أبحاثإشتباكات السويداءالأحداث التي جرت في الساحل السوريتشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوع

من حكم أقلية إلى حكم أقلية/ عمار ديوب

22 يوليو 2025

ورِثَ بشار الأسد عن أبيه نظام العائلة والأقلية النافذة، أمنياً وعسكرياً واقتصادياً، “الطائفة الأسدية” وكانت الدولة بكل مؤسساتها خاضعة لهذه الأقلية. لم يكن طائفياً بالمعنى السياسي، كان تطييفياً، قبل 2011 وبعده، وكانت أدواته السياسية القمعية، الجيش وأجهزة الأمن، من كل الطوائف، ووجود نسبة عالية من العلويين لا يغيّر من طبيعته الشمولية أولاً. شموليته هذه عقودا، وليست فترة قصيرة، لأنّه نظام الفئة المتوسطة، أي التي لا تمتلك مشروعاً تاريخياً للنهوض، وهي ليست طبقة بكل معنى الكلمة، ولكنها وصلت إلى الحكم في البلاد المختلفة وليس فقط في سورية، ولأسباب كثيرة، وبالتالي جاء التطييف العام والاعتماد على العلويين بشكل خاص من أجل الحفاظ على النظام العائلي، وبما يتناسب مع طبيعته المتوسّطة، اقتصادياً، وبما يؤمن الاستقرار.

ليس في سورية مشكلات طائفية بالمعنى العميق، هناك فقط قوى الإسلام السياسي، وهي منظمّات طائفية، وهناك ممارسات لنظامي الأسدين تستقي من هذه الطائفية، ولكن الأخيرة ليست تمثيلاً سياسياً. تمارس الجماعات الدينية الأقلياتية مجالها الديني ضمن الشعائر، وهناك حساسية شعائرية من الآخر المختلف، المسيحيين والإسماعيليين والدروز واليزيديين وسواهم. وقد عزّزت حرب الثمانينيات بين النظام والطليعة المقاتلة بصورة خاصة، ولاحقاً الإخوان المسلمين، الميل الطائفي لدى الطائفة العلوية، ولكنها لم تتسيّس طائفياً، وأحدث القمع الشديد تراجعاً بالمعنى السياسي الطائفي لدى السنة، وتقدّماً بالمعنى الديني الشعائري والمحافظة الاجتماعية، ولكن تفعيل ذلك سياسياً كان ممكناً وفي وقتٍ قصيرٍ، وجرى، بعد الحرب الأميركية على العراق عام 2003. حرب الثمانينيات وكثرة التحديات وإخفاق النظام في مواجهة المشكلات، عوامل دفعت المجتمع المحكوم بالشمولية نحو الهويات الدينية أكثر فأكثر، فانزوت وتراجعت البنى الحداثية شيئاً فشيئاً.

كانت الثورة الشعبية فتحاً للتاريخ المغلق، جاءت الثورة والسوريون محجوزين أكثر مما هم متخندقون بالهويات الدينية، وبحالة خمود سياسي للقوى الحداثية، وبغيابٍ كاملٍ للنقابات ومختلف أشكال الاتحادات، ولعبت القوى الشبابية الحداثية الدور الأول لإطلاق الثورة، وسريعاً دخل الشباب السلفي بصورة خاصة، ولاحقاً الإخواني، ودخلت القوى السياسية، ولا سيما الإخوان المسلمين، وكل القوى السياسية الهامشية، ووجدت هذه القوى فرصتها التاريخية لقيادة الثورة. شكل عدم الثقة التاريخية بين قواها سبباً أساسياً لانقساماتها، وهنا، دخل الإخوان المسلمون كقوة سياسية طائفية، وتخلّت، وربما لم تتبنَّها من أصله، عن رؤاها التي أشيعت عنها في أثناء إعلان دمشق 2005، وأنها انتقلت إلى تبنّي الديمقراطية والمواطنة.

كانت استراتيجية النظام تطييف الثورة، وتطييف نفسه أيضاً، وكذلك كانت استراتيجية الإخوان المسلمين بالتحديد والجماعات السلفية التطييف. خسرت القوى المدنية والحداثية المعركة سريعاً، وقد ساهم عنف النظام في ذلك، وقوة القوى الطائفية والدعم الخارجي المحدّد لها، وجاءت الفصائل العسكرية لتُحيّد القوى المدنية بالتدريج، وراحت الفصائل تتأسلم، ودخلت القوى الجهادية المعركة مكفّرة الجميع، وتشكّلت عشرات القوى منها. ورويداً رويداً، برز جيش الإسلام وجبهة النصرة وأحرار الشام وفيلق الرحمن وتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، ومجموعات كثيرة هنا وهناك، وحاول “الإخوان”، وقد شعروا بأنهم لن يستطيعوا السيطرة الكاملة، دعم كثير من هذه القوى وإقامة علاقات متينة معها، وهم مدعومون إقليمياً، وبقصد الوصول إلى السلطة. النظام بدوره اعتمد على الشبيحة العلويين ومجموعات محددة لارتكاب المجازر ضد الثوار السنة ولتطييف الثورة، وكان الشبّيحة أيضاً من طوائف متعدّدة. ومع دخول حزب الله والمليشيات الشيعية الطائفية، توقفت الثورة الشعبية وصار الصراع صراعاً طائفيّاً مقيتاً.

برزت لدينا بعد 2014 حالة طائفية واسعة بعض الشيء، بين الفصائل الإسلامية المعارضة والمليشيات التابعة لإيران. شكل تأخر سقوط النظام سبباً كبيراً لطغيان هذه الحالة على المشهد السوري. إن هذا التطييف لا يتساوى مع حالة طائفية سياسية ممأسسة، بل هو حالة سياسية متعلقة بقوى عسكرية وسياسية محدّدة، ومرتبطة بالتدخّل الخارجي، إيراني بصفة خاصة. نفي وجود طائفية سياسية ممأسسة أو طائفية اجتماعية متجذّرة مرتبط بالشكل التاريخي للإسلام المعتدل والتعايش مع الأديان والطوائف في سورية، وكذلك بسبب التجربة المرّة للسكّان تحت حكم الفصائل الإسلامية، سلفية وجهادية، والتي كانت سلطاتها مطلقة وتدخلية تكفيرية ورافضة للحريات العامة والشخصية. وبالتالي، هناك رفض شعبي واسع للطائفية السياسية. كانت أسوأ مشكلة واجهتها سورية إطالة أمد الثورة، والتهجير الواسع وتدمير بعض المدن وبقاء أخرى غير مدمّرة، وهناك مشكلة الاعتقال والإخفاء القسري والتفنن بالقتل، ما أحدث وعياً مشوّهاً بكل ما جرى، وأسّس لوعيٍّ دينيٍّ متشدّدٍ، ولكنه ليس طائفياً لدى السنة ولدى العلويين، وكذلك لدى الدروز بصفة خاصة، والأخيرون خوفاً على هويتهم المذهبية، فاستقلوا بأنفسهم، لا مع ولا ضد، وشعروا مع 2023 بأن النظام في غاية الضعف، فانضموا للثورة.

تأسّس الوعي المشوّه هذا بوضع تاريخي مغلق، منذ 2016 وحتى 2024. كان الاعتقاد أن سورية ذاهبة نحو التقسيم، أو تعويم الأسد، وبالتالي، هناك عدة “سوريات” منسجمة، وعدة شعوب تتكرّس تباعاً وتابعة لإيران أو تركيا أو أميركا وحلفها. جاء زوال النظام بحالة اجتماعية محتقنةٍ بشدة، ولكن بياناتٍ وطنيةً نشرتها غرفة ردع العدوان كانت كفيلة بتهدئة مخاوف السوريين إلى حدودٍ كبيرةٍ، وضُبطت التعدّيات، ووُضع حد للتطييف القديم، ولحالة التجذر في التطييف.

مع الخلاص، بدأت الانتهاكات، وتغيرت معادلة السلطة، ووصلت أقلية جديدة إلى الحكم، وهي هيئة تحرير الشام، وكما كان النظام يَحكم تاريخياً كأقلية عائلية وأمنية واقتصادية، ويستند إلى القطاع العام والتوظيف الفاشي، توظيف عدد كبير ودون رواتب حقيقية، ورأسمالية المحاسيب الطفيلية، بدأت هيئة تحرير الشام مدفوعة بدعم الأغلبية السنية ونشوة الخلاص، ولكنها تحكم منفردة، وتحاول السيطرة على الدولة بأكملها، وإذا كان الأسدان قد ارتكزا على الأدوات السياسية بصورة خاصة في الشمولية، فإن هيئة تحرير الشام تعيد الكرة ذاتها، ويُلاحظ انشغالها بتأسيس الأمن العام والجيش بصورة خاصة. حدثت انتهاكات واسعة منذ وصولها إلى السلطة، وتفجرت مواجهات أمنية مع العلويين والدروز، وهناك تضييق واسع على سكان المدن السنة، وهناك خلافات تبدو جذرية مع الأكراد، وهناك إمكانية لمواجهات مع العشائر في المدن الشرقية خاصة، وهي تشعر بتهميشٍ لها، ولديها رغبة بأن تكون شريكة في السلطة، ولم تُنصف بعد.

وبعد انفتاح التاريخ، يتشكل وعيٌّ سوريٌّ جديدٌ، وعلى أرضية الأزمات، والتي ليس لها مخارج في الأمد المنظور، وأن الطائفية السياسية ليست الحل، وإن وُجدت المخارج أيضاً، كرفع العقوبات مثلاً، لن تكون الطائفية السياسية هي الحل، وقد فشلت في أن تكون الحل في لبنان والعراق، وهذا ينسجم مع غياب الطائفية السياسية المتجذّرة في سورية، وفشل أشكال الحكم التي مارستها هذه السياسة خارج سيطرة الأسد بين 2011 و2024، والكلام هنا لا يقتصر على دولة “داعش”، وكذلك يعود الأمر إلى مختلف أشكال الانغلاق السلفي في توجهات السلطة؛ والخلاصة تنتقل سورية من حكم أقلية إلى أخرى، ولكن الأزمات، وطبيعة مشروعه الاقتصادي، والذي ينتمي إلى الطبقة المتوسطة ستمنع تجذّر حكم الأقلية من جديد.

الآن، هناك سيناريو وحيد للخروج من المأزق، وهو تبنّي التحوّل الديمقراطي الكامل، وهذا يتناقض مع طبيعة مشروع الشرع الاقتصادي والسياسي والإيديولوجي، كما كان الأمر مع الأسدين سابقاً. وإضافة إلى هذا الاحتمال، هناك إمكانية التسييس، ولأوّل مرة للطوائف، ولكن تعدد أوجه الأزمة وتعقدها يمنع ذلك، وبالتالي، لا يمكن نفي هذا الاحتمال، ولكنه يظلُّ هشّاً، وإن تحقّق فلن يكون له من العمر الكثير.

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى