إشتباكات السويداءالاتفاق بين الحكومة السورية و"قسد"العلاقات السورية-الأميركيةالمقاتلين الأجانب و داعش في سوريةتشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسة

وقائع وكواليس الاتفاق بين “قسد” وحكومة الجمهورية العربية السورية مقالات وتحليلات تتحدث يوميا  تحديث 23 تموز 2025

متابعة تفاصيل هذا الملف اتبع الرابط التالي

دوافع وكواليس الاتفاق بين “قسد” وأحمد الشرع

————————–

الفيل يا ملك الزمان!/ بكر صدقي

ثمة فيل داخل الغرفة تواطأ كثير من السوريين، بينهم كاتب هذه السطور، على التظاهر بعدم وجوده. حدث ذلك حين تم «تحرير» سوريا في اثني عشر يوماً استغرقها سفر مقاتلي غرفة عمليات ردع العدوان من إدلب إلى دمشق. ولم تدفعنا هذه السرعة في انهيار النظام إلى البحث عن أسبابه في تفاهمات دولية محتملة جعلته ممكناً، بل رحنا نبحث عن أسباب الانهيار في اهتراء النظام وقواته العسكرية، وهذا صحيح لكنه لا يشكل مبدأ تفسير متكاملاً إذا تجاهلنا رفع الغطاء الروسي عنه وانسحاب الميليشيات التابعة لإيران كما لو أنها تبخرت. لا نعرف إلى اليوم كيف تم إقناع فلاديمير بوتين بالتخلي عن نظام الأسد لصالح بديل جهادي طالما وصفته موسكو بالمنظمة الإرهابية، ومن أقنعه بذلك. لكننا أقنعنا أنفسنا بفكرة أن موسكو «الغارقة في وحل الحرب الأوكرانية» كانت في حاجة إلى تركيز جهودها العسكرية على تلك الحرب. هذا أيضاً صحيح لكنه تفسير غير كاف بذاته. أما ولي الفقيه فقد كان «إقناعه» أكثر وضوحاً من أن يتم إغفاله، بالنظر إلى ما حدث لحزب الله في لبنان وسوريا في الأسابيع القليلة التي سبقت انهيار النظام الأسدي.

بيد أن الفيل الذي نتحدث عنه لا يقتصر على التفاهمات الدولية التي أوصلت هيئة تحرير الشام والفصائل الحليفة لها إلى سدة السلطة في دمشق، بل هو «الهيئة» ذاتها التي تواطأ الجميع، السوريون والتفاهمات الدولية معاً، على تجاهل هويتها الإيديولوجية وممارستها السلطة في إدلب طوال سنوات، وإبراز تحولاتها «البراغماتية» بدلاً من ذلك، الأمر الذي عززه القبول العربي والدولي السريع وإن ترافق مع اشتراطات، كما عززه السلوك المنضبط إلى حد كبير لقوات ردع العدوان في طريقها إلى دمشق.

في الأسابيع والأشهر التالية بدأت السلطة الجديدة تكشف عن توجهاتها من خلال الخطوات التأسيسية المقلقة لقطاعات واسعة من السوريين، مؤتمر الحوار الوطني والإعلان الدستوري وتشكيل الحكومة الجديدة، وكذلك إجراءاتها التعسفية كفصل عشرات آلاف الموظفين الحكوميين وحل الجيش والشرطة وتعيين المحافظين ومجالس النقابات وغير ذلك، من غير أن نذكر تواتر أخبار تدخلات «الأمن العام» الفظة في شؤون المواطنين وحياتهم الخاصة، وانتشار الحملات الدعوية في مناطق غير مناسبة ديموغرافياً… غير أن المجازر التي تم ارتكابها في مناطق الساحل في مطلع شهر آذار فاقت بهولها ودلالاتها كل ذلك لتضعنا أمام كارثة وطنية، فطرح السؤال بجدية: هل سقط النظام الأسدي حقاً أم تم استبدال وجوهه وحسب؟ وبخاصة حين ظهر فادي صقر وغيره من رموز النظام البائد يتحركون بحرية وبحماية السلطة الجديدة بالذات.

ما تلا مجازر الساحل بدا كأن السلطة تختبر ردود الفعل لتنتقل إلى الخطوة التالية. وإذ اكتفت الدول الراعية بما أعلنته السلطة من تشكيل لجنة تقصي حقائق في مجازر الساحل، تم افتعال صدام مماثل مع المكون الدرزي في جرمانا وأشرفية صحنايا في شهر نيسان تم احتواؤه بسرعة من خلال اتفاقات هشة مع فعاليات السويداء. لكن استقبال أحمد الشرع في قصر الإليزيه، ثم اجتماعه في الرياض مع دونالد ترامب، قد منح السلطة ما كانت تحتاجه من تفويض بالمضي قدماً في هندسة نظامها الخاص والتحضير لإخضاع سكان المناطق المتمردة بالقوة العارية بذريعة حصر السلاح في يد الدولة. فالسلطة الجديدة تتمدد في فرض نظامها كلما شعرت بالراحة في علاقاتها مع الدول الأخرى. ليس من قبيل الصدفة أن تشددها تجاه قسد كان متسقاً مع تصريحات توماس براك الخارجة على الأعراف الدبلوماسية، وكذا افتعال الصدام بين فصائل مسلحة من البدو مع فصائل السويداء لتبرير إقحام الجيش في المحافظة بعد أيام قليلة من زيارة الشرع لأذربيجان حيث جرى لقاء مباشر مع وفد إسرائيلي وفقاً لتقارير صحف إسرائيلية. مئات القتلى من المدنيين وفيديوهات وثقت إذلال الأهالي وإحراق بيوتهم وتعفيشها في استعادة مشؤومة لعمليات مماثلة لشبيحة نظام الأسد البائد في السنوات السابقة على سقوطه. أما «لجنة تقصي الحقائق» المشار إليها فقد استهلكت مهلتها الأصلية (شهر واحد) والإضافية (ثلاثة أشهر) ولم تنته بعد من إعلان نتائج تحقيقاتها. ربما تراهن السلطة على نسيان السوريين، لكن صدامات السويداء حرمتهم من ترف النسيان.

ما تسرب عن الاجتماع الأخير بين سلطة دمشق ووفد قسد مقلق جداً. السلطة رفضت كل المطالب التي تقدم بها وفدا قوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا بما ينذر بافتعال صدام جديد في تلك المناطق لتبرير شن حملة عسكرية كبيرة عليها، إذا كانت قوات وزارة دفاع السلطة قد بلغت من القوة ما يكفي لذلك في مواجهة عشرات الآلاف من مقاتلي قسد المزودين بأسلحة أمريكية وخبرة قتالية عالية. من المحتمل أن تلجأ السلطة، في هذه الحالة، إلى محاولة تفجير قسد من داخل بنيتها التي تتشكل من قوات كردية وعربية، وهو ما بدأنا نسمع بوادر بشأنه. تصريحات المبعوث الأمريكي براك تشجع السلطة بهذا الاتجاه، فهل هي ناتجة عن خفة وضيق أفق لا يكترثان بانطلاق دوامة عنف جديدة، أم أنها محاولة لتوريط سلطة دمشق في صراع مكلف (من أجل ماذا؟) أم أن الرجل، ومن ورائه ترامب، يراهنان على استسلام قسد لسلطة دمشق بلا قتال؟ في جميع الأحوال يبدو أن إدارة ترامب مهتمة بتطبيع العلاقات بين دمشق وتل أبيب أكثر من أي شيء آخر في المسألة السورية.

داخل البيت السوري فيل لا يستطيع السوريون أن يناموا بوجوده.

كاتب سوري

القدس العربي

————————

هل ضحّت واشنطن بقوات سوريا الديمقراطية إرضاءً لأنقرة ودمشق؟!/ صالحة علام

17/7/2025

“دولة واحدة، أمة واحدة، جيش واحد” هذه هي رؤية الولايات المتحدة الأمريكية للدولة السورية الجديدة، وهي الرؤية التي عبّرت عنها بوضوح تام التصريحات الصادرة عن المبعوث الأمريكي الخاص لسوريا، وسفير واشنطن لدى تركيا توماس باراك، الذي أصبح المسؤول الأول عن عرض وجهة نظر الإدارة الأمريكية في كل ما يرتبط بصورة مباشرة بالأوضاع في سوريا على الصعيدين الداخلي والخارجي.

وهو الموقف الذي يشير بوضوح كامل إلى تخلّي الرئيس دونالد ترامب وفريقه عن كافة الوعود التي سبق أن قطعها سلفه الرئيس السابق جو بايدن وإدارته لقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، الخاصة بمساندتهم في إقامة كيان خاص لهم، يتمتعون فيه بإدارة ذاتية تحت حكم فيدرالي، بعيدًا عن الدولة المركزية في دمشق.

نهج جديد يتبعه الرئيس الأمريكي تجاه الإدارة السورية والقائمين عليها، مخالفًا فيه سياسة سلفه، لا يحتاج إلى إعادة تأويل أو تفسير مغاير لما هو ظاهر فعلًا في السياسة الأمريكية اتجاه الإدارة السورية، نهج يمكن رصده في الأقوال والأفعال الصادرة عن رموز إدارته.

فعلى صعيد الأقوال، تفيد كافة التصريحات، سواء التي يدلي بها باراك أو المسؤولون الآخرون، أن واشنطن أصبحت تدعم وبقوة خطوات الحكومة السورية الرامية إلى توحيد البلاد، وإقامة دولة مركزية قوية ذات سلطة مطلقة على كافة مناطقها الجغرافية وحدودها التاريخية المتعارف عليها، معلنةً رفضها المطلق دعم إقامة كيان كردي مستقل في سوريا، وأنها لا ترى في قوات “قسد” نواةً لمثل هذا الكيان المفترض.

توماس باراك طالب قوات “قسد” بضرورة التحرك وفق التطورات التي تشهدها المنطقة، والإسراع في عملية الاندماج العسكري في الجيش السوري الجديد، محذرًا من إضاعة هذه الفرصة، لما يمكن أن يسببه هذا من إشكاليات مستقبلية مع كل من أنقرة ودمشق، على الرغم من اعترافه ضمنيًّا بأن الاتفاق الذي وُقّع في مارس/آذار الماضي بين الجانبين ليس محددًا بما يكفي لضمان نجاح عملية الاندماج بالسرعة التي يطالب بها، وأن هذه المسألة تحتاج إلى مزيد من الوقت نتيجة غياب الثقة بين الطرفين.

وأعلن صراحة أن قوات “قسد” هي في الأساس فصيل مشتق من حزب العمال الكردستاني -وهو ما كانت تؤكده أنقرة، وتنفيه إدارة بايدن- مؤكدًا أن بلاده لا تدعم إنشاء دولة منفصلة لقوات “قسد” أو ما يسمى “كردستان الحرة” في سوريا، مشيرًا إلى عملية المصالحة التي تتم حاليًّا بين حزب العمال الكردستاني والدولة التركية، وتخلي الحزب عن سلاحه، وإعلانه بدء مرحلة الكفاح السياسي ضمن إطار الدولة للحصول على ما يراه حقوقًا مهدرة أو منقوصة للأكراد، مطالبًا “قسد” باتباع نفس النهج في تعاملها مع الدولة السورية الجديدة.

وأوضح توماس باراك أن “تحالف الولايات المتحدة السابق مع ‘قسد’ كان بهدف القضاء على تنظيم داعش، ونشعر أنهم كانوا شركاء معنا في تحقيق هذا الهدف، نحن مدينون لهم لهذا السبب، لكن السؤال الأهم هنا: بماذا ندين لهم؟! بكل الأحوال لسنا مدينين لهم بحق إقامة إدارة مستقلة داخل دولة”، وأضاف “هناك تعاطف معهم في أوساط الكونغرس، لذا نسعى إلى دمجهم ضمن إطار الدولة السورية المركزية”.

وهي التصريحات التي تؤكد أن إدارة الرئيس ترامب ترى أن تعاون الولايات المتحدة الأمريكية مع “قسد” كان وسيظل تعاونًا عسكريًّا وأمنيًّا في إطار مكافحة الإرهاب، وتتبع عناصره فقط، وأنه لن يرقى إلى تعاون سياسي بأي حال من الأحوال، ومن ثم فإن الرهان على واشنطن لدعم ومساندة مشروع إقامة كيان كردي منفصل عن الدولة السورية يعد ضربًا من الخيال.

أما على صعيد الأفعال، فقد لوُحِظ انخفاضٌ هائل في حجم الدعم العسكري واللوجستي الذي اعتادت “قسد” تلقيَه من الولايات المتحدة الأمريكية، إلى جانب إعلان واشنطن نيتها إحداث تغييرات جذرية في خريطة انتشار قواتها في المنطقة، وإعادة النظر في تموضع الموجودين منها داخل الأراضي السورية بما يساهم في الحفاظ على الأمن، ومنع تنظيم “داعش” من إعادة بناء نفسه مجددًا، مع التأكيد على تقليص عدد تلك القوات على مراحل.

ورغم الوضوح الذي يتسم به الموقف الأمريكي المعلن، فإن هناك من لا يزال يراهن على إمكانية مساندة أمريكا لإقامة فيدرالية كردية بشمال وشرق سوريا، ويرى أن واشنطن لم تعلن صراحةً تخلّيها عن قوات سوريا الديمقراطية، وأن التعاون بين الطرفين سيظل قائمًا في إطار التحالف الدولي الذي تقوده واشنطن لمحاربة الإرهاب، وأن ذلك التعاون يمكن أن يتطور في مرحلة ما إلى دعم فعلي لتحقيق الحلم الكردي بإقامة كيان مستقل داخل سوريا في حال تغيّرت الظروف.

لكن “قسد” وإدارتها الذاتية في شمال وشرق سوريا كانتا أسرع في تلقّي الرسالة وفهم أبعادها ومغزاها، إذ أدركتا سريعًا الأسباب الحقيقية وراء التغير في الموقف الأمريكي، الذي تحركه الرغبة في الحفاظ على علاقات واشنطن بحليفتها وشريكتها في حلف الناتو تركيا، ومنع انهيارها.

إلى جانب السعي لبناء روابط جيدة مع الإدارة السورية الجديدة على أسس من الثقة المتبادلة لتحقيق المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط، خاصة بعد أن أصبحت هذه الإدارة تحظى بإعجاب ترامب وفريقه، الذي يرى أن مستقبل سوريا يجب أن يتم تحديده عن طريق حوار وطني شامل، وتوافق مختلف القوى الفاعلة على الأرض، وليس عبر كيانات ترغب في فرض أمر واقع على الجميع.

وانطلاقًا من هذا الإدراك، غيّرت “قسد” من أسلوب خطابها الإعلامي، ومواقفها المتشددة المعلنة، متبنيةً مصطلحات أكثر إيجابية ومنطقية تتوافق مع التطورات على الأرض، إذ أعربت في بيان لها عن شكرها لكل من واشنطن وباريس لدعمهما المستمر لها، لكنها -في إطار توضيح موقفها- أكدت أن التنوع في سوريا لا يُعد تهديدًا، بل مصدر قوة، وأن وحدة الأراضي السورية مبدأ لا يمكن المساومة عليه، رافضة أي مزايدة من شأنها تقويض فرص الحل السياسي.

وطالبت بالعمل على استعادة الثقة بين الفاعلين السوريين، وإقرار نظام ديمقراطي متعدد، وعدالة اجتماعية، ومساواة بين الجنسين في الحقوق والواجبات، وبدء صياغة دستور جديد يضمن لجميع مكونات المجتمع السوري كافة الحقوق السياسية والمدنية، معلنة استعدادها للاندماج في مؤسسات الدولة، والمشاركة بإيجابية في صياغة دستور جديد يُلبي تطلعات السوريين بمختلف توجهاتهم الإثنية والعرقية.

أنقرة من جانبها أعربت عن عميق ارتياحها لتغير نهج السياسة الأمريكية اتجاه قوات سوريا الديمقراطية، خاصة بعد تأكيدات مسؤولي البنتاغون التي أفادت أن “التعاون مع قسد لا يعني إطلاقًا دعم مشروعها السياسي المنفصل”، معتبرةً هذا الموقف تحوّلًا واقعيًّا من جانب واشنطن يهدف إلى إعادة إرساء السلام والأمن في المنطقة، ويساهم في بناء مستقبل مشرق للدولة السورية الموحدة بعيدًا عن خطط التقسيم التي يتم الترويج لها إعلاميًّا.

كما ثمّنت دمشق الموقف الأمريكي الذي أعلن أن الفيدرالية لا تناسب الدولة السورية، ولا تتوافق مع طبيعة شعبها، وأن تحقيق الأمن والاستقرار داخل سوريا يجب أن يتم عبر اعتماد نظام الدولة المركزية مع الحفاظ على حقوق جميع أبناء الشعب السوري.

تحتاج قوات سوريا الديمقراطية في المرحلة الحالية إلى إعادة النظر في تحالفاتها الإقليمية والدولية، وتنظيم أمورها الداخلية على الصعيدين السياسي والعسكري، وهيكلها الإداري، وإدراك أن لا عداوات دائمة، ولا صداقات أبدية، وأن بعض الأحلام غير قابل للتنفيذ على أرض الواقع.

المصدر: الجزيرة مباشر

————————-

 السويداء وشرقي سوريا.. هل أزفت ساعة الحسم؟/ عدنان علي

2025.07.16

الاستعصاء المتواصل في السويداء وشرقي سوريا، في العلاقة حكومة دمشق، سيظل مصدر تفريخ للمشكلات والصدامات، وقد يتطور إلى مواجهات أوسع، ما قد يفتح الباب لتدخلات خارجية، ويعيد الوضع في البلاد إلى سيرته الأولى.

لا شك أن مياه كثيرة جرت في النهر المتدفق من الشمال السوري، والذي استقر في دمشق نهاية العام الماضي، وأفضى إلى اندحار نظام الأسد، وإلى تأهيل البلاد لخوض مرحلة جديدة تبدأ بحل مشكلاتها الداخلية وتمر بالوفاق مع المجتمع الدولي، وصولاً إلى مواجهة الاستحقاقات الضخمة المتراكمة من عهد النظام السابق طيلة خمسة عقود ونيف.

وإذا كان الحكم الجديد حقّق اختراقات مشهودة على صعيد علاقاته الخارجية، أبرزها رفع العقوبات الأميركية والأوروبية عن البلاد، فإن رهانات بعض القوى السورية الداخلية ما زالت مستمدة من معطيات قديمة، تنتمي إلى عهد النظام السابق، وتستند إلى أوهام بأن الحكم في دمشق ضعيف وهش، ويمكن ابتزازه لتحقيق أقصى الأهداف، وفق المقاربة ذاتها التي اعتمدتها إسرائيل في تعاملها مع هذا الحكم.

وإذا كانت إسرائيل بدأت تستوعب أن هذا الحكم ليس ضعيفاً بالقدر الذي تستطيع إملاء كل شروطها عليه، خاصة مع نجاحه في نيل ثقة محيطه الإقليمي، فضلاً عن ثقة الإدارة في واشنطن، والتي تعكف على رسم مسار آخر للعلاقة بين دمشق وتل أبيب، فإن بعض القوى السورية الداخلية لم تصلها الرسالة بعد، وما زالت تراهن على ضعف دمشق، وقابليتها للضغط والابتزاز، دون أن تلحظ المتغيرات في الموقفين الإقليمي والدولي.

وفضلاً عن هذا الغطاء الخارجي، تتمتع الحكومة في دمشق فيما يتصل بأية مواجهة ذات طابع مذهبي أو قومي، بغطاء قوي وفعال من حاضنتها الداخلية، والتي قد يكون لبعض مكوناتها انتقادات ومواقف سلبية من الحكم الجديد في العديد من الملفات، لكنهم يقفون خلفها متحدين في مواجهات من هذا القبيل.

وفي نظرة تحليلية محايدة، فإن تلكؤ تلك القوى في جنوبي البلاد وشرقها بالإنخراط مع الحكومة في دمشق، سيخلق بعض المتاعب لهذه الحكومة التي لديها سلم أولويات حافل يركز على اكتساب الشرعية وجلب الاستثمارات وبناء الدولة، لكن عواقبه السلبية ستطول على نحو أعمق المدنيين في تلك المناطق، وتؤثر في علاقتهم مع محيطهم (العربي-السني) دون أن تجني في المحصلة تلك المناطق أية فوائد قريبة أو بعيدة.

قبل سقوط نظام الأسد بأكثر من عام، واظبت محافظة السويداء على تنظيم احتجاجات شبه يومية ضد ذلك النظام، حازت على دعم وتضامن معظم فئات الشعب السوري، لكن مع سقوط ذلك النظام، اتخذت بعض القوى في المحافظة موقفاً مستغرباً يميل إلى التصادم مع السلطة الجديدة التي وصفها الزعيم الروحي البارز في السويداء حكمت الهجري بأنها جهادية وإرهابية، مواظباً على طلب الحماية الدولية من هذه السلطة، وهو ما يشكل فعلياً قطيعة مع الحكومة في دمشق، حيث لا يستقيم التفاوض مع طرف يعتبره الطرف الآخر إرهابياً، ويطالب المجتمع الدولي بأن يحميه منه.

من هنا، يترتب على القوى الفاعلة الأخرى في محافظة السويداء أن تنأى بنفسها عن هذا الخطاب التحريضي على الحكومة، وأن تتجاوب مع الجهود المبذولة لحماية المحافظة من عواقب مثل هذا السلوك الذي لا يقود إلا إلى الصدامات والفتن، دون أن يعود على المحافظة بأية فائدة، علماً أن شرائح واسعة من أبناء السويداء يشتكون من السلاح المنفلت في محافظتهم وتفشي الجريمة والمخدرات مع تعطل سلطة الدولة والضابطة العدلية، نتيجة عرقلة دخول قوات الحكومة ومؤسساتها، وهم يطالبون حقيقة بفرض الدولة لسلطة القانون، بعيداً عن سطوة السلاح الفصائلي أو الفردي، بحيث يصبح من لا يملك سلاحاً او فصيلاً أو عائلة كبيرة تحميه، بلا حماية، وغير قادر على تحصيل حقه.

وفي المقابل، يجب على الدولة أن تحضر بقواتها وعناصرها فقط، من دون فصائل مساندة غير منضبطة، ولا تخضع للمساءلة القانونية على نحو ما حصل في أحداث الساحل السوري.

وفيما يتعلق بقوات “قسد”، لا شك ان تصريحات المبعوث الأميركي إلى سوريا توم باارك حول موقف هذه القوات من جهود الحل السياسي في سوريا، لا تروق كثيراً لقادتها، حيث طلب منها باراك الانخراط في الحل السياسي الذي تشارك واشنطن في بلورته مع الإدارة في دمشق، بما يفضي إلى إندماجها بشكل كامل في الجيش السوري الجديد، وليس ككتلة مستقلة كما يجادل قادة “قسد”.

وطالب باراك قيادة “قسد” بالتقليل من حجم توقعاتهم إزاء الموقف الأميركي، الذي لا ينكر مساهمتهم في محاربة تنظيم “داعش”، لكن المكافأة التي ينتظرونها من واشنطن لن ترقى إلى تأييد إقامة كيان كردي منفصل، معلناً بوضوح أن هدف واشنطن، الوصول إلى دولة سوريّة واحدة وجيش واحد وعلم واحد، ولن تؤيد وجود كيانات أقلوية داخل هذا الجيش، تحت أي مسمى.

قد يكون لدى قيادة “قسد” هواجس من الإندماج الكامل في مؤسسات الدولة السورية الجديدة، العسكرية والسياسية، على نحو تخسر معه وضعها الحالي المهيمن في شرقي سوريا، وهي بذلك ما زالت مرتهنة لحسابات قديمة مرتبطة بالميزات التي حصلت عليها في تحالفها مع الولايات المتحدة خلال عهد نظام الأسد، ما جعل واشنطن تضع رهانها كله على “قسد”، وسط تعذر التعاون مع نظام الأسد المخلوع.

أما وقد زال هذا النظام، فان قيادة “قسد” تبدو متباطئة جداً في قراءة المتغيرات التي جرت، ولم تصلها بعد الرسالة التي تحاول واشنطن بطرق شتى إيصالها إليها، وهي أن عليها إعادة حساباتها بما يتلاءم مع المتغيرات الحاصلة ليس في سوريا فقط، بل في الجارة تركيا أيضاً حيث أعلن حزب العمال الكردستاني إلقاء السلاح، وإنهاء حقبة العمل العسكري ضد تركيا، وهذا متغير هام آخر، تحاول قيادة قسد المعاندة في تقبله.

ومن غير المعروف إلى أي حد تستطيع “قسد” التمسك بهذه المواقف التي بدأت تثير حنق واشنطن علناً، وسط تساؤلات مشروعة عن الخيارات المتاحة أمامها إذا ما قرّرت مواصلة التعاطي السلبي مع الجهود الأميركية لوضعها في مسار سياسي واحد مع الحكومة في دمشق.

تلفزيون سوريا

——————————

«قسد» تترقب وتحشد قواتها

أحداث السويداء تعيد ترتيب العلاقة بين الحكومة والإدارة الذاتية

القامشلي: كمال شيخو

17 يوليو 2025 م

خيمت أحداث السويداء وتطوراتها المتسارعة على مواقف قادة «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) ومسؤولي الإدارة الذاتية، وفتحت الأبواب أمام سيناريوهات محتملة للعلاقة بين الحكومة السورية وقيادة «قسد»، بعد فشل آخر جولة من المحادثات في العاصمة دمشق في التاسع من الشهر الحالي.

وعلى خلفية تطورات السويداء ذات الغالبية الدرزية، دفعت «قسد» المزيد من وحداتها العسكرية إلى مناطق التماس في ريف محافظة حلب الشرقية، والريف الشمالي والغربي لمحافظة دير الزور شرق البلاد، عقب مناوشات بينها وبين قوات الأمن العام وفصائل مسلحة موالية لتركيا.

وعززت «قسد» مواقعها ونقاطها المنتشرة في محاور دير حافر، وعلى طول ضفة نهر الفرات حتى الحدود العراقية، التي باتت نقطة فاصلة بين مناطق سيطرتها.

وبعد أحداث السويداء الدامية، اتهم الرئيس السوري أحمد الشرع، في كلمة ألقاها فجر الخميس، إسرائيل بـ«خلق الفتن داخل سوريا»، وشدد على أن «الدولة السورية هي دولة الجميع»، مضيفاً: «الوحدة هي سلاحنا، والعمل الجاد هو طريقنا».

«شعور الريبة»

ويرى المحلل السوري براء صبري، وهو باحث مساهم في «معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى»، أن أحداث السويداء بما شهدته من انتهاكات بحق الطائفة الدرزية ربما حملت إشارة لقوات «قسد» والإدارة الذاتية «بأن التنازل عن السلاح قد تكون ضريبته كبيرة».

وقال صبري في حديث لـ«الشرق الأوسط» إن لجوء الحكومة إلى التدخل العسكري عزز بين سكان مناطق الإدارة شرق الفرات شعوراً بالريبة إزاء وعودها بتطبيع الأمور. واستطرد: «كان مؤشراً إضافياً على أن الحكومة تريد استعادة السيطرة على المناطق الخارجة عن نفوذها بطريق القوة».

وتوقع أن تنعكس هذه التداعيات على مواقف «قسد»، قائلاً: «كان الهجوم على السويداء بهذا الشكل المؤلم عاملاً معززاً لقادة (قسد) للتحضير لمخاطر حدوث هجوم عليهم، والتشدد في موقفهم المطالب بمنح شرق الفرات خصوصيته الإدارية والأمنية والسياسية، واعترافاً قانونياً ضمن خريطة سوريا الواحدة».

وكان قائد «قسد»، مظلوم عبدي، قد قال في تصريحات إعلامية لصحيفة ألمانية، إن قواته لا تحتاج إلى إلقاء السلاح في حال تطبيق الاتفاق المبرم مع الرئيس السوري، وقال: «نرى أن تنفيذ بنود الاتفاق سيجعل من (قسد) جزءاً من الجيش السوري، ولذا فلا حاجة لنزع سلاحها الآن أو مستقبلاً، لأن مسؤولية حماية شمال شرقي سوريا ستكون حينئذ منوطة بالجيش السوري».

وتوقع صبري أن تدفع أحداث السويداء قيادة «قسد» للتصلب بمواقفها الداعية إلى نظام لامركزي وحماية هويتها العسكرية، مشيراً إلى احتمالية التصادم العسكري مع القوات الحكومية.

«أولوية» الحوار الداخلي

ويرى مستشار الإدارة الذاتية، بدران جيا كرد، أن استمرار مثل هذه السياسيات الداخلية يدفع بسوريا نحو «المزيد من التشظي والتفتت».

وقال متحدثاً إلى «الشرق الأوسط» إن التطورات الأخيرة في السويداء وقبلها في الساحل السوري: «تضع جميع المكونات أمام تحدٍ خطير وممنهج، سواء كان ذلك بشكل جماعي أو فردي».

وتابع: «المطلوب من الحكومة الانتقالية أن تبادر إلى مراجعة شاملة وعاجلة لنهجها في التعامل مع الداخل».

ودعا المسؤول الكردي الحكومة إلى إطلاق حوار وطني واحترام خصوصية جميع المكونات وهويتها الثقافية والدينية.

وأضاف: «لا يمكن فرض سيادة الدولة عبر أدوات القمع والترهيب، فجميع الأنظمة التي سلكت هذا الطريق سقطت بفعل إرادة شعوبها. وهذا النهج لا يهدد فقط التماسك الوطني، بل يفتح الباب على مصراعيه أمام التدخلات الخارجية».

وشدد على أن الأولوية اليوم للحوار السوري الداخلي وعدم الارتهان للحلول الخارجية على حساب التوافقات الوطنية، مؤكداً ضرورة انخراط الحكومة في عملية الحوار الوطني.

وحث الحكومة على تقديم «تنازلات فعلية عبر نقل بعض الصلاحيات إلى الإدارات المحلية، وتعزيز الثقة وتكريس مفهوم التشاركية».

———————–

دمشقُ بين الدروزِ والعلويين والأكراد/ عبد الرحمن الراشد

20 يوليو 2025 م

صَحيحٌ أنَّ بشارَ الأسد خرجَ من القصر مساءَ يوم السبت 7 ديسمبر (كانون الثاني) ودخلَه أحمدُ الشَّرع اليومَ التَّالي بدون إطلاق رصاصةٍ واحدة في العاصمة. إنَّها حالةٌ نادرةٌ في التاريخ، معَ هذَا فإنَّ دربَ الحكم الجديد ليست معبدةً ولا الرّحلة سلسة. طريقُ التغيير من إدلب إلى دمشقَ كان مفتوحاً لأنَّ الأغلبيةَ في سوريا والمنطقةِ والعالمِ راغبةٌ فعلاً في التَّغيير.

أمَّا عمليةُ اقتلاعِ نظام الأسد نفسُها فقد كانت مخاضاً طويلاً ودامياً، وربَّما أكثر عملياتِ التغيير تعقيداً في المنطقة، ومن هذا المنطلقِ يفترض أن نقرأَ الأحداثَ الحَالية في هذا السّياق، وليس في سياق ساعةِ النَّصر. لم يمنعِ التفاؤلُ والحماسُ والتأييدُ الواسع من وقوعِ الأحداث السياسية… مواجهات السَّاحلِ مع علويين، وتفجير كنيسةٍ للمسيحيين في دمشقَ، وخلافات مع دروز السّويداء و«قسد» في الرّقة. الأزماتُ التي وقعت، والأزماتُ التي قد تقعُ لاحقاً، مُتوقَّعةٌ. فالدّاخل أجمعَ على إخراجِ الأسد، وسيحتاج النّظامُ البديلُ إلى وقتٍ ليبنيَ الثقة. وهناك المحيط الإقليمي المأزوم، ففيه متضرّرون من التَّغيير، وسيحتاجونَ وقتاً لاختبارِ الأمر، والقبول بالواقع الجديدِ والتعاون معه.في خِضمّ مواجهاتِ المكوّناتِ المحليَّة، هناك فئتانِ خَطرتان عليه، الأولى معاديةٌ، أبرزُها فلولُ النّظام السَّابق، وقوى في إيران، وعصاباتٌ محليَّةٌ مثل مافيات المخدّرات. هؤلاء سيسعونَ مراراً وتَكراراً لخلقِ مناخ تصادميّ يكبر مع الوقت، وسيدفعونَ باتّجاه تقزيمِ سوريا وإشغالِ دمشقَ في معركةِ طويلةٍ وظهورِ أقاليمَ مستقلة. والفِئَةُ الثَّانيَةُ من صُلبِ النِّظامِ، أو تَحْسِبُ نفسَهَا عليهِ، تشاركُ في خلقِ الأزمات، ولهَا وجهاتُ نظرِها في إدارةِ البِلادِ والعلاقةِ مع العَالم. وهذه المواليةُ لا تقلُّ خطراً على السُّلطةِ من المُعاديةِ لأنَّهَا تفتحُ المعاركَ، وتعمِّقُ الخِلافاتِ. خطرُهَا أنَّهَا تَجُرُّ السُّلطةَ السوريةَ لمواجهةِ النّظامِ الإقليمي وَتَستدعِي القوَى الخارجيةَ للاستثمارِ في حربٍ أهليةٍ مَحَلِيَّة.هذهِ الأفخاخُ تَتطلَّبُ حكمةً في المعالجةِ حتى لا تَشغلَ الحكومةَ عن تنفيذِ المَهمَّةِ الأصْعبِ، وهيَ بناءُ الدَّولةِ الجديدةِ التي تنتظرُها غالبيةُ السوريين، من تحسينِ المعيشةِ، والانتقالِ إلى دولةٍ حديثة.للشَّرعِ شعبيةٌ داخليةٌ عليهِ أن يعززَها حتى لا تتآكلَ نتيجةَ تحدياتٍ كثيرةٍ مقبلة، أبرزُها الخبزُ والغلاءُ وتدنِي المرتبات وتباطؤُ وصولِ المساعداتِ الخارجية. وهيَ تحدياتٌ لا علاقةَ لإيرانَ أو للفلولِ بها، تضافُ إلى الحاجةِ إلى إطفاءِ الشّجار الاجتماعيّ الَّذِي هو في حدِّ ذاتِه مشروعُ حربٍ أهليَّة. فالمنخرطونَ فيهِ باسمِ الحُرياتِ أو الدّفاعِ عن النّظام أو ضدّهِ يعملونَ على تأجيجِ مُكوناتِ السُّكانِ المتناقضةِ المسكونةِ بالقلقِ والرّيبة.المجتمعُ الدوليُّ يريدُ دولةً مدنيةً تديرُ منظومةً أمنيةً وعسكريةً منضبطة، ونظامُ دمشقَ جديدٌ يحتاجُ إلى وقتٍ حتى يرتّبَ صفوفَهُ ويكسبَ الفئاتِ السوريةَ المتعددة. لنتذكّرَ أنَّ حافظَ الأسد في الوقتِ الذي قدَّمَ نفسَه حاميَ الأقلياتِ، وضعَ على يمينِه ويسارِه عبدَ الحليم خدام ومصطفَى طلاس.ثمَّ إنَّ هناك في المنطقة قوًى فَشِلَتْ في خلقِ أنظمةٍ متطرفةٍ وتريدُ سوريا أنْ تكونَ غزةَ أو افغانستان.

الشَّرعُ فورَ دخولِه العاصمةَ أعلنَ عن انفتاحِه على الجميع وأنَّ همَّه سوريٌّ وليسَ أمميّاً. وأظهرَ اعتدالاً فاجأ الكثيرينَ وأدارَ علاقاتِه ببراغماتيةٍ تنسجمُ مع مَا وعدَ به.لهذا سوريا لن تكونَ النَّموذجَ الإيرانيَّ الذي علَى وشكِ الغروبِ، ولا أنْ تحاربَ عن الآخرين، ضد إسرائيلَ أو إيران، ولا يُفترضُ أن تسمحَ للآخرين أن ينقلوا معاركَهمْ إلى داخلِهَا.وَسطَ هذه التجاذباتِ الإثنيةِ والطائفيةِ والإقليمية، فإنَّ المسارَ سَيستَمِرُّ صَعباً. فالنِّظامُ ورثَ بلداً مدمراً منتهكاً من قوًى داخليةٍ وأجنبية، وسَيتطلَّبُ لمعالجتِه المهاراتُ السياسيةُ لا العضلات، وحاسةٌ سادسةٌ تستبقُ الأزماتِ وتطوّقُهَا.

الشرق الأوسط

——————————-

أحداث السويداء تعيد تسليط الضوء على تحالفات «قسد» والعشائر

«الشرق الأوسط» تحاور ممثلي قبائل عربية… وباحث يستبعد مواجهات عشائرية في الجزيرة

القامشلي سوريا: كمال شيخو

19 يوليو 2025 م

أثارت أحداث السويداء الدامية بين فصائل محلية درزية وقبائل البدو المؤيدة للقوات الحكومية في دمشق، وما رافق ذلك من دخول عشائر عربية في المعركة لصالح البدو، تكهنات بأن ما حصل في الجنوب السوري يمكن أن يتكرر في شرق البلاد وشمالها من خلال احتمال اندلاع انتفاضة عشائرية ضد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) المدعومة أميركياً.

يرى شيخ مشايخ قبيلة شمر العربية الشيخ مانع حميدي دهام الجربا أن الربط بين أحداث السويداء والوضع في منطقة الجزيرة السورية غير وارد. ويقول في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «نثمن دور قوات (قسد) وقائدها الجنرال مظلوم عبدي، في تحقيق توافقات وتوازنات سياسية خلال هذه المرحلة العصيبة البالغة الحساسية، وقد تمكّنا عبر شراكتنا من الوصول إلى تفاهمات تُعد إنجازاً تاريخياً لمنطقتنا وعموم أهلنا»، على حد تعبيره.

وقبيلة شمر الموجودة بشكل رئيسي في محافظة الحسكة (شمال شرقي سوريا) تتبع لها قوات «الصناديد» التي تشكلت عام 2013، ويقدر عددها بين 7 و10 آلاف مقاتل ينتشرون في قرى تل علو وتل تحميس شرق مدينة القامشلي على طول الحدود العراقية شرقاً. وهي شريك مؤسس في قوات «قسد» إلى جانب فصائل عربية محلية من مدن الرقة ودير الزور.

يضيف الشيخ مانع: «خلال هذه السنوات وصلنا إلى مرحلة نُسمي فيها أنفسنا إخوة التراب، فنحن أبناء منطقة واحدة وأصحاب قضية مشتركة، تجمعنا روح التآخي بين جميع مكونات هذه المنطقة».

وعرفت قوات «قسد» نفسها في بيانها الأول الذي أصدرته في أكتوبر (تشرين الأول) 2015 بأنها «قوة عسكرية وطنية موحدة لكل السوريين، تجمع العرب والكرد والسريان، وجميع المكونات الأخرى على الجغرافية السورية». ووقع قائدها مظلوم عبدي اتفاقاً تاريخياً مع الرئيس السوري أحمد الشرع في 10 مارس (آذار) يقضي بدمج قواته وإدارته المدنية في وزارة الدفاع وهياكل مؤسسات الدولة مع نهاية هذا العام.

وأوضح بدر ملا رشيد، الباحث المختص بالشأن الكردي في مركز «رامان» للبحوث، أن «قسد» ومنذ تأسيسها؛ استندت في إعلانها إلى تحالفات مع مجالس عسكرية عربية ذات طبيعة عشائرية. وقال في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «بالتأكيد ستؤثر أحداث السويداء على تحالفات شمال شرقي سوريا وقد تطرح عدة سيناريوهات، بينها أن تحاول حكومة دمشق الاستفادة من الواقع الجديد في غياب فاعل محلي بالجزيرة لتزيد من ضغطها على قوات قسد».

واستبعد هذا الباحث فرضية وقوع انتفاضة عشائرية في ظل الظروف الحالية، مشيراً إلى وجود جهود أميركية لتثبيت الاستقرار، ورفع جزئي للعقوبات الاقتصادية عن سوريا، بالإضافة إلى عملية السلام مع الأكراد في تركيا. ولفت ملا رشيد إلى وجود عدة عوامل أخرى تستبعد تكرار ما حصل في السويداء في شمال شرقي البلاد، لافتاً إلى غياب فصيل محلي عسكري مثل فصائل السويداء، وعدم وجود طرف إقليمي يدعم هذا الاتجاه. وتابع قائلاً: «الولايات المتحدة تسعى للحافظ على استقرار سوريا، إضافة إلى أن تركيا منخرطة حالياً في عملية السلام مع (حزب العمال الكردستاني)، ولن تدعم حدوث مواجهات شاملة في مناطق (قسد) حتى لا تؤثر على مسارها الداخلي».

شيوخ عشائر… تأكيد على وحدة سوريا وسلامتها

وتنتشر في منطقتي الجزيرة والفرات شمال شرقي سوريا قبائل وعشائر عربية أبرزها البكارة وطي وشمر وجيس والعكيدات والولدة والبو شعبان، لكنها عانت على مدار سنوات الحرب الماضية من انقسامات حادة. وشهد صيف العام الماضي مواجهات دامية بعدما قاد إبراهيم الهفل، شقيق شيخ عشائر قبيلة العكيدات مصعب الهفل، تمرداً عسكرياً متحالفاً مع عشائر ومقاتلين محليين ضد قوات «قسد»، بدعم من النظام السوري السابق وميليشيات إيرانية. وراح ضحية تلك المواجهات مئات المدنيين والعناصر المسلحة.

غير أن أكرم محشوش الزوبع، رئيس مجلس الأعيان في الإدارة الذاتية ومستشار قبيلة الجبور العربية من مدينة الحسكة، وفي رده حول إمكان حصول أي مواجهات بين «قسد» وعشائر محلية سواء في دير الزور أو الرقة، أو انتقال مقاتلي العشائر من جبهة السويداء إلى مناطق الجزيرة السورية، شدّد على أن «هذه الدعوات والتحركات لا تمثل قيم العشائر العربية. هنا امتزج دم مكونات المنطقة من العربي والكردي والمسيحي في المقاومة التاريخية ودحر إرهاب (داعش)، وسنبقى كلنا شعباً واحداً وسنبقى حريصين على بلدنا وقواتنا».

ونوه هذا المسؤول العشائري إلى أن قوات «قسد» تمثّل جميع المكونات، «على الرغم من مساعي جهات عديدة لإثارة الفتنة، لكننا نرفض الموقف الرمادي والمساعي الرامية لإحداث شرخ بين مكونات شمال وشرق والقوات العسكرية»، وعدّ مناطق الإدارة الذاتية الأكثر استقراراً مقارنة بالمناطق والمحافظات الأخرى، لافتاً إلى أنهم أصحاب الأرض و«نحن نقرر مصيرنا وليس صفحات التواصل الاجتماعي. فالقبيلة أو العشيرة يمثلها من هو موجود على الأرض لا أشخاص خارج المنطقة. إننا نؤكد على وحدة وسلامة الأراضي السورية ولا أحد يستطيع المزايدة علينا بالوطنية».

ويتفق الشيخ حامد الفرج شيخ عشيرة الولدة العربية المنتشرة في مدينة الطبقة ومحافظة الرقة مع كلام شيخي شمر والجبور، مؤكداً دعم أبناء العشائر العربية الموجودة في مناطق الإدارة الذاتية لقوات «قسد». وقال: «جميع العشائر العربية والمكونات هنا متضامنون يداً بيد مع (قسد) ضد أي أجندات تحاول العبث في أمن واستقرار مناطقنا»، داعياً أبناء العشائر إلى «ضرورة تكاتف الجميع للوقوف ضد المشاريع التي تسعى بشكل يومي لضرب الاستقرار في مناطق الإدارة. (قسد) قضت على الإرهاب وتحمي أمان شعوب المنطقة، وتقدم جميع الخدمات وفقاً للإمكانيات المتاحة».

وبالطبع لا تلقى المواقف المؤيدة لـ«قسد» من هذه العشائر العربية إجماعاً بينها، إذ إن هناك منتمين إليها يقيمون خارج مناطق الإدارة الذاتية يجاهرون برفضهم لسيطرتها وتأييدهم تسليم مناطقهم لحكومة الرئيس أحمد الشرع في دمشق.

الشرق الأوسط

——————————-

 ميدل إيست آي: أنقرة وواشنطن منحتا “قسد” مهلة 30 يوماً للاندماج مع حكومة دمشق

2025.07.21

” أن الولايات المتحدة وتركيا منحتا “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) مهلة 30 يوماً لإنهاء عملية اندماجها مع الحكومة السورية.

وكانت قسد قد وقّعت في شهر آذار اتفاقاً مع الرئيس السوري أحمد الشرع، نصّ على دمج كامل لقواتها ووكالاتها ضمن هيكل حكومة دمشق.

لكن تنفيذ الاتفاق تعثر بعد مطالبة قسد ومجموعات كردية أخرى بالحكم الذاتي ورفضها الاندماج تحت مظلة وزارة الدفاع السورية، مع إصرارها على الاحتفاظ بقيادة عسكرية وهيكل تنظيمي مستقل داخل الجيش السوري.

تحذير أميركي–تركي من المماطلة

وبحسب المصادر، فإن الولايات المتحدة وتركيا أبدتا انزعاجهما من تباطؤ قسد في تنفيذ الاتفاق. وقالت المصادر: “خلال اجتماع عُقد في سوريا الأسبوع الماضي، أمهل مسؤولون أميركيون وأتراك قسد 30 يوماً للانضمام إلى الحكومة السورية”.

ونقلت المصادر عن أحد المشاركين في الاجتماع قوله: “أُبلغت قسد أن ليس كل وحداتها المسلحة سيتم دمجها في الجيش السوري. أما الوحدات المستثناة فسيُجرى نزع سلاحها، وستبقى السيطرة العامة بيد الحكومة السورية”.

كما أشارت المصادر إلى أن حكومة دمشق لا تبدي اهتماماً بضم وحدات النساء في قسد المعروفة بـ”YPJ”، والمرتبطة بحزب العمال الكردستاني (PKK).

باراك: لسنا أوصياء دائمين

ومن جهته، صرّح توماس باراك، السفير الأميركي لدى تركيا والمبعوث الخاص لسوريا، في عدة مناسبات خلال هذا الشهر، أن واشنطن ترفض المطالب الانفصالية، وتدعم “سوريا موحدة بجيش واحد ودولة واحدة”.

وفي تصريح للصحفيين في نيويورك بعد اجتماع مع ممثلي قسد والحكومة السورية ومسؤولين أميركيين وفرنسيين، قال باراك: “سنجمعكم، وسنقوم بالوساطة والمساعدة، لكننا لن نبقى إلى الأبد”.

وأضاف: “إذا لم تتفقوا، فلا تتفقوا، لكننا لن نبقى إلى الأبد كطرف وسيط ومراقب”. وحذر باراك من أن “فشل قسد في التوصل إلى اتفاق مع دمشق قد يؤدي إلى خيارات بديلة”.

قلق تركي من التصعيد في السويداء

وتصاعدت التوترات الإقليمية بعد الغارات الإسرائيلية الأخيرة على دمشق، التي جاءت إثر اشتباكات بين بدو ودروز في محافظة السويداء.

وأعربت مصادر حكومية تركية عن قلقها من أن التدخل الإسرائيلي قد يدفع قسد إلى التشبث بمطالبها بالحكم الذاتي، في ظل عجز دمشق عن احتواء الأزمة، واتهامات تُوجه لها بارتكاب انتهاكات بحق أبناء الطائفة الدرزية.

ورغم ذلك، أكد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يوم الاثنين دعم حكومته الكامل لإدارة الرئيس أحمد الشرع، قائلاً: “لن نسمح بتقسيم سوريا”.

وخلال زيارة إلى شمال قبرص، أضاف أردوغان: “موقف الشرع الحازم في السويداء يجب أن يشكل رسالة واضحة لقسد بأنه لا مجال للمساومة في مفاوضات نزع السلاح”.

طلب تركي للحصول على معلومات عسكرية

وأفادت المصادر أن المسؤولين الأتراك طلبوا من “وحدات حماية الشعب” (YPG) خلال الاجتماع تقديم معلومات عن شبكات الأنفاق على طول الحدود التركية ومستودعات الأسلحة الموجودة في مناطق مدنية.

وقد تواصل موقع “ميدل إيست آي” مع الحكومة التركية للحصول على تعليق، لكنه لم يتلق رداً.

وقال باراك، الذي تحدث مع مظلوم عبدي خلال عطلة نهاية الأسبوع، إنه لا يعتقد أن التصعيد في السويداء سيُعرقل المحادثات، مشيراً إلى احتمال حدوث “اختراق خلال الأسابيع المقبلة”.

من جهته، صرّح مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية – طلب عدم الكشف عن اسمه – بأن “المحادثات بين قسد والحكومة السورية لا تزال نشطة”، مؤكداً أن “واشنطن تدعم استمرار هذه المناقشات كأفضل وسيلة لحل القضايا العالقة”.

————————————-

 بعد أحداث السويداء.. “قسد”: من المستحيل تسليم سلاحنا

الثلاثاء 2025/07/22

أكد المتحدث باسم قوات سوريا الديمقراطية (قسد) أبجر داوود، أن مسألة تسليم السلاح “غير ممكنة في الظروف الحالية”، وذلك بعد نحو أسبوعين على لقاءات في العاصمة دمشق، بين الحكومة السورية ووفد من “قسد” و”الإدارة الذاتية”، تتعلق بتطبيق آذار/مارس، وكذلك بالتزامن مع الأحداث التي تشهدها محافظة السويداء.

الانضمام للجيش السوري

وقال داوود في تصريحات صحافية، إنه “من المستحيل” أن تسلم “قسد” سلاحها، في ظل التوترات المستمرة في سوريا وارتفاع وتيرة العنف وتهديد “داعش”، مضيفاً أن “قسد يمكن أن تنضم إلى الجيش السوري، عبر اتفاق دستوري يعترف بخصوصية المكون الكردي”.

وذكر المتحدث الكردي أن “قسد ليست مع الحرب، لكنها ستدافع عن شعبها في كل مكان تتواجد فيه” حسب تعبيره.

يأتي ذلك بعد أسبوعين، على احتضان قصر الشعب في العاصمة دمشق، اجتماعاً بين الحكومة السورية مع وفد كردي يرأسه زعيم “قسد” مظلوم عبدي، بحضور المبعوث الأميركي إلى سوريا توم باراك، في إطار تنفيذ الاتفاق الموقع بين عبدي والرئيس السوري أحمد الشرع في 10 آذار/مارس الماضي، وفق وكالة “فرانس برس”.

ويتضمن اتفاق الشرع- عبدي عدداً من البنود، أبرزها دمج مؤسسات شمال شرق سوريا، العسكرية والمدنية، ضمن الدولة السورية، إلى جانب تسليم حقول النفط والغاز إلى الحكومة السورية، وسط تباين بين الجانبين بشأن تطبيق بنود الاتفاق وتوقيت تنفيذها.

 تعثّر المفاوضات

وعقب المفاوضات، أكدت مصادر مطلعة في الإدارة الذاتية لـ”المدن” أن دمشق لم تقدم بعد أي مقترح عملي أو صيغة مفصلة لدمج مقاتلي “قسد” ضمن وزارة الدفاع، رغم قبول مبدئي مكرر بهذا الطرح. وتتمثل العقدة الأكبر، في غياب أي تصور رسمي لمصير ما يزيد عن عشرين ألف مقاتلة من وحدات حماية المرأة، وسط ما وصفته المصادر بـ”تشدد الحكومة السورية في التعامل مع النساء المقاتلات”، سواء على المستوى العسكري أو المجتمعي.

طريق دمشق

وكانت الرئاسة السورية قد أعلنت عن لقاء جمع الشرع وباراك في دمشق، بالتزامن مع مباحثات الحكومة السورية ووفد “قسد”.

وقال باراك بعد اللقاء، إن “هناك طريقاً واحداً فقط لا غير أمام قسد، وهو الذي يؤدي إلى دمشق”، لافتاً إلى أن الحكومة السورية أبدت “حماساً بشكل لا يُصدق” لضم “قسد” إلى مؤسساتها ضمن مبدأ “دولة واحدة، أمة واحدة، جيش واحد، حكومة واحدة”.

وتابع باراك، أن “قسد بطيئة في الاستجابة والتفاوض والمضي قدما في هذا المسار”. وأوضح أن “قسد تتباطأ في تنفيذ الاتفاق مع الحكومة السورية”، مشدداً على أن “الفدرالية غير ممكنة في سوريا”، مضيفاً أن “الأكراد شعب رائع ومذهل وجميل داخل دولهم”.

المدن

——————————-

«مجلس سوريا الديمقراطية»: التصاعد في أحداث السويداء ينذر بانفجار داخلي

دمشق: «الشرق الأوسط»

22 يوليو 2025 م

أفاد بيان صادر عن مجلس سوريا الديمقراطية التابع للإدارة الذاتية الكردية اليوم (الثلاثاء)، بأن «التصاعد غير المسبوق لأحداث السويداء يهدد بانزلاق البلاد نحو أزمات أعمق وينذر بانفجار داخلي».

ودعا المجلس بشكل عاجل لإقامة مؤتمر وطني جامع لصياغة مشروع سياسي جديد يقوم على العدالة الانتقالية، واعتماد نظام ديمقراطي لا مركزي تعددي.

وطالب بوقف كل أشكال خطاب الكراهية والتحريض الإعلامي والسياسي التي تهدد بشكل مباشر السلم الأهلي والتعايش المشترك.

وأوضح البيان أن ما تشهده السويداء اليوم ليس حدثاً معزولاً، «بل هو تجسيد مباشر لحالة الانهيار العام التي تضرب البنية السياسية والمؤسساتية في البلاد، نتيجة عقود من الإقصاء والاستبداد وتهميش المكونات الوطنية، وعدم التزام السلطات المركزية بمسؤولياتها تجاه إدارة التنوع وضمان السلم الأهلي».

وعبر المجلس عن إدانته جميع أشكال العنف والاشتباكات المسلحة والانفلات الأمني التي تهدد السلم الأهلي في السويداء، وغيرها من المناطق السورية.

وحذر من مخاطر الانزلاق إلى نزاعات داخلية ذات طابع طائفي أو مناطقي أو أهلي، لما تحمله من تهديدات وجودية لكيان الدولة السورية ومجتمعها المتعدد، ومن تداعيات كارثية على مستقبل التعايش والسلم المجتمعي.

وطالب «بوقف كل أشكال خطاب الكراهية والتحريض الإعلامي والسياسي، لما له من دور خطير في إثارة الفتن وتأجيج الانقسامات، وتهديد مباشر للسلم الأهلي والتعايش المشترك».

وأكد أن بناء الثقة الوطنية يبدأ من مسؤولية الكلمة والمنبر، واحترام التنوع والاختلاف بعيداً عن التحريض أو التخوين.

————————————-

تركيا قلقة من استغلال «قسد» تطورات السويداء لتفعيل خطة تقسيم سوريا/ سعيد عبد الرازق

مصادر أكدت لـ«الشرق الأوسط» تحركها دبلوماسياً مع أميركا… وحفاظها على الخيار العسكري

20 يوليو 2025 م

تبدي تركيا قلقاً متزايداً من احتمالات استغلال «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) التي تسيطر عليها وحدات حماية الشعب الكردية التطورات التي أعقبت الاشتباكات في السويداء وتعزيز سيناريوهات تقسيم سوريا.

وفي هذا الإطار، كشفت مصادر تركية أن أنقرة أبقت على الخيارات العسكرية مطروحة في أعقاب الهجوم الإسرائيلي الأخير على سوريا، لمواجهة أي سيناريوهات تقسيم محتملة.

وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط»، شريطة عدم الكشف عنها، إن القوات التركية قد تنفذ بالتعاون مع الجيش السوري تدخلاً عسكرياً إذا لم تُلقِ وحدات حماية الشعب الكردية أسلحتها، وإذا لم تنفذ «قسد» اتفاق الاندماج في الجيش السوري الموقع مع دمشق في مارس (آذار) الماضي.

مخاوف التقسيم

وأضافت المصادر أن أنقرة تدرك أن خطة تقسيم سوريا إلى 4 دويلات عربية في الوسط، ودرزية في الجنوب، وعلوية في الغرب، وكردية في الشمال، التي كُشف عنها للمرة الأولى عام 1969، «تجرى محاولة لتطبيقها حالياً من خلال تكتيك خلق الفوضى على الأرض، والهجوم، والتقسيم، والتفتيت».

ولفتت المصادر إلى أن تركيا ستواصل الدفاع عن وحدة أراضي سوريا، سواء في إطار أمن الحدود أو الاستقرار الإقليمي، وأنها تدعم النهج الأميركي الداعي إلى دمج عناصر «قسد» في الجيش السوري ونزع أسلحتها، وتمارس سياسة الترقب والانتظار، لكن التدخل العسكري قد يكون حتمياً، وفقاً للتطورات على الأرض.

وفي هذا الإطار، بحث وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، في اتصال هاتفي مع نظيره الأميركي ماركو روبيو، مساء الجمعة الماضي، الوضع في جنوب سوريا، مشدداً على ضرورة إنهاء الاشتباكات وعودة الهدوء إلى سوريا في أقرب وقت.

كما أكد فيدان، بحسب مصادر وزارة الخارجية التركية، أهمية تنفيذ التفاهمات التي تم التوصل إليها بين الأطراف في سوريا، في إشارة إلى الاتفاق بين الحكومة السورية و«قسد»، وأنه لن يتم السماح إطلاقاً لـ«التنظيمات الإرهابية» في إشارة إلى «قسد – الوحدات الكردية»، باستغلال الوضع في جنوب سوريا.

ووجه فيدان رسالة مفادها أن التدخلات الإسرائيلية في الأراضي السورية تزيد تفاقم المشكلة، وأن أي اعتداء على سلامة أراضي سوريا ووحدتها وسيادتها، يضر بجهود السلام الإقليمية أيضاً، وأن تركيا تدعم الدور الأميركي «البناء» في سوريا ومستعدة للعمل مع واشنطن والدول الأخرى لإنهاء الصراع والتوتر بشكل دائم.

تحذيرات لـ«قسد»

وكان فيدان قد حذر «قسد»، الأربعاء الماضي، من خطورة استغلال الأوضاع المضطربة في سوريا على خلفية التطورات في محافظات السويداء، لافتاً إلى أن تركيا تلقت معلومات عن تحركات لمسلحي «الوحدات الكردية».

وقال: «رسالتنا لهم أن يبتعدوا عن محاولة استغلال الاضطرابات وألا يزيدوا تعقيد العملية الحساسة في سوريا، وأن يلعبوا دوراً بنَّاءً، وإلا فإن الانتهازية تحمل معها مخاطر كبيرة».

في السياق ذاته، أكد مصدر مسؤول بوزارة الدفاع التركية، الخميس، أن القوات المسلحة تواصل حربها ضد «العناصر الإرهابية في شمال سوريا (في إشارة إلى الوحدات الكردية)، لضمان أمن تركيا ومنع إنشاء ممر إرهابي على حدودها».

وقال إن تطبيق اتفاق الاندماج الموقع بين الحكومة السورية و«قسد»، وكذلك الاشتباكات الأخيرة في السويداء، تخضع لمتابعة دقيقة وحساسة، و«موقفنا من سوريا واضح، هدفنا هو سوريا آمنة ومستقرة وقوية، تضمن سلامة أراضيها ووحدتها السياسية».

وكشفت مصادر عسكرية عن أن الجيش السوري أرسل تعزيزات إلى بلدة دير حافر، الواقعة على طريق الرقة والمتاخمة للمحور الجنوبي لمدينة منبج في شرق محافظة حلب، شمال سوريا، لمواجهة تحركات «قسد» في المنطقة.

وقالت، بحسب وسائل إعلام رسمية تركية ليل السبت – الأحد، إن القوات السورية نقلت أيضاً جنوداً وأسلحة من منبج إلى دير حافر، بعدما أرسلت «قسد» تعزيزات إلى المنطقة في أعقاب اشتباكات مع الجيش السوري في 15 يوليو (تموز) الحالي، استمرت لساعات.

وبحسب المصادر، وصل نحو 150 شاحنة (بيك آب) مجهزة بمضادات جوية، قادمة من مقر الفرقة 17 التابعة لـ«قسد» في الرقة، إلى خطوط جبهتها في ريف حلب. وأشارت إلى أن اشتباكات متقطعة وقعت مع وحدات تابعة لوزارة الدفاع السورية أثناء وصول الشاحنات.

نفي التدخل ضد الدروز

ونفت الرئاسة التركية مزاعم استهداف أنقرة للدروز في سوريا في أعقاب الاشتباكات الدامية التي وقعت في محافظة السويداء الأسبوع الماضي. وقال مركز مكافحة التضليل بدائرة الاتصال برئاسة الجمهورية التركية، في بيان عبر حسابه في «إكس»، إنه «لوحظ تداول بعض منصات التواصل الاجتماعي، بشكل مقصود وممنهج، محتويات أخذت منحىً استفزازياً سافراً، ذهبت إلى الزعم بأنّ تركيا تستهدف الطائفة الدرزية في سوريا».

وأكد البيان أنّ «هذه الادعاءات المغرضة لا تستند إلى أي أساس حقيقي وتشكل جزءاً من حملة تضليل إعلامي تسعى إلى المس بعدالة السياسة الخارجية التركية، وتشويه صورتها التي تقوم على احترام المبادئ الإنسانية».

وجاء البيان رداً على ما تناقلته بعض منصات التواصل الاجتماعي عن «تورط المخابرات التركية في تحريك العشائر السورية نحو محافظة السويداء، ودعمها لها في مواجهة فصائل السويداء المحلية».

—————————-

سياسة واشنطن في سوريا بين توازنات الحلفاء والمصالح/ عبد الرحمن السراج

23/7/2025

لم تُبدِ الحكومة الأميركية تغييرا واضحا في موقفها تجاه دمشق في أعقاب أحداث السويداء التي جرت أخيرا، فقد أكدت واشنطن على لسان مبعوثها الخاص إلى سوريا توم برّاك أمس الاثنين أن التعامل مع الحكومة السورية الحالية هو السبيل الوحيدة لتوحيد البلاد التي لا تزال تتخبط من وطأة سنوات الحرب، وتعاني من موجة جديدة من العنف الطائفي، على حد وصفه، وأنه ليس لدى واشنطن “خطة ب” أو خيار آخر في التعامل مع هذا الملف.

لكن هذا الموقف المعلن يشوبه التباس بسبب ما يتضمنه من مواءمة معقدة بين التحول الكبير من سياسة عزل دمشق تحت حكم نظام بشار الأسد، إلى سياسة الانخراط المباشر معها في ظل الحكومة السورية الجديدة بعد 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، وبين علاقة واشنطن الوثيقة مع إسرائيل التي لا تبدي حكومتها الحالية التزاما باستقرار سوريا أو المنطقة عموما، ولم تُبدِ واشنطن حزما في وقف حملاتها الأكثر وحشية على غزة، ويضاف إلى ذلك علاقة واشنطن بقوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي لا تزال هي والإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا خارج مظلة الحكومة السورية.

وتزداد صعوبة فهم هذا الموقف عند إدراك أنه لا يحظى بتأييد واسع لدى فئتين من الفاعلين التقليديين في السياسة الأميركية بالشرق الأوسط: المتطرفين في تأييد الخط الإسرائيلي في الحزبين الجمهوري والديمقراطي، وخصوم الإدارة الأميركية في الحزب الديمقراطي وخاصة التقدميين من معارضي الحكومة الإسرائيلية الحالية. وقد تكررت هذه الأيام في واشنطن انتقادات للمبعوث الأميركي برّاك، وصفت بأنها حملة تهجُّم على دعم الإدارة الأميركية لدمشق، شاركت فيها أطراف أميركية وعربية وحتى سورية من معارضي حكومة الشرع.

متابعة حثيثة

وتابعت الإدارة الأميركية تطور أحداث السويداء عن كثب منذ اللحظة الأولى، حين أشار برّاك إلى ضلوعه في محاولات الدفع باتجاه ما وصفه بالحل السلمي الذي يضمن الشمول والمشاركة للدروز والقبائل البدوية والحكومة السورية، لكنه أدخل مع هؤلاء الثلاثة في عبارته “القوات الإسرائيلية”، وذلك قبل يوم واحد من ضربها أهدافا في دمشق بما فيها مقر هيئة الأركان السورية في 16 يوليو/تموز، وما تلا ذلك من صراع أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 558 سوريا وتهجير المئات.

وانطلاقا من مواءمة واشنطن المعقدة، فإنها لم تصدر إدانة مباشرة للضربات الإسرائيلية، واكتفت بوصف ما حدث بأنه “سوء فهم” بين الجانبين السوري والإسرائيلي، وذلك على لسان وزير الخارجية ماركو روبيو الذي ظهر في فيديو بجانب الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مؤكدا استمرار التواصل مع الجانبين للتوصل إلى التهدئة والعودة إلى مسار بناء الدولة السورية الذي ربطه بتحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط.

ومع تطور الصراع في السويداء بعد انسحاب قوات الحكومة السورية ودخول قوات العشائر، والانتهاكات التي طالت بعض المناطق في المدينة، أدان المبعوث الأميركي الانتهاكات ضد المدنيين، كما أشار إلى بيان الرئاسة السورية الذي وصفه بالقوي، داعيا إلى إنفاذ ما جاء فيه من إنهاء العنف وضمان المحاسبة وحماية جميع السوريين.

وعلى مدى يومين، اجتمع المبعوث الأميركي مع الحكومة السورية وشيوخ العشائر بمشاركة الجانب الأردني وبالتواصل مع تركيا وإسرائيل، حيث تم التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار ونشر قوات الأمن السورية في السويداء وإخراج المعتقلين وإيصال المساعدات الإنسانية، وتوّجت المحادثات بلقاء جمع براك بوزيري الخارجية السوري أسعد الشيباني والأردني أيمن الصفدي، حيث أكد الجانبان الأميركي والأردني أن الاستقرار في سوريا أساسي لاستقرار المنطقة.

ورغم دعوة المبعوث الأميركي إلى عدم التسامح مع أحداث القتل والانتقام والمجازر التي وصفها بالمؤسفة، فإنه أكّد أن الحكومة السورية الحالية طابقت أفعالُها أقوالَها ولم ترتكب خطأ فيما جرى، وأنها تتسم بالقدرة والكفاءة والموثوقية، وأنها قدمت أفضل ما تستطيعه حكومة ناشئة تملك موارد محدودة للغاية لمواجهة قضايا متعددة آخذة بالظهور تباعا والسعي إلى توحيد مجتمع متنوع.

عقدة العلاقة بإسرائيل

لا يخلو هذا الموقف من علامات الاستفهام حول ملفات فرعية وجوهرية في آن معا، وعلى رأسها سؤال: إلى أي مدى قد تذهب واشنطن في كبح جماح حكومة نتنياهو إذا قررت مواصلة العدوان على سوريا؟ وهل ستكفي وساطات الإدارة الأميركية واتصالاتها مع دول الجوار لوقف القوات الإسرائيلية إذا افترضنا أنها قررت الاجتياح وصولا إلى السويداء؟

وترتبط الإجابة عن هذا السؤال بمدى التزام الحكومة الأميركية باستقرار سوريا في عهدها الجديد، ولا توجد حتى الآن مؤشرات على رغبة واشنطن في العودة إلى الوراء فيما يتعلق بالانزلاق نحو الفوضى، وما يتضمنه ذلك من إفساح المجال لإيران وروسيا بالتسلل من خلال الحدود السورية أو بالشراكة مع ما تبقى من فلول النظام السابق، وهذا هو الإطار العام الذي وضعه وصرّح به وزير الخارجية الأميركي لسياسة بلاده تجاه سوريا منذ لحظة تعيينه.

لكن هناك نقطة ضعف يُخشى أن تكون كعبَ أخيَل في هذه الرؤية الأميركية، وهي العلاقة الأميركية الإسرائيلية التي تمثل عقدة مركزية، ليس في سوريا فقط بل في المنطقة برمّتها، فما زال البيت الأبيض حتى اليوم يصرّح بأن ترامب فوجئ بالقصف الإسرائيلي لسوريا، وقد صرّح براك أيضا بأن الولايات المتحدة لم يطلب رأيها في الضربات الإسرائيلية، وأنها لا تتحمل مسؤولية ما تراه إسرائيل دفاعا عن نفسها، وهذا يبرّئ العدوان الإسرائيلي عمليا ويمنحه أفضلية المبادرة في المستقبل بتوجيه الضربات المباغتة بحسب وجهة النظر الأميركية، وهي أفضلية لا يملكها الجانب السوري في الوقت الراهن.

ويضاف إلى ذلك معطى جديد، ذكره براك في تصريحه الأخير، حين قال إن إسرائيل ترى أنها جزء من القرار في جنوب سوريا، وإن دخول القوات الحكومية إلى السويداء لم يكن ضمن هذه الرؤية، مؤكدا أن اتفاق وقف إطلاق النار بين الجانبين السوري والإسرائيلي كان مقتصرا على السويداء، مما يدل على أن الإدارة الأميركية لم تستطع الضغط على إسرائيل باتجاه حسم مسألة سيادة الحكومة السورية على جنوب البلاد.

وهذه التصريحات تجعل من الصعب هضم الانتقادات الأميركية للضربات الإسرائيلية التي وصفها براك بأنها عامل تشويش وبأنها جاءت في أسوأ الأوقات، وقوله إن إسرائيل تفضل أن تكون سوريا مجزّأة وألّا تكون دولة ذات حكم مركزي قوي، وحتى تصريحات أخرى من واشنطن مثل إدانة السيناتور جين شاهين للقصف الإسرائيلي على السويداء ودمشق، فمثل هذه الإدانات تجعل المسؤولين الأميركان أشبه بالمعلّقين الذين يطلقون تحليلات أو مقولات حكيمة على مسألة لا شأن لهم فيها، مثل قول براك إن الأقليات في سوريا باتت تدرك أن وحدتها تحت دولة مركزية أفضل لمستقبلها.

الشراكة مع قسد

ويتعلق السؤال الجوهري الثاني بمآل العلاقة الأميركية مع قسد، والتي بدأت قبل تعيين المبعوث الأميركي الحالي وحتى قبل فترة رئاسة ترامب الأولى، حينما تأسست على أساس الشراكة في قتال تنظيم إرهابي، في الإشارة إلى تنظيم الدولة الإسلامية. ورغم تصريح إدارة ترامب خلال زيارته للسعودية في مايو/أيار الماضي بأن ملف محاربة الإرهاب سيُدار بالشراكة مع الحكومة السورية الجديدة، فإن موقع قسد من هذه الشراكة لا يزال غير مُعرّف.

وبعد تعثُّر الاتفاق الذي وقعه الرئيس السوري أحمد الشرع، وقائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي في مارس/آذار الماضي، تدخل المبعوث الأميركي لوضع خريطة طريق لتنفيذ الاتفاق، لكن المفاوضات لم تحقق تقدّما في هذا المسار حتى الآن، وهنا يبرز وجه تشابه آخر مع الملف الإسرائيلي وهو تقارب الموقف الأميركي المُعلن مع موقف الحكومة السورية رغم عدم تمكُّنِها أو تمكينِها من فرض رؤيتها، حيث اعتبر براك أن أمام قسد طريقا واحدا هو الطريق نحو دمشق، وحرص على تكرار الحديث عن أهمية وجود حكومة مركزية قوية في سوريا.

وبالنظر إلى الإطار العام للسياسة الأميركية في سوريا الذي يميل نحو دعم الاستقرار فيها، يبدو أن إدارة ترامب تقترب أكثر من حسم مصير قسد والإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا، خاصة بعد سعيها إلى إنهاء وجودها العسكري الذي بدأ بتقليص عدد الجنود الأميركيين إلى أقل من ألف جندي، وتصريحات ترامب الداعية إلى تولّي الحكومة السورية مسؤولية مراكز احتجاز عناصر تنظيم الدولة، لكن تخصيص تمويل لدعم مجموعات في سوريا أبرزها قسد ضمن ميزانية عام 2026 يشير إلى أن هذا الحسم قد يتأخر حتى السنة المقبلة على الأقل.

ويضاف إلى الحسم المؤجّل لملف قسد، رفع العقوبات الأميركية عن سوريا، الذي تبيّن أنه يواجه تحديات تقنية لم يحسمها قرار ترامب التنفيذي في 30 يونيو/حزيران الماضي بإنهاء العقوبات، وخاصة ما يتطلب منها تحركا في الكونغرس من قبيل إلغاء تشريعات قائمة أو وقف تجديد تشريعات أخرى.

المصدر: الجزيرة

=================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى