّما بعد انطلاق الثورة السورية في 2011.

كما ساهمت عمليات الخطف المتكرّرة في المنطقة، التي كانت تجري من عصابات اتّجار بالبشر ومليشيات مدعومة من النظام السابق من الطرفين في تأجيج علاقات الدروز والعشائر الموجودة في المنطقة، كما استخدم النظام أفراداً من عشائر البدو في تجارة المخدرات التي تعبر خطوط تجارتها من مناطقهم. وشكلت التوترات بين المكونين الدرزي والبدوي في مرات عديدة تهديداً بحرب شاملة بين الطرفَين وكانت تنتهي في معظم الأحيان بتدخل وجهاء من الطرفين.

ومنذ سقوط نظام بشار الأسد عادت الخلافات للتصاعد بين عشائر البدو وجيرانهم بسبب غياب الدولة عن المحافظة، وانتشار السلاح بين أيدي جميع الأطراف، ووجود مليشيات مسلحة لدى الطرفين، الأمر الذي كان يؤدي إلى اشتباكات واعتداءات بينهما بسبب خلافات فردية كانت تتطور إلى مواجهات جماعية تؤدي أحياناً لقطع الطرقات بين الجانبَين.

ويوم السبت الفائت، اندلعت اشتباكات مسلحة واسعة بين العشائر البدوية والفصائل الدرزية المسلحة في حي المقوس بمدينة السويداء وتوسعت إلى قرى ومناطق أخرى بالمحافظة سقط فيها عشرات الضحايا وخُطف مدنيون من منازلهم، وتدخلت بعدها قوات الجيش السوري بهدف فكّ الاشتباك وفق ما أعلنت.

العربي الجديد

————————-

العشائر السورية.. انقسام حسب المصالح والولاءات/ خالد الجرعتلي | جنى العيسى | حسام المحمود | حسن إبراهيم

دور سياسي محدود واستقطاب فرضته الحرب

23/06/2024

تنقسم القبائل والعشائر السورية في الولاء بين السلطات باختلاف مناطق السيطرة والنفوذ، وتمتد هذه الانقسامات شرقًا وغربًا وجنوبًا وشمالًا أيضًا، إذ يمكن رؤية شيوخ بارزين من أبناء القبيلة الواحدة يتخذون اصطفافات مختلفة، فيميل بعضهم للنظام، ويديرون فصائل عسكرية بقدرات بشرية تجمع آلاف المقاتلين، وهم من أبناء القبيلة نفسها.

وفي الوقت نفسه، يوالي شيوخ آخرون “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، ويشكلون تجمعًا عسكريًا مشابهًا لديها، في حين يقف بعضهم على الحياد من الجانبين، يحاول موازنة مصالحه بين الأطراف، وهو ما لا يختلف كثيرًا بالنسبة لشمال غربي سوريا، إذ تملك القبيلة نفسها المنقسمة شرقًا، فصائل عسكرية معارضة للنظام و”قسد” على حد سواء غربًا، وترفع شعارات الثورة السورية.

الانقسامات القبلية نفسها على امتداد الجغرافيا السورية ينظر إليها مراقبون على أنها نتاج استقطاب سلطات أمر واقع استمر لسنوات، في حين يعتقد آخرون أن الانقسام جاء نتيجة حاجة المكونات القبلية نفسها، للحماية والتمثيل.

تناقش عنب بلدي في هذا الملف مع خبراء وباحثين الأدوار التي مارستها العشائر السورية في إدارة محافظات سورية، وموقع العشائر في مناطق السيطرة الأربع، التي حاولت سلطاتها، ولا تزال، استمالة العشائر.

العشائر عبر الجغرافيا

في ظل الظروف العسكرية والسياسية التي أفضت إليها سنوات من الحرب والقتال في سوريا، خلّفت أربع مناطق سيطرة، تعتبر كل واحدة منها منطقة نفوذ لدولة أجنبية أو أكثر، شهدت التركيبة القبلية والعشائرية السورية تغييرات إثر حركات النزوح، واللجوء، والخسائر البشرية التي مُنيت بها التركيبة السكانية السورية.

وفي الوقت الذي لا توفر فيه حكومة النظام السوري أي إحصائيات أو خرائط لانتشار هذه القبائل في سوريا، واجهت الجهات المتخصصة بالأبحاث صعوبة في إحصائية التركيبة القبلية، وهو ما نوّه إليه مركز “جسور للدراسات” في دراسة حاولت إحصاء انتشار هذه التركيبة عام 2021.

أيضًا اعتمدت دراسات أخرى، كتلك التي أعدها مركز “حرمون للدراسات المعاصرة“، على مراجع تاريخية، ومقابلات مع ناشطين من أبناء المنطقة في محاولة لإحصاء انتشار قبائل وعشائر المنطقة.

أحصت دراسة “جسور” 23 قبيلة عربية على الأقل منتشرة في سوريا بشكل رئيس، يتركز معظمها في شرقي ووسط وشمالي سوريا.

ومن المتعارف عليه أن للمكونات القبيلة تسلسلًا في النسب يتشعب بدءًا من اسم القبيلة، ثم تضم تحتها عشيرة، ثم بطن، وفخذ، وفصيلة، وأسرة.

في سوريا كان الوضع مختلفًا وفق مركز “جسور”، إذ يختلف هذا التسلسل على نحو واضح، فتظهر القبيلة وتليها العشيرة ومن ثم الفخذ والعائلة والقوم، ويتحدد تسلسل النسب في القبائل نتيجة الضرورة القائمة على رابطة النسب، وأحيانًا على تحالف نشأ عن مصلحة أو ضرورة.

مكانة اجتماعية.. بوابة للسياسة

لطالما كان للعشيرة تأثير على حياة الأفراد في سوريا، ومن هذا المنظور عمل النظام السوري على استمالة وجهاء العشائر، وكسب ولائهم، بهدف التأثير على أبناء العشيرة نفسها الذين قد يصل عددهم لعشرات الآلاف في بعض المكونات القبلية.

ومع تطور المظاهرات السلمية إلى العمل المسلح نتيجة تعامل النظام بالحديد والنار مع مطالب السوريين، اعتمد النظام على فصائل عشائرية وشيوخ عشائر، ومناطق وجودهم لتأمين مؤسساته، كما دعم عشائر معينة على حساب أخرى، ما تسبب بتعزيز النزاعات العشائرية في مناطق معينة.

مظلة اجتماعية شرقًا

برز دور العشيرة مجددًا على السطح، وزاد الاهتمام به بعد الثورة السورية في ظل غياب القانون والسلطة وتراجع القبضة الأمنية، وفق ما يراه الباحث في التاريخ الاجتماعي والسياسي مهند الكاطع.

الكاطع قال لعنب بلدي، إن غياب السلطة في بعض المحافظات السورية خلّف حاجة ملحة للبحث عن مظلة اجتماعية بديلة تؤمّن الحد الأدنى من الطمأنينة ويدافع عن مصالح أبنائها، ما عزز دور العشيرة.

وبالرغم من ذلك كان لعب العشائر لأدوار سياسية أو عسكرية متفاوتًا ومحدودًا بنفس الوقت، إذ لعبت قبيلة “شمر”، على سبيل المثال لا الحصر، أدوارًا سياسية وعسكرية مختلفة في محافظة الحسكة بعد الثورة، علمًا أنها من أصغر القبائل من حيث عدد أبنائها في المنطقة، رغم امتداداتها “الضخمة” في العراق والخليج.

ومثلت “شمّر” الدور الرئيس في تحالف سياسي وعسكري مع سلطات الأمر الواقع، في إشارة إلى “الإدارة الذاتية”.

واستفادت القبيلة من الدعم الأمريكي لـ”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، وعاد هذا الدعم على زعمائها بمنافع مادية، كما أسهم في الوقت نفسه بتجنيب القبيلة أي تعديات وتجاوزات من قبل سلطات المنطقة، قياسًا لما حدث مع قبائل وعشائر أخرى لم تتخذ موقفًا جماعيًا أو على مستوى زعمائها الحقيقيين بالوقوف مع “قسد”.

الكاطع أضاف أن زعماء قبيلة “طيء” في محافظة الحسكة وقفوا على ضفة أخرى كحال معظم زعماء وشيوخ القبائل، مع النظام السوري، مرددين الشعارات التي يرددها النظام.

وأسهمت “طيء”، وفق الكاطع، بتشكيل القوات الرئيسة لـ”الدفاع الوطني” في القامشلي، قبل أن يجبرهم النظام منتصف العام الماضي على تسليم جميع مقارهم في المدينة لـ”قسد” بعد أن قطع عنهم الدعم عسكري.

ووفق الباحث الذي ينحدر من المنطقة الشرقية ذات التركيبة القبلية، يمكن ملاحظة أدوار مختلفة لعبتها قبيلة “العقيدات” في دير الزور، إذ شاركت في الثورة بقوة، ونظمت نفسها كجماعات مسلحة ضد النظام، وأسهمت في طرد الأخير من المحافظة، وسيطرت على حقول النفط.

ومع مرور الوقت تسببت الفوضى بخلافات بين أبناء العمومة خاصة مع دخول تنظيم “الدولة الإسلامية” على الخط، واستغلال النظام لهذه الخلافات، فاستخدم قسمًا منهم في معاركه، كما استخدمت “قسد” جزءًا منهم للغرض نفسه لاحقًا.

حماية الفرد وانقسامات المرحلة

في الأشهر الأولى من عمر الثورة السورية، حاول النظام السوري تقليص دور العشيرة واللعب على امتيازات بين أفراد العشيرة وأفراد بيت العشيرة (المشيخة)، فانقسمت العشيرة، كأي مكون اجتماعي، وذهب أفراد وقيادات منها مع الثورة، وغيرهم مع النظام، وفق ما قاله الباحث السياسي فراس علاوي، لعنب بلدي.

وبيّن علاوي أن دورًا كبيرًا لعبته العشيرة في مناطق شمال شرقي سوريا التي تشكل الحاضنة الشعبية لها، عبر حماية الأفراد في أثناء المظاهرات، من قمع قوات الأمن، التي كانت تقيم اعتبارًا لهذه الحالة الاجتماعية قبل تطور الأمور إلى صراع مسلح، وأصبح تكوين الفصائل أقرب إلى التكوين العشائري، لتشكل كل عشيرة فصيلها العسكري وقيادتها الاجتماعية، على حساب شيوخ العشائر الذين انقسموا، فمعظم الشيوخ الأساسيين كانوا محايدين أو أقرب إلى النظام، وباقي الشيوخ تقريبًا كانوا منقسمين.

انقسام شيوخ العشيرة خلق قيادات أخرى معظمها عشائرية، سواء من الضباط المنشقين أو المدنيين الذين صاروا قياديين في فصائل عسكرية، وبقي الوضع على هذا المنوال حتى دخول الفصائل الإسلامية و”جبهة النصرة” ثم تنظيم “الدولة الإسلامية” إلى المنطقة الشرقية.

وقبل دخول هذه الفصائل كان التعامل مع العشائر يجري بشكل جيد، وكان هناك تنسيق واضح لأن لكل عشيرة جسمًا عسكريًا غير واضح، وغير مخصص للعشيرة فقط، لكن غالبية هذه الأجسام العسكرية تكونت من أبناء العشيرة نفسها، بحكم المناطقية.

وحين دخلت “النصرة” حاولت اللعب على هذا الوتر، وتقريب عشائر منها على حساب عشائر أخرى، وبايعتها عشائر دون عشائر أخرى، ما ولّد خلافات عشائرية داخل المنطقة، وفق الباحث.

من جانبه، استثمر تنظيم “الدولة الإسلامية” في الملف نفسه بالسنوات الأولى من عمره، وأنشأ “ديوان العشائر” لمحاولة احتواء هذا المكون الاجتماعي، فهناك عشائر حاربته، كـ”الشعيطات”، لمنع سيطرته على مناطقهم الغنية بالنفط، إلى جانب الصراع القبائلي بين عشائر بايعت التنظيم، وأخرى بايعت “النصرة”، أو “الجيش الحر”.

دور العشيرة خلال هذه الفترة كان الحماية المجتمعية لأبنائها، لكن دخول التنظيمات إلى هذه العشائر أدى إلى انقسام داخل العشيرة نفسها، مع محاولة التنظيم ضرب العشائر ببعضها لاستغلال الموقف، وفيما بعد استفادت أيضًا “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) من هذا الأمر، وبدا الانقسام أكبر بعد سيطرة “قسد” في المنطقة، ما جعل بعض الناس في صف النظام، وغيرهم ضمن سيطرة “قسد” وغير راضين عنها، ما سبب نزاعات وعدم استقرار مستمرًا في المنطقة، وفق الباحث.

وبالنسبة للزعامات العشائرية فهي موجودة ومتوزعة ويتجلى حضورها بـ”مجلس القبائل” الموالي للنظام، وآخر مقرب من “قسد”، وثالث يوالي فصائل المعارضة، تدعمه تركيا، وفي كل مجلس ممثل عن كل قبيلة، لكن هذه المجالس لم تكن بمستوى الفاعلية المأمولة نوعًا ما، فتفريغ المجتمع من نخبه السياسية والثقافية أثّر في العشيرة، كما تأثر المجتمع السوري ككل، بسبب عدم إفراز تجمعات سياسية حقيقية خلال الثورة، واقتصار الأمر على الدواوين العشائرية، وهي حالة اجتماعية تحاول تحقيق الحد الأدنى من عملية العقد الاجتماعي المحلي، أو القانوني المحلي، عبر حل بعض المشكلات البسيطة باللجوء إلى الأعراف أو حتى الدين، بحسب علاوي.

لقاء قائد “تحرير الشام” ، “أبو محمد الجولاني” مع شيوخ القبائل والعشائر السورية خلال عيد الفطر في ريف إدلب – نيسان 2024 (مجلس القبائل والعشائر)

لقاء قائد “تحرير الشام” ، “أبو محمد الجولاني” مع شيوخ القبائل والعشائر السورية خلال عيد الفطر في ريف إدلب – نيسان 2024 (مجلس القبائل والعشائر)

استغلال على طول الجغرافيا

مع انقسام الخارطة السورية بين مناطق نفوذ أجنبي، وسيطرة جهات محلية، صارت العشائر بتأثيرها الاجتماعي، وامتداداتها بين مناطق السيطرة، محط استغلال ومحاولات للاستمالة من قبل سلطات الأمر الواقع فيها.

من الأمثلة، دعم النظام السوري لعائلة آل بري التي تنحدر من حي باب النيرب في حلب، واشتهرت بتحالفها مع النظام ودعمها لعناصر يقاتلون إلى جانب قواته، وكان لهم دور في قمع المظاهرات بداية الثورة، وتتهم بتقاسم المخدرات والممنوعات مع شخصيات من النظام.

في عام 2016، هدد “شبيحة” النائب في “مجلس الشعب” حسن شعبان بري، أهالي حلب بـ”الذبح بالسكاكين” لمن لا ينتخبه في الانتخابات التي جرت في العام نفسه، كما هاجموا بالسكاكين محلًا (سوبر ماركت) في شارع كلية الهندسة بحلب، بسبب رفض صاحبه تعليق صورة المرشح حينها على واجهة المحل.

ونجح حسن بري حينها بالفوز بمقعد في “مجلس الشعب”، ضمن الدورة التشريعية 2016-2020، وبات اسمه حاضرًا في المجلس حتى اليوم، ولا تخلو دورة لـ”مجلس الشعب” إلا ويكون لآل بري نصيب منها، على اعتبار أن وجهاء العائلة ينتمون لحزب “البعث” ويدخلون المجلس بمقاعده.

ودعم النظام السوري آل قاطرجي (من قبيلة النعيم)، وبرز منهم أشخاص تحولوا إلى “تجار وأمراء حرب”، في مقدمتهم “الشيخ حسام قاطرجي”، كما يطلق عليه عناصره، وبرز بشكل كبير على الصعيدين العسكري والاقتصادي، من خلال تنظيم صفقات النفط بين النظام السوري و”الإدارة الذاتية” (المظلة السياسية لـ”قسد”)، بالإضافة إلى امتلاكه معملًا ضخمًا للحديد ضمن المدينة الصناعية بحلب، وآخر للأسمنت، كما يرسل عناصره باستمرار لتمشيط أجزاء البادية السورية، وتأمين الطرق التي يعترضها تنظيم “الدولة الإسلامية”.

وعلى امتداد حكم الأسدين، عمل النظام السوري على استمالة وكسب ولاء العشائر مع الحفاظ على سقف محدد لأدوارهم في مفاصل الدولة، وعدم ترك مساحات واسعة أمام الزعامات التقليدية في العشيرة.

وشغل أشخاص من العشيرة مناصب في مؤسسات أمنية ومدنية مثل وزارة الداخلية والزراعة، ومكاتب تابعة للرئاسة، وارتفع التمثيل القبلي في “مجلس الشعب” ليصل إلى 12% في عام 2012، وكان عددهم 30 من أصل 250 شخصًا حينها، بينما لا توجد إحصائية عن نسبتهم حاليًا مع وجود 252 شخصًا في المجلس.

تابع بشار الأسد النهج الذي سار عليه أبيه منذ توليه الحكم عام 2000 حتى بدء الثورة السورية عام 2011، لتتحول استمالة العشائر إلى استعانة بهم لمنع انفجار الشارع، وضمان عدم انخراطهم بالمظاهرات السلمية في سوريا.

الشمال.. محاولات تشبيك

في الشمال السوري تنقسم مناطق السيطرة، حيث تسيطر “الحكومة السورية المؤقتة” على ريفي حلب الشمالي والشرقي ومدينتي تل أبيض ورأس العين، وجناحها العسكري هو “الجيش الوطني السوري”.

وتسيطر أيضًا حكومة “الإنقاذ” على إدلب وأجزاء من ريف حلب الغربي وأجزاء من ريف اللاذقية وسهل الغاب شمال غربي حماة، وهي مظلة سياسية لـ”هيئة تحرير الشام”.

وعملت “الحكومة المؤقتة” على عقد اجتماعات دورية مع شيوخ العشائر في المنطقة، أبرزها كان المؤتمر العام للمجلس الأعلى للقبائل والعشائر السورية في 2018، وشهد مشاركة نحو ألف شخصية يمثلون نحو 150 قبيلة وعشيرة سورية، عُقد في بلدة سجو القريبة من مدينة اعزاز بريف حلب الشمالي.

رئيس “الائتلاف السوري المعارض”، هادي البحرة، حمل منذ تسلمه المنصب، في أيلول 2023، خطة التوجه إلى الداخل السوري والنهوض بالاستثمار، وبرزت زياراته إلى الشمال ولقاؤه بمختلف الشخصيات المحلية، ومن بينها مجلس العشائر، والحديث معهم عن المشكلات في المنطقة.

كما يشكل المقاتلون المنحدرون من خلفية عشائرية نسبة غير معلن عنها، لكنها ليست قليلة، من مقاتلي “الجيش الوطني”، ومن أبرز الفصائل ذات الطابع العشائري “حركة التحرير والبناء“، وينحدر معظم مقاتليها من المنطقة الشرقية في سورية (دير الزور، الرقة، الحسكة).

وفي إدلب حيث تسيطر “تحرير الشام”، كان اهتمام “الهيئة” وقائدها “أبو محمد الجولاني” بالعشائر ظاهرًا، عبر اجتماعات معهم أو إنشاء تشكيلات عسكرية رديفة من أبنائهم، بالإضافة إلى وجود “كتلة الشرقية” (ينحدر مقاتلوها من عشائر المنطقة الشرقية) في صفوف “الهيئة”.

في أيار 2019، أعلن “مجلس الشورى العام” في إدلب عن تشكيل “سرايا المقاومة الشعبية”، ومعظمه من أبناء العشائر، مهمته دعم الفصائل العسكرية في معارك الصد والهجوم ودعم نقاط “الرباط والتدشيم والتحصين”.

ويعد خلدون الأحمد، وهو أحد وجهاء العشائر المقربين من “تحرير الشام”، مسؤولًا عامًا عن اللجنة العليا لها، وفي كانون الثاني 2023، قدّم “مجلس القبائل والعشائر السورية” في مدينة إدلب 250 بندقية من طراز “كلاشينكوف” إلى “سرايا المقاومة الشعبية”، خلال فعالية أقامها.

وظهر “الجولاني” أكثر من مرة مع مجموعة من شيوخ العشائر، تحدث معهم عن بناء المؤسسات في المنطقة، وإعادة إحياء دور العشائر، كما حاول السيطرة وتوسعة نفوذه في أرياف حلب حيث تسيطر “المؤقتة” من خلال علاقات القيادي المنشق عن الفصيل جهاد عيسى الشيخ (أبو أحمد زكور)، وذلك قبل انشقاق الأخير.

وقبل انشقاقه عن “الهيئة” في كانون الأول 2023، فتح “أبو أحمد زكور” باب العلاقات أمام “أبو محمد الجولاني” مع شيوخ العشائر، وكان خلال العامين الماضيين يدير ملف التنسيق مع فصائل “الجيش الوطني”، وذلك لأنه يحظى بحاضنة شعبية في قبيلة “البكارة”، إحدى أكبر القبائل العربية في المنطقة، وكان من أبرز الشخصيات التي مهّدت لـ”تحرير الشام” سيطرتها على المنطقة.

وبرز دور العشائر كرديف وغطاء على سلوكيات سلبية لـ”تحرير الشام” في حادثة اعتقال رئيس مجلس شورى قبيلة “البكارة” في إدلب، الشيخ يوسف عربش (أبو الحسن)، لأن عربش نفى لعنب بلدي وجود كفالة من قبل “مجلس القبائل والعشائر السورية” للإفراج عنه، لافتًا إلى أن الكفالة “قصة واختراع” من قبل المجلس.

“الإدارة الذاتية”.. تهميش باستراتيجية

في 25 من أيار الماضي، انطلقت فعاليات النسخة الثانية من ملتقى تحت عنوان “الوحدة الوطنية” للعشائر والمكونات السورية، بتنظيم مجلس “سوريا الديمقراطية” و”الإدارة الذاتية”، تحت شعار “حوار، أمان، بناء، من أجل سوريا موحدة لا مركزية”، في ملعب المدينة الرياضية بالحسكة، بمشاركة نحو خمسة آلاف شخصية من المؤسسات الرسمية والمكونات والأطياف والعشائر السورية، ومنهم شيوخ ووجهاء عشائر وشخصيات اعتبارية ودينية.

وقدم قائد “قسد“، مظلوم عبدي، خلال المؤتمر نفسه، وعودًا بتحقيق تطلعات عشائر المنطقة، التي لطالما ناقشها مع وجهاء المنطقة سابقًا، والعالقة عند نقطة الوعود منذ سنوات.

مناطق شمال شرقي سوريا حيث تسيطر “الإدارة الذاتية” وجناحها العسكري “قسد”، تحمل طابعًا عشائريًا، لكن رغم ذلك، يشهد المكوّن العشائري تهميشًا، خاصة بعد أن اختارت إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق، باراك أوباما، “وحدات حماية الشعب” (الكردية) شريكًا أساسيًا لواشنطن في سوريا لمحاربة تنظيم “الدولة الإسلامية”.

الدعم الأمريكي للقوات الكردية همّش دور العشائر العربية دون أن يقصيها، لأن قياديين أمريكيين يلتقون باستمرار مع وجهاء وشيوخ هذه العشائر، كما تبدي  واشنطن توجهًا لاستمالة المكوّن العشائري في المنطقة، وهو ما يسعى له النظام السوري وحليفتاه، روسيا وإيران.

التهميش من “قسد” لا يمكن إنكاره، وأقرت به واشنطن حين أصدرت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون)، في آذار 2020، تقريرًا انتقد إقصاء المكوّن العربي عن مفاصل اتخاذ القرارات، داخل المؤسسات العسكرية والمدنية التابعة لـ”مجلس سوريا الديمقراطية” (مسد)، المظلة السياسية لـ”قسد” و”الإدارة الذاتية”، وفق ما يعرّف نفسه.

وتحرص “قسد” بشكل دائم على إظهار تواصلها مع وجهاء وشيوخ قبائل وعشائر المناطق التي تسيطر عليها، كما يجري مظلوم عبدي لقاء دوريًا سنويًا مع الوجهاء والشيوخ، لكن علاقتها الحقيقية مع هذه القبائل والعشائر تتم عبر استراتيجية محددة وتظهر على شكل “استغلال واستثمار وتحالف وتفكيك مراكز القوة في القبيلة”.

وانعكست إشكالية التمثيل بالنسبة لعشائر شمال شرقي سوريا، عندما نشبت مواجهات مسلحة بين أبناء المنطقة و”قسد” منتصف العام الماضي، بقيادة إبراهيم الهفل، وهو أحد شيوخ قبيلة “العكيدات”، المتهم بالتبعية للنظام السوري.

ورغم انتهاء المواجهات المسلحة فعليًا، لا تزال تداعياتها تخيم على المنطقة، إذ يستهدف مسلحون من العشائر حواجز وأفرادًا ونقاطًا عسكرية لـ”قسد” بشكل شبه يومي في دير الزور.

درعا.. الوجهاء يلعبون الدور

يمكن النظر إلى محافظة درعا، التي يطغى على تركيبتها الاجتماعية الطابع العشائري، كنموذج عن ثقل اجتماعي يمثله هذا الطابع، فرغم سيطرة النظام على المنطقة منذ تموز 2018، تدار بمؤسساتها الخدمية وحتى القضائية عن طريق وجهاء عشائر، وآخرين يمثلون قرى وبلدات في ريف المحافظة.

ورغم مرور حوالي ست سنوات على فرض النظام سيطرته على المنطقة، لم يترك وجوده أثرًا على الصعيد الخدمي، أو القضائي، واقتصر جهده فقط على الصعيد الأمني الذي لم يبدُ ملحوظًا مع استمرار عمليات الاغتيال والاستهداف بالمنطقة بشكل يومي.

وفي ظل غياب آثار النظام، عمل وجهاء درعا على جمع التبرعات لترميم المدارس، والمستشفيات، وحفر الآبار، بناء على روابط قبلية مع مغتربين من المحافظة يعيشون خارج سوريا.

ويدير الوجهاء أيضًا ما يشبه مؤسسة قضائية يطلق عليها تسمية “لجنة التحكيم” وتعني بحل الخلافات، واسترداد الحقوق، في ظل غياب جهات رسمية تقوم بهذه المهام، وفق ما عرفت به نفسها عبر معرّفها الرسمي في تطبيق “تلجرام” (شائع الاستخدام في سوريا).

ويتبع لـ”لجنة التحكيم” مجلس شورى خاص، تُطرح عليه جميع الأحكام المأخوذة من قبل “اللجنة” بكل قضية على حدة، ويتم التشاور على الحكم فيها ومدى أحقيته وإنصافه.

وتنشط “لجنة التحكيم” بأغلب قضايا أبناء المحافظة ذات الطابع القضائي، من استرداد للمظالم سواء كانت مالية أو معنوية، والقضايا الأخلاقية، وقضايا النصب والاحتيال، وعلى رأس أعمالها قضايا القتل والثأر.

وتقول “اللجنة” أيضًا إنها لا تتبع نهائيًا لأي جهة سواء كانت رسمية أو عسكرية، ولا تتعرض لأي ضغوط من أي جهة كانت، إنما “تعمل منفردة بعيدًا عن الوصاية”.

آلية عمل “اللجنة” نفسها تجلّت لاحقًا بأدوار لعبتها في قضايا خلاف بينية في درعا، إذ تعتبر اليوم وصيّة على قرى وبلدات عديدة في شؤون حل الخلافات، فسبق وتلقت تفويضًا من وجهاء بلدات تل شهاب، زيزون، العجمي، خربة قيس، الطبريات، الفوار، نهج، خراب الشحم، عموريا، يقضي بتكليفها بإدارة المنطقة قضائيًا.

وفي 31 من آذار الماضي، قالت “لجنة التحكيم” إنها منذ مطلع 2024، تلقت 45 قضية جنائية، إلى جانب 19 قضية متعلقة بجرائم قتل، وسرقة، وأصدرت حكمًا في 26 قضية منها.

وجهاء استمالهم النظام

بالتوازي مع مبادرات اتخذتها المكونات العشائرية في درعا، لتعويض غياب أثر المؤسسات الحكومية عن المحافظة، يوجد وجهاء عشائر استمالهم النظام السوري، وعمل على زيادة تأثيرهم في المكون العشائري، وفق ما قاله وجهاء من المنطقة لعنب بلدي.

“أبو علي محاميد”، وهو من وجهاء درعا البلد، وأحد أبرز وجوه المدينة، قال لعنب بلدي، إنه لا شيوخ عشائر في درعا بالشكل التقليدي المعروف، إنما هناك “أفراد يملكون المال” ظهروا بسبب وضعهم المالي وتقربوا من النظام عبر الرشى باحثين عن مكانة لدى النظام وفي المجتمع المحلي.

وأضاف أن من صاروا يعرفون اليوم بـ”وجهاء” أو شيوخ يحققون مصالحهم الشخصية عبر علاقاتهم مع النظام، فيلجأ الناس إليهم لحل مشكلة ما، خصوصًا إذا كانت تلك المشكلة أمنية، وهو ما يلبيه النظام لاحقًا ليحقق مكانة لهؤلاء “الوجهاء”، وفق محاميد.

ويعتقد “أبو علي محاميد” أن النظام لا يرغب بالشخصيات الجريئة التي تحاججه، إنما يبحث عن “المهادنين” من أبناء المحافظة، إذ لا يريد أي صوت معارض، ويرمي لبعض وجهاء المحافظة بـ”الفتات” ليكسب تأييدهم بهدف الترويج لسرديته في المجتمع المحلي.

سياسة حزب “البعث” الحاكم في سوريا هدفت على مر العقود لتفتيت العشائر واستغلال أسمائها لإظهارها على أنها موالية له عبر منح وجهائها مقاعد في مجلس الشعب مثلًا أو في المجالس المحلية للقرى والمدن، وفق محاميد.

وأضاف أن للنظام سياسة تهدف لإبراز أشخاص من عشيرة معينة على حساب آخرين بارزين قد لا يتفق مع توجهاتهم، أو من المعارضين له.

أحد وجهاء ريف درعا الغربي، وعضو في “اللجنة المركزية” التي تدير المنطقة، قال لعنب بلدي، إن علاقة النظام بوجهاء وشيوخ عشائر من المنطقة كانت قائمة حتى خلال سيطرة المعارضة على الجنوب السوري.

وأضاف المصدر الذي تحفظ على اسمه لأسباب أمنية، أن بعض الوجهاء كانوا يترددون بين مناطق سيطرة المعارضة والنظام سرًا قبل عام 2018، ومنهم من رفض فكرة سيطرة معارضة النظام على المنطقة، فانتقلوا للعيش بمدينة إزرع التي لم تخرج عن سيطرة النظام أبدًا.

شخصيات المعارضة السورية الرسمية خلال المشاركة في ملتقى القبائل والعشائر في تل أبيض ورأس العين – 6 من نيسان 2021 (عبد الرحمن مصطفى)

مستقبل مرهون بحل سياسي

تعرّض المكون القبلي خلال سنوات الحرب لهزات عنيفة، أفقدته جزءًا أساسيًا من مصادر قوته أبرزها العنصر البشري، إذ خسرت المناطق عددًا من أبنائها نتيجة القتل أو الاعتقال أو التهجير أو الاختفاء القسري، ما أدى إلى تفتت المكون العشائري وتشظيه، وفق دراسة صادرة في شباط 2022، حملت هنوان “عشائر الجزيرة والفرات في سوريا: التحالفات الهشّة من البعث إلى الثورة”، نشرها “المركز العربي للأبحاث”.

وأوضحت الدراسة، أن بيوت المشيخة انقسمت تبعًا للتوجه السياسي الذي فرضته ظروف الحرب.

ورغم المعطيات الحالية، بقي للمكون العشائري ثقله ووزنه الذي يمتاز به تاريخيًا، ما يفسر رغبة أطراف كثيرة، محلية ودولية، في استمالته، نظرًا إلى السلطة التي ما زال يتمتع بها شيوخ العشائر وقدرتهم على التأثير في مجتمعاتهم المحلية، إلا أن هذه المكونات العشائرية تفتقد رؤية سياسية جامعة.

ووفق الدراسة، تؤكد أدبيات النزاع أن الحروب الأهلية والصراعات المسلحة تعزز الهويات الفرعية بسبب غياب الدولة الوطنية الجامعة، لذا يمكن القول إن ما يجب العمل عليه مستقبلًا هو ضرورة وجود عقد اجتماعي متماسك يؤسس لهوية وطنية تستوعب الهويات الفرعية وتتفاعل معها بغرض تهذيبها.

الباحث في شؤون إدارة النزاع، محمود الحسين، قال لعنب بلدي، إن مستقبل العشائر في سوريا يعتمد على شكل التسوية السياسية التي من الممكن أن تحدث مستقبلًا.

ويرى الحسين أن دور العشيرة في الفترة المقبلة سيبقى مؤثرًا في التوازنات المتعلقة بالقوى المحلية.

الباحث في التاريخ الاجتماعي والسياسي مهند الكاطع، قال لعنب بلدي، إنه لا يوجد موقف سياسي ثابت واحد للعشائر السورية، ولا يمكن أخذها ككتلة واحدة.

واعتبر الكاطع أنه لا يمكن رؤية أي مستقبل سياسي للعشائر في سوريا ما لم تنخرط بحراك سياسي حقيقي بعيد عن العصبية العشائرية، فالعصبيات العشائرية أسهمت خلال العشر سنوات الأخيرة بصورة سلبية وزادت من الاحتكاكات الساخنة بين العشائر ونتج عنها في كثير من الأحيان ضحايا.

ووسط هذه المعطيات يتساءل الباحث عن كيفية لعب هذه العشائر أدوارًا سياسية دون أن تقوم بتشكيل تنظيمات توحد جهودها وتدمجها وتستفيد من طاقاتها، بعيدًا عن المصالح الفئوية الضيقة والنعرات العشائرية.

عنب بلدي

————————————–

العلاقة بين العشائر العربية وقسد: الواقع والمستقبل/ أنس شواخ

إنوفمبر 30, 2023

مقدّمة         

تُعتبر معظم المناطق التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية (قسد) شمال وشمال شرق سورية مناطق ذات طابع عشائري، مما فرض على قسد والإدارة الذاتية منذ تأسيسهما التعامل على هذا الأساس والتواصل بشكل رئيسي مع الفاعلين المحليين من شيوخ ووجهاء قبائل وعشائر وَفْق سياسات مختلفة بين الاستثمار أو التحالف أو التفكيك أو تغيير مراكز القوى للقبائل والعشائر بالشكل الذي يضمن مصالحهما واستدامة مشروع حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي.         

أوّلاً: طبيعة العلاقة بين الطرفين         

تحرص قسد بشكل دائم على إظهار تواصُلها الدائم مع وُجهاء وشيوخ قبائل وعشائر المناطق التي تسيطر عليها؛ بعدة طرق أبرزها الاجتماعات؛ حيث تقوم قيادة قسد بعقد لقاء دوري سنوي مع الوُجهاء والشيوخ من مختلف مناطق سيطرة قسد، لكن علاقتها الحقيقية مع هذه القبائل والعشائر تتمّ عَبْر إستراتيجية محددة وتظهر بعدة أشكال هي:         

1. الاستثمار والاستغلال المُتبادَل:         

تستثمر قسد في علاقاتها التي تبنيها مع شيوخ ووُجهاء بعض القبائل الموالين لها عَبْر تقديم امتيازات خاصة لبعضهم كالتدخل في التعيينات الإدارية ضِمن مؤسسات الإدارة الذاتية في مناطقهم، أو عَبْر منحهم فرصة كفالة مجموعات محددة من المدنيين المحتجَزين في مخيم الهول وإخراجهم بناءً على هذه الكفالات، مما يساعدهم في تعزيز حضورهم وتأثيرهم داخل مناطقهم وقبائلهم، أو استغلال هذا الامتياز مادياً عَبْر طلب مبالغ مالية من بعض المدنيين مقابل كفالتهم لدى قسد لإخراجهم من المخيم.         

في المقابل، تحصل قسد والإدارة الذاتية بالمقابل على ولاء الشيوخ والوُجهاء، وتضمن تدخُّلهم لصالحها في حالات الاحتجاجات الشعبية المناهضة لسياسة قسد. كما تستثمر هذه العلاقة إعلامياً عَبْر مشاركة هؤلاء الشيوخ في البيانات والتصريحات الإعلامية الداعمة لسياسة قسد وحتى حزب العمال الكردستاني، وغالباً ما يكون لدى قسد والإدارة الذاتية مجموعة ثابتة من الشيوخ والوُجهاء الموالين لها في كل منطقة تُقدّم لهم الامتيازات المذكورة إضافة لمبالغ مالية شهرية ثابتة في بعض الأحيان.         

2. التحالُف:         

أخذت علاقة قسد والإدارة الذاتية مع قبائل وعشائر معينة -في بعض الحالات- شكل التحالُف القائم على التنسيق والدعم المنتظم والمستمر منذ التأسيس. والمثال الأبرز على ذلك، علاقة قسد والإدارة الذاتية بقبيلة شمّر؛ إذ تُعتبر “قوات الصناديد” إحدى المكونات الرئيسية لقسد منذ تأسيسها وشاركت قبلها في المعارك ضدّ تنظيم داعش، وكان شيخ القبيلة حميدي الجربا حاكماً مشتركاً لإقليم الجزيرة (الحسكة) التابعة للإدارة الذاتية حتى وفاته في تشرين الثاني/ نوفمبر 2022. ويبدو أنّ هذا الشكل من العلاقة ناتج عن تماسُك مشيخة القبيلة وامتلاكها مناطق انتشار شِبه صافية في المناطق القريبة من الحدود العراقية السورية في تل حميس وتل كوجر، عدا مشاركتها السياسية المبكرة في النزاع المستمر في سورية ووجود قوة عسكرية تابعة للقبيلة منذ عام 2013 قبل تأسيس قسد. مع ذلك قامت قسد والإدارة الذاتية بعدة خُطوات حاولت خلالها تقسيم القبيلة وتوزيع مراكز القوة فيها بدعم تأسيس قوى عسكرية وأحزاب سياسية ضِمن القبيلة -كفصيل حماة الجزيرة وحزب البناء والتطوير السوري- لمنافسة نظيراتها التابعة لمشيخة القبيلة التاريخية المتمثلة بآل الجربا.         

3. التفكيك وتغيير مراكز القوة داخل القبيلة:         

هناك الكثير من القبائل والعشائر العربية التي لم تتحالف قسد أو الإدارة الذاتية معها، لكنها عملت على تأسيس علاقة استثمار وتبادُل مصالح مع بعض شيوخها أو وُجهائها بالتوازي مع العمل على تفكيك هذه القبائل وإعادة توزيع مراكز القوة فيها. تلجأ قسد غالباً إلى هذا الخيار للتعامُل مع القبائل والعشائر الكبيرة التي لا تؤيد مشروع الإدارة الذاتية أو تدعمه بالشكل المطلوب الذي ترغب به قسد التي لا تستطيع الدخول في مواجهة مباشرة مع هذه القبائل أو العشائر.         

على سبيل المثال، في حالة قبيلة العكيدات كانت قسد تدعم قائد مجلس دير الزور العسكري أحمد الخبيل واعتبرته ممثلها الأول في دير الزور -رغم الانتهاكات التي كان متورِّطاً بها- لكن قسد بذات الوقت كانت ترى فيه مركزَ قوةٍ ناشئاً يساعدها في تقويض وتفكيك إحدى أكبر قبائل دير الزور وهي قبيلة العكيدات، خاصةً أنّه كان أحد أبناء القبيلة وتمرد على المشيخة التاريخية للقبيلة المتمثلة بآل الهفل عَبْر محاولة احتكار قرار القبيلة وإعلانه عن تأسيس “إمارة زبيد” التي تتجاوز مشيخة آل الهفل وتسعى لتحييدها.         

تمكنت قسد عَبْر هذا التكتيك من إضعاف قدرة التأثير والتماسُك في قبيلة العكيدات في المرحلة الأولى ولاحقاً حجّمت قدرة أحمد الخبيل وعزلته عن منصبه في قيادة مجلس دير الزور العسكري وواجهت أيضاً مشيخة القبيلة المتمثلة بآل الهفل حيث ما يزال شيخ القبيلة إبراهيم الهفل يُعتبر مطلوباً أمنياً لدى قسد التي تعمل في هذه المرحلة على تقسيم القبيلة بعيداً عن مراكز القوة المذكورة سابقاً، عَبْر تأسيس 3 مجالس عسكرية مستقلة جديدة في مناطق سيطرتها في دير الزور، مما سيثبت حالة التقسيم داخل قبيلة العكيدات وعموم القوى القبائلية والعشائرية الأخرى في دير الزور.         

أحياناً تعمل قسد أو الإدارة الذاتية أو القوى الداعمة لها على إحداث تغيير قسري داخل هيكلية قيادة أو مشيخة بعض القبائل أو العشائر، خاصةً تلك التي تكون ذات ثقل شعبي وغير موالية لمشروع الإدارة الذاتية، ويتم ذلك إما عَبْر دعم شخصيات ثانوية داخل تلك القبائل أو عَبْر التصفية كعمليتَيْ الاغتيال اللتين طالتَا كلّاً من الشيخ بشير الهويدي شيخ قبيلة العفادلة والشيخ عبيد الحسان شيخ عشيرة البوعساف في محافظة الرقة عامَيْ 2019 و2022 وتم اتهام قسد بالوقوف خلفهما، خاصةً أنه كان يُعرف عن كِلا الشخصين انتقادهما العلني والدائم لسياسات قسد والإدارة الذاتية، وأعقب هذه العمليات خلق قيادات جديدة أضعف وأكثر قابلية للتحكُّم بها.         

ثانياً: تحدِّيات تُواجِه العلاقة بين الطرفين         

يمكن اعتبار الارتباط العضوي بين قسد والإدارة الذاتية من جهة وحزب العمال الكردستاني وحزب الاتحاد الديمقراطي PYD من جهة أخرى أحد أهم العوائق والتحديات التي تواجه استقرار وتحسُّن العلاقة بين قسد أو الإدارة الذاتية مع القبائل والعشائر العربية.         

فسياسياً يقوم كِلا الحزبين باحتكار السلطة ورفض مشاركتها مع الأحزاب أو القوى الأخرى سواءً كانت سياسية كأحزاب المجلس الوطني الكردي أم اجتماعية كالعشائر والقبائل العربية التي تمثّل المنافس السياسي الأقوى في المجتمع المحلي ذي الطبيعة العشائرية عموماً.         

كذلك ولكون كِلا الحزبين يساريين فإن موقفهما سلبي عموماً من الكيانات القبلية والعشائرية العربية والكردية -على حدّ سواء- ويتعاملان معها كأشكال اجتماعية رجعية يلزم العمل على تفكيكها وتقويضها تدريجياً، كما أن الأثر الأيديولوجي المسيطر لهذين الحزبين على بعض المؤسسات التابعة للإدارة الذاتية والقوانين التي تفرضها يتعارض بشكل كبير مع طبيعة وعادات وقِيَم المجتمع العشائري المحافظة غالباً كقانون منع تعدُّد الزوجات الذي تحاول مؤسسات تتبع وحدات حماية المرأة YPJ تطبيقه في كل مناطق سيطرة قسد رغم تعارُضه مع القِيَم الاجتماعية والدينية للمجتمعات العربية والكردية، إضافة للمؤسسات التي تعمل على تجنيد النساء أو إخضاعهن لعمليات أدلجة لصالح أفكار الحزبين. هذا التحدي على وجه الخصوص كان أحد الأسباب الرئيسية لموجات احتجاج مناهضة لسياسة قسد والإدارة الذاتية في مناطق سيطرتها لا سيما دير الزور.         

ثالثاً: مستقبل العلاقة بين الطرفين         

مرّت العلاقة بين قسد والإدارة الذاتية من جهة والقبائل والعشائر العربية من جهة أخرى بعدة محطات غلب عليها حالة عدم الاستقرار، التي تُلاحَظ من موجات الاحتجاج المتكرر والمستمرة ورفض السكان لسياسات المشروع وعناصره خاصةً في مناطق دير الزور ومنبج.         

يمكن اعتبار الحراك العشائري الذي اندلع في آب/ أغسطس 2023، وتحوّل لنزاع مسلح بين مقاتلين عشائريين وقسد في دير الزور إحدى أهمّ محطّات العلاقة بين الطرفين؛ حيث كان النزاع انعكاساً لحقيقة تلك العلاقة؛ كونه أظهر بشكل واضح تخوُّف قسد من القبائل والعشائر العربية واختيارها بالمحصلة المواجهة العسكرية والأمنية مع القوى العشائرية واتهامها بالارتباط بتنظيم داعش تارةً وبالنظام السوري والميليشيات الإيرانية تارةً أخرى.         

تُشير مختلف المعطيات لاستمرار طبيعة العلاقة بين الطرفين وَفْق الواقع القائم على تبادُل المصالح مع شخصيات شكلية غير فاعلة ضِمن القبائل والعشائر العربية مقابل منحها مكاسب وامتيازات شخصية محدودة، بالتوازي مع عمل مستمر من قِبل قسد والإدارة الذاتية لتفكيك وتقويض قدرة معظم الشخصيات والكتل العشائرية الفاعلة وغير الموالية لمشروع قسد والإدارة الذاتية. هذا المآل في العلاقة قد يؤدي لزيادة في حالة عدم الاستقرار على مختلف الأصعدة داخل مناطق سيطرة قسد.         

لكنّ استمرار العلاقة بشكلها الراهن بين الطرفين يرتبط بشكل كبير بنتائج الحراك العشائري في دير الزور الذي -إنْ نجح في تحقيق مطالبه- قد يكون نموذجاً يشجّع قوى قبلية وعشائرية أخرى لتطبيقه في بقية مناطق سيطرة قسد خاصة ذات الطبيعة العشائرية المشابهة.         

في جميع الأحوال -في ظل عدم وجود مؤسسات مجتمع مدني حقيقية أو قوى وأحزاب سياسية ومؤسسات معارضة أو شريكة في مشروع الإدارة الذاتية- تبقى القبائل والعشائر العربية الطرف شِبه الوحيد لأي معارضة أو شراكة حقيقية في إدارة معظم المناطق التي تسيطر عليها قسد -حالياً- في حال تمكُّنها من التوافُق وصياغة برنامج عمل سياسي موحَّد يتيح لها المشاركة الفعالة في إدارة مناطقها وإلّا فإنّ نشاطها ودورها سيبقى محدوداً وغير منتظم يتمثّل في أحسن الأحوال باحتجاجات شعبية متفرقة ذات مطالب محدودة.         

خُلاصة         

خلّفت سنوات النزاع السوري المستمر آثاراً سلبية على القبائل والعشائر العربية وهياكلها القيادية التقليدية؛ نتيجة الاستقطاب الداخلي في صفوف أبنائها أو دخولها في مُواجَهات متفرقة مع عدد من السلطات المحلية الناشئة أو سلطة النظام السوري. مع ذلك يُلاحَظ تنامي الحالة القبلية والعشائرية؛ نتيجة زيادة حاجة أبناء تلك القبائل إلى سلطة أو قوة بديلة لتعويض غياب السلطة المركزية والاستقرار الأمني والسياسي.         

ورغم أهمية احتواء أو ضمان مشاركة القوى القبيلة والعشائرية إلّا أنّ معظمها فضلاً عن سلطات الأمر الواقع التي نشأت خلال النزاع، وعلى رأسها قسد والإدارة الذاتية لم تنجح -إلى الآن- في إيجاد صيغة صحيحة لطبيعة علاقتها مع القوى القَبَلِيّة والعشائرية الموجودة في مناطق سيطرتها، وهي ما تزال تنظر -على ما يبدو- لتلك القوى كعدوّ أو منافس محتمل تعمل على تهميشه ومحاولة تفكيكه أو تقويضه على الأقل دون البحث عن خلق فرص شراكة حقيقية معها، مما خلق حالة من انعدام الثقة بين الطرفين ظهرت في حالاتٍ عِدّةٍ على شكل احتجاجات أو مظاهرات تطوّرت أحياناً لمواجهات مسلحة متبادَلة.         

لقراءة التقرير كاملاً بصيغة PDF يمكنكم تحميل النسخة الإلكترونية: ( اضغط هنا )

موقع جسور                      

——————————-

الدروز والبدو جنوب سوريا… تاريخ العداء وجولاته/ صبحي فرنجية

محاولات لا تتوقف لتفتيت البنية الاجتماعية

آخر تحديث 19 يوليو 2025

احتدام الصراع بين بعض فصائل السويداء والبدو في المحافظة، الذي بلغ ذروته خلال منتصف شهر يوليو/تموز الجاري، بالتزامن مع التدخل الإسرائيلي في سوريا واستهدافه العاصمة السورية والجيش والأمن الداخلي بحجة حماية الدروز في سوريا، كان سببا في انفجار توتر أكبر على مستوى سوريا.

هبت العشائر العربية لدعم البدو في مواجهة “المجلس العسكري”، إحدى الفصائل المسلحة الدرزية، وسط مؤشرات بامتداد الصراع وخروجه عن السيطرة والإطار الجغرافي في السويداء، ومخاوف من تحوله إلى صراع بطابع طائفي وعشائري.

هذا التطور أثار مخاوف دول إقليمية من ارتداداته على أراضيها التي تحتضن هي الأخرى عشائر عربية ومكونات درزية، ما عجل بالدعم والضغط الدولي لإنهاء الخلاف وتفعيل جهود الوساطة لتحقيق اتفاق بين الدولة السورية وإسرائيل على وقف إطلاق النار تمهيدا لضبط الأمن في الجنوب السوري الذي شهد وصول عشرات آلاف المقاتلين المدججين بسلاحهم. وأعلنت الرئاسة السورية وقفا فوريا وشاملا لإطلاق النار في محافظة السويداء. وقال الرئيس السوري أحمد الشرع إن “الدولة السورية تمكنت من تهدئة الأوضاع رغم صعوبة الوضع لكن التدخل الإسرائيلي دفع البلاد إلى مرحلة خطيرة تهدد استقرارها نتيجة القصف السافر للجنوب ولمؤسسات الحكومة في دمشق. وعلى أثر هذه الأحداث تدخلت الوساطات الأميركية والعربية بمحاولة للوصول إلى تهدئة الأوضاع”.

وأضاف الشرع قائلا: “مع خروج الدولة من بعض المناطق بدأت مجموعات مسلحة من السويداء بشن هجمات انتقامية ضد البدو وعائلاتهم، هذه الهجمات الانتقامية التي ترافقت مع انتهاكات لحقوق الإنسان دفعت باقي العشائر إلى التوافد لفك الحصار عن البدو داخل السويداء”.

مجلس الأمن عقد اجتماعا ناقش فيه التطورات الأمنية في سوريا، ودعوات عربية ودولية لوقف القتال فورا ودعم الدولة السورية في جهود ضبط الأمن في المنطقة، ووقف الهجمات الإسرائيلية التي باتت تُعقد المشهد السوري وجهود دعم الاستقرار في البلاد، وتُعمق حالة الفوضى التي يُغذيها انتشار وانفلات السلاح بيد السوريين.

كما صدر بيان عن وزراء خارجية السعودية والأردن والإمارات والبحرين وتركيا والعراق وعُمان وقطر والكويت ولبنان ومصر، يوم 17 يوليو/تموز الجاري أكدوا فيه أن الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على سوريا هي خرق فاضح للقانون الدولي، واعتداء سافر على سيادتها، واعتبروا أنها تزعزع أمن سوريا واستقرارها ووحدة وسلامة أراضيها ومواطنيها، وتقوض جهود الحكومة لبناء سوريا الجديدة بما يحقق تطلعات وخيارات شعبها.

علاقة تاريخية معقدة

محافظة السويداء يسكنها خليط من السوريين، من دروز، وسنة فيهم البدو، ومسيحيين، فالدروز يتوزعون بشكل رئيس في القنيطرة ومدينة السويداء وبعض القرى التابعة للسويداء، والبدو يتوزعون في أحياء مثل المقوس، المشورب، الحروبي، ورجم الزيتون، إضافة إلى الدياثة والشقراوية، وفي مدينة شهبا وقرى الأصلحة والرحا والكفر وعريقة والمزرعة وولغا وقم والخرسا، كما ينتشرون في مناطق أخرى، وفي بعض الأحيان يكون انتشارهم على شكل رعي الأغنام. وينتشرون في بادية الشام المفتوحة على البادية ومناطق اللجاة. في حين يتوزع المسيحيون بشكل رئيس في مدينة السويداء وشهبا وبلدات مثل القريا وأم الرمان وخربا وغيرها.

يعود الخلاف بين الدروز والبدو في محافظة السويداء إلى عقود من الزمن، وذلك مع بدء هجرة الدروز من لبنان إلى سوريا واتخاذهم منطقة جبل العرب كموطن لهم في القرن الثامن عشر، المنطقة هذه كان يتخذها البدو كمراعٍ لهم وأماكن انتشار جغرافي، ومع مرور الوقت وبدء الدروز العمل بالزراعة بدأت تظهر خلافات بين الطرفين حول الرعي وأحقية استخدام الأراضي والاستفادة منها، خلافات تزايدت وتناقصت خلال عشرات السنوات، وسط محاولات كثيرة بين عقلاء المكونين حل الخلاف، حتى إن البعض بينهم دخل بشراكات اقتصادية في سبيل تقوية العلاقة وتحقيق مصالح مشتركة.

الخلافات أخذت طابع الهدوء مع الثورة السورية الكبرى، حيث وقف الطرفان صفا لصف، وقاتلوا معا، فاتسمت السنوات الطوال بعد الثورة السورية الكبرى بأنها سنوات سلم تخللتها خلافات تتدخل الفعاليات العشائرية والدينية لحلها. إلا أن حقبة حافظ الأسد أخذت منحى أكثر عنفا بين الطرفين، وذلك في رغبة من حافظ الأسد حينها إشعار أهالي السويداء الدروز بالتهديد من البدو وتصدير نفسه كحامٍ لهم، في الوقت الذي كان نظامه يدير تحركات بعض المحسوبين عليه من البدو ضد الدروز في السويداء. والعكس صحيح أيضا، فحافظ الأسد عمل على دعم البدو وتصوير نفسه لهم بأنه هو معهم ويدعمهم، فكانت أجهزة الأمن السورية تخلق المشكلة وتتدخل لحلها.

ومع استلام بشار الأسد الحكم عام 2000 اندلعت إحدى أكبر الإشكالات بين الدروز والبدو والتي روج لها نظام بشار الأسد حينها باسم “أحداث البدو”، وبحسب ما ذكرت كثير من الدراسات والأهالي فإن الإشكالية بدأت عندما وجد الأهالي في السويداء حمارا نافقا في إحدى مقابر السويداء وبعض المضايقات بحقهم من قبل ضباط وعناصر يتبعون للنظام من البدو، ما خلق حالة من الفوضى بين الطرفين تحولت إلى اشتباكات مسلحة، ولأن البدو حينها كانت لهم السلطة العليا من ناحية حيازة السلاح، اضطر الأهالي في السويداء إلى طلب الحماية من النظام حينها، وكادت أن تسبب المظاهرات في السويداء حالة من التمرد ضد النظام، فتدخل حينها وضبط الوضع، وبفعل ذلك تمكن النظام من تعزيز وجوده الأمني والعسكري أكثر وأكثر داخل السويداء، وبدأ باستغلال ورقة حمايتهم من البدو كعامل لضمان هدوئهم وانحيازهم له. وكانت أجهزة النظام الأمنية تستخدم ضباطا من الطرفين في خدمة تأجيج الخلافات وحالات الخطف بين الطرفين، ويتدخل عبر آخرين يتبعون له لحل الخلافات، لتبقى حالة الاستعداد والتوتر موجودة في صفوف البدو والدروز الذين جمعتهم ذات الأرض لعقود طوال.

ومنذ عام 2000 حتى بداية الثورة السورية عام 2011، شهدت العلاقات بين الطرفين توترات واستفزازات وتدخل الوجهاء وأطرف من النظام لحل الإشكال، وكل ذلك يتم بإدارة من قبل أجهزة الأمن السورية. مع اندلاع الثورة السورية وبداية الاشتباكات بين المعارضة السورية والنظام، بدأت الأطراف جميعها تتسلح وتتجهز، ومن بين هذه الأطراف البدو والدروز الذين بذلوا جهودا كبيرة في عمليات التسليح، حتى إن بعض الشخصيات من الطرفين امتهن تجارة السلاح وتهريبه.

البدو انقسموا في توجهاتهم، منهم من وقف على الحياد، والبعض انضم للجيش السوري الحر، وآخرون ذهبوا باتجاه الانضمام لتنظيم “داعش” إضافة إلى مجموعات عملت مع النظام وأفرعه. السويداء حاولت البقاء على الحياد، إلا أن النظام السوري عمل مرات عديدة على زج السويداء في الصراع، بحجة ضرورة حماية أنفسهم من البدو، وبدأ بخلق جماعات مسلحة عديدة داخل السويداء أبرزها الدفاع الوطني والأمن العسكري الذي لعب دورا في تمويل وإنشاء عصابات وجماعات مثل مجموعة درع الشرق ويوسف الباشا وأسياج الجبل وغيرها، كما لعبت قوى أخرى للنظام في خلق مجموعات لها، ففرع أمن الدولة كانت “مجموعة جهاد الجربوع” تتبع له، والمخابرات الجوية تبعت لها “قوات الحق” وعصابات أخرى.

مع اشتداد حالة الصراع بين النظام والمعارضة، دخل “حزب الله” اللبناني على خط تجنيد أفراد له في صفوف البدو والدروز ودعم مجموعات لخدمة أجنداته والعمل في التهريب، ومن بين هذه المجموعات “مجموعة أيمن زهر الدين” و”المقاومة الشعبية”، و”مجموعة عماد شروف”، وغيرها. إضافة إلى التعاون مع عصابات من البدو لخدمته أو التعامل معه في ملفات التهريب.

وفي مواجهة تحركات النظام، وسعيه لتعميق الهوة بين الدروز ومحيطهم البدوي والعشائري، نشأت في السويداء حركة “رجال الكرامة” بقيادة وحيد البلعوس التي وقفت في وجه عمليات التجنيد وإلزام الشباب في السويداء بخدمة العلم، إضافة إلى هدف حماية السويداء من أي تهديد يواجهها، ومع مرور الوقت ونتيجة خلافات داخل حركة “رجال الكرامة” نشأت عنها حركة أخرى تحت اسم “شيخ الكرامة” بقيادة ليث وفهد البلعوس وتحمل ذات الأهداف. ومع بدء انتفاضة السويداء في 2020-2021، ظهرت أيضا جماعة جديدة هي تجمع “أحرار الجبل” بقيادة سلمان عبد الباقي، جميع هذه المجموعات لعبت دورا في الحد من التدخلات بين أبناء المحافظة، وحاولت حل النزاعات بين صفوفهم بالتعاون مع فعاليات من البدو.

صراع القوى على كسب السويداء.. بذريعة البدو

شكل عام 2018 عاما فاصلا في الجنوب السوري، حيث تم التوصل إلى اتفاق بين النظام السوري بدعم ورعاية روسية وبين فصائل المعارضة السورية في الجنوب، ما أطلق عليه حينها اتفاق التسوية الذي بموجبه خرج من الجنوب السوري كل من يرفض التسوية، في حين بقي من رفض الخروج أو قبل بالتسوية، الاتفاق الذي تم التوصل إليه وسط قبول أميركي حينها كان يشترط أن تضمن من خلاله روسيا عدم وجود نفوذ إيراني في الجنوب يهدد أمن إسرائيل.

هذا الشرط خلق حالة من الصراع بين القوى الرئيسة الداعمة للنظام (روسيا/إيران)، وبدأ كل طرف منهما محاولات لتعزيز نفوذه من خلال كسب تأييد المكونات المختلفة في الجنوب، في الوقت نفسه كان يحاول النظام أيضا تثبيت أقدامه كلاعب ثالث في المنطقة، هذا الصراع كان أحد جوانبه محاولات حثيثة من قبل الأطراف الثلاثة الحصول على دعم من الفعاليات في درعا، البدو، الدروز. ونتيجة تضارب الأهداف لدى القوى الثلاث تضاربت معها ديناميكيات التعايش بين البدو والدروز في السويداء. فالميليشيات الإيرانية بدأت محاولات تجنيد في درعا لتأمين بقاء نفوذها في الجبهة الجنوبية المقابلة للجانب الإسرائيلي كورقة قوة، كما عملت على تجنيد شباب من البدو للعمل معها في عمليات التهريب، وفي الوقت نفسه سعت إلى تشكيل عصابات وميليشيات في السويداء تعمل معها وتحاول إقناعها أن الغاية من دعمها حمايتهم من البدو.

روسيا أيضا عملت على استقطاب الشباب في السويداء للانضمام في الفيلق الخامس، وعملت جاهدة على فتح قنوات تواصل وتنسيق مع حركة “رجال الكرامة” بحجة أنها تسعى للسلم الأهلي والحفاظ على أمن المحافظة، كما عملت في نفس الوقت على زرع الخوف في نفوس الأهالي في السويداء عبر الصمت عن هجمات نفذتها قوى من الفيلق الخامس وبعض البدو على قرى درزية في السويداء، وصمتت أيضا عن رد الجماعات في السويداء على تلك الهجمات.

أما النظام وعبر أجهزته الأمنية فقد عمد إلى تعزيز الخلاف بين البدو والدروز، ودفع لإنشاء ودعم عصابات بين الطرفين تعمل في التهريب والابتزاز، فكانت ذراعه في خلخلة توازنات القوى، وعرقلة جهود كل من روسيا وإيران للتفرد بالجنوب، يُضاف لها الاستفادة من هذه العصابات في عمليات إنتاج وتهريب المخدرات، وخصوصا الفرقة الرابعة وأذرعها في المنطقة.

وفي العام نفسه أيضا، حصلت أقوى هجمات “داعش” ضد الدروز في السويداء والتي راح ضحيتها أكثر من 250 قتيلا من السويداء، هجوم “داعش” الذي حصل يوم 25 يوليو/تموز من عام 2018، وذلك عبر قيام انتحاريين بتفجير أنفسهم في مدينة السويداء وبعض القرى، وليدخل بعدها عناصر التنظيم ويقتلوا المدنيين والمقاتلين في السويداء. هجوم “داعش” استغلته القوى الثلاث، خصوصا مع وجود مزاج لدى بعض الجماعات المسلحة في السويداء متحضر لاتهام البدو بتسهيل عملية وصول “داعش” إلى المنطقة ومشاركتها معها. حلفاء النظام التقطوا ذلك المزاج وحاولوا تعزيزه في خطوات منفردة لكسب ود الأهالي والفصائل في السويداء بحجة مساعدتهم أمام خطر البدو.

وفي عام 2019، عرض النظام السوري على عشائر من البدو مساعدتهم وتسهيل عودتهم إلى قراهم في منطقة الأصفر، مقابل مساعدته والعمل معه سواء في عملياته العسكرية أو عمليات تهريب المخدرات، إلا أن غالبية تلك العشائر رفضت العرض مؤكدة أن عودتهم إلى قراهم في تلك الفترة خطر على السلم الأهلي وعلى عائلاتهم وسط حالة التجييش التي تعيشها المنطقة بين البدو والدروز.

كما برزت تداعيات صراع إيراني-روسي لكسب تأييد السويداء في علاقة البدو والدروز، والتي شهدت توترا عاليا وسط محاولات الأمن العسكري تجنيد عشائر البدو وتقليبهم على الدروز وتشجيعهم على الانضمام إلى الميليشيات المدعومة من إيران، في الوقت الذي تحاول فيه تلك الميلشيات نفسها تجنيد خلايا تتبع لها في السويداء بحجة حمايتهم من البدو.

عوامل وصراعات محمومة للقوى منذ عام 2018 حتى لحظة سقوط النظام عمقت الخلافات بين الدروز والبدو، وأصبحت العصابات والمجموعات التي تتبع لتلك القوى تقف عقبة في وجه كل جهود شيوخ العقل وشيوخ العشائر وأصحاب الرأي بين الطرفين لتخفيف حدة الخلاف، وارتفعت وتيرة الخطف والاغتيالات بين الطرفين بشكل متزايد خلال السنوات اللاحقة.

ومع سقوط النظام، استمرت حالة التوتر بين الطرفين عبر حالات الخطف المتبادل، وعلى الرغم من كل جهود التهدئة التي قامت بها الدولة السورية الجديدة بمساعدة مشايخ العقل وبعض القوى العسكرية في السويداء، وشخصيات عشائرية من البدو، فإن حالة التوتر وصلت حالة انفجار كبير  مطلع شهر يوليو/تموز الجاري، باشتباكات بين “المجلس العسكري” الذي تم تأسيسه بعد سقوط الأسد، وبين عشائر البدو. وعند محاولة الدولة السورية التقدم لحل الخلاف وفرض الأمن، تدخل الجانب الإسرائيلي وقصف مراكز عسكرية وقيادية تتبع للدولة السورية من بينها مبنى هيئة الأركان السورية والقصر الرئاسي في دمشق، ما عقد المشهد كثيرا وخلق حالة من التوتر والغضب بين الأطراف. وخلقت الهجمات الإسرائيلية حالة من الفوضى العامة مع إعلان الدولة السورية سحب قواتها من الجنوب لمنع دخول سوريا “حربا مفتوحة” مع إسرائيل، وقيام مسلحين من “المجلس العسكري” في اليوم التالي بهجمات على قرى البدو في ريف السويداء. وهي هجمات أججت الصراع وتسببت في حالة نفير عام لدى العشائر في سوريا لدعم البدو في مواجهة قوات “المجلس العسكري” في السويداء، وتوتر هدد الأمن الإقليمي بالانفجار نتيجة جو مشحون جدا تعيشه مكونات الدروز في كل من لبنان وإسرائيل، والعشائر العربية في الدول الإقليمية.

مستقبل الصراع

عقود من الخلافات بين البدو والدروز في السويداء لم تكن ببعد طائفي، فهي بدأت كخلاف اقتصادي محلي، ليصبح ذلك الخلاف عاملا استغلته القوى المتعاقبة على المنطقة، وذلك في خطوة منها للسيطرة على الجنوب السوري من خلال تفتيت البنية العشائرية والعائلية فيه، والعمل مع تلك البنيات بشكل منفرد، تخلق بينها خلافات حينا، وتتدخل لحل تلك الخلافات حينا آخر، لتبقى السويداء عبر عقود من الزمن متوترة، تحاول التعايش فيما بينها، وسط جهود حثيثة من قبل العُقلاء فيها لرأب الصدع الذي لم تتوقف عقود الأسد وخلفاؤه  عن استغلاله وتعميقه لتحقيق لمصالحها.

ومما لا شك فيه أن الاقتتال الأخير بين البدو وبعض فصائل السويداء سيكون له أثر كبير على البنية الاجتماعية والأهلية في المنطقة، خصوصا مع سقوط عشرات القتلى والجرحى بين الطرفين، وتأزيم حالة السلم الأهلي باتهامات متبادلة بين الطرفين بارتكاب جرائم بحق بعضهم البعض، يُضاف إليها شعور لدى كثير من أهالي المنطقة من البدو وبعض المدنيين في مناطق أخرى من سوريا بأن “المجلس العسكري” في السويداء كان سببا في تدخل الإسرائيلي وقصفه للعاصمة دمشق وأرتال من الأمن العام والجيش السوري.

تقف الدولة السورية والسوريون اليوم أمام أحد أبرز الامتحانات على مستوى ترميم الشرخ ورأب الخلاف بين بعض مكونات السويداء ومكونات من البدو، وتخفيف حالة الاحتقان الحاصلة بين السوريين بشكل عام خصوصا مع سقوط قتلى وجرحى نتيجة الاشتباكات الدامية بين الأطراف على مدار أيام، وحملات التجييش بين الطرفين والتي تُغذيها أطراف داخلية وخارجية ليس من مصلحتها استقرار سوريا.

وهي جهود جماعية تتطلب ضمان تفعيل دور الدولة في المحافظة، ودعم جهودها في ضبط السلاح وإجراء التحقيقات اللازمة لمحاسبة المتورطين بقتل المدنيين على اختلاف توجهاتهم الدينية والاجتماعية، تفعيل وتقوية صوت العقل والفعاليات المدنية والدينية والعشائرية الداعمة للسلم الأهلي، وتمكين جهود المجتمع المدني وبرامج السلم الأهلي وفض النزاعات. وذلك في محاولة لاحتواء الصراع الحالي، وقطع الطريق على كل الأطراف الداخلية والخارجية الساعية لتجديد وتعميق الخلاف الذي يهدد سوريا والإقليم على حد سواء، وضبط تداعيات الاشتباكات الأخيرة وتداعيات التاريخ الطويل من التوتر بين مكونات المحافظة في المستقبل الآمن والمزدهر الذي يسعى السوريون جميعا لتحقيقه.

المجلة

——————————-

العشيرة بوصفها غدنا/ أرنست خوري

23 يوليو 2025

كثيرة الملاحظات التي يجدر أن تعلق في ذاكرة من تابع ولا يزال فصول حرب السويداء، المقتلة الطائفية الثالثة في عهد ما بعد سقوط نظام الأسد في ثمانية أشهر. إحدى تلك الملاحظات وربما أكثرها إثارة ليأس مديد، مدى انعدام حساسية شعوب تلك المنطقة، وسورية في قلبها، إزاء القتل حين لا يطاول طائفة المعني أو عشيرته أو عائلته، جرياً على تقليدٍ عريقٍ بالحكم على الجريمة بناءً على مذهب المجرم والضحية. انعدام الحساسية يقابله منسوبٌ فائق منها عندما يتعلق الأمر بالكلام أو المواقف التي غالباً ما تصدر بعد جريان نهر الدم. وكالعادة، تُنسي ردّة الفعل الفعل نفسه، فيتم القفز على المجزرة التي افتتحها مسلحو جيش العشائر، وتابعتها قوات حكومية بدت حليفة لمقاتلي البدو، ويمسي حكمت الهجري ومواقفه وطلبه الحماية من أي قوة ولو كانت إسرائيل، مثلما سبق لبعض من حاربوا نظام الأسد أن طلبوها سنوات، هو الخطيئة الأصلية، لا المجزرة نفسها. ولئن جمع تقدير موقف المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات نشره يوم السبت الماضي أهم ما يمكن قوله عن العامل الإسرائيلي في هذا السياق، أمكن الانتقال إلى تفنيد أوجه محلية الصنع من المجزرة التي أودت بحسب حصيلة أولية للشبكة السورية لحقوق الإنسان إلى قتل ما لا يقل عن 558 شخصاً (الشبكة لا تحتسب المسلحين القتلى خلال الاشتباكات في إحصاءاتها)، وإصابة أكثر من 783 آخرين، بينما العدد يراوح حول الـ1265 قتيلاً (505 مقاتلين و298 مدنياً من الدروز، بينهم 194 أُعدموا ميدانياً برصاص عناصر من وزارتي الدفاع والداخلية، و408 من عناصر وزارة الدفاع وجهاز الأمن العام، إضافة إلى 35 من أبناء العشائر، ثلاثة منهم مدنيون أعدموا ميدانياً على يد مسلحين دروز) بحسب حصيلة للمرصد السوري لحقوق الإنسان، وكلتا الحصيلتين صادرتان أول من أمس الاثنين.

وانعدام الحساسية تجاه القتل مولود من تزاوج الطائفية والوضاعة الأخلاقية وغياب الرابطة الوطنية عند المصاب بهذا الوباء الذي ينزل بحامله إلى مستوى دون إنساني. والحال أنّ أطناناً مما كُتب وقيل دفاعاً عن مهرجان القتل الذي افتتحه مسلحو العشائر في 13 يوليو/ تموز الحالي، لا يختلف بشيء عن تبريرات الأسديين مجازرهم، وقد كان وقعها النفسي عند ذوي الضحايا بمنزلة الجريمة إياها، وهو الشعور نفسه الذي ينتاب أهالي القتلى والضحايا في السويداء اليوم، ممن يشكّلون 3% فقط من سكان سورية، وهو ما يضاعف شعور المظلومية لديهم. وبما أنّ الكلام انفلت من عقاله، وجب التذكير بما لاحظه بعضٌ ممن لا يُعرف عنهم أي إصابة بالوباء الطائفي، بأنّ الحصيلة المذكورة أعلاه من القتلى الدروز بوصفهم كذلك، قد تجعلها المقتلة الكبرى التي لحقت بهذه الجماعة على امتداد تاريخها الطويل في المنطقة بين سورية ولبنان وفلسطين. وللبيبٍ أن يتوقّع حجم الأثر النفسي ــ السياسي ــ الاجتماعي لهذا الواقع في أوساط جماعة طائفية متماسكة، ومرشّحة، كبقية الجماعات الطائفية في ظروف مماثلة، لسلوك دروب انتحارية في بلد ليس مهدداً بحروب أهلية، بل إنه غارق فيها.

من الاكتشافات التي ليتنا لم نكتشفها في أسبوع الدم المساحة التي تشغلها العشائر في المجتمع السوري، والأسوأ الموقع الذي تحتله في السلطة السورية الحالية، إذ بدا عشرات آلاف المسلحين الهاجمين من كل أنحاء سورية على السويداء، عابرين بسلام حواجز الحكومة، بمثابة قوتها الضاربة وقد أغدقت عليهم أسمى صفات البطولة، مثلما فعلت عندما هنّأت “الغيورين على دينهم” ممن شنّعوا في جرمانا وصحنايا في إبريل/ نيسان الماضي بعد تسريب صوتي قيل إنه لرجل دين درزي مسيء للنبي محمّد، وتبين لاحقاً أنه مفبرك. في هذا السياق، كان لا بد للزميل محمد السلوم أن يذكّرنا، في منشور مطوّل نشره على حسابه في موقع إكس، بشيء من إرث مسلحي عشائر البدو في ارتكاب مهام قذرة لعهدي حافظ وبشار الأسد خصوصاً لضرب الحراك الثوري بعد 2011. هؤلاء العشائريون المتحالفون اليوم مع سلطة منبثقة من السلفية الجهادية، وكأنهم يرسمون ملامح الدولة السورية، على هيئة قتل وتعفيش وحرق وتوحش قبائل منبعثة من عصر خِلنا أنه مضى غير مأسوف عليه. ويبدو هروب مدنيي بدو السويداء من المحافظة التي يعيش فيها أجدادهم منذ القرن الثامن عشر مثلما يخبرنا الباحث مازن عزي، ابن السويداء في موقع درج، متّسقاً مع شكل الدولة الجديدة، وفيها لا مكان لتنوّعٍ كانت السويداء من رموزه، مع سكانها الـ35 ألفاً من عشائر البدو و50 ألفاً من المسيحيين إلى جانب 600 ألف من الدروز.

معيار التحضّر يُقاس بمدى الابتعاد عمّا يشير إلى العشيرة والقبيلة ومنطقهما وقوانينهما، أو هكذا ظننّا. ففي بلادنا التعيسة، العشيرة، بدوية أو طائفية، ليست ماضينا فحسب، بل تتراءى بوصفها غدنا الحتمي.

العربي الجديد

————————————

غزوة العشائر”: البُنية والتعبئة والعلاقة مع “الهيئة” في هجوم السويداء/ مازن عزي

19.07.2025

يثبت استدعاء العشائر لشنّ هجمات بعيدة عن مواطنها، أن القيادة العسكرية للإدارة الانتقالية في سوريا تبحث عن أدوات حرب منخفضة الكلفة من منظورها، مرتكزة على وفرة المقاتلين وقابلية تحريكهم السريع عبر خطوط السيطرة القائمة.

تشكّل الهجمات الأخيرة على محافظة السويداء نقطة تحول خطير في مسار الصراع السوري، مع انتقال “الإدارة الانتقالية” التي تسيطر عليها “هيئة تحرير الشام” إلى تنفيذ حملات ذات طابع تطهيري طائفي وعشائري، تستهدف واحدة من أكثر المجتمعات تماسكاً وخصوصية في البلاد. المذبحة التي وقعت منتصف تمّوز/ يوليو، وما تلاها من تعبئة عشائرية من خارج البيئة الجغرافية والاجتماعية للمحافظة، تطرح أسئلة حول طبيعة الفاعلين العشائريين، ومدى ارتباطهم ببنية الدولة وأجهزتها العسكرية والأمنية.

يركّز هذا المقال على كيفية تجنيد عشيرتي العقيدات والنعيم، وعلى الدور الذي لعبته قيادة الإدارة الانتقالية و”هيئة تحرير الشام” في تحويل النَسَب القبلي إلى أداة صدامية عابرة للجغرافيا، مع توضيح غياب الروابط القرابية أو السياسية بين هذه العشائر ومحافظة السويداء، وما يعنيه ذلك من توظيف سياسي صرف للحشد العشائري في سياق الصراع السوري الحالي.

بدأت المشكلة فعلياً، عندما نصبت قوّات عشائرية من بدو منطقة المطلّة من منطقة الكسوة في ريف دمشق، تابعة للأمن العامّ في وزارة الداخلية، حاجزاً أمنياً على طريق دمشق السويداء. الحاجز وضع بعد حملة “بدنا نبيد الدرزية” التكفيرية والتخوينية ضدّ الدروز، على خلفيّة التسجيل الصوتي المفبرك المنسوب إلى شيخ درزي يشتم فيه رسول المسلمين.

الحملة العسكرية التي قادتها حينها قوّات وزارتي الدفاع والداخلية ومليشيات عشائرية، في نهاية نيسان/ أبريل ومطلع أيّار/ مايو، ضدّ دروز صحنايا وأشرفيتها وجرمانا، وقرية الصورة الكبيرة في ريف السويداء الشمالي، أسفرت عن مقتل نحو 130 شخصاً، ودمار كبير في قرية الصورة الكبيرة، وتهجير دروز أشرفية صحنايا.

ارتكب حاجز المطلّة انتهاكات متكرّرة بحقّ المسافرين الدروز بين السويداء والعاصمة دمشق، تنوّعت ما بين السرقة، والإهانات الطائفية، وقطع الطريق بشكل متكرّر. مع الوقت، تزايد حجم الانتهاكات بطريقة تصاعدية، مع استخدام “الإدارة الانتقالية” له كأداة سياسة لمعاقبة السويداء، التي رفضت فصائلها تسليم سلاحها.

الحاجز كان يقطع الطريق بشكل اعتباطي، ولأسباب متعدّدة، ولأيام، ما تسبّب بأزمات كبيرة في السويداء تتعلّق بتوريد المحروقات، والغذاء، والمواد الطبية، وحركة الطلّاب والموظّفين. في مرّات متعدّدة استخدم عناصر من بدو المطلّة الأسلحة الرشاشة ضدّ الحافلات والسيارات المارّة على الطريق من دون أسباب. وبعد مطالبات متكرّرة، أرسلت قوّات الأمن العامّ قوّة أخرى من دمشق لاستلام الحاجز، لكنّها قالت إنها خاضت اشتباكاً مسلّحاً مع العشائر، وعادت أدراجها إلى دمشق.

في 12 تمّوز/ يوليو، تعرّض تاجر درزي للتعذيب والسرقة والإهانات الطائفية على يد عناصر الحاجز. ردّاً على ذلك، أقدمت عصابة محلّية من السويداء، كانت على علاقة مع الأمن العسكري أيّام نظام الأسد، على عمليّة خطف مشبوهة الغايات، لمجموعة من بدو منطقة المقوس شمال شرق مدينة السويداء، بدعوى الاحتجاج على ما تعرّض له التاجر. وردّاً على ذلك، وفي خطوة هي الأولى من نوعها، خطفت مجموعة عشائرية من المقوس على حاجز، مجموعة من الدروز.

ولا علاقة فعلياً بين بدو المقوس، وبدو المطلّة. إذ إن بدو المطلّة بشكل رئيسي هم من فروع عشيرة النعيم، خاصّة نعيم الجولان ووادي عجم، وقد استقرّوا على أطراف غوطة دمشق في منتصف القرن العشرين. بينما بدو السويداء ينتمون إلى زبيد، وعنزة، وبني خالد، والفواعرة؛ وقد استقرّوا حول جبل العرب منذ القرن الثامن عشر.

حينها، بدأت قوّات وزارتي الداخلية والدفاع إرسال عناصرهما مدعومين بفصائل جهادية ومجموعات عشائرية إلى ريف درعا الشرقي، بغرض تنفيذ عمليّة عسكرية في السويداء، ضدّ “عصابات الهجري” ولـ”فضّ النزاع” بين البدو والدروز. ورغم إجراء عمليّة تبادل للمخطوفين، بدأت قوّات الإدارة الانتقالية هجوماً مسلّحاً على قرى ريف السويداء الغربي، بمساعدة عشائر اللجاة، عشائر السويداء خاصّة في بلدة المزرعة، ومن ثم الشقراوية، والمقوس.

تعداد عشائر بدو السويداء يصل إلى نحو 35 ألفاً، من أصل 700 ألف تقريباً من سكّان المحافظة. وتحظى عشائر بدو السويداء وريف دمشق ودرعا، بدعم وتمويل من الشيخ العشائري ركان الخضير، السوري- الأردني قائد “تجمّع عشائر الجنوب السوري”، ومن الأسماء الأبرز التي تتردّد في ملفّات التهريب بين الحدود السورية الأردنية. الخضير زعم في تصريحات تلفزيونية خلال الأحداث، بأن فصائل درزية ارتكبت مجازر بحقّ البدو واحتجزت أكثر من ألفي بدوي، وطالب الحكومة السورية بحماية العشائر والسماح لها بالدفاع عن نفسها.

بين يومي 15 و16 تمّوز/ يوليو، نفّذت قوّات الوزارتين والميليشيات العشائرية، عمليّة عسكرية استخدمت فيها القوّة المفرطة بالدبابات والمدفعية وقذائف الهاون والدرونات. واستولت القوّات المهاجمة على ريف السويداء الغربي، وأجزاء من مدينة السويداء. ونتيجة تصدّي فصائل السويداء المحلّية، والمقاومة الأهلية، وأيضاً ضربات الطيران الإسرائيلي على إدارة الأركان في دمشق، وعلى أرتال القوّات المهاجمة، اضطرّت “الإدارة الانتقالية” إلى سحب قوّاتها.

ومع تكشّف فجر 17 تمّوز/ يوليو، بدأت تتكشّف آثار المجزرة التي ارتكبتها تلك القوّات، والتي يُعتقد أنها بحسب تقديرات أوّلية قد خلّفت ما يزيد على 500 قتيل في مدينة السويداء وحدها، غالبيتهم من المدنيين، ممن قُتلوا في بيوتهم. وقد تعرّضت جميع المناطق التي دخلتها تلك القوّات إلى نمط ممنهج من الإعدامات الميدانية، والتعذيب، الإهانة والإذلال، وفقدان المئات من الأهالي. أيضاً، عفّشت تلك القوّات كلّ محتويات البيوت التي دخلتها، وأضرمت النيران بكثير منها.

وقبل أن تستوعب السويداء حجم الإبادة الرهيبة التي تعرّض لها الأهالي، وقبل أن يتمكّنوا من جمع جثامين أحبائهم من الشوارع والبيوت، وقبل أن تتمكّن الفصائل من تمشيط قرى الريف الغربي، انتقلت “الإدارة الانتقالية” إلى تنفيذ خطّة بديلة.

في صباح 17 تمّوز/ يوليو، تمّ نشر بضعة صور لانتهاكات قام بها الدروز ضدّ عشائر البدو في المحافظة، التي تبيّن لاحقاً أن أغلبها مفبرك. فعلاً، وقعت انتهاكات ضدّ عشائر البدو، من قِبل عناصر من الفصائل. بعدها مباشرة، بدأت حملة إعلامية واسعة النطاق، ركّزت بشكل كثيف على الانتهاكات بحقّ البدو، في اليوم الذي استفاقت فيه السويداء على أكبر مجزرة جماعية في تاريخ الجماعة الدرزية.

وعلى الفور، بدأت حشود عشائرية من محافظة دير الزور بالتوافد إلى السويداء، ضمن ما يُعرف بـ”فزعة العشائر العربية” للانتقام منهم. إذ بدأت تحشيدات العشائر تصل تباعاً إلى نقاط تمركز قوّات الإدارة الانتقالية شمال محافظة السويداء وغربها، بسرعة، رغم أن المسافة التي قطعوها من محافظة دير الزور شرق سوريا نحو 550 كيلومتراً، وتستغرق ما يقارب 7 ساعات بالسيّارة. وقد نُقِلَ المقاتلون بكلّ الوسائل الممكنة، بما فيها الباصات، و”البيكآبات”، والشاحنات، وشاحنات برّادات النقل.

أرتال العشائر الكبيرة، مرّت عبر كلّ الحواجز الأمنية والعسكرية التابعة للإدارة الانتقالية، وأيضاً حواجز تابعة لـ”قوّات سوريا الديموقراطية”، ويُظهر نمط التحشيد العشائري، وطريقة انتقال المقاتلين، وسرعة وصولهم، مروراً بالحواجز الأمنية والعسكرية، أن الأمر لم يكن استجابة عفوية أو ثأرية، بل جزء من خطّة بديلة معدّة مسبقاً، نُفّذت فور فشل الهجوم النظامي على السويداء.

ويتكوّن الحشد المشارك في “فزعة العشائر العربية” أساساً من عشيرتين نافذتين؛ العقيدات والنعيم، المنتشرتين شرقي دير الزور، ضمن مناطق تقع إما تحت سيطرة “الإدارة الانتقالية” التي تقودها “هيئة تحرير الشام” وإما “قوّات سوريا الديمقراطية”.

تتلقّى عشيرة العقيدات توجيهاً مباشراً من شخصيّتين مركزيتين في الإدارة الانتقالية: رئيس جهاز الاستخبارات في الإدارة الانتقالية حسين السلامة، وكذلك القيادي البارز في “هيئة تحرير الشام” يوسف الهجر، وكلاهما من العقيدات.

أما عشيرة النعيم، فتتمركز في مناطق مختلفة في سوريا، بعضها في دير الزور، يقودها محمد الجاسم “أبو عمشة”، القائد البارز في وزارة الدفاع، والمعاقب دولياً بسبب جرائم حرب وجرائم ضدّ الإنسانية بحقّ العلويين والكرد. “أبو عمشة” ينحدر في الأصل من عشيرة النعيم في سهل الغاب في ريف حماة الشمالي- الغربي، رغم أنه يروّج أحياناً لانتسابه إلى التركمان لكسب دعم سياسي.

من اللافت أن عشائر كبيرة أخرى في دير الزور والرقّة مثل البقّارة، الجبور، العفادلة، شُمّر، وِلدَة وطي، لم تنخرط في هذا الحشد، كما أنها لا تملك تمثيلاً في مواقع القرار داخل “هيئة تحرير الشام” أو الإدارة الانتقالية، مما يُضعف الطابع التمثيلي العشائري لـ”الفزعة”، ويُظهر الطابع الموجّه سياسياً وعسكرياً للحملة.

وبينما يوجد رابط واهٍ بين بدو المطلّة في ريف دمشق وعشيرة النعيم، فإنه لا يوجد أي روابط قرابية أو عائلية تربط بدو محافظة السويداء، بعشائر النعيم ولا العقيدات، ولم تُسجّل أي علاقة بين هذه المكوّنات، مما يُرجّح فرضية التوظيف السياسي المباشر لهذا الحشد.

في 18 تمّوز/ يوليو، ومنذ الفجر، تحشّدت العشائر على أكثر من محور، وبدأت هجومها، وتمكّنت من دخول بعض المواقع في مدينة السويداء، ومناطق متعدّدة في ريفها. ومجدّداً ارتكبت هذه العشائر أعمال إبادة ممنهجة، إعدامات ميدانية لعائلات بكاملها، سرقة كلّ شيء، ثم حرق المساكن والبيوت وتفجيرها.

ونقطة القوّة الكبرى التي امتلكها هذا الحشد العشائري، هي عدد المقاتلين الكبير الذي تراوح بين 7- 10 آلاف مقاتل، بحسب التقديرات، ما مكّنه من التوزّع على محاور كثيرة، وتسبّب بانهيار بعض محاور القتال. إذ إن المدافعين الدروز وهم من الأهالي الذين تسلّحوا لحماية مناطقهم بشكل رئيسي، وأيضاً من فصائل السويداء المحلّية، كانوا قد تعرّضوا لخسائر كبيرة جدّاً في الأرواح، والعتاد، والخطوط الدفاعية، بعد هجمات قوّات الوزارتين. بينما ظهر واضحاً ضعف تلك القوّات، وسوء تنظيمها، وتركيزها على التعفيش، وقد تمكّنت المقاومة الأهلية والفصائل المحلّية من صدّ تلك القوّات، وإيقاع خسائر في صفوفها.

مع ساعات مساء 18 تمّوز/ يوليو، سقطت بيد العشائر قرى جرين، المجدل، لاهثة، حيث ارتكبت فظائع رهيبة تتبع النموذج نفسه: إعدامات ميدانية، تعفيش كلّ شيء، من البيوت إلى المزارع، الى المعدّات، ثم حرق كلّ شيء.

في ليلة 18 تمّوز/ يوليو، وفجأة بعد التوصّل إلى اتّفاق برعاية أميركية، تركية أردنية وسعودية، توقّف إطلاق النار، وبدأت أرتال العشائر بالانسحاب، تاركة خلفها مناطق محروقة ومنكوبة، من دون تحقيق أي هدف له معنى سياسي، كما هو حال هجمات الوزارتين.

يثبت استدعاء العشائر لشنّ هجمات بعيدة عن مواطنها، أن القيادة العسكرية للإدارة الانتقالية تبحث عن أدوات حرب منخفضة الكلفة من منظورها، مرتكزة على وفرة المقاتلين وقابلية تحريكهم السريع عبر خطوط السيطرة القائمة.

غير أن هذه الاستراتيجية تكشف هشاشة سلطة حكومة أحمد الشرع، فهي تُراكم عداوات جديدة مع فئات محلّية وأطراف إقليمية، ولا تحقّق مكاسب سياسية قابلة للتثبيت. كما أن غياب مشروع جامع أو رابطة اجتماعية دائمة بين العشائر المهاجِمة والمنطقة المستهدَفة، يجعل الحشد أقرب إلى غزوة نهب لا إلى حملة استقرار، ويعني بالضرورة أن أي انسحاب مفاجئ سيخلّف أرضاً محروقة، من دون أي مكسب استراتيجي.

 الاعتماد على التعبئة العشائرية، لن يمنح “هيئة تحرير الشام” نفوذاً طويل الأمد، بل يُنذر بتحويل كامل الجغرافيا السورية، وربما الحدودية المجاورة، إلى مناطق مستباحة.

في سوريا هذه، المسافة بين دمشق والسويداء، باتت أبعد من أي وقت مضى. السويداء اليوم، رغم صدّها الهجمة العسكرية المزدوجة عليها؛ السلفية والعشائرية، هي منكوبة، وبانتظار اكتشاف أبعاد الحملة عليها، وتضميد جراحها، ودفن قتلاها، والتفكير طويلاً بعلاقتها بالجسد السوري المريض.

 – كاتب وصحافي سوري

درج

——————————–

=====================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى