إشتباكات السويداءالتدخل الاسرائيلي السافر في سورياالعدالة الانتقاليةالعلاقات السورية-الأميركيةالمقاتلين الأجانب و داعش في سوريةتشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسةعن أشتباكات صحنايا وجرمانا

إشتباكات السويداء والتدخل الاسرائيلي السافر تحديث 24-27 تموز 2025

عن التدخل الاسرائيلي السافر في سورية الجديدة، ملف تناول “شهية إسرائيلية لتفتيت سوريا” – تحديث 15 تموز 2025

لمتابعة مكونات الملف اتبع الرابط التالي

التدخل الاسرائيلي السافر في سورية الجديدة

لمتابعة تفاصيل هذا الملف اتبع الرابط التالي

إشتباكات السويداء

لمتابعة تفاصيل هذا الملف اتبع الرابط التالي

عن أشتباكات صحنايا وجرمانا

===========================

تحديث 27 تموز 2025

———————————-

غياب عقلية الدولة في أحداث السويداء/ عبسي سميسم

27 يوليو 2025

أظهرت مآلات الأحداث المؤسفة في محافظة السويداء وطريقة تعاطي الحكومة السورية معها فشلاً في إدارة واحدة من أصعب الأزمات التي اختلقها وقادها أحد المرجعيات الدينية الثلاث للموحدين الدروز في المحافظة (حكمت الهجري)، بدعم إسرائيلي مباشر، وعلني، في محاولة منه لإنشاء كيان انفصالي تابع ومحمي من إسرائيل.

وساهمت طريقة تعاطي الحكومة السورية في مواجهة هذا المشروع، بنجاح الهجري في سحب كثر من سكان السويداء لتأييد مشروعه أو لاتخاذ موقف معادٍ للحكومة على أقل تقدير. تجلى الفشل الحكومي باتخاذ خطوات غير مدروسة، بدأت بالدخول كقوة فض نزاع بين مكونين طائفيين من مكونات المحافظة “الدروز، البدو”. تم تحويل قوات الدولة السورية إعلامياً، وبغض النظر عن تفاصيل ما حدث، إلى طرف منحاز لفصائل البدو، الأمر الذي أدى إلى تراجع تلك القوات عن هذا الإجراء، لتتخذ بعدها موقفاً أسوأ تجلى بالسماح لكل مسلحي العشائر في سورية بالتوافد لنصرة بدو السويداء واتخاذ الدولة موقف المتفرج فبدت كمن يريد أن يعاقب كل المكون الدرزي في المحافظة ليريهم أن غياب الدولة سيكون وبالاً عليهم، الأمر الذي أدى أيضاً إلى ارتكاب مزيد من الانتهاكات وإلى فرض اتفاق على الحكومة السورية حوّل قواتها إلى قوات حرس حدود لمحافظة السويداء من هجمات فصائل العشائر، وقيام القوات الحكومية بتهجير ما تبقى من عشائر البدو من محافظة السويداء تحت اسم إجلائهم مؤقتاً من أجل حمايتهم.

ومما زاد الطين بلة تغاضي الحكومة عن حملات التحريض الطائفي ضد المكون الدرزي كنوع من ردة الفعل على حملات التحريض ضد الحكومة التي تدار من حسابات خارج سورية، والأنكى من هذا مشاركة شخصيات محسوبة على الحكومة في تلك الحملات، ما أدى إلى زيادة حدة الانقسام، وتمترس أبناء الطائفة الدرزية بمعظمهم ضد إجراءات الحكومة، والتعاطي معها كأنها عدو لهم.

إن التعاطي مع مشروع انفصالي بحجم مشروع الهجري لا يتم بقرارات ارتجالية ولا بردات فعل ولا بفزعات، وإنما بقراءة مطالب واحتياجات أبناء المحافظة والتعاطي معهم بصفتهم مواطنين يتساوون بالحقوق والواجبات مع كل السوريين تحت سقف القانون، بدلاً من شيطنتهم، حينها فقط يمكن كسب معظم سكان المحافظة الذين يؤمنون بوحدة الأرض السورية ويقفون في وجه كل المخططات الانفصالية، وحينها فقط لن تكون الحكومة السورية مضطرة لتقديم تنازلات إلى الجانب الإسرائيلي مقابل الحفاظ على الهدوء في الجنوب السوري.

العربي الجديد

—————————–

 المشروع الوطني السوري يستوجب مقاربات وطنية/ عبد الباسط سيدا

27 تموز 2025

مع وصول الأنباء التي أكدت هروب بشار الأسد، ودخول قيادة إدارة العمليات بقيادة أحمد الشرع إلى قصر الشعب، هيمن فرح غامر على غالبية السوريين الذين قدموا تضحيات تفوق الوصف على مدى 14 عاما.

ولكن في موازاة هذا الفرح، كانت التساؤلات والهواجس بشأن الخطوة التالية. ومن بين هذه التساؤلات: هل توافقت القوى الدولية والإقليمية المؤثرة المعنية بالملف السوري على احترام تضحيات وتطلعات السوريين الذين قاسوا الأمرّين بفعل جرائم سلطة آل الأسد؟ أم أن خطوة إخراج الأسد من المعادلة، والاعتماد على فصيل مصنف ضمن قوائم الإرهاب الغربية والأممية هي مجرد خطوة مرحلية وظيفية تمهيدية لخطوة لاحقة مجهولة الملامح؟

هذا إلى جانب تساؤلات أخرى حول جدية تحوّلات هيئة تحرير الشام وقائدها أحمد الشرع تحديداً؛ وأخرى خاصة بمستقبل العلاقات بين المكونات المجتمعية السورية والعلاقات بينها وبين الإدارة السورية الجديدة، والمعني به هنا على وجه التحديد المكونات المجتمعية التي هي خارج دائرة المكون العربي السني.

غير أن الطابع السلس لعملية التغيير، وعدم حصول مواجهات مسلحة كان من شأنه التسبب في وقوع أعداد كبيرة من الضحايا والجرحى وإحداث دمار هائل، خلق ارتياحاً لدى السوريين. وما عزز بواعث هذا الارتياح أكثر تأكيدات الرئيس الشرع أن العهد الجديد سيحترم سائر المكونات المجتمعية، وأن سوريا المستقبل ستكون للجميع وبالجميع. هذا بالإضافة إلى وعوده بشأن احترام حرية المرأة وحقوقها؛ وغير ذلك من الحقوق التي اعتبرتها الدول الغربية مبشرة، ولكنها بينت في الوقت ذاته أنها ستراقب الأوضاع على الأرض لأن العبرة في التطبيق.

كما استبشر السوريون من جانبهم بمستقبل جديد يضمن لهم ولأبنائهم وأجيالهم المقبلة مقومات العيش الحر الكريم؛ هذا رغم انتقادات بعضهم، وملاحظات بعضهم الآخر بشأن التعيينات الأساسية والإجراءات المتسرّعة بخصوص مختلف المسائل.

وكان الانفتاح العربي الخليجي اللافت على الإدارة الجديدة خطوة مشجعة، تعلق بها السوريون على أمل تجاوز الاختلال في معادلة نفوذ القوى الإقليمية والدولية الداخلة في سوريا.

كما أن الاتصالات الدولية مع الإدارة الجديدة، والزيارات المتبادلة، والانفتاح الغربي على الإدارة الجديدة، إلى جانب رفع أو تعليق العقوبات الأمريكية والأوروبية لتخفيف الضغوط الاقتصادية على سوريا، كل ذلك اعتبر من المؤشرات الإيجابية التي أوحت بأن الإدارة المعنية قد وصلت إلى دفة الحكم في سوريا بفضل التوافقات الإقليمية والدولية؛ وهي توافقات ما زالت في دائرة المسكوت عنه. ولكن السؤال الحيوي هنا هو: هل ستستمر تلك التوافقات لتكون محوراً أساسياً من محاور السياسة الأمريكية الشرق أوسطية؟ أم أنها توافقات وظيفية من جانب الأمريكان، وبالتفاهم مع إسرائيل بطبيعة الحال بعد الزلازل الكبرى التي شهدتها، وتشهدها، المنطقة قبل وبعد المواجهة العسكرية المباشرة بين إسرائيل وإيران، ودخول الولايات المتحدة الأمريكية نفسها على الخط عبر الدعم والإسناد وأخذ الاحتياطات، بل والمساهمة  في عملية قصف المواقع النووية الإيرانية؟

فالولايات المتحدة بفعل وجودها المباشر على الأرض السورية منذ أكثر من عقد؛ ومن خلال اتصالاتها مع هيئة تحرير الشام في إدلب، ومع الشرع نفسه شخصيا، لديها فكرة كافية حول طبيعة الهيئة وتوجهاتها. وهي على دراية بماهية العلاقات بينها وبين الفصائل الأخرى، لا سيما تلك التي تحالفت معها استعداداً لعملية «ردع العدوان» والدخول إلى دمشق. وهذا فحواه أن الكثير مما حصل حتى الآن في الساحل، وفي السويداء، والعملية الإرهابية التي استهدفت المصلين في كنيسة مار الياس بدمشق؛ كل هذه الكوارث كانت متوقعة لأسباب عديدة منها موضوعية لها علاقة بوضع القوات الأمنية والعسكرية الحكومية من جهة العدد والإعداد والعتاد؛ ومنها أيديولوجية تتمحور حول الشحن المذهبي، ومحاولة تسويغ ذلك عبر استخدام الظلم الكبير الذي تعرض له العرب السنة في الخطابات المذهبية التي وصل الأمر ببعض أصحابها إلى حد المطالبة بالانتقام، واستخدام أسلوب استعلائي، وكأنهم أصحاب الدار الشرعيين. أما المكونات المجتمعية الأخرى، الدينية والمذهبية والقومية الأقل عدداً فهي تجسد حالة شاذة طارئة وفق منظورهم؛ وهم يتعاملون مع هذه الأخيرة لا كجزء عضوي طبيعي أصيل من النسيج المجتمعي الوطني السوري العام، وإنما كخطر دائم يفسح المجال أمام التدخلات الخارجية.

واليوم، وبعد أحداث السويداء الأليمة والاعتداءات الإسرائيلية على القوات العسكرية الحكومية، وعلى مواقع عسكرية ومقرات سيادية؛ إلى جانب الأخبار المفزعة حول الانتهاكات التي حصلت في السويداء وقبلها في الساحل من قبل مختلف الأطراف وبحق مختلف الأطراف، يُلاحظ تحول في الخطاب الأمريكي والغربي عموماً، وهناك تهديدات بإعادة العقوبات والاستمرار في العمل بقانون قيصر؛ إلى جانب دعوة أمريكية صريحة على لسان وزير الخارجية بضرورة التزام الإدارة السورية بتنفيذ مطالب ليس من السهل تنفيذها.

أما التصريحات التي تستوقف أكثر من غيرها فهي تلك التي تصدر تباعاً عن المبعوث الأمريكي إلى سوريا توم برّاك، خاصة تصريحه الخاص حول عدم وجود خطة بديلة لدى الولايات المتحدة؛ وهو تصريح يُفهم منه عدم وجود قوة سورية أخرى خارج نطاق الحكومة الحالية يمكن أن تكون بديلاً عن الإدارة الحالية. هذا في الوقت الذي تتعالى فيه نبرة الانتقاد من جانب المسؤولين الأمريكان والغربيين حول أسلوب معالجة ملف السويداء، وقبل ذلك ملف الساحل.

أما إسرائيل فلديها موقف واضح بخصوص المستقبل السوري يتمثل في إصرارها على أن تكون سوريا ضعيفة، بل منزوعة السلاح، خاصة في المنطقة الجنوبية. ولعلنا لا نذيع سراً إذا قلنا إن هذا الموقف الإسرائيلي إنما هو بالتنسيق والتكامل مع الموقف الأمريكي، ويعد مثل هذا التنسيق من المسائل الاستراتيجية بالنسبة إلى الطرفين.

وبالتوافق مع هذا التوجه الإسرائيلي، هناك اليوم حديث متزايد حول الشرق الأوسط الجديد، وإعادة ترتيب المنطقة أو هيكلتها من جديد، بما في ذلك إعادة النظر في الحدود التي تفصل بين الدول، أو حتى رسم حدود جديدة ضمن الدول القائمة حالياً. وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن فكرة الشرق الأوسط الجديد هذه ليست وليدة اليوم، بل عمرها المعروف المعلن هو أكثر من عقدين؛ ويتذكر المتابعون المهتمون تصريحات كوندوليزا رايس حول الفوضى الخلاقة والشرق الأوسط الجديد بعد غزو العراق. هل نحن الآن في مرحلة تطبيق فكرة الشرق الأوسط الجديد؟ وهل اُستخدمت هيئة تحرير الشام بطريقة ما لتنفيذ هذه المهمة سورياً؛ وسوريا كما نعلم دولة مفتاحية، ستكون لمتغيراتها الداخلية انعكاسات شبه مباشرة، بل مباشرة، على الجوار الإقليمي، لا سيما في لبنان والعراق؟

أم أن دعم هيئة تحرير الشام غربياً وأمريكياً على وجه التحديد كان عن حسن نية، وخضوعاً للأمر الواقع؛ ولكن الذي حصل هو أن تراكمات الأخطاء المحسوبة على الإدارة السورية الجديدة قد أدت إلى حدوث تحولات في مواقف الدول الغربية، وهي تحولات ستؤثر من دون شك في حال استمراريتها على مواقف بعض الدول العربية، وستكون لها انعكاسات إقليمية؟

هل بلغت الأمور في سوريا نقطة اللاعودة؟ أو بكلام آخر هل بلغت الخطة الأمريكية في سوريا نقطة الانتقال إلى المرحلة التالية التي تصر عليها إسرائيل، وتتمحور هذه الخطة، في حال وجودها بالفعل، حول تفتيت سوريا إلى كيانات مذهبية وقومية تحت شعارات مختلفة منها: استحالة امكانية التعايش المشترك بين المكونات المجتمعية السورية، وقطع الطريق على انتهاكات ومجازر تقشعر لها الأبدان والنفوس؟

وهنا يفرض السؤال المشروع الذي ينبغي أن يطرح نفسه وهو: هل هذه الخطة من باب القدر المحتوم؟ أم أن هناك امكانية لقطع الطريق أمامها عبر إجراء مراجعة جريئة للسياسات والمقاربات والممارسات الخاصة بالأوضاع السورية الداخلية التي كانت حتى الآن؟

هل سيقتنع أصحاب القرار في الإدارة الجديدة بعد تجربة سبعة أشهر في الحكم بأن سوريا هي أكبر من أن تُدار من قبل مجموعة بعينها لا تراعي في معظم المواقف الشروط الأساسية لإدارة ناجحة للتنوع السوري؛ وفي مقدمة هذه الشروط المشاركة في حوار وطني حقيقي يستهدف التوافق على عقد اجتماعي يكون أساساً لدستور وطني عام يطمئن سائر السوريين، يكون ركيزة لنهوض حقيقي لدولة سورية وطنية تكون على مسافة إيجابية ومن جميع مواطنيها. دستور يقر بخصوصية المكونات، ويثبت حقوقها على الصعيد الجماعي؛ ويضمن المساواة بين المواطنين السوريين على صعيد الحقوق والواجبات؟

نقول إن الانفتاح على الدنيا بأكملها لن يكون مجدياً من دون الانفتاح على السوريين. الاستقواء بالقوى الإقليمية والدولية التي تتبدل مصالحها وتتعارض مع الوقت لن يكون أبداً البديل عن الاستقواء بالسوريين، وإتاحة المجال أمامهم للإسهام في عملية ترميم نسيجهم المجتمعي الوطني، والنهوض ببلدهم ودولتهم.

ما نراه في هذا السياق هو أن الوضع السوري رغم كل الذي حصل، ورغم كل التحديات، ما زال قابلاً للمعالجة شرط الاعتراف بالأخطاء، وتحديد المسؤوليات وتطبيق مبدأي المساءلة والمحاسبة بشفافية ونزاهة، وإشراك السوريين في إدارة شؤون دولتهم، وفي عمليات إعادة البناء على مستوى الاجتماع والعمران، وكل ذلك يستوجب قبل كل شيء توفير الأمن والأمان، والمقومات الأساسية للعيش الكريم.

*كاتب وأكاديمي سوري

القدس العربي

——————-

دول الجوار السوري بعد فزعة العشائر/ مالك ونوس

27 يوليو 2025

واضح أن السلطة السورية الجديدة اعتمدت في أعمالها العسكرية ما بات يُعرف بمفهوم “الفزعة”، وتبنتّها أسلوباً لحل المشكلات الأمنية الكبيرة والمتكرّرة مع الأقليات، والتي تعجز عن منع تكرارها أو انتقالها بين منطقة وأخرى. وإزاء اعتمادها هذا الأسلوب مرّات، يمكن البتّ بأن عقلية الفزعة باتت سياسةً لدى الحكم الجديد. ويمكن التيقّن من ذلك أيضاً، بناءً على عبارات الشكر والعرفان بالجميل التي وجّهها الرئيس أحمد الشرع إلى المشاركين فيها في المرّات التي لجأ فيها للفزعة؛ مرّة في الساحل السوري، ومرّتين في السويداء أخيراً، على الرغم من خطورة هذه السياسة وتبعاتها، على الدولة نفسها، وعلى بُنى المجتمع السوري، من جهة، وعلى دول الجوار، من جهة أخرى وبأشكال مختلفة.

ولا بد لمراقب هذه السياسة أن يخمّن أن وراء اعتماد مفهوم الفزعة سياسةً غاياتٍ تعرفها السلطة. كما قد يردّها بعضهم إلى عدم جهوزية الجيش السوري المأمول، علاوة على القدرة على التنصّل من انتهاكات قد تُقترف خلال تلك الفزعات، فلا يُعرف مرتكبوها وتضيع المسؤوليات وتصعب المحاسبة. وبغض النظر عما يطرحه التعمُّد في تكرار الاعتماد على هذا الأسلوب، إلا أنه يُعدُّ مؤشّراً خطيراً يدل على عدم قدرة الدولة بعدُ على بناء المؤسّسة العسكرية الجامعة، والمؤسسات المدنية لإدارة الدولة بالطريقة الأنسب، بعيداً عن منطق استقواء إحدى مناطق البلاد والمجموعات فيها على منطقة ومجموعات أخرى. ومن المستغرب استمرار هذا لأنه يأتي بعد ثمانية أشهر من إسقاط النظام السابق وهروب رئيسه بشّار الأسد خارج البلاد، وحصول سلطة الشرع على دعم دولي وعربي منقطع النظير، يمكِّنُها من إعادة بناء مؤسساتها ومراجعة أخطاء المرحلة السابقة، خصوصاً بعد حوادث الساحل التي لامها كثيرون على طريقة إدارتها.

وتكمن الخطورة في ما يمكن أن تشكله هذه السياسة على نسيج المجتمع السوري، فبينما يمكن لجيش نظامي أن يكون أكثر انضباطاً ومسؤولية في التعامل مع أبناء أي منطقة ينفذ فيها عملية عسكرية، سواء لضبط مطلوبين أو وقف نزاع مسلح محدود، لا يمكن ضبط مجموعات رديفة أو غير نظامية، من التي أشار إليها تقرير “اللجنة الوطنية للتحقيق وتقصّي الحقائق في حوادث الساحل السوري” الذي أعلنته الحكومة، قبل أيام، وسمّاها “مجموعات مسلحة” و”مجاميع الفزعات الشعبية” التي اعترف بأنها اندفعت بشكل عشوائي إلى الساحل، ما أدى إلى حدوث انتهاكات. وبينما يؤدّي هذا الأسلوب إلى زيادة التحريض وخطاب الكراهية، وتبرير العنف والقتل والأعمال غير المنضبطة، فإنه، فضلاً عن تخريبه نسيج المجتمع السوري الهش، يؤدّي إلى فقدان كثيرين الثقة بالدولة. كذلك قد يودّي إلى إضعاف دور الدولة المركزية عبر تقوية مجموعات الأطراف غير المنضبطة، وانكسار صورتها ضامنةً وحدة البلاد والمجتمع وتعزيز هويته الوطنية الجامعة.

ولا تتوقف خطورة هذه السياسة وتبعاتها عند حدود البلاد، بل تتجاوزها لتطاول دول الإقليم، خصوصاً لبنان والأردن والعراق التي لديها عشائرها، وبعضها يعاني من بيئة عدم الاستقرار الاجتماعي والسياسي. كذلك إن ميزة التنوّعين، الطائفي والعشائري الواسع، قد يحاول بعضهم استغلالها سلبياً، سواء من الخارج أو من أي طرف داخلي، فتصبح نذيراً بوقوع انفجارٍ مجتمعي خطير، خصوصاً في العراق ولبنان. لذلك، تصبح التجربة السورية قابلة للنسخ والتطبيق في هذه البلدان، إذا استمرّت السهولة التي اعتُمِدت في اتباعها، واستسهال الدعوة إلى الفزعات التي حشدت العشائر، وغيرهم من أبناء المجتمع في المناطق السورية كافة.

ولأن لبعض العشائر السورية امتداداً في دول الجوار، فإن أي فزعةٍ مستقبليةٍ من هذا النوع قد تؤدّي إلى انتقال عَدْواها إلى لبنان والأردن اللذين يتشابهان بالتنوع العشائري والطائفي مع سورية. وفي هذا السياق، سُجِّلَت حوادث اعتداء وتوترات، كذلك خرجت دعوات التحريض على نطاق ليس قليلاً في مناطق لبنانية على خلفية المعارك في السويداء. لذلك، يمكن لتكرار هذه الأعمال أن يزيد من التضامن بين الدروز في البلدين، وبالتالي عودة آفة الاستقطاب الطائفي بين اللبنانيين، ما يجعل خطر اندلاع نزاعات على خلفية طائفية واردة في أي لحظة. أما الأردن الذي فيه أقلية درزية، فتشكّل بعض العشائر فيه امتداداً للعشائر السورية، لذلك يمكن أن تنتقل التوترات بين العشائر والدروز في سورية، إذا ما تكرّرت، إلى داخل الأردن. ويمكن للعراق أن يقلق، بسبب قدرة الحكم في دمشق على تحريك هذا العدد الهائل من القوات بسرعة وسلاسة، ما يشكل تهديداً لحدوده إذا ما حصل أي توتّرٍ سياسي بين الدولتين.

لذلك، قد تدفع أي حوادث من نوع التوترات الطائفية التي يمكن أن تعقبها فزعات تشارك فيها العشائر من جديد، أو حتى مجموعات غير منضبطة، الدول العربية المحيطة بسورية إلى المسارعة إلى إغلاق الحدود، وفي مراحل متقدّمة إلى قطع العلاقات معها إذا ما تأثرت مباشرة بها. إذ إن هذه الدول التي عانت ما عانته 14 سنة من حكم بشّار الأسد، وخصوصاً من مشكلاتٍ بدأت مع توافد أعداد ضخمة من اللاجئين إليها، ما شكل عبئاً عليها، ولم تنتهِ مع تهريب المخدّرات إليها، أو جعلها ممرّاً لعمليات تهريبه، لا يمكن لها أن تتحمّل توتراتٍ جديدة تؤثر في أمنها، وفي الأمن المجتمعي لأبنائها.

أما وقد كرّرت السلطة في السويداء السيناريو الذي اتبعته في الساحل قبل أشهر، على الرغم من تحذيراتٍ من تكراره، فإن احتمال تكرار السيناريو نفسه مع السويداء مرّة أخرى، ومع الأكراد في الشمال والشمال الشرقي من البلاد يمكن أن يبقى قائماً. ففي ظل حملات التحريض والكراهية التي لم تتوقف ضد الأكراد، وتصاعدت بالتزامن مع معارك السويداء التي سبقتها حملات تحريض مشابهة، يُخشى أن تقع سلطة دمشق في الفخ مرّة أخرى. حينها ستنأى دول كثيرة، ليس في الجوار السوري فحسب، بل في مناطق أخرى، عن المسألة السورية، وسيبقى السوريون يعانون خيباتٍ ضحّوا كثيراً حتى ينقطع توالدُها والمآسي التي تنتجها، لكنهم فشلوا.

العربي الجديد

—————————-

 قراءة في محادثات باريس.. هل تنجح فرنسا في كسر الجمود السوري الإسرائيلي؟

2025.07.27

احتضنت العاصمة الفرنسية باريس اجتماعاً غير مسبوق بين وفدين من سوريا وإسرائيل، ضمّ ممثلين عن وزارتي الخارجية والاستخبارات في الجانبين، بوساطة أميركية، تزامناً مع تصاعد التوتر جنوبي سوريا والتطورات الأمنية في محافظة السويداء.

وأكد مصدر دبلوماسي سوري أن الاجتماع استمر أربع ساعات، وناقش التصعيد العسكري الإسرائيلي الأخير في الجنوب السوري، إضافة إلى الأوضاع الأمنية في السويداء. وحمّلت دمشق إسرائيل مسؤولية التصعيد، لكنها أبدت استعدادها المشروط للعودة إلى اتفاقية فضّ الاشتباك لعام 1974، في حال توفرت ضمانات دولية.

وشدد الوفد السوري على ثوابت وطنية، وعلى رأسها وحدة الأراضي السورية ورفض أي وجود أجنبي غير شرعي، كما طالب بانسحاب إسرائيل من مواقع متقدمة على الحدود، مشيراً إلى استعداد مبدئي لمواصلة الحوار.

ولعب المبعوث الأميركي توماس باراك دور الوسيط في المحادثات، وحاول تحقيق توازن بين التنسيق مع إسرائيل ودعم المؤسسات السورية الرسمية، حيث قال في تغريدة على منصة “إكس”: “الدبلوماسية النشطة هي الطريق الذي تسلكه واشنطن للخروج من الأزمة”، مضيفاً أن “سوريا المستقرة تُبنى على أساس جيران أقوياء”.

تفاؤل مشوب بالحذر

رأى الدكتور زكي لبابيدي، رئيس مكتب سوريا في المجلس السوري الأميركي، أنه رغم أن ما رشح عن الاجتماع “مبشّر”، إلا أنه يجب الحذر من أن إسرائيل لا تلتزم بالقوانين الدولية ولا بالتفاهمات، مشيراً إلى أن الاحتلال الإسرائيلي قصف القصر الرئاسي في دمشق وهدد باغتيال الرئيس الشرع بشكل علني.

ولفت لبابيدي، في لقاء مع تلفزيون سوريا، إلى النفوذ الإسرائيلي الكبير داخل الإدارة الأميركية، وإلى ضغوط تمارسها أطراف داعمة لإسرائيل، ما يضعف أي جهود تهدئة حقيقية تقودها واشنطن.

واتهم لبابيدي أيضاً إسرائيل بتسليح مجموعات مسلحة في السويداء لخلق فوضى داخلية وإشعال حرب أهلية تخدم مصالحها، محذراً من أن ذلك قد يحدث فعلاً ما لم يتداركه السوريون.

فرنسا تدخل على خط الملف السوري

من جانبه، قال الكاتب والمحلل السياسي حسن النيفي إن فرنسا تسعى للعب دور سياسي محوري في الملف السوري بعد سقوط نظام الأسد وتغيّر موازين القوى في المنطقة، مشيراً إلى أن اختيار باريس مكاناً لعقد الاجتماع جاء بناءً على رغبة فرنسية.

وأوضح النيفي، في لقاء مع تلفزيون سوريا، أن الاجتماع حمل طابعاً استكشافياً، ولم يترك أثراً واضحاً سواء في نتائجه أو فحواه، ولم يكن خالياً من النوايا المزدوجة، مضيفاً: “يمكن وصف المباحثات بأنها كانت بمثابة جس نبض، حيث عبّر كل طرف عن تطلعاته ومطالبه”.

وأشار النيفي إلى أن الاجتماع لم يُسفر عن نتائج ملموسة، مرجحاً أن يكون مجرد خطوة تمهيدية نحو توافقات أمنية قد تتبلور في المستقبل القريب.

وقال إن الحكومة السورية كان شاغلها الأساسي خلال اللقاء هو رفض مبدأ التقسيم، كما أكدت موقفها الرافض لبقاء أي قوات أجنبية بشكل دائم على الأراضي السورية، في إشارة واضحة إلى الوجود الإسرائيلي داخل سوريا، وإلى التوغلات العسكرية الإسرائيلية التي أعقبت سقوط نظام الأسد في الثامن من كانون الأول الماضي، كذلك عبّرت بشكل مباشر وصريح عن رفضها لمحاولات الاستثمار الإسرائيلي داخل الطائفة الدرزية في سوريا.

وأضاف: “في المقابل، لا تُخفي إسرائيل نواياها، فهي تسعى إلى بسط سيطرتها على الجنوب السوري، دون اكتراث فعلي بمصير الدروز أو غيرهم من السكان، بل تنظر إلى الأحداث التي جرت في السويداء كفرصة استثمارية تسعى لاستغلالها”.

وتطمح “تل أبيب” إلى فرض اتفاقيات أمنية جديدة مع دمشق، تتيح لها التحكم بنوعية السلاح وعدد القوات المنتشرة في الجنوب السوري، كما تسعى إلى تحويل سكان الجنوب إلى ما يشبه “حرس حدود” لصالحها، تحت ذريعة حماية الدروز، بحسب النيفي.

إسرائيل تجس نبض دمشق وتخطط للجنوب

أكد الكاتب الفلسطيني محمد القيق أن الجانب الإسرائيلي دأب على عقد جلسات “جسّ نبض”، وما يجري حالياً لا يخرج عن هذا الإطار، إذ يهدف إلى اختبار توجهات القيادة السورية الجديدة، وقد سبق أن استخدم الإسرائيليون هذا الأسلوب في مراحل سابقة، ما أدى إلى اندلاع مواجهات في الساحل، ثم انتقال التصعيد إلى محافظة السويداء.

وأوضح القيق، في لقاء مع تلفزيون سوريا، أن لدى إسرائيل توجهاً استراتيجياً واضحاً بالتوسع جنوباً داخل الأراضي السورية، وتسعى لتنفيذ ما يُعرف بـ”ممر داوود”، الذي يمتد من درعا باتجاه الشرق السوري وصولاً إلى منطقة التنف عند الحدود العراقية، مشيراً إلى أن هذا المشروع مطروح على طاولة بنيامين نتنياهو منذ سنوات، وقد مهد له الرئيس الأميركي دونالد ترامب عبر قراره الرئاسي الذي منح الجولان السوري المحتل لإسرائيل.

وشدد القيق على أن من يتابع الإعلام العبري يدرك وجود إجماع داخلي لدى جميع الأطياف السياسية الإسرائيلية، بما فيها المعارضة، على ضرورة ضم الجولان بشكل نهائي إلى إسرائيل، مشيراً إلى أن حتى يائير لابيد، زعيم المعارضة، قال إنه أبلغ مسؤولين إماراتيين بأن على الرئيس السوري أحمد الشرع، إذا أراد البقاء في الحكم، أن يتخلى نهائياً عن فكرة استعادة الجولان.

وأشار القيق إلى أن إسرائيل تخلّت مؤخراً عن فكرة الاتفاقيات، فحتى “اتفاقيات أبراهام” لم تعد من أولوياتها، إذ بات التوجه الإسرائيلي منصباً على التوسع الجغرافي وفرض واقع التقسيم داخل سوريا، بما يتماشى مع رؤيتها لمستقبل المنطقة.

في المقابل، شدد القيق على أن القيادة السورية الجديدة ليست غافلة عمّا يُحاك، بل تدرك أهمية أي نافذة للحوار الدولي، رغم معرفتها بأن فرنسا لا تملك نفوذاً فعلياً في هذا الملف. فالدور الفرنسي، بحسب رأيه، ضعيف ومحدود، في حين أن الولايات المتحدة هي الطرف الوحيد القادر على فرض توجهات حقيقية في الإقليم. ويكفي النظر إلى التجربة اللبنانية، حيث لم تتمكن الوساطة الفرنسية من إحداث أي تقدم، في حين ظل القرار النهائي بيد واشنطن.

وأضاف أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يحاول حالياً استغلال القضية الفلسطينية لتسجيل حضور إعلامي في المنطقة. وخلال زيارته إلى القاهرة، وعد بالاعتراف بدولة فلسطينية، إلا أن الواقع القانوني يُعقّد هذا الأمر، فعدَدٌ كبير من المستوطنين في الضفة الغربية يحملون الجنسية الفرنسية، مما يطرح تساؤلات قانونية صعبة عن مصيرهم في حال تم الاعتراف بدولة فلسطينية على حدود الرابع من حزيران. ويرى القيق أن ماكرون يستخدم هذه التصريحات كأوراق ضغط داخل الاتحاد الأوروبي، سواء في ما يتعلق بالضرائب أو في الملف الأوكراني الذي يواجه فيه تحديات جدية.

وعاد القيق للتأكيد على أن القيادة السورية تدرك تماماً محاولات إسرائيل لاستكشاف مواقفها من خلال هذه اللقاءات، التي قد تُبنى عليها تحركات لاحقة في الميدان. ومع ذلك، لم تُبدِ إسرائيل حتى الآن أي بوادر نية إيجابية تجاه سوريا.

أما الولايات المتحدة، فقد باتت مواقفها غير متوقعة، وقد فوجئ كثيرون. وذكّر القيق بتصريحات أدلى بها فجأة المبعوث الأميركي ويتكوف، حين وصف حركة حماس بـ”الإرهابية”، ولا يستبعد القيق أن يظهر في أي لحظة مسؤول أميركي آخر، كالمبعوث باراك مثلاً، ليصرّح بأن القيادة السورية لا تريد السلام مع إسرائيل، بهدف التحريض ضدها دولياً. مضيفاً: “في هذه المرحلة، كل الاحتمالات مفتوحة من الطرفين الأميركي والإسرائيلي”.

تحصين الجنوب في وجه المخطط الإسرائيلي

بعد جولات التفاوض مع الجانب الإسرائيلي، ومع وضوح وجود مخطط إسرائيلي شامل في سوريا، رأى النيفي أن أمام الحكومة السورية مسارين يجب العمل عليهما بالتوازي، إذ لا يمكن أن تكون المقاربة الأمنية وحدها كافية للوصول إلى حلول حقيقية. فالمعالجات الأمنية، إن لم تُرفد بمسارات اجتماعية وسياسية متكاملة، فلن تؤدي إلا إلى مزيد من التدهور.

وأول هذين المسارين هو معالجة داخلية لمشكلة السويداء، بهدف سحب الذريعة من يد إسرائيل. فليس خافياً أن إسرائيل تسعى لاستثمار أي فراغ أو خلل في الجغرافيا السورية، سواء في مناطق الأكراد أو الدروز أو العلويين. ومن هنا، ينبغي أن تتعامل الحكومة مع هذه الملفات بحكمة وهدوء، بعيداً عن ردود الفعل المتشنجة.

وأضاف: “الدولة لا ينبغي أن تكون خصماً لأي مكون اجتماعي، بل عليها أن تؤدي دور الأب تجاه جميع أبنائها. ويجب أن تُدار هذه الأزمات بصبر ومثابرة، حتى لو فشلت المفاوضات مراراً، فالمهم هو نزع الورقة من يد إسرائيل. إن تحصين الجبهة الداخلية هو الخطوة الأهم”.

أما المسار الثاني، فهو إقناع المحيط الإقليمي والمجتمع الدولي بأن قضية الأمن والاستقرار في سوريا ليست شأناً داخلياً فحسب، بل مسألة تمس الأمن الإقليمي والدولي. فاستقرار سوريا يصب في مصلحة الدول العربية، كما يصب في مصلحة المجتمع الدولي، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الأميركية.

وتابع النيفي: “من هذا المنطلق، تقع على عاتق جميع الأطراف مسؤولية العمل المشترك من أجل تشكيل رادع حقيقي أمام أي مخططات إسرائيلية تستهدف وحدة واستقرار سوريا”.

الجنوب السوري.. أي سيناريو هو الأقرب للواقع؟

في سياق الحديث عن الجنوب السوري، وتحديداً ملف السويداء، أكد الكاتب الفلسطيني محمد القيق أن معالجة هذا الملف تقع بالدرجة الأولى على عاتق الحكومة السورية والمجتمع المحلي، معتبراً أن كل ما يجري هناك ليس بمعزل عن تدخلات إسرائيلية متكررة تسعى إلى افتعال الأزمات وخلق الذرائع، وهو نهج سبق أن استخدمته إسرائيل في فلسطين، ويُعاد توظيفه اليوم في الجنوب السوري.

ومن وجهة نظر القيق، فإن النقطة الثانية الجديرة بالاهتمام هي العلاقة مع تركيا. فكلما اقتربت سوريا من تركيا، ازداد التصعيد في الجنوب السوري بشكل ملحوظ. إذ يبدو أن إسرائيل وبعض الدول العربية باتت ترى أن من مصلحتها دفع سوريا بعيداً عن تركيا. غير أن الابتعاد عن أنقرة لا يعني بالضرورة الاقتراب من تل أبيب، فإسرائيل لا تريد شركاء أو حلفاء إلى جانبها.

وأضاف: “يكفي أن نلاحظ الوضع في الأردن ومصر؛ فبالرغم من علاقاتهما مع إسرائيل، تعيش هذه الدول أوضاعاً داخلية صعبة. فإسرائيل ترى نفسها القوة الأغنى والأقوى في المنطقة، بينما تنظر إلى شعوبها على أنها ضعيفة، مستعبدة، ويجب إخضاعها وإذلالها، وفق منطقها الاستعلائي”.

وشدد القيق على أن إعادة ترتيب البيت الداخلي في سوريا لا يمكن فصلها عن طبيعة العلاقات الإقليمية، وخاصة مع دول ذات تأثير مباشر مثل تركيا. أما الولايات المتحدة، فهي تعتمد حالياً سياسة “الابتعاد المحسوب”، وتتظاهر بالحياد، لأنها لا ترغب بالدخول في احتكاك مباشر، لا سيما أن تركيا عضو في حلف الناتو، وتُفضّل واشنطن أن تُوكل المهام التصادمية إلى أطراف أخرى.

في المقابل، يبدي الأوروبيون قلقاً واضحاً. ومن الضروري أن نكون صريحين في هذا السياق: أوروبا تخشى أنه إذا انفجرت الأزمة السورية من جديد دون وجود ضبط أمني أميركي أو إسرائيلي، فإن ملف اللاجئين السوريين سيعود ليتصدر أولوياتها، ما يشكّل مصدر تهديد كبيراً لها، بحسب القيق.

——————–

تفتيت المُفتّت/ حسن مدن

27 يوليو 2025

يتعيّن قراءة ما جرى في منطقة السويداء بسورية، وقبل ذلك ما جرى في الساحل السوري من مواجهات عسكرية دموية وتصفيات جسدية اتخذت الطابع الطائفي في إطار أوسع، والنظر إلى الأمر من زاوية المخطّط الشرير الذي يجاهر به أصحابه، وهو “صناعة” شرق أوسط جديد، تكون إسرائيل، بدعم أميركي، اللاعب الأكبر والأقوى فيه. ولا يمكن تحقيق ذلك من دون تفكيك (وتفتيت) الكيانات القائمة على شكل دول عربية، لا تكاد واحدةٌ منها تخلو من فسيفساء عِرقية ودينية ومذهبية، ما يسهّل افتعال النزاعات بين الهويات الفرعية، الغالبة والمغلوبة، وسيلة لتحقيق هذا التفكيك. وأخيراً، وفي إطار التباهي، عقد رئيس وزراء إسرائيل نتنياهو مقارنةً بما كان عليه الموقف العربي لحظة تأسيس الكيان الإسرائيلي، وما هو عليه اليوم. ففيما اتحدت الدول العربية يومها ضد هذا الكيان المصطنع، نراها اليوم متفرّقة، منقسمة، وباتت أراضيها مستباحة من هذا الكيان، يجتاحها أو يقصفها ساعة يشاء، كما يفعل حالياً في سورية ولبنان وغيرهما.

لم يبدأ تأجيج الهويات الفرعية ودفعها إلى الاقتتال اليوم. بدأ ذلك قبل عقود، ولعلّ الحرب الأهلية اللبنانية أبرز الشواهد، ومنذ يومها ومفكرون ونشطاء عرب يحذّرون من خطر”اللبننة” الذي ستواجهه دول عربية أخرى، ولم تكن تلك نبوءة، بقدر ما كانت توقّعاً منطقياً بُني على أساس قراءات لواقع الحال العربية، وللمخطّطات المعدّة لدفع العرب نحو هذه المآلات، بما فيها الغزو العسكري، على النحو الذي فعلته الولايات المتحدة عندما غزت العراق واحتلّت أراضيه، وأرست قواعد المحاصصة الطائفية والعرقية فيه، بعد أن حلّت الجيش الوطني وفكّكت مؤسّسات الدولة.

يسّرت تداعيات ما شهده العالم العربي من أحداث عاصفة في عام 2011، المضي في مخطّط التفكيك. صحيحٌ أنّه لا يمكن التعميم هنا، فلكلّ بلد من البلدان التي طاولتها موجة ما عرف بـ”الربيع العربي” خصوصيّته في مقدّمات ما جرى ومساراته، لكن الأمر انتهى في بلدين على الاقل، ليبيا واليمن، إلى تفكّكهما وقيام حكومتين في كل واحد منهما، على أسسٍ مناطقيةٍ وجهويةٍ وما إليها. ولا ينفصل الوضع السوداني عن السياق نفسه، بدءاً من تقسيمه إلى دولتين، جنوبية وشمالية، وتطوّر الأمر إلى الانقسام الحاصل اليوم داخل المؤسّسة العسكرية وأذرعها التي وأدت المسار الديمقراطي في بداياته، لينتهي الأمر، هناك أيضاً، إلى وجود سلطتين متحاربتين، والضحية هي المدنيون الأبرياء، فضلاً عن دفع البلاد إلى مزيد من الإفقار والمعاناة، وتدمير ما فيها من بنى تحتية على ضعفها.

يمكن اعتبار ما جرى في سورية بسقوط النظام السوري السابق، ومجيء السلطة الجديدة النسخة المؤجّلة من 2011، وكان متعيّناً أن يتمّ هذا السيناريو، أو ما يشبهه، يومذاك، على غرار ما جرى في تونس بسقوط زين العابدين بن علي، وفي مصر بسقوط حسني مبارك، وفي ليبيا بسقوط معمّر القذافي، وفي اليمن بسقوط علي عبد الله صالح، ولكن اعتباراتٍ جيوسياسية دولية وإقليمية حالت دون سقوط نظام الأسد، في مقدّمتها دعما روسيا وإيران له، لاعتبارات تخصّ مصالح البلدين بدرجة أساسية. استطاع النظام البقاء كلّ هذه السنوات، ولكن سورية تفكّكت بالفعل، فكثير من أراضيها لم تكن تحت سلطة الدولة، واحتضنت إدلب القوى المعارضة المسلحة بغطاء ودعم تركيين، وغضّ طرف دولي، ومع مكابرة الأسد في رفض أي حلّ سياسي ينهي الأزمة، أزفت اللحظة التي أصبح سقوطه فيها حتميّاً، خصوصاً مع انشغال روسيا بالحرب في أوكرانيا وتغيّر أولوياتها، وما نتج من زلزال 7 أكتوبر (2023) من تبعاتٍ حاسمة، قلبت المعادلة في المنطقة.

تسلمت السلطة الجديدة الحكم في دمشق والبلد مفكك، من دون أن تملك هذه السلطة البوصلة الصحيحة لمواجهة التحدّيات الكبيرة أمامها، خصوصاً أنّ قوامها مجموعات مسلحة بتكوين “جهادي” متطرّف، مشبع بروح الثأر، لا يؤهلها للتعامل مع نسيج وطني متعدّد ومتنوع، بطريقة تفرّق فيها بين من تصفهم “فلول” النظام السابق، والمكوّنات المجتمعية، لنصل إلى مرحلة “تفتيت المفتّت”. تجلى هذا في طريقة تعاملها مع ما جرى في الساحل السوري وما جرى، أخيراً، في السويداء، وليس أبلغ مما كتبه الناشط وائل النبواني في وصف هول ما جرى: “أكثر الڤيديوهات انتشاراً المشاهد المروّعة للجثث في المستشفى الوطني.. الدروز ينشرونها على أنّها مجازر السنة، والسنة ينشرونها على أنّها مجازر الدروز.. والحقيقة أنّها جثث ثلاثة أيام من الاقتتال اختلطت فيها جثث الجميع”.

العربي الجديد

————————

تحذيرات صارمة من تركيا لإسرائيل/ سمير العركي

27/7/2025

“إذا سعيتم إلى التقسيم وزعزعة الاستقرار، فسنعتبر ذلك تهديدًا مباشرًا لأمننا القومي وسنتدخل”. هكذا جاءت تحذيرات وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، تعليقًا على أحداث السويداء السورية، وذلك في مؤتمر صحفي، عقده 22 يوليو/ تموز الجاري، مع نظيرته السلفادورية ألكسندرا هيل، في أنقرة.

ربما كانت هذه من المرات النادرة التي يتحدث فيها بهذه الصرامة الشديدة، إذ يعرف عنه هدؤُه الشديد، واختيار عباراته بعناية فائقة، لكن يبدو أن تركيا باتت تستشعر خطرًا جيوستراتيجيًا قادمًا من جهة الجارة السورية، وهي التي كانت تظن أن معاناة أربعة عشر عامًا من الأخطار التي هددت أمنها القومي انتهت إلى غير رجعة.

فرغم الهدوء الحذر الذي يسيطر على مدينة السويداء، عقب أيام من الاشتباكات الدامية داخلها وفي أريافها، فإن التداعيات لا تزال تلقي بظلالها الكثيفة على سوريا وجيرانها حتى كتابة هذه السطور.

إذ تشير التقديرات إلى هشاشة الأوضاع الأمنية، خاصة مع التدخل الإسرائيلي السافر بزعم حماية الدروز، والذي وصل إلى شن عدوان غادر على العاصمة دمشق، أدى إلى تدمير مبنى وزارة الدفاع بالكامل.

كما منحت الأحداث الفرصة لعلو أصوات الانفصاليين داخل المكون الدرزي، وأعني هنا الفصيل الذي يقوده شيخ العقل، حكمت الهجري، إضافة إلى قوات سوريا الديمقراطية “قسَد” في شمال شرق سوريا.

حيث تعمل تل أبيب على بسط سيطرتها ونفوذها على المنطقتين بزعم الدفاع عنهما، وتحاول تدشين ممر يربط الجنوب السوري بالشمال الشرقي والمعروف باسم “ممر داود”.

هذه التطورات تدرك أنقرة أنها المعنية أساسًا بتداعياتها وآثارها الإستراتيجية الكارثية حال نجاح تلك المخططات.

استشعار الخطر

بالعودة إلى تصريحات الوزير فيدان، نجد أنها تعد بمثابة رؤية متكاملة لمن أراد فهم الموقف التركي، سواء من حيث التقييم، أو من ناحية كيفية التعامل مع التداعيات المحتملة.

    أولًا: الرفض التام لأي أعمال انفصالية والتحذير منها، إذ تمثل تلك الأعمال تهديدًا مباشرًا وصريحًا للأمن القومي التركي، وقد أحسن فيدان عندما شبه السعي صوب التقسيم بمن يسير ” نحو كارثة إستراتيجية كبرى”.

إذ لن تقتصر تداعيات الكارثة على سوريا فقط بل ستمتد إلى محيطها الإقليمي، وتركيا بحكم الجوار الجغرافي، والحدود التي تمتد لأكثر من 900 كيلومتر، هي المتأثرة الكبرى من تلك التداعيات، كما حدث خلال السنوات الماضية.

لذا كان التحذير واضحًا للأطراف السورية بعدم فائدة الانجرار إلى “لعبة وضعها الآخرون”، ومطالبتهم بأن يكونوا “أفرادًا ينتمون إلى أرضهم، يعيشون بكرامة ومساواة وأمان”.

كما امتد التحذير التركي إلى “بعض الدول” التي تهدف “لتقسيم سوريا إلى 4 أجزاء على الأقل، وخلق بيئة غير مستقرة وضعيفة تنتج مزيدًا من الهجرة الجماعية والإرهاب والجريمة في المنطقة”.

    ثانيًا: اتهام إسرائيل مباشرة بالسعي إلى زعزعة استقرار سوريا، حيث أكد فيدان أن إسرائيل لم تتوقع أن تحظى سوريا بدعم المجتمع الدولي، قائلًا: “عندما رأت أن سوريا، التي كانت تتوقع أن تغرق في الفوضى من تلقاء نفسها، تنجح في الخروج من الفوضى بدعم دولي، شعرت بالحاجة إلى التدخل فورًا، ووضعت خطة باستخدام الدروز كذريعة”.

وأضاف أن إسرائيل تتبع هذه الإستراتيجية ليس فقط تجاه سوريا، بل تجاه جميع جيرانها في المنطقة، مؤكدًا أهمية أن تتراجع عن هذه الإستراتيجية قبل فوات الأوان.

لكن هل تظل تركيا صامتة تجاه هذا العبث الإسرائيلي؟ فيدان من ناحيته أكد أن “تركيا ودول المنطقة لا يمكنها البقاء صامتة تجاه تصرفات إسرائيل”.

لكن ليس المهم ما تريده تركيا ودول المنطقة، بقدر قدرتها على تحويل تلك “الإرادة” إلى سياسات وإجراءات تردع تل أبيب عن مواصلة العبث الجنوني في المنطقة الذي يبدو أنه لن يتوقف قبل أن يشعل النار في أرجائها!

    ثالثًا: العمل على حصر التمرد داخل الدروز في التيار الذي يقوده، حكمت الهجري، الذي اتهمه فيدان بأنه يتصرف “كوكيل لإسرائيل” مؤكدًا أن الهجري “أبدى موقفًا رافضًا لأي حل من شأنه أن يُسهم في الاستقرار والسلام”.

ومن المعروف أن أنقرة ترتبط بعلاقات متميزة مع الزعيم الدرزي اللبناني، وليد جنبلاط، الذي زار تركيا في ديسمبر/ كانون الأول الماضي، والتقى رئيسها، رجب طيب أردوغان، بعد يوم واحد فقط من لقاء رئيس الإدارة الجديدة في سوريا آنذاك، أحمد الشرع.

ويبدو أن اللقاء -الذي لم يفصح عن فحواه تفصيليًا- قد تطرق في وقت مبكر من سقوط نظام بشار الأسد، إلى طبيعة العلاقات المستقبلية بين النظام الجديد في سوريا والمكون الدرزي.

حيث حاول جنبلاط منذ ذلك الحين أن يلعب دورًا متوازنًا، بدفع الدروز إلى الانخراط في الدولة الجديدة على أسس المواطنة والمساواة، لكنّ غلبة تيار الهجري واستقواءَه بإسرائيل أطاحا بتلك الجهود.

لذا يحاول الخطاب التركي، حصر الأزمة في ذلك التيار، وعدم تعميمه على جميع مكونات الطائفة، حيث تؤكد أنقرة أن تيارين من التيارات الثلاثة داخل الدروز يؤيدان الدولة ويتناغمان معها.

وطالب فيدان الدروز أن يتحدثوا عما يريدون “إلا التقسيم”. مؤكدًا أن تركيا ستساعدهم بكل ما تستطيع، لكنها لن تظل “تحت التهديد” إذا تم تجاوز المطالب المشروعة إلى السعي صوب التجزئة المرفوضة.

    رابعًا: أيضًا كان من المفيد إعادة تذكير مكونات المنطقة العرقية والمذهبية بما حدث مع الدولة العثمانية، التي تم توظيف ورقة الأقليات ضدها آنذاك لهدم الدولة عبر تأجيج الصراع بين تلك المكونات.

حيث لفت فيدان إلى ضرورة التخلي “عن الأفكار التي بدأت بالتكوّن في القرنين: الـ18 والـ19، والتي أُريقت بسببها الكثير من الدماء، وعفا عليها الزمن”لكنها” ما زالت تُستخدم كأيديولوجيا من قبل القوى المهيمنة على هذه الأرض، وكإشارة لتحريك العناصر الوكيلة”.

فشعوب المنطقة وطوائفها لا تزال تحمل ذاكرتها العديد من الأحداث المؤلمة التي أريقت فيها الدماء بغزارة، وذلك بتحريض القوى الخارجية كفرنسا وبريطانيا في تلك الآونة، والتي يعاد تكرارها الآن لكن بوجوه أخرى.

تحذير “قسَد”

بينما تراقب تركيا تطورات الجنوب السوري من كثب، فإن تحركات قوات سوريا الديمقراطية “قسد” ووحدات الحماية الكردية “YPG” تظل في قلب اهتمامات أنقرة.

إذ تدرك أن تلك القوات لا تزال تلعب دورًا محوريًا ورئيسيًا في إذكاء نار الفتنة في سوريا، وهذا ما أكده الوزير فيدان بقوله: “عندما يحدث شيء في الجنوب، نرى أن فلول النظام السابق تتحرك لتحريض العلويين السوريين الشرفاء هناك. ومن جهة أخرى، نجد أن تنظيم (YPG) يتحرك على الفور”.

ثم عاد فيدان بعدها بأيام قليلة، ليؤكد في حوار تلفزيوني مع قناة محلية تركية، ضرورةَ توصل قوات “قسَد” فورًا “وبصورة طوعية إلى اتفاق مع الحكومة المركزية، وأن تتخذ خطوات حقيقية وحازمة لتطبيق هذا الاتفاق”، متوقعًا قيام وحدات الحماية (أحد أفرع حزب العمال الكردستاني) بإلقاء أسلحتها.

لقد أكدت تركيا على لسان وزير خارجيتها أنها “مستعدة لأي سيناريو، وأنه ليس لديها صبر على أربعين عامًا أخرى من الوقت الضائع”. في إشارة إلى عدم سماحها بتكرار تجربة حزب العمال مرة أخرى بعد أن قرر حل نفسه وإلقاء سلاحه.

الأسلحة الجديدة

في موازاة تلك التحذيرات، كشفت تركيا عن عدد من الأسلحة المتطورة والمهمة التي لم يكن مُعلنًا عنها من قبل، في خطوة لا يمكن فصلها بطبيعة الحال عن التطورات المتصاعدة في المنطقة بشكل عام، كما يعد ذلك الكشف رسالة واضحة لإسرائيل في المقام الأول، إضافة إلى أطراف أخرى.

وأهم هذه الأسلحة محلية الصنع:

    الصاروخ الفرط صوتي الجديد تايفون “B4” الذي يبلغ مداه من 800 إلى 2000 كيلومتر، حيث توقع قائد القوات البرية التركية، الجنرال سلجوق بيرقدار أوغلو، أن يكون الصاروخ أحد أهم وأسرع الصواريخ الباليستية في العالم عقب تطويره وتحديثه.

    القنبلة “NEB-2” التي تتمتع بالقدرة على الاختراق حتى عمق 80 مترًا تحت الأرض وتدمير 7 أمتار من الخرسانة عالية الكثافة، وتتميز القنبلة بوزنها الخفيف والذي يصل إلى طن واحد فقط، ما يعني إمكانية إلقائها من مقاتلة “F-16″، عكس القنابل الأميركية الشبيهة التي تحتاج إلى قاذفات إستراتيجية نظرًا لوزنها الثقيل.

    صاروخ “300-ER”، الذي يتم إطلاقه جوًا، وهو قادر على ضرب أهداف على بعد أكثر من 500 كيلومتر، ويمكن إطلاقه من الطائرات المقاتلة، والطائرات بدون طيار.

ويبقى السؤال:

هل تركيا جادة في تحويل تلك التحذيرات إلى إجراءات عسكرية على أرض الواقع؟

تقديري، أن السعي لتقسيم سوريا أمس واليوم، يعادل لدى صانع القرار في أنقرة، السعي لتقسيم تركيا تمامًا.

لذا تدخل الجيش التركي في الشمال السوري، منذ أغسطس/ آب 2016، ونفذ عدة عمليات عسكرية للحيلولة دون تأسيس ممر انفصالي لصالح حزب العمال يمتد من القامشلي شرقًا إلى البحر المتوسط غربًا.

واليوم سيعيد الكَرّة مرة أخرى وبشكل أوسع حال حاولت أي جماعة انفصالية تهديدها.

خاصة أن تركيا اليوم ليست بمفردها، بل تعمل وسط توافق إقليمي خاصة مع السعودية، وقطر، والأردن، يهدف إلى الحفاظ على وحدة الأراضي السورية، وإدامة حكم الرئيس أحمد الشرع.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

صحفي تركي-مصري، مختص في الشأن التركي والدولي. حاصل على ليسانس الآداب، تخصص التاريخ، من جامعة القاهرة. عمل في العديد من المؤسسات الصحفية والإعلامية، ويعمل حاليًا في مؤسسة الإذاعة والتلفزيون التركية “تي آر تي” (TRT).

الجزيرة

—————————-

حين تطال النار الجميع: الأقليات، والأكثرية، وسؤال البقاء في سوريا/ جو حمورة

في سوريا.. الجميع يسعى للبقاء

2025-07-27

في سوريا الحاضر، لا تنفصل الأسئلة الوجودية عن لهيب الرصاص، ولا تنبت الهويات إلّا وعلى كفّها دم. هنا، الأقليات لا تطلب امتيازاً، بل ضمانة للبقاء. والأكثرية، رغم وفرتها العددية، لم تحسم يومًا موقعها بين الحاكم والمحكوم، بين الدولة والقبيلة، بين الغلبة والعدالة.

ما جرى مؤخرًا في السويداء يُسجّل فصلاً جديداً من العنف والمواجهات. الطائفة الدرزية، التي طالما انتظرت حلًّا يوازن بين الكرامة والحذر، تجد نفسها اليوم في قلب صراع متشابك. الاشتباكات مع العشائر البدوية، والاحتكاكات المستمرة مع النظام، والتجاور الجغرافي مع إسرائيل، كلّها عناصر تضع الدروز أمام معادلة قاسية: لا مجال للمساومة على الكرامة، ولا مكان للحياد في زمن الانهيار.

لم يسعَ الدروز إلى التصعيد، لكنهم أيضاً يرفضون أن يُفرض عليهم الصمت والخضوع كقدر. يدركون جيداً أن النظام لا يراهم شركاء، بل ورقة تُفعَّل عند الحاجة، وأن الغياب عن الساحة لا يعني السلام، بل تسليم المصير لمن لا يرى فيهم سوى تفصيل عابر في معادلة أوسع.

قبل ذلك، في الساحل السوري، جرى تأديب طائفة كاملة. النظام الجديد، وهو يحاول بناء ذاته بعد عقد ونصف من الدم، قرّر أن يلقّن أركان الحكم القديم درسًا قاسيًا في الولاء. المجموعات العلوية التي رفعت صوتها لم تكن متمرّدة، بل مذعورة، تبحث عن موطئ كرامة تحت سلطة آتية لتحلّ محلّهم. لكن الرد جاء عنيفًا، سريعاً، لا يحتمل التأويل.

الدولة، التي لطالما قدّمت نفسها كحامية للطوائف، تحوّلت إلى قاهرة لها حين شعرت بأنها لم تعد تضمن سكوتهم. وفي لحظة خاطفة، انقلبت العلاقة من حماية إلى قمع، ومن أبوة محتملة إلى عقوبة علنية.

وفي العاصمة، انفجرت كنيسة مسيحية، راح ضحيتها ثلاثون مصلّيًا على الأقل. لم تكن الكنيسة جداراً أو معبداً وحسب، بل رمزاً لعقد شراكة قديم بين المسيحيين والدولة، وإن كان في أغلب الأحيان شكليّاً. لذا، لم يكن غريباً أن يمرّ التفجير دون تحقيق جدّي، أو استنكار رسمي يليق بالمصيبة. المسيحيون، الذين قاوموا النزوح والقمع قبل التحوّلات الديموغرافية، تلقّوا رسالة صارخة: لا مكان آمناً في وطن ينهار من داخله، لا بالحرب فقط، بل بالتجاهل أيضاً.

وسط هذا المشهد، تبرز الأسئلة القديمة ــ الجديدة: ماذا تريد الأقليات في سوريا؟ الجواب، ببساطة، أنها تطلب ما لا يُمنح عادةً بالقتال أو بالقوة: دولة عادلة، تمثيلاً حقيقياً، وأماناً لا تهدّده الأهواء.

الأقليات لا تطلب وطنًا على مقاسها، بل وطناً لا يبتلعها. لا تطالب بأن تكون على رأس الهرم، بل ألّا تُدهس تحت قاعدته. ما تطلبه هو ما لم يُمنح لها منذ قرن: اعتراف لا استيعاب، مشاركة لا استغلال، وضمانة لا وصاية.

لكن السؤال الأثقل يبقى: ماذا تقدّم الأكثرية؟ وما المقصود بها أصلاً؟ في سوريا، يتغيّر معنى “الأكثرية” بتغيّر الجغرافيا والسلاح. حين تكون أكثرية عددية ذات توجّه واضح، تتحوّل إلى أكثرية سياسية، لكنها حين تفقد مشروع الدولة، تصبح عبئاً على الجميع، بما فيهم نفسها.

الأكثرية التي تتعامل مع الأقليات كأدوات طيّعة، أو كامتدادات خارجية، لا تُنتج إلا مزيداً من الأزمات. وحين تصبح الشراكة تهمة، ويتحوّل الوجود المختلف إلى خطر، تكون الدولة قد انتهت فعلياً، حتى لو بقيت على الخرائط.

ولا يمكن قراءة هذا المشهد دون التوقّف عند إسرائيل، التي تتابع تفكك سوريا بحذر المنتصر. جارة لم تعد بحاجة إلى قصف مباشر ولا إلى جيوش مقاتلة على الحدود؛ فكلّ يوم يمرّ من دون حلّ أو سلام هو نصر سياسي لها. دولة تستطيع أن تفعل أي شيء في سوريا وجيرانها، لكنها تتفرّج أحيانًا وتصبّ الزيت على النار أحياناً أخرى. فكلّ اشتباك طائفي، وكلّ تفجير في كنيسة، وكلّ تشرذم درزي، وكلّ توتر مع العلويين… هو برهان إضافي على صوابية روايتها الأمنية وسرديتها التاريخية. في نظرها، سوريا الضعيفة والممزقة أقلّ تهديداً من سوريا الموحّدة. ولذلك، فإنّ أي تقارب بين الأقليات وإسرائيل، حتى لو من باب النجاة، يُستثمر في تل أبيب كأداة لتحطيم ما تبقّى من فكرة الوطن الواحد.

وفي الزاوية الكردية، تبدو الصورة مختلفة، لكنها ليست أقل خطورة. الأكراد، بوصفهم الأقلية الأكثر تنظيماً وطموحاً لبناء كيان ذاتي، يدفعون ثمناً باهظاً لصياغة مشروعهم. هم لا يكتفون بالخلاص من القمع، بل يسعون لتغيير المعادلة بكاملها. لكنهم، رغم نجاحهم في فرض أمر واقع في شرق وشمال شرقي البلاد، لا يزالون محاصَرين بفيتو داخلي وخارجي. النظام الجديد لا يريدهم شركاء نِدّيّين، وتركيا تطاردهم كأشباح، وحتى الشراكة السياسية مع سلطة أحمد الشرع قابلة للانفضاض في أي لحظة. ومع ذلك، فهم مستمرّون في مدّ يد الشراكة، وإن بتأنٍّ.

في المحصّلة، ما يحدث في سوريا اليوم ليس ثورة جديدة ولا أزمة أمنية، بل تآكل حقيقي يطال بنية الدولة ومعناها. الأقليات تتململ، والأكثرية تترنّح، والدولة، التي لم تكتمل صورتها بعد، تبدو غائبة عن المعادلة. وعمليًا، ليست البلاد بحاجة إلى نظام بديل، بل إلى صيغة جديدة بالكامل، تقطع مع منطق الغلبة، وتعيد الاعتبار للإنسان لا للطائفة، وللمستقبل لا لميراث التاريخ والخراب.

فحين يُحرَق شيخ في السويداء، أو يُهان علوي في قريته، أو تُفجَّر كنيسة في دمشق، أو يُمنَع كردي من لغته، أو تُشيطَن أقلية باسم الوطنية أو الوحدة أو غيرها من المفاهيم المتكلّسة، فاعلم أن شيئًا يتهاوى في العمق. ليس النظام فقط من يتهاوى، بل العقد الاجتماعي ذاته. سوريا اليوم لا يهدّدها السلاح، بل الاعتياد على اللاعدالة. ولن يقوم لها قائم، ما لم تُكتَب فصولها المقبلة بحبر المساواة لا الدم، وببنود الشراكة لا ببند الولاء.

———————–

 لكل هذا لا تزال سوريا قيدَ المتابعة الدولية!/ إياد أبو شقرا

الأحد 27 يوليو 2025

لا تزال حصيلةُ اللقاء الثلاثي الأميركي – الفرنسي – السوري الأخير، موضعَ أخذ وردّ، على صعيد ما اتفق عليه…

وضعٌ كهذا لا هو بجديد ولا بمستغرَب، لأنَّ ظروف اللقاء غير عادية وكذلك القضايا التي تطرّق لها. وبالذات، بعد الأحداث الدامية والخطيرة في الجنوب السوري، التي أتت في أعقاب أحداث منطقة الساحل ذات الغالبية العلوية.

معلومٌ أنَّ القوى الدولية والإقليمية، التي تعتبر نفسها معنيّة مباشرة بالشأن السوري في الحقبة الجديدة بعد أفول النفوذين الروسي والإيراني، ترصد، منذ بضعة أشهر، أسلوب تعامل سلطة دمشق الجديدة مع العديد من الملفات، بدءاً من الأمن إلى الاقتصاد… ومروراً بالأقليات.

تركيا يهمّها كثيراً نجاح تجربة هي ليست فقط في طليعة رُعاتها، بل والمراهنين على تعميمها أيضاً. وهي تؤمن بأنَّ «ضبط» الفسيفساء السورية وفق مصالحها ومفاهيمها… مسألة «أمن قومي» تركي. وهذا ما قاله وكرّره في الأيام الماضية وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الذي كان آخر منصب تولاه قبل تكليفه قيادة الدبلوماسية رئيس جهاز الاستخبارات. وبالتالي، فإنَّ للرجل باعاً طويلاً في التعامل الأمني مع أدق الملفات وأخطرها، سواء على الساحة السورية أو الفضاء الشرق أوسطي ككل.

في ما يخصّ المشهد السوري، لتركيا حدود مشتركة يبلغ طولها نحو 909 كلم، وتمتدّ من أقصى شمال شرقي منطقة الجزيرة عند حدود العراق الشمالية إلى شاطئ لواء الإسكندرونة في أقصى شمال غربي سوريا. ولقد ارتبط خط الحدود هذا في جزء كبير منه بخط سكة حديد برلين – إسطنبول – بغداد. ثم إنَّ العديد من الحكومات السورية المتعاقبة رفضت الاعتراف بسلخ لواء الإسكندرونة عن باقي الأراضي السورية عام 1939 إبان فترة الانتداب الفرنسي. وهنا تجدر الإشارة إلى أنَّ غالبية سكان اللواء – الذي تُعد مدينة أنطاكية كبرى حواضره – كانوا من السوريين العرب، وجلّهم من العرب السنّة والعلويين والمسيحيين، إلى جانب الأرمن، في حين كانت تقل نسبة الترك/ التركمان عن 40 في المائة، وفق إحصاءات عام 1939.

أكثر من هذا، عاش ويعيش خليط سكاني من العرب والكرد والترك والمسيحيين على طول جانبي خط الحدود، من محيط مدينة عفرين غرباً إلى محيط مدينة القامشلي شرقاً. ولذا يهمّ أنقرة كثيراً منع أي تقسيم أو تقاسم لسوريا، وبأي مستوى، وتحت أي صفة. وذلك لأنَّها ترى في ذلك تأجيجاً للعصبية الكردية في الداخل التركي حيث تقارب نسبة الأكراد 20 في المائة من مجموع سكان البلاد.

هذا، في ما يخصّ أولويات أنقرة، والشقّ الخاص بوضع الأقلية الكردية السورية في منطقة شرق الفرات، التي تحظى راهناً باهتمام أميركي كبير. أمَّا إلى الجنوب، فتمتد الحدود السورية مع الأردن، ومنها غرباً إلى هضبة الجولان المحتلة إسرائيلياً عام 1967 وأرض شمال فلسطين المحتلة عام 1948.

هضبة الجولان كانت، منذ قيام إسرائيل، نقطة اهتمام بالغ للدولة العبرية، لاعتبارين استراتيجيين: الأول إشرافها من علٍ على شمال غور الأردن وبحيرتي طبرية والحولة، والثاني لكونها مصدراً مهماً للثروة المائية.

ومن ثم، إذا كان لـ«الفسيفساء» السورية شمالاً دورها في الحسابات السياسية التركية، فإنَّها جنوباً كانت وتظل في صميم «اعتبارات» إسرائيل الأمنية والديموغرافية. ففي الهضبة عاش لعقود – وغالباً لقرون – خليط سكّاني من الموحّدين الدروز والمسيحيين والسنّة العرب والسنّة الشركس والتركمان… بجانب 3 قرى من العلويين، وقبل ذلك كان هناك وجود إسماعيلي أيضاً.

أيضاً، هضبة الجولان تتّصل بأعلى نقطة خارج سلسلة جبال لبنان الغربية، هي قمة جبل الشيخ حرمون، التي يمكن منها الإشراف على دمشق وسهلي حوران والجاذور. وفي شرق حوران ينتصب جبل العرب (محافظة السويداء) حيث توجد أكبر كثافة للدروز في المنطقة والعالم.

هذا المكوّن الدرزي في الجنوب السوري يعزّزه وجودٌ درزي في دمشق وضواحيها ووادي العجم وشمال الجولان. غير أنَّ العامل الأهم بالنسبة لإسرائيل يكمن بوجود ما لا يقلّ عن 120 ألف درزي في منطقة الجليل ونحو 20 ألفاً في قرى الجولان السورية المحتلة. وبالتالي، مثلما لتركيا «اعتبارات» سياسية وأمنية داخلية تبرّر تدخّلها بحجة درء «خطر» الأكراد، ترى إسرائيل أن من حقها التدخل جنوباً بحجة «الخطر» على الموحّدين الدروز..

وهنا نصل إلى الموضوعين العلوي والمسيحي…

الموضوع العلوي، في الحقيقة لا يقل أهمية عن سابقيه، لا سيما أن العلويين السوريين أكثر عدداً من إخوتهم الدروز، ويشكّلون غالبية سكانية في المحافظتين الساحليتين الوحيدتين في سوريا، أي اللاذقية وطرطوس في منطقة الساحل (جبال العلويين). ثم إنَّ هاتين المحافظتين ضمّتا، إبان حكم آل الأسد، القاعدة البحرية الروسية الحيوية في طرطوس، وقاعدة حميميم العسكرية الجويّة الروسية المهمة قرب مدينة جبلة التابعة لمحافظة اللاذقية. ومن ناحية أخرى، تشكّل وادي النضارة (وادي النصارى) ذات الكثافة السكانية المسيحية التُّخم الجنوبي لجبال العلويين. ومن هذه المنطقة نسبة عالية من السوريين المهاجرين إلى الولايات المتحدة، وبين هؤلاء ناشطون سياسيون ورجال أعمال بارزون ومؤثرون أصواتهم مسموعة في أروقة واشنطن…

كل هذا المشهد قد يساعد على فهم أسباب المتابعة – بل الرقابة – الدولية لتطوّرات الوضع السوري. بل لعله، يفسّر أيضاً القلق الكبير من تأخر تطبيق تدابير العدالة الانتقالية، وبناء المؤسسات، وتنظيم العلاقة مع الأقليات… سواء العرقية كالأكراد، أو الدينية كالمسيحيين، أو المذهبية كالعلويين والدروز والإسماعيليين.

————————

معاناة مهجّري السويداء مستمرة… خروج 350 شخصاً و26 جثماناً نحو درعا/ حسام رستم و عبد الله البشير

27 يوليو 2025

خرجت دفعة جديدة من أهالي محافظة السويداء جنوبي سورية إلى خارج المحافظة، ضمّت مدنيين ومحتجزين وجثث قتلى. ونشرت محافظة السويداء (حساب حكومي رسمي)، عبر معرفاتها الرسمية، اليوم الأحد، أنّ الدفعة الجديدة تضمّ نحو 350 شخصاً كانوا محتجزين لدى الفصائل “الخارجة عن القانون”، بينهم 250 محتجزاً، ومئة شخص من الراغبين في الخروج من المكونات كافّة، و26 جثماناً.

وتوزّع المهجّرون من أهالي السويداء على العديد من مراكز الإيواء في محافظة درعا جنوبي سورية، في أكثر من 60 مركزاً، في الوقت الذي اتجهت فيه عائلات إلى مناطق أخرى في محافظة ريف دمشق وبلدة زاكية، وتعيش هذه العائلات ظروفاً إنسانية صعبة، على غرار تلك التي يعيشها السكان في محافظة السويداء، وسط تراجع حاد في خدمات الحياة الأساسية.

ويصف محمد نجم، أحد النشطاء الإغاثيين العاملين في بلدة السيدة زينب بريف دمشق، لـ”العربي الجديد”، الأوضاع بأنها تزداد سوءاً في الوقت الحالي، وسط الحاجة الماسة للمواد الإغاثية والتراجع في الخدمات، قائلاً: “المهجّرون من عشائر البدو في السويداء يتوزعون اليوم على أكثر من 18 فندقاً في المنطقة، هناك عجز حقيقي في تقديم المساعدات الإنسانية لهم، والوضع كارثي للغاية، أنا أعمل مع كثير من الزملاء في غرفة طوارئ بهدف سدّ الاحتياجات، لكن الوضع يزداد سوءاً وتعقيداً”. وتكمن المشاكل الحالية في الحاجة إلى الأدوية والمستلزمات الطبية بالإضافة إلى الغذاء، مع وجود مرضى كبار في السن يحتاجون أدوات مساعدة للتنقل والسير، بالإضافة إلى انتشار مرض اليرقان بين الأطفال الصغار.

مهجّرو السويداء يشكون تردّي أوضاعهم

يقول أحمد العلي، أحد المهجرين الذين غادروا السويداء أخيراً بسبب الاشتباكات بين عشائر البدو والمسلحين الموالين لرئيس الطائفة الروحية للموحدين الدروز في سورية، حكمت الهجري، إنّ “هذه المجموعات المسلّحة ارتكبت عمليات قتل طاولت حتى الأطفال والنساء في الشوارع”، مضيفاً لـ”العربي الجديد”: “اليوم نحن في حالة يُرثى لها، خرجنا دون أن نحمل شيئاً معنا، حتى إنّنا لا نملك أي مدخول شخصي، أنا أعاني من إصابة، وهناك الكثير من المرضى معنا في السيدة زينب، أيضاً هناك أطفال مصابون باليرقان بحاجة إلى علاج”، وتابع: “كل شيء نملكه جري تخريبه، بيوتنا وكل ما نملك، نرجو في الوقت الحالي من المنظمات والجهات الإنسانية أن تمد يد العون لنا، نحن في وضع حرج حالياً، والحرارة تزيد من سوء الوضع الذي نعيشه، خاصة مع وجود أطفال رضع ونساء حوامل”.

وأوضح أحد العاملين في المجال الإنساني، لـ”العربي الجديد”، أنّ الفنادق في السيدة زينب تحوّلت إلى مراكز إيواء وهي تعمل بطاقتها الاستيعابية القصوى في الوقت الحالي، مشيراً إلى أن الأوضاع صعبة والخدمات ضعيفة، وقال: “نحن بحاجة إلى تدخل عاجل وطارئ، نحتاج إلى كراسٍ لكبار السن ومستلزمات نظافة وأدوية علاجية أو نقطة طبية ثابتة تحتوي على كوادر طبية”.

بدوره، أوضح الإعلامي أنس الخطيب، المنحدر من ريف دمشق، لـ”العربي الجديد”، أنّ الأهالي في بلدات عدّة أطلقوا مبادرات تكافلية بهدف مساعدة العائلات المهجّرة من السويداء، مشيراً إلى أن أهالي بلدة زاكية سلّموا دفعة ثانية من المواد الغذائية والمساعدات المالية التي جمعوها لمساعدة المهجرين، موضحاً أنّ هذه المبادرات تخفّف إلى حد ما من سوء الوضع الإنساني.

ووفق ما أوضح محافظ درعا طه الزعبي، بلغ عدد مراكز الإيواء في المحافظة 61 مركزاً استقبلت أكثر من 5600 من مهجّري محافظة السويداء، مشيراً إلى أنّ المحافظة شكّلت لجنة طوارئ منذ اليوم الأول لأحداث السويداء، مضيفاً خلال حديثه لقناة “الجزيرة” نعمل على نحوٍ متواصل على مدار الساعة لتأمين احتياجات النازحين كافّة”.

وأكدت منظمة الهلال الأحمر السوري أنّ الاحتياجات الإنسانية في محافظة درعا في ازدياد، خاصة في مناطق الريف الشرقي مع وصول آلاف الأشخاص من السويداء، وكثير منهم ليست لديه وجهة محددة، إذ أرسلت المنظمة، أمس السبت، قافلة مساعدات ثانية إلى درعا، وفق ما أوضحت، تحمل سلّات معلبات وسلات صحية ومستلزمات للنساء والفتيات والأطفال، وأوضحت المنظمة أنّ العائلات المتضرّرة في السويداء تواجه صعوبات كبيرة في الحصول الغذاء ومياه الشرب النظيفة والرعاية الصحية المنقذة للحياة، إذ تسعى المنظمة للتخفيف عن معاناتهم ودعم استمرار بعض الخدمات الحيوية الأساسية.

وخرج، يوم الجمعة الماضي، أكثر من ثلاثين عائلة في اتّجاه ريف درعا جنوبي سورية، وهي الدفعة الخامسة التي تخرج من السويداء عبر ممرّ بصرى الشام الإنساني بعد الاشتباكات الأخيرة، في ظلّ هدوء تشهده المنطقة بالتزامن مع انتشار مكثّف لقوات الأمن السورية عند الحدود الإدارية للمحافظة من أجل تأمين العائلات. وفي سياق متصل نقلت وكالة الأنباء السورية الرسمية “سانا”، عن مدير مديرية الدفاع المدني السوري في محافظة درعا شادي الحسن قوله إنّ فرق الإخلاء نقلت العائلات المحتجزة داخل مدينة السويداء إلى مناطق آمنة، وجرى توزيعهم على مواقع عدّة في محافظتَي درعا وريف دمشق، كما قامت فرق الوزارة بأعمال تنظيف وصيانة لعدد من المرافق العامة، شملت المستشفيات، والمدارس، والأبنية التي جُهِّزت مراكزَ إيواء لاستقبال الوافدين.

في سياق متصل أعلنت محافظة درعا على حساباتها الرسمية على منصات التواصل الاجتماعي، عن اجتماع موسّع، اليوم الأحد، بين المحافظ طه الزعبي ومنظمات دولية (لم تحدّدها)، في إطار متابعة أوضاع النازحين من ريف السويداء. وأوضحت أنّ الاجتماع ناقش الأوضاع الإنسانية المتدهورة للنازحين من ريف محافظة السويداء، مشيرة إلى بحث آليات الاستجابة السريعة ووضع خطة عاجلة لتأمين الاحتياجات الأساسية للنازحين، بما يشمل المأوى والغذاء والرعاية الصحية، إضافة إلى مناقشة خطط بعيدة المدى لمعالجة أزمة اللجوء والتخفيف من معاناة الأسر المتضرّرة.

وتشير إحصائيات الأمم المتحدة إلى نزوح أكثر من 145 ألف شخص في محافظة السويداء جراء الاشتباكات، بمن فيهم الأشخاص الذين فروا داخل المحافظة والذين خرجوا إلى محافظتَي درعا وريف دمشق المجاورتَين، وذلك منذ بدء الاشتباكات المسلّحة في المحافظة يوم 13 يوليو/ تموز.

—————————-

السويداء: وقف إطلاق النار صامد ومطالبات بمحاكمة مرتكبي الانتهاكات/ جانبلات شكاي

مع مرور أسبوع كامل على آخر إعلان لوقف إطلاق النار في محافظة السويداء، يبدو أن الاتفاق الرابع من نوعه لوقف الاشتباكات جنوب سوريا، صمد، بل وبدأت الأمور تتجه نحو مراحل متقدمة بعد الانتهاء من ملف تبادل الأسرى، واستمرار دخول المساعدات إلى المحافظة المنكوبة وإن حصراً عبر الهلال الأحمر السوري، وأيضا عبر النجاح في إعادة التيار الكهربائي.

جهود فرض وقف إطلاق النار ومن ثم الحفاظ عليه، شاركت فيها الولايات المتحدة ممثلة بمبعوثها الخاص إلى سوريا توماس براك، ودخلت على الخط الخارجية الأردنية ومن ثم الخارجية الفرنسية، وبالطبع كانت إسرائيل الحاضرة بقوة على طول الخط لتثبيت مصالحها الخاصة قبل كل شيء، وفي المقابل كان إطلاق منتدى الاستثمار السعودي السوري من دمشق وما خلص إليه من الإعلان عن ضخ نحو 6.4 مليار دولار، أوضح وأقوى رسالة عن مدى الدعم الذي تقدمه الرياض للإدارة السورية الجديدة والذي وصل حد التأكيد بلسان وزير الاستثمار السعودي، خالد الفالح على أن السعودية وسوريا لطالما كانا «وجهان لعملة سياسية واقتصادية واجتماعية واحدة».

تثبيت الاتفاق

في 13 من تموز/يوليو الجاري، اندلعت اشتباكات مسلحة بين عشائر بدوية ومجموعات درزية بالسويداء، وتحركت قوات حكومية نحو المنطقة لفرض الأمن، لكنها تعرضت لهجمات من مجموعات درزية خارجة عن القانون، حسب التوصيف الرسمي، أسفرت عن مقتل عشرات الجنود، بينما تحدثت الأنباء الصادرة من داخل المدينة عن ارتكاب مجازر على يد القوات الحكومية والمتحالفة معها وخصوصا من قوات العشائر العربية، وسط معارك عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لم تكن أقل ضراوة من تلك التي كانت تحصل على الأرض.

وضمن الجهود التي بذلت لاحتواء الأزمة، أعلنت الحكومة السورية عن 4 اتفاقات لوقف إطلاق النار، ثلاثة منها لم تصمد، لكن أحدثها وأعلنها رئيس المرحلة الانتقالية في سوريا أحمد الشرع، السبت قبل الماضي، قطعت أشواطاً مقبولة ويجري تطبيقها بمعظم المناطق بلا خروقات، وصولا إلى تنفيذ تهدئة شاملة لإعادة الاستقرار لعموم المحافظة مع العمل على تبادل المعتقلين، وإعادة مظاهر الحياة والخدمات في المحافظة وعودة العوائل التي خرجت منها.

مساعي تثبيت اتفاق وقف إطلاق النار بدأت منذ اللحظة الأولى للإعلان عنه، حيث استضافت العاصمة الأردنية السبت قبل الماضي، اجتماعا ثلاثيا شارك فيه وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني والأردني أيمن الصفدي إلى جانب المبعوث الأمريكي وتم خلاله الاتفاق على «خطوات عملية تستهدف دعم سوريا في تنفيذ الاتفاق، بما يضمن أمن واستقرار سوريا ويحمي المدنيين، ويضمن بسط سيادة الدولة وسيادة القانون على كل الأرض السورية»، وذلك بحسب بيان وزارة الخارجية الأردنية الذي أوضح أن «الخطوات العملية تضمنت مواضيع تتعلق بتثبيت وقف إطلاق النار، ونشر قوات الأمن السورية في محافظة السويداء، وإطلاق سراح المُحتجَزين لدى كل الأطراف وجهود المصالحة المجتمعية في المحافظة، وتعزيز السلم الأهلي، وإدخال المساعدات الإنسانية».

ولم يتم الإعلان عن بنود الاتفاق الأخير لوقف إطلاق النار لكن مصادر إعلامية تحدثت عن تفاصيل هذا الاتفاق وقالت إن بنوده تتضمن دخول مؤسسات الدولة الإدارية والأمنية إلى المحافظة، ودمج عناصر الفصائل من السويداء بالأمن والدفاع، وتسليم السلاح الثقيل والمتوسط من البدو والدروز، ودمج الدروز بالمستقبل السياسي في المرحلة المقبلة، وإمكانية خروج من يرفض الاتفاق عبر طريق آمن خارج البلاد، ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات وفق القانون من الطرفين.

توقف القتال

ومع دخول يوم الأحد الماضي، أعلن المتحدث باسم وزارة الداخلية السورية نور الدين البابا على منصة «تليغرام» أنه «تم إخلاء مدينة السويداء من كافة مقاتلي العشائر وإيقاف الاشتباكات داخل أحياء المدينة».

وأكد البابا أن «الدولة بكل مؤسساتها السياسية والأمنية ماضية في مساعيها لاستعادة الأمن والاستقرار في السويداء، وستسخر قوى الأمن كل طاقاتها سعيا لوقف الاعتداءات وحالة الاقتتال وإعادة الاستقرار إلى المحافظة».

وساد الهدوء بعد إعلان الحكومة انسحاب مقاتلي العشائر البدوية من المدينة، وسط أزمة شديدة من نقص المياه والكهرباء، وانتشار مقاطع فيديو عن ارتكاب انتهاكات واسعة النطاق بحق الدروز.

براك يحذر.. ولجنة تحقيق

المبعوث الأمريكي توم براك أعرب، يوم الأحد ذاته، وعبر منصة «إكس»، عن قلقه الشديد من الانفلات الأمني على الأرض، محذراً من أن «هذا الطموح الهش بات مهدداً بصدمة عميقة»، بسبب «الأعمال الوحشية التي ترتكبها الفصائل المتقاتلة»، مطالباً «جميع الفصائل أن تضع السلاح فوراً، وأن توقف الأعمال العدائية، وأن تتخلى عن دوامة الثأر القبلي»، ومشيراً إلى أن سوريا تقف «عند مفترق طرق حاسم، ويجب أن يسود السلام والحوار الآن».

في اليوم التالي الإثنين أعلن وزير الداخلية السورية أنس خطاب عبر بيان نشرته الوزارة على صفحتها الرسمية على تلغرام أنه وبعد أيام دامية مرت على محافظة السويداء، نجحت قوى الأمن الداخلي في تهدئة الأوضاع ضمن المحافظة بعد انتشارها في المنطقة الشمالية والغربية منها، وتمكنت من إنفاذ وقف إطلاق النار داخل مدينة السويداء، تمهيداً لمرحلة تبادل الأسرى والعودة التدريجية للاستقرار إلى عموم المحافظة.

واعتبر خطاب أن انتشار قوى الأمن الداخلي في محافظة السويداء يمثل صمام أمان للاستقرار والتهدئة، وخطوة أولى في ضبط فوضى السلاح وترسيخ حالة الأمن.

أما وزارة الدفاع السورية فأعلنت الثلاثاء أنها تابعت تقارير حول انتهاكات صادمة وجسيمة ارتكبتها مجموعة غير معروفة ترتدي الزي العسكري في مدينة السويداء، وقالت الوزارة إنه وبناء على التعميمات الصارمة التي أصدرتها بعدم دخول أي تشكيلات غير تابعة لها إلى منطقة العمليات العسكرية، تم تشكيل لجنة لمتابعة الانتهاكات التي حصلت في مدينة السويداء، والتحقيق في تبعية وخلفية الأفراد المرتكبين لها.

وشددت الوزارة على أنه سيتم اتخاذُ أقصى العقوباتِ بحق الأفرادِ المرتكبين للانتهاكات في مدينة السويداء، بعد التعرف عليهم، ولن يتم التسامحُ مع أيٍّ من مرتكبي الانتهاكات، حتى لو كان منتسباً لوزارة الدفاع.

وفي ذات السياق أعلنت وزارة الداخلية السورية الأربعاء في بيان، أنها تُدين بأشد العبارات المقاطع المتداولة التي تُظهر تنفيذ إعدامات ميدانية من قبل أشخاص مجهولي الهوية في مدينة السويداء، وتؤكد أن هذه الأفعال تمثل جرائم خطيرة يُعاقب عليها القانون أشد العقوبات.

وقال البيان إن الجهات المختصة باشرت تحقيقاً عاجلاً لتحديد هوية المتورطين في هذه الجرائم، والعمل على ملاحقتهم وإلقاء القبض عليهم، مشددا على أن لا أحد فوق القانون، وأن كل من يثبت تورطه سيُحال إلى القضاء المختص لينال الجزاء العادل وفقًا لأحكام القانون.

إخراج البدو وتبادل الأسرى

ومع ترسيخ وقف إطلاق النار، بدأت عملية إجلاء عائلات من العشائر البدوية المقيمة ضمن أحياء في مدن المحافظة الرئيسية، على حين أعلنت دمشق أنها محاولة لاحتواء الأزمة لإيقاف شلال الدم بعد المواجهات بين عشائر البدو والمجموعات الخارجة عن القانون بقيادة الهجري، والحفاظ على المسار الذي سيؤدي إلى المصالحة والاستقرار في المحافظة، بحسب ما كان قد أكده سابقا لـ«القدس العربي» مسؤول القوى التنفيذية في محافظة درعا بلال أبو نبوت، والذي قال إن عشائر البدو بجميع عائلاتهم سوف يعودون إلى بيوتهم ومدنهم، بعد تأمين الاستقرار، وأضاف: ما جرى اليوم هو نقل مئات العائلات من عشائر البدو إلى (مراكز إيواء) بمنطقة اللجاة ومحيطها باتجاه محافظة درعا، إلى حين تأمين المنطقة وعودة الهدوء.

ومنذ يوم الإثنين وحتى يوم الجمعة خرجت خمس دفعات من العوائل ضمت الآلاف من البدو، قالت الحكومة السورية، إنهم كانوا محتجزين في مدينة السويداء، وكان في استقبال هذه العوائل قائدا الأمن الداخلي في السويداء العميد أحمد الدالاتي، وفي درعا، العميد شاهر عمران.

وفي المقابل استمرت معاناة أكثر من 90 ألف مواطن من أهالي محافظة السويداء، بعد نزوحهم قسراً من 31 قرية وبلدة في أرياف السويداء الغربية والشمالية والشمالية الشرقية.

وحسب بنود اتفاق وقف إطلاق النار الذي يجري تطبيقه بشكل تدريجي، استمر إطلاق سراح عشرات المخطوفين من أبناء محافظة السويداء، إضافة إلى تأمين عودة عشرات الآلاف من أهالي السويداء إلى قراهم وبلداتهم في ريفي السويداء الغربي والشمالي، بعد نزوحهم منها نتيجة الاقتحامات المتتالية.

دفن مئات القتلى

وفيما كانت عمليات إجلاء عائلات العشائر تجري، كانت السويداء تلملم جراحها. ونُقلت أكثر من 450 جثة إلى مستشفى السويداء حتى مساء الأحد، في حين تتواصل عمليات العثور على قتلى في الشوارع والمنازل في داخل المدينة، مع وجود جثث أخرى بقرى في ريفَي السويداء الشمالي والغربي، وفقاً لإدارة المستشفى وعاملين صحيين.

وشهدت مدينة السويداء الأربعاء، دفن مئات القتلى من أبناء المحافظة بإشراف مديرية الصحة، وقالت الناشطة الميدانية نايا عزام من مدينة السويداء لـ«القدس العربي» إن العملية جرت تحت إشراف الطبيبين أسامة قندلفت من مدير الصحة وأكرم نعيم من الطبيب الشرعي.

وأشارت إلى أن الدفن جاء «بعد إجراء فحوصات طبية شرعية على الجثامين وإصدار التصاريح اللازمة لدفنهم وفقا للمعايير الشرعية والإنسانية»، وأكدت أن عدد القتلى الموثقين هو 502 ضحية من الأطفال والنساء والرجال وكبار السن، بينهم جثث كانت في مستشفى السويداء، مشيرة إلى تسليم 380 جثمانا إلى عائلاتهم، بينما تعذر تسليم 120 جثمانا تعود لأهالي من القرى الغربية والشمالية الغربية بسبب الأوضاع الأمنية المتدهورة في تلك المناطق، وتم دفنهم في مقبرة الرحى، بعد فرز الجثامين، النساء في جهة والرجال في جهة أخرى، وأداء صلاة الجنازة عليهم.

في غضون ذلك، أصدرت الشبكة السورية لحقوق الإنسان الخميس، تقريراً وثقت فيه مقتل ما لا يقل عن 814 سورياً بينهم 34 سيدة و20 طفلاً، و6 من الطواقم الطبية بينهم 3 سيدات، و2 من الطواقم الإعلامية.

الشارع وتخوين الهجري

ارتدادات اشتباكات السويداء طالت الشارع السوري في عموم المحافظات، وقد أصدر «المركز السوري لدراسات الرأي العام- مدى» تقريراً الخميس، رصد فيه رأي السوريين الذين اعتبروا أن خلفية اندلاع الاشتباكات تعود إلى وجود مخطط إسرائيلي لتفجير الصراع.

وتضمن التقرير، الذي حمل عنوان «موقف الشارع السوري من أحداث السويداء» آراء عيّنة مكونة من 1950 مستجيباً ومستجيبةً، نصفهم من الإناث، من 13 محافظة سورية، باستثناء السويداء.

وحسب نتائج الاستطلاع، فإن الخلفية التي أدت إلى اندلاع المواجهات والاشتباكات في السويداء تعود إلى وجود مخطط إسرائيلي لتفجير الصراع بين مكوّنات المجتمع السوري، بنسبة 43.5 في المئة، فيما حمّل ثلث المستجيبين، المسؤولية لميليشيات عسكرية درزية لم تندرج ضمن صفوف المؤسسات العسكرية والأمنية حتى لحظة وقوع الاشتباكات.

واعتبر 80 في المئة من العينة المستهدفة، أن ما حدث في السويداء، من سلوك الميليشيات الدرزية المسلحة، ودخولها في اشتباكات مع قوات الأمن السوري، والتغيرات في المواقف تجاه الاتفاقات الموقعة ومن ثم نقضها، هي دعوات انفصالية عن سوريا، خاصة مع طلب شيخ الطائفة الدرزية في فلسطين من القيادة العسكرية هناك التدخل لصالح الدروز، وذلك بعد طلب شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز في السويداء حكمت الهجري الحماية الدولية، ما أدى لاحقًا، لقصف إسرائيل مواقع حكومية حساسة وسط العاصمة دمشق.

وعلى خلفية ارتفاع معدلات الشحن الطائفي، أكدت مصادر قضائية لـ«القدس العربي» أن وزارة العدل فعلت الشكاوى المتعلقة بجرائم المعلوماتية لخطورتها وخصوصاً فيما يتعلق بالشتائم الطائفية، مشيرة إلى حصول ارتفاع كبير في هذه الجرائم خلال الفترة الماضية، وأن النيابة العامة استقبلت مئات الشكاوى ضد أشخاص يديرون صفحاتهم من الخارج، طالبت بمحاكمة المحرضين والخونة.

وتحدثت المصادر عن نشاط قضائي لتحريك ادعاءات عامة بحق الكثير من الصفحات التي تبث الشائعات والإساءات للطوائف، مقدرة أن هناك عشرات آلاف الصفحات تدار في الخارج.

قبائل سوريا لن يكسروا قرارات الدولة

وكان من أبرز تجليات أحداث السويداء الدامية ذلك التحرك و«الفزعة» التي حشدت من خلالها القبائل العربية ما يفوق عن 50 ألف مقاتل من مختلف المحافظات استجابة لنداء امرأة بدوية نادت على النشامى طالبة انقاذها وذويها من إبادة يتعرضون لها من مجموعات حكمت الهجري.

وفي تصريح لـ«القدس العربي» قال الشيخ منصور حمد النادر، وهو من شيوخ قبيلة النعيم، إنه ومع إعلان وقف إطلاق النار أول مرة، بدأ الدروز، من جماعة حكمت الهجري، بقتل المسلمين السنة على الهوية، وحينها حصل النفير العام والفزعة استجابة لاستغاثة نسائنا، بعد أن قامت جماعات الهجري بالهجوم على منازل البدو وقتلوا كل من فيها وهناك فيديوهات توثق ذلك.

وبين النادر أن البدو المقيمين في السويداء بنسبة كبيرة هم من عشائر الزبيد والنعيم وشمر، ويقدر تعدادهم ما بين 120 إلى 150 ألف نسمة، وعندما غدرت مجموعات الهجري بقوات الأمن الداخلي، تحركنا لأن هذه الحكومة من الشعب، ونحن نقف وراءها، والدولة هي الأب لكل أبنائها، وعندما طلبت منا التوقف والخروج استجبنا لندائها، ونحن مع كل ما يصدر عن الدولة وسنقدم لها كل الدعم وهي التي تدير الأمور، ولسنا فوق قراراتها، ولكن إذا ما عجزت فإن قوات العشائر موجودة.

ودفعت أحداث السويداء إلى بروز قوي لدور القبائل والعشائر في سوريا، وهؤلاء يشكلون عنصراً أساسياً في تركيبة المجتمع السوري، ويلعبون دوراً معقداً ومتعدد الأوجه، ولطالما طرأت تغيرات هامة على دورهم هذا وخاصةً في العقود الأخيرة خلال حكم حزب البعث، ومن ثم خلال سنوات الثورة، حيث باتت القبيلة والعشيرة في بعض المناطق، بعد أن غابت السلطة المركزية، بمثابة إدارة جديدة لشؤون هذه المناطق.

وذكرت مصادر مختصة بالشأن العشائري لـ«القدس العربي» أن المنافسة اليوم على صدارة القبائل السورية تنحصر بين النعيم والبوشعبان وفي ظل غياب إحصائيات رسمية تجاه هذه الأمور، فإن التقديرات تشير إلى أن تعداد كل واحدة منهما تصل إلى مليوني نسمة والفارق بينهما أن النعيم متواجدة تقريبا في معظم المحافظات السورية، أما البوشعبان فأبناءها منتشرون في محافظات الجزيرة الثلاث دير الزور والرقة والحسكة وأيضا في ريف حلب.

أما أبرز القبائل السورية تعدادا فهي البوشعبان والنعيم والعكيدات والبقارة والموالي والحديديين وطي وشمر وبني خالد والعنزة وجيس والجبور والفواعرة وعبيد والدليم والشرابيين والخرشان والحديش وحرب وعدوان وبني سعيد وبني خالد والسخاني والبوبنا.

 تبلور الاتفاق

وعلى امتداد الأسبوعين الماضين من عمر مواجهات السويداء الدامية، لم يتم نشر بنود واضحة لاتفاق وقف إطلاق النار، وما حصل كان تنفيذاً لتفاهمات يتم التوصل إليها برعاية أمريكية، ليتم تطويرها لاحقا بتفاهمات جديدة.

ومع نهاية الأسبوع الماضي أعلن المبعوث الأمريكي توماس براك عن التوصل إلى اتفاق مع السوريين والإسرائيليين بشأن خفض التصعيد، موضحاً أنه تم عقد لقاء مع الأطراف في باريس مساء الخميس، وأكد أن الهدف من اللقاء كان «الحوار والتخفيف من التصعيد»، ونجحوا في تحقيق ذلك بالكامل، مع تجديد التزام جميع الأطراف بمواصلة هذه الجهود، وذلك على هامش أنباء بأن اللقاء الذي نظمه وشارك فيه براك تم بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ووزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي رون ديرمر.

ولم يتم نشر الاتفاق الأخير رسميا، لكن المرصد السوري لحقوق الإنسان نشر فقرات قال إنها بنود الاتفاق المشار إليه، وتضمنت أن يحول ملف السويداء إلى الأمريكيين، وهم سيلتزمون بمتابعة تنفيذ بنود هذا الاتفاق، وأن تنسحب جميع قوات العشائر وقوات الأمن العام إلى ما بعد القرى الدرزية، على أن تقوم الفصائل الدرزية بتمشيط جميع القرى للتأكد من إخلائها من قوات العشائر وحكومة دمشق، ومن ثم تشكيل مجالس محلية من أبناء السويداء تتولى مهمة تقديم الخدمات، إلى جانب تشكيل لجنة لتوثيق الانتهاكات حيث سترفع تقاريرها إلى الطرف الأمريكي، مع التشديد على نزع السلاح من القنيطرة ودرعا وتشكيل لجان أمنية محلية من أبناء تلك المناطق بشرط أن لا تمتلك الأسلحة الثقيلة، وأيضا التأكيد على منع دخول أي منظمة أو مؤسسة تابعة للحكومة السورية إلى السويداء، مع السماح بدخول منظمات الأمم المتحدة.

رعاية أمريكية فرنسية

وظل الصمت رسميا سيد الموقف بدمشق تجاه كل ما يتسرب من حديث عن اتفاقات وحتى عن أول لقاء من نوعه على هذا المستوى بين الشيباني ووزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي، لكن الخارجية السورية أصدرت الجمعة بيانا مشتركا سوريا فرنسيا أمريكا بشأن المحادثات حول الاستقرار في سوريا.

وذكر البيان أن الشيباني عقد ووزير الخارجية الفرنسي جان نويل باروت وسفير الولايات المتحدة الأمريكية في تركيا والمبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا توماس براك، اجتماعا صريحا وبناء في العاصمة الفرنسية باريس ضمن إطار التعاون الوثيق بين الأطراف المشاركة.

وأوضح البيان أنه تم التوافق على الحاجة إلى الانخراط السريع في الجهود الجوهرية لإنجاح مسار الانتقال في سوريا، بما يضمن وحدة البلاد واستقرارها وسيادتها على كامل أراضيها، مع الالتزام بالتعاون المشترك لمكافحة الإرهاب بجميع أشكاله، ودعم قدرات الدولة السورية ومؤسساتها للتصدي للتحديات الأمنية.

وشدد البيان على دعم الحكومة السورية في مسار الانتقال السياسي الذي تقوده، بما يهدف إلى تحقيق المصالحة الوطنية وتعزيز التماسك المجتمعي، لا سيما في شمال شرق سوريا ومحافظة السويداء. كما أكد البيان على عدم تشكيل دول الجوار لأي تهديد لاستقرار سوريا وفي المقابل تأكيد التزام سوريا بعدم تشكيلها تهديدا لأمن جيرانها حفاظاً على استقرار المنطقة بأسرها.

القدس العربي

—————————-

ناجون من مجزرة في السويداء يروون لحظات الرعب تحت وابل الرصاص

حدّق حاتم رضوان في الأرضية الملطخة بالدماء، والوسائد في مضافة آل رضوان في مدينة السويداء الدرزية في سوريا، وعقله لا يستوعب كيف نجا من إطلاق النار الذي وقع قبل أكثر من أسبوع، وأودى بحياة أقارب وأصدقاء له.

وقال الرجل البالغ من العمر 70 عامًا لرويترز: “ما عم بنام أنا، يعني أنا تمنّيت أموت أفضل، أحسن لي”، مشيرًا إلى أن اثنين من أصهاره ووالد زوج ابنته قُتلوا عندما اقتحم مسلحون دار الضيافة في 16 يوليو/تموز.

وقُتل المئات خلال أيام شهدت عنفًا طائفيًا في محافظة السويداء السورية، حيث أُرسلت قوات حكومية لوقف الاشتباكات بين مسلحين من الدروز وعشائر بدوية.

وقالت وزارة الدفاع السورية، في 22 يوليو/تموز، إنها ستحقق في تقارير عن قيام “مجموعة مجهولة” ترتدي زيًا عسكريًا بارتكاب “انتهاكات صادمة” في السويداء، وستحاسب مرتكبيها.

وندّدت وزارة الداخلية بمقاطع مصورة متداولة تُظهر عمليات إعدام ميدانية نفّذها مجهولون في مدينة السويداء، وتعهدت بإجراء تحقيق.

وقال سكان وجماعات مراقبة ومراسلون في المحافظة إن العنف زادت حدّته بعد نشر قوات الأمن، وتحدثوا عن وقوع عدة حالات قتل على غرار الإعدام.

ومن بين أكثر الوقائع فظاعة ما حدث في مضافة آل رضوان.

وقال رضوان إن مسلحين اقتحموا المضافة في 15 يوليو/تموز، عندما كان يجلس مع أصدقاء وأقارب من الدروز. ودخل المسلحون المكان وأخذوا مفاتيح سيارة كانت متوقفة بالخارج، ثم أداروا محركها وغادروا.

وقال رضوان إنه سمع وقتها أحد المسلحين يقول: “خلينا نصفيهم كي لا يتعرفوا علينا”، وذلك قبل أن يسقط هو منهارًا على الأرض عندما بدأ إطلاق النار.

رصاص بالصدر

قال رضوان لرويترز: “مش عارف، طلق ولا شو صابني، بس وقعت خلاص، قلت خلاص بدي موت، هذا اللي صار”.

وأظهر مقطع فيديو على الإنترنت، وتحققت رويترز من صحته في مضافة آل رضوان، أكثر من 12 جثة، بعضها مصاب برصاص في الصدر وهي مكوّمة فوق بعضها بعضًا. ولم يتسنّ لرويترز التحقق من تاريخ تصوير الفيديو.

وشاهد مراسلو رويترز في المضافة، يوم الجمعة، ثقوب رصاص في الجدران وبقع دماء على وسائد مخططة باللونين الأحمر والأسود، وأيضًا على الأرضية الأسمنتية.

وعلى مقربة، لا تزال عائلة أخرى في حالة حزن على من فقدتهم.

وتحدث أفراد عائلة سرايا بصوت خفيض في منزلهم الذي امتلأت جدرانه بثقوب الرصاص. وجلست عجائز يتشحن بالسواد، باستثناء الحجاب الأبيض، في صمت.

وقال أقارب وأصدقاء إن سبعة من عائلة سرايا وصديقًا ثامنًا قُتلوا في عملية أشبه بالإعدام في ساحة تشرين بعد أن اقتادهم مسلحون من منازلهم، الأسبوع الماضي.

وكان أحدهم، حسام سرايا (35 عامًا)، مواطنًا سوريًا يحمل الجنسية الأمريكية وكان يعيش في ولاية أوكلاهوما.

وأظهرت مقاطع فيديو تحققت رويترز من صحتها ثمانية رجال بملابس مدنية يسيرون في طابور واحد برفقة مسلحين. وتمكنت رويترز من تحديد الموقع، وهو مكان يقع إلى الغرب من ساحة تشرين، في قلب السويداء، لكن لم يتسنّ لها التحقق بصورة مستقلة من تاريخ تصوير الفيديو.

وأظهر مقطع فيديو آخر مسلحين يطلقون النار على الرجال العُزل أنفسهم وهم راكعون على الأرض الترابية لدوار ساحة تشرين. وتحققت رويترز من موقع الفيديو من خلال التمثال الموجود في الساحة.

وقال معتصم جباهي، صديق عائلة سرايا، إن مصير الرجال ظل مجهولًا حتى تلقّى مكالمة هاتفية من شخص رأى الجثث في الساحة.

وأضاف لرويترز: “اتصلنا بكل اللي نعرفهم ونزلنا لتحت (إلى ساحة تشرين) ولقيناهم، أجسامهم محطمة بالرصاص، مش قتل عادي، قتل إجرام”.

(رويترز)

———————-

 سوريا: اللقاء مع الإسرائيليين بباريس تمحور حول “احتواء التصعيد

مصدر دبلوماسي سوري: اللقاء لم يسفر عن أي اتفاقات نهائية، بل كان عبارة عن مشاورات أولية تهدف إلى خفض التوتر وإعادة فتح

العربية.نت والوكالات

 26 يوليو ,2025

قال مصدر دبلوماسي سوري السبت إن اللقاء الذي جمع في باريس وفدين من سوريا وإسرائيل بوساطة أميركية تطرّق إلى إمكانية تفعيل اتفاقية فضّ الاشتباك و”احتواء التصعيد” بين البلدين، بدون أن يسفر عن “اتفاقات نهائية”، مشيراً إلى لقاءات أخرى ستعقد مستقبلاً، وفق ما نقله التلفزيون السوري الرسمي.

وكان مصدر دبلوماسي في دمشق قد قال لوكالة الأنباء الفرنسية الخميس إن اجتماعاً غير مسبوق جمع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ووزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي رون ديرمر، بينما أعلن المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برّاك في منشور على “إكس” أنه التقى بمسؤولين سوريين وإسرائيليين في باريس.

ونقلت القناة السورية الرسمية عن المصدر الدبلوماسي قوله إن “الحوار الذي جمع وفداً من وزارة الخارجية وجهاز الاستخبارات العامة مع الجانب الإسرائيلي جرى بوساطة أميركية وتمحور حول التطورات الأمنية الأخيرة ومحاولات احتواء التصعيد في الجنوب السوري”.

وتابع أن “اللقاء لم يسفر عن أي اتفاقات نهائية، بل كان عبارة عن مشاورات أولية تهدف إلى خفض التوتر وإعادة فتح قنوات التواصل في ظل التصعيد المستمر منذ أوائل ديسمبر (كانون الأول)”.

وقال إن الحوار تطرق إلى “إمكانية إعادة تفعيل اتفاق فضّ الاشتباك” لعام 1974 “بضمانات دولية، مع المطالبة بانسحاب فوري للقوات الإسرائيلية من النقاط التي تقدمت إليها مؤخراً”.

وعُقد هذا اللقاء في أعقاب الاشتباكات التي اندلعت في محافظة السويداء في 13 يوليو (تموز)، والتي دخلت إسرائيل على خطها عبر شن غارات على أهداف في جنوب سوريا وفي دمشق. وتؤكد إسرائيل أنها لن تسمح بوجود عسكري في جنوب سوريا.

وبحسب المصدر الدبلوماسي الذي القناة الرسمية السورية تصريحاته، فقد شدّد الوفد السوري خلال اللقاء على أن “وحدة وسلامة وسيادة الأراضي السورية مبدأ غير قابل للتفاوض، وأن السويداء وأهلها جزء أصيل من الدولة السورية، لا يمكن المساس بمكانتهم أو عزلهم تحت أي ذريعة”.

وتمّ الاتفاق في ختام اللقاء على “عقد لقاءات جديدة خلال الفترة المقبلة، بهدف مواصلة النقاشات وتقييم الخطوات التي من شأنها تثبيت الاستقرار واحتواء التوتر في الجنوب”، وفقاً للمصدر نفسه.

وكان مصدر دبلوماسي في دمشق قد أفاد وكالة الأنباء الفرنسية بأن لقاء مباشراً عقد في 12 يوليو (تموز) بين مسؤول سوري وآخر إسرائيلي على هامش زيارة أجراها الرئيس السوري أحمد الشرع إلى أذربيجان.

ومنذ وصولها إلى السلطة في ديسمبر (كانون الأول)، أقرت السلطات السورية الجديدة بحصول مفاوضات غير مباشرة مع إسرائيل، هدفها احتواء التصعيد، بعدما شنّت إسرائيل مئات الغارات على الترسانة العسكرية السورية وتوغلت قواتها في جنوب البلاد عقب الإطاحة ببشار الأسد من الرئاسة.

وتربط دمشق هدف المفاوضات مع إسرائيل بالعودة إلى تطبيق اتفاقية فضّ الاشتباك لعام 1974، لناحية وقف الأعمال القتالية وإشراف قوة من الأمم المتحدة على المنطقة المنزوعة السلاح الفاصلة بين الطرفين.

————————

أصحاب المداجن يشتكون، بدو السويداء يخسرون ممتلكاتهم.. من يعوضهم؟

درعا – محجوب الحشيش

في مركز لإيواء النازحين في بلدة المليحة الشرقية بريف درعا الشرقي، يجلس حسين الحمود، وحوله العشرات من المهجرين، على مقعد مدرسي في مدخل المركز، يتحسر على الحال الذي وصل إليه بدو جبل العرب بعد تهجيرهم من محافظة السويداء عقب الأحداث الدامية التي شهدتها المنطقة.

يتساءل حسين، بعد سرده لما جرى معه خلال الأحداث في السويداء، قائلًا، “من يعوضني خسارتي؟”.

وقدّر حسين الحمود خسارته بما يقارب المليار ليرة سورية، أي نحو 100,000 دولار (يساوي الدولار الأمريكي الواحد نحو 10,000 ليرة سورية)، إذ خسر شقتين سكنيتين تعرضتا للحرق، وجرارًا زراعيًا و200 رأس من الأغنام ودراجة نارية.

حسين قال إنه خرج وعائلته بثيابه ولم يحمل أيًا من ممتلكاته، مضيفًا أنه بنى ثروته بجهده، إذ كان يواصل العمل لثلاث ورديات في اليوم حتى استطاع بناء منزل له ولابنه، وشراء مواشيه.

حمود البرجس، الذي يقيم في ذات المركز، قال لعنب بلدي، إنه خسر مشروعًا زراعيًا بنحو 20 دونمًا من البندورة (يعادل الدونم الواحد 1000 متر مربع) بعد أن وصل لمرحلة الجني، وكذلك ترك في منزله 200 رأس من الغنم.

ويقدّر سعر الخروف بما يقارب المليوني ليرة سورية (نحو 200 دولار)، وتوقع حمود مصادرة أملاكه ودمار محصوله، إذ يحتاج إلى متابعة يومية من سقاية ورش بالمبيدات وجني وغير ذلك من أعمال الزراعة.

حمد الحمود قال إن له ديونًا في سوق “الهال” بالسويداء بقيمة 50 مليون ليرة سورية (نحو 5000 دولار)، وخسر أيضًا 50 رأسًا من الغنم بالإضافة إلى سيارة زراعية ودراجة نارية.

واندلعت اشتباكات بين عشائر البدو وفصائل محلية تنتمي للمكون الدرزي، على خلفية خطف سائق وسيارة زراعية، في 12من تموز الحالي، تطورت إلى تدخل وزارتي الدفاع والداخلية، أعقبته مواجهة من الفصائل بعد ورود أنباء عن انتهاكات من القوات الحكومية بحق سكان من الطائفة الدرزية.

انسحبت القوات الحكومية، بعد تدخل علني لإسرائيل لمصلحة الفصائل المحلية، وقصفها للأرتال الحكومية في محيط السويداء، وكذلك قصفها لمبنى الأركان في العاصمة دمشق، في 16 من تموز الحالي.

وبعد انسحاب الحكومة، تعرض سكان من عشائر البدو لانتهاكات وعمليات تصفية وإعدام وإحراق للممتلكات، تدخلت إثره العشائر من مختلف المحافظات السورية.

وجرت اشتباكات بين العشائر والفصائل المحلية، الموالية للرئيس الروحي للطائفة الدرزية، حكمت الهجري، على رأسها “المجلس العسكري في السويداء”.

وانخفضت وتيرة الاشتباكات، نتيجة تدخل جهاز الأمن الداخلي التابع لوزارة الداخلية، وتطويق الحدود الإدارية بين درعا والسويداء وتطبيق وقف إطلاق النار، برعاية دولية.

ووثقت “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” مقتل ما لا يقل عن 814 شخصًا، وإصابة 903 آخرين، في أحداث السويداء، بين 13 و24 من تموز الحالي.

وتشمل حصيلة “الشبكة” ضحايا من المدنيين، بمن فيهم أطفال وسيدات وأفراد من الطواقم الطبية، إضافة إلى مقاتلين من مجموعات عشائرية مسلحة من البدو، وأخرى محلية من أبناء المحافظة، إلى جانب عناصر من قوى الأمن الداخلي ووزارة الدفاع.

“تهجير قسري” مستمر

لا تزال قوافل المهجّرين من عشائر البدو تخرج من المناطق التي تسيطر عليها الفصائل المحلية في السويداء، تنفيذًا لأحد بنود اتفاقية وقف إطلاق النار.

وبينما تقول الحكومة السورية، إن البدو خرجوا مؤقتًا من السويداء، نظرًا للأوضاع الأمنية في المحافظة، يرى حقوقيون وناشطون أن ما يجري هو تهجير للعشائر.

مدير “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، فضل عبد الغني، قال لعنب بلدي في تقرير سابق، إن عمليات النقل التي تجري في السويداء لعائلات البدو وفق التوصيف القانوني هي عمليات تهجير قسري لأنها تتم باتجاه واحد دون عودة، وذلك ما لم توضح الحكومة عكس ذلك بالأفعال.

وأضاف عبد الغني أن هؤلاء الأشخاص خرجوا دون إرادتهم وباتجاه واحد، وهم سكان يقيمون في المنطقة منذ مئات السنين لديهم حياتهم وممتلكاتهم وأعمالهم وعلاقاتهم اليومية والتجارية وغيرها، الأمر الذي يتطلب توضيح الحكومة السورية لبنود الاتفاق التي تخرج هذه العائلات وفقًا له.

من يعوضهم

اختلفت آراء بعض الحقوقيين في محافظة درعا جنوبي سوريا حول آلية تعويض خسائر البدو من المدنيين في السويداء، وحول الجهة التي يجب أن تعوضهم.

ويحمّل المحامي والناشط في توثيق الانتهاكات، عاصم الزعبي، بحسب حديث إلى عنب بلدي، مسؤولية تعويض المتضررين في الأحداث الجارية بالسويداء، سواء للبدو أو الدروز، للحكومة السورية، على اعتبار أن ما حدث يقع ضمن حيزها الجغرافي، مشيرًا إلى أن السويداء هي جزء من الحكومة السورية.

وبالنسبة إلى المنظمات الدولية فهي لا تعطي تعويضات شخصية، بحسب الزعبي، إنما تقدم مساعدات إنسانية طبية وغذائية.

من جانبه، قال المحامي برهان الشعابين، إن المسألة أعقد من قضية البحث مباشرة في التعويض، إذ يجب أولًا تحديد إن كان التهجير قسريًا دائمًا، أو تهجيرًا مؤقتًا.

ويرتبط هذا بقدرة الحكومة على بسط سيطرتها على المحافظة، وبعد هذا التحديد تشكّل لجنة لتقصي الحقائق، هي لجنة مستقلة مهمتها التحقيق وإثبات وقائع الانتهاكات والخسائر، وبعدها من الممكن الحديث عن التعويض من عدمه.

مسؤولية “المجلس العسكري”

حمود البرجس، أحد سكان البدو المهجرين من ريف السويداء، قال إنه لن يعود إلى بيته حتى تبسط الدولة سيطرتها على كامل المحافظة وتسحب سلاح “المجلس العسكري في السويداء”.

المحامي طارق الخليل، عضو لجنة حقوق الإنسان في نقابة محامي درعا، ذهب إلى أن أصول القاعدة العامة القانونية تقضي أن المسؤولية في تعويض الأضرار تقع على السبب المباشر.

وفي هذه الحالة، تقع على “المجلس العسكري في السويداء” فيما يخص أملاك المدنيين و”الجرائم” التي لحقت بهم.

ويرى أنه يجب توثيق الانتهاكات والخسائر وبعد ذلك تصبح هناك إمكانية لرفع دعاوى.

وذكر الخليل أن المسارات القانونية تتضح بعد معرفة طبيعة التهجير وتوثيق هذه الانتهاكات وأضرارها.

وأشار إلى أن نقابة المحامين قد تتطوع في الدفاع عن المتضررين.

وربط الخليل بين تدخل إسرائيل في القضية وبين القضايا المرفوعة ضدها في محكمة العدل الدولية، إذ من الممكن رفع دعاوى على “المجلس العسكري” باعتباره “إحدى أذرع الكيان الإسرائيلي”، وفق وصفه.

—————————–

ناجيات من السويداء يروين لـ”أسوشيتد برس” لحظات الرعب والانفلات الأمني

27 يوليو 2025

سلّط تقرير لوكالة “أسوشيتد برس” الأميركية الضوء على مشاهد الخراب والدمار التي خلّفتها الاشتباكات العنيفة في محافظة السويداء، موثقًا روايات ناجيات وجدن أنفسهن في دوامة من العنف الطائفي، فيما تمكّن بعضهن من مغادرة المحافظة التي تفوح منها رائحة الموت.

تشير الوكالة في مقدمة تقريرها إلى أن رائحة الجثث المتحللة تخيم بشدة في شوارع السويداء، حيث اندلعت اشتباكات عنيفة مؤخرًا، مضيفًا أن الطرق التي كانت تعجّ بالحركة أصبحت الآن صامتة بشكل مخيف، ولم يعد يمر بها سوى قلة من الناس، فيما يظهر في بعض المناطق، حجم الدمار هائل، جراء احتراق المباني والسيارات المغطاة بالسواد.

ولفتت الوكالة إلى أن الزجاج المحطم غطى أرضية أحد البنوك، بينما كان جرس الإنذار يرن بلا توقف، فيما كانت الجدران مغطاة بشعارات كتبها الطرفان المتصارعان خلال المواجهات الأخيرة.

وأوضحت “أسوشيتد برس” أن هذا الخراب جاء بعد اندلاع اشتباكات عنيفة قبل أسبوعين، أشعلتها عمليات خطف متبادلة بين عشائر بدوية مسلحة ومقاتلين من الأقلية الدينية الدرزية، مما أسفر عن مقتل مئات الأشخاص، وهدد بتقويض المرحلة الانتقالية الهشة التي تمر بها سوريا بعد الحرب.

وبحسب الوكالة، تدخلت القوات الحكومية، ظاهريًا لوضع حد للاشتباكات، لكنها في الواقع وقفت إلى جانب العشائر. وأفادت تقارير بأن بعض مقاتلي الحكومة قاموا بسرقة وإعدام مدنيين دروز.

وتمكن صحفيو “أسوشيتد برس” من خارج المدينة من دخول السويداء، الجمعة الماضي، للمرة الأولى منذ اندلاع العنف في 13 تموز/يوليو. ومع أن وقف إطلاق النار لا يزال صامدًا إلى حد كبير، يحاول سكان السويداء لملمة ما تبقى من حياتهم.

قنّاص أصابه

في المستشفى الرئيسي، حيث تراكمت جثث القتلى لعدة أيام، كان العمال ينظفون الأرض، لكن الرائحة لا تزال عالقة. وتقول الوكالة إن منال حرب هناك مع ابنها الجريح البالغ من العمر 19 عامًا، صافي درغام، وهو طالب سنة أولى في كلية الهندسة، وقد أُصيب بطلق ناري أثناء تطوعه في المستشفى الذي غصّ بالجرحى.

قالت حرب إن: “قنّاصًا أصابه أمام المستشفى”، مضيفة: “نحن مدنيون ولا نملك أي سلاح”. وقد تعرّض درغام لإصابات في كوعه، وخلف أذنه، وساقه، فيما أشارت والدته إلى أنه قد يفقد ذراعه إذا لم يتلق علاجًا عاجلًا.

وبحسب “أسوشيتد برس”، قُتل زوج حرب، خالد درغام، عندما اقتحم مسلحون منزلهم، وأطلقوا عليه النار، ثم أضرموا النيران في المنزل. وتقول السيدة إن المسلحين سرقوا أيضًا هواتفهم وأغراضًا أخرى، مع التنويه من “أسوشيتد برس” بعدم تمكنها من التحقق من هذه المزاعم بشكل مستقل.

من جهة ثانية، قالت ممرضة في قسم الطوارئ، طلبت التعريف بلقبها، أم حسيب، إنها بقيت في المستشفى مع أطفالها طوال فترة الاشتباكات. واتهمت مقاتلين حكوميين، أُحضروا إلى المستشفى للعلاج، بأنهم فتحوا النار داخله، ما أدى إلى مقتل ضابط شرطة كان يحرس المكان، وإصابة آخر، مضيفة أن الجثث بقيت متراكمة لعدة أيام دون أن يزيلها أحد، ما تسبب في مخاطر طبية.

التوترات الطائفية تتصاعد مع رفض الدروز نزع السلاح

وفقًا للوكالة ذاتها، ظهرت تقارير وفيديوهات مروعة من السويداء تُظهر مدنيين دروز يتعرضون للإهانة والإعدام خلال النزاع، أحيانًا ترافقها شتائم طائفية. وبعد بدء سريان وقف إطلاق النار، شنّت بعض الجماعات الدرزية هجمات انتقامية على المجتمعات البدوية، وقالت الأمم المتحدة إن أكثر من 130 ألف شخص نزحوا بسبب أعمال العنف.

وتعهد مسؤولون حكوميون، بينهم الرئيس، أحمد الشرع، بمحاسبة كل من استهدف المدنيين، لكن كثيرين من سكان السويداء لا يزالون غاضبين ومتشككين من ذلك.

وكان الدروز بشكل عام قد رحّبوا بسقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، في هجوم مفاجئ لفصائل المعارضة أنهى عقودًا من حكم عائلة الأسد الاستبدادي.

لكن الحكومة الجديدة بقيادة الشرع قوبلت بردود فعل متباينة من القادة الدروز، حيثُ دعم بعض رجال الدين الانخراط مع القيادة الجديدة، بينما عارضها آخرون، بما فيهم الزعيم الروحي، الشيخ حكمت الهجري، ومجلسه العسكري في السويداء.

وقد نفى الشرع استهدافه للدروز، وألقى باللوم على جماعات مسلحة تتحدى سلطة الدولة، وخصوصًا تلك الموالية للهجري. كما اتهم إسرائيل بتأجيج الانقسام من خلال ضربها للقوات السورية في السويداء، وهي ضربات نُفذت بحجة الدفاع عن الدروز.

لن نسلّم أسلحتنا

قال مالك منتجع درزي، طلال جرماني (30 عامًا)، إنه حمل السلاح خلال الاشتباكات، بحسب ما نقلت “أسوشيتد برس”. وأضاف: “ما دفعني إلى ارتداء الزي العسكري والذهاب إلى الخطوط الأمامية هو أن ما حدث كان فوضى تامة”، مؤكدًا أنه لم يكن هناك فرق كبير بين العشائر البدوية وقوات الأمن العامة الحكومية، لافتًا إلى استخدامهم “السلاح، لا الحوار”.

ورفض جرماني في حديثه للوكالة الدعوات لنزع السلاح، قائلًا: “لن نسلّم سلاحنا. سلاحنا مقدّس. ليس للهجوم. لم نكن يومًا من دعاة الحرب. ولن نتخلى عنه إلا عندما توفر الدولة أمنًا حقيقيًا يحمي حقوق الإنسان”.

مسيحيو السويداء يروون أيضًا لحظات هروب من الموت

وفقًا لتقرير “أسوشيتد برس”، تعرّض أفراد من الأقلية المسيحية في السويداء كذلك للعنف. وفي كنيسة كانت تؤوي عددًا من العائلات المسيحية، قالت ربة المنزل، ولاء الشماس (36 عامًا) ولديها طفلان، إن صاروخًا أصاب منزلها في 16 تموز/يوليو. وأضافت: “لو لم نكن نختبئ في الممر، لكنا انتهينا”، وتابعت: “منزلي الآن مدمر وسياراتنا اختفت”.

تضيف الوكالة في تقريرها أن مسلحين جاؤوا لاحقًا إلى المنزل المتضرر، لكنهم غادروه، ربما ظنًا منهم أنه خالٍ، فيما كانت العائلة مختبئة في الممر، بحسب قولها.

وفي الأيام الأخيرة، غادر مئات الأشخاص، من البدو والدروز والمسيحيين، محافظة السويداء في قوافل حافلات نقلتهم إلى مناطق أخرى، بتنظيم من الهلال الأحمر السوري. ووجد آخرون طريقهم للخروج بأنفسهم.

وقالت الموظفة الحكومية، إنها كانت تحاول الهروب من المعارك الأسبوع الماضي مع زوجها وأفراد عائلته، حين تعرّضت السيارتان اللتان كانوا يستقلونهما للقصف، مما أدى إلى إصابتها بجروح لكنها نجت، إلى جانب حماتها وابن شقيق زوجها الصغير، أما زوجها وبقية أفراد العائلة الذين كانوا معهم، فقد قُتلوا.

شخص ما، لا تعرفه جابر، وضعها مع الناجين الآخرين في سيارة ونقلهم إلى طاقم إسعاف، قام بإجلائهم إلى مستشفى خارج المدينة، ثم نُقلت إلى مستشفى آخر في مدينة درعا جنوب غرب البلاد، وأخيرًا إلى دمشق. وهي تقيم الآن مع أصدقاء في مدينة جرمانا جنوب دمشق، وذراعاها ملفوفتان بالضمادات.

وقالت جابر: “عندما أصاب القصف السيارة، خرجت منها حيّة، كنت قادرة على السير بشكل طبيعي”، مضيفة “عندما ترى كل من ماتوا وأنا لا أزال هنا، لا أفهم السبب. لله في ذلك حكمة”.

وختمت “أسوشيتد برس” تقريرها بالإشارة إلى أن الشيء الوحيد الذي يشعر جابر بالمواساة، هو أن ابنتها البالغة من العمر 15 عامًا كانت عند أهلها في مكان آخر ولم تُصب بأذى، مؤكدة ذلك بقولها: “ابنتي هي الأهم، وهي ما يعطيني القوة”.

————————

==========================

تحديث 26 تموز 2025

===================

————————–

عن “المسألة الدرزية” في سوريا..ولبنان/ ساطع نورالدين

الصراع على السويداء أحيا نظرية “المسألة الدرزية”، بكل ما تعنيه الكلمة عن تلك الطائفة المقيمة على تخوم سوريا، وعلى تماس مع دولة إسرائيل، وعلى افتراق لبنان، وتسلك مساراً إنتحارياً فعلياً، بعدما انطوت على نفسها، واستدعت الحكم عليها من قبل غالبية السوريين وجميع دول العالم، باعتبارها طائفة مارقة على الوطنية السورية، وعاصية على الهوية السياسية التي يعاد تشكيلها في سوريا على أيدي إسلاميين سوريين لا يكنون الود لأي أقلية، ولا يثقون بأحد من الأقليات، بناء على تجربتهم المريرة مع الأقلية العلوية.

   الكلام عن إنفصال دروز سوريا واعلانهم دولة مستقلة ليس جدياً ولا منطقياً، حتى بالنسبة الى الإسرائيليين أنفسهم، الذين لا يخدم مثل هذا الكيان مصالحهم الأمنية والسياسية، حتى ولو اجتمع في هذه الدولة المصطنعة، التي لم تصمد في مرحلة تأسيس سوريا، دروز سوريا وإسرائيل ولبنان ايضاً..هو في الجوهر تضخيم لتلك “المسألة الدرزية”ودفعها الى الحدود القصوى التي تبرر المذبحة الحالية وتغطيها برداء الدفاع عن الوحدة الوطنية السورية العتيدة، من دون ان يكون هناك أفق عربي أو دولي يحول دون مضي الدروز الراهن نحو الانتحار الجماعي، غير مدركين أن العدو الإسرائيلي لن يحميهم ولن يقاتل من أجلهم، ولن يفتح حدوده للمهجرين منهم، عندما تنقطع نهائياً الصلة بين السويداء ودمشق، ويصبح جنوب سوريا منطقة أمنية عازلة خالية من السكان.

  “المسألة الدرزية” التي تموِّه أيضا نزوعاً علنياً مخيفاً الى الاستئصال لدى الغالبية السنية الحاكمة في دمشق، لم تطرح على هذا النحو عندما جرى البطش بالعلويين، وعندما يجرى التعرض للمسيحيين، أو عند التحدث عن الاكراد. والسبب هو العدد والنسبة المئوية التي يمثلها الدروز في سوريا، إضافة الى إنكشافهم السياسي الذي فاقمه التدخل الإسرائيلي الفظ في الصراع على السويداء.. وعدم استفادتهم من الفرصة التي أتاحها لهم وليد جنبلاط لابقاء قنوات اتصالهم مفتوحة مع دمشق.

   لم تكن هذه الفرصة الجنبلاطية تعبر فقط عن ميلٍ لتفكيك لغم”المسألة الدرزية” في سوريا، بل في لبنان أيضاً، وأولاً: لن يوضع دروز لبنان في قفص الاتهام بالتواصل مع العدو الإسرائيلي (وهم بالمناسبة أقل الطوائف اللبنانية تفاعلا مع ذلك العدو)، لكن صلتهم مع بقية الطوائف لن تظل بمعزل عن الصراع بين السويداء ودمشق، لا سيما اذا ما طال هذا الصراع، وتعثرت مساعي التسوية، بعد تعذر العثور على وسطاء، غير الوسيط الأميركي طوم براك طبعاً الذي تبرأ من هذه المهمة عندما برأ حكام دمشق من المذابح، ووجد أدلة لتوجيه الاتهام الى تنظيم داعش، ودعا الدروز الى التسليم للحكومة السورية من دون شروط، لأنه ليس هناك بديل للرئيس أحمد الشرع سوى السيناريو الليبي او الافغاني..ولأن تركيا جاهزة للتدخل المباشر للحفاظ على وحدة سوريا، والقضاء على “وكيل إسرائيل” حكمت الهجري.

    وبرغم العطف اللبناني العام على دروز سوريا والمحنة التي يعيشونها اليوم، فإن مراسم العزاء من جهة والفرح من جهة أخرى ستظل ماثلة في الاذهان اللبنانية، لتحدث للمرة الأولى شرخاً في العلاقة الدرزية السنية، ولتعيد رأب الصدع بين الدروز وبين الشيعة وسلاحهم “المحظور”، ولتحرك مواجع وربما مطامح مسيحية سابقة تضع المسلمين جميعاً في خانة الخطر الداهم على الكيان اللبناني ومستقبله ووحدته المفترضة.. وهو ما يدفع الحساسيات الطائفية اللبنانية مجدداً الى مستوياتها المعتادة في زمن الحروب والأزمات.

  “المسألة الطائفية” في لبنان هي اليوم في ذروتها، لكنها لا تسير نحو صدام أهلي جديد طبعا. كل ما في الامر أن مختلف الطوائف اللبنانية تمارس رياضتها المفضلة في قياس أحجامها وأوزانها..ومدى تفاعلها مع موسم المجازر الدينية في سوريا.

بيروت في 23 /7 /

————————–

ملاحطات/ حسام القطلبي

لا يبدو أن أحداً قصّر في ارتكاب الفظائع والجرائم في السويداء. لا مسلحي العشائر ولا من يفترض أنهم يمثلون “الدولة” ولا الميليشيات الدرزية. المسألة ليست احصائية كمّية وليست لتسجيل النقاط: هدول ارتكبوا أكثر لا هدول أكثر …الخ ومن يدافع عن من، ومن يهاجم من.

نوعيّة المشاهد التي وصلت والفيديوهات التي اطلعت عليها (وأنا لست منخرطاً في عمل حقوقي توثيقي هنا أو تحقيقات مرتبطة بالحدث) لم أشاهد مثلها طوال علاقتي بالتوثيق والتحقيق في انتهاكات جرائم الحرب. في هذه المشاهد جرعات مهولة من الكراهية والتلذذ بالأذى. التشوهات النفسية والشخصية والجماعية التي يبديها الفاعلون لا يبدو أنها تنتمي إلى شيء عرفناه أو خبرناه سابقاً. كنت أعتقد أن ما شهدته في جنوب ليبيا وشمال شرقها أيام حملات حفتر كانت الأقسى والأفظع مما يمكن أن أختبره عن قرب، لكن المقدمات في سوريا خلال الأيام الماضية تبدو كأنها بروفات لمستويات مقبلة غير مسبوقة من الفظاعة التي يتم تصويرها وبثها دون حتى أي احساس بارتكاب أي خطأ بل بقناعة كاملة للفاعلين جميعاً أنهم على حق ومشروعية مطلقة وأن كل ما هو سواهم مشروع انتهاكه ومحقّة استباحته. محاولات التطبيع مع ما حدث في مجازر الساحل وتبرير وتفهّم ما حدث هناك تحت عناوين مختلفة ساهمت أيضاً بخلق هذا المشهد اليوم وجزء كبير من الفاعلين من طرف “الدولة” هو نفسه اليوم في السويداء. لذا فإن عدم نشر تقرير لجنة التحقيق في مجازر الساحل كاملاً وعرض نتائجه وخلاصاته على العلن ونقاشها ومحاسبة المرتكبين فوراً أفراداً وفصائل لن يكون سوى تواطؤ مع جولات مقبلة متصاعدة من الفظاعة يبدو ما حدث في الساحل والسويداء معها مجرد بروفات للعرض الكبير القادم. وقتها لن يكون من المهم من بدء ومن ارتكب أكثر ومن فظع أكثر ومن العميل ومن الوطني ومن الأموي ومن العباسي ومن يرفع علم ماذا ومن يعلي راية من.

الفيس بوك

———————–

أخطاء مغامرة السويداء/ بشير البكر

26 يوليو 2025

غيّرت معركة السويداء اتجاه الأحداث في سورية، وبات على صاحب القرار أن يأخذ دروسها ونتائجها بعين الاعتبار، وينسحب الأمر ذاته على الأطراق الإقليمية والدولية، التي تراقب عن كثب التحوّل الجديد في هذا البلد، وموقف إسرائيل، وأطماعها ومشاريعها، والأدوات التي تملكها من أجل فرض شروط وقوانين اللعبة، فالعامل الإسرائيلي أساس في الوضع السوري قبل سقوط نظام بشّار الأسد، لكنّه أخذ اتجاهاً جديداً منذ الثامن من ديسمبر/ كانون الأول الماضي، وكي لا تعطي الدولة السورية إسرائيل الذرائع للتدخّل في الشأن الداخلي، عليها أن تعمل على توحيد الصفّ في وجه المشروع الإسرائيلي، الذي بات واضحاً، وهو تحويل الجنوب منطقةً عازلةً، ما يوجب على دمشق أن تُسقط من حسابها الرهان على المفاوضات المباشرة والتطبيع.

ترفض الأغلبية السورية ما قام به حكمت الهجري، الذي استدرج التدخّل الإسرائيلي، ولكنّ الحلّ ليس بإعلان الحرب على محافظة السويداء. هذا خطأ تتحمّل مسؤوليته الدولة التي يجب أن تقيس مواقفها وردّات فعلها، ليس إلى ممارسات أمراء الحرب وشيوخ الطوائف، بل بما يجنّب البلد الهزّات الكبيرة، خصوصاً أنه يعاني من هشاشة، ولديه قدر كبير من المشكلات خلّفها النظام السابق، يحتاج علاجها إلى توحيد المجتمع السوري، وليس تقسيمه بين مكوّنات.

اللافت أن الحكومة السورية لم تكن تملك تقديراً جيّداً للموقف في السويداء، حينما قرّرت التدخّل لفض النزاع بين العشائر، وفصائل المدينة يوم 13 يوليو/ تموز الجاري. لو كانت لديها خلية تفكير مهنية، لكانت حسبت المخاطر المترتبة على إرسال آلاف من قوات الأمن الداخلي والجنود من دون غطاء جوي، إلى منطقة حسّاسة، تمنع إسرائيل على سورية الحركة فيها، ما عرض هؤلاء إلى النيران الإسرائيلية التي حصدت العشرات. حيال هذا الواقع، كان مطلوباً التفكير جيّداً بحظوظ نجاح عملية عسكرية داخل مدينة مدجّجة بالسلاح. هناك خطأ سياسي لجهة التوقيت، لكن الخطأ العسكري أكثر فداحةً، وحتى يهدأ بال الأهالي من المحافظات السورية كافّة، الذين فقدوا ذويهم في تلك الحرب العبثية، لا بدّ من محاسبة المسؤولين عن تلك المغامرة، وإقصائهم نهائياً، وفي ذلك ردُّ اعتبار للأمن والجيش، وترميم لعلاقته بالمواطن السوري، بعيداً عن محافظة السويداء.

زجّ العشائر في حربٍ ضدّ أهل السويداء ليس سلوك دولة مسؤولة عن شعب، بل هو تصرّف يصدُر عن عقل فصائلي، لا يحسب أخطار اندلاع حرب أهلية، وتبعات دفع 50 ألف مقاتل من محافظات أخرى على السلم الأهلي. وأبسط نتيجة سلبية شيطنة العشائر، وإظهارها بصورة لا تراعي تاريخ هذا البلد، الذي قام على التلاحم والتضامن بين أبنائه، وهذا ما جعل السويداء تحظى بتقدير كبير من جهة تاريخها الناصع، ولموقفها الرافض إرسال أبنائها لقتال بقية السوريين ضمن جيش النظام السابق.

المطلوب أن تدرك الدولة دورها وتنهض بوظيفتها، فهي ليست دولة هيئة تحرير الشام، التي تتصرّف جماعةً دينيةً مغلقةً، تطمح إلى بناء نظام حكمها الخاصّ الذي يقصي الآخرين، ما يؤدّي إلى إسقاط مفهوم المواطنة أساساً من أسس بناء الدولة الحديثة. وهذا أمر ليس بالجديد، فتجربة سورية منذ تأسيس الكيان السوري عام 1918 تجاوزت الهُّويّات الضيّقة، وعلى وجه الخصوص الطائفية منها. لا سبيل إلى ذلك سوى بإعلاء الهُّويَّة السورية الوطنية الجامعة، الوفيّة لسورية بلداً لكل أبنائه الموحّدين في وجه مخطّط التقسيم والفرز الطائفي الذي ترعاه (وتموّله) إسرائيل. وما حصل من تهجير للعشائر من أهل السويداء إن هو إلا بداية المخطّط الذي يهدف إلى تحويل جنوبي سورية منطقةً مرتبطةً أمنياً واقتصادياً مع إسرائيل.

العربي الجديد

—————————-

 بين باراك وحواف سوريا الحادة/ صبا ياسر مدور

الجمعة 2025/07/25

ليس لتوماس باراك تاريخ سياسي مثل صديقه دونالد ترامب. وهذه ميزة بالنسبة لمسؤول أميركي ينخرط اليوم بدور محوري في رسم معالم المنطقة، في مرحلة انتقالية هي الأخطر منذ مئة عام. أبرز ملامح هذه الميزة هي إمكانية أن تستخلص منه حقائق أكثر من الأكاذيب، وأن تبلغ حداً مقبولاً من فهم ما تخطط له واشنطن وتل أبيب.

وجود باراك كمبعوث رئاسي إلى سوريا اليوم، ليس ترفاً. هو في واقع الأمر يقوم على ما يبدو رسماً لملامح مستقبل سوريا ولبنان، أو على الأقل المشاركة في ذلك. ومن هنا لا يمكن العبور بخفة على تصريحه للأسوشيتد برس عن رغبة إسرائيل بتقسيم سوريا. فهو ليس تحليلاً بل معلومة جاء بها من تل أبيب، وتعرفها قيادته في البيت الأبيض، ولا نتخيلها نحن فقط كما يتوهم البعض.

رأى باراك أن الاعتداءات الإسرائيلية التي تسببت بقتل مئات السوريين وبلوغ خطر الحرب الأهلية، مجرد “سوء فهم” لنوايا دمشق. ولذلك فقد دعا الإسرائيليين إلى الاستماع مباشرة من القيادة السورية وعرض نفسه “وسيطاً صادقاً” بين الطرفين.

ذلك عرض طيب من الوسيط الأميركي، وهو يكثر من الإشادة بدمشق وحكومتها. لكن لا مدائح باراك ولا إعجاب رئيسه ترامب بالرئيس الشرع، تمكنا من منع العدوان الإسرائيلي، أو وقف تدخلها في الشأن السوري من بوابة طائفية. بطبيعة الحال، لا يمكن عدم لوم أنفسنا لعدم الاستعداد لمثل هذا الوضع الذي كان مؤكداً، إلا أن الشراكة أو العلاقة التي تتضمن تنسيقاً واسعاً مع دولة مثل أميركا، تفترض فيما تفترضه أن تقدم لك قدراً من الاستقرار، كي تنفذ برنامجاً سياسياً واقتصادياً مقبولاً، إقليمياً ودولياً. وهو ما لم يحصل، حينما قامت إسرائيل بقصف قوات الأمن في السويداء، أو حينما قامت بقصف المواقع السيادية في دمشق.

يرى باراك أنه لا بديل عن الحكومة الحالية بدمشق. بمعنى أنه يجب قبولها مع ترشيد سلوكها، كما يوحي. لكن هذا الحرص الضمني على بقاء حكومة الشرع، لا يستقيم مع التهديد الجسيم الذي مثلته الضربات الإسرائيلية، وما زالت تمثله تدخلاتها السافرة في جنوب البلاد. وهذا التهديد يتوجه فوراً للنظام السياسي. ولو استمر، فقد يغري أطرافاً في داخل سوريا وفي المنطقة باستثمار ما تقوم به إسرائيل في نشر الفوضى وتقسيم البلاد. فذلك في الحقيقة ليس هدف إسرائيل وحدها، بل أطراف أخرى تحلم بكيانات مدعومة من الخارج منفصلة عن دمشق.

والحقيقة أن باراك لم يكن مجاملاً في حديث آخر لوكالة رويترز، عندما قال إن الأمر يمكن أن يصبح في سوريا أسوأ من أفغانستان وليبيا. وهذا أيضاً تقييم يستحق الاهتمام، لا سيما وأنه جعل تجنب هذا المصير مرهوناً إلى حد كبير بتنفيذ إجراءات وانتهاج سياسات “شمولية”. وهذا أيضاً يحيل إلى وجهين، إما تقاسم السلطة، أو الذهاب بوضوح نحو نوع من التقسيم عبر آليات الحكم الذاتي، أو حتى اعتماد النظام الفيدرالي، ليكون لكل من الدروز والأكراد والعلويين إقليم خاص بعلم مواز وشرطة خاصة وحكومة وبرلمان.

على الأغلب، سترفض الحكومة السورية مثل هذا النموذج، وقد تقبل بنظام دستوري يعتمد اللامركزية الإدارية. فذلك يبقي المحافظات مرتبطة بالسلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية في دمشق. وحينها سيكون من الأفضل بكثير أن يجري تعميم الاقتراح على كافة المحافظات، كي لا يكون للأمر طابع طائفي أو عرقي. وحينها يحصل من يوصفون بالأقليات على حق إدارة شؤونهم، ولكن ضمن سياق يمارسه الجميع بوصفه نظاماً إدارياً وليس وصفة للانفصال.

مثل هذه الرؤية أو التفكير بها أو بسواها، بات ملحاً قبل أن يصبح اضطرارياً في وقت قريب. فمن ناحية، لن تُبقي حجة أو ذريعة لأحد فيما يتصل بالمكونات وحقوقها. ومن ناحية ثانية، فإن النظام الإداري اللامركزي ضروري في حالة سوريا، التي تخرج من نظام قمعي تركها ضعيفة وهشة. ومن معالم هذه الهشاشة، قوة الأطراف والجماعات المختلفة، ومنها المدنية، خارج الدولة (ويشمل ذلك جميع أنحاء سوريا). هذا الواقع يجعل من مركزية السلطة مجرد ادعاء لا غير، ومن الأفضل ذهاب السلطة بإرادتها نحو اللامركزية، التي تعترف بتحويل هذا الواقع إلى نظام إداري يعزز التنافس الإداري والتنموي بين المحافظات، ويقطع الطريق أمام فكرة التقسيم على أساس طائفي وعرقي.

ما حدث في “صدمة” السويداء ينبغي ألا يتكرر مجدداً، وذلك لن يحصل إن لم تقم السلطة في دمشق بخطوات جريئة ومبدعة وديناميكية، تمتص عبرها عصف العدوان الإسرائيلي. فقد ظهر جلياً للجميع أن تدخل قوة العشائر هو من غيّر قواعد اللعبة، وأوقف اندفاع الجماعات الانفصالية. لكن الوضع الحالي على هشاشته وانعدام اليقين فيه، بحاجة إلى تفكير سريع ومختلف للخروج من مأزق سقوط سوريا من على الحافات الحادة التي تسير عليها.

المدن

————————–

 شبح الرئيس محمد مرسي يخيّم فوق دمشق/ عمر قدور

السبت 2025/07/26

طُرحتْ في الأيام الأخيرة مبادرات سياسية سورية عديدة، الأهم منها جماعية، والبعض منها كان عبارة عن رسائل فردية من أشخاص يطالبون رئيس المرحلة الانتقالية بإصلاحات ما. عموماً، تشترك المبادرات في مخاطبة السيد الشرع، ودافعها الأساسي الأحداث والمجازر المروِّعة التي ارتُكبت في السويداء مؤخراً، ولا يخفى أن أصحاب المبادرات يحمّلون السلطة ضمناً مسؤوليتها، ولو بحكم موقعها.

أنصار الأخيرة هاجموا أصحاب المبادرات، وهذا هو دأبهم منذ إسقاط الأسد، إذ تصدّوا للنقد بما يذكّر بموالي الأسد، بل إنهم استخدموا تعابير سابقيهم حرفياً، رغم أن أصحاب المبادرات أخذوا جانب النصح والاستعداد للمساعدة. وقد لوحظ في الأيام الأخيرة استعارة التجربة المصرية من قبل الموالين، تحديداً الاصطفاف الذي حدث عشية إسقاط الرئيس (المنتَخب آنذاك) محمد مرسي، وأدى في النهاية إلى إسقاط حكمه، مع التداعيات المعروفة لجهة ملاحقة الإخوان المسلمين.

هو ناقوس الخطر إذن ما يقرعه مناصرو السلطة، رغم أن أصحاب المبادرات جميعاً، حتى إذا كانوا يُعدّون بالألوف، مدنيون ولا قوة عسكرية على الأرض تتبنى ما يقولون. ورغم عدم وجود قوة خارجية داعمة لهؤلاء، بل على العكس يصحّ القول إن قوى الخارج المؤثِّرة داعمة للسلطة، وهذا وجه اختلاف آخر مع تجربة مرسي التي كان لها أعداء إقليميون هم اليوم من أصدقاء حكومة الشرع.

وهذه ليست المرة الأولى التي تُستحضر فيها تجربةُ الرئيس مرسي سوريّاً، فغداة سقوط الأسد وتسلُّم الشرع راح أنصار الثاني (وأيضاً مثقفون ليسوا من بيئته) يرمون بكافة الموبقات على شبح اسمه الفلول. وفي البداية ظهر ذلك كتعبير مجازي عن موالين سابقين، تحوَّلَ البعض منهم إلى موالٍ للسلطة الجديدة بأدواته القديمة، أي أنه لم يرتبط بأعداء حقيقيين إلى أن بدأت أحداث العنف المتفرّقة في حمص، والتي مهّدت لأحداث الساحل والمجازر التي ارتُكبت ضد المدنيين هناك، إثر القضاء على تمرد وهجوم استهدف القوات الأمنية من قبَل “الفلول”.

الحق أن تعبير “الفلول” فضفاض جداً على عشرات أو مئات من المسلحين، يقودهم شخص مثل مقداد فتيحة! إنه ابتذال لتعبير “الفلول” الذي استُخدم في مصر للدلالة على أفراد وجماعات وهياكل ضخمة تجسّد ما كان يُسمّى “الدولة العميقة”، والدولة في مصر تعبير واقعي عن الدولة كجهاز بيروقراطي، حتى أن البيروقراطية المصرية لطالما اعتُبرت من البيروقراطيات العتيدة دولياً. من ضمن هذه المؤسسات، وفي رأس حربتها ضد مرسي، كانت أجهزة الجيش والأمن التي توّجت الاحتجاجات ضده بانقلاب عسكري مدعوم من الفلول.

شبح مرسي الذي يستحضره أنصار السلطة في دمشق مع كل إخفاق هو مخيِّم أصلاً على السلطة ذاتها، ومنذ أتيح لهيئة تحرير الشام الخروج من قوقعتها في إدلب لتحكم البلد. فقرار حلّ الجيش وأجهزة الأمن، تحديداً حل مختلف أجهزة الشرطة، هو قرار نابع من هاجس فقدان السلطة سريعاً على غرار ما حدث لمرسي. وإذا كان ثمة نموذجان معروفان جداً هما نموذج ما بعد صدام ونموذج ما بعد مبارك، فمن الواضح أن هيئة تحرير الشام اختارت المضي في نموذج ما بعد صدام تفادياً لنموذج مرسي، رغم فداحة ما آل إليه النموذج العراقي خلال حوالى عقدين، وباعتراف القوى الراعية له.

الخوف من فقدان السلطة هو أسوأ محرِّك لأفعالها، وفي مقدمها السعي المستمر للاستحواذ على المزيد من السلطة، والخوف من أدنى فعل سياسي داخلي، والتوجّس كذلك من انقلاب أصدقاء الخارج. الخوف نفسه هو وصفة للإفراط في العنف، ولدينا مثال فادح أوردتْه لجنة تقصي الحقائق (الحكومية) في الساحل، حيث أشارت في تقريرها أمام الإعلاميين إلى 200 ألف مقاتل تواجدوا في الساحل السوري، إثر الفزعة التي دفعت بألوف منهم إلى جانب القوات النظامية.

الصحيح الذي عايشه السوريون (قبل شهور قليلة لا غير) هو إعلان النفير العام، لا الفزعة على غرار ما حدث لاحقاً في السويداء. العدد المعلَن عنه في الساحل أثار السخرية، لأن حاصل تقسيمه على الفئة المُستَهدفة هناك (أي العلويين) يجعل لكل 10 أشخاص مقاتلاً. عدم التناسب (اللامنطقي واللاعقلاني) بين الخطر على السلطة والذاهبين لدرئه بموجب النفير العام يشير إلى مدى الخوف من فقدان السلطة. والأفظع من عدم التناسب هي المجازر والانتهاكات الأخرى التي حدثت، والتي أيضاً تعبّر عن الخوف من فقدان السلطة، ومن المستحسن الانتباه هنا جيداً إلى استخدام الطائفية كقناع يتلطّى وراءه هذا الخوف. ولئن كانت الطائفية موجودة حقاً بدرجات ضمن المجتمعات السورية فإن تحوّلها إلى وحش دموي هو قرين الخوف على السلطة أولاً وأخيراً، إذا تغاضينا عن كون الطائفية في أساسها مشروع سلطوي.

ثمة، في البيئة الموالية للسلطة، تناقضٌ مثير للسخرية من صانعيه، ومثير للشفقة على ضحاياه. تناقضٌ بين ادّعاءات القوة، التي يصل بعضها إلى حد جنون العظمة أحياناً، وبين الخوف المرَضي من فقدان السلطة، والذي يعكس انعداماً للثقة بالنفس وبالإمكانيات. التناقض ذاته نجده، ونجد مبرراته، في سردية “التحرير”، فبموجبها تمكن عشرات ألوف المقاتلين من اجتياح البلد بأكمله، واستطاعوا تحريره من الأسد والوجود الإيراني على نحو لا يحدث في الأحلام!

هذا التصور عن الإنجاز الخارق لا يستقيم مع الخوف المفرط عليه، إذ يُفترض أن لدى أصحابه القوة والمنعة الكافيين. وكان الشرع نفسه، قبل شهور، قد خاطب البيئة نفسها مطالباً إياها بقبول “طرائق التحرير”، كما قبلَِت التحرير. وهي إشارة واقعية لم تُلتَقط، ولم يُبنَ عليها لتبديد ذلك التناقض المولِّد للعنف بدوره. فإذا أمكن إيقاف القوات المهاجِمة في السويداء بقليل من القصف الإسرائيلي، جاز لمن يشاء أن يتصوّر حجم التسهيلات التي حظي بها مقاتلون وصلوا من الشمال إلى دمشق، والبعض منهم قطع الطريق على دراجات نارية. وحدث ذلك كله تحت أبصار قوى موجودة في سوريا أو قادرة على العمل العسكري فيها، ولو من الجو؛ هذا يجب أن يكون مدعاة لاطمئنان البيئة الموالية.

وكما صار واضحاً، فإن الخوف من “خيار مرسي” محرِّكٌ للكلام عن السلام مع إسرائيل، لا لأن ظروف السلام ناضجة، بما فيها وجود قناعة راسخة معمَّمة بوجوبه. أي أن الخوف يتجلى بمزيد من الاستحواذ على السلطة داخلياً، وبتوسّل القوى المؤثِّرة خارجياً، ويكون عدم تقديم التنازلات داخلياً هو مقلوب الاستعداد لتقديمها خارجياً. هنا أيضاً يمْثُل الاستحقاق الذي لن يكون سهلاً، أي الهروب من شبح خيار مرسي إلى خيار السادات.

ليست بالقسمة الجديدة أن يكون الخوف من نصيب أهل السلطة في سوريا، والذين لديهم وهم امتلاكها. ومنذ سقوط الأسد حصلت السلطة على تطمينات واسعة النطاق من أن أحداً لا ينافسها حالياً، بل عرَضَ كثر مساعدتها تطوّعاً من أجل النهوض بالبلد المدمَّر. لكن، في النتيجة، لا يستطيع أحد تبديد المخاوف إذا لم يكن أصحابها مستعدّون لطرد شبح مرسي الذي يؤرّقهم، وهكذا لن يكون مفيداً القول إن الاستثمار في التخويف من الشبح هو أفضل تحالف معه.

المدن

————————

جمهوريةُ “الفزعات” السورية المتوحّشة/ عبير نصر

26 يوليو 2025

ما زال المشهدُ محموماً وملتبساً في ظلّ الانزياحات الكُبرى التي تجري في الأرض السورية، بينما هامش الخيارات بدأ يضيق على السوريين من ناحية الحفاظ على وحدة البلاد. ويُلاحَظ في سياق الأحداث أنّ المجتمع السوري يشهد انزلاقاً خطيراً نحو القاع، يجعلنا نتوقّف عند سؤال ملحّ: مَن هم السوريون حقّاً في ظلّ جمهورية “الفزعات القَبلية الانتقائية” التي طفت في سطحها كلّ الأمراض المذهبية والنفايات المجتمعية، يُستأصَل فيها كلّ مختلفٍ يلوك الألم بصمتٍ كي لا يُقتل. التناقض العميق في مفهوم الوطن جعل من معضلة البحث عن الهُويَّة سمةً مشتركةً بين السوريين، قفزت من الهامش إلى مركز الحدث، وتجسّدت فعلياً في ظاهرة “التكويع”، وهي أرضٌ خصبة تُعيد تدوير المقدّس السياسي عبر الشعار المُحدَّث: “الله، سورية، الشرع وبس”، إمّا لتثبيت سردية “الشرعية الثورية” أو لتسويق تركة “المظلومية السُّنية”، حتى أصبح المنطق فعلاً من أفعال التجديف والخَرَف، وكأنّ السوريين المهزومين أخلاقياً يدورون في فلك مزرعة جديدة، وكلّ مكوّن يبحث عن خلاصه الفردي بحجّة “الضرورة الطائفية”.

وفي ضوء ما سبق، يفتح سقوطُ نظام الأسد الباب أمام تساؤلاتٍ عدّة مرتبطة بقدرة السوريين على تجاوز خلافاتهم وإعادة بناء دولتهم، وقد تحوّل كثيرون إلى وحوشٍ منفلتة يعانون هيستريا الانتصار من مبدأ “المغالبة لا المشاركة”، تبرّر لهم مصطلحات من قبيل “هيبة الدولة” و”ضبط الأمن” سياقات العنف والذبح والتحريض. وفي مرحلة مفصلية، يُفترض أن تبدأ فيها سورية بالتعافي، تعود إلى الواجهة مشاهد بربرية صادمة: انتهاكات ومجازر، انفجارات وحرائق، وزيرٌ متبجّح يصنّف أبناء الطائفة العلوية خدماً أو مجرمين فقط! ملصقات دعوية تحمل خطاباً دينياً إقصائياً، إزالة تمثال الشهداء في ساحة سعد الله الجابري بحلب، حلق شوارب رجال دروز بقصد الإهانة، الاعتداء بالسيوف والعصي على تظاهرة سلمية أمام مبنى البرلمان لأنها نادت: “دم السوري على السوري حرام”، ساحات الدعوة إلى الجهاد ضدّ أبناء الوطن… إلخ. هذه المشهديات المأساوية التي تبدو ظاهرياً متفرّقةً مترابطة بشكل عضوي باطنياً، فهي وإن كانت مخرجات عقد من حربٍ أهلية جنحت بعد شهورها الأولى إلى العنف، الذي أطاح التعايش والسلم الأهليَّين بسبب نظام الأسد القمعي المتوحش، ما شكّل انزياحاً قاتلاً للثورة الوطنية المتمدّنة، وإلباسها عباءة الصراع القبليّ والجهويّ.. هذه المشهديات في المقابل وقود ماكينة إعلامية وسياسية تعمل في الظلّ بهدف توظيف الألم السوري والاستثمار السياسي في جروحه العميقة، التي لا تزال مفتوحةً وملتهبةً.

داخلياً، يواجه السوريون اليوم تحدّياً وجودياً، لا معالجة إرث الانقسام والتدمير فقط، بل النجاح في إدارة “الفوضى القطيعية”، ومن ثمّ الإجابة بشفافية مطلقة عن السؤال التالي: هل حاربت الجماعات الإسلامية المتطرّفة نظام الأسد لأنّه دكتاتوري، وهي تريد حقّاً إرساء أسس الديمقراطية، خصوصاً أنّ الإعلان الدستوري الجديد يُعرّض حقوق السوريين للخطر، بحسب منظّمة هيومن رايتس ووتش؟ وعلى خلاف ما يروّجه بعضهم، إنّ الديكتاتورية، ولو كانت إسلامية، خيار أفضل من الفراغ السياسي، هو ادّعاء مُضلِّل، حتّى ولو ثمّة توافق نسبي بين الإسلاميين والعلمانيين فرضته خصوصية مرحلة ما بعد سقوط الأسد.

في كتابه “كيف يسقط الطغاة: وكيف تنجو الأمم”، يطرح الباحث مارسيل ديرسوس سؤالاً عن كيفية التعامل مع الغوغاء، ويجيب: لا تقمعهم، لأنك إذا أطلقت النار ستخسر. بالتوازي، يكتسب كتاب “إدارة التوحّش”، لأبو بكر ناجي أهميةً خاصّة بالنسبة للحالة السورية، ويُقصد بالتوحّش حالة الفوضى التي دبّت في أوصال الدولة بعدما أُزيلت عنها قبضة الأسد، فتحوّلت غولاً غاضباً ومنفلتاً من كلّ عقال، لذا على من يسعى “للتمكين” مراوغة الوحش بحكمة وهدوء حتّى تستقر الأمور. بالتالي، الاستراتيجية التي يقترحها المؤلف بعد خلع شوكة الطغاة وصولاً إلى مرحلة “إدارة التوحّش” ضربات متسلسلة للعدو قبل سحقه. وفي الحالة السورية، تبرز الطائفية باعتبارها عدو المواطنة الأول وأسّ الفوضى، لكن (للمفارقة) ما حصل فعلياً ليس ضربها، بل شُيطِنت “الأقليات” وقتل أفرادها تمهيداً لتحويلهم “أهل ذمّة”، بالتزامن مع تعزيز “الهُويَّة الأموية” التي تمثّل، باعتقاد من يتبنّاها، ذروة النفوذ العربي الإسلامي في الشام، بينما يصعب فهم “فهرس التوحّش” في سورية، وهي معقل الحضارات الذي لم يتوقّف يوماً عن إنتاج الحروب الطاحنة، وآخرها تُعَدّ واحدةً من أسوأ الكوارث البشرية في التاريخ.

وبالنظر إلى ما يُتوقّع أن تنتهي إليه سورية، ترتكز منظومة “الفوضى المتوحّشة” على دعامة أساسية: انحلال الهُويَّة الوطنية الجامعة، مُشعلةً الأحقاد والصدامات لأتفه الأسباب، والأدلة والآثار الهائلة تتحدّث بشكل جليّ عن نفسها. خُذْ مثالاً عدم محاسبة من سرّبَ تسجيلاً صوتياً مفبركاً يشتم النبي (ص)، اتُّهم به شيخٌ درزي، ستنتهي تداعياته حكماً بالتصعيد الدموي أخيراً في السويداء بين السوريين الدروز والفَزعات العشائرية السورية “السُّنية” مخلّفاً كارثةً إنسانيةً ووطنيةً مهولة. ويبدو أنّ مرحلة السقوط السياسي والعسكري للنظم الفاشية تتبعها دائماً مرحلة سقوط أخلاقي وقيمي مريب، ما قاد مراقبين إلى التساؤل: أيهما أسلم (وأصحّ) في بلدٍ مشتعل كسورية، “ديمقراطية التقسيم” أم “وحدة الدكتاتورية”؟… بشيء من التعميم هو سؤال معلّق، سيجيب عنه مقبل الأحداث والمستجدّات، لكنّ هيئة تحرير الشام لن تقدر على تجنيب البلاد الانقسام والحرب الأهلية من دون مراجعة إسعافية لفكرها الجهادي، ولشبكة تحالفاتها، خطوة أولى للانفتاح على الجميع.

يطرح كلّ ما تقدّم تحدّيات وجودية أمام السلطة الجديدة، ويضع العصيّ في دواليب شرعيتها، فمن الخطورة بمكان أنها لم تطلق تسمية “شهداء” على قتلى كنيسة مار إلياس بدمشق، وقبلها مجازر العلويين في الساحل، دليلاً صارخاً على فرض معايير معينة من منطلق عقائدي بحت. أمّا الكارثة الكُبرى التي يعيشها ضحايا القتل الممنهج فهي اقتناعهم بأنّ نظام الأسد كان حامي “الأقليات” حقّاً، حالةً مشابهة لما عاشته يوغسلافيا السابقة بعد اندلاع الحرب، إذ شعر كثيرون بالحنين إلى حكم الديكتاتور السابق جوزيف تيتو، معتقدين أنه تمكّن من الحفاظ على تماسك دولة متعدّدة الأعراق.

وبين الافتراض والواقع، يبدو أنّ عورات الحكم الجديد بدأت تظهر مع انتشار طاعون “تمييع الهُويَّة السورية” في مجتمع متهالك يقوده وعي جمعي قاصر، لا يعي أنه عندما تستبيح مجموعةٌ بشرية مجموعةً أخرى بدافع طائفي أو عرقي بحت، فإنّ ذلك يُنهي مبرّر وجود الاثنين رسمياً في بقعة جغرافية واحدة، ويعيد تأهيل تجربة أشدّ إخفاقاً وانتكاساً ممّا سبق. أمّا الرهان على إنعاش الهُويَّة السورية (وفقاً لمعطياتها الراهنة)، فهو خاسر على حساب ولادة جمهورية متوحّشة تسودها عصبياتٌ بدائيةٌ ومليشيات منفلتة تمهد لاستبداد وتطرّف ألعن وأخطر.

خلاصة القول، “بنو أميّة مرّوا من هنا”، عبارة باتت تغزو جدران البلاد وكنائسها، وما يُصدَّر اليوم أنّ تاريخ سورية يقتصر على الأمويين، يُعيد تشكيل الذاكرة وفق ما تعتقده الحكومة الانتقالية، وما تحمله من أيديولوجية إقصائية. والعبارة ليست جدلاً تاريخياً مشروعاً، بل أداة صراع طائفي وسياسي مُعلَن بيدِ سوريين، يتبادلون أنخاب انتصارٍ وهمي مغلّف بصبغة دينية، سيفرز إمارةً إسلاميةً يغزوها النَفَس السلفي فاعلاً سياسياً مطلقاً لن يعترف أبداً بمنطق التنوع والمواطنة العادلة.

العربي الجديد

———————

أيش يعني الوطن؟”/ رشا عمران

25 يوليو 2025

لم يطلق الرصاص عليه وحده عندما قال “آني سوري يا خيي”، كان الرصاص يُطلَق على ما تبقّى من الهوية الوطنية السورية، على الحلم ببناء بلد اسمُه سورية، قادر على جمع كل من يعيش على أرضه مهما اختلفوا. كان الرصاص يطلق على ثورة 2011، وعلى مبادئها وصرخات مفجّريها التي هتفت يوماً مطالبة بسورية عادلة، وسورية موحّدة، وسورية صالحة للعيش لجميع أبنائها. لم يطلق الرصاص على ابن السويداء فقط، حين قال: “آني سوري”، بل أطلق علينا جميعاً، نحن الذين عشنا سنوات طويلة نحلم بأننا سنصبح وأبناءنا مواطنين، نتساوى جميعاً في الوطن والمواطنة، ونتنافس على من منّا أكثر اعتزازاً بسوريّته، ومن منّا أكثر فخراً بمواطنيته. سقط الحلم مع الرصاص، وسقطت رمزية المواطنة، وسقطت معها رمزية اللغة والتعبير الثقافي عن الانتماء الجمعي الوطني، حين كان الجواب من حاملي السلاح “أيش يعني سوري؟”.

سقطت الثقافة السورية في فخّ التحزّبات أيضاً، وسقط معها دورها الجامع والتغييري حينما انحاز مثقفون سوريون إلى لغة الرصاص، صامتين عن سؤال المسلح الذي يعرّي خراباً كبيراً في بنية الثقافة السورية، ليس وليد هذه الأيام، بل هو وليد عقود طويلة من تجريف العقل والوعي الجمعي السوري، لم تستطع الثقافة السورية النجاة بنفسها منه، ولم تعد تتمكّن من أداء دور تاريخي، لطالما كان له كبير الأثر في عمليات التغيير الكبرى في التاريخ البشري، صارت الثقافة السورية خندقاً يصطف فيه مثقفون وراء صوت الرصاص، بدلاً من أن تكون جسراً يلتقي فيه المختلفون، وبدلاً من أن تكون فعل مقاومة لقبح روايات اللغة المنحازة لـ “هم” و”نحن”، ولو في عمق العتمة والظلام، تحوّلت إلى منصّة لرواية السرديات المذهبية تنطق باسم الجماعة لا باسم الحق والأخلاق والإنسانية الجامعة.

“أيش يعني سوري” ليس سؤالاً عادياً في سياق ما يحدث في بلدنا المنكوب، بل هو السؤال الأكثر عمقاً في تفسير حالتنا السورية. لم يقصد به سائله أي تفسير فلسفي، ولم ينتظر من ضحيته جواباً موارباً، وهذا ما فهمه جيداً الضحية المجيب. كان السائل يريد إجابة محددة: سنّي أو درزي، فالإجابة ستُقرّر إن كان الضحية يستحقّ الحياة أو لا يستحقها. في سورية اليوم أنت قد تبقى على قيد الحياة وعلى قيد القليل من الكرامة إن كنت مسلماً سنّياً عربياً، لم ينتبه الضحية لهذه المعادلة، لو أنه اكتشف أهمية الكذب وقال إنّه سني من سكّان السويداء، ربما كان الآن على قيد الحياة، لكنّه لم يكن يدرك أن في الكذب نجاته، هو قال بكل صدق، حين لم تشفع له سوريته، إنه درزي، كان يعتقد أن الصدق ربما ينجيه، لكن الرصاص القاتل انهال على جسده الأعزل، كما لو أنه ينهال على بلدٍ بأكمله.

في المعنى النقي للثقافة، يمكن تعريفها بأنها فعل تجاوز لكل ما هو دون الوطنية والإنسانية، تجاوز للغرائز والعصبيات والهويات الضيقة القاتلة، هي المساحة الوحيدة التي يمكن فيها للجميع أن يلتقوا وهم مختلفون كل الاختلاف، ويطرحوا اختلافاتهم من دون خوف، هي مساحة القبول ومساحة الأمان الوطنية، هي المساحة التي تنتفي فيها أسئلة من نوع “أيش يعني سوري”. هذه أسئلة شعبوية تغذّي لدى الغوغاء وهمَ الانتصار لكنّه الوهم القاتل، ليس للفرد فقط، وإنما للمجموعة التي تحيط به ثم للمجموعات المجاورة والتي تُدعى وطناً. كان يمكن أن تبقى أسئلة كهذه في إطار محدوديتها وشعبويّتها، لولا أن مثقفين سوريين صمتوا عنها سابقاً واليوم، وبعضهم لم ير فيها غضاضة، ولم ير فيها ما يمكنه أن يكون لغماً يفجّر فكرة الوطن ذاتها.

ليس سؤال “أيش يعني سوري” جديداً كلياً في إطار سورية ما بعد هروب الأسد، فهو يتكرّر بطرق عديدة، أكثرها خذلاناً طرحه مثقفون كانوا يوماً تنويريين فقدوا اكتراثهم اليوم بالمواطنة والديموقراطية وحرّية الرأي والعدالة، لاعتقادهم أنهم منتصرون، حتى لو كان هذا الانتصار المزعوم على حساب وطن كامل بتاريخه وحاضره ومستقبله. يتماهى هؤلاء مع سؤال المسلّح، لكنهم يأخذون اللغةَ إلى مكان أكثر رمزية حين يطرحون في وهم انتصارهم سؤالاً آخر: “أيش يعني الوطن؟”.

العربي الجديد

———————

 الصراع على سوريا/ ناصر زيدان

الجمعة 2025/07/25

في استعادة لعنوان كتاب الصحفي والمؤرخ البريطاني الشهير باتريك سيل “الصراع على سوريا”، الذي صدر في العام 1986، يمكن الاستدلال بوضوح أكثر على ما يجري حالياً حول سوريا، وفيها، حيث التجاذبات الإقليمية والدولية في أوجها، والاقتتال الدامي يأخذ أشكال بالغة الخطورة، وبين الوضعية الأولى التي تؤشر لتنافس حامي بين تركيا وإسرائيل على وجه التحديد، والوضعية الثانية التي لا تبعث على الاطمئنان؛ تُبذَل جهود عربية كبيرة لإنقاذ الشقيقة المُتميزة، لما لها من مكانة جيوسياسية وتاريخية وديمغرافية لا تتمتع بمثلها كثير من الدول.

وإذا كان باتريك سيل قد سلَّط الضوء تحديداً على ما حصل بين العام 1945 والعام 1958، أي خلال مرحلة ما بعد الاستقلال في سوريا وبدء تبلور الثنائية القطبية العالمية ووثوب الفكرة القومية العربية (أو الناصرية) إلى واجهة الميدان الشرق أوسطي، وما كان لسوريا من أهمية إبان نكبة اغتصاب فلسطين وإعلان “دولة إسرائيل” عام 1948، وكذلك في مشاريع الاستقطاب العالمية بين “حلف بغداد” الأميركي و”التمدُّد الشيوعي” السوفياتي، وبين المحورين العربيين الصاعدين والمتنافسين آنذاك؛ فإن الصراع الحديث على سوريا، لا يقلّ أهمية، بل ربما يفوق بأهميته تلك الأحداث الغابرة، وقد يطغى على الخصائص الوازنة لدورها خلال توترات السنوات الثلاثين المُنصرمة، لا سيما على الساحتين اللبنانية والفلسطينية.

يتصدر دور تركيا في سوريا المشهد، ولا يمكن إنكار تأثيرها خلال مرحلة إسقاط نظام بشار الأسد حتى اليوم. في حين أن لإسرائيل أطماعاً لا تخفيها في البلد الجريح، وهي تتطلع لشرذمته، ومنعه من أخذ أي دور قد يُهددها أو يكبح جماح عدوانها في المستقبل. أما الجانب العربي فقد أشهَرَ الدعم القوي للإدارة الدمشقية الجديدة، وأغدق عليها المساندة والمساعدة بعاطفةٍ قلَّ نظيرها، آخرها إبرام اتفاقات استثمارية سعودية فيها بقيمة تصل إلى 6.4 مليار دولار، ومن الواضح أن النوايا العربية تهدف لإخراج سوريا من بين “أنياب” المتصارعين عليها، وإعادتها إلى الحضيرة العربية التي افتقدت لها خلال ما يقارب 15 عاماً مضت.

لكن يبدو أن الإدارة الجديدة في سوريا، لم تتعامل حتى الآن بالمستوى المُلائم مع الأخطار المُحدِقة، ولا هي تصرفت بما يتناسب مع أهمية البلاد التي كانت عبر التاريخ حاضنة للتنوُّع والانفتاح، ولم يسبق أن انغمست في التعصُّب الديني أو العرقي الذي يلفها اليوم، والمكونات السورية كافة تبنَّت شعار الثورة الكبرى التي قادها سلطان باشا الأطرش مع زعامات أخرى ضد الاستعمار الفرنسي عام 1925 “الدين لله والوطن للجميع”، والتجربة البعثية التي دامت ما يقارب 60 عاماً، أخفت التناحر الطائفي إلى حدٍ ما، وتحوَّل التنافس فيها إلى صراع بين القيادات العسكرية النافذة، برغم الموبقات التي حصلت خلال هذه الحقبة أيام حكم حافظ وبشار الأسد، حيث مورس الاستبداد الشخصي أو المذهبي بقوالب علمانية، ولو كان بالشكل فقط.

لا يمكن اعتبار تجربة الإدارة السورية الجديدة مثالية حتى الآن، فلا هي أسست لثقة دامغة مع المكونات المجتمعية السورية المختلفة، ولا أرست قواعد حُكم شفافة يمكن الركون إليها لسدّ الثغرات الكبيرة التي برزت في مجالات الأمن والعدل والتعليم والسياحة على وجه التحديد، فهي ما زالت تستثمر بحالة العداء الكبير من قبل السوريين للنظام البائد، وتستخدم مناصريها من “ميليشيات هيئة تحرير الشام” كفزاعة لضمان عدم استهدافها من أية جهة داخلية، في حين أن “صوفة” هذه الميليشيات حمراء قاتمة عند غالبية السوريين، لناحية نمطية عقيدتهم المُتشدِّدة، والتي تتبنى التعصُّب الديني، وتُهمل الجوانب العلمية والمدنية السمحاء للإسلام، ولم يُسجِّل لهذه الميليشيات أية إيجابية حتى الآن، سوى مساهمتها الوازنة في إسقاط نظام الأسد.

تتحمَّل الإدارة الجديدة المسؤولية الكبرى عن خروج الصراع الداخلي إلى المستنقع الدامي بعد سقوط النظام، ولم يكُن هناك أي مُبرر للإقتتال، ولا لممارسة الأعمال الشنيعة بمناسبة القضاء على الفلول، أو في الطريق إلى ضبضبة الوحدة المنشودة التي أصابها بعض التشرذم، ولا يكفِي شيطنة شخصيات معارضة للهروب من المسؤولية الوطنية، حتى ولو كان عدد من هؤلاء ارتكبوا معاصٍ مستنكرة، أو طلب البعض الآخر حماية خارجية بمبررات الخوف من ممارسات بعض الأجهزة أو خشيةً من المتفلتين، بينما نرى “تدليل” مكونات أخرى (مثل قسد على سبيل المثال) بحوار ندي، وبإقامة مراسم بروتوكولية بمناسبة توقيع اتفاقيات معهم، لأنهم مدعومون من الولايات المتحدة، وتحتاج تركيا لإسكاتهم ومحاصرة حراكهم، وقسد تطالب علناً بالفيدرالية التي لا تستسيغها الإدارة الجديدة، في حين أن نشطاء السويداء يطالبون بدولة عادلة تحفظ الأمن وحرية التعبير والتنمية المتوازنة وليس فيها تذويب ولا طغيان.

الصراع المُعاصر على سوريا أشدُّ قسوةً من الصراع القديم عليها، والدماء التي سقطت من الفئات التي نجت من ارتكابات النظام السابق – لا سيما في السويداء والساحل – كانت وبالاً على الإدارة الجديدة، بقدر ما كانت كارثة فعلية على الضحايا. فالدولة “أم الصبي” ولا يجوز أن تستهتر بدماء أبنائها، وهي مطالبة بأن تصرُف الدعم العربي والدولي المُرحب به في المكان الصحيح، وأن تؤمن ظروفاً مناسبة لتدعيم الوحدة الوطنية عبر الحوار والمصالحة، وليس عبر تحشيد المكونات ضد بعضها بعضاً، واستدراج العصبيات والغرائز اللعينة التي تحوِّل كل المواطنين إلى مشاريع ضحايا أو إلى قَتَلة مُحتملين بدافع حفظ النفس.

المدن

——————–

كيف يقود جهاديون سوريا نحو أفخاخ الاستبداد والتقسيم والحرب الأهلية؟/ هاني عضاضة

25.07.2025

لا تتوقف الصراعات الأيديولوجية عند الصعود إلى السلطة، بل تتكثّف. ويتوقّف نجاح الحكم على إقامة التوازن بين المستوى الأيديولوجي وإدارة شروط الواقع المادي. في غياب هذه النقطة التوازنية، يتفشّى العنف بشكل أكبر، وتبدو الجماعات الجهادية كما لو أنها تحفر قبورها بنفسها، مخدوعة بأوهام السلطة وبناء الدولة.

كان وجود أحمد الشرع على رأس السلطة الانتقالية في الأسابيع الأولى يحظى بشبه إجماع بين السوريين، وذلك بسبب مخاوفهم من استغلال الفصائل الجهادية ظروف انهيار الدولة بعدما تمكنت من بسط هيمنتها على المعارضة السورية. فقد كان الشرع، في نظر جزء كبير من السوريين، الأكثر قدرةً على ضبط هذه الجماعات ومنعها من القيام بـ”أعمال إرهابية”.

عزز الانطباع السابق سلسلة من خطاباته التي أظهر فيها مرونةً وتفهماً للوضع السياسي منذ اللحظة الأولى لسقوط نظام الأسد، بالإضافة إلى إطلاقه وعوداً عدة أوهمت السوريين والمجتمع الدولي بوجود تغيرات فعلية على مستويَي الفكر والممارسة لدى “هيئة تحرير الشام”.

لكن كل الآمال بدأت بالتلاشي منذ رواج خطاب “من يحرّر يقرّر”، ثم توقيع الشرع على الإعلان الدستوري في آذار/ مارس 2025، الذي حدد المرحلة الانتقالية في سوريا بخمس سنوات ومنح الرئيس الانتقالي صلاحيات واسعة، من ضمنها الحق في إعلان حالة الطوارئ من دون الحصول على موافقة برلمانية، ما يتناقض مع منطق الفصل التام بين السلطات الذي يؤكده الإعلان الدستوري نفسه.

أي أن الشرع نصّب نفسه رئيساً للبلاد لفترة خمس سنوات مع صلاحيات استثنائية. كان ذلك بالتزامن مع تزايد حالات التضييق والقمع ذات الطابع الديني، ومحاولات فرض الانضباط الاجتماعي و”الشرعي” بأساليب قسرية وترهيبية، وتبرير الممارسات العنفية ضد الفئات المختلفة بحجة أنها “أخطاء فردية”، على رغم وجود خيوط تقود إلى وزارتي الداخلية والأوقاف السورية، ما يدل على وجود نية لدى “الجهاديين” لتأسيس نظام حكمٍ ثيوقراطي إسلامي، ممثلين بالشرع نفسه، وما يعنيه ذلك من تبعات سلبية. وكأن السلطة الجديدة تحاول – مجازياً – تطبيق نظرية “الضفدع المغلي” على المجتمع السوري.

تداخلت هذه الاعتداءات في الأشهر الأولى مع محاولات التخريب المتكررة من “فلول نظام الأسد” في مناطق عدة، ما جعل الأمور أكثر تعقيداً. بالإضافة إلى ذلك، كان هناك انفلات أمني كبير وتزايد لعمليات الثأر الفردية والسرقات والإحراق والتخريب من مجموعات “مجهولة”. كما تصاعدت الحساسيات الأمنية بين “قوات سوريا الديمقراطية” وفصائل الجيش الوطني السوري التابع لتركيا من جهة، وبين “هيئة تحرير الشام” من جهة أخرى، وبخاصة في أحياء مدينَتي حلب ومنبج، ما أسفر عن عمليات قنص للمدنيين وتفجير سيارات مفخّخة.

تفجّرت التوترات الخامدة تحت سطح “الاتفاق الضمني” بين السوريين حول قيادة أحمد الشرع للمرحلة الانتقالية في مناطق الساحل وسط سحابة من السعار الطائفي، وبدأت تتضح علامات الاستبداد مصحوبة بصعود حركة “فاشية” جماهيرية تسوّغ لنفسها كل أشكال العنف والاضطهاد الطائفي. أدّى غياب المحاسبة والمعالجة الجادّة لنتائج هجمات التطهير الطائفي التي تعرض لها العلويون في مناطق الساحل، إلى موجة جديدة من هجمات التطهير الطائفي في مناطق السويداء. في حين تستغل إسرائيل، على أحسن وجه، الجرائم ضد الدروز في السويداء لتقدّم نفسها مدافعةً عن حقوق “الأقليات” وتفرض نفوذاً عسكرياً وسياسياً متزايداً في الجنوب السوري.

مجازر الساحل: تكشّف الوجه الحقيقي لـ “الدولة”

بدأت الأوضاع بالتغير بشكل جذري منذ حدوث مجازر الساحل السوري. إذ تُظهِر الأدلة، بعد تقرير رويترز في 30 حزيران/ يونيو الماضي عن أحداث الساحل، حيث قُتل واختُطِف أكثر من 1500 مدني من الطائفة العلوية على يد فصائل مختلفة مرتبطة بالحكومة، من بينها فصائل “العمشات” و”الحمزات” التي انضوت تحت قيادة وزارة الدفاع السورية.

بالإضافة إلى مقتل 238 عنصر من جهاز الأمن العام على يد ميليشيات بقيادة ضباط سابقين في نظام الأسد (استناداً إلى أرقام لجنة تقصي الحقائق في مجازر الساحل)،

لم تعترف الحكومة حتى اليوم بالنطاق الكامل للمجازر، وتتفادى التواصل مع أهالي الضحايا. فيما أعلنت لجنة تقصي الحقائق خلال مؤتمرها الصحافي في 22 تموز/ يوليو 2025 أن “معظم حوادث القتل وقعت خارج أو بعد انتهاء المعارك العسكرية”، وأن “الانتهاكات لم تكن منظمة، على رغم أنها واسعة ووقعت بدوافع متعددة”، لكنها أصرّت على تبرير المشهد الفوضوي الذي أعقب حملة التحريض والتعبئة الطائفية التي شاهدناها في مقاطع الفيديو المصورة في جميع المناطق السورية.

صرحت اللجنة أن “بعض المتهمين المحتملين من أفراد الفصائل المسلحة، وبعضهم لا مرجعية لهم، تحركوا فرادى، أو تطوعوا مع الفصائل، أو شكلوا مجموعات صغيرة بسبب خوفهم على دولتهم وعائلاتهم من عودة نظام الأسد وتكرار الفظاعات المروعة التي ارتُكبت بحقهم، أو لنجدة أبنائهم المتطوعين في القوات الحكومية أو المحاصرين من فلول الأسد، أو بدوافع الانتقام ممن يظنون أنهم شاركوا في قتل أحبائهم وتعذيبهم واغتصابهم. ومنهم من شكّل عصابات أشرار بقصد القتل أو النهب أو السرقة، ومنهم من انتحل صفات العناصر الحكومية لكسب منافع خاصة غير مشروعة أو للإساءة، ومنهم من ينتمي الى مجموعات الغجر التي تقطن المنطقة والتي انضم كثير منها أو تعاون سابقاً مع شبيحة نظام الأسد ضد معارضيه”.

والأسوأ أن اللجنة لم تفصح عن أسماء المتورطين في المجازر، بل اكتفت بالقول إنها توصلت إلى معرفة 298 شخصاً من المشتبه بهم، مع التأكيد أن هذا الرقم يبقى أولياً. هذا التلميح إلى أن مجازر الساحل لم تكن عملية منظمة يتناقض مع تقرير رويترز، بل مع كل المقاطع المصوّرة التي تثبت وقوع الجرائم على نطاق واسع، منظّم وفردي في آنٍ، إذ لم يشتبك عناصر الأمن العام ” الجيدون” مع المجموعات المسلحة التي مارست القتل الجماعي بحق المدنيين، أو لم يمنعوا عناصر الأمن العام “غير المنضبطين” من ارتكاب الانتهاكات بأنواعها.

ولو حدث ذلك بالفعل، واشتبكت العناصر الأمنية بالسلاح ضد تلك المجموعات والأفراد، لكان المشهد السياسي في الساحل قد اختلف تماماً. بالتالي، فإنه من الأصح القول إن اللجنة، على رغم استنادها إلى عدد كبير من الأدلة والوقائع الدقيقة، تلعب في الوقت نفسه دور طمس الحقائق بدلاً من تقصّيها، بخاصة بعد تحفّظها على أسماء المشتبه بهم، وتبرئتها الأجهزة الأمنية من خلال ألعوبة “الشرطي الجيد والشرطي السيئ”، ونفيها ما طرحه تقرير رويترز المستند أيضاً إلى شهادات حقيقية ويدل على وجود رابط بين القيادة في دمشق وجزء من مرتكبي الانتهاكات.

بالإضافة إلى تقديمها “الطاعة السياسية” للسلطة الجديدة في دمشق عبر عبارات لطالما سمعناها على لسان قضاة النظام السابق، ما ينفي حياديتها. فإذاً، سلطة الشرع هي التي توفر الغطاء السياسي والأمني للمجموعات الجهادية، ما يتيح لها تنفيذ أعمال إرهابية واسعة النطاق، سواء من خارج أجهزة الدولة أو من داخلها.

لكن ضحايا هذه السياسات ليسوا المدنيين وحدهم، بل أيضاً عناصر الأمن العام، الذين يسقط منهم أعداد كبيرة في كمائن مسلحة، وهم يحاولون تنفيذ قرارات مرتجلة تحت وطأة الشعور بفائض القوة الطائفي. يتجلى ذلك بصفة خاصة في التناقضات الكبيرة والواضحة داخل جهاز الأمن العام على مستويات عدة، إذ لا يمثل جهازاً أمنياً مركزياً حقيقياً، بل هو مجرد تجميع عشوائي لفصائل مسلحة وأفراد ومقاتلين أجانب يحملون أفكاراً متباينة، بعضها “داعشي”.

يسعى بعض هؤلاء إلى حفظ الأمن وحماية المدنيين، بينما يسعى آخرون إلى ارتكاب مجازر طائفية بذريعة فرض الأمن. ولا يزال غير محسوم بشكل نهائي ما إذا كانت تلك المجموعات تأتمر بأوامر الشرع، أم تفرض نفسها عليه بقوة الأمر الواقع، وهو ما يشكل الخطر الأعظم، لأن القواعد المتطرفة قادرة على استيلاد ما هو أكثر تطرفاً، بينما العكس ليس صحيحاً بالضرورة.

بينما كان الأمل لدى السوريين في ضبط التجاوزات متمثلاً في بقاء الشرع في السلطة لفترة معينة، باعتباره شخصاً قادراً على التحكم في المشهد الإسلامي الجهادي الذي ينحدر منه، أصبح اليوم المشهد معكوساً تماماً، إذ لم تعد هناك إمكانية لوقف الانتهاكات الجسيمة التي تحدث في ظل بقاء الشرع وقيادات “هيئة تحرير الشام” والفصائل الجهادية الحليفة لها في سدة الحكم السياسي وفي مواقع القرار الأمني. فسوريا تنتقل بخطى ثابتة من مرحلة “الأسد أو نحرق البلد” إلى مرحلة “لعيونك يا جولاني” و”بالذبح جيناكم”.

على رغم انضمام فصائل مسلحة عدة إلى وزارة الدفاع السورية، إلا أن نفوذها العسكري المستقل لا يزال قائماً، فيما تستمر في تعزيز حضورها داخل المناطق التي تسيطر عليها عسكرياً. والأخطر من ذلك أن هذه المجموعات تتمتع بحرية الحركة تحت غطاء السلطة المركزية، ما يسمح لها بارتكاب كل أنواع الانتهاكات، في ظل عدم وجود رقابة فعالة أو محاسبة جدية من الدولة.

درج

———————————

عشائر السويداء: الخريطة الاجتماعية وديناميات الصراع/ مازن عزي

26.07.2025

كيف جرت عمليّة دمج العنف العشائري، والنزاعات الأهلية، ضمن أدوات القمع الرسمية لـ”الإدارة الانتقالية”، ضدّ مجتمع ذي خصوصية إثنيّة يعيش في منطقة استقرار حضرية ؟.

لم تكن مشاركة عشائر بدو السويداء في أحداث تمّوز/ يوليو 2025 عرضاً ثانوياً في مشهد العنف، بل كانت في صلب العمليّات العسكرية والأمنية التي اعتمدتها “الإدارة الانتقالية”، التي تسيطر عليها “هيئة تحرير الشام”، لمهاجمة المحافظة ذات الغالبية الدرزية.

عدد أفراد عشائر البدو في السويداء أقلّ من 6 في المئة من سكّان المحافظة البالغ عددهم 650 ألف نسمة، يقطنون في محيط البلدات والقرى والمدن الدرزية، ولديهم شبكة زعامات متداخلة. هذه البنية العشائرية جرى توظيفها في القتال إلى جانب وزارتي الدفاع والداخلية في “الإدارة الانتقالية” ضدّ المناطق الدرزية.

 أعمال العنف الممنهجة تلك، حملت طابعاً إبادياً ضدّ الأقلّية الدرزية، وتسبّبت خلال بضعة أيّام، في تدمير 34 قرية، ومقتل قرابة ألفَيين و150 ألف نازح، حسب مصادر محليّة إذ لم تصرح حكومة دمشق عن عدد القتلى إلى الآن، كما حرمت المنطقة من مقوّمات العيش. في قلب هذا المسار، نرى كيف جرت عمليّة دمج العنف العشائري، والنزاعات الأهلية، ضمن أدوات القمع الرسمية لـ”الإدارة الانتقالية”، ضدّ مجتمع ذي خصوصية إثنيّة يعيش في منطقة استقرار حضرية.

عشائر بدو السويداء

في السويداء مجموعة من العشائر البدوية، بعضها يسكن في مناطق حضرية، وبعضها الآخر يعيش حياة الترحال. تعداد عشائر البدو، بحسب آخر إحصاء رسمي صدر عن محافظة السويداء نهاية العام 2023، لا يزيد على 35 ألف نسمة، من أصل نحو 650 ألف من سكّان المحافظة. ما يقارب نصف هؤلاء يقطنون مناطق حضرية، ونصفهم الآخر يعيشون حياة الترحال غير المستقرّة.

معظم المناطق الحضرية التي تسكنها العشائر، هي عبارة عن أحياء عشوائية غير منظّمة، على أطراف المدن والقرى، مثل المقوس، المشورب، الحروبي، رجم الزيتون والشقراوية، التي تحيط بمدينة السويداء. أمر مماثل في قرى المزرعة وعريقة، حيث توجد أحياء للبدو وأخرى للدروز. أيضاً هناك قرى خاصّة بالبدو مثل المنصورة والبستان.

لجهة الانتماء العشائري، تنقسم عشائر السويداء بشكل رئيسي إلى شنابلة يتزعمهم الشيخ سعود نايف النمر، وجوابرة يتزعمهم أبو بشّار غالب الفهيد، وقلّة من المساعيد. في قرى المزرعة وبلداتها، عريقة وريف السويداء الغربي، توجد أيضاً عشائر آخرى مثل الحواسنة التي يتزعّمها صقر الحواسنة. في قرية البستان تقطن عشيرة العمور، وهي وافدة من حمص، ويتزعّمها جامل البلعاس.

كلّ منطقة بدوية في المحافظة، إن كانت عشوائية، حياً أو قرية، مختلطة أو صافية، لها دينامياتها المحلّية الخاصّة وزعاماتها ووجهائها، وعائلاتها، ومجموعاتها المسلّحة، وعصاباتها. بعض هذه المناطق تسكنها عشيرة واحدة، وبعضها مختلط، ما يزيد من تعقيد فهم الديناميات المحلّية.

مثلاً، حي الحروبي في مدينة السويداء تقطنه عشيرة الجوابرة، بينما الشقراوية أغلبها من الجوابرة ونسبة من الشنابلة. في بلدة المزرعة، يخفّ العامل العشائري لصالح العامل العائلي، والبدو هناك يُعرفون بعوائلهم لا بعشائرهم.  بالإضافة إلى هذه الخريطة العشائرية المعقّدة داخل السويداء، تقطن عشائر المدالجة، والسلوط، والبياضين والشرّعة في منطقة اللجاة البركانية، الفاصلة بين ريفي السويداء الغربي وريف درعا الشرقي، من جهة الشمال.

نزاع بين البدو والدروز؟

في أيّار/ مايو 2025، نصبت مجموعة من “الأمن العامّ” من عشائر بدو المطلّة، وهم من عشيرة النعيم، التابعة لوزارة الداخلية حاجزاً على طريق دمشق- السويداء بعد حملة “بدنا نبيد الدرزية” التحريضية ضدّ الدروز، التي ترافقت مع هجمات عسكرية مسلّحة ضدّ مجتمعات الدروز في ريف دمشق، وانتهت بتهجير بعض العائلات الدرزية في  أشرفية صحنايا، وسيطرة “الأمن العامّ” على جرمانا وصحنايا.

الحاجز استُخدم كأداة سياسية للابتزاز والعقاب الجماعي لدروز السويداء الرافضين للاندماج في مشروع دولة “الإدارة الانتقالية”. هذه الانتهاكات أشعلت دائرة خطف متبادل بين البدو والدروز، ضمن مدينة السويداء، بعد حادثة تعذيب تاجر درزي على حاجز المطلّة، في نهاية الأسبوع الأول من تمّوز/ يوليو الحالي.

بعدها، خطفت مجموعة درزية مسلّحة مجموعة من عشائر بدو قرية المقوس الملاصقة لمدينة السويداء. لتردّ مجموعة من عشائر المقوس بنصب حاجز على طريق السويداء- ظهر الجبل، وتخطف مجموعة من الدروز المارّين وأغلبهم من الفلاحين. المجموعة المسلّحة من المقوس، من الشنابلة، هي عبارة عن عصابة مسلّحة تابعة لـ”تجمّع عشائر الجنوب”، الذي يقوده الشيخ راكان الخضير رجل الأعمال السوري- الأردني، الذي يتردّد اسمه دائماً في قضايا تهريب المخدّرات عبر الحدود.

الشيخ الخضير، تمكّن من تجنيد بضع مئات من مقاتلي عشائر السويداء بعد سقوط النظام، عبر الضابط المنشقّ حسام الكراشي القائد العسكري الفعلي للتجمّع. الكراشي كان من أعضاء “لواء العمري” المتشدّد في درعا خلال الحرب السورية، وحالياً منتسب إلى وزارة الدفاع.

وجهاء عشائر بدو السويداء، خاصّة الشنابلة والجوابرة، رفضوا هيمنة الخضير المستحدثة والعابرة للعشائر، واعتبروه تهديداً لهم، وأصدروا بيانات مندّدة. لكنّ الاغراءات المالية التي قدّمها الخضير لعبت دوراً مهمّاً في استقطاب المقاتلين، خاصّة من ذوي الخلفيّات العصابوية وأصحاب السوابق. حاول التجمّع ضمّ المجنّدين له ككتلة واحدة إلى وزارة الدفاع، لكنّ ذلك لم ينجح، من دون سبب مفهوم، ويبدو أن التنسيق يقوم حالياً بين التجمّع وجهاز “الاستخبارات” الناشئ في سوريا، ولا يمرّ عبر وزارة الدفاع.

التجمّع نسج علاقات وطيدة مع “الشيخ” الدرزي سليمان عبدالباقي من مدينة السويداء، ومجموعته المسلّحة “تجمّع أحرار الجبل”، وأيضاً مع “الشيخ” الدرزي ليث البلعوس في بلدة المزرعة، ومجموعته المسلّحة المنشقّة عن “قوّات شيخ الكرامة”. مجموعتا عبد الباقي والبلعوس تتبعان لوزارة الداخلية، ولا يتجاوز عدد أعضاء كلّ منهما بضع عشرات. مجموعة ليث البلعوس، تضمّ دروزاً وبدواً من بلدة المزرعة، وغالبيتهم من أصحاب السوابق والمتورّطين في أعمال العصابات، خاصّة الخطف للفدية، وتهريب الأسلّحة، وتجارة المخدّرات.

في ليل 14 تمّوز/ يوليو، ورغم التوصّل إلى اتّفاق على تبادل المخطوفين الدروز والبدو، على خلفيّة أحداث المقوس، شنّت قوّات الوزارتين عمليّة عسكرية مسلّحة، انطلاقاً من ريف درعا الغربي، باتّجاه بلدة المزرعة، ومنها إلى كلّ المناطق التي تقطنها العشائر في ريف السويداء الغربي، حيث لعب تجمّع عشائر الجنوب دوراً بالغ الخطورة، في القتال والإرشاد.

أي أن اختراق ريف السويداء الغربي، تمّ عبر محاور مرّت حصراً في تجمّعات العشائر وقراها. هذا الاختراق خارج خطوط التماس السابقة، لم يكن متوقّعاً لدى الفصائل الدرزية. عمليّة الاختراق سهّل لها ليث البلعوس وجماعته المسلّحة في بلدة المزرعة، عبر تطمين الأهالي بأن خطراً لن يمسّهم، وإرشاد القوّات المهاجمة عبر الطرق الزراعية الفرعية. ومن المزرعة، انتقلت القوّات المهاجمة باتّجاه بضعة محاور، أبرزها إلى قرية المنصورة، ومنها إلى الشقراوية، اللتين تقطنهما عشائر البدو، شمال غرب مدينة السويداء.

ومن هناك، تمكّنت قوّات الوزارتين من اقتحام بعض أحياء المدينة، وارتكاب مجازر جماعية بحقّ المدنيين، بينما قوّات العشائر المسلّحة التابعة لتجمّع عشائر الجنوب، ساهمت بفتح جبهات إشغال في محيط مدينة السويداء، لتشتيت المقاتلين الدروز.

ولم يشفع لبلدة المزرعة أن ليث البلعوس سلّمها دون قتال، وفتح منها طريقاً للقوّات المهاجمة باتّجاه مدينة السويداء. إذ إن البلدة تعرّضت للاستباحة، وتعرّض كلّ من بقي فيها من السكّان للخطف أو القتل، ونُهبت جميع بيوتها وحُرقت.

في 16 تمّوز/ يوليو 2025، ونتيجة صمود المقاومة الشعبية في السويداء، والقصف الإسرائيلي الذي استهدف مبنى قيادة الأركان وبعض أرتال القوّات المهاجمة، انسحبت قوّات وزارتي الدفاع والداخلية من بعض محاور القتال. مباشرة بعد ذلك، انتقلت الإدارة الانتقالية، إلى تنفيذ الخطّة البديلة، عبر تقديم عرض حيّ ومباشر لسلاحها الجديد: العشائر، لتستكمل الهجمات على الحواضر الدرزية، وترتكب أعمال عنف ممنهجة.

الذريعة هذه المرّة، كانت وجود ما تصفه العشائر أسرى ومخطوفين من عشائر السويداء لدى الدروز، ووقوع انتهاكات بحقّهم. وبالفعل وقعت انتهاكات بحقّ العشائر ارتكبتها بعض الأطراف الدرزية، سقط فيها نحو 20 قتيلاً من المدنيين من عشائر البدو في مدينة شهبا. هذه الانتهاكات هي جرائم عنف مدانة، حتى لو وقعت بشكل غير ممنهج، وحتى لو تمّ تطويقها محلّياً. وقد صدر في هذا الخصوص بيان من الرئاسة الروحية للدروز، بتحريم التعدّي على المدنيين والأبرياء من العشائر، خاصّة ممن لم يتورّط في القتال ضدّ الدروز.

بينما عشائر بدو المقوس، الذين شاركوا بفعّالية في المعارك، والقنص، والإشغال، وممّن وصلت إليهم قوّات وزارة الداخلية، فقد نزحوا مباشرة من المنطقة بعد انسحاب قوّات الوزارتين، باتّجاه شرق السويداء. أمر مماثل وقع في حيّ المشورب في مدينة السويداء، الذي شاركت فيه عصابة مشهورة بالقتال إلى جانب قوّات الإدارة الانتقالية. نظرة مقرّبة على حيّ المشورب، قد توضح ديناميات معقّدة محلّية في البنية العشائرية. إذ تسيطر على الحيّ الذي يسكنه بضع مئات، عصابة أبرز أعضائها صافي أبو ثليث وأحمد الشيخة. هذه العصابة نقلت ولاءها خلال سنوات الحرب السورية، من “حزب الله”، إلى المخابرات السورية، إلى داعش، لينتهي بها الأمر أخيراً مع “تجمّع عشائر الجنوب”.

هذه العصابة تُعتبر المسؤول الأهم عن تخزين المخدّرات والأسلّحة وتهريبهما عبر الحدود السورية الأردنية. قُبيل سقوط نظام الأسد، كانت المخابرات الجوّية، قد ألقت القبض على أحمد الشيخة، بعدما نَقَلَ خليّة من “تنظيم الدولة الإسلامية” إلى مدينة السويداء بغرض تنفيذ عمليّات انتحارية. الشيخة خرج من الاعتقال مع سقوط نظام الأسد.

من جانب آخر، تصرّ عشائر الفزعة العربية، على عدم مغادرة محافظة السويداء قبل “تحرير” كامل العشائر “المخطوفة” لدى الدروز، على حدّ وصفها. وظهر كثير من قادة عشائر الفزعة، يتحدّون فيها رئيس “الإدارة الانتقالية” بأن عدم “تحرير العشائر”، يعني أنهم سيواصلون القتال. وذلك، يحقّق رغبة لدى غالبية الدروز، بتحييد المشاحنات الدورية بين الطرفين، التي لطالما تفجّرت خلال السنوات الماضية على شكل أعمال خطف متبادلة طالما هدّدت السلم الأهلي، خاصّة بعد مشاركة العشائر في القتال ضمن “تجمّع عشائر الجنوب”.

ومن اللافت، أن الاتّفاق الذي توصّل إليه المبعوث الأميركي إلى سوريا توماس برّاك، سفير الولايات المتّحدة في أنقرة يوم 16 تمّوز/ يوليو الحالي، برعاية سعودية تركية أردنية، نصّ في أحد بنوده، على “إخلاء” عشائر بدو السويداء من معبرين بين السويداء ودرعا.

وبالفعل، بدأت الأعمال القتالية بالتراجع، مع بدء تطبيق عمليّة الإخلاء، بخروج عشائر مدينة شهبا في البداية، ثم 400 شخص من عشائر بلدة الكفر في 24 تمّوز/ يوليو الحالي، رغم أنهم لم يشاركوا في القتال.

تكشف أحداث تمّوز/ يوليو 2025 عن معادلة قسرية اعتمدتها “الإدارة الانتقالية”: الجمع بين قوّاتها الرسمية، والعلاقات العشائرية لتطويع السويداء. فبعد فشل قوّات الوزارتين في التوغّل، أُطلقت خطّة بديلة باستدعاء عشائر لا صلة نسب لها بالمحافظة، واستُخدمت لتحريضهم وحشدهم ما تصفه بـ”مظالم” وقعت على عشائر السويداء.

 في الخلفيّة، يَظهر تشابك مصالح بين أجهزة “الإدارة الانتقالية” وزعامات عشائرية على امتداد سوريا، و”تجمّع عشائر الجنوب”، لاستغلال العصبية العشائرية وتحويلها إلى وسائل عسكرية وأمنية: من حاجز المطلّة، عصابة المقوس، وعشائر ريف السويداء الغربي، وعشائر مدينة السويداء، التي سهّلت تنفيذ الهجوم، وتمرير الأرتال، وإرباك خطوط الدفاع الدرزية. غلبة العصابات المموّلة والسلاح المنفلت قوّضا أي رصيد للتعايش، ورسّخا نمطاً من الحملات العشائرية على مبدأ الغزوة، واستباحة مناطق الاستقرار الحضرية، بغرض الإخضاع السياسي.

  – كاتب وصحافي سوري

 درج

—————————————-

عن تلك الصورة الفظيعة التي أرادت قتل معنى سوريا/ ماجد كيالي

24.07.2025

لم يكن حديث القيادة الانتقالية عن حماية الأقلّيات، أو المساواة بين مكوّنات سوريا، موفقاً، فهذه اللغة قديمة ومستهلكة، وهي على الأغلب تأتي لترضية الخارج، في حين تتأتّى هيبة الدولة من علاقتها بشعبها، ومن تقديمها “التنازلات” أو الحقوق له، وليس العكس.

في الاقتتال الأهلي الحاصل في السويداء ومحيطها، أي في المكان والزمان والمعنى الغلط، ومع كلّ الفظائع التي تضمّنته من قتل وتدمير وتشريد، ظنّ السوريون أنهم باتوا بمنجى منه بعد إسقاط نظام الأبد الأسدي الاستبدادي، ثمّة رصاصة أرادت قتل سوريا، وقتل معناها. كان حامل السلاح يسأل الضحيّة، الذي أخذه الرعب، عن هوّيته، فيجيبه بأنه سوري، كأنه بذلك يُفصح عن الهوّية التي تجمعهما، والتي يُفترض أن تعرّف بأنهما شريكان في الأرض، وفي البلد، وفي الآلام والآمال، لكنّ حامل السلاح في هوجته، كان يبحث عن هوّية أخرى، تبرّر الضغط على الزناد، وإطلاق رصاصة القتل، وهي هوّية ما قبل قيام سوريا كدولة، وكوطن لجماعة بشرية باتت تُعرف بالسوريين.

هذه الحادثة المؤلمة، والفظيعة بتفاصيلها وأبعادها، بين قاتل ومقتول، ومثلها حادثة اقتلاع جماعة بشرية من أرضها، ليست مجرّد حادثة فردية أو عرضية، من أي جهة أتت، أو مجرّد حادثة قتل أعمى، كما في كلّ الحروب الأهلية، إنما هي دلالة على شيء أكبر وأخطر، هي دلالة على قلق الهوّية في بلدان المشرق العربي.

في الحقيقة، ثمّة قلق هوّياتي مزمن في بلدان المشرق العربي، وبخاصّة في سوريا، بالنظر إلى النظام الذي تحكّم بالدولة وبالشعب وبالبلد طوال أكثر من خمسة عقود، إذ لم يعترف بحدود، بادّعاء أيديولوجية القومية، وبادّعاء القيام بدور قومي، ولم يعترف بمكانة المواطنة لمن يُفترض بأنهم مواطنوه في البلد، مما أدّى إلى تشوّش وجدان السوريين وإدراكاتهم السياسية.

هكذا، لم يستطع السوريون أن يكونوا عرباً بمعنى الكلمة، وفقاً لشعار البعث الأثير: “أمّة عربية واحدة ذات رسالة خالدة”، لكنّهم، أيضاً، لم يستطيعوا أن يكونوا سوريين، والأهمّ من هذا وذاك أن أغلبيتهم ظلّت تُراوح عند هوّياتها الأوّلية الطائفية والإثنية والعشائرية، وكلّها هوّيات ما قبل الدولة والمواطنة والتمدين.

القصد أن القاتل، وهو على الأغلب، يجهل معنى سوريا، أو أن التعصب لهوّيته ما قبل السورية أصابه بالعمى، أتى من زمن مضى، أو من زمن تجمّد عند ما قبل قيام الدولة السورية في منتصف أربعينيات القرن الماضي، وهو آتٍ من منطقة محرومة، أو هامشية، أو كأنها خارج التاريخ، في أطراف سوريا، في الشمال والجنوب والشرق، بسبب قيام سلطة مركزية أكلت، أو استولت على كلّ شيء.

تتحمّل القيادة الانتقالية المسؤوليّة عمّا جرى في منطقة السويداء، لكونها هي المسؤولة عن كلّ شيء في البلد، فهي التي ذهبت نحو خيار الحلّ الأمني، بدل البقاء عند خيار الحوار والحلّ السياسي وإيجاد مخارج للمشاركة المشرّفة، التي لا تخلّ بمكانتها كسلطة، ولا تقلّل من حقّ ناس تلك المنطقة بتمثيل ذاتها عبر شخصيّات مدنية، لا دينية ولا طائفية، علماً أنها من المناطق المحسوبة على الثورة السورية، والتمرّد على نظام بشّار الأسد، بخلاف ما حصل في الساحل، مع عدم التبرير للانتهاكات في أي مكان، من أي طرف كان، وهو الأمر الذي كان اعترف به الرئيس السوري ذاته، واعداً بتقّصي الحقائق، مع وعد بمعاقبة المنتهكين.

أيضاً، القيادة هي المسؤولة، لأنها لم تفِ بتعهّداتها بوحدانية السلاح، ولأنها سمحت بخلق نوع من ازدواجية السلاح، عبر ما يسمى بـ”فزعة العشائر”، الأمر الذي سينعكس سلباً، في حال استمراره مستقبلاً، على سيادتها على أراضيها وحقّها في احتكار السلاح، كما سينعكس سلباً على وحدة الشعب السوري.

وأخيراً، هي المسؤولة عن سؤاله القاتل، الذي لم يقتل الرجل/ الضحيّة فقط، إنما قتل معه الدولة التي تمثّلها القيادة الانتقالية، وقتل معه معنى الوطنية والمواطنة، ومعنى سوريا ذاتها.

لم يكن حديث القيادة الانتقالية عن حماية الأقلّيات، أو المساواة بين مكوّنات سوريا، موفقاً، فهذه اللغة قديمة ومستهلكة، وهي على الأغلب تأتي لترضية الخارج، في حين تتأتّى هيبة الدولة من علاقتها بشعبها، ومن تقديمها “التنازلات” أو الحقوق له، وليس العكس.

والحقيقة أن السوريين بعد كلّ ما عانوه من نظام الاستبداد والإبادة الأبدي، من محو للسياسة والمشاركة، يستحقّون من قيادتهم الجديدة تمكينهم من حقوق المواطنة، والتعامل معهم ليس كمكوّنات جمعية، تستلب حقوق الفرد لصالح جماعات هوّياتية أوّلية، إنما كمواطنين أفراد، أحرار، ومتساوين، لإن إدراك هذه الحقيقة هو الذي يؤسّس للاستقرار وولادة سوريا الجديدة.

تلك هي الصيغة الكفيلة باستعادة السوريين حرّيتهم وكرامتهم، بغضّ النظر عن انتماءاتهم الأوّلية الطائفية والإثنية والعشائرية والمناطقية، وهذا هو ما ينزع فتيل التفجير في الساحل والجنوب والشرق السوري، أي بجعل الجميع يتمسّكون بحبل الوطنية السورية، باعتبار سوريا وطناً للجميع كأحرار ومتساوين، من سنّة وشيعة وعلويين ودروز واسماعيليين وأرثوذوكس وكاثوليك وبروتستانت، أو من عرب وكرد وتركمان وأشوريين وسريان، نساء ورجالاً.

لنلاحظ أننا قضينا عمراً ونحن نُحيل على الاستعمار، وعلى اتفاقية سايكس ـ بيكو مسؤوليّة التجزئة و”فرّق تسد”، التي قسّمت المشرق العربي، وحالت دون قيام وحدة عربية أو إسلامية، بحسب ما علّمتنا الأنظمة، في حين هي التي تتحمّل مسؤوليّة عدم قيام الدولة في بلداننا بوصفها دولة مؤسّسات وقانون ووأد مكانة المواطنة وحقوقها، وإبقائنا عند حيّز الهوّيات الأوّلية، حيث كلّ جماعة هوّياتية في مواجهة أخرى، في تطبيق عملي لسياسة “فرّق تسد”! ولعلّ حازم صاغية كان على حقّ عندما تحدّث ذات يوم عن أن الاستعمار “وحّد أكثر مما جزّأ أو مما فرّق” في بلداننا.

 – صحافي وكاتب فلسطيني – سوري

درج

—————————-

إعلام سوريا الجديدة: بين “التيكتوكر” والاحتراف!/ ديانا مقلد

26.07.2025

لا تختلف بيئة الإعلام الرسمي في سوريا كثيراً عن تلك التي عرفها السوريون في عهد الأسد. لم تتغير العلاقة بين السلطة والإعلام، بل استمرّت على ما كانت عليه: علاقة تسخير وتعبئة، لا مساءلة أو شراكة. الإعلام ما يزال مرتهناً للسلطة، حتى وإن حمل شعارات الثورة والتغيير.

في معرض تعليقه على تحقيق نشرته وكالة “رويترز” حول ما سمّته “الدولة الاقتصادية العميقة” في سوريا الجديدة، وأدوار شخصيّات مثل شقيق الرئيس الانتقالي وآخرين في منظومة اقتصاد البلاد بعد سقوط نظام الأسد، لم يسعَ وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى إلى تفنيد المعلومات أو الردّ على مضمون التحقيق وعرض حقائق معاكسة لما نشره، بل لجأ إلى تهمة “الاستشراق”.

رأى المصطفى في التغطية الإعلامية الدولية التي رافقت سقوط نظام الأسد نوعاً من “الفرصة الضائعة”، لأنها لم تلتزم بحسب رأيه بنبرة “بنّاءة” و”واقعية”. لكنّ اللافت في هذا الخطاب ليس فقط تجاهله جوهر التحقيق وعدم الردّ عليه، بل تلميحه الضمني إلى النموذج الإعلامي المطلوب في سوريا “الجديدة”: صحافة لا تُحرج السلطة، ولا تكشف شبكات النفوذ، بل تؤدي دوراً تجميلياً وترويجياً باسم “المصلحة الوطنية” أو “المرحلة الانتقالية”.

وما لم يقله وزير الإعلام مباشرة قاله إعلاميون ومؤثّرون سوريون محسوبون على السلطة الحالية، لجهة تبرير كلّ ما ورد في التحقيق بأنه ضرورة المرحلة، بل هو عين الصواب في بلد يحتاج إلى إجراءات استثنائية للنهوض، وهو وإن كان ظاهرياً كلاماً صحيحاً، لكنّ تقديم المحسوبيات وتعويم شخصيّات مشبوهة بوصفه مساراً تحتاجه سوريا للنهوض، هو تضليل وتعمية.

والآراء التي تدين تحقيقات موثّقة لصالح رواية الإدارة الحالية، التي تتحصّن بـ”ضرورات المرحلة” لتبرير هذه الممارسات لا تأتي من فراغ، بل تصدر عن وجوه باتت تشكّل واجهة إعلامية غير رسمية للسلطة، وإن لم تكن تابعة لأي مؤسّسة واضحة. هم “مؤثّرون” لا يعملون في وزارة الإعلام، لكنّهم يملكون نفوذاً وتأثيراً أكبر من كثير من الصحافيين المهنيين. يقدّمون أنفسهم كصوت الشعب، بينما يعيدون إنتاج خطاب سلطوي يعرفه السوريون جيداً: خطاب المديح لكلّ ما تُقدم عليه السلطة وتخوين الناقدين، خطاب يرفض المساءلة ويسخر من معايير الشفافية والحوكمة بوصفها ترفاً لا تستطيعه سوريا اليوم، عدا تقزيم أي صوت مختلف وشيطنته.

هؤلاء يدركون تماماً كم تُكافئ “السوشيال ميديا” الرأي المتطرّف عبر “اللايكات” و”الشير” والتفاعل، مما يعطيهم ثقة هائلة بمواقفهم المنحازة، ويشجّع الناس على تبنّي خطاب أقلّ عقلانية وأكثر عدائية.

منذ سقوط نظام بشار الأسد وصعود قيادة أحمد الشرع إلى الواجهة، بدا أن سوريا تدخل مرحلة سياسية جديدة، غير أن هذه المرحلة، التي رُوّج لها طويلاً باعتبارها قطيعة مع إرث الديكتاتورية لجهة احتكار الإعلام وقمعه، لم تأتِ بقطيعة إعلامية موازية، بل إن مشهد “الإعلام الجديد” فيها يعيد إنتاج الأنماط ذاتها من التجييش والتحريض، ولكن بوجوه وعباءات مختلفة.

لم يعد الخطاب الموالي للسلطة يصدر عن مؤسّسات رسمية حصراً مثل “سانا” أو “الإخبارية السورية”، بل عبر منصّات رقمية وصفحات على “فيسبوك” و”تلغرام”، تتبنّى خطاب السلطة وتعمل على تسويقه بأسلوب أكثر شعبوية و”ثورية”، لكنّها تستخدم أدوات الدعاية ذاتها: تضليل، تخوين، وتحريض على الآخر.

خطاب طائفي مقنّع بالوطنية

خلال مجازر الساحل، ظهرت منشورات تمارس تحريضاً ضمنياً ضدّ العلويين، تُحمّلهم مسؤولية جماعية عمّا ارتكبه النظام السابق، وتروّج لفكرة العقاب الجماعي باسم العدالة. كذلك خلال مجازر السويداء، طال خطاب التشكيك المكوّن الدرزي، حيث وُصف بعض أبناء المنطقة بـ”الخونة” أو “العملاء”، لمجرّد رفضهم الانخراط في مشاريع السلطة الجديدة، أو لجهة حذرهم منها، ما جعل استهدافهم كمجموعة بشيبها وشبانها مباحاً.

من يحاول انتقاد هذا التوجّه الإعلامي أو المطالبة بإعلام مهني محايد، يواجه مباشرة بحملة اتّهام بـ”الحنين إلى النظام السابق”، أو بـ”العمالة للخارج”، أو ببساطة بـ”قلّة الفهم للواقع المعقّد”، وكأن المطلوب من الإعلاميين في سوريا الجديدة هو إما الصمت، وإما الانخراط في الجوقة، وإما الرحيل.

بهذا المعنى، لا تختلف بيئة الإعلام الرسمي حالياً عن تلك التي عرفها السوريون في عهد الأسد. لم تتغير العلاقة بين السلطة والإعلام، بل استمرّت على ما كانت عليه: علاقة تسخير وتعبئة، لا مساءلة أو شراكة. الإعلام ما يزال مرتهناً للسلطة، حتى وإن حمل شعارات الثورة والتغيير.

الإشكال لا يقف عند خطاب التحريض، بل يتعدّاه إلى تطييف الذاكرة نفسها. المجازر تُروى وتُوثّق وفق الهوّية الطائفية للضحايا والجناة. ليست هناك محاولة لرواية وطنية مشتركة، ولا لعدالة إعلامية أو سردية تتجاوز منطق الثأر والتوظيف السياسي، بل يبدو أن هناك إصراراً على إدارة الذاكرة كسلاح، تُستخدم بحسب الحاجة لتبرير سياسات السلطة أو قمع المعارضين.

في ظلّ هذا الواقع، تبدو فرص قيام إعلام مهني، حرّ، ومستقلّ في سوريا الجديدة ضعيفة، رغم كلّ المحاولات الممتازة التي باشرتها مؤسّسات سورية تحاول اليوم فرض مساحتها في الداخل. لكنّ الإعلام يحتاج بنية قانونية تحميه، ومساحات حرّة للتعبير، ونظاماً سياسياً يقبل النقد ويعتبره شرطاً من شروط الحكم الرشيد. أما حين تكون السلطة في حال خوف دائم من النقد، وتعتبر الإعلام خصماً لا شريكاً، فإن النتيجة الوحيدة هي تكاثر إعلام الولاء، وتموضع الصحافيين بين خيارين: التهليل أو التغييب.

وربما الأخطر أن السلطة الجديدة لا تكرّس فقط إعلاماً سلطوياً، بل تُلبسه لبوس الثورة والحقّ، فتسحب من الأصوات الحرّة شرعيتها الرمزية، وتدفع بالجمهور نحو الارتباك واللامبالاة.

الصحافة السورية سواء في الداخل أو في الشتات، تقف اليوم أمام مفارقة مريرة: الثورة التي حلم بها السوريون والسوريات من أجل الحرّية والكرامة، تُستخدم لتبرير أنماط القمع القديمة نفسها، بل تعيد إنتاجها بأدوات جديدة وشعارات مغايرة، ولكنّ الجوهر ذاته: سلطة لا تتحمّل النقد، وإعلام لا يجرؤ على قول الحقيقة.

في نهاية المطاف، لا يمكن تصوّر انتقال ديمقراطي أو بناء وطن جامع من دون إعلام حرّ. فالحقيقة ليست تهديداً، بل هي شرط لأي سلام دائم. والسؤال الذي لا بدّ أن نطرحه اليوم: هل يمكن لـ”سوريا الجديدة” أن تحتمل إعلاماً لا يُصفّق؟

 – صحافية وكاتبة لبنانية

درح

———————

طريق بناء الدولة السورية لا يُعبَّد فوق جثث الأقليات/ دلال البزري

25.07.2025

كيف لأحمد الشرع، الذي ارتدى بسرعة البرق هندام رئيس الدولة، أن يتعامل مع الوقائع بما وُصف بـ”براغماتية” فذّة؟ يتقن لغة الرئاسة، يتفاهم مع أعتى أعداء الإسلام، والإسلام الجهادي الذي كان يقوده، يبرم الاتفاقات، يتفاوض، يستقبل… إلى آخره.

بالأمس، كانت هناك مجزرة موصوفة بحق أهالي السويداء من الدروز. القتلة كانوا من الحكومة ومن رجالاتها من البدو. لا نعرف الأضرار بدقة، لكننا أمام هجوم وقتل وحصار وحرق وتهجير وإعدامات ميدانية.

“أبطال” المجزرة هم من رجالات الشرع، أو من العشائر التي تدعمه. يسترشدون بتعاليم رئيسهم في الحالتين: أولاً بصفته أبو محمد الجولاني، زعيم تنظيمهم “هيئة تحرير الشام” على مدى عقد من الزمن، وثانياً بصفته أحمد الشرع، رئيس جمهورية سوريا الحالي.

وهذا وحده يدعو إلى التوقف: كيف لأحمد الشرع، الذي ارتدى بسرعة البرق هندام رئيس الدولة، أن يتعامل مع الوقائع بما وُصف بـ”براغماتية” فذّة؟ يتقن لغة الرئاسة، يتفاهم مع أعتى أعداء الإسلام، والإسلام الجهادي الذي كان يقوده، يبرم الاتفاقات، يتفاوض، يستقبل… إلى آخره.

هكذا يظهر الشرع في أعلى درجات التنبّه للعالم الذي يطمح إلى نيل رضاه، وتبقى قاعدته وجماهيره في درجة من الأصولية الغوغائية، الثأرية، المدعومة بنشوة “أموية” ظهرت فيها معالم تنظيم “داعش”، الذي رُفعت أعلامه في دمشق وعلى أكتاف بعض المسلحين الذين هجموا على السويداء. ومُنية أعين تلك الفئة أن تذبح أو تفني العدد الأكبر من “الكفرة”… علويين، دروزاً، شيعةً، ومسيحيين.

كيف أُتيح لها أن تفعل؟ كيف يتعايش هذان العالَمان؟ بين قيادة تجاهد لاستيعاب موازين القوى من حولها، أكثر من أي شيء آخر، وبين قاعدة واسعة مهووسة بإمحاء كل من لا ينتمي إلى دينها؟

هنا تحضر المقارنة بين ما يتفوّه به أنصار أحمد الشرع من عبارات تكفيرية ذات جذور جهادية، وبين كلمات الشرع نفسه المختلفة، خصوصًا عبارة “حماية الأقليات” التي بات يشتهر بها.

هذا التناقض يخدم هدفين غير منسجمين. فمن جهة، هذه القاعدة المتشرّبة أيديولوجيًا تحمي الشرع، وهي قوته الضاربة الضرورية. من دونها لا يحكم. ولكن من جهة أخرى، هي قوة يمكن أن تقوده إلى الفشل، ليس فقط في السويداء، التي أصابت جهوده التطبيعية ونوافذه على العالم، بل أيضًا في مجتمع الحياة اليومية: في السهر، والسباحة، واللباس، والفن… وفي ممارسات رجالاته التشبيحية في الأماكن العامة، وربما الخاصة.

وهذا التناقض ينذر بأنواع من الانشقاقات عن أحمد الشرع، كأفراد “جهاديين” أو جماعات.

النقطة الأخرى هي المحاسبة.

لو كانت المحاسبة مفعّلة، لما بلغت مجزرة السويداء هذا الحدّ.

وللمحاسبة فرعان: الأول يقع في نطاق “العدالة الانتقالية”.

مؤخرًا شُكّلت لجنتان:

الأولى تخصّ البحث عن المفقودين تحت حكم بشار الأسد، وهي خطوة محمودة.

أما اللجنة الثانية، فتهدف إلى التحقيق في الجرائم المرتكبة خلال الحرب. تغطي جرائم بشار الأسد، لكنها لا تتناول تلك التي ارتكبتها فصائل المعارضة المسلحة، وغالبيتها إسلامية جهادية، وخصوصًا “هيئة تحرير الشام” وقبلها “جبهة النصرة”، وقد وُثّقت كل جرائمها في إدلب من خطف واعتقال وقتل وعقوبات.

أي إن الشرع وتنظيمه لن تطاولهما العدالة، ولن يُحاسَبا على ما اقترفته أياديهما قبل أن يصبح “رئيسًا” لسوريا.

أما الفرع الثاني من المحاسبة، فيقع في النطاق الأهلي.

 – كاتبة لبنانية

درج

——————————-

 الساحل، السويداء، الأمهات/ رهام عيسى

الجمعة 2025/07/25

يشتدّ النقاش بين أصدقائي حول أوضاع البلاد، فأنسحب بهدوء. يتملكني منذ فترة إحساس كبير بعدم الجدوى من قول أو سماع أي شيء. أشعر كأن صوتي يختفي، أو أنّ الكلام يتحول غباراً. أفكر في المآسي التي تحيط بي، كأنها تخصني شخصياً. تصلني أخبار القتل من كلّ مكان فيتضخم شعوري بالعجز. فقط، المشهد الأخير من فيلم mother! يشعرني بالاكتفاء، وبالألم أيضاً، لكنه ذاك النوع من الألم الذي تدفعه مقابل حصولك على الحقيقة.

الاختباء خلف أصابع الوطن

أحاول جاهدة أن أروي القصص كما هي، أكتب تفاصيل كثيرة، لا أهمل شيئاً، حتى لون ربطة الشعر والقميص الداخلي واللعبة التي بقيت تنتظر على السرير. وبالجهد نفسه أعود وأمحو ما كتبته حرفاً حرفاً. أراقب الكلمات وهي تتلاشى أمامي، كما تتلاشى قصص الضحايا. وأفكر: هل أنا فعلاً أروي القصة كما هي؟ أم أنّي صرت أداةً ماهرة تجعل أصغر حبة تُذرى على أرض هذه البلاد، تصبح قُبة كبيرة؟

أعيّر خمس دقائق، الوقت الذي تحتاجه ابنتي للذهاب والعودة من دكان قريب. أشعر بالوقت ثقيلاً. تجاوَزَت البارحة هذه المدة بدقيقة، كانت كفيلة ليمرّ شريط الاحتمالات الكارثية أمامي. خرجتُ كالمجنونة إلى الشارع، وما إن لمحتها حتى شعرتُ بأني نجوت من بؤسٍ يوزعه الوطن على أبنائه بالحظ. فاتخذت القرار: لا خروج من المنزل بعد الآن، حتى إلى الدكان.

السوري الأخير سقط في السويداء

بعد مجازر الساحل، استنتجنا جماعياً هنا أن علينا مقايضة أصواتنا بحيواتنا، وهي المقايضة نفسها التي حكم بها الأسدان البلاد 55 عاماً. فالأمر بسيط: عندما تشعر بالخطر ستهرب. وهل يستطيع سوري واحد ألا يكون خائفاً؟ ألا يهرب؟ ألا يعيش داخل خوفه فقط؟

بالأمس كان قسم من السوريين مطارداً، فرسم حياته على مقاس خوفه. اليوم، قسم آخر يرسم حياته على مقاس خوفه. وبين الخوفَين تضيع فرصة بناء وطن، فنحن دائماً مشغولون بالهرب.

“إيش يعني سوري، جاوبني إنت مسلم أو درزي؟”، يسأل الرجل ساخراً ثمّ يطلق رصاصته الفاجرة، ليسقط السوريّ الأخير على هذه الأرض، وتسقط سوريا في عينيّ إلى الأبد. وأهرب كما الجميع. أسلوبي في الفرار خالٍ من الإبداع، أنسحب من العالم شيئاً فشيئاً، أفقد الرغبة في النضال، وأعود إلى سريري، الوطن الوحيد الذي لن أفاوض على انتمائي إليه.

أتذكر كلاماً قرأته اليوم وأنا أبحث عن طريقة أخفف بها هول العار والعجز في الوقت الذي أشاهد فيه الأطفال في فلسطين يأكلون الرمل.

يقول الرجل الخمسيني: ليس من المفترض على الإنسان أن يعرف أخبار العالم، لم يولد ليعرف كل ما يجري، عقله لن يستطيع التحمل. خُلق البشر للعيش في مجتمعات صغيرة. إذاً، يجب ألا نعرف شيئاً عن المأساة التي تحدث. هذه المعرفة تجعلنا نشعر بالمسؤولية، بالبؤس، بالحزن، وبالعجز. “لتخفيف القلق عليك أن تجعل عالمك أصغر”. تبّاً! هل هناك عالم أصغر من السرير؟ من أين يأتي كل هذا القلق؟ أغفو وأنا أحاول تذكّر “طعم الكرز”.

“أريد أن أبكي معها”

ذات مرة اقترحت عليَّ صديقة أن ننشئ مجموعة في فايسبوك لنساء سوريا، لتحكي كل منهن قصتها مع الحرب. قالت لي: “علينا أن نسامح، فقدتُ أخي في دوما، كان صغيراً، ولم تكن لديه القدرة على الفرار. شهر واحد، وعاد لنا جثة. لم تجف دموع أمي بعد، لكنها البارحة شاهدت أمّاً من إدلب تروي القصة نفسها. مسحَت دموعها، وسألتني: كيف أقدر أن أصل إليها؟ أريد أن أبكي معها”.

أنشأنا المجموعة، وسمعنا بعض بعضاً لأيام. كان سماع القصص يشبه السقوط في بحر من البؤس. لكننا في لحظة اشتداد الألم، لذنا بالفرار، بقيت حكاياتنا معلقة من دون نهايات، داستها حكايات أخرى غريبة، حكايات تريد أن تلغينا وتستفرد بالوطن، بدأت بمَن يحرر يقرر، ورجع ماهر… ولم تنتهِ بعد.

هذه بلاد الأمهات الثكالى بلا شك، أيقنتُ ذلك وأنا أسمع صوتها الخافت، وأراقب عينيها المفجوعتين، وجسدها الضئيل المتكور خلف القاتل مباشرة. يقول المذيع إن الرجلين المسلحين يخرجانها من السويداء لحمايتها، وتقول الحكاية إن الرجلين المسلحين أخرجاها بعدما ذبَحا ولديها أمام عينيها.

الأمهات لا يفهمن السياسة، ولا الحروب، ولا الانتصارات، ولا حتى الهزائم. يردن فقط أبناء لا يدخنون، ينظفون أسنانهم، ويبقون أحياء. لماذا لا ندع الأمهات يحكُمن العالم؟

أبطال خارقون مكتئبون

يعرف أبناء جيلي أن صناعة الوهم كانت مهمة وطنية، وأن مناهجنا كانت تعج بالشعارات “الثورية”. هؤلاء شوّهوا معنى الإنجاز باكراً، وجعلوا رغبتي في أن أصير بطلة، تفوق رغبتي في أن أكون إنسانة، فصرت في النهاية فقاعة “صُنعت بأيادٍ سوريّة”. فقاعة، ما إن انفجرَت حتى عرَفَت حدود صوتها، فكل شيء مُعدٌّ ومدبّر مسبقاً، ونضال الشعوب للتغيير مهما كان جادّاً لن يحدث فرقاً، فنحن على أرض الواقع مُستثنون من الاتفاقيات، وهكذا يصير الأمل مجرد كلمة رومانسية غير صالحة للاستخدام في هذه البلاد المدهشة بعدم قابليتها للفهم.

أتذكر كيف كنت آخذ مكبر الصوت في المسيرات الداعمة لفلسطين، وكيف كنت وقتها نموذجاً مثالياً للجيل الذي صنعه الأسد الأب. وفي إحدى المرات، قررتُ مع رفاقي تعديل مسار الغضب الذي رسمَته لنا الأجهزة الأمنية، فصرنا هدفاً لها، وكانت المرة الأولى التي أعرف فيها أن الخروج عن النص ليس بهذه البساطة. ربما يكون المعنى الوحيد لهذه الحياة أن تكون قادراً على الشعور فقط وليس على البطولة.

“أني رايح جيب خبز” يقولها في السويداء، ثمّ يُقتل مع قهقهة وتكبير. وكم كان مهماً أن يكون الخبز، لا شيء آخر، ليصبح المشهد تكثيفاً واختصاراً لمعنى العجز الذي أحاول شرحه منذ البداية.

أعتقد أن الإحساس الكبير باليأس، ليس أكثر من البديل الطبيعي لعدم فهم كل هذا الموت الذي شكّل حياتنا. فكل شيء يحيط بك ويُكوّن عالمك الصغير، هش وضعيف وقابل للانهيار في لحظة. حتّى أنت نفسك، هش وضعيف وقابل للانهيار في لحظة، فالعالم يحكمه المجانين في حين تعيش الأمهات في المطابخ.

المدن

————————–

فراس كيلاني في السويداء…مغامرات صحافي صار هو الخبر/ رين قزي

السبت 2025/07/26

في قصتين منفصلتين نُشرتا بفارق شهرين، بات مراسل “بي بي سي” في المنطقة العربية، فراس كيلاني، هو الخبر. في المرة الأولى، اعتقله الجيش الاسرائيلي وفريقه في القنيطرة السورية، اثناء إعداد تقرير عن المنطقة التي توغلت فيها قوات اسرائيلية، ما حال دون انتشار القوات الحكومية السورية فيها.. وفي المرة الثانية، بات هو الخبر في قصة كان يعدها على أطراف مدينة السويداء السورية،  إذ وجد نفسه بين مقاتلين متشددين ينتمون الى تنظيم “داعش”.

تختفي القصة الأساسية من السطور التي كتبها كيلاني، لحظة يبدأ السرد. في القصتين، يصبح هو نفسه الخبر، وتدور القصة حوله. اين اقترب؟ وماذا واجه؟ وكيف تم اعتقاله في المرة الأولى، مع سرد مسهب لتفاصيل دقيقة مرتبطة باحتجازه على يد الجيش الاسرائيلي.

أما في السويداء، فتختفي دوافع زيارة المدينة التي قال إنها لتغطية آثار الاشتباكات في المدينة والأوضاع داخلها. هناك، باتت تجربته مع الفصائل العشائرية، والمجموعة المتشددة، لجهة التهديدات بقتل الفريق، هي مركز القصة.

انقسام إعلامي

ومع أن كيلاني يخط تجربة جديدة في التقارير الصحافية، إلا أن هناك انقساماً حول معاييرها المهنية في أوساط الصحافيين. إذ يستسيغ بعض الصحافيين هذا النمط من الكتابة، كونه يستند الى مشاهدات شخصية، ورصيد كبير للصحافي من الموثوقية، ويعتبر هؤلاء أن الصحافي عاد من الميدان بكشف وبمعلومات جديدة، بمعزل عن المخاطر التي أحاطت به، وأنه قدمها من دون مواربة أو تلطيف.

وفي الجهة المقابلة، ثمة ملاحظات على هذا النوع من الكتابة، باعتبارها تسلك مساراً شخصياً، بما يتخطى القصة نفسها. إذ ينافس الصحافي هنا، قصته، بما يرتقي الى مستوى “المغامرات”، خصوصاً أنها تعالج ملفات دقيقة وخطرة، سواء مع الجانب الاسرائيلي، مما أدى الى احتجازه وفريقه، أو مع تنظيم “داعش” الذي يمتلك سجلاً حافلاً بانتهاك حرية الصحافيين وإخفائهم وقتلهم، وهو ما يجعل مهمته أكثر من خطرة، وتفتقر إلى إثباتات ودلالات صلبة، في ما خلا عين المراسل ذاته.

ويتوجس هؤلاء من أن تنزلق التقارير التي تخلو من تعدد المصادر، الى انحيازات المراسل تحت ضغط الخوف والخطر، مما يضطره لعدم تسمية الأشياء والشخصيات بأسمائها، لتجنّب تعريض الصحافيين والفريق الى انتهاكات.

مشاهدات شخصية

وكيلاني، الذي خاض “مغامرات” مشابهة في العراق وسوريا وفلسطين، على مدى سنوات، تستند تقاريره الى مشاهدات شخصية، بما يتخطى الالتزام بتعدد المصادر. يستند إلى رصيده الشخصي من الموثوقية، لتخطي بعض موجبات التغطية، مثل تعدد المصادر للوصول الى النتيجة. ففي النص الأخير عن السويداء قدم استنتاجات شخصية، ولم يقاطع المعلومات مع مصادر حكومية بحيث تؤكد أن المجموعة المزعومة، هم مجموعة تابعة لتنظيم “داعش” تسللت الى السويداء وانخرطت في القتال الى جانب العشائر ضد دروز السويداء، الأمر الذي، إن لم يكن دقيقاً، سيحمل تبعات سياسية وميدانية وقانونية كبيرة، إذ يمكن إلصاق كل المجازر الممنهجة والمنظمة في “داعش”، وهو ما يعفي أطرافاً اخرى حكومية وغير حكومية من المسؤولية.

ووفق اخلاقيات المهنة، يمكن للمراسل أن يسرد المعلومات والمشاهدات انطلاقاً من مشاهداته المباشرة، ويتعين عليه الإفادة بدقة، والتحقق من مصادر متعددة كي لا تكون المعلومات قابلة للتأويل، أو خادمة لطرف دون آخر خلافاً للحقيقة، أو عبر ليّ عنق الحقيقة إن صح التعبير. كما يتعين عليه الالتزام بالموضوعية والحياد، وتحقيق التوازن، وضمانة عدم الحاق الضرر بفريقه. وفي تقرير كيلاني الأخير لم يُنمح المتلقي إمكانية “سماع معلومات” من مصادر مختلفة ليبني تصوّره بنفسه بشأن ما يحدث على الأرض، وبالتالي موقفه منه.

وكيلاني، هو صحافي فلسطيني-سوري يحمل الجنسية البريطانية، يغطي الملفات في الشرق الأوسط، وخصوصاً في سوريا والعراق وليبيا، ويقول إنه زار فلسطين 10 مرات، وكتب قصصاً من الضفة الغربية، وتخصص خلال الفترة الأخيرة في التنظيمات الجهادية، وغطى المعارك ضد “داعش” في الموصل والرقة وغيرها.

المدن

—————–

 سوريا- إسرائيل: مفاوضات على خلفية الخطر الإيراني/ بسام مقداد

السبت 2025/07/26

التطورات الجذرية المتسارعة في الشرق الأوسط، إثر حرب الإثني عشر يوماً الإسرائيلية الأميركية على إيران، والتي توجت عمليات شل الأذرع الإيرانية في المنطقة، تكاد تجعل أنباء الشرق الأوسط في هذه الأيام عسيرة على التصديق. وعلى خلفية ما كان عليه الشرق الأوسط وأنباؤه قبل خربف العام 2023، امتصت الأحداث التي تلت ذلك الخريف كل الدهشة التي كانت تثيرها التطورات التي أعقبت ذلك الحدث المفصلي في المنطقة.

فقد مر بالأمس نبأ اجتماع وزير الخارجية السوري مع وزير التخطيط الإستراتيجي الإسرئيلي في باريس كأي واحد من الأنباء الأخرى، التي كانت لتجعل الشخص قبل ذلك االخريف يرفض أن يصدق ما يسمعه. فالفترة التي انقضت بعد 7 اوكتوبر، وعلى الرغم من قصرها، تمكنت من أن تمحو كل أثر للخطاب الذي كان سائداً قبلها، وتجعل كل حدث يقع يبدو عادياً، وفي سياق الأحداث “العادية” الأخرى التي غيرت وجه المنطقة.

فعلى الرغم مما ترتكبه إسرائيل بحق سوريا من توسيع احتلال أراضيها وقصف عاصمتها والتدخل في علاقات حكومتها مع مكونات الشعب السوري، تجد سوريا نقاطاً مشتركة مع إسرائيل، تخوض منذ أشهر مفاوضات غير مباشرة معها للتوصل إلى توافقات بشأنها. ويرى مراقبون أن في طليعة النقاط المشتركة هذه يأتي الخوف من الخطر الإيراني غير البعيد عن كل ما حدث ويحدث في سوريا الجديدة، بما فيها أحداث السويداء الأخيرة، التي وقفت وراء خروج المفاوضات السورية الإسرائيلية إلى العلن في باريس.

بالنسبة إلى إسرائيل، وعلى الرغم من إعلان انتصارها في حرب الإثني عشر يوماً، لا تزال تصر على اعتبار إيران، بمشروعها النووي الذي أًلحقت به أضرار جسيمة، خطراً وجودياً عليها. وسوريا التي اقتلعت الاحتلال الإيراني مع الأسد، لا تزال تخشى دسائس إيران ومحاولاتها المتواصلة لزعزعة الاستقرار الهش للسلطة الجديدة. وكثيرون، بمن فيهم إسرائيل وإيران، ينكرون على السلطة الجديدة ابتعادها عن ماضيها الإرهابي. وإذا كانت إسرائيل تستخدم إنكارها هذا لتبرير عملياتها العسكرية ضد سلطة دمشق، تستغل طهران هذا الإنكار من أجل تأجيج المشاعر الطائفية وبث الشائعات حول النوايا العدوانية لهذه السلطة تجاه البلدان المجاورة، وخصوصاً لبنان، حيث ينشر التابعون لإيران في الأيام الأخيرة شائعات تافهة عن حشود سورية داعشية على حدود لبنان، وعزم السلطة السورية على اقتطاع أجزاء منه.

إسرائيل تاتي إلى المفاوضات مع سوريا متسلحة بفائض قوة كانت تعمل له منذ تأسست وبرز واضحاً بعد ذلك الخريف، وترى أنه سمح لها بتغيير الشرق الأوسط جذرياً خلال هذه المدة القصيرة، وتستطيع الآن أن تفرض ما تريده على أي طرف في المنطقة. أما سوريا فقد أتت إلى التفاوض مع إسرائيل متسلحة برفع العقوبات الأميركية الجزئي عنها، والذي اعتبرته الاعتراف الأهم بشرعيتها، في حين اعتبره ترامب تشجيعا لدمشق للانضمام إلى اتفاقيات إبراهيم. وعلى الرغم من أن الاعتراف الأميركي بالسلطة السورية لم يبدل في ميزان القوى على الأرض، ولن يمنع إسرائيل من التفاوض مع سوريا تحت النار، إلا أنه فتح الباب واسعاً أمام تدفق الاستثمارات الخليجية على سوريا، كما شهدنا في اليومين الأخيرين. والتفاوض تحت النار مع إسرائيل يطرح  السؤال عن حجم التنازلات التي ستضطر سوريا لتقديمها، وهل ستستطيع، من دون دعم خارجي، جعل السوريين يتقبلونها.

في مطلع الشهر الجاري ناقشت مسألة التنازلات السورية لإسرائيل صحيفة الإزفستيا الروسية المخضرمة، وكذلك مسألة قدرة السلطة السورية على “إقناع” الشعب السوري بها.

استهلت الصحيفة نصها بالقول أن الخبراء الذين استطلعت آراءهم بالمفاوضات السورية الإسرائيلية يعتبرون أن رفع العقوبات الأميركية عن سوريا يخلق الظروف لعقد اتفاقية سلام بين سوريا وإسرائيل. ويتوقعون أن يتم التوقيع على اتفاقية تطبيع العلاقات حتى آخر السنة الحالية. وبموجب الاتفاقية المقبلة سيحتفظ الجيش الإسرائيلي بمرتفعات الجولان وينسحب من الأراضي السورية التي احتلها في جنوب البلاد.

تجدر الإشارة إلى أن الإعلام الروسي الموالي للكرملين يتحاشى أي نقد مباشر في نصوصه عن المسائل المتعلقة بالنظام السوري الجديد. لكنه لا ينسى في الوقت عينه الدوس على القدم العليلة للنظام، خصوصاً بعد “احتضان” الولايات المتحدة له. وتشبه إلى حد بعيد مقاربته هذه للشأن السوري تعامله مع الشأن الإسرائيلي، حيث كان ولا يزال يبتعد عن كل ما تعتبره إسرائيل تطاولاً على مصالحها. ويقال إنه بعد كل لقاء تعقده المخابرات الروسية مع الأجهزة الإيرانية، تسارع إلى عقد لقاء موازٍ مع المخابرات الإسرائيلية.

نقلت الصحيفة عن Times of Israel قولها بأن الأعداء القدامى على وشك التوصل إلى اتفاق تاريخي يمكن أن ينهي عقودًا من العداء. ويقول مصدر الصحيفة الإسرائيلية بأن تطبيع العلاقات بين البلدين أصبح في مرحلة متقدمة. كما نقلت عن قناة التلفزة الإسرائيلية i24 بأن التوقيع على الاتفاقية قد يتم قبل نهاية العام الجاري. والبند الأهم في الإتفاقية سيكون اعتراف سوريا بسيادة إسرائيل على الجولان وانسحاب تدريجي للجيش الإسرائيلي من الأراضي السورية التي احتلها بعد 8 كانون الآول/ديسمبر 2024.

نقلت الإزفستيا عن الخبير في شؤون الشرق المعاصر فلاديمير أحمدوف تعليقه على خطوة رفع العقوبات عن سوريا بالقول إن إسرائيل تبقى الحليف الرئيسي للولايات المتحدة في المنطقة، ولذلك قد تصبح خطوة رفع العقوبات جزءاً من صفقة أوسع تشتمل على تطبيع العلاقات بين سوريا وإسرائيل. كما نقلت عن موقع Walla الإسرائيلي قوله إن الولايات المتحدة تواصل لعب دور الوسيط من وراء الكواليس، إذ يجري الدبلوماسيون الأميركيون استشارت متوازية مع الطرفين الإسرائيلي والسوري لتنسيق المؤشرات الرئيسية للإتفاقية المحتملة.

الباحث في مركز دراسات الشرق الأوسط  نيكولاي سوخوف قال للصحيفة الروسية أن الأحاديث عن عقد الاتفاقية قبل نهاية العام لا تزال على مستوى المناقشات الحذرة في الأوسط الدبلوماسية، لكن لهجتها تبدو واثقة بشكل غير اعتيادي. ويرى أن دعم الولايات المتحدة للسلطة السورية الجديدة ورفع العقوبات الجزئي والاستعادة المتدرجة لشرعية سوريا الدولية، تخلق فرصاً فريدة لا تصدق بعد الحرب الأهلية الطويلة. ونقلت الإزفستيا عن صحيفة إسرائيل هيوم إشارتها إلى أن مستشار نتنياهو للأمن القومي تساحي هانيغبي أكد في 24 الشهر المنصرم أن السلطات الإسرائيلية على تواصل يومي مباشر مع السوريين. وقال “أنا شخصياً أُجري حواراً مع ممثلي دمشق السياسيين”.

لقد أنهى اجتماع باريس المطول أمس كل هذه التخمينات والأحجيات و”السرية” التي كانت تلف المفاوضات السورية الإسرائيلية، لكنه لم ينه ما سيدور لاحقاً من تكهنات وتوقعات حول مصير المفاوضات وإلى أين ستصل. ولم يفرض التأزم الشديد في السويداء  إنتهاء مرحلة “سرية” المفاوضات فقط، بل فرض أيضاً جدول أعمال الاجتماع الذي تمحور حول ضرورة خفض مستوى هذا التأزم، والإجراءات الأمنية الضورية لذلك. ويؤكد تصريح المبعوث الأميركي إلى سوريا الذي رعى المفاوضات بأنها ستخرج قريباً من دائرة تأزم السويداء لتأخذ المسار الذي وضعه ترامب ويصبح التفاوض على العودة إلى اتفاقيات العام 1974، أو يتواصل لمناقشة انضمام سوريا إلى تفاقيات إبراهيم.

المدن

————————-

أيش يعني سوري؟/ زينة ارحيم

يوليو 24, 2025

قنفذ مسموم يتراقص في رأس معدتي منذ أسبوع وبضعة أيام، أعجز عن تهدئته بكل الطرق التي تعلّمتها منذ 15 عاماً: من تجاهل ومواجهة ورفع الأثقال والركض والرقص والغرق في العمل و … لكنه عنيد ومُثابر كحقد يتدحرج من جيل لآخر..

أجبر نفسي على ابتلاع الطعام لأخفف من لسعاته، ويجرّني الأصدقاء للخروج، لكنّا جميعاً عالقون هناك كفأر في جحر أسد، ينفر الدم من شاشة الهاتف ومن عيوننا ونحن نتابع غرق البلد في مستنقع حرب طائفية لن ينجو منها أحد..

تتساقط أسماء شركاء الحلم الأول بالحرية على رأسي كصواعق، ماذا نقول لمن رحلوا على الطريق؟ في المظاهرات والسجون والاغتيالات والقصف العشوائي، والقتال ضد الجيش العربي السوري الذي كان يهاجمنا…حمودي، معن، باسل، عبودي، رائد، حمود، خالد، أحمد، رامي، فاتن..

في بيت فاتن في دوما، التقيت زينة بعد أول مظاهرة أشارك بها في ريف دمشق صيف 2011، في المنزل المُرتّب وعلى ضوء الشمعة، أخبرتني زينة أنها تريد أن تصبح صحفية بينما كنا نلتقط أنفاسنا إثر الركض هرباً من رصاص الأمن الذي هاجم المظاهرة. صمدت زينة في دمشق دافعة هوامش الحريّة بجسدها النحيل، لتجد أثرها في التراث والفنون السورية الآخذة في الانقراض. زينة تتلقى صفعة من شبيّح بنسخة جديدة لا يعرف عمّا يدافع ولا من..يريد الشبيح عصا لئلا يلمسها، من حقّه أن يخاف من عدوى جمال روحها وإخلاصها لبلاد تبرع في فنون القهر..

القطيعة..

بعد رحيلي عن سوريا جسدياً ومعنوياً عام 2016، اعتقدت أنني سحبت منها أخيراً حبالها الملفوفة حول معدتي ورقبتي، في ذلك العام عصف بي “حقد المهزومين” إذ حوّلت الهزائم والخذلان طاقة الرفاق والرفيقات، من إسقاط النظام وانتهاكاته لإسقاط بعضهم/ن البعض.

في ذلك العام اعتقدت أنني وصلت لذروة الخذلان من الرفاق، فكيف يمكن أن يكون الخذلان أكبر من حملة تشويه سمعة واغتيال معنوي تقودها رفيقة بكيت في حضنها خوفاً من تنكسية طائرات حربية لازمت حيّنا لأيام، ونمنا جنباً إلى جنب في ممر قبو تمشّطه رشاشات الـ23، ونحن بانتظار شريكَينا على الجبهة، لا نعرف إن كانا سيعودان مُحمّلان بالقصص والغبار أم على حمّالة، وربما لن يعود منهما شيئاً أبداً..

اعتقدت ألا خذلان أكبر من شركاء الموت ينهشون لحمّك علناً، لكني الآن شهدت خذلاناً أكبر، مع مُتابعة شركاء الحلم يتحوّلون لأدوات إبادة لمن هتفوا لهم بالحرية..

قبل تسع سنوات، هربت، و مارست ما أبرع به: القطيعة..

رفضت عقود عمل مُتعلقة بسوريا، قطعت التواصل مع القلّة الباقية لي فيها، ولم تعد حاضرة إلا في كوابيسي.. فأنا لا أعرف إلا الهرب كطريقة للنجاة.

نزحت إلى مآس مُتقاربة وضحايا يشبهوننا، فتعلّقت في حب العراق وليبيا واليمن والسودان، وأعاد لي العمل مع المناضلات في سبيل الحياة توازني، لأبداً أخيراً بالمضي قدماً نحو شيء ما..لا يُفضي إلى البلد..

طوال تلك السنوات، لم أكتب عن سوريا او لها، ولم أشارك بأية فعالية تخصّها إلا نادراً أو إحراجاً، أما آخر ما كتبته بالإنكليزية فكان عن “ولاد البلد” وهم ثروتي الوحيدة التي ظفرت بها من إدلب، مدينتي التي أصبحت تريند لكل الأسباب الخاطئة من مقتل قائدين لداعش فيها، لتحوّلها لمقرّ للمهاجرين، وساحة لمجازر الأسد.

خلف التريند، صينية فطور أعدّتها خالة أم معن في شقّة البريّة التي نزحت إليها بعد أن انضّم بكرها معن للجيش الحر عام 2011، قبل أن يقُتل، وهاشم هتّيف ادلب خريّج اللغة الإنكليزية ذو الوجه الطفولي الذي قُتل مع “أحرار الشام” وكان يسخر مني بأنني ابنة “خالة أم الكاتو” لأن أمي وزّعت قوالب كاتو كانت تُجمّدها على الحارة والثوار أثناء حصار الجيش لإدلب قبل دخولها، أمي نسخة ثورية من ماري أنطوانيت!

على صينية خالة أم معن النحاسية المتربعّة على شرشف ملوّن وحوله فرشات رقيقة: سلطة السوركي والزيتون المُجرّح وآخر مُكلّس، البيض البلدي المقلي بالسمن، خبز التنوّر و سلطة الزعتر الأخضر مع الجبن البلدي.

وقربها مطربان زيتون أخضر ناصع مع شرائح الليمون مغمور بزيت غامق طازج جهّزته أختها، خالة أم حسّان لآخذه معي. خالة أم حسّان لديها أيضاً شهيد مقاتل، وقد نزحت هي الأخرى.

دفنت كل هذه الذكريات بمرارتها وطيبها بملّف فوضوي رميته على قرص تخزين خارجي، حفظ السرديّات المقموعة كان آخر معاركي في هذا البلد.

بدأت تشنجّات معدتي تتباعد، والسكينة غير المسنونة التي شعرت بها مغروزة بقلبي بدأت تصبح جزءاً من جسدي، ذاكرة لحياة لا تُصدّق.

ضربتني معدتي بموجة قصف مرّة واحدة خلال تلك السنوات من أجل شخص لا يستحق أن يكون غبارا في الذاكرة، ماذا نفعل مع الحب وعمايله؟ ورغم الأسى والغضب، كنت سعيدة بأنني أخيراً سحبت رخصّة التحّكم بمسارات أحاسيسي وأوجاعي من بلادنا الرهيبة.

السقوط في الحُب، والمجازر مُجدداً

أحيت مجازر الساحل في آذار الماضي تروما توثيقنا لمجازر بانياس والبيضا بأوجاعها، وأعاد الهجوم على السويداء هذا الشهر تفاصيل حصار درعا واقتحامها من قبل الجيش قبل 14 عاماً، مع فرق، أنني عشت تلك الأحداث مع رزان زيتونة وحسن أزهري والرفاق والرفيقات في لجان التنسيق المحلية.

الآن أتابعها وحدي مع فاجعة انقلاب رفاق كانوا “ناشطين في سبيل حقوق الإنسان” لمُحرضّين لقتل سوريين آخرين، تحت غطاء أسباب ساقها النظام الذي ناضلوا ضدّة، بحذافيرها: “خارجين عن سلطة الدولة”، “النيل من هيبة الدولة”، “عملاء”، “مأجورين”، “عصابات مُسلحّة”..

أفتح الماسنجر وأكتب لرائد الفارس، أعاتبه على من خرّج من الإعلاميين الذين أصبحوا أبواقاً للإبادة وقوى فاعلة تدفعنا نحو الحربنا الأهلية.. أغضب لأنه لا يجيب..

يراسلني أخو حسن الذي قُتل تحت التعذيب في سجون الأسد وابن قائد “لواء شهداء إدلب” باسل عيسى الذي قُصف مع عناصره على الجبهة، هما أيضاً غاضبان ومخذولان، ماذا نفعل بحمم التحريض التي تقطّع أوصالنا وتحرق آمال عودة بلدنا لنا بعد أن أصبحت أخيراً سوريا حاف دون أسد؟.

تكتب أخت شهيد الحراك السلمي حازم مطر “ليتني متّ قبل هذا وكنت منسياً منسياً” ومن كل قلبي أتمنى ما تتمناه..

لا أستطيع عدّ المرّات التي أخطأني فيها الموت، لولا محمود لمتّ خمس مرات على الأقل: قصفاً تحت جسر الحاج عندما تمسّك بمقود السيارة رغم نبذها من الأرض لتفقز نحو سيارات أخرى فقدت تحكّمها، أو بالبرميل الذي قتل طُلّاب المدرسة المجاورة. اغتيالاً بعبوة ناسفة زُرعت بسيارته وتسببت بقطع رجلي صديق له كان يقودها.

تفجيراً بالقنابل اليدوية محليّة الصنع التي كانت تحيط بي كالأزهار الاصطناعية الرخيصة التي تزّين البيوت الفقيرة في حلب الشرقية.

بتوّقف القلب يوم استفتاء الأسد عندما حلّق الحربي فوق رأسي تماما، قبل أن يركض عائداً للمنزل ليجدني كفأرة في مصيدة الممر.

والموت السادس بقذائف وادي الضيف التي ضربت مظاهرة كفرنبل، عندما سحبني رائد بوجهه الشاحب بعد أن تأكد ألا ضحايا في الضربة، وضحك بهستيريا قائلاً “كيف بدي قله للعرصا اللي عم يقصف يموّتني أول، لأنو اذا بعيش أنا وحدا تاني بموت أهل الضيعة حتقتلني لأني السبب!”

وسابع تحت التعذيب لو لم ينقذني مُسلّح شيعي من الفوعة لأنني “بنت بلد” مُخاطراً بحياته وحياة عائلته، “تقطعين الحاجز مع زوجتي وابنتي واللي بصير عليكي بصير عليهم” قال لي في تلك الليلة المُفزعة.

أنا هربت، وهو خسر ابنه بتفجير قافلة تهجير أهل الفوعة في اتفاق المُدن الأربعة، كما قُطعت رجل ابنته طالبة الصيدلية..وانا هربت..هربت بعيداً عن كل هذا وعنّي..كيف تتسّع حياة واحدة لنستوعب كل هذا؟

دورة القهر

كنت أعتقد أن النجاة هو فعل مقاومة ضد الظلم، لكنني أدركت الآن أن الأصعب هو أن نبقى على قيد الضمير.

كيف لمن عاش الحصار والقهر والظلم والقصف والخوف والوصم والتنكيل والاعتقال على الهوية أن يتحوّل في يوم وليلة لنسخة عن جلاّده؟

كيف أصبحنا فجأة “نحن” و “هم”؟

في عام 2011 كتبت في القدس العربي عن الـ”نحن” والـ”هم” في مظاهرة مسائية في إدلب وقلت فيها:

إدلبتي دائماً تعطيني مكاناً مميزاً ولم تغير عادتها، فبالرغم من بحّة صوتي الذي تركته في دوما وجدت نفسي أقود هتافات المظاهرة النسائية، هتافٌ يحرق جوفي منذ بدء المظاهرات وهاهي فرصتي لأطلقه بسماء مدينتي، خرج ما تبقّى من صوتي بعد أن رعشت أصغر عضلات جهازي التنفسي ”سلمية سلمية، إسلام ومسيحية”، توقفت قليلاً وترددت قبل أن أكمل الهتاف، تلك النماذج الجاهزة عن تعصّبنا وعن مواقفنا المسبقة من الطوائف اعتقدت أنهن سيغضبن ولن يكملن الهتاف بعدي، لكنني وفي اللحظة ذاتها سمعته يخرج من الأحرار نغماً عالياً وبديعاً “ودروز وسنة وعلوية”..فأكملت بعدههم “إي كلنا بدنا الحرية”، ابتسمت وقد راودتني رغبةٌ بركل نفسي لسوء ظني بأهلي، تباً لكل من تسوّل له نفسه أن يظن بكم السوء!.

وبدلاً من تعكير تفكيري باحتمال هجوم الشبيحة والأمن علينا كنت بتلك اللحظات أفكر بالشهيد الحمصي الجميل، هادي الجندي، كان هذا هتافه المفضّل وبحَّ صوته وهو يصرخ به في شوارع الدبلان!

شابٌ لم أسمع به قبلاً في حياتي، بكيتُه حتى التهبت جفوني، وهاهو يخطف تفكيري من المظاهرة التي حلمت لشهور بأن أشارك فيها، عدت إلى الهتاف من جديد “يا سجين لا تهتم، نحنا إلك أخت وأم، ومابصير مي الدم”.

ما الذي يجري؟ كيف وصلنا لهنا؟

حصار وإعدامات وانتهاكات وتهجير قسري وتحريض وكذب وتدليس وتضليل ومعارك، هل حقاً سقط النظام؟

أصارع لسحب أنفاس عميقة وأنا أمارس رقابة ذاتية لئلا أحرق مراكب عودتي للبلد هذه المرة، لكني أختنق.. تلتّف رائحة البارود والكراهية على رقبتي كأفعى ثخينة..

مضى أسبوع وأربعة أيام على المجزرة الأخيرة و أربعة أشهر على مجزرة أخرى..يُقتل الفقراء وتُخطف السوريات ويحاصرنا الخوف، بينما ينعم المجرمين بالحريّة..

قلبي مُعلّق بوريد مُتعب، أنظر للجرف الذي أقف على حافتّه، أنتظر دفعة يأس ترميني أو أمر مُجرم “باسل” يطلب مني أن “اطلع وزت حالي” لكنه لا يأتي..

“أيش يعني سوري”..

يعني أن يتناسب الألم طرداً مع مقدار الحب في قلبك، وكلما قشّرت طبقة من القهر تكّشفت أخرى، وكلما أزحت سطحاً من العفن هاجمك آخر. يعني أن تنام وتستقيظ على نعوات، يعني أن تعيش وتشهد كل هذا ليُقال عنك “كيوت”.

يعني أن تعيش حياة خلف أخرى وفي دمّك تسبح خنافس مُستفّزة تنغرز أشواكها في أوردتك كلما نبض القلب، والقلب اليوم في السويداء.

يُلّقبني الأصدقاء المُقرّبون بـ”البلدوزر” لأنني لا أعرف كيف استسلم، وهذا ليس مجازاً للأسف، أتمّنى أن أحظى بنعمة الإنهيار، لكنني لا أعرف كيف! كلعبة بلاستيكية، يُحرّك الواجب المفتاح في ظهري فأستمر وأستمر… فكونك سورياً يعني أن تتمنى الاستسلام..فيهجرك هو الآخر..

———————

في أحداث السويداء ربحت إسرائيل وخسر السوريون/ ماجد كيالي

استسهال الحل الأمني

آخر تحديث 25 يوليو 2025

تهيأ للرئيس السوري أحمد الشرع نوع من القبول والإجماع والشرعية، ربما لم تتهيأ لأي رئيس قبله، باعتباره المخلّص من نظام الاستبداد والفساد الذي هيمن على البلد والشعب لأكثر من نصف قرن (الأسد الأب والابن)، ضمنها 14 عاما نجم عنها قتل مئات ألوف السوريين وتخريب عمرانهم وتشريد حوالي نصفهم.

يمكن إضافة عاملين آخرين أسهما في ذلك، إذ لم يشهد البلد- لحظة انهيار نظام الأسد- أي نزوع نحو الاقتتال، أو العنف، والحؤول دون انفجار صراعات الهوية، وهما أمران كانا في الحسبان، بالنظر للمظلوميات والمآسي التي اختبرها السوريون، وأججت مشاعر الخوف والكراهية والتعصب بينهم.

وقد شجّعت الأشهر الثلاثة الأولى، وما صاحبها من استقرار، ومن روح تسامح، على تكريس مكانة القيادة الانتقالية، التي وجدت نفسها إزاء تحديات داخلية وخارجية ثقيلة وهائلة، في بلد يفتقد الموارد، مع بنية تحتية متهالكة، واقتصاد منهار، ومستوى معيشة متدن جدا، كما وجدت نفسها إزاء قوى داخلية متربصة، من بقايا النظام السابق، أو من المستفيدين منه.

أيضا، وجدت القيادة السورية الجديدة نفسها إزاء تحديات خارجية عديدة، من قوتين إقليميتين: إيران، التي خرجت خائبة وذليلة من سوريا، كما من لبنان، وقد انحسر نفوذها إلى خلف حدودها، وإسرائيل التي رأت أن ثمة فرصة للاستثمار في ضعف سوريا، كدولة وكمجتمع، في المرحلة الانتقالية، لفرض أجندتها عليها، في حين وجدت تركيا في التغيير السوري فرصة للاستثمار في الوضع الجديد، وتاليا تعزيز مكانتها على الصعيدين العربي والإقليمي.

وكانت القيادة السورية الجديدة قد أبدت، منذ البداية، حذرا زائدا في التعامل مع أجندات إسرائيل، وأكدت مرارا أنها لن تسمح لأي طرف باستخدام سوريا كمنصة لتوجيه ضربات ضدها، وأنها تنتهج سياسة صفر مشاكل مع الدول المجاورة، وأن كل ما تريده من إسرائيل هو وقف اعتداءاتها، والالتزام بخطوط وقف إطلاق النار وفق اتفاقية 1974، وأنها في الشأن الفلسطيني تقبل ما يقبل به الفلسطينيون، كما تقبل ما يوافق عليه النظام العربي بما يخص العلاقة مع إسرائيل، مع إبقاء ملف الجولان السورية مفتوحا للتفاوض، وفقا للقرارات الدولية.

بيد أن إسرائيل، التي قامت منذ انهيار نظام الأسد بشن اعتداءات متواصلة استهدفت فيها تدمير كل البني التحتية للجيش السوري، مع مستودعاته ومنشآته، لم تبال بكل ذلك، حينا بحجة حماية حدودها من أي وجود عسكري، تحسبا من “طوفان أقصى” آخر، عبر فرض منطقة منزوعة السلاح في الجنوب، في محافظات القنيطرة ودرعا والسويداء، أي إلى حدود محافظة دمشق. وحينا آخر بدعوى الدفاع عن الأقليات في سوريا، في حين أنها تنكل بمن تعتبرهم أقليات، من الفلسطينيين، وضمنهم المسيحيون والدروز والبدو والشركس، بخاصة أنها تعرّف نفسها كدولة قومية لليهود، أي إن كل مواطنيها من غير اليهود هم في درجة مواطنة أدنى، ولهذا باتت تعرف باعتبارها “دولة أبارتهايد”، علاوة على كونها دولة استعمارية واستيطانية، وأضيف لها وضعها الراهن كدولة تمارس إبادة جماعية ضد الفلسطينيين.

المغزى من هاتين الحجتين محاولة إسرائيل فرض ذاتها كدولة مهيمنة، مع ذراع طويلة، في المشرق العربي، وصولا إلى إيران، وأيضا، محاولتها تطبيع دول المشرق العربي معها، وليس العكس، كما يعتقد البعض، أي تعميم خاصيتها هي كدولة طائفية عنصرية، على عموم دول المنطقة، كما حصل سابقا في العراق، بتحوله إلى دولة بتقسيمات طائفية وإثنية، وهو حاصل في لبنان، وبقي أن تكرس ذلك في سوريا كي تكتمل الدائرة.

في هذا السياق يمكن فهم أحداث السويداء، إذ استدرجت القيادة السورية إلى هذه الورطة أو الفخ، معتمدة الحل الأمني، دون التبصر بأبعاده وتعقيداته ومداخلاته وتداعياته، المحلية والإسرائيلية والدولية، في وقت كان الأجدر بها التبصر بعواقب ذلك، والتمسك بلغة الحوار، والحل السياسي، بخاصة في ظل ضعف الدولة والافتقاد لإجماعات وطنية، وبالنظر للفراغ السياسي في المجتمع السوري، ولتفويت الفرصة على التربّص الإسرائيلي.

عموما، فقد حصل ما حصل، والنقاش بشأن من فعل كذا أو كذا أولا، لم تعد له أهمية، بخاصة أن كل الأطراف ارتكبت انتهاكات، وفي حين أن ثمة طرفا استدعى الخارج، ولا سيما إسرائيل، فثمة طرف تسرع أو استسهل اللجوء للحل الأمني، مع ذلك فإن الدولة هي المسؤول الأول عما جرى، لأنها مسؤولة عن كل السوريين، ولأنها كانت تمتلك خيارات أخرى، سيما أنها استبعدت إيجاد آليات مشاركة، كان من شأنها تعضيد قوى المجتمع المدني في السويداء، على حساب القيادة الروحية، إذ كان من شأن ذلك تعزيز الثقة بينها وبين الجمهور “الدرزي”، وعزل الدعوات الانفصالية المستقوية بالتدخل الإسرائيلي المباشر وغير المباشر.

في المحصلة فقد تمكّنت إسرائيل، المتربصة بالوضع السوري، من استثمار أحداث السويداء في تحقيق عدة أغراض، أهمها، أولا، تصديع وحدة مجتمع السوريين في وضع هم أحوج فيه إلى الوحدة. ثانيا، شرعنة سعيها خلق مناطق آمنة في الداخل السوري (القنيطرة- درعا- السويداء). ثالثا، زعزعة سيادة الدولة السورية على أراضيها، إذ بات دخول قوى الأمن للسويداء يتطلب نوعا من الموافقة أو الرضا الإسرائيلي. رابعا، المس بهيبة القيادة الجديدة، باستهداف مناطق ومبانٍ سيادية في دمشق دون القدرة على أي رد. خامسا، إيجاد موطئ قدم لها وسط محافظة السويداء يوازي، إلى حد ما، ما يشكله الشيخ موفق طريف لدى الفلسطينيين “الدروز” في إسرائيل، في الاستقطاب المتمحور حول الشيخ حكمت الهجري، ضمنها “المجلس العسكري”، الذي يضم ضباطا كبارا من جيش الأسد سابقا. وهذا ما يمكن ملاحظته برفع أعلام إسرائيل، في بعض الأماكن، ودخول أفراد منهم مجندين في الجيش الإسرائيلي إلى السويداء. سادسا، هذا الوضع سينعكس سلبا على “دروز” فلسطين والجولان المحتل، الذين رفضت أغلبيتهم الهوية الإسرائيلية، وضم الجولان لإسرائيل، إذ إن ذلك سيعزز مسار “الأسرلة” لدى قطاعات منهم، في ظل ما يروج له كحرب وجودية ضد “دروز” المنطقة.

هنا، ربما يصح القول إن الفخ والورطة اللذين استدرجت إليهما القيادة السورية، يشبهان إلى حد ما عملية “طوفان الأقصى” (7/10/2023)، التي نجمت عنها تداعيات كبيرة وخطيرة في المنطقة، لم تنته بعد، ويخشى أن هذا ما تخبئه إسرائيل للمستقبل في سوريا، عدا عن أن ذلك يشبه استدراج صدام لغزو الكويت (1990)، وما تلاه من تداعيات.

لكل تلك الاعتبارات، يمكن القول إن إسرائيل ربحت في أحداث السويداء في حين خسرت سوريا، أي خسر السوريون جميعا، كقيادة وكشعب، ويبقى أن على القيادة الانتقالية إيجاد خيارات أنسب، بابتداع حلول سياسية، تشاركية، تمثيلية، تتأسس ليس على وحدة الأرض السورية فقط، وإنما على وحدة الشعب بكل مكوناته، كشعب يتألف من مواطنين أفراد وأحرار متساوين.

———————–

محنة طلاب وطالبات السويداء في الجامعات: اعتداءات واعتقالات وتحريض بلا روادع جدية/ دانة الكريدي

25-07-2025

        في زاوية الغرفة تحت الشباك تجلس مريم بجسدها الضئيل على فراش تم وضعه فيما تبقى من مساحة فارغة ضمن غرفة الفندق الضيقة، برفقة خمس فتيات أخريات هربنَ من خطرِ «المدينة الجامعية» في دمشق. لم تُتِمَ مريم التاسعة عشرة بعد، هي في سنتها الأولى في كلية الهندسة المعلوماتية. وبالتزامن مع هربها إلى مدينة جرمانا هرب أهلها من قريتهم لاهثة إلى مدينة السويداء، بعد تصاعد حدّة الأحداث في محافظة السويداء التي شهدت منذ 13 تموز (يوليو) مواجهات ومجازر وانتهاكات واسعة النطاق.

        ما تزال ملامح المجازر تتضح وتصل إلى مريم ورفاقها تباعاً حتى الآن، ولا يشغل بالهنّ سوى كيفيّة العودة إلى عائلاتهنّ في السويداء، فهذه أول مرة تشعر فيها مريم بهذا النوع من الخطر. النفير العام والاحتقان الطائفي امتد ليصل إلى الجامعات وإلى سكن الطلاب بالرغم من التعهدات التي قُطعت بأن تكون الجامعات السورية خالية من الكراهية، وهي التعهدات التي أطلقها وزير التعليم العالي ومسؤولون آخرون بعد أحداث جرمانا وصحنايا في أول أيار (مايو) الفائت، والتي تزامنت مع اعتداءات أشعرت الطلاب من أبناء وبنات السويداء أن الذهاب إلى الجامعة قد يشكل خطراً على سلامتهم.

        منذ ذلك الوقت، لمّ يشعر كثيرٌ من الطلاب بالاطمئنان، إذ كما تروي مريم وصديقاتها: «لم يعد كثيرٌ من طلاب محافظة السويداء يقطنون في المدينة الجامعية بشكل كامل كما جرت العادة، بل وأصبح قدومهم للجامعة للضرورة فقط». وكان فيديو يظهر فيه خروج جماعي للطلاب الدروز من السكن الجامعي قد انتشر على وسائل التواصل الاجتماعي، بعد حملات من التحريض الطائفي بتاريخ 8 أيار الفائت.

        ومن سوء حظ مريم، أو ربما حسنه، أن هذه الفترة هي فترة امتحانات، فكانت مضطرة إلى البقاء في المدينة الجامعية عند تصاعد العنف بدل أن تكون مع أهلها في السويداء، ومنها نزحت إلى مدينة جرمانا بمساعدة من بعض وجهاء المدينة، وتمكنت مع زميلاتها من الإقامة مؤقتاً في غرف أحد الفنادق. وتتم مساعدتهنّ حالياً هنّ وزملائهنَّ الشباب من قبل بعض المتبرعين والجمعيات والمبادرات الأهلية بعد انقطاع التواصل التام مع محافظة السويداء، حيث لا يوجد تحويل مالي أو قدرة على التنقل من وإلى المحافظة في ظل الحصار المفروض عليها.

        نزح طلاب السكن الجامعي في دمشق إما إلى منازل أقرباء لهم في دمشق وريفها أو إلى مدينة جرمانا، حيث تشاركوا غرف الفنادق أو منازل مستأجرة. كانت عملية النزوح مع بدء المعارك في السويداء فردية، ولكن بعد القصف الاسرائيلي الذي طال رتلاً عسكرياً في جنوب سورية وعدّة مواقع في دمشق تصاعدَ خطاب الكراهية والتحريض في الجامعات ضد الدروز عموماً، وازدادت الانتهاكات التي تعرّض لها الطلاب، ما اضطرهم إلى الهرب أو الإجلاء، كما حدث في المدينة الجامعية في المزة بتاريخ 17 تموز.

        «لن نُسالم، وجامعاتنا لا تتسع لهويتين»

        وردت هذه العبارة في بيان تلاه طالب هندسة في جامعة دمشق داخل مؤسسة تعليمية رسمية، بينما تقفُ وراءه مجموعة من الطلاب يرفرف بينهم علم التوحيد الأبيض. نُشر البيان في 17 تموز عن «طلاب الهندسة في تجمّع الهمك»، حاملاً عنوان «لا مكان لخبيثٕ بيننا فإما نحن وإما نحن»، وتمت تلاوته من أمام مباني السكن الجامعي التابع لكلية الهندسة المعلوماتية والكهربائية والميكانيكية «الهمك» في منطقة الطبالة في دمشق، التي شهدت حالة من العنف والفوضى والتهجم على غرف الطلبة الدروز المنحدرين من محافظة السويداء، وأدت إلى نزوح الطلاب واختفاء طالبين على الأقل، وهي الحصيلة الأولية في ظل ضعف التوثيق وتخوف الأهالي.

        تتالت البيانات الطلابية بعد بيان سكن الهمك، فظهر بيان طلاب السكن الجامعي في منطقة المزة بدمشق، الذي كان أشد حدّة حيث أتهم طلاب السويداء بشكل مباشر بجرم «الصمت»، إذ قال صاحب البيان: «نعلن رفضنا القاطع للصمت المشين الذي يهيمن على أبناء هذه الطائفة، مما يجعل سكوتهم مشاركة ضمنية بالجريمة». أما في جامعة حمص فقد اكتفى بعض الطلاب ببيان مقتضب أعلنو فيه أنهم لن يستقبلوا «درزياً واحداً» في جامعاتهم وسكنهم كما وصفوها. انتشرت بيانات مشابهة خلال الأسبوع الماضي بكثرة، حتى أن بعض طلاب الجامعات الخاصة في منطقة غباغب أصدروا بيانات كهذه عملت إدارة الجامعات على حذفها عن السوشيال ميديا.

        قوبلت هذه البيانات التحريضية الإجرامية بصمت من إدارة الجامعات التي صدرت فيها، بالرغم من إصدار وزير التعليم العالي الدكتور مروان الحلبي  بتاريخ 10 أيار قراراً يقتضي بمنع خطاب الكراهية والتحريض الطائفي ضمن حرم الجامعة. يتم استخدام هذا القرار نفسه اليوم لتبرير اعتقال الطلبة المنحدرين من محافظة السويداء، بينما لم يتم اعتقال أي من الطلاب الذين ظهروا بوجوههم يهددون الدروز بعبارات صريحة.

        دمشق: تسارع في الأحداث وإدارة تخشى الغضب

        في يوم الثلاثاء 15 تموز تجمهر الطلاب بصيحات التكبير والتهديد أمام الوحدة 17 في سكن الهمك الجامعي، وهي الوحدة التي يقطن فيها الطالب عبادة خدّاج بالغرفة 432. اقتحموا غرفته بينما كان يحاول الهرب، وحاولوا رميه من نافذة الطابق الخامس بعد ضربه، وقاموا بكسر أبواب بعض الغرف الأخرى ضمن الوحدة، حتى وصل عناصر الأمن الداخلي وقاموا باقتياد عبادة إلى خارج الوحدة، وتهدئة الطلاب المتوترين نتيجة منشور لعبادة على فيسبوك. يقول أصدقاء وزملاء عبادة في الغرفة، الذين نزحوا إلى مدينة جرمانا بعدها، إن المنشور كان تضامنياً مع أهله في السويداء. تم اقتياد عبادة إلى سيارة الأمن الداخلي، ولم يُعرف عنه شيء منذ ذلك الوقت رغم توسط بعض أقربائه وأهله لمحاولة معرفة مكان اعتقاله. وعند سؤال مسؤول الوحدة «حسين» عن سبب توقيف عبادة، أجاب بأنه انتهكَ قرار منع التحريض الطائفي ونشر منشورات محرضة.

        بعد اعتقال عبادة نزح الطلاب الدروز من مدينة الهمك الجامعية، إلا أنّ حازم بلّان الطالب في كلية الهندسة الميكانيكية لم يستطع أنّ يأخذ معه كل أغراضه الشخصية كما يروي للجمهورية.نت أحد زملائه في السكن. يعمل حازم في معمل زنوبيا للسيراميك في منطقة الكسوة ويقوم بورديات ليلية لساعات متأخرة، وفي يوم الأربعاء 16 تموز أثناء عودته من ورديته المسائية قرر أن يجلب ما تبقى من أغراضه وجهاز اللابتوب الذي يستخدمه في دراسته، ولكنه وجد باب الغرفة مكسوراً والأغراض مسروقة. يقول زملاء حازم إنه تحدَّثَ إلى مشرف الوحدة التاسعة التي يقطن فيها، فأخبره الأخير أن جهازه وأغراضه مع طلاب الوحدة 16، وأعطاه موعد يوم الخميس 17 تموز الساعة 12 ظهراً ليأتي ويستعيد ممتلكاته. ذهب حازم إلى الموعد ولكنه لم يعد حتى الآن، لم يذهب إلى عمله كما قال صديقه تيسير الذي يبحث عنه ولا يوجد خبر عنه في الجامعة حتى اللحظة.

        بالتزامن مع هذه الأحداث كانت المدينة الجامعية الرئيسية في المزة تشهد تصعيداً هي الأخرى، وبعد عدّة مناوشات ومظاهرات تحريضية، انتشر فيديو تداوله العديد من الناشطون عن عراك جرى في مقصف السكن الجامعية، فوضى ورمي بالكراسي وضرب بالعصي مع هتافات وتكبيرات نهار الخميس 17 تموز، وظهر بالتزامن معه فيديو آخر لشاب يتعرض لضرب من قبل بعض الطلبة ويتم وضعه في سيارة للأمن الداخلي، وهذا الشاب هو سيف القلعاني الذي اختفى منذ لحظتها كما يروي أخوه المغترب، الذي حاول منذ يومها حتى الآن الوصول إلى خبر عن أخيه دون جدوى.

        بعد هجوم المقصف غادر أغلب طلاب وطالبات السكن الجامعي الدروز غرفهم، وتعرض الطلبة الذكور للضرب والإهانات، وقال بعض الطلبة من قاطني الوحدة 13 في المزة إن مغادرتهم لم تكن سهلة، حيث اقتحم المتظاهرون الوحدة وقاموا بالسؤال عن دين الطلبة واقتحام الغرف وتحطيم محتوياتها. وكان مشرفو الوحدات كما يقول الطلبة قد تخلوا عن مسؤوليتهم، إذ قال مشرف رفض الطلاب نشر اسمه: «أنا لست مسؤلاً عما سيحدث لكم في الخارج ولكن من الأفضل لكم أن تغادروا»، بالإضافة لالتزام مدير سكن المزة عماد الدين الأيوبي الصمت رغم كونه شاهداً على كل التفاصيل كما روى الطلاب.

        في سكن الفتيات، وبتنسيق بين المدينة الجامعية وبعض وجهاء بلدة جرمانا، تم تأمين باصات لنقل الطالبات من المزة إلى جرمانا.

        اللاذقية والحصار بالخوف

        يختلف الوضع في اللاذقية، ولعلَّ شبح مجازر الساحل يطفو على كلّ شيء هناك، فحتى المعلومات بشأن وضع الطلاب داخل المدينة الجامعية ضبابية، بالرغم من أن أعداد المفقودين والمعتقلين الموثقين في جامعتها بلغ العشرة، فيما يتداول الطلاب أخباراً عن سبع حالات أخرى غير موثقة حتى الآن، إلا أن ظروف وأسباب اعتقالهم والانتهاكات التي تطال البقية لا تزال تُحكى في السر ولا تظهر للعلن. الطلاب بعيدون عن أي مكان آمن بالنسبة لهم، ومن الصعب الوصول إلى دمشق بسبب شح الموارد المالية وانقطاعهم عن أهلهم وخطورة الطريق، بينما لا يشعرون أن هناك مكاناً آمناً يمكنهم الخروج إليه في مدينة تعرَّضت مناطق من ريفها لمجازر طائفية قبل أشهر قليلة.

        أغلب الطلاب الذين تم اعتقالهم اقتيدوا إلى قيادة شرطة اللاذقية في شارع 8 آذار، حيث اعتقل كل من مجيد البني وقيس غرز الدين وعدي جغامي بتاريخ 14 تموز على إثر مشاجرة بين مجيد والشيخ أبو سومر مدير الأمن، واتّهموا بحسب شهادة زملائهم بالتعدي على عناصر الأمن. أما الطالب تيم رحال، وهو طالب كلية التمريض وزميل قيس غرز الدين، فقد واجه تهديدات عديدة على السوشيال ميديا وبدأت تصله تهديدات مباشرة تنصحه بعدم تقديم الامتحانات. حاول تيم تقديم شكوى كما روى زميله بالغرفة، الذي نصحه بالتزام الصمت وعدم إعلام أحد بالتهديدات، إلا أن تيم توجه إلى عميد كلية التمريض لتقديم شكوى والذي بدوره أبدى عجزه عن مساعدته ليعود إلى غرفته ويُعتقَلَ لاحقاً من الغرفة.

        لاحقاً اعتقل الطالب نواف غزالي الذي انتقل من الوحدة 17 إلى الوحدة 15 لكي يحمي نفسه بعد وصول رسائل تهديد له على هاتفه، إذ يروي زميله أن الشيخ أبو سومر قام بنفسه بالتعليق على منشور لنواف على فيسبوك، وبعد أربعة أيام اقتُحمت غرفة نواف الجديدة رقم 407 وتم اعتقال نواف، وكان الشيخ أبو سومر مسؤول الأمن حاضراً برفقة العناصر التي اقتحمت الغرفة.

        جرى كذلك اعتقال الطالب عمار فندي الدعبل، وهو طالب سنة خامسة في كلية الطب البشري، يوم الأربعاء 16 تموز من الوحدة 17 التي هرب منها نواف، إذ تم اعتقال عمار بحجة «إجراءات روتينية» وإعلام زملائه أنه سيعود لاحقاً ولكنه لم يعد حتى الآن. إلى جانب ذلك، تضمنت أسماء من اعتقلوا من السكن الجامعي في اللاذقية كلاً من غدير الكفيري وأكثم شرف وقيس عمارة ونواف عمارة.

        بالإضافة إلى ذلك، ثمة حوادث فضَّلَ الطلاب عدم ذكر تفاصيلها خشيّةً على وضعهم الأمني، ومنها انتهاكات طالت بعض الطالبات، كمحاولة ابتزاز طالبة بعد مراقبتها وتصويرها أثناء استلامها حوالة مالية من مكتب تحويل نقود.

        في صباح 25 تموز تم الإفراج عن بعض الطلاب المعتقلين في اللاذقية، وأسماء الذين تم تأكيد الإفراج عنهم هي: نواف غزالي، عمار الدعبل، مجيد البني، تيم رحال، غدير الكفيري، قيس غرز الدين، عدي الجغامي. وقالت صفحة الراصد على فيسبوك إن الطلاب المفرج عنهم تم تسليمهم إلى سيارة تابعة للهلال الأحمر السوري، حيث جرى تأمينهم إلى مدينة درعا، قبل توجههم إلى محافظة السويداء.

        جامعة حلب وحلول مؤقتة

        بالرغم من أحداث العنف التي تصاعدت في حلب أيار الماضي، وشملت طعن الطالب أدهم أبو غانم المنحدر من السويداء، إلا أن «مكتب شؤون الشباب» يحاول اليوم الحدّ من أحداث العنف والتوتر الطائفي، وهو مؤسسة تشبه بهكليتها ونشاطاتها اتحاد الطلبة وتشرف على فعاليات ونشاطات الجامعة وتقيم بشكل دوري فعاليات متنوعة وتتبع لوزارة الداخلية. وفي حديث مع ليث غانم، وهو طالب من السويداء نشط في المكتب، قال إن الطلاب المنحدرين من محافظة السويداء كانوا يتوجهون منذ أيار إلى منطقة الشيخ مقصود (وهي المربع الأمني التابع لقوات سورية الديمقراطية) دون سبب مباشر بحسب أقواله، ولكن في بداية الحملة الأخيرة على محافظة السويداء قام طلاب السكن الجامعي في جامعة حلب بالتحريض على الطلاب الدروز والتهجم على غرفهم وتحطيم محتوياتها والاعتداء عليهم بالضرب، ما أدى لعدد من الإصابات منها إصابات بليغة للطالب «طلال أبو عاصي» وهو طالب في كلية هندسة العمارة مقيم في الوحدة 17. وفي فورة هذا العنف قام بعضهم برمي حجارة على غرف الطلاب وتكسيرها، واستخدام الأسلحة البيضاء لأذيتهم ودفعهم لمغادرة الكلية ولم يقتصر الضرب على الطلاب بل امتدَّ إلى مدير السكن محمد أسامة رعدون الذي تم الاعتداء عليه.

        استطاع ليث وبعض من رفاقه الهرب من السكن، بينما اقتيد آخرون في سيارات للأمن العام ومنهم الطالب طلال أبو عاصي، إلى فرع السليمانية حيث تعرضوا لضرب مبرح من قبل الأمن العام، وفي هذه الأثناء كان ليث وزملاءه قد وصلوا إلى فرع الحزب، حيث ساعدهم من دعاهم ليث بـ«قادات المكتب السياسي للشباب»، وتوسط المكتب نفسه للإفراج عن طلال وستة من الطلاب المعتقلين برفقته وقاموا بعلاجهم وعرض إصاباتهم على طبيب شرعي، وكانت حجة الأمن العام لضربهم هي منشوراتهم على فيسبوك.

        في اليوم التالي كما يروي ليث تم نقل الطلاب وعددهم 21 طالباً وطالبة إلى فندق الميرديان، حيث يقيمون حتى الآن بإشراف من مكتب شؤون الطلاب، أما ما تبقى من طلاب وطالبات الجامعة فما زالوا في الشيخ مقصود في أوضاع سيئة كما يصفها ليث، وهو يتمنى أن يثقوا بالمكتب السياسي كما يثق هو، فقد وعدهم المكتب كما يقول بفرز قوات حماية خاصة إلى المدينة الجامعية لضبط الأمن والأمان.

        التحريض العدواني، والتعاطف مع الأهل بوصفه جريمة

        «لن نُسالم»؛ يقولها صاحب بيان سكن «الهمك» الجامعي وسط تأييّد وتجييش عشرات الطلاب علناً، في حملة تحريض طائفية وبث خطاب كراهية انتقلت إلى أرض الواقع عبر عنف يمكننا القول عنه أنه عنف شعبي خطير وصارخ، عنف يمتد إلى أروقة الجامعات التي يُحرَم منها الطلاب اليوم وإلى أماكن سكنهم التي من المفترض أن تكون آمنة. يقتحم هذا العنف كلّ عوالمهم، فهو يلاحق الطلاب على السوشيال ميديا بعد أن انخفضت وتيرة التصعيد على الأرض، لتظهر صفحات ومجموعات على مختلف وسائل التواصل ثم يختفي بعضها بفعل التبليغات، مثل صفحة «افضحوا الخونة» التي قامت بتسريب لقطات شاشة من الصفحات الشخصية لكل شخص متعاطف مع السويداء أو يُبدي رأياً مختلفاً بما حصل ويحصل. «لم أستطع أن أقوم بتعزية أقاربي علناً» تقول مريم وهي خائفة، وتتابع: «لقد نبهني الجميع من خطورة مواقع التواصل، اليوم لا نجرؤ على كتابة أي شيء»، وكذلك يؤكد تيسير صديق حازم بلان الذي اختفى بعد استدراجه للجامعة، إذ أنه ساعده في عملية «تنظيف هاتفه» قبل أن يخرج من المنزل. أما طلّاب اللاذقية فهم حريصون كلّ الحرص على عدم إبقاء أي شيء يمكنه أن يدينهم على جوالاتهم، لأنه في أي لحظة يمكن أن يتم تفتيش الجوالات، وأي نبرة تعاطف أو أي ذكر لما يحصل يمكن أن يدينهم.

        قرار منع التحريض الطائفي وبث خطاب الكراهية، كما يقول تيسير، يجري على «شريحة معينة دون غيرها»، إذ يتم توجيه تهمة التحريض حتى «لمن يقوم بواجب تعزية أهله أو يعلن قلقه على مدينته التي تتعرض لمجازر طائفية وإبادة»، ولكن حسب وصفه: «أن تهتف مع البقية في قلب حرم الجامعة وتظهر بخطاب مصور يحرض على الضرب والقتل فهذا لا يستدعي الإدانة».

        ما تزال مريم وزميلاتها في غرفة الفندق الضيقة، وما يزال بعض الطلاب جالسين في غرفة تحوي 15 شخصاً بانتظار طريق للعودة إلى السويداء. يفكر بعضهم في قراهم التي احترقت ودمرت ضمن واحد وثلاثين قرية هوجمت خلال العمليات، وبزملائهم الذين اختفوا وتفرقوا، ولا يمكن لأحدهم اليوم التفكير في مستقبله التعليمي، إذ طغى ضجيج العنف على كلّ صوت.

موقع الجمهورية

————————-

ولكن هل يرتاح رأسنا بالتقسيم؟/ عابد الريّس

المسألة تتعدى إشكالية الأكثرية والأقليّات

24-07-2025

        بعد ما جرى في الساحل في آذار الماضي، ثم في السويداء مؤخراً، عاد الحديث عن تقسيم سوريا كحلٍ لدرء مخاطر الحرب الأهليّة، وكأنه لا أمل للسوريين إلا بعزلهم طائفياً وقومياً عن بعضهم بعضاً. ولكن هل التقسيم ممكن؟ وحتى لو كان ممكناً؛ هل هو نافع حقاً وواقعياً؟

        ويَدرجُ الحديثُ عن صعوبة تقسيم سوريا انطلاقاً من عدّة مقاربات: الأولى مقاربة ديمُغرافية؛ فالسوريون مختلطون ببعضهم بعضاً أكثر مما يظنون، وتقسيم البلاد يعني مأساة تشريد بشريّة كبيرة. شهدنا مثالاً مؤلماً على ذلك في العهد البائد فيما سمي اتفاقية المدن الأربعة، ونشهد مثالاً جديداً حالياً في إخراج عائلات بدوية من السويداء، ويغادر علويون ريف حماة الشمالي نتيجة الانتهاكات المتكررة. ولكن كلَّ هذا لا يقتربُ أبداً من حجم الترانسفير المأساوي المتوقع إن حصل تقسيمٌ حقيقيّ.

        المقاربة الثانية سياسية؛ فهل تستطيع الكيانات السورية الاستقلال فعلاً؟ هل ستشكل عامل استقرار أم احتقان محليّ و إقليميّ؟ من الصعب الإجابة بنعم، وخاصة أن الصراع في سوريا شهد فعلاً نوعاً من الحكم الذاتي في مناطق مثل السويداء والحسكة وإدلب، ولكن لم يبدُ أن المجتمع الدولي يدعم ذلك نحو الاستقلال، لا بل بقيت مناطق حكم ذاتي تشترك مع النظام بمؤسساته في بعض النواحي وتُنازعه في أخرى، وتختبر صراعاً فيما بينها أحياناً، وصراعاً على النفوذ حتّى في داخلها.

        أما المقاربة الثالثة فهي جغرافية؛ كيانٌ علوي مستقل في الساحل سيكون محاصراً بالداخل السوري وتركيا، والسويداء تحدّها درعا والأردن وريف دمشق، أما قُرْبُ مناطق نفوذ قسد من كردستان العراق فهو عاملٌ مانعٌ للاستقلال لا مشجعٌ عليه إن نظرنا إليه من زاوية تركيّا.

        مع كل ذلك؛ لنتصور أن سوريا انقسمت فعلاً إلى دولتين، ولنُطلق عليهما سنّستان وأقليّستان، ما هي السيناريوهات المحتملة؟ انطلاقاً من نموذج إدلب ليس من المستبعد أبداً أن يعود النزاع على  السلطة بين الفصائل بالظهور في سنّستان، فتوحُّدها الحالي (إن توحدت فعلاً) طارئٌ وحديث، وناجمٌ عن سقوط النظام وضغوطٍ دوليّة، ولم تكن هكذا الحال في إدلب والشمال قبل السقوط. ومن جهة أخرى من غير المستبعد أن تظهر شرائح اجتماعية جديدة متضررة من السلطة في سنّستان إن بقيت بشكلها الحالي المتمثل بحكم هيئة تحرير الشام، شرائح كانت غائبة أو صامتة في ظل التوتر الطائفي السابق أو في فترة النزاع مع النظام.

        أما المشكلة الكبرى فهي ستكون بتقديري في أقليّستان، حيث ستظهر بوضوح مشكلة كامنة في الطوائف السورية الأخرى بمعزل عن نظيرها المكون السنّي الأكثريّ. وحتى نوضّح ذاك دعونا نعود برحلة في الذاكرة إلى الحرب الأهليّة اللبنانية. لم يشارك سنّة لبنان فصائلياً في الحرب اللبنانيّة إلا بشكل محدود جداً، أما المشكلة الفلسطينية فقد كانت تحدياً وطنياً اختبره الأردن قبل لبنان، والفارق أن هناك لبنانيين وقفوا مع الفلسطينيين انطلاقاً من رؤية إيديولوجية عروبية أو شيوعيّة، أما بعد خروج الفلسطينيين من لبنان فقد كان النزاع بين اللبنانيين؛ درزياً مسيحياً، ومسيحياً مسيحياً، وشيعياً شيعياً. بينما لم يشهد لبنان في حربه الأهليّة، للمفارقة، نزاعاً بين شيعته وسُنّته.

        لكن ماذا يعني ذلك؟ يعني أنّ الطائفيّة في مجتمعاتنا تتعدى إشكالية أكثرية وأقليات، وأن التكتل حول الطائفة، وحول وجاهاتٍ وزعماء محليين فيها، أو حول سلطةٍ تمثلها، الأمر الذي ظنناه دفاعاً جيداً أمام خطر الآخرين، هو في الواقع يشكل مُركَّباً مرتاباً بالآخرين باستمرار، وهو مولِّدٌ لمزيد غير منتهٍ من التقسيم، ومعيقٌ بالتالي لإنتاج حالة وطنيّة حتّى لو كانت الدولة متجانسةً طائفياً بالكامل. وما تخيلناه حماية من الحرب الأهليّة، هو في الواقع مُنتِجٌ مستمرٌ لها.

        إلى ماذا نخلص؟ نخلص إلى أننا إنْ أردنا الخير لسوريا فإنَّ علينا التفكير خارج صندوق الصراع بين أقليّات وأكثريّة، بل أن نَتَّهِمَ التسييسَ الطائفي برمّته ونرفضه، وننطلقَ إلى التكتل حول قيم أخلاقية وسياسية تساعدنا في بناء عقدٍ وطنيٍّ يهتم بحقوق الأفراد أيّاً كانوا. وقد نُتَّهم نحن المتكلمون اليوم بمفردات الدولة الدستورية والمواطنة والديمقراطية بالطوباوية والقفز فوق الواقع، لكن هذه المقالة بالمقابل تتهم أنماط الواقعية التي تبرر التقسيم اليوم، وأنماط الواقعية التي بررت في السابق الاستبداد، بأنها هي التي ليست واقعية على الإطلاق. ثمة أنماطٌ من الواقعية تقودنا نحو دولة مستحيلة وبالتالي الفناء، بينما الواقعية الوحيدة الممكنة هي دولة محايدة بين مواطنين أفراد، تكون الضامنَ الوحيدَ لاستقرار هذه البقعة من الأرض، وإلا فإننا سنبقى في مستنقع الصراع والتخوين والاتهامات والريبة. وبالتأكيد، تقفُ أمام مشروع دولة كهذه عقباتٌ كثيرة، إلا أنّ تجاوز العقبة الأولى الأهم يكون باليقظة؛ اليقظة من هوام الأب الخالد، وكذلك من هوام قتل الأخ الآخر، واليقظة من الظن بأن هذه الهوام أو تلك هي الواقع الوحيد الممكن.

موقع الجمهورية

————————–

 التصعيد الإسرائيلي في سوريا.. ضغط تفاوضي أم رفض للتفاهمات؟

2025.07.26

انطلقت جولات التفاوض بين الحكومة السورية وإسرائيل قبيل اندلاع الأحداث الدامية في السويداء منتصف تموز/يوليو الجاري، بهدف التوصل إلى تفاهمات تنهي التصعيد الإسرائيلي في سوريا، حيث جرت الجولة الأولى في العاصمة الأذربيجانية باكو، كما رعت الولايات المتحدة جولة مفاوضات في 24 من الشهر ذاته في العاصمة الفرنسية باريس.

جولة متعثرة قبيل تصعيد السويداء

لم تشهد جولة المفاوضات التي جرت في العاصمة الأذربيجانية التوصل إلى أي تفاهمات، حيث تمسكت إسرائيل بضرورة إقرار الحكومة السورية بسيادة تل أبيب على الجولان، بالإضافة إلى التغاضي عن إقامة نقاط دائمة في مناطق تتجاوز خط فض الاشتباك بموجب اتفاقية 1974، وهو ما لم توافق عليه الحكومة السورية.

وطرحت دمشق من طرفها فتح قنوات اتصال أمنية لنقاش المخاوف الإسرائيلية، مع مطالبة تل أبيب بالانسحاب من النقاط التي دخلتها في سوريا حديثاً.

وتصاعد التوتر بين الجانبين إثر محاولة القوات الحكومية السورية الانتشار في محافظة السويداء منتصف تموز/يوليو الجاري، وقيام الطيران الإسرائيلي بتنفيذ غارات جوية على القوات الحكومية.

وساطة أميركية ومقترحات إقليمية

نشطت كلٌّ من تركيا والأردن دبلوماسياً لدى الإدارة الأميركية لخفض التصعيد الإسرائيلي في دمشق إثر الهجمات الإسرائيلية على القوات الحكومية السورية في السويداء، حيث أجرت واشنطن اتصالات مع تل أبيب من أجل خفض التصعيد.

أنقرة وعمان قدمتا مقترحاً يتضمن نشر قوات أمنية فقط في محافظة السويداء دون إدخال سلاح ثقيل، مع إدماج عناصر محلية ضمن القوات الأمنية التي ستنتشر، بالإضافة إلى الاشتراك في رقابة وقف إطلاق النار من خارج حدود المحافظة، لتحديد الجهات التي قد تخرق الاتفاق.

وقبيل جولة المفاوضات التي رعتها الولايات المتحدة في باريس بين دمشق وتل أبيب، أعلنت العشائر السورية بياناً أكدت فيه وقف المواجهات في محافظة السويداء، في إطار سعيها لعدم عرقلة التوصل إلى تفاهمات.

الجانب الإسرائيلي لم يُبدِ الموافقة على الطرح الإقليمي، بل ظهرت مؤشرات على الرغبة في الاستمرار في التصعيد، فقد أكدت مصادر أمنية لموقع تلفزيون سوريا أن الاستخبارات الإسرائيلية أدخلت دفعة أسلحة جديدة إلى المجلس العسكري لمحافظة السويداء، مما قد يزيد من تعقيد المشهد ويصعّب التوصل إلى تفاهمات.

السيناريو المتوقع

من المحتمل أن تفضي الوساطات الدولية والإقليمية إلى إنهاء الاشتباكات في محافظة السويداء، ووقف الهجمات الإسرائيلية على القوات الحكومية السورية، مع تولي عناصر محلية في المحافظة مسألة ضبط الأمن، بالتنسيق مع الحكومة السورية، بالإضافة إلى إتاحة المجال لمشاركة محلية أكبر في إدارة المحافظة، نظراً لتراجع الثقة بين دمشق والسويداء على إثر المواجهات الدامية التي اندلعت في وقت سابق.

لكن تبقى النقطة الخلافية الرئيسية هي الجهة المحلية التي ستتولى الإشراف على الملف الأمني، في ظل الخلافات السابقة بين المجلس العسكري في المحافظة وجهات أخرى مثل زعيم مضافة الكرامة ليث البلعوس، كما أن دمشق قد لا توافق على تولي المجلس العسكري لهذه المهمة بعد ظهور تنسيقه مع إسرائيل إلى العلن

تلفزيون سوريا

———————

 معركة الجنوب السوري.. تحرّك العشائر ردع الفوضى وعرقلة المشروع الإسرائيلي/ طالب الدغيم

2025.07.25

في لحظة فارقة أعقبت سقوط نظام بشار الأسد، ومع انتقال السلطة إلى الرئيس أحمد الشرع، دخلت سوريا مرحلة جديدة من تاريخها، قوامها بناء دولة حديثة ترتكز على السلام والتنمية والعدالة الانتقالية، في إطار رؤية شاملة تهدف إلى توحيد المجتمع السوري بكل مكوّناته ومناطقه.

غير أنّ هذا التحول سرعان ما واجه تحديات جسيمة، تمثلت في تحركات منظمة لبقايا النظام السابق في الساحل، بالتزامن مع تدخل إسرائيلي مباشر اتخذ أشكالًا متعددة، من غارات جوية متكررة، إلى توغلات برّية أسقطت عمليًا اتفاقية فك الاشتباك الموقعة عام 1974. وقد تزامن ذلك مع دعم غير معلن لميليشيات محلية مسلّحة خارجة عن القانون، استهدفت المدنيين في محافظة السويداء، وفرضت واقعًا أمنيًا منفلتًا بالسلاح والإرهاب.

وقد شكّلت الانتهاكات الوحشية التي طالت المدنيين من العشائر السُّنية في السويداء، من قتل وخطف وتهجير وتطهير طائفي، دافعًا لتحرك عشائري واسع. ولا يمكن توصيف هذه الهبّة العشائرية باعتبارها صدامًا طائفيًا بين مكوّنين، سني ودرزي، إذ برزت مواقف مشرفة لكثير من أبناء الطائفة الدرزية الذين وقفوا مع الحراك السلمي للثورة السورية، وفتحوا بيوتهم لاستقبال المهجّرين من حوران. ومن هذا المنطلق، جاءت الهبّة لتجسّد بُعدًا وطنيًا شاملًا، في مواجهة مشروع انفصالي خطير عُرف أمنيًا باسم “معبر داود”، يسعى لخلق فراغ سيادي في الجنوب السوري، ووصله جغرافيًا بمناطق سيطرة “قسد” في الشرق، خارج مظلة الدولة المركزية، وتهديد وحدة سوريا وسلامة أراضيها.

السياق الاستراتيجي للحراك العسكري العشائري: مواجهة وطنية لمشروع التفكيك

برزت الحركة العسكرية العشائرية في الجنوب السوري كردّ فعل شعبي مباشر على محاولات فرض معادلات جديدة في المنطقة، في ظل حالة انفلات أمني متصاعد، وهجمات منظمة استهدفت أبناء البدو السنّة على يد ميليشيات تنفذ أجندات خارجية، يتصدرها المشروع الإسرائيلي. وقد سبق التدخل الإسرائيلي دراسات علمية إسرائيلية من خبراء ومستشارين أمنيين وعسكريين، أشارت للرؤية الإسرائيلية في سوريا، حيث تشير ورقة بحثية قديمة قدّمها الباحث الإسرائيلي يعقوب شمشوني في ندوة لمركز موشيه ديان عام 1994 إلى أن الصراعات الطائفية في سوريا ظلت “مجمدة” بفعل القبضة الأمنية للنظام، لكنها ستتفجر حتمًا عند انهياره. وهذا ما تفعله إسرائيل اليوم، عمليًا، من خلال دعم ميليشيات محلية من الطائفة الدرزية في السويداء، لتحويلها إلى أدوات لعرقلة تمدد الدولة الجديدة على كامل الجغرافيا السورية.

التحركات العشائرية: فعل وطني لا طائفي

في ضوء القراءة التحليلية الدقيقة، لا يمكن اختزال التحركات العشائرية في إطار مواجهة بين مكوّنين اجتماعيين، بل يجب فهمها كتحرك موجه ضد تشكيلات مسلّحة خارجة عن القانون، اعتدت على المدنيين البدو والدروز على حدّ سواء، وشكّلت ذراعًا لتنفيذ مشروع خارجي يستهدف تقويض سلطة الدولة المركزية. وتؤكد تقارير ميدانية واستخبارية وجود تنسيق مباشر بين قادة هذه الجماعات بتوجيهات من الشيخ حكمت الهجري (أحد شيوخ العقل الدروز في السويداء)، وشيخه موفق طريف والمخابرات الإسرائيلية، هدفها تفجير الجنوب

السوري من الداخل. ورغم وقوع أخطاء ميدانية من استباحة بعض البيوت أو حرقها من عناصر شاركت في العمليات، أظهرت العشائر انضباطًا ملحوظًا، وحاولت الابتعاد عن أي نزعة انتقامية أو طائفية. وبرزت مواقف مشرّفة من داخل السويداء نفسها في إنقاذ مدنيين من نساء وأطفال وكبار بالسن من الدروز.

الغارات الإسرائيلية على السويداء: تنفيذ عملي لمشروع الفوضى الموجّهة

شكلت الغارات الإسرائيلية الأخيرة على دمشق والسويداء ودرعا امتدادًا واضحًا لمشروع اختراق أمني وسياسي يستهدف تقويض مسار بناء الدولة السورية الجديدة، لا سيما بعد تعثر المفاوضات التي جرت بين الجانبين السوري والإسرائيلي في العاصمة الأذربيجانية باكو قبل الأحداث بيومين. ومع فشل المساعي التفاهمية، حرّكت إسرائيل أذرعها في السويداء. وقد تزامن هذا التصعيد مع تطويق الأمن والجيش السوري الجديد لفض الاشتباك في محافظة السويداء، وتعرض قوات الأمن الداخلي السوري والجيش لاستهداف نتيجة غدر الجماعات التابعة لإسرائيل في السويداء. وقد كشفت طبيعة هذه الغارات، التي طالت مواقع حساسة مثل محيط وزارة الدفاع والقصر الجمهوري، عن استراتيجية إسرائيلية تهدف إلى ضرب مراكز الثقل السيادي للدولة الجديدة، وإفشال مشروعها المؤسسي قبل أن يكتمل. فجنوب سوريا، في الرؤية الإسرائيلية، منطقة رخوة قابلة للاختراق والتفجير المتكرر، ما لم تلبِّ السلطة الجديدة شروط “الاستقرار الآمن” وفق المعايير الإسرائيلية. وتعتمد إسرائيل في إدارتها لهذا المشهد على سياسة تُعرف في الأدبيات الأمنية بـ”ضبط الفوضى” (controlled chaos)، وهي تقوم على ثلاث آليات مترابطة: أولها، دعم عصابات محلية تعمل كأذرع وظيفية.

وثانيها، تأجيج النزاعات الأهلية عبر روايات إعلامية طائفية مفبركة، وتديرها مئات آلاف الحسابات. وثالثها، تحويل الجنوب إلى منطقة منزوعة السيادة والسلاح من خلال قصف مراكز القرار العسكري والأمني.

شكّلت الحركة العشائرية مفصلًا استراتيجيًا مهمًا؛ فهي أول حركة مقاومة محلية ضد مشروع “المنطقة العازلة” الذي تحاول إسرائيل إعادة إنتاجه في الجنوب السوري، مستعيدة بذلك النموذج الذي فرضته خلال احتلال جنوبي لبنان في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي. حينذاك، دعمت تل أبيب ميليشيا “جيش لبنان الجنوبي” بقيادة أنطوان لحد، لتكون ذراعًا محلية لإدارة الاحتلال بتمويل وتسليح وتدريب مباشر، وذلك بعد اجتياحها لجنوبي لبنان عام 1982م، في محاولة لخلق منطقة أمنية تفصلها عن المقاومة الفلسطينية واللبنانية، وتغرق الداخل اللبناني بصراعات طائفية تخدم أمنها الإقليمي. ولكن ذلك النموذج انهار بالكامل عقب انسحاب الجيش الإسرائيلي من لبنان عام 2000، مؤكدًا مجددًا أن مشاريع الاحتلال القائمة على وكلاء محليين فاقدين للشرعية المجتمعية، تبقى هشة وقصيرة المدى. واليوم، تحاول إسرائيل إعادة تدوير النموذج ذاته في الجنوب السوري.

الاستحقاق الوطني أمام حكومة أحمد الشرع: بين إدارة الأزمة وتثبيت الهيبة

في ضوء التطورات المتسارعة في الجنوب السوري، يجد الرئيس أحمد الشرع نفسه أمام استحقاق وطني بالغ الحساسية، يتجاوز حدود إدارة أزمة محلية إلى مرحلة تقرير مصير لبنية الدولة السورية الناشئة. فالمشهد في السويداء يعكس صراعًا أعمق بين مشروعين متناقضين؛ مشروع وطني يسعى لبناء دولة وطنية جامعة، ومشروع فوضوي تُديره قوى خارجية، وعلى رأسها إسرائيل، باستخدام أدوات محلية فقدت علاقتها بجذورها الوطنية. فأزمة السويداء لم تكشف فقط الأطراف التي تجر سوريا إلى حرب أهلية دموية، وإنما أظهرت أهمية الاستثمار في المكون الوطني بالسويداء وحوران ومنطقة اللجاة من طرف، وأهمية استثمار الحراك العشائري، وعدم اختزاله في منطق

الضبط الأمني المؤقت، فهذه الحرب التي يجب على الدولة إطفاء نارها، شكلت لحظة وعي وطني حقيقي عبّر فيها السوريون عن رفضهم لعزل السويداء عن الوطن الأم، وحكم السلاح والتأجيج الطائفي، وسياسة تلغيم النسيج الاجتماعي الذي عملت عليها إسرائيل في السويداء.

وبعد مسألة السويداء، تبرز فرصة تاريخية أمام حكومة الشرع لاحتضان الزخم الشعبي العشائري وتحويله إلى أساس لوحدة وطنية جديدة، من خلال فتح قنوات تواصل مع الفاعلين في السويداء وصحنايا وجرمانا وجبل السماق، وتثبيت خطاب جامع يُدمج فيه العرب والكرد، السنة والعلويين، الدروز والإسماعيليين، والمسيحيين، في عقد وطني جديد يقوم على الشراكة لا المحاصصة الطائفية أو المناطقية. وفي مقابل ذلك، فإن الاستجابة المطلوبة من الدولة يجب أن تكون شاملة ومركّبة، تبدأ أولًا بترسيخ مبدأ السيادة غير القابلة للتجزئة، ورفض أي سلطة موازية أو واقع انفصالي جنوبي البلاد. ومن ثم في السعي نحو دمج المجتمعات العشائرية وجميع المكونات الوطنية في مؤسسات الدولة من خلال آليات الحوكمة المحلية، والمجالس الإقليمية المنتخبة، بما يضمن الشراكة والتمثيل العادل. وفي التحرك السياسي لتوثيق الاعتداءات الإسرائيلية على الأرض السورية، وتقديمها في المحافل الإقليمية والدولية. وتعمل الدولة وفق رؤية إستراتيجية تؤسس لمقاربة أمنية وسياسية مع الكيان المحتل، والتنسيق مع تركيا لإنهاء سيطرة قسد على الجزيرة السورية، واعتماد خطة عمل مجتمعية وخدمية وفكرية وقانونية في جميع المحافظات والمناطق السورية.

تلفزيون سوريا

———————-

 لماذا تسعى إسرائيل لعرقلة بناء سوريا الجديدة؟/ سمير صالحة

2025.07.26

تصعّد إسرائيل على أكثر من جبهة في الإقليم، وهي تشعر أن الفرص السانحة لها اليوم لتسجيل المزيد من التوغّل قد لا تتكرّر.

ماذا تخسر تل أبيب إذا استعادت دمشق عافيتها؟ ولماذا تقاتل على أكثر من جبهة لتأخير ولادة سوريا الجديدة؟

تراهن إسرائيل على المشاكل الداخلية التي تعيشها العديد من دول المنطقة، وعلى التفكك الإقليمي في التعامل مع غطرستها وممارساتها.

ما يفعله نتنياهو هو محاولة ملء الفراغ، معوّلًا على تراجع النفوذ الإيراني، وانشغال روسيا بأولويات أخرى، والدعم الأميركي الواسع، والسلاح الذي يلوّح به في وجه الجميع.

خروج سوريا من مشاكلها، على طريق بناء الدولة الجديدة، ليس من مصلحة تل أبيب، لأن استرداد دمشق لعافيتها وموقعها ودورها، يعني جلوسها أمام أكثر من طاولة استراتيجية، البُعد فيها بطابع سوري-عربي-إقليمي.

تخوض إسرائيل معركة استباقية خارج أراضيها، كما فعلت دائمًا، لكنها قلقة من احتمال خسارة الدعم الخارجي الذي عوّلت عليه لعقود.

من المرجّح أن ما يقلق إسرائيل ويغضبها هو تمسّك السلطة السياسية السورية الجديدة بقطع الطريق على كل محاولات استهدافها من الداخل والخارج، وإصرارها على خيار وطني وحيد: أن تعود جميع المكونات السورية إلى حضن الدولة، تحت شعار الحوار الوطني الجاد، بهدف الدفاع عن سيادة الدولة ووحدة أراضيها، ورفض التنازل لأي طرف يعوّل على غير ذلك.

المواجهة إذًا، بحسب تل أبيب، هي مع أنقرة، التي تعارض الممارسات الإسرائيلية، وتريد حماية مصالحها المتزايدة في سوريا بعد إزاحة الأسد، ونجاحها في الوجود داخل تحالف عربي-غربي واسع يدعم مسار المرحلة الانتقالية التي يقودها أحمد الشرع.

قد لا يكون على لائحة أولويات تركيا الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة مع إسرائيل، كما أن خيار دمشق التفاوض مع تل أبيب لا يزعج أنقرة، لأنه قد يحمل تفاهمات باتجاه التهدئة.

لكن من أولويات تركيا حتمًا، رفض أي مشروع تفتيتي في سوريا، والتمسّك بالوقوف إلى جانب السلطة السياسية بقيادة الشرع، وضرورة حسم موضوع داعش وقسد، وتوسيع رقعة التكتل الإقليمي في مواجهة سياسات إسرائيل الإقليمية.

من بين أسباب الانزعاج الإسرائيلي أيضًا، التنسيق التركي-السعودي المدعوم عربيًا، في إطار خطة توزيع أدوار تتوحّد في الوقوف إلى جانب دمشق، ومساعدتها على تجاوز أزماتها، ومواجهة الضغوط الداخلية والخارجية التي تُمارَس عليها وتعرقل انطلاقتها الجديدة.

يُخطئ من يعتقد أن تل أبيب منزعجة من السياسة التركية وحدها في سوريا والإقليم. الغضب الإسرائيلي يمتد إلى الرياض أيضًا، التي حرّكت أسطولها الاقتصادي والاجتماعي والإنساني باتجاه دمشق، ولعبت دورًا رياديًا في تحريك المجتمع الدولي للوقوف بجانب سوريا في مرحلتها الانتقالية، وفعلت دبلوماسيتها مع الغرب، وواشنطن تحديدًا، للوصول إلى مشهد فتح الأبواب أمام الحكومة السورية الحالية.

كانت تل أبيب تستفيد إلى أبعد الحدود من مواقف وسياسات نظام بشار الأسد، في لعبة التوازنات الإقليمية التي سقطت قبل ثمانية أشهر.

لعبت أنقرة والرياض الدور الأول في سحب هذه الأوراق من يدها.

قرار نتنياهو بمواصلة سياسته المعتمدة حتى اليوم في سوريا، سيحمله المزيد من الأعباء، خصوصًا عند قراءته للتحولات الحاصلة في مواقف غالبية العواصم الأوروبية.

الغرب له مصالح مع أنقرة والرياض وبقية الدول العربية أيضًا، والمعادلة الجديدة التي تتشكّل في سوريا ومن حولها، لا تتطابق مع ما يقوله أو يفعله نتنياهو.

حذّر جوناثان أديري، مستشار الرئيس الإسرائيلي السابق شمعون بيريز، بلاده من مخاطر أن تجد إسرائيل نفسها متورطة في صراع جديد إذا لم ترسم حدودها الاستراتيجية بوضوح.

قال: “تركيا لم تعد تسعى إلى التكافؤ فحسب، بل تسعى الآن إلى القيادة”.

البديل الذي يطرحه أديري هو ضرورة أن تعزّز تل أبيب شراكاتها مع اليونان ومصر والسعودية في مواجهة تركيا.

لكن كيف ستفعل ذلك، وهي تدمّر غزة، وتستهدف طوابير الجياع، وتصدر قرارات تحت سقف الكنيست باتجاه إلغاء سيادة الشعب الفلسطيني على الضفة الغربية، وتُعلن تمسّكها بلعب ورقة الأقليات في سوريا، وتهاجم العاصمة السورية التي تساهم الرياض في بنائها اليوم؟

كل ما تستطيع إسرائيل فعله الآن هو محاولة جسّ نبض “قسد” في شرق الفرات.

تحرّك واشنطن بهذا الاتجاه قد يُحرج إسرائيل أو يحدّ من نفوذها شرقًا، كما أن الحوار بين دمشق وقسد، بتشجيع عربي-تركي-أوروبي، سيكون ضربة مباشرة لطموحات إسرائيل بالتقسيم.

واشنطن لن تسمح لها بالدخول على خط ورقة من هذا النوع، وهي تبذل جهدًا مضاعفًا لصناعة حلحلة في هذا الملف.

خطوط حمراء فرضتها إسرائيل على أكثر من لاعب، طيلة قرن كامل في التاريخ السياسي الحديث.

“من يلتزم الصمت هو كمن يتكلّم دون أن يفعل” — هي المعادلة الجديدة التي ستقلق نتنياهو بعد الآن، سوريًا، وإقليميًا، ودوليًا.

تقف تل أبيب على مفترق استراتيجي حرج: إما الاعتراف بالمعادلات الجديدة في سوريا والمنطقة، أو التورّط أكثر في رهانات خاسرة، تقطعها عن شركائها التقليديين في الغرب.

هل تقرأ إسرائيل التحوّل، أم تُصرّ على إملاء شروطها من الماضي؟

تلفزيون سوريا

——————————

 ذاك السعار الطائفي إلى أين؟/ أحمد مظهر سعدو

2025.07.26

إن وجود الطوائف في أي دولة أو جغرافيا لا يعني تعميم الطائفية أبدًا، كفكر سائد ومتحرك مجتمعيًا وإنسانياً، لكن لا يمكن مطلقًا أن تتمظهر الطائفية وجوديًا وفعليًا من دون وجود الطوائف.

وهو حال الوطن السوري اليوم، الذي سبق وقد بذر فيه حافظ الأسد، ثم ابنه بشار الأسد بذورًا للطائفية المقيتة، ثم أسهم بشكل مقصود وممنهج وعملي في إنتاش الكثير من بذورها، حتى باتت هذا الطائفية نارًا تحت الرماد، وبؤرة متوقدة سلبيًا في أي لحظة، وأي مكان من الجغرافيا السورية الممتدة على غير ما كانت عليه أحوال السوريين خلال عشرات السنين من التعايش والعلاقات المنجدلة والمحبة والتآلف الذي أوصل الأوضاع السورية إلى مشاركة حقيقية وفي كل مفاصل الدولة لكل الأثنيات والطوائف.

اليوم وبكل أسف فإن ما جرى في محافظة السويداء أعاد المسألة الطائفية إلى الواجهة من جديد، كما أعاد تموضعها أيضًا بشكل لم يكن متوقعًا، حتى بتنا نشهد سعارًا طائفيًا غير مسبوق وتحاجزًا داميًا على مستوى الواقع والفكر فأُغرقت وسائل التواصل الاجتماعي وعلى مستوى واسع بالمزيد من حالات هذا السعار الخطر، والذي سيؤدي فيما لو استمر إلى الكثير من التفتت والتشتت والانقسام، وسط متابعة حثيثة وتدخل خارجي واضح، ليس آخره ذلك الدور الإسرائيلي الأخطر، والذي يريد إذكاء روح الفرقة وخطاب الكراهية تمهيدًا لإقامة ما سمته إسرائيل بقيادة بنيامين نتنياهو (ممر داوود) والهيمنة على سورية والمنطقة برمتها لبناء ما أطلق عليه (الشرق الأوسط الجديد) وطموحه بالوصول إلى تسمية يريدها أن تكون سمة للعصر الذي يطلقون عليه اسم العصر الإسرائيلي المبتغى.

السعار الطائفي ومتابعة الاشتغال على وتر الطائفية لا يمكن أن يبني وطنًا، ولا ينجز أي وحدة وطنية، ولا يقيم دولة متماسكة ولا يسهم أبدًا في إعلاء سور الوطنية السورية، بل يذهب بنا بعيدًا إلى مآلات انفصالية متضادة متناحرة، تهدم ولا تبني، تفتت ولا تجمع، تعيد الكرة من جديد في عملية إشاعة الفكر الاستبدادي الذي لا يقبل الآخر أي آخر المختلف عنه دينيًا أو طائفيًا أو أثنيًا أو أيديولوجيًا، وهو ما يمكن أن يشكل الخطر الأكبر ويعيد إنتاج الحرب والمزيد من الدماء.

الطائفية لا يمكن أبدًا أن تكون مدخلًا لبناء الأوطان والابتعاد عن الحوار لا يمكن أن يسهم في الاستقرار أو الوجود القوي، كدولة بل هو بالتأكيد ما يكون فيما لو استمر بوابة عبور نحو (ليس الفدرلة فحسب) بل الاحتراب الداخلي الأهلي الذي قد يفضي إلى إقامة دويلات

متناثرة صغيرة وضعيفة، يسهل على أعداء الوطن النيل منها، أو جرها إلى ملاذات ومآلات ليست في مخيال السوريين، ولم تكن كذلك ضمن الفكر الجمعي للسوريين يومًا.

لعل إشكالية محافظة السويداء وما جرى فيها مؤخرًا، يمكن أن تحل حلًا موضوعيًا رصينًا وواعيًا وهادئًا، ضمن مسارات مزيد من الوعي المجتمعي والسياسي، ثم فتح باب الحوار السوري على مصراعيه، وهذا الحوار والانفتاح والمشاركة الجدية للجميع هو مساهمة في بناء دولتهم، وهو وحده ما يمكن أن يكون مدماكًا مهمًا ومتينًا للبناء والعمل على وحدة الوطن شعبيًا وجغرافيًا. ولعل هذا الحوار المطلوب اليوم هو ما سيكون سياسة حقيقية لحصار ومحاصرة تلك المجموعات الصغيرة سياسيًا ووطنيًا ومجتمعيًا وليس عسكريًا فقط، تلك المجموعات التي ارتضت لنفسها أن تكون أداة من أدوات استدعاء الخارج والاستقواء به ومناشدة عدو الوطن والأمة، ذاك الإسرائيلي كي يكون مشاركًا فاعلًا ولاعبًا في الورقة الوطنية السورية، حيث تريد إسرائيل أن تطل من جبل العرب والسويداء كي تحقق ما عجزت عن تحقيقه في سياقات ومسارات أخرى.

لم تكن القطيعة الوطنية الداخلية يومًا ضمن مكونات الفعل السياسي الواعي للسوريين كما لم تكن حلًا موضوعيًا ولا ممكنًا لمشكلاتهم، ولم تكن إسرائيل أبدًا ملاذا آمنًا ممكنًا للسوريين، أو أي شعب عربي في المنطقة. إن المشروع الصهيوني وجد كي يكون إسفينًا تفتيتيًا في جسم العرب والمسلمين، وليكون ذاك المخفر المتقدم للمشروع الغربي في المنطقة. ولعل ضعف العرب والنظام الرسمي العربي على مدار العقود الأخيرة، وافتقادها الواقعي لأي مشروع جدي في مواجهة هذه العربدة الإسرائيلية، أو قبلها الهيمنة الإيرانية في المنطقة، هو ما أوصلنا إلى هذه الحالة من الفوات غير المسبوق.

لكننا اليوم وقبل أي مسألة أخرى، لا بد من إعادة فتح الحوار السوري بين كل طوائف وإثنيات وأيدولوجيات كل السوريين، فلا مقدس في العمل الوطني، فكل شيء قابل للحوار وإبداء الرأي، لكن المطلوب اليوم طرح رأي جموع السوريين، على بساط أحمدي كما يقال، والعمل على إنتاج حالة سورية من الحوار الوطني المديد، والذي لا ينقطع، الحوار وحده بحق والمزيد منه هو الذين يمكن أن يبني مؤسسات الدولة، ومن ثم إعادة بناء الدولة الوطنية السورية، والعمل الحقيقي بجد من أجل الوصول إلى هذا العقد الاجتماعي الوطني السوري الجامع ومشاركة كل السوريين بلا استثناء، في عملية بناء دولة المواطنة السورية المبتغاة، ومن هنا يمكن القول اليوم وبكل وضوح، ليس من العقلانية السياسية الدخول في حلول عسكرية فحسب فالحل الوطني السوري الديمقراطي سيوقف المنطق الطائفي، ولإنهاء السعار الطائفي ومنع خطاب الكراهية لا بد من حوار جدي وحقيقي بين كل السوريين، كما يحتاج إلى إعادة قوننة جدية عبر إنتاج قوانين وضعية سورية، تجرم الخطاب الطائفي لمنع خطاب الكراهية الطائفي بشكل نهائي، ووقف كل حالات التشتت والتفتيت والتشظي، وهو ما سيمنع الاقتتال الداخلي بين السوريين، وإلى النهاية العاقلة، ويوقف أزمة الثقة كليًا

———————-

 الدولة السورية الوليدة.. نمط جديد؟/ أحمد عيشة

2025.07.25

تشكلت الدول في منطقتنا ومنها سوريا وفق نموذج الدولة الغربية الحديثة، أي التي تقوم على أرض يسكنها مجموعة أو مجموعات من الناس، يكون لدى السلطات الحاكمة القدرة على تشريع القوانين وتنفيذها عليها، كما تحتكر وحدها وسائل القوة والعنف من أجل فرض تلك القوانين، وتقوم على مؤسسات ذات قوانين معروفة للناس لا تتغير بتغير نظام الحكم.

ثمة عنصر جديد له أهمية كبرى في تشكيل الدولة، وهو المواطنة، بمعنى معاملة جميع قاطني تلك الأرض موضوع السيطرة، على قدم المساواة من دون تمييز أياً كان، وبالتالي تتحقق السيادة الحقيقية: العنصر المهم في بناء الدولة، ويأتي في النهاية عنصر الاعتراف الدولي بتلك الدولة وحقها في السيادة على أراضيها.

ما نشهده اليوم ليس فقط محاولة لإعادة الإعمار المادي، بل محاولة لإعادة تشكيل الدولة نفسها. فهل نحن أمام نمط جديد من الدولة في سوريا؟

مع سقوط النظام، برز نموذج جديد من الدولة يمكن وصفه بالنموذج الهجين، وهو نموذج يجمع بين عناصر من الدولة التقليدية والاعتماد على البنى الأهلية، حيث لا تمتلك السلطة الاحتكار الكامل للعنف، وتعتمد أيضاً على فصائل أو جماعات أهلية خارج المؤسسة الرسمية لتنفيذ سياسات قد يصعب تبنيها علنًا أو تعجز عنها الدولة، أو لا تريد أن تتحمل مسؤوليتها في حال ارتكاب التجاوزات وانتهاكات، وبالتالي يسهل التملص من النتائج، ولهذا الشكل الجديد أخطار جمة يمكن أن تطيح بالبلاد وتعيدها لما تحت الصفر من جديد. يعزز النموذج هذا غياب المساءلة، ويهدد عملية بناء دولة ذات سيادة ومؤسسات مستقلة. والأمر الآخر في النموذج الهجين هو دور العامل الخارجي، الذي لا يقلّ خطورة، حيث توليه الدولة الجديدة نتيجة للمصاعب اهتماماً يفوق العوامل الأخرى، وتجعل منه نقطة الانطلاق لترتيب الداخل.

مع أن الرئيس أحمد الشرع الذي تولى الرئاسة، في خطاب النصر بعد أيام من إطاحة بشار الأسد، من خلال بيعة الفصائل المشاركة في العملية السابقة، مضى بعيداً عن تلك القاعدة الأيديولوجية للهيئة وعموم الفصائل التي شاركت بعملية التحرير من حيث تبنيه لخطاب المساواة بين الجماعات وبين المواطنين وعدم التمييز تبعاً لأي سبب، لكن التيار الذي يستند إليه (قاعدته الاجتماعية) لم تجاريه في ذلك التغير، وهو ما يشكل أحد عوامل الخطر على سيرورة عملية بناء الدولة وخاصة عند تشكيل أهم مؤسستين: الجيش والشرطة (بما فيها الأمن العام)، حيث كان العامل الأيديولوجي هو الغالب على حساب الكفاءة الوطنية، وهو ما وضعها في دائرة الاتهام بدلاً من أن تكون مؤسسة جامعة سيادية.

لم يترك بشار الأسد البلاد إلا وهي حطام، رماد على المستوى المادي واللامادي، بمعنى تدمير البنى التحتية ومساكن الناس، وتفتيت ما كان باقياً من النسيج الاجتماعي، والأهم تعميق الصدوع الطائفية وتسعير نارها، وبالتالي جعل من عملية إعادة بناء البلاد، بما فيها الدولة، عملية شاقة تتطلب كثيراً من الموارد ومثلها من الحكمة والصبر والقوة والسياسة. ففي ظل “دولة” فاشلة بالكامل، برزت الجماعات الأهلية الدينية والإثنية وأخذت تبحث عن دور لها في سوريا، وهي سياسة غذاها نظام الأسد مقابل امتيازات معينة طالما لا تضر بوجوده.

كشفت الأحداث التي جرت في الساحل في آذار الماضي التي ابتدأت بتمرّد من عناصر الأمن والجيش الأسديين والمستفيدين من سلطة الأسد دفاعاً عن امتيازاتهم، وردّ السلطة وما رافقها من “فزعة” أهلية من فصائل كثيرة وصفت بأنها غير “منضبطة”، حيث ارتكبت انتهاكات وعمليات قتل أضرت بالبلاد، عن خلل كبير في بناء الدولة، من حيث السماح لفصائل “خارج” نطاق الدولة بالتدخل، مما سبب ضغوطاً وتحديات إضافية للحكومة الجديدة. وتكرر الأمر نفسه في الأسبوع الماضي مع بعض فصائل السويداء العسكرية (الهجري والمجلس العسكري) التي ترفض كل أشكال التعاون مع حكومة دمشق مستعينة حتى بإسرائيل لفرض واقع خاص للمحافظة، وذلك بعد عمليات الاقتتال بين البدو وفصائل الهجري وما تبعها من فزعة العشائر نصرة لأولاد عمومتهم من البدو، بعد أن خرجت قوات الحكومة نتيجة ترتيبات دولية. باختصار، كان العامل الطائفي بارزاً في العمليتين، وفي عملية الرد عليهما.

لا يختلف الأمر كثيراً مع حزب الاتحاد الديمقراطي -الذراع لحزب العمال الكردستاني- بما حصل عليه من امتيازات وأراضي نتيجة عوامل عديدة، وهو أحد الأطراف التي ترفض بناء الدولة ما لم يحصل على ميزات يمكنه من خلالها تعطيل مسار بناء الدولة من خلال إصراره على بقاء قواته كتلة واحدة “تدخل” ضمن مؤسسات الدولة الوليدة مشكلة لغماً يمكنه الانفجار في أي لحظة ناسفاً عملية البناء برمتها.

ومن عناصر الهشاشة في هذا النموذج، الاعتماد المفرط على الخارج. فالدولة الناشئة، المنهكة والمقسمة، تلجأ إلى القوى الإقليمية والدولية لضمان البقاء، ما يفتح الباب أمام تدخلات مباشرة أو غير مباشرة تمس جوهر القرار الوطني. فالمبعوث الأميركي الخاص توم باراك، يتجاوز الوساطة إلى فرض أجندات تحت عناوين التشاركية والمحاصصة، وهو ما نشاهده اليوم حيث يتوسط ويرأس بعض اللقاءات مع بعض الجماعات المحلية ومع إسرائيل، معيداً إلى الأذهان التجربة العراقية مع بول بريمر، الذي أسس نظاماً يقوم على المحاصصة الطائفية.

ربما يكون ما تمر فيه سوريا اليوم من أصعب اللحظات، التي ستلعب دوراً حاسماً في رسم مستقبلها، فثمة قوى ومصالح لا تريد لسوريا التقدم، وهو ما تجلى في أحداث الساحل والسويداء وحتى المفاوضات مع “قسد”، ومواجهة التحديات تلك لا تنجح إلا من خلال تشاركية وشفافية على أسس وطنية، تتعامل بحزم مع الخصوم كتيارات سياسية لا كجماعات، أسس يمكن أن تخفف حالة التجييش والتعبئة على أسس طائفية يمكن أن تدمر البلاد، والتعامل مع تلك التيارات من خلال مؤسسات الدولة التي يمكن محاسبتها، لا من خلال جماعات أهلية، أياً كانت الدواعي. فمشاركة هذه الجماعات يمكن أن تفتح الباب لحرب أهلية نحن بغنى عنها. والأمر الآخر الذي لا يقل خطورة هو الارتكان إلى العامل الخارجي، في ظل هذا الانقسام المجتمعي والتجييش الكبير، حيث يمكن الانقلاب في أي لحظة من طرف تلك القوى لغير مصلحة البلاد.

رغم المصاعب، ثمة فرصة لبناء دولة سورية حديثة، من خلال حوار وطني موسع يخفف من الانقسامات الطائفية ويرسم خطوطاً عامة لإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس وطنية بعيداً عن الأيديولوجيات على كامل الأرض السورية، واعتماد خطاب سياسي يعامل الأطراف المختلفة كتيارات سياسية ومدنية لا جماعات مذهبية وإثنية والموازنة بين الداخل والخارج، لصالح التوافق الداخلي، رغم أهمية الاعتراف الدولي، مما يخفف فاتورة إعادة البناء، وخاصة البشرية.

——————————-

مسألة السويداء.. الدور التركي وسط تحديات الاستقرار السوري/ أيهم الشيخ

24 يوليو 2025

أدلى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بتصريحات بارزة حول الوضع في محافظة السويداء جنوب سوريا، خلال حديثه مع الصحفيين في 21 تموز/ يوليو الجاري، على متن الطائرة الرئاسية أثناء عودته من جمهورية شمال قبرص التركية. ركزت تصريحاته على دعم استقرار سوريا، موقف الحكومة السورية بقيادة أحمد الشرع، والتحديات المرتبطة بإدخال قوات الأمن السورية إلى السويداء، مع التطرق إلى التدخلات الإسرائيلية والدور المحلي للفصائل الدرزية.

وتشهد السويداء، منذ يوم 13 من الشهر الجاري، توترات أمنية ناتجة عن نزاعات بين فصائل درزية وعشائر بدوية، تطورت إلى مواجهات مسلحة أسفرت عن سقوط عشرات القتلى، بما في ذلك 18 عنصرًا من قوات الأمن السورية. حاولت الحكومة السورية فرض الأمن من خلال نشر قواتها، لكنها واجهت مقاومة من فصائل درزية، خاصة تلك التي يقودها حكمت الهجري، مما أدى إلى انسحاب القوات الحكومية في 17 يوليو 2025، تاركةً الفصائل المحلية لحفظ الأمن. كما تصاعدت الغارات الإسرائيلية على المنطقة بدعوى “حماية الدروز”، مما زاد من تعقيد المشهد.

في هذا السياق، يرى العميد الخالد، الخبير العسكري السوري، أن “الوضع في السويداء يعكس تعقيدات أمنية عميقة ناتجة عن صراعات محلية بين الفصائل الدرزية والعشائر البدوية، إضافة إلى التدخلات الخارجية. دخول قوة أمنية سورية مكونة من 2500 فرد بأسلحة خفيفة، كما أشار أردوغان، هو خطوة إيجابية ولكنها غير كافية لفرض السيطرة الكاملة، خاصة مع مقاومة فصائل مثل تلك التي يقودها حكمت الهجري، والتي تعرقل جهود الحكومة السورية”.

وكان أردوغان أشار إلى السماح بدخول قوة أمنية سورية مكونة من 2500 فرد مسلحين بأسلحة خفيفة إلى السويداء، لكنه أكد وجود صعوبات في السماح بدخول الشرطة أو الجيش السوري بسبب مقاومة الفصائل المحلية. ووصف هذه القوة بأنها جزء من جهود بسط الأمن، مشيرًا إلى أن السويداء تُحاصر لمنع دخول “عناصر خارجية”. كما أشاد بموقف الرئيس السوري أحمد الشرع، واصفًا إياه بالحازم لعدم تقديمه تنازلات، وأكد أن استقرار سوريا سيفيد العلاقات التركية-السورية.

من جانبه، يؤكد خزيمة العبدو، خبير العلاقات الدولية وحامل ماجستير في العلوم السياسية، أن “تصريحات أردوغان تعكس استراتيجية تركية واضحة تهدف إلى تعزيز الاستقرار في سوريا كجزء من سياسة خارجية تهدف إلى تعزيز نفوذ أنقرة في المنطقة. دعم أردوغان لأحمد الشرع يعكس رغبة تركيا في بناء علاقات قوية مع الحكومة السورية الجديدة لضمان مصالحها الأمنية والسياسية”.

واتهم أردوغان إسرائيل بمحاولة عرقلة استقرار سوريا، معتبرًا أنها لا ترغب في رؤية سوريا موحدة لأن ذلك يتعارض مع مصالحها. وأشار إلى أن الغارات الإسرائيلية تهدف إلى تفكيك البلاد، معبرًا عن رفض الشعب السوري لما وصفه بـ”مكائد إسرائيل”. في هذا الصدد، يرى العميد الخالد أن “الغارات الإسرائيلية على السويداء، بدعوى حماية الدروز، هي محاولة واضحة لزعزعة استقرار المنطقة وإضعاف الحكومة السورية. هذه التدخلات تزيد من تعقيد المشهد العسكري وتتطلب تنسيقًا سوريًا ـ تركيًا لمواجهتها، مع التركيز على تعزيز السيادة السورية”.

كما أوضح العبدو أن “وجود فصيل درزي موالٍ لإسرائيل، كما أشار أردوغان، يعقد جهود التهدئة ويبرز تحديات الحكومة السورية في فرض سيطرتها. هذا الانقسام يتطلب مقاربة دبلوماسية من الحكومة السورية، بدعم تركي، لكسب تأييد الفصائل المتعاونة وتحييد تأثير الفصيل الموالي لإسرائيل من خلال حوار سياسي وعروض ضمانات أمنية”.

وأوضح أردوغان وجود انقسام بين الفصائل الدرزية في السويداء، حيث وافق اثنان من الفصائل الثلاثة على وقف إطلاق النار خلال محادثات في عمان، بينما يتعاون الفصيل الثالث، الذي يقوده حكمت الهجري، مع إسرائيل، مما يعيق جهود التهدئة. وأشار إلى أن هذا الفصيل يواصل “إثارة الفوضى”، مما يعكس التحديات التي تواجه الحكومة السورية في فرض سيطرتها.

في السياق العسكري، يشدد العميد الخالد على أن “مقاومة الفصائل الدرزية المحلية لدخول قوات الأمن السورية تشير إلى تحديات عسكرية كبيرة. الفصيل الذي يقوده الهجري، والذي يُتهم بالتعاون مع إسرائيل، يشكل عقبة رئيسية. هذا يتطلب استراتيجية عسكرية دقيقة تجمع بين الحسم العسكري والتفاوض لتجنب إراقة المزيد من الدماء”.

لعبت تركيا دورًا وسيطًا مهمًا في الأزمة، حيث أسهم جهاز الاستخبارات التركي، بقيادة إبراهيم قالن، في التوصل إلى اتفاقات لوقف التصعيد. وأشاد أحمد الشرع بهذا الدور، مؤكدًا أن الوساطة التركية، إلى جانب جهود عربية وأميركية، ساعدت في الحد من التصعيد الإسرائيلي. ويؤكد العميد الخالد أن “تركيا تلعب دورًا محوريًا في تهدئة التوترات بالسويداء من خلال وساطتها، وهو ما أثبتته مشاركة جهاز الاستخبارات التركي في مفاوضات عمان. هذا الدور يعكس حرص أنقرة على استقرار سوريا، ليس فقط لدعم الحكومة السورية، بل أيضًا لمنع أي تصعيد قد يؤثر على أمنها القومي عبر الحدود المشتركة”.

من ناحية أخرى، يرى العبدو أن “مشاركة تركيا في مفاوضات عمان، إلى جانب الأردن والولايات المتحدة، تؤكد موقعها كوسيط إقليمي رئيسي. هذا الدور لا يقتصر على تهدئة التوترات في السويداء، بل يمتد إلى تعزيز الاستقرار السياسي في سوريا، مما يخدم هدف تركيا في منع أي تقسيم محتمل لسوريا قد يؤثر على أمنها القومي”.

أكد الدكتور مرتضى كوزماك، الباحث في الشأن التركي والمحلل السياسي، في حديث خاص لموقع “الترا سوريا”، أن خروج سوريا من “النفق المظلم” الذي تمر به يعتمد بشكل كبير على مستوى الدعم التركي المقدم لمواجهة التحديات الماثلة أمامها. وأوضح كوزماك أن تركيا “مجبرة” على دعم سوريا والحفاظ على وحدتها، معتبرًا أن هذا الدعم يصب في مصلحة أمنها القومي. وأشار إلى أن تركيا، حتى اللحظة، تلعب دورًا مهمًا في تأمين ظهر الحكومة السورية، خاصة في منطقة شرق الفرات، لمواجهة أي “تحركات غادرة”. كما شدد على أن تركيا لن تترك ملف محافظة السويداء دون تدخل، مؤكدًا أنها ستتخذ موقفًا حيال التطورات هناك. ومع ذلك، أعرب كوزماك عن قلقه من تأخر التدخلات التركية، مشيرًا إلى أنها غالبًا لا تتحرك “إلا في وقت متأخر”، مما يعقد الأوضاع أحيانًا.

في سياق متصل، يشير العميد الخالد إلى أنه “يجب على الحكومة السورية، بدعم تركي، تعزيز قدراتها العسكرية في السويداء من خلال نشر قوات مدربة بشكل أفضل وتزويدها بإمكانيات لوجستية متقدمة. كما ينبغي العمل على كسب تأييد الفصائل الدرزية المتعاونة لضمان استقرار طويل الأمد، مع وضع خطط لعزل الفصائل الموالية لإسرائيل عسكريًا وسياسيًا”.

ويختتم العبدو تحليله بالقول إن “تصريحات أردوغان تشير إلى مرحلة جديدة في العلاقات التركية-السورية، حيث تسعى تركيا إلى تعزيز التعاون مع الحكومة السورية لمواجهة التحديات المشتركة. هذا التعاون يمكن أن يمتد إلى مجالات اقتصادية وسياسية، مما يعزز من استقرار سوريا ويفتح المجال لعودة اللاجئين السوريين في تركيا، وهو هدف استراتيجي لأنقرة”.

———————–

وجهاء وأبناء عشائر يدينون الزجّ بهم في معركة السويداء

أصوات عشائرية رافضة للفزعة وطلاب جامعيون في خطر

23-07-2025

        تتسارع وتيرة الاستقطاب في المجتمع السوري منذ عدة أشهر، وبلغت ذروتها مع مشاركة مسلحين ينتمون لعشائر وقبائل في الهجوم على محافظة السويداء، ضمن ما عُرف بـ«الفزعة لتحرير أسرى من عشائر البدو ومواجهة الفصائل المحلية هناك»، بحسب دعاية الإعلام الموالي للسلطة.

        خلال المعارك، وثّقت منظمات حقوقية وشبكات محلية انتهاكات عديدة ارتُكبت من مختلف الأطراف، ونُسب جزء كبير منها إلى مسلحين تحركوا باسم العشائر، رغم أنهم لم يكونوا الطرف الوحيد في القتال، إذ سُجّل أيضاً وجود مقاتلين تابعين لوزارة الدفاع، وآخرين قدِموا من مناطق سورية متفرقة.

        لكن، في ظل ما شهده الجنوب من اقتتال وجرائم ضد الإنسانية، عبّر العديد من أبناء العشائر عن رفضهم الزجّ بأبنائهم في هذه المواجهات، مؤكدين موقفهم الرافض للتحريض على القتل أو استغلال اسم القبيلة في حرب لا علاقة لهم بها.

        وقد جسّد هذا الموقف الشيخ علي عبيد البندر، أحد وجهاء عشيرة «البوچمال»، في تسجيل مصور وجّه فيه رسالة إلى إبراهيم الهفل وشيوخ من قبيلة العكيدات وآخرين، حمّلهم فيها مسؤولية التحريض وسفك الدماء، داعياً أبناء العشائر إلى تفادي ما وصفها بـ«الفتنة» والابتعاد عنها.

        رفض شعبي داخل العشائر

        الناشط بشير مسلط الهويدي، من إحدى كبرى عشائر محافظة الرقة، قال إن الزجّ بالعشائر كطرف في الصراع يشكّل استهدافاً مباشراً للنسيج الاجتماعي في سوريا، مضيفاً:

        «ما جرى في السويداء كان صادماً ومؤلماً لكل السوريين، وانتكاسة لمسار السلم الأهلي. نترحم على المدنيين الأبرياء، وندعو لوقف العنف فوراً والعودة إلى الحوار، واحترام دور المكونات الاجتماعية في حفظ السلم، لا إشعال النزاعات».

        وأكّد الهويدي أن العشيرة «كانت ولا تزال إطاراً اجتماعياً لحماية السلم الأهلي وحفظ الكرامة، وليست قوة عسكرية رديفة»، مضيفاً: «نؤكد أن مسؤولية حماية المدنيين تقع بالدرجة الأولى على عاتق الدولة، وأن الزج بالعشائر في دوامة الاقتتال سيدفع البلاد نحو مزيد من الانقسام والحرب الأهلية، وهو أمر مدان ومرفوض».

        ورغم مشاركة مقاتلين قالوا إنهم ينتمون للعشائر، عبّر كثر من أبناء ووجهاء هذه العشائر عن رفضهم الكامل للزجّ بهم في صراع لا يمثلهم، وأكدّوا أن الخلط بين العشيرة كمكون اجتماعي، وبين مجموعات مسلحة تابعة لها أو تدّعي تمثيلها مدفوعة بأجندات سياسية أو أمنية، يُكرّس الفتنة ويشوّه صورة مكون اجتماعي أصيل.

        من هم قادة «الفزعة»؟

        يطرح كثيرون داخل المجتمعات العشائرية تساؤلات عن الجهات التي قادت «الفزعة». يقول الحسن الخلف، من أبناء عشائر منبج بريف حلب الشرقي: «أي فزعة عشائرية يقودها نواف البشير وعناصر المرسومي وعناصر محمد خير ذياب الماشي! هؤلاء كانوا يصفقون ويطبلون لبشار الأسد، وأنا رصدت وجود عناصر كانوا سابقاً في داعش ضمن المقاتلين الذين هاجموا السويداء، وأحدهم كان أمنيّاً في التنظيم. هؤلاء ذهبوا لتبييض صفحاتهم أمام الحكومة الجديدة ولا يمثلون العشائر».

        ويضيف الخلف في تسجيل آخر: «تحرك العشائر إهانة للدولة. في بلد لديها سيادة ووزارة دفاع، تخرج الناس فزعة بشكل عشوائي! نحن في مرحلة ما قبل الدولة حالياً، وهناك كثيرون من أبناء العشائر ضمن محيطي على الأقل يرفضون ما حدث».

        التعميم خطرٌ آخر

        من جانبه، قال إيهاب خلف، من أبناء عشائر محافظة الرقة: «نحن ضد ما يحدث، وإذا خرج 10 أشخاص من عشيرة البوشعبان مثلاً، فباقي العشيرة لا علاقة لهم. لا ينبغي التعميم، وهذه فتنة استُغلَّ فيها مراهقون وأشخاص لا يمتلكون أدنى مقومات الحياة. على أي أساس يحاربون؟ شاهدوا بضعة مقاطع فيديو وتم استغلالهم في معركة ليسوا طرفاً فيها، وبسلاح منفلت. أليس من المفروض أن يكون السلاح حصراً بيد الدولة؟».

        ماذا بعد؟

        إن تبعات هذا الاقتتال لم تقتصر على الميدان العسكري أو الميداني فحسب، بل امتدت لتطال مدنيين في أماكن بعيدة عن ساحة المواجهة، وسط قلق متزايد على مصير طلبة انقطع الاتصال بهم في السويداء. يتعرض طلاب جامعيون من أبناء محافظة السويداء لموجة اختفاءات واعتقالات تعسفية في عدد من الجامعات السورية، وسط تصاعد التحريض الطائفي. أكّد أهالي عشرة طلاب في جامعة اللاذقية احتجاز أبنائهم خلال الأيام الماضية، وهم: قيس ونواف عمارة، أكثم شرف، نواف غزالي، مجيد البني، تيم رحال، قيس غرز الدين، غدير الكفيري، عدي جغامي، وعمار فندي الدعبل، بعد أن داهمت عناصر الأمن الداخلي غرفهم في السكن الجامعي.

        وفي دمشق، اعتُقل الطالب عبادة خداج من غرفته بالسكن الجامعي في 15 تموز (يوليو)، ولا يزال مصيره مجهولاً. كما فُقد الاتصال بالطالب حازم عماد بلان بعد خروجه من جرمانا، حيث انتقل إليها بعد تعرضه لتهديدات في سكن كلية الهندسة الميكانيكية.

        وشهدت المدينة الجامعية في حلب اعتداءات على طلاب دروز، ما أثار الخوف في أوساط مئات الطلاب من السويداء المنتشرين في جامعات سوريا. في المقابل، طالبت عائلات خمسة طلاب من محافظات أخرى كانوا يدرسون في السويداء، بمعرفة مصير أبنائهم المختفين منذ أسبوع.

        تهدأ الأمور تدريجياً في محافظة السويداء مع الاتفاق على وقف إطلاق النار وانسحاب معظم مقاتلي العشائر من محيط المحافظة، إلا أن ما حدث سيترك تداعيات كبرى على النسيج السوري، ما لم تُتخذ خطوات واضحة لمحاسبة مرتكبي الجرائم، وضبط السلاح المنفلت، وجبر ضرر الضحايا وذويهم.

موقع الجمهورية

————————-

سوريا بين مشهدين/ عالية منصور

آخر تحديث 26 يوليو 2025

في الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024 سقط نظام الأسدين، هرب بشار الأسد خارج البلاد، وانتهت حقبة سوداء من تاريخ المنطقة، وليس تاريخ سوريا فحسب.

سقوط نظام الأسدين ليس تفصيلا، ولا هو حدث عابر تنتهي مفاعيله بعد أيام وأسابيع، هو زلزال لن تنتهي هزاته الارتدادية في سوريا والمنطقة لأعوام، وحدهم الحالمون يتوقعون أن تنتقل سوريا من سوريا الأسد إلى سوريا دولة المواطنة (كما ذكر البيان الختامي لمؤتمر الحوار الوطني) بأسابيع أو حتى شهور.

بعد أسابيع من سقوط نظام الأسد، كتبت على صفحات “المجلة” أنه لا يمكننا أن نصف ما يواجه سوريا بـ”التحديات” بل “حقل ألغام” يكاد ينفجر فينا جميعا إن لم نستطع تفكيكه.

من إسرائيل إلى “داعش” وإيران، إلى الوضع الداخلي الاقتصادي والمعيشي والاجتماعي، وغياب عامل الثقة بين السوريين أنفسهم، وبين بعض السوريين والدولة، كلها ألغام بعضها بدأت السلطة بتفكيكه ونجحت، وبعضها فكك بدعم عربي ودولي، وتحديدا سعودي غير مسبوق كالعقوبات، وبعضها الآخر انفجر كتفجير “داعش” الإرهابي في كنيسة الدويلعة بريف دمشق قبل شهر، أو تم تفجيره عن بُعد كما حصل في السويداء مؤخراً، وقبلها في الساحل في مارس/آذار الماضي.

بالأمس كانت أحداث السويداء المؤلمة وعمليات القتل المستنكرة والمدانة، كيف ولماذا حصلت هذه الفاجعة، هل هو فخ وقعت فيه السلطة في دمشق، ستستمر تبعاته لفترة ليست قصيرة؟ كيف دخلت إسرائيل على خط المعارك، وإلى أي حد كانت إسرائيل تنوي التصعيد، لولا الضغط الذي مارسته المملكة العربية السعودية، والأردن وتركيا من خلال الولايات المتحدة لوقف جنون نتنياهو، قبل أن يزيد من حرائق المنطقة، التي ما زالت مشتعلة أساسا بسبب الحرب على غزة، كلها أمور ستتكشف تباعا.

بينما كان الاقتتال على أشده، صدر بيان جماعي عن 10 دول عربية، إضافة إلى تركيا، أهم ما جاء فيه تأكيد هذه الدول على دعم أمن سوريا، ووحدتها واستقرارها وسيادتها، ورفض كل التدخلات الخارجية في شؤونها، وإدانة الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، التي تقوض جهود الحكومة السورية لبناء سوريا الجديدة، بما يحقق تطلعات وخيارات شعبها الشقيق. والتأكيد أن أمن سوريا واستقرارها، ركيزة للأمن والاستقرار الإقليميين وأولوية مشتركة، إضافة إلى دعوة المجتمع الدولي إلى دعم الحكومة السورية في عملية إعادة البناء.

بوساطة ورعاية أميركية، ودعم أردني وتركي، وبعض من دول الجوار كما ذكر، أعلن المبعوث الأميركي توم باراك الاتفاق بين الحكومتين السورية والإسرائيلية، وقف إطلاق النار في السويداء، وما هي إلا ساعات حتى أعلنت المملكة العربية السعودية، من خلال وزارة الاستثمار السعودية، عزمها تنظيم منتدى استثماري سعودي-سوري في العاصمة دمشق، في خطوة هي الأولى من نوعها، ليُعقد المنتدى الأول من نوعه بين البلدين بعد يومين من الإعلان عنه، ويتم توقيع 47 اتفاقية ومذكرة تفاهم، بقيمة تصل إلى 24 مليار ريال (نحو 6.4 مليار دولار).

هذا ليس سردا إخباريا، بل محاولة نقل صورة أوسع لما يحصل في سوريا اليوم، مشروعان متنافسان، مشروع الفوضى والحروب المتعددة، والتي تغذيها مرة إيران وفلول الأسد ومرة إسرائيل ومرة “داعش”، ومشروع استقرار سوريا وأمنها كـ”ركيزة للأمن والاستقرار الإقليميين” كما ذكر بيان الدول العربية وتركيا. وبين هذين المشروعين يبدو خيار السوريين بديهيا، ولكنه ليس كذلك.

ليس لأن بعض السوريين يريد تفتيت سوريا أو يرفض استقرارها، بل لأن السوريين اليوم لا يثقون ببعضهم بعضا، وكثير منهم ولأسباب قد تكون أيديولوجية، لا يثقون بحكومتهم، اليوم وأكثر من الشهور السابقة، على الدولة السورية أن تثبت أنها لجميع السوريين، لجان التحقيق والعدالة ضرورية لبناء الثقة، ولكننا نريد وقف التجاوزات بدل فتح التحقيق تلو التحقيق، بعد كل لغم ينفجر أو يُفجر بنا.

اليوم وأكثر من أي وقت مضى، على الدولة السورية أن تفتح مجال العمل السياسي، ليتعرف السوريون على بعضهم البعض، ليختلفوا ويتوافقوا بالسياسة، لا بالقتال والتخوين والتحريض.

اليوم وأكثر من كل يوم، نحن بحاجة الى أن تتعاطى الحكومة بشفافية مع الشعب، فهذا الشعب شريك في التحرير، ولا بد أن يكون شريكا في البناء.

المجلة

—————————

ليث البلعوس.. رجل المسار المحفوف بالموت/ صبحي فرنجية

مرحلة جديدة في حياته

آخر تحديث 26 يوليو 2025

قائد فصيل “مضافة الكرامة”، رجل تنقسم تقييمات العيون في السويداء حين تنظر إليه، وشخصية دخلت باب الجدل في أوساط الدروز، فالبعض يراه صاحب تيار السلام والتهدئة، ومواجهة محاولات التقسيم ونشر الفتنة بين الدروز والبدو في محافظة السويداء، في حين يراه آخرون جزءا من مخطط الحكومة السورية الساعي لتسليم دفّة القيادة في السويداء إلى شخص يواليها. إنه ليث البلعوس، ابن بلدة المزرعة بريف السويداء، ونجل الشيخ وحيد البلعوس مؤسس حركة “رجال الكرامة” الذي قال: “إن كرامتنا أغلى من بشار الأسد”، الجملة التي دفع ثمنها حياته في عام 2015.

نجا من الموت أكثر من مرّة، الأولى في شهر مايو/أيار 2023، عندما تعرضت سيارته لإطلاق رصاص من قبل مجهولين، في الوقت الذي كانت قواته في حالة توتر شديد مع النظام والميليشيات الإيرانية على خلفية عدائه المباشر والعلني للمشروع الإيراني ونفوذ “حزب الله” اللبناني في السويداء وسوريا، ووقوفه مع الاحتجاجات التي كانت تشهدها السويداء في تلك الفترة ضد النظام السوري وسياساته. وفي الفترة التي سبقت محاولة الاغتيال، قام رئيس إدارة المخابرات الجوية حينها، اللواء غسان إسماعيل، بتهديد كل من “مضافة الكرامة”، وشيوخ العقل الدروز، بتدمير السويداء وحرقها في حال استمرّت في مواجهة النظام والاحتجاج ضدّه.

وكان ليث البلعوس رفقة عدّة فصائل أخرى، تحت مظلة “شريان واحد” في ديسمبر/كانون الأول 2018، ولعبوا دورا فاعلا على مدار سنوات، في ردع قوات النظام وعناصره وقادته، عن خلخلة الأمن في السويداء، كما كان ليث أحد القادة في السويداء، الذين شنّوا عدة عمليات عسكرية، ضد مهربي ومروجي المخدرات في السويداء، الأمر الذي اعتبره “حزب الله” اللبناني وعصاباته في السويداء تهديدا مباشرا لهم.

البلعوس أشهر عداءه لإيران وأذرعها، وقال في تصريحات مصوّرة إن قواته وأهالي السويداء، يرفضون كل أشكال التدخل الإيراني و”حزب الله” اللبناني في السويداء بشكل خاص، وسوريا بشكل عام، ورأى أن هذا التدخل “لم يأت إلا بالويلات للمنطقة”، ووصفه بأنه “يد العبث والفتنة والتفرقة بين السهل والجبل” (السويداء ودرعا)، وأن تدخل إيران و”حزب الله” اللبناني في سوريا، كانا سبب انتشار المخدرات والعصابات، مدعومين من قبل النظام، وأكد أكثر من مرة أن الذين يروجون لهذه المخدرات، يحملون بطاقات أمنية، ويتبعون للأجهزة الأمنية التابعة للنظام السوري آنذاك. البلعوس أيضا اتهم إيران و”حزب الله” اللبناني بالوقوف خلف عدّة تفجيرات في السويداء، وقال إنه لا مسامحة مع جرائم “حزب الله” وإيران في المنطقة.

في عام 2021 صعّد ليث البلعوس من موقف المواجهة مع سلطة دمشق، وعدّ أن النظام لم يعد مرحبا به بين أهالي السويداء، وأنهم فقدوا الثقة به، لأن عصابات النظام هم من ينشرون المخدرات، ويقومون بعمليات الخطف والابتزاز، كما أن نظام الأسد فشل في تأمين “أهم أساسيات” الحياة: حفظ الأمن والأمان، ومكافحة الإرهاب والقتل والنهب، وتأمين لقمة العيش.

وجود فصائل في السويداء مثل (مضافة الكرامة/قوات شيخ الكرامة/ رجال الكرامة) وغيرها من مجموعات صغيرة أو عائلية، شكّل قوّة ضاربة في وجه مخططات النظام السوري للسيطرة على السويداء، كما لعبت هذه القوى دورا في حماية مركز المحافظة، من حملات الاعتقال، التي كان يمكن أن تحصل بكثافة بعد عام 2020، عندما أصبحت غالبية السويداء على المستوى المدني والديني والفصائلي ضد النظام ونادت بسقوطه، هذا التطور شكّل ضغطا داخليا وسياسيا على بشار الأسد، الذي كان يصوّر للعالم أجمع أن الأقليات في سوريا يؤيدونه، وأنه الحامي لهم. كما أن هذه القوى شكّلت حائط صدّ في وجه محاولات إيران وميليشياتها التدخل والتوغل في السويداء.

وعلى الرغم من أن ليث البلعوس، لم يُبدِ عداء واضحا للروس في سوريا، والتقى معهم في السويداء، إلا أنه رفقة قوى أخرى، وقفوا أيضا حاجزا منيعا في وجه تحوّل السويداء إلى ملعب روسي، وهدفهم كان أن لا تصبح المحافظة بوابة مواجهة مباشرة بين روسيا وإيران، تلك المواجهة التي كانت واضحة بشكل جليّ بعد عام 2018 في الجنوب السوري.  

في شهر أغسطس/آب 2024 وصلت حالة التوتر بين قوات ليث البلعوس، والنظام السوري إلى أوجها، فحاول النظام اغتيال ليث البلعوس للمرة الثانية من خلال استهداف اجتماع لقيادات محلية من السويداء، كان يحضره ليث البلعوس في منزل الشيخ بهاء الجمال، بحي القلعة بالسويداء، لينجو من الموت للمرّة الثانية.

مع انطلاق عملية غرفة ردع العدوان نهاية شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2024، ضد النظام السوري، بقيادة “هيئة تحرير الشام” التي كان يرأسها الرئيس أحمد الشرع، بدأت عدّة فصائل في السويداء التنسيق مع قوات ردع العدوان، وتوحيد الجهود معها لمواجهة النظام السوري، ولعب ليث وفصيله دورا في هذا التنسيق. وبعد سقوط النظام، كان من أوائل الشخصيات، رفقة زعيم “تجمع أحرار جبل العرب” سلمان عبد الباقي، الذين اعترفوا بالرئيس الشرع، ولعب دور الوسيط بين الحكومة السورية وفصائل السويداء، وحضروا اجتماعات عدّة مع الرئيس الشرع، ووزير الدفاع مرهف أبو قصرة، وذلك في سبيل تذليل العقبات أمام جهود الحكومة السورية الجديدة، لتوحيد البندقية في البلاد.

نفوذ ليث البلعوس ازداد بشكل كبير خلال الاشتباكات، التي حصلت في كل من جرمانا وأشرفية صحنايا بين ممثلين عن بعض فصائل السويداء من جهة، والأمن العام إضافة إلى مجموعات مسلحة من الغوطة من جهة أخرى، هذا النفوذ تُوّج من خلال مقترح الحكومة السورية لحل الخلاف، بأن تكون حواجز الأمن العام في جرمانا والسويداء مزيجا من الأمن العام، وعناصر من قوات ليث البلعوس، وعلى أثرها بدأ ليث البلعوس بعمليات تطويع شباب من السويداء، ليكونوا في الأمن العام ويشاركوا في عملية حفظ الأمن في السويداء.

هذا النفوذ الذي بدأ ليث يكسبه في دمشق، أثار حفيظة مكونات عسكرية في السويداء، سيّما أنهم اعتبروا هذا النفوذ كحصان طروادة، الخاص بالحكومة السورية، لاختراق أسوار السويداء، التي كانوا يبنونها للتفاوض مع دمشق من أجل عدم تسليم سلاحهم، وبقاء المحافظة بين أيديهم من ناحية الإدارة الأمنية والعسكرية. وللمرة الثالثة تعرض ليث لمحاولة اغتيال، نجا منها مطلع شهر مايو/أيار من العام الجاري، حين قام مجهولون بإطلاق رصاص على سيارته في بلدة شهبا بريف السويداء.

يقف ليث البلعوس على أبواب مرحلة جديدة من حياته، فهو المُرشح الأبرز لقيادة جهود الحكومة السورية للتهدئة والتفاوض في السويداء، ورجل دمشق لقيادة إدارة الأمن في المحافظة، إلا أنه في الوقت نفسه أصبح عدوا من وجهة نظر فصائل عسكرية، وتجمعات مدنية في السويداء، ويعدّونه واقفا في خندق المواجهة ضدهم، وذلك بعد الأحداث الدامية التي ما زالت سوريا عموما، والسويداء تحديدا في مواجهة تداعياتها على المستوى الطائفي والسياسي والاجتماعي، خصوصا مع سقوط مئات القتلى والجرحى في صفوف المدنيين والمقاتلين (دروزا، وبدوا، وقوات حكومية) عقب أيام من الاقتتال، الذي خرج عن حدوده التقليدية (صراع الدروز والبدو) مع تدخل إسرائيل في سوريا، بذريعة حماية الدروز، وصولا إلى ما أطلق عليه “فزعة العشائر” لدعم البدو في  السويداء.

ليث البلعوس اليوم أمام اختبار المسار، الذي سار به على خطى أبيه، من مواجهة الأسد والنفوذ الخارجي، إلى التحالف مع الدولة الجديدة، لدعم جهود توحيد البندقية والجغرافيا، ومواجهة سردية أن الدروز يحتاجون لإسرائيل لحمايتهم، فهل تنجح مساعي ليث ليصبح الرجل الذي حلّ أحد أعقد التوترات التي شهدتها محافظة السويداء، منذ سقوط النظام السوري؟ ويكون الجسر الذي يوّحد الطريق بين المحافظة والحكومة السورية؟ أم أن هذه المرحلة، هي نقطة أفول نجم ليث على المستوى المحلي في السويداء، بعد وقوفه مع دمشق وتوجهاتها.

المجلة

———————

الخطر الحقيقي على سوريا ولبنان/ عبد الحليم قنديل

دمشق في خطر وكذلك بيروت، وبعيدا عن قصص « دمشق لنا إلى يوم القيامة»، وعاصمة بنى أمية وغيرها، وما شاكلها وما عاكسها من شعارات وملاسنات تاريخية لا معنى لها في الواقع ولا في المستقبل، فإن دمشق اليوم ـ للأسف ـ تحت رحمة غارات ونيران كيان الاحتلال «الإسرائيلي»، وقد يقال إنها كانت كذلك في عهد بشار، الذي لا يبكيه أحد عاقل، وهذا صحيح تماما، لكن دمشق انزلقت مع هروبه وبعده إلى هوة دمار سحيقة، وانقضى ذكر الجيش السوري، الذي جرى تسريحه قبل التغيير في ملابسات لا تزال غامضة، ثم جرى حله رسميا، وإلغاء مبدأ التجنيد الوطني العام، تماما كما جرى في العراق قبل عقود مع غزوة الاحتلال الأمريكي وتوابعها، وانتهينا إلى انكشاف مرعب، دمرت معه «إسرائيل» كل مقدرات السوريين العسكرية ذات القيمة، برا وجوا وبحرا، وصرنا أمام فصائل متناحرة، وحملات استنفار وتكفير ومجازر، تهدد بحرق ما تبقى من سوريا الحبيبة، وتدمير وحدتها المركزية من حول العاصمة دمشق، والاتجاه إلى تحويل البلد العربي المشرقي الأهم إلى كانتونات باسم «الفدرلة» واللامركزية وغيرها، وإذكاء احترابات الدم الأهلية والطائفية والعرقية والقبلية، واستنجاد أطراف مريبة بكيان الاحتلال «الإسرائيلي»، الذي دخل مباشرة بالنار على خطوط الدم .

وقد لا يكون هذا هو الوقت المناسب لتوزيع الاتهامات في محنة سوريا، فطلب النجدة من العدو «الإسرائيلي»، الذي لا يزال يحتل هضبة الجولان السورية بمساحة 1860 كيلومترا مربعا، أضاف إليها احتلاله لمساحة تقارب 700 كيلومتر مربع في جبل الشيخ والجنوب السوري، مع فرض نزع السلاح العسكري إلى جنوب دمشق، والاستنجاد بالعدو المحتل خيانة لا ريب فيها، لا تقل عنها خطورة سياسة الاستنجاد بالأمريكيين، وطلب العطف من إدارة دونالد ترامب، ومبعوثه إلى سوريا ولبنان توماس براك، الذي يقال إنه من أصول لبنانية بعيدة، بينما هو في السياسة «إسرائيلي» أكثر من «الإسرائيليين» أنفسهم، وبراك ـ كما هو معروف ـ سفير واشنطن في تركيا، التي حل نفوذها محل النفوذ الإيراني المطرود من سوريا، مع ذهاب حكم «بشار» الافتراضي.

لكن تركيا بحساباتها الذاتية المعقدة، لا تميل إلى مواجهة عسكرية مباشرة مع «إسرائيل» في سوريا، فوق أن الأطراف الخليجية الداعمة سياسيا واقتصاديا للوضع الحالي في سوريا، لا يخطر على بالها ولا على بال أحد، أن تخاطر بشبهة مواجهة جدية مع كيان الاحتلال، وبعضها منغمس إلى أذنيه في اتفاقات «إبراهيمية» حليفة لكيان الاحتلال، وآخرون يفكرون في الالتحاق بالقطار، ويسعون إلى توريط سوريا ذاتها في هلاك التطبيع، جزئيا أو كليا، وبدعوى تنمية الاستثمار في سوريا المنهكة بدمار 14 سنة من الحروب الداخلية والكونية، بينما إسرائيل، وأمريكا معها، لها حسابات مختلفة، فهي تريد إلحاق سوريا كلها بظل السيف «الإسرائيلي»، ونشر الفوضى وإدامة الحروب الأهلية، وإقامة «ممر داوود» من السويداء عبر دير الزور، إلى منطقة شمال شرق سوريا، حيث نفوذ الأكراد وجماعة «قسد»، وتتعامل مع الوضع السوري كغنيمة حرب، وكساحة مثالية للتقسيم الفئوي والطائفي والعرقي، الذي تسعى إليه، وتعتبر سوريا قلب شرق أوسطها الجديد، ولا يردعها رادع عربي ولا إقليمي، وتطبق المبدأ الاستعماري التليد «فرق تسد»، فهي لا تحب ولا تكره طائفة ولا فصيلا بذاته، إلا بقدر ما يقدمه الطرف المعني من فرص لتفتيت سوريا، ومنع نهوض دولة عربية سورية جامعة من جديد، فقد واتاها الظرف الذي لا تريد أن تضيعه، وكما نصت وثيقة (استراتيجية إسرائيل في الشرق الأوسط) المنشورة قبل أكثر من أربعين سنة، فهي تسعى لإقامة خمس دويلات متناحرة في سوريا، يتلاشى معها أي خطر قد يأتيها من سوريا، وخطة «إسرائيل» تحظى بتأييد دائم تلقائي من واشنطن، وأيا ما كانت الإدارة جمهورية كانت أو ديمقراطية، وقد يحلو لبعض العرب اسما، أن يواصل التضليل، وأن ينفخ في تسريبات مصنوعة تدعى معارضة في واشنطن لسلوك حكومة الكيان في سوريا، بينما المقاول براك قالها ببساطة، وأقصى ما أبداه من معارضة لغارات «إسرائيل» المدمرة لمقار وزارة الدفاع السورية وبالقرب من القصر الجمهوري، أن وصفها العجوز المخادع أنها جاءت في «توقيت غير مناسب»، ثم أضاف أنه لا بد من محاسبة الحكومة السورية على الانتهاكات، رغم ما سبق من تصريحات براك المحتفية الداعمة المشجعة لسلطة دمشق، ورفع كامل العقوبات عنها، ثم زاد براك الأمر وضوحا وقطعا عند ذهابه إلى بيروت بعد دمشق، وقال بصراحة «إننا ـ أي واشنطن ـ لا نستطيع إلزام إسرائيل بأي شيء»، لا في سوريا ولا في لبنان .

كانت أقوال براك الثرثار كاشفة، فليس لدى واشنطن أي اعتراض حقيقي على ما تفعله «إسرائيل»، إنما هو تكامل وشراكة وتوزيع للأدوار، وفى سياق تصور واحد حاكم، فرغم اختلافات ظاهرة في الوضع الرسمي الراهن بين سوريا ولبنان، إلا أن السياسة الأمريكية «الإسرائيلية» هي ذاتها، فقد تظاهرت واشنطن في البداية أنها ضد استمرار وجود «المقاتلين الأجانب» في سوريا، ثم سحبت اعتراضها على وجود غير العرب من الشيشان إلى الإيغور وعصائبهم الحمر، وأبقت الاعتراض فقط على شبهة وجود مقاومين فلسطينيين من «حماس» و»الجهاد الإسلامي»، فلا تبالى واشنطن بإذكاء نيران القتل داخل سوريا، وكل ما يهمها ألا يبقى أحد يفكر في معاداة «إسرائيل» ولو بالنوايا، ومبعوث العناية الأمريكية براك أعلن ذات مرة، أنه لا يوافق على تقسيمات «سايكس ـ بيكو» في المشرق العربي، وفهم البعض أنه لا يشجع المزيد من التفكيك، بينما كان المعنى الحقيقي هو العكس بالضبط، فقد كانت «سايكس ـ بيكو» تجزئة للأمة إلى أقطار، وعلى نحو ما جرى في تقسيم سوريا الكبرى إلى أقطار سوريا ولبنان والأردن وفلسطين، لكن الواقع المشرقي في العقود الأخيرة تدهور إلى ما هو أسوأ، وكدنا ننتقل من باب «تجزئة الأمة إلى أقطار» إلى تفكيك لا نهائي، تجرى فيه تجزئة الأقطار إلى أمم طائفية وعرقية وقبلية صغرى، وهو ما تعمل عليه «إسرائيل» اليوم ومعها واشنطن، وما يكشف الهدف الحقيقي لوساطات براك السامة، وقد توالت جولاته إلى بيروت وبهدف واضح معلن للكافة، بدا براك فيه أقل في الوقاحة اللفظية من سابقته الصهيونية الفجة مورغان أورتاغوس، الهدف ببساطة هو نزع سلاح «حزب الله»، وإخلاء لبنان كما سوريا من أي معارضة باللسان أو باليد للتوحش الأمريكي الإسرائيلي، وبدأ براك بخديعة صدقها بعض اللبنانيين، وبدعوى مقايضة نزع سلاح حزب الله مقابل إجلاء الاحتلال «الإسرائيلي» في الجنوب، وحين فوجئ بردين متتابعين من الترويكا اللبنانية (رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة ورئاسة مجلس النواب)، كان فحواهما محددا، ويطلب تقديم خطوة مشجعة بإنهاء الاحتلال، وحاول براك تمييع القصة كلها، وممارسة الضغط الأقصى على القيادات اللبنانية الرسمية، وطرح مقولة إن سلاح حزب الله مشكلة داخلية لبنانية، أما جلاء «إسرائيل» فلا حيلة لواشنطن فيه لأنها «لا تستطيع إلزام إسرائيل بأي شيء»، وهكذا انفضحت الخدعة كلها، فواشنطن تريد إشعال لبنان داخليا ودفع الجيش اللبناني إلى صدام مسلح مفتوح مع «حزب الله»، قد يكون الأخطر بمراحل من كل حروب لبنان الأهلية السابقة، مع أن «حزب الله» ليس جماعة ميليشيا داخلية، كما كان الأمر عليه في ميليشيات الحرب الأهلية (1975 ـ 1990)، التي لم يكن «حزب الله» طرفا فيها، بل قام تكوينه المسلح في مواجهة وبمناسبة الاحتلال «الإسرائيلي»، ولم يكن أبدا ـ باستثناءات نادرة ـ مشكلة داخلية لبنانية كما يدعى براك، الذي ينسق عمله الدبلوماسي مع العدوان العسكري اليومي لكيان الاحتلال، الذي ترفض واشنطن التعهد بوقفه أو بلجمه، وتحشر لبنان الرسمي في زاوية ودور وحيد مفترض، أن يشن حربا داخلية ضد قوات «حزب الله» ومخازن صواريخه وسلاحه، ودفع جماعات «إسرائيل» اللبنانية إلى الدخول في الحرب ضد «حزب الله» وقاعدته الاجتماعية، وإتاحة الحق لكيان الاحتلال في الدخول على خط النار «الأهلية» مع حزب الله، وإقامة حدود دم تفصل الطوائف اللبنانية، وربما مد الاحتراب الطائفي إلى سوريا وحدودها السائبة مع لبنان، وتغذية الثارات والأحقاد بين السنة والشيعة في عموم لبنان وسوريا .

وقد يفيد التعقل واستدعاء الحكمة في تجنب مصائر مفزعة تراد لسوريا ولبنان معا، لكن الضمانة الأكبر تبقى في كشف موارد الخطر الجامع، وفى مواجهة خطط وقوات العدو «الإسرائيلي» الأمريكي، وهم قادة وصناع الفتنة قبل وبعد فصائل وزعماء الطوائف والقبائل .

كاتب مصري

القدس العربي

————————

تصاعد التوتر بين تركيا وإسرائيل في سوريا/ رمضان بورصة

25/7/2025

بدأت عملية دمج القوات الكردية في الدولة السورية باتفاق وُقّع 10 مارس/ آذار 2025، عقب لقاء بين الرئيس السوري أحمد الشرع، وقائد قوات سوريا الديمقراطية “قسد” مظلوم عبدي.

وجرى اللقاء الثاني بين الشرع وعبدي في العاصمة دمشق بتاريخ 9 يوليو/ تموز، بمشاركة السفير الأميركي في أنقرة والمبعوث الخاص إلى سوريا، توم باراك. وقد جاء هذا اللقاء الثاني بعد أن كان الوفد الكردي قد أعلن في شهر يونيو/ حزيران عن مطلبه بدولة “ديمقراطية ولا مركزية”.

وكشفت التصريحات التي أعقبت اللقاء الثاني أن المحادثات بين حكومة دمشق وقوات سوريا الديمقراطية لم تسفر عن نتائج، وأن العملية لا تتقدم بشكل سليم.

وفي الوقت الذي كانت تمر فيه المفاوضات بين “قسد” وحكومة دمشق بمرحلة صعبة، أثرت الاشتباكات التي اندلعت في مدينة السويداء جنوب سوريا بين المليشيات المسلحة الموالية للزعيم الدرزي حكمت الهجري المدعوم من إسرائيل، والعشائر العربية البدوية، سلبًا على المفاوضات مع الوفد الكردي.

كما أن تدخل إسرائيل لصالح حكمت الهجري في اشتباكات السويداء، وقصفها قوات الجيش السوري ومقر هيئة الأركان العامة في دمشق، قد دفع الجماعات الكردية في شرق الفرات إلى إعادة التفكير في مواقفها.

اللقاء الثاني في دمشق

كانت تركيا تخطط لتنفيذ عملية عسكرية ضد قوات سوريا الديمقراطية فور سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024، وقد أتمت أنقرة كافة استعداداتها للعملية العسكرية.

وصرح وزير الخارجية التركي هاكان فيدان بأنهم “قبلوا عرض دمشق بضرورة إعطاء فرصة للمفاوضات والدبلوماسية، وبالتالي فإنهم يتابعون من كثب المفاوضات بين دمشق وقسد، لكن في حال عدم التوصل إلى نتائج، فلن يبقى خيار آخر سوى العملية العسكرية”.

وقد أظهرت تركيا بوضوح عزمها على عدم القبول بوجود أي كيان مسلح على حدودها غير مندمج في حكومة دمشق.

وقد أرضى الاتفاق الذي تم توقيعه في 10 مارس/ آذار 2025 بين أحمد الشرع ومظلوم عبدي تركيا. وأعرب هاكان فيدان عن ارتياحهم للاتفاق، مشيرًا إلى أنهم يتابعون من كثب عملية تنفيذه.

بيدَ أن اللقاء الثاني الذي عقد في يوليو/ تموز لم يكن إيجابيًا. فقد أصر مظلوم عبدي خلال اللقاء على إقامة دولة “لامركزية”. واعتبرت حكومة دمشق هذا المقترح “محاولة لفرض واقع انفصالي” ورفضته.

وأعلن المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، توم باراك، الذي حضر الاجتماع الثاني، أن الخلاف بين دمشق وقسد بشأن دمج شمال شرق سوريا لا يزال قائمًا.

إن السبب الرئيسي لعدم الخروج بنتيجة إيجابية من اللقاء الثاني في دمشق، هو أن تركيا وسوريا والولايات المتحدة تدافع عن خطة “سوريا موحدة”، بينما تقف “قسد” أقرب إلى الطرح الإسرائيلي الداعي إلى “سوريا مقسمة”.

تأثير أحداث السويداء

مما لا شك فيه أن الأزمة في السويداء وتدخل إسرائيل لتعميقها لا يؤثران فقط على جنوب سوريا، بل على سوريا بأكملها.

وتستغل إسرائيل الاشتباكات في السويداء بين الزعيم الدرزي حكمت الهجري المدعوم منها والجماعات المسلحة التابعة له من جهة، والعرب البدو من جهة أخرى، لتنفيذ مشروع “ممر داود”، وتتخذ خطوات لنشر الفوضى في جميع أنحاء سوريا.

إن انسحاب قوات الأمن السورية من السويداء في إطار اتفاق تم بوساطة أميركية بين الحكومة السورية وإسرائيل، قد دفع “قسد” إلى التحرك بما يتعارض مع اتفاق 10 مارس/ آذار.

وبينما كانت الاشتباكات مستمرة في السويداء وإسرائيل تقصف دمشق، تناقلت وسائل الإعلام العالمية أنباء عن استعدادات عسكرية لقوات سوريا الديمقراطية في الرقة.

ورغم أن العلاقة الإستراتيجية بين الولايات المتحدة وقسد مستمرة منذ أكثر من 15 عامًا، فإن “قسد” تفضل الوقوف إلى جانب إسرائيل في الملف السوري. وذلك لأنّ مشروع “ممر داود” الذي تسعى إسرائيل لتنفيذه في سوريا يشمل إقامة حكم ذاتي أو فدرالية في كل من السويداء وشرق الفرات.

وتؤدي أحداث السويداء وتدخلات إسرائيل إلى تأخير دمج قوات سوريا الديمقراطية في الدولة السورية، وتهيئ الأرضية لعودة نشاط العصابات التي تشكلت من بقايا نظام بشار الأسد في المنطقة الساحلية، مما يزعزع الأمن والاستقرار. كما أظهرت أزمة السويداء وجود علاقة وتنسيق قويين بين إسرائيل وحكمت الهجري وقسد.

فقد أجرى وزير الخارجية الإسرائيلي ساعر اتصالًا هاتفيًا مع القيادية البارزة في “قسد” إلهام أحمد في 3 يناير/ كانون الثاني، وأبلغها، بحسب صحيفة “يسرائيل هيوم”، بأن إسرائيل ستقدم الدعم للأكراد.

تركيا في حالة تأهب

تتابع تركيا بصبر عملية دمج “قسد” في الدولة السورية من جهة، وتراقب بحذر الأزمة في السويداء من جهة أخرى. وتعتقد تركيا أن أي وضع سلبي محتمل في السويداء لن يقتصر على المنطقة، بل سيمتد إلى سوريا بأكملها.

وتُقيّم المؤسسات التركية المختصة أن خروج السويداء عن سيطرة حكومة دمشق، وإقامة حكم فدرالي أو شبه فدرالي في جنوب سوريا، سيشكل سابقة للمناطق السورية الأخرى.

وهذا التقييم للمؤسسات التركية المختصة لا يعني فقط أن أي وضع قد ينشأ في منطقة “قسد” على حدود تركيا يُعتبر تهديدًا لأمن تركيا، بل يمكننا أن نستنتج أن أي وضع محتمل في السويداء سيؤثر على مناطق أخرى، وبالتالي سيشكل تهديدًا للأمن القومي التركي.

وكان تصريح وزير الخارجية التركي هاكان فيدان بشأن أحداث السويداء والهجمات الإسرائيلية واضحًا جدًا. حيث شارك فيدان 22 يوليو/ تموز تصور تركيا الجديد لـ”تهديد الأمن القومي” فيما يتعلق بسوريا.

وقال فيدان في تصريحه:

“على أي جماعة ألا تتجه نحو التقسيم. لدينا الكثير لنتحدث عنه عبر الدبلوماسية. كل شيء قابل للنقاش، والمناقشات جارية مع جميع الجماعات والعناصر. لكن إذا تجاوزتم ذلك واتجهتم نحو التقسيم وزعزعة الاستقرار باستخدام العنف، فإننا سنعتبر ذلك تهديدًا مباشرًا لأمننا القومي وسنتدخل. ناقشوا ما شئتم باستثناء التقسيم. قدموا ما لديكم من مطالب. وسنساعدكم قدر استطاعتنا في هذا الشأن، لكن عندما تتجاوزون هذا الحد، فلن نعرض أنفسنا للتهديد”.

“أما إسرائيل، فهي تسعى لتخريب كل هذه المبادرات الرامية لتحقيق السلام والاستقرار والأمن في سوريا. هناك حقيقة يجب قولها بوضوح: إسرائيل، التي لا تريد أن ترى دولة مستقرة في محيطها، تهدف إلى تقسيم سوريا”.

وصرح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أثناء عودته من جمهورية شمال قبرص التركية، في حديث للصحفيين على متن الطائرة الرئاسية، بوضوح تام حول سوريا قائلًا: “إسرائيل تسعى باستمرار لإشعال المنطقة بأكملها. الرئيس السوري أحمد الشرع أظهر موقفًا حازمًا في السويداء وحافظ على السيطرة. نحن مصممون، ولن نترك الشرع وحيدًا في سوريا. لا نريد تقسيم سوريا”.

إن تصريحات كل من أردوغان وفيدان تظهر أن تركيا قد غيرت وقوّت وشددت من نهجها تجاه التهديدات التي قد تطال أمنها القومي عبر سوريا.

فبينما كانت تركيا في السابق تعتبر التطورات في شرق الفرات تهديدًا لأمنها القومي، أصبحت الآن تعتبر جميع الأعمال والتحركات الرامية إلى تقسيم سوريا بأكملها تهديدًا لأمنها القومي، وتصرح بوضوح أنها ستتدخل في مثل هذه الحالة.

إن “سياسة الأمن القومي” الجديدة التي طورتها تركيا على خلفية أزمة السويداء ستشكل عائقًا جديًا أمام انخراط “قسد” بسهولة في خطة “ممر داود” الإسرائيلية. كما أن الموقف التركي الجديد في سوريا سيجعل من الصعب على “قسد” تطبيق سياستها المماطلة والمؤجلة لعملية الاندماج في الدولة السورية.

سياسة الولايات المتحدة تجاه الأكراد في سوريا

تتبع الولايات المتحدة سياسة تدعم عملية دمج “قسد” في الدولة السورية، وتُظهر في هذه العملية تعاونًا متناغمًا مع تركيا وحكومة دمشق.

ويدافع السفير الأميركي في تركيا والمبعوث الخاص إلى سوريا، توم باراك، عن ضرورة أن تتحرك “قسد” بشكل أسرع للاندماج في الدولة السورية.

وفي مقابلة مع قناة “سي إن إن ترك” ، قال باراك: “قسد هي وحدات حماية الشعب وحزب العمال الكردستاني. ليس لدينا أي التزام تجاههم بإقامة دولة مستقلة”، مُظهرًا بذلك تبنيه سياسة تركيا التاريخية.

والجدير بالذكر أنه في حين أن تركيا تؤكد أن “قسد” وحزب العمال الكردستاني كيان واحد، وأن “قسد” هي امتداد لحزب العمال الكردستاني في سوريا، فإن الولايات المتحدة، منذ عهد أوباما وحتى اليوم، كانت تعترض دائمًا على هذا الطرح التركي، مؤكدة أنها ترى “قسد” مختلفة عن حزب العمال الكردستاني وأنها أقوى حلفائها.

كما أن توم باراك صرح بوضوح في مؤتمر صحفي عقده الأسبوع الماضي في واشنطن، بأنه لا خيار أمام “قسد” سوى الاتفاق مع دمشق، وأنهم لا يدعمون سوريا مقسمة.

نرى أن تركيا والولايات المتحدة وحكومة دمشق لديها سياسات متقاربة جدًا تجاه سوريا. أما إسرائيل، فلديها ملف سوري مختلف عن الولايات المتحدة، وتتخذ خطوات على الأراضي السورية بنفسها وعبر حلفائها لتحقيق أهدافها.

في هذا الإطار، نرى أن الزعيم الدرزي حكمت الهجري يتبنى سياسة إسرائيل في سوريا، بينما تقف “قسد” أقرب إلى إسرائيل منها إلى أميركا.

في الختام

يُقدَّر أنه لا يوجد طريق بديل أمام قوات سوريا الديمقراطية سوى الاندماج في الدولة السورية، وأن إتمام عملية المفاوضات مع دمشق بسرعة سيؤدي إلى نتائج أفضل بالنسبة لقسد.

ومن الواضح أن تركيا لن تقف صامتة أمام أي تحرك عسكري محتمل من جانب “قسد” في شرق الفرات، سواء كان مرتبطًا بالتطورات في السويداء أو مستقلًا عنها، وستتدخل عسكريًا.

كذلك، يمكن القول إنه في حال تصاعد أزمة السويداء ووصولها إلى نقطة قد تؤدي إلى تقسيم سوريا، فإن تركيا لن تتردد في الاهتمام بالسويداء واستخدام إمكاناتها والتدخل.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

صحفي وباحث تركي متخصص في الشأن الإيراني

صحفي وباحث متخصّص في قضايا إيران، والمجتمع الشيعي بشكل خاص، والشرق الأوسط بشكل عام. عمل صحفيًا في إيران لفترة من الزمن، ونشر العديد من المقابلات حول قضايا الشرق الأوسط والعلاقات التركية-الإيرانية في وكالات أنباء إيرانية مثل تسنيم، ومهر، وإرنا. كما شارك كمحلل في برامج على قنوات تلفزيونية دولية مثل الجزيرة وبي بي سي، ونُشرت محاضرته حول مستقبل الحركات الإسلامية في العالم الجديد باللغة الفارسية

الجزيرة

———————

ماذا وراء طلب دمشق من أنقرة تعزيز قدرات سوريا الدفاعية؟/ عمار دروبي

25/7/2025

دمشق- في خضم التوترات الأمنية التي شهدتها مناطق جنوب سوريا، أعلنت وزارة الدفاع التركية، الأربعاء، أن الحكومة السورية تقدمت بطلب رسمي إلى أنقرة لتعزيز قدراتها الدفاعية ودعم جهود مكافحة التنظيمات الإرهابية، وعلى رأسها تنظيم الدولة الإسلامية.

وأكدت مصادر رسمية في وزارة الدفاع التركية لوكالة الأناضول استمرار أنقرة في تقديم التدريب والاستشارات والدعم الفني لسوريا، استجابة لهذا الطلب الذي تقدمت به الحكومة السورية الجديدة.

ويأتي هذا التطور في ظل التصعيد العسكري والأمني في الجنوب السوري، وخاصة بعد الأحداث الأمنية الدامية التي شهدتها محافظة السويداء مؤخرا، والتي تخللتها ضربات جوية إسرائيلية غير مسبوقة استهدفت العاصمة دمشق.

كما يعكس طلب الحكومة السورية تعاونا متجددا بين البلدين، بعد سنوات من التوتر، حيث تسعى دمشق من خلاله إلى الاستفادة من الدعم التركي في مجال التدريب والتسليح لتعزيز جاهزية قواتها الأمنية والعسكرية.

1 – 2 -3- استعراض عسكري خلال حفل تخرج عدد من المقاتلين في الجيش السوري الجديد في حلب (وزارة الدفاع السورية)

استعراض عسكري خلال حفل تخرج عدد من المقاتلين في الجيش السوري الجديد في حلب (وزارة الدفاع السورية)

أمن قومي

يرى مراقبون أن هذه الخطوة قد تفتح آفاقًا جديدة لتعاون أمني بين سوريا وتركيا، قد تسهم في تهدئة الأوضاع في الجنوب السوري، كما تعكس التحديات التي تواجهها دمشق، لا سيما التصعيد الإسرائيلي المتكرر.

ويؤكد الباحث التركي المشارك بـ”المجلس الأطلسي” في أنقرة عمر أوزكيزيلجيك، أن أنقرة تعمل على دعم استقرار سوريا وازدهارها، انطلاقا من اعتبارات تتعلق بأمنها القومي، مشيرا إلى أن “المساعدات العسكرية التركية المرتقبة لدمشق ستسهم في مواجهة تنظيمات متطرفة مثل تنظيم الدولة الإسلامية، وتعزيز قدرة الحكومة السورية على بسط سيطرتها شمال شرقي البلاد”.

وحول التصعيد الإسرائيلي المتكرر في سوريا، قال أوزكيزيلجيك، للجزيرة نت، إن “إسرائيل تتبع سياسة إقليمية تهدف إلى أن تكون محاطة بدول ضعيفة ومقسمة، وفي مقدمتها سوريا”، مؤكدا أن تل أبيب لا تزال ترى في هشاشة الدولة السورية ضمانا لأمنها.

وعن الموقف الإسرائيلي، رأى أوزكيزيلجيك أن التنافس بين تركيا وإسرائيل في سوريا سيبقى في إطار “غير مباشر”، مرجحا أن تتعامل تل أبيب مع الحضور التركي في سوريا باعتباره تهديدا متصاعدا لسياستها العسكرية التقليدية في المنطقة.

“سلوك إسرائيل العدواني”

وينظر بعض المراقبين إلى أن الإعلان يحمل رسائل غير مباشرة توجهها أنقرة إلى تل أبيب بشأن التصعيد العسكري في الأجواء السورية، وسط تكهنات باقتراب مواجهة تركية- إسرائيلية في سوريا، فيما يرده آخرون إلى إعلان رغبة سورية حقيقية بإعادة بناء الجيش الجديد.

في الوقت ذاته، يبقى المشهد في الجنوب السوري هشًّا، حيث تتقاطع مصالح عدة قوى إقليمية ودولية، مما يجعل أي تعاون أمني محفوفًا بالتحديات والاختبارات.

ويؤكد المحلل العسكري السوري العقيد فايز الأسمر، أن إعلان وزارة الدفاع التركية عن طلب دمشق يأتي في توقيت بالغ الحساسية، وسط تحديات أمنية متفاقمة داخلية وخارجية، أبرزها “ملاحقة فلول الإرهاب، وأحداث السويداء وجرمانا وأشرفية صحنايا، وغيرها من المناطق”.

وقال الأسمر في حديث للجزيرة نت إن هذا الطلب يأتي بعد أن دمرت إسرائيل القدرات العسكرية السورية، لا سيما الإستراتيجية منها، مثل الطائرات الحربية، ومنظومات الدفاع الجوي، والرادارات، ومستودعات الصواريخ، بنسبة تصل إلى 80%، بفعل مئات الغارات التي نفذتها على المواقع السورية عقب سقوط نظام الأسد.

وأشار الأسمر إلى أن إسرائيل سيطرت أيضا على مئات الكيلومترات من المنطقة العازلة مع الجولان المحتل، لفرض واقع أمني جديد وفق مصالحها.

5 -استهدف القصف الإسرائيلي مبنى الأركان العامة ووزارة الدفاع ومحيط القصر الرئاسي بدمشق (رويترز)

آثار دمار نتيجة قصف إسرائيلي استهدف مبنى الأركان العامة ووزارة الدفاع ومحيط القصر الرئاسي بدمشق (رويترز)

ووفق المحلل العسكري السوري، لا يحمل الإعلان أي رسالة مهمة قد تؤثر في سلوك إسرائيل العدواني تجاه سوريا، مؤكدا أن دمشق بحاجة إلى سنوات طويلة لإعادة بناء جيش جديد، يتطلب تسليحا وتدريبا وتأهيلا عقائديا وعسكريا، كي يكون قادرا على مواجهة التحديات الأمنية المتعددة، وتأمين حماية الحدود والشعب السوري”.

وشدد الأسمر على أن “بناء القدرات العسكرية السورية، سواء البرية أو البحرية أو الجوية، لن يتم بين ليلة وضحاها، بل سيتطلب جهودا كبيرة ووقتا طويلا من القيادة السورية، إلى جانب الانفتاح على قوى الشرق والغرب لتحقيق هذا الهدف”.

وعن نوعية الدعم التركي المحتمل، توقع العقيد الأسمر أن يقتصر على الأسلحة التقليدية الخفيفة والمتوسطة، وبعض العربات والآليات المصفحة، إلى جانب التجهيزات الميدانية للجندي، مثل الألبسة والذخائر، بالإضافة إلى الدعم الفني والاستخباراتي وتدريب وحدات من الجيش السوري.

المصدر: الجزيرة

————————–

تحديات الصراع على سوريا وفيها/ رفيق خوري

من دون هذا الحل فإن المواكبة الخارجية لا تكفي والأدوار الدولية لا تنفع

السبت 26 يوليو 2025 0:07

نظام الشرع أمامه فرصة تحتاج إلى قرار كبير هو إعادة بناء سوريا من القاعدة إلى القمة، إعادة بناء المواطنة ومعالجة التخريب الذي لحق بالنسيج الاجتماعي في النظام الساقط وازداد حدة في هذه المرحلة من الإدارة الجديدة. بناء جيش وطني، لا جيش فصائل سلفية على طريقة “الجيش العقائدي” أيام “البعث”. وبناء دولة لا مجرد سلطة تحكم بقوى أمنية حاملة أفكارها السلفية.

سوريا ليست ولن تكون بلداً عادياً. أولاً بسبب موقعها الجغرافي ودورها الجيوسياسي والاستراتيجي، وثانياً لأنها صاحبة طموح منذ ما قبل الاستقلال لتكون نواة “الدولة-الأمة” دولة الوحدة العربية، وثالثاً لأن الوقائع تعيد تذكير من يحكمها بقول الرئيس الاستقلالي الأول شكري القوتلي للرئيس جمال عبدالناصر عند إعلان الوحدة مع مصر “في سوريا 5 ملايين، نصفهم يدعي أنه مؤهل للزعامة، بعضهم أنبياء وبعضهم الآخر آلهة، وبعض ممن يعبد الله والشيطان”.

فلا الوحدة مع مصر كانت خطوة عادية في منطقة التمسك بالكيانات، إذ لم تعش أكثر من ثلاثة أعوام. ولا نظام آل الأسد كان عادياً، وهو فرض الأحادية والتوريث في جمهورية مشهورة بالانقلابات العسكرية حكمها على مدى 54 عاماً. ولا مواكبة إمارة إدلب إلى حكم دمشق كانت قراراً عادياً. ومن هنا قوة الدعم الأميركي والسعودي والتركي والقطري للرئيس أحمد الشرع سياسياً واقتصادياً، على رغم ما حدث في الساحل والسويداء وما يحدث في أماكن أخرى من مجازر في حق الأقليات، وإن مع دعوات إلى الانفتاح وتفعيل التحقيق.

نظام الأسد في أيام الأب حافظ عرف كيف يقوم بدور اللاعب بين القوى الإقليمية والدولية في الصراع على المنطقة، وكيف يقمع الصراعات الداخلية بكل الأسلحة من دون حساب مجزرة حماة مثلاً، لأنه كان يقدم خدمات إقليمية دولية لمن يستطيع أن يعاقب وأن يكافئ. أما في أيام الابن بشار الذي كان يفاخر بأنه يجيد سياسة “إدارة الرياح”، فإنه صار لعبة في الصراع على سوريا مع مزيد من العنف ضد المعارضين في الداخل.

والنظام الذي يبنيه الرئيس أحمد الشرع يواجه تحديات الصراع على سوريا، والصراع في سوريا. الصراع على سوريا يتركز بين الدور التركي والدور العربي والدور الإسرائيلي برعاية أميركا في مواجهة دور إيراني منحسر ودور روسي متراجع. وليس أفضل خيار أمام الشرع هو الأسهل، أي أن يبدأ من حيث بدأ أو من حيث انتهى نظام الأسد، ولو من الموقع المعاكس. فالرعاية الأميركية والعربية والإقليمية له تسهل اجتياز الأخطار. أما التحدي الأكبر أمامه، فإنه إيجاد حل للصراع في سوريا. ومن دون هذا الحل، فإن المواكبة الخارجية لا تكفي والأدوار الخارجية لا تنفع.

ذلك أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب تكرر القول إنه لا بديل من إدارة الشرع، وتطالبه خلال الوقت نفسه بتوسيع دائرة المشاركة في السلطة. وتلك هي المسألة والمشكلة في آن. نظام الأسد رفض أن يشاركه أحد، بحيث لجأ إلى قمع الانتفاضة الشعبية التي بدأت من درعا، واختار الحرب على المشاركة، فانتهى في موقع من هزم نفسه في نهاية نظام انهار على مراحل.

ونظام الشرع أمامه فرصة تحتاج إلى قرار كبير هو إعادة بناء سوريا من القاعدة إلى القمة، إعادة بناء المواطنة ومعالجة التخريب الذي لحق بالنسيج الاجتماعي في النظام الساقط وازداد حدة في هذه المرحلة من الإدارة الجديدة. بناء جيش وطني، لا جيش فصائل سلفية على طريقة “الجيش العقائدي” أيام “البعث”. وبناء دولة لا مجرد سلطة تحكم بقوى أمنية حاملة أفكارها السلفية وإعلان دستوري ناقص وتعيين مجلس نيابي مطاوع والاستمرار في حل الأحزاب. وبالطبع، إعطاء أولوية للنهوض الاقتصادي وإعادة الاعتبار إلى القضاء.

والاختبار الأول هو بدء المشاركة مع القوى الشعبية التي نزلت إلى الشوارع وتحملت القمع والسجن والقتل والمنفى من أجل الثورة.

فهؤلاء هم الذين صنعوا الثورة، وإن كانت “هيئة تحرير الشام” هي التي وجهت الضربة القاضية للنظام الهارب. ففي رأي لينين، إن “ما يحتاج إليه المرء لإسقاط نظام ليس منظمة ثورية بل منظمة ثوريين”. وما أسقط الأسد ليس منظمة ثوريين ولا منظمة ثورية بل شعب بكل تنوعه، وهذا التنوع في المجتمع هو ما يجب أن ينعكس على صورة السلطة التي تبني دولة لشعب ضد إغراء التمسك بالسلطة لفريق واحد.

والتحدي الملح والضروري حالياً هو مواجهة التغول الإسرائيلي، سواء على الأرض امتداداً من جبل الشيخ والجولان إلى أجزاء مهمة من محافظتي درعا والقنيطرة، وصولاً إلى ادعاء حماية الدروز في السويداء. وإذا كان في واشنطن من يعترف بأن إسرائيل تريد تقسيم سوريا التي تقف أميركا مع وحدتها، فإن سوريا في الواقع مقسمة والمطلوب إعادة توحيدها.

هذا ما حدث عام 1925 عندما قسم الانتداب الفرنسي سوريا إلى أربع دول هي دولة العلويين ودولة الدروز ودولة حلب ودولة دمشق، فرفض السوريون التقسيم وأعادوا توحيد البلاد بقيادة سلطان باشا الأطرش والشيخ صالح العلي وإخوانهما. وهذا ما يمكن ويجب أن يحدث اليوم عبر الانفتاح الكامل على كل الأطياف في المجتمع السوري. فلا القوة العسكرية تنجح في فرض الدولة المركزية التي بدأت الثورة في ظل الاعتراض على إدارتها، ولا شيء يقوي الموقف السوري في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية وسط العجز العسكري، بعدما دمرت إسرائيل الأسلحة التي تركها الجيش السوري وكان حله غلطة، سوى الوحدة الوطنية. وليس من المعقول أن تصبح سوريا مجرد طوائف وعشائر وقبائل وإثنيات تتبادل الخوف والكره، بدلاً من أن تكون كما هي في جوهرها أرض الغنى في التنوع والتسابق على الإبداع الوطني.

والفارق كبير بين الدعم الأميركي والإقليمي والعربي للإدارة السورية خوفاً من الانهيار في ظل اللابديل، وبين الدعم مع العمل للصعود إلى الدولة. وسوريا تستحق الدعم الذي تعددت مصادره، ولا سيما في المنتدى الاستثماري السعودي الذي عقد في دمشق بتوجيه من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان وحصد 4 مليارات دولار، وتستحق دولة على مستوى مجتمعها المتنوع، بدل الانتقال من حكم أقلية إلى حكم أقلية ضمن أكثرية منفتحة وغير سلفية.

ولا مبرر لأن يجد السوريون أنفسهم أمام المثل الإسباني القائل “لا تطلب الإجاص من شجر الدردار”.

———————————

 عن الطائفية التي لم تولد البارحة/ محمد حجيري

الجمعة 2025/07/25

في أيام الحماسة اليسارية، كنا نعلّق على الجدران قصاصات صحافية، من بينها رسم كاريكاتوري للراحل ناجي العلي، نرى فيه شخصًا سميناً ببزة رسمية يرمز إلى فئة من المجتمع الثري أو الذي يعيش رخاء، يسأل رجلًا فقيرًا يجلس على بِرْمِيل: أنت مسلم أو مسيحي، سني أو شيعي، درزي أو علوي… قبطي أو ماروني.. روم كاثوليك أو روم ارثـ.. فيقاطعه الفقير: “أنا عربي يا جحش”.

كنا في شبابنا، نتمسك بموقف الرجل الفقير في لبنان الطوائف و”الهويات القاتلة”، ونسخر من المنظّر ميشال شيحا الذي يقول إن لبنان يتكوّن “من أقليات طائفية متشاركة”، ثم سرعان ما اكتشفنا أننا هزمنا، أو كنا مجرد قشور وسط طائفية متجذرة حتى في الأوساط اليسارية والشيوعية، جعلت زياد الرحباني يقول “حتى بالبرغل في طائفية”. ولم تكن المشكلة طائفية قبلية قطيعية فحسب، بل إن العلاقة بالخارج تجعل لبنان مثل كثبان رملية، فلم تعش “صيغة” رياض الصلح – بشارة الخوري الاستقلالية القائمة على معادلة تقول: “على المسيحيين أن يتنازلوا عن مطلب حماية فرنسا لهم وأن يتنازل المسلمون عن طلب الانضمام إلى الداخل السوري – العربي”. فهي كانت هشة في الأساس، سواء في هوى طرابلس الشامي، أو بانبعاث القومية السوري على يد أنطون سعادة، ثم بصعود ثورة البكباشي جمال عبد الناصر والمد القومي العربي واليساروي. ورغم اجتماع الرئيسان عبد الناصر وفؤاد شهاب في 9 شباط/ فبراير 1959، في خيمة على الحدود السورية في المصنع، احترامًا للسيادة اللبنانية، كان الميدان الإسلامي محمومًا بالولاء للناصرية و”العروبة”، ولا يختلف عنه الولاء المسيحي لحلف بغداد في زمن الرئيس كميل شمعون.

بالتالي كانت الوطنية اللبنانية مجرد وجهة نظر تتصدع أمام العوامل والرياح الخارجية، ولم يكن ولاء الطوائف ناتجاً عن تفكرات، بل إن النظام اللبناني القائم على العنصرية الطائفية والفئوية والذي يهمّش فئات على حساب فئات أخرى، يسمح للأغيار بالتغلغل داخل أروقة البلد، ويجعل كل طائفة تفكر في الاستقواء بالخارج متى تسنى لها ذلك. لم تكد تنتهي تداعيات أحداث 1958، حتى جاءت تداعيات السلاح الفلسطيني من جهة والتعامل مع إسرائيل من جهة ثانية، والولاء لـ”سوريا الأسد” من جهة ثالثة، من دون أن ننسى مجموعات شيوعية سوفياتية وماوية صينية وبعثية عراقية وقذافية توالي ليبيا، والجميع كان يسخر من فكرة الولاء للأرزَة ويبحث عن التغيير والأحلام الكبيرة، وحل أخيرًا الولاء لإيران من قبل الثنائي الشيعي الأكثر تعقيدًا وإشكالية في ظل تحويل لبنان إلى مستودع سلاح…

بعد انتفاضة 14 آذار وانسحاب الجيش السوري من لبنان في العام 2005، توهمنا أننا نعيش “الوطن المنجز” في ظل شعار “لبنان أولاً”، و”وحدة” اللبنانيين في تظاهرة ساحة الشهداء تحت العلم اللبناني دون سواه، لكن ما حصل كان حلم يوم واحد، وسرعان ما عاد كل قطيع إلى حظيرته، وبقي حلم الوطن المنجز مجرد أمل يتلاشى سريعًا.

أكثر من ذلك، كنا نسخر من طوائفية لبنان ووضوحه وتعقيداته في كل استحقاق رئاسي أو انتخابي، ولما لبثنا أن اكتشفنا أو لمسنا أن المشرق العربي كله يشبه لبنان ويعيش عقلية القبيلة والملة. فبعد سقوط أو إسقاط نظام صدام حسين العام 2003، بل قبل سقوطه، رأينا انبعاث الولاءات الطائفية والعرقية والقومية الضيقة في بلاد ما بين النهرين، وكانت قد تجلّت مع صعود الخمينية التي زادت الشقاق بين الشعوب العربية. وفي سوريا، يُختصر الواقع المر والقاسي، مشهد المواطن الأعزل في السويداء الذي قال للمسلح “أني سوري يا خيي”، فكان جواب القاتل “أشو سوري”، وتلقى المواطن الأعزل رصاصات قاتلة بمجرد أن أقرّ لمواطن تحت الضغط بأنه درزي. كأن القاتل المتوحش يرسم الخريطة الجديدة للواقع بلا أقنعة، كأنه يقول لا مكان للهوية الوطنية، في زمن صار خطاب النخبة يشبه خطاب الدهماء، وكل يبرر سلوكياته ووحشيته بأنه يدافع عن حقه في الوجود والبقاء ووحدة البلاد والسيادة والدولة، وفي زمن صار نتانياهو يوزع “الحنان” على فئة من السوريين لغاية في نفس يعقوب.

صورة المشرق العربي: مِلَل ونِحَل وإثنيات وقنابل موقوتة، تصدُّع منذ الزمن العثماني، بل منذ من انبعاث الأديان والطوائف قبل آلاف السنين، وجاء الاستعمار ليغذّي الواقع البائس ويستعمله، ويبنى أنظمة على هوى مصالحه وغاياته، ثم أتت الأنظمة الجمهورية والثورية والعروبية التي لم تبنِ أي مواطنية، بل استخدم العنف في سبيل بناء ولاء سلطوي. بنت الناصرية الهادرة ناصريين لا مواطنين، وبنى نظام صدام حسين صداميين ماجدات ونشامى يمجدون الإله الحاكم، وبعد سقوطه أصبح الكثير من “البعثيين العلمانيين” في تنظيم “القاعدة”، وبنى نظام حافظ الأسد أسديين، كثر منهم كوّعوا وأطلقوا لحاهم وعلقوا صور النظام الجديد بعد هروب بشار.

على هذا، ما زلنا نعيش في حمّى الولاءات الهستيرية والانتهازية والغوغائية، هي حمّى الولاءات الطائفية والإقليمية لا الوطنية. ففي الحرب الإسرائيلية الإيرانية، رأينا تظاهرة الدراجات في الضاحية الجنوبية تمجّد انتصارات طهران، وفي حرب الجنوب السوري شاهدنا تظاهرة الدراجات النارية في طرابلس تناصر نظام الشرع، وعلى طريق ضهر البيدر وفي الجولان السوري وقف المحتجون يناصرون أبناء جلدتهم في السويداء. هكذا، تبدو “نظرية” المبعوث الأميركي من أصل لبناني، توم برّاك، حول الاستغناء عن لبنان أو التهديد بضمّه إلى بلاد الشام، على شيء من الهراء السياسي، ذلك أن بلاد الشام تعيش حالة قصوى من التصدّع والانبعاث الطائفي والإثني والهوياتي.

المدن

————————

 هل تؤثر أحداث السويداء على مسار رفع العقوبات الأميركية عن سوريا؟

بي. بي. سي.

أعادت أحداث العنف الدامية في محافظة السويداء تسليط الضوء على هشاشة الوضع السوري، وأثارت تساؤلات حول ما إذا كانت ستؤثر على مسار رفع العقوبات الأمريكية، في وقت تعتبر فيه الحكومة السورية هذه الخطوة محطة مفصلية على المستويين الاقتصادي والسياسي.

فخلال الأيام الماضية، شهدت السويداء مواجهات عنيفة بين عشائر البدو والقوات الحكومية من جهة وفصائل درزية مسلحة أسفرت عن مقتل أكثر من ألف شخص ونزوح ما يزيد عن 90 ألفاً، وفق أحدث بيانات صادرة عن الأمم المتحدة، وسط تقارير موثقة عن إعدامات ميدانية وانتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان. وقد وجّه ناشطون ومنظمات حقوقية اتهامات مباشرة لفصائل مرتبطة بالحكومة السورية بالوقوف وراء هذه الانتهاكات، ما فجّر موجة من ردود الفعل داخلياً وخارجياً.

لكن إلى أي مدى يمكن أن تلقي هذه التطورات بظلالها على موقف واشنطن من العقوبات المفروضة على دمشق؟

مقتل مواطن أمريكي في السويداء

لفتت أحداث العنف الأخيرة في السويداء أنظار وسائل الإعلام الأمريكية بشكل خاص، بعد أن طالت تداعياتها مواطناً أمريكياً قُتل في ظروف مروعة. فقد أكدت وزارة الخارجية الأمريكية مقتل حسام سرايا، وهو أمريكي من أصل درزي سوري ومن سكان ولاية أوكلاهوما، كان يبلغ من العمر 35 عاماً.

وكان سرايا واحداً من ثمانية رجال من عائلته ظهروا في مقطع فيديو، تحققت بي بي سي من صحته، أثناء إعدامهم ميدانياً على يد مسلحين ملثمين يرتدون الزي العسكري ويهتفون “الله أكبر”. وتداولت منصات التواصل الاجتماعي الفيديو الذي أثار موجة من الغضب والتنديد محليا وفي الولايات المتحدة.

وقال السيناتور ماركواين مولين عبر منصته على “أكس”: “مواطن أمريكي من أوكلاهوما” تم “إعدامه بوحشية مع أفراد عائلته في سوريا”.

من جهته، أعرب المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، توم باراك، عن “قلق بالغ” إزاء ما تشهده السويداء، داعياً الحكومة السورية إلى “تحمل المسؤولية ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات”، مؤكداً أن “الدمج العادل للأقليات في هياكل الدولة شرط أساسي لمستقبل مستقر لسوريا”.

قانون قيصر: بين التعديل والتمديد

في 22 تموز/يوليو، صوّتت لجان في مجلس النواب الأمريكي على مشروع قانون جديد بعنوان “محاسبة عقوبات سوريا 2025″، لا يهدف إلى إلغاء “قانون قيصر”، بل إلى تعديله عبر فرض شروط صارمة يجب على الحكومة السورية الالتزام بها لعامين متتاليين قبل رفع العقوبات.

وقد حظي المشروع بدعم معظم النواب الجمهوريين، ما مثّل انتكاسة للجهود الرامية إلى إنهاء العقوبات بشكل كامل.

المشروع، الذي قدمه النائب الجمهوري مايك لولر، رئيس اللجنة الفرعية المعنية بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ينص على تمديد فترة الإعفاء من العقوبات من 180 يوماً إلى عامين، ويتيح إلغاء القانون نهائياً بحلول نهاية عام 2029 في حال التزام الحكومة السورية بشروط محددة تتعلق بحقوق الإنسان ومكافحة غسل الأموال.

وكتب لولر على منصة “إكس”: “مشروعي يهدف إلى تحديث نهجنا تجاه سوريا… علينا ضمان المحاسبة والشفافية، لكن يجب أن نكون مستعدين للتحرك بحزم أمام فرصة لا تتكرر إلا مرة كل قرن لتحقيق سلام واستقرار دائمين في المنطقة.”

جاءت أحداث السويداء بعد أن كانت جهود رفع العقوبات، بما فيها قانون قيصر، قد بلغت مرحلة متقدمة، بحسب محمد علاء غانم، رئيس الشؤون السياسية في المجلس السوري الأمريكي وأحد مؤسسي اللوبي السوري في واشنطن.

ففي حديث لـ”بي بي سي”، أكد غانم أن الأمور كانت تسير نحو رفع العقوبات بشكل فعلي “قبل نهاية العام”، موضحاً أن الإدارة الأمريكية كانت قد أصدرت رخصة عامة علّقت بموجبها جميع العقوبات – بما فيها قيصر – لفترة مؤقتة.

لكن غانم شدد على أن صلاحيات الإدارة محدودة، إذ لا يمكنها إلغاء القانون الذي أُقر عبر الكونغرس، بل يقتصر دورها على تعليق تطبيقه لستة أشهر فقط، بينما يتطلب الإلغاء الكامل مساراً تشريعياً معقداً يتضمن تصويتاً رسمياً من مجلسي النواب والشيوخ.

ويضيف غانم أن المعسكر المعارض لرفع العقوبات لم يكن غائباً، بل كان موجوداً منذ البداية، واعتبر هذا المعسكر أن رفع العقوبات دفعة واحدة “غير مبرّر”، مطالباً بأن تُظهر الحكومة السورية التزاماً ملموساً قبل أي تغيير في السياسة الأمريكية.

“لكن بعد إعلان الرئيس ترامب عن تخفيف واسع للعقوبات في أيار/مايو الماضي، تراجع هذا المعسكر تحت الضغط السياسي”، يقول غانم، “إلى أن جاءت أحداث السويداء وأعادت إليه الثقة والنشاط”.

ويؤكد غانم أن المعارضة داخل الكونغرس استخدمت ما جرى في السويداء علناً كذريعة لإحياء شكوكها ومهاجمة مسار رفع العقوبات، ما أوقف الزخم السياسي وأعاد المعركة إلى نقطة الصفر.

في المقابل، يقول الكاتب والصحافي السوري إيلي عبده في حديث مع بي بي سي، إن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والتي لا تزال رؤيتها مؤثرة داخل التيار الجمهوري، “لا تُعير اهتماماً كبيراً لقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان في سوريا، بل تنظر إلى الملف السوري من زاوية أولويات استراتيجية، أبرزها: منع عودة تنظيم “داعش”، تقليص النفوذ الإيراني والروسي، ودفع دمشق نحو التطبيع مع إسرائيل.” وبناء على ذلك، فإن العقوبات تُستخدم كورقة ضغط لتحقيق هذه الأهداف السياسية، وليس بالضرورة “من أجل محاسبة السلطات السورية على انتهاكاتها بحق المدنيين.”

“أشد الانتهاكات بحق الشعب السوري”

في الوقت نفسه، حذر النائب الجمهوري جو ويلسون من أن استمرار العمل بقانون قيصر لسنوات إضافية قد يُعيق جهود إعادة إعمار سوريا، وربما يفتح الباب أمام عودة ما يعرف بتنظيم الدولة الإسلامية. وكتب على منصة “إكس” (تويتر سابقاً): “تبسيط العقوبات يتماشى مع توجه الرئيس ترامب في منح سوريا فرصة للعودة”.

يرى غانم أن العقوبات الأمريكية، بصيغتها الحالية، تمثل أحد أشد الانتهاكات بحق الشعب السوري. “نحن نعلم أن أي حكومة ستستفيد من رفع العقوبات”، وأضاف غانم، “لكن الشعب الآن في وضع مأساوي: فقير، جائع، معدم، لا يملك الأدوات لمحاسبة أي سلطة، وبالتالي فإن العقوبات تضربه هو أولاً”.

وشدّد على أن “الشعب لا يمكن أن يطالب بحقوقه إذا لم يكن يملك الحد الأدنى من مقومات الحياة: طعام، عمل، وكرامة”. وبحسب غانم، فإن الأولوية الآن يجب أن تكون لخلق فرص اقتصادية وتأمين الحد الأدنى من الراحة المعيشية، وهو ما سيُمهّد الطريق لمساءلة الحكومة لاحقاً.

وختم بالقول إن الوضع الراهن في سوريا يتطلب تعاوناً أوسع من الحكومة الحالية، مشيراً إلى أن الأمل لا يزال قائماً لكن من دون أوهام: “لا شيء مضمون، علينا أن نعمل من أجل الناس أولاً”.

وحول تأثير رفع العقوبات اقتصادياً، يرى إيلي عبده أن هذه الخطوة قادرة على تحريك عجلة الاقتصاد المتوقفة منذ سنوات، من خلال إعادة إعمار البنية التحتية مثل الكهرباء والاتصالات، وتوفير فرص عمل جديدة، وهو ما سينعكس مباشرةً على حياة المواطن السوري الذي يعيش “تحت الصفر”، على حد وصفه. “أي تحسين في الرواتب أو الخدمات أو حتى فرص العمل سيكون إنجازاً حقيقياً للمواطنين في ظل الظروف الراهنة”، يضيف.

مع ذلك، يحذّر عبده من أن هذه الديناميكية الاقتصادية الإيجابية “قد تُستغل من قبل الحاكمين الحاليين، لتكريس اقتصاد زبائني قائم على الولاء السياسي مقابل المال.” ويشير إلى تقرير لوكالة رويترز تحدثت فيه عن لجنة سرية ثلاثية خارج الهيكل الحكومي، تفاوض رجال أعمال مرتبطين بالنظام للتنازل عن ممتلكاتهم مقابل العفو، “وهو ما يعكس استمرار تسييس الاقتصاد وتوظيفه في خدمة السلطة،” حسب وصفه.

ويشدد الكاتب السوري على أن رفع العقوبات وحده “لن يُنتج اقتصاداً صحياً أو تنمية مستدامة، ما لم يقترن بمسار سياسي واضح يتيح استثمار العوائد في بنية مؤسسات الدولة لا في مصالح النخبة الحاكمة”، ويضيف: “من الخطأ فصل الاقتصاد عن السياسة. من الصعب أن ينتعش الاقتصاد في غياب دولة القانون.”

بدأت العقوبات الأمريكية على سوريا في عام 1979، حين أُدرجت دمشق على القائمة الأمريكية للدول “الراعية للإرهاب”. وتوسّعت هذه العقوبات بشكل كبير بعد اندلاع الانتفاضة السورية في عام 2011، إذ فرضت واشنطن إجراءات صارمة استهدفت قطاعات أساسية مثل النفط والغاز والطيران والمصارف البنكية.

لكن التحوّل الأبرز جاء في نهاية عام 2019، مع إقرار الكونغرس لقانون “حماية المدنيين السوريين” المعروف باسم “قانون قيصر”، نسبة إلى الاسم المستعار لمصوّر عسكري منشق، سرّب آلاف الصور التي توثّق التعذيب والانتهاكات داخل المعتقلات السورية.

————————

هل يوقع أحمد الشرع على اتفاق تطبيع مع إسرائيل؟

الجمعة 25 يوليو 2025

بي. بي. سي.

تفاهمات أمنية محتملة برعاية أميركية بعد 21 عامًا من القطيعة

هل سيرتفع العلم الإسرائيلي في قلب دمشق؟ سؤال بدأ يتردد على ألسنة الكثيرين في سوريا وخارجها في ظل التطورات المتلاحقة التي تشهدها البلاد عقب الإطاحة بنظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2025.

ولعل من أبرز تلك التطورات، الاجتماع الذي عُقد بين مسؤولين سوريين وإسرائيليين يوم الخميس 24 يوليو/تموز 2025، في باريس، بوساطة وحضور المبعوث الأمريكي، توم باراك، الذي أكّد أن المحادثات ركزت “على الترتيبات الأمنية في جنوب سوريا وتجنب المزيد من التصعيد”.

وقد قال تلفزيون سوريا، إن المحادثات استمرت أربع ساعات، وجمعت وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ووزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي رون ديرمر.

وأفاد موقع أكسيوس “بإجراء وزيرين من إسرائيل وسوريا أول محادثات رفيعة المستوى منذ 25 عاماً” في باريس.

وسبق ذلك، أن أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رفع العقوبات المفروضة على دمشق خلال جولته الخليجية في وقت سابق من شهر مايو/أيار، والتي التقى خلالها بالرئيس الانتقالي السوري، أحمد الشرع، وحثه على التطبيع مع إسرائيل.

وعقب سقوط الأسد، تواردت العديد من التقارير التي تحدثت عن لقاءات بين مسؤولين إسرائيليين وعناصر في السلطة السورية الجديدة. وجاءت تلك التقارير في الفترة التي شهدت تعرض مواقع عسكرية سورية لغارات إسرائيلية.

كما كشفت مصادر مطلعة “لرويترز” عن عقد إسرائيل وسوريا لقاءات مباشرة وجهاً لوجه في النصف الأول من عام 2025، في محاولة لخفض التوترات ومنع اندلاع صراع في المنطقة الحدودية بين البلدين.

وفي شهر أيار/مايو، وخلال لقائه الرئيس الفرنسي في قصر الإليزيه، قال الرئيس السوري الانتقالي إن هناك مفاوضات غير مباشرة مع إسرائيل عبر وسطاء لـ”تهدئة الأوضاع وعدم خروجها عن السيطرة”.

يتقاطع حديث التطبيع بين سوريا وإسرائيل مع قضايا جغرافية وتاريخية وسياسية واقتصادية ومواقف شعبية، قد يعرقل بعضها إبرام اتفاق تطبيع، بينما قد يدفع البعض الآخر في اتجاه سلام مع إسرائيل.

“وديعة رابين”

خاضت سوريا ثلاث حروب ضد إسرائيل في إطار المواجهات العسكرية بين دول عربية وإسرائيل، بداية من حرب 1948، مروراً بحرب الخامس من يونيو/حزيران عام 1967، وصولاً إلى حرب أكتوبر/تشرين الأول عام 1973، إلى جانب اشتباكات ومعارك متقطعة خلال الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990).

الحروب بين البلدين كانت تنتهي باتفاقات هدنة (1949) أو فض اشتباك (1974)، أما المحصلة الميدانية لتلك المواجهات فكانت احتلالاً إسرائيلياً لمرتفعات الجولان منذ عام 1967، وحالة من العداء الرسمي طيلة عشرات السنوات، شملت استضافة الحكومة السورية فصائل فلسطينية مسلحة، وشن إسرائيل غارات على مواقع داخل سوريا، خاصة خلال فترة الصراع السوري الداخلي، الذي بدأ عام 2011.

وفي بداية التسعينيات من القرن المنصرم، ومع مشاركة سوريا في حرب الخليج الثانية ضمن تحالف دولي وإقليمي ضد العراق بعد غزوه للكويت، بدا أن منطقة الشرق الأوسط على أعتاب مرحلة جديدة ترعى فيها واشنطن اتفاقات سلام بين أعداء الأمس. فوقّعت منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل اتفاق أوسلو، كما أبرم الأردن اتفاقاً مشابهاً، وأجريت لقاءات مباشرة بين مسؤولين إسرائيليين وسوريين في إطار التمهيد لانضمام الرئيس السوري حافظ الأسد إلى قافلة التطبيع، وهو الذي كان معارضاً لاتفاق السلام بين مصر وإسرائيل في زمن الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات في نهاية سبعينيات القرن الماضي.

تناولت محادثات السلام السورية الإسرائيلية العديد من القضايا الأمنية والسياسية والاقتصادية، ويٌعتقد أنها شملت ما عرف بـ”وديعة رابين” وهي مقترحات تعتمد على تعهد شفهي من رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق رابين بالانسحاب الكامل من الجولان مقابل ترتيبات تحفظ أمن إسرائيل.

لكن محادثات السلام تعرضت لانتكاسة كبيرة جراء اغتيال رابين عام 1995 على يد متطرف يهودي معادٍ لاتفاقات التطبيع. ولم تفلح المفاوضات اللاحقة سواء في عهد الأسد الأب أو الأبن في حل الخلافات المتعلقة بحجم الانسحاب من الجولان والترتيبات الأمنية والسماح بوجود سوريّ على بحيرة طبرية/ بحر الجليل.

المزاج الشعبي

لم تغير محادثات السلام الإسرائيلية السورية من خطاب حزب البعث الحاكم، ذي التوجهات القومية العربية، داخل سوريا تجاه الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. فدمشق ظلت تروج لنفسها داخلياً على أنها “مناوئة للمشروع الصهيوني”، وازداد زخم ذلك الخطاب في ظل التحالف مع حزب الله الذي خاض حرباً ضد إسرائيل في عام 2006.

لكن الموقف الشعبي من حزب الله تعرّض لتحدٍ كبير في عام 2013 مع بداية مشاركة مقاتلي الحزب بجانب القوات الحكومية السورية، ما أثار امتعاض الفريق السوريّ المناوئ للأسد.

وكان من الطبيعي أن تلقي تلك التغيرات التي شهدتها سوريا في سنوات الصراع الداخلي بظلالها على الموقف الشعبي من الاستقطابات الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط.

إذ يبدو أنه لا يوجد اليوم موقف واحد جامع للسوريين فيما يتعلق بالموقف من إسرائيل، وهي التي تخوض حرباً في غزة عقب الهجوم الذي شنته حماس على إسرائيل في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.

رهف الدغلي، أستاذة العلوم السياسية في جامعة لانكستر، ترى أنه يمكن تقسيم المواقف في سوريا حالياً حيال قضية التطبيع إلى ثلاثة معسكرات:

المعسكر الأول – والذي ترى أن حجمه ليس بالقليل إن لم يكن الأكبر عدداً – يضم من يريدون وضع نهاية للأوضاع المأساوية التي تعيشها سوريا منذ عام 2011، لذا فإنهم قد يقبلون بالسلام مع إسرائيل ليس من باب التعاطف معها، بل لمنح البلاد فرصة للتعافي من حرب قتل فيها نظام بشار الأسد من السوريين أكثر ممن قُتلوا في الحروب مع إسرائيل.

بينما يعارض الفريق الثاني إبرام النظام الحالي – ذي الصفة الانتقالية – اتفاق سلام مع إسرائيل من دون تخويل شعبي – خاصة وأن الشرع لم ُينتخب.

ويضم المعسكر الثالث المعارض للتطبيع بشكل عام فئات عدة، من بينها قطاع من أبناء الأقليات الذين يخشون من عمليات انتقامية بحقهم من قبل المسلحين الرافضين للتطبيع – ممن يرون أن الأقليات “تتعاون مع إسرائيل”.

شهدت سوريا تظاهرات منددة بالحرب الإسرائيلية في غزة

لكن، هل يمكن الآن قياس حجم الدعم أو الرفض الشعبي في سوريا حيال إبرام اتفاق تطبيع مع إسرائيل؟

المركز السوري لدراسات الرأي العام (مدى)، وهو مؤسسة بحثية تعرّف نفسها بالمستقلة، أصدر في نهاية شهر أبريل/نيسان الماضي نتائج استطلاع للرأي أجراه على 2550 سوريا من عموم المحافظات حول قضية التطبيع، جاء فيه أن 46.35 في المئة من العينة المستطلَعة لا يؤيدون توقيع اتفاق سلام مع إسرائيل، مقابل 39.88 في المئة من المؤيدين، بينما قال 13.76 في المئة إنهم غير معنيين أو غير مهتمين.

ويصف المشرفون على الاستطلاع نسبة المؤيدين بـ”العالية”، عند الأخذ بعين الاعتبار “الموقف العام في السابق من إسرائيل وعملية السلام”.

لكن كان من الملاحظ أن نسبة المعارضين لوجود “تمثيل دبلوماسي” بين البلدين بلغت نحو 60 في المئة مقابل نسبة المؤيدين التي وصلت إلى ما يقرب من 17 في المئة.

الجولان المحتل

الدكتور كمال العبدو، عميد كلية العلوم السياسية بجامعة الشمال في إدلب، يرى أن معارضي التطبيع “هم الأغلبية” وهو ما يمثل إحدى أبرز العقبات أمام إبرام اتفاق سلام.

لكن قائمة العقبات الرئيسية تشمل أيضاً قضية مرتفعات الجولان المحتلة، بحسب الأكاديمي السوري.

مرتفعات الجولان تقع في جنوب غرب سوريا وتبلغ مساحتها حوالي 1,200 كيلومتر، لكن أهمية المنطقة الاستراتيجية تزيد بكثير عن حجمها إذ إن طبيعتها الجغرافية وموقعها المرتفع يمنحان من يسيطر عليها موقعاً متميزاً بين سوريا وإسرائيل.

احتلت إسرائيل أغلبية مرتفعات الجولان عام 1967 لينزح الجزء الأكبر من سكانها إلى الداخل السوري، وعام 1974 أبرم الجانبان اتفاقاً لفك الاشتباك عقب حرب أكتوبر/تشرين الأول عام 1973 نص على إنشاء منطقة عازلة بين القوات الإسرائيلية في الجزء الغربي من الجولان والقوات السورية في الجزء الشرقي، ليسود الهدوء المنطقة الحدودية بين الجانبين لعشرات السنين.

ضمّت إسرائيل مرتفعات الجولان من جانب واحد في عام 1981. ولم يُعترف بهذه الخطوة دولياً، رغم أن إدارة ترامب الأمريكية اعترفت بها عام 2019.

وأنشأت إسرائيل أكثر من 30 مستوطنة في الجولان يعيش فيها نحو 20 ألف مستوطن إسرائيلي.

وعقب سقوط نظام الأسد أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن اتفاقية فض الاشتباك قد انهارت وأمر قواته بالتقدم إلى المنطقة العازلة.

لكن هل يمكن أن تكون مرتفعات الجولان ورقة تفاوض بين سوريا وإسرائيل في إطار اتفاق للتطبيع بين البلدين في ظل كل تلك التطورات؟

إيهود ياري، محلل شؤون الشرق الأوسط في القناة الثانية عشرة الإسرائيلية أعرب عن اعتقاده بـ”عدم وجود أي مسؤول سياسي في إسرائيل مستعد الآن للتخلي عن الجولان”.

في المقابل، فإن الأكاديمي السوري كمال العبدو يرى أن السلطة الانتقالية الحالية لا تستطيع التنازل عن الأراضي السورية المحتلة.

ألكساندر لانغلوي، محلل السياسة الخارجية الأمريكية المختص بشؤون غرب آسيا، يعتقد أن السلطة الحالية في سوريا لن تقدم على إبرام اتفاق سلام شامل مع إسرائيل في المستقبل القريب، فإبداء الشرع اهتمامه بالتطبيع “هو جزء من لعبة دبلوماسية أكبر تهدف إلى الحصول على المساعدة والاعتراف من الغرب”.

فهل يعني هذا أن فرص إحلال السلام بين سوريا وإسرائيل ستتحطم على صخرة قضية الجولان؟

“تفاهمات”

بينما يستبعد الدكتور كمال العبدو إمكانية التوصل إلى اتفاق تطبيع بين سوريا وإسرائيل في الوقت الحالي، إلا أنه يشير إلى إمكانية أن يتوصل الجانبان إلى “تفاهمات معينة” برعاية إقليمية تناقش ترتيبات حول أمن الحدود والانتشار العسكري، بجانب توفير ضمانات لإسرائيل بعدم الاعتداء عليها.

كما يضيف أنه من الممكن أن تشمل الاتفاقات “تأجير الجولان لفترة معينة كما حدث في غور الأردن في اتفاقية وادي عربة”.

بعد ثلاثة عقود على اتفاق السلام بين الأردن وإسرائيل، كيف ينظر الطرفان إلى مستقبل معاهدة وادي عربة؟

من جهته، يقول الصحفي الإسرائيلي إيهود ياري إن هناك قناعة في أواسط الطبقة السياسية والعسكرية في إسرائيل بأنه يمكن التوصل إلى “تفاهم مهم” مع دمشق “ربما لن يكون تطبيعاً شاملاً مثلما هو الحال في الاتفاقيات الإبراهيمية لكن هذا التفاهم يمكن أن يقود إلى ترتيبات حول مصالح مشتركة مثل الأمن والحدود”.

ويشير ياري إلى إمكانية إبرام اتفاقيات أمنية جديدة بين سوريا وإسرائيل تحل محل اتفاقية فك الارتباط لعام 1974. كما يمكن أن تشمل تلك التفاهمات تطبيعاً بين مكوّنات دينيّة داخل سوريا (مثل طائفة الدروز) وإسرائيل.

شكّل دروز سوريا محور اهتمام خاص من قِبل إسرائيل عقب سقوط نظام بشار الأسد، وهو اهتمام تجلّى في عدة أحداث، أبرزها غارة إسرائيلية استهدفت منطقة قرب القصر الرئاسي في دمشق، عقب اشتباكات ذات طابع طائفي بالقرب من دمشق، وصرّح حينها بنيامين نتنياهو بأنها تمثّل “رسالة إلى النظام السوري مفادها أن إسرائيل ملتزمة بحماية دروز سوريا”.

المسلحون

جاء سقوط نظام بشار الأسد في ظل تطورات ضخمة شهدتها منطقة الشرق الأوسط؛ فالحرب الإسرائيلية في غزة تجاوزت القطاع لتصل إلى لبنان الذي شهد مواجهات بين إسرائيل وحزب الله، أبرز حلفاء بشار الأسد.

وعقب الخسائر التي تكبدها حزب الله، تقدمت الجماعات المسلحة المعارضة بسرعة كبيرة لتسيطر على المدن السورية واحدة تلو الأخرى وصولاً إلى دمشق.

وكانت هيئة تحرير الشام الإسلامية المتشددة – التي كانت مدرجة على قوائم الإرهاب تحت قيادة الشرع – على رأس تلك القوات التي وضعت نهاية لحكم آل الأسد.

وبعد الإطاحة بحكم الأسد، أُعلن عن التوصل إلى اتفاق يتم بموجبه حل الفصائل المسلحة ودمجها في القوات الحكومية. أما الشرع، الذي تخلى عن لقب أبو محمد الجولاني، فقد بدأ يغير خطابه ليتخلى عن النبرة الجهادية المتشددة.

ولكن هل تقبل العناصر المسلحة، ذات الخلفية الإسلامية المتشددة التي قادها الشرع في حملة الإطاحة بنظام الأسد، باتفاق سلام مع إسرائيل أو حتى تفاهمات أمنية؟

ترى الدكتورة رهف الدغلي أن الشرع “غير قادر على فرض التطبيع الكامل” على المقاتلين الإسلاميين، سواء كانوا أجانب أو سوريين، “الذين يتخذون موقفاً راديكالياً داعما للقضية الفلسطينية”.

وبينما يتفق الدكتور كمال العبدو مع الحديث عن كون المسلحين الإسلاميين مؤيدين بشدة للقضية الفلسطينية، فإنه يشير إلى أن التفاهمات المستقبلية المحتملة قد تشمل محاربة التيارات المتطرفة وإبعاد “الجماعات الراديكالية” عن الحدود مع إسرائيل.

وبعيداً عن الجماعات الموالية للشرع، يرى الصحفي الإسرائيلي إيهود ياري أن هناك الكثير مما يجب على السلطة في سوريا فعله، وقد تم جزء منه بالفعل، فيما يتعلق بالتنسيق لمواجهة حزب الله والفصائل الفلسطينية المسلحة التي كانت تحظى بدعم الأسد، وبعض المحاولات من قبل حماس لتأسيس قاعدة لها .

الاقتصاد

جاء إعلان الرئيس الأمريكي عن رفع العقوبات المفروضة على سوريا ليثير فرحة عارمة داخل البلد، الذي يعاني اقتصادياً جراء نحو 14 عاماً من الاقتتال الداخلي.

ورغم أن ترامب لم يربط بين رفع العقوبات والتطبيع مع إسرائيل إلا أن هناك فريقاً من السوريين قد يرى أن السلام مع إسرائيل سيؤدي بشكل مباشر أو غير مباشر إلى تحسن الأوضاع الاقتصادية.

فبحسب استطلاع الرأي الذي أجراه المركز السوري لدراسات الرأي العام فإن نحو 70 في المئة من العينة المستطلع رأيها يعتقدون أن السلام مع إسرائيل سيؤدي إلى قدوم الاستثمارات العربية والدولية إلى البلاد.

لكن الدكتور كمال العبدو لا يعتقد أن التطبيع مع إسرائيل قد يؤدي بالضرورة إلى الرخاء، مستشهداً بالأوضاع الاقتصادية الصعبة في مصر التي أبرمت اتفاق سلام مع إسرائيل منذ نحو 45 عاماً.

في المقابل يقول الصحفي الإسرائيلي إيهود ياري إن إسرائيل يمكن أن تساعد في حل أزمة الطاقة التي تعاني منها سوريا عبر ضخ الغاز من إسرائيل إلى سوريا ولاحقاً إلى لبنان.

وهكذا، فإنه وبينما يستبعد محللون فرص تطبيع شامل أو قريب بين إسرائيل وسوريا، إلا أنهم يرون أن إمكانية التوصل إلى تفاهمات ربما تؤدي إلى ضبط الحدود بين البلدين بجانب تعاون في مجالات عسكرية وأمنية – تحُول دون تدهور الأوضاع في سوريا وانتقال تبعاتها إلى المنطقة الحدودية.

—————————

الشيخ البلعوس أجرى مباحثات مع مجلس الشيوخ الأميركي حول السويداء

القيادي الدرزي لـ«الشرق الأوسط»: أكدت على أن استحواذ طرف على القرار أدى إلى الفوضى والدماء في السويداء

دمشق: «الشرق الأوسط»

26 يوليو 2025 م

قال الشيخ ليث البلعوس، أحد الزعامات الروحية في محافظة السويداء جنوب سوريا، الذي يقود عدة فصائل مسلحة تنضوي ضمن ما يُعرف بـ«مضافة الكرامة»، إن سبب الأحداث الدامية التي شهدتها المحافظة ذات الأغلبية الدرزية هو استحواذ طرف على قرار الطائفة وإقصاء الآخرين، وذلك خلال مباحثات مع لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي، أرادت معرفة حقيقة ما يجري في المحافظة التي شهدت أحداثاً دامية قُتِل خلالها المئات، وركَّزت أيضاً على «مَن يتحمل المسؤولية».

وفي تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، ذكر البلعوس أن المباحثات جرت مع لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي – مكتب رئيس اللجنة السيناتور جيمس ريتش، وعضو المجلس السيناتور جين شاهين، عبر تطبيق «زوم»، ويسر اللقاء الدكتور بكر غبيس العضو في منظمة «مواطنين لأجل أميركا آمنة».

وفي وقت سابق من هذا الشهر، اندلعت اشتباكات ضارية وأعمال عنف دامية في السويداء بين أبناء الطائفة الدرزية وقبائل بدوية سنية محلية، على خلفية عمليات خطف متبادلة، وقد تدخلت الحكومة السورية لبسط نفوذها وفض النزاع، وحاولت نشر قوات أمنية في أرياف المحافظة ومدينة السويداء، لكن تم رفض ذلك من قبل الرئيس الروحي للطائفة الدرزية، الشيخ حكمت الهجري، وفصائل محلية مسلحة ومواجهتها، لتدور اشتباكات عنيفة بين الجانبين، ترافقت مع تدخُّل إسرائيل باستهداف القوات الحكومية في المحافظة وعدة مناطق في درعا ومبنى هيئة الأركان ومحيط القصر الرئاسي في دمشق، مدّعيةً أنها كانت تعمل لحماية الدروز.

وأوضح القيادي الدرزي أن المباحثات دارت حول ملف محافظة السويداء، وتحديداً من حيث الوضع الإنساني والأمني وتداعيات النزاع الدائر بين أطياف المجتمع: «أكدنا في حديثنا أن الدماء التي تُراق في الجبل مرفوضة بكل الأشكال، وناقشنا ضرورة حماية المدنيين ووضع حد للفوضى والانفلات، وطلبنا أن يتم العمل على تشكيل لجنة حقوقية مستقلة لتوثيق الانتهاكات وحماية الحق في الحياة والكرامة لكل إنسان في السويداء».

وأضاف: «أرادوا أن يسمعوا من أبناء المنطقة بشكل مباشر عن حقيقة ما يجري بعيداً عن الروايات المفبركة والتقارير المشوَّشة، وكان تركيزهم على مَن يتحمل المسؤولية، وما هي مطالب الناس، وكيف يمكن دعم استقرار الوضع إنسانياً وسياسياً». وتابع: «أوضحنا لهم أن الوضع ليس كما يُصوَّر إعلامياً، بل هناك طرف استحوذ على قرار الطائفة، وأقصى الآخرين، وهو ما أدى إلى الفوضى والدماء، وقلنا لهم بصراحة: لسنا عملاء لأحد، بل نحن أبناء كرامة، وحرصنا على السويداء مِن حرصنا على سوريا».

«لم أترك السويداء رغم التهديدات»

البلعوس أكد أنه «لم يترك السويداء في الأيام الحرجة، وكان دائماً حاضراً سواء بشكل مباشر أو من خلال تواصله اليومي مع الأهالي ومع الفعاليات ومع الوطنيين الذين يعملون بصمت لحماية الناس، مضيفاً: «وإن غبت فكانت الغاية هي التنسيق والحماية وليس الهروب، كثيرون يعرفون مواقفي ويعرفون أني لم أساوم على دم ولا على كرامة».

وسألت «الشرق الأوسط» البلعوس، إن كان هناك خطر على حياته خلال أحداث السويداء.. ومن أين كان يأتي؟ فأجاب: «نعم، في لحظة معينة بات هناك تهديد واضح بعد أن تبيَّن لبعض المتنفذين أن صوت العقل بات يهدد مصالحهم، وقد وصلتني تهديدات مباشرة وغير مباشرة من جماعات مرتبطة بعصابات ومسلحين نعلم تبعيتها، ومن أين تأخذ قرارها. وقد قاموا بسرقة منازلنا وإحراقها والتعدي على الممتلكات والتعدي على حرمة مدفن والدي الشهيد الشيخ أبو فهد وحيد البلعوس، إضافةً لحرق مضافته».

وختم البلعوس تصريحه بالقول: «أنا موجود. لن نتخلى عن أرضنا وكرامتنا، ونسعى لإيضاح الحقيقة المرَّة لأهلنا ولشعبنا، والناس سمعت الحقيقة وعرفت مَن أراد بها الفتنة ومَن سعى ليبقي لهم الأمل»، مشدداً على أن «السويداء بيتي ومكاني وواجبي، ولن أتخلى عنها يوماً».

فلول وتجار «كبتاغون»

في منشورين له حول المباحثات، أوضح الدكتور غبيس، في حسابه على منصة «إكس»، أن النقاش خلال اللقاء تمحور حول اختطاف قرار الحرب والسلم للطائفة الدرزية من قبل مجموعة صغيرة. وأوضح أن البلعوس كشف للجنة عن وجود العديد من ضباط نظام بشار الأسد السابق وتجار «الكبتاغون» بين الميليشيات التي تحارب القوات الحكومية وترتكب الانتهاكات.

وانسحبت بعد ذلك القوات الحكومية من مدينة السويداء، وتمركزت في المدن والبلدات والقرى المحيطة بها.

وأسفرت تلك الأحداث عن مقتل مئات المدنيين وقوات الأمن السورية ومقاتلي الفصائل المحلية الدرزية، وإجلاء الآلاف من أبناء القبائل البدوية السنية إلى درعا.

تباين المرجعية والفصائل

وتُعَد «دار طائفة المسلمين الموحَّدين الدروز في سوريا» المرجعية الدينية العليا للطائفة الدرزية، وهي تضمّ شيوخ عقل الطائفة الثلاثة، وهم: الشيخ يوسف جربوع، والشيخ حمود الحناوي، والشيخ حكمت الهجري. بينما يُعدّ الهجري الرئيس الروحي للطائفة.

ومنذ التغيير السوري في الثامن من ديسمبر (كانون الأول) الماضي، ظهر تباين في المواقف بين شيوخ العقل الثلاثة تجاه السلطات السورية الجديدة؛ ففي حين يرفض الهجري دخول قوات الجيش والأمن الحكومية إلى المحافظة، ويوجه انتقادات لاذعة للحكومة، ويطالب بتدخُّل دولي، بحجة حماية السويداء، كانت مواقف جربوع والحناوي بضرورة التفاهم مع الحكومة، والحفاظ على قنوات التواصل معها، وبسط الدولة سيطرتها على السويداء.

وتتوافق مواقف البلعوس الذي يقود عدة فصائل مسلحة تنضوي ضمن ما يُعرَف بـ«مضافة الكرامة» مع مواقف قائد فصيل «أحرار جبل العرب»، سليمان عبد الباقي، ومواقف جربوع والحناوي. ويقود ليث البلعوس الفصائل المنضوية في «مضافة الكرامة»، ومن بين تلك الفصائل «حركة رجال الكرامة» التي يتزعمها يحيى الحجار، لكن موقف الحجار إزاء الاحداث في السويداء مختلف عن موقف البلعوس، وهو أقرب إلى موقف الهجري.

في المقابل، تتخذ فصائل محلية أخرى في السويداء، منها: «لواء الجبل»، و«المجلس العسكري في السويداء»، مواقف معارضة للحكومة ومتقاربة من موقف الهجري.

يٌذكر أنه قبل وقوع الأحداث الدامية في السويداء، تم التوصل، عدة مرات، إلى اتفاقات بين المرجعيات الدينية والسياسية والاجتماعية في المحافظة تنصّ على عودة مؤسسات الدولة إلى المحافظة، لكنّ الهجري وعدداً من الفصائل المحلية كانوا يرفضونها.

——————————

مصدر سوري: دمشق حملت تل أبيب مسؤولية التصعيد بالسويداء

 نقلت قناة “الإخبارية السورية” الرسمية عن مصدر دبلوماسي سوري، السبت، إن دمشق حملت تل أبيب خلال اجتماع بالعاصمة الفرنسية باريس، مسؤولية التصعيد في محافظة السويداء جنوبي البلاد.

المصدر، الذي لم تكشف القناة هويته، لم يحدد أسماء المسؤولين الذين حضروا اللقاء، الذي يعد الأول من نوعه منذ ربع قرن.

فيما ادعت القناة “13” العبرية الخاصة أن اللقاء جرى الجمعة بمشاركة وزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي رون ديرمر ووزير الخارجية السوري أسعد الشيباني وحضور المبعوث الأمريكي إلى سوريا توماس باراك.

وكان آخر اجتماع رفيع المستوى بين الطرفين عام 2000، عندما استضاف الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك إيهود باراك ووزير الخارجية السوري آنذاك فاروق الشرع، كجزء من جهود للتوصل إلى اتفاق سلام بين البلدين.

 وساطة أمريكية

وقال المصدر الدبلوماسي السوري لقناة “الإخبارية السورية”: “الحوار الذي جمع وفدا من وزارة الخارجية وجهاز الاستخبارات العامة بسوريا مع الجانب الإسرائيلي، جرى بوساطة أمريكية، وتمحور حول التطورات الأمنية الأخيرة، ومحاولات احتواء التصعيد في الجنوب السوري”.

وأوضح المصدر أن “اللقاء لم يسفر عن أي اتفاقات نهائية، بل كان عبارة عن مشاورات أولية تهدف إلى خفض التوتر وإعادة فتح قنوات التواصل في ظل التصعيد (الإسرائيلي ضد سوريا) المستمر منذ أوائل ديسمبر/ كانون الأول (2024)”.

وشدّد الوفد السوري “على أن وحدة وسلامة وسيادة الأراضي السورية مبدأ غير قابل للتفاوض، وأن السويداء وأهلها جزء أصيل من الدولة السورية، لا يمكن المساس بمكانتهم أو عزلهم تحت أي ذريعة”.

كما “تم التأكيد على أن الشعب السوري، ومعه مؤسسات الدولة، يسعون جديا إلى إعادة إعمار ما دمرته الحرب، وأن السوريين بعد سنوات من الصراع، يتطلعون إلى الأمن ورفض الانجرار نحو مشاريع مشبوهة تهدد وحدة البلاد”.

المصدر أفاد بأن الوفد السوري رفض “بشكل قاطع أي وجود أجنبي غير شرعي على الأراضي السورية، وأي محاولة لاستغلال فئات من المجتمع السوري في مشاريع التقسيم، أو خلق كيانات موازية تفتت الدولة وتغذي الفتنة الطائفية”.

وأكد أن “أي محاولات لجرّ البلاد نحو الفوضى أو العنف الداخلي مرفوضة بالكامل”، محذرا “من مخططات تستهدف النسيج الوطني السوري”، وداعيًا “المجتمع الدولي لتحمل مسؤولياته في منع الانزلاق نحو مزيد من التصعيد”.

أحداث السويداء

كذلك “حمّل الوفد السوري الجانب الإسرائيلي مسؤولية التصعيد الأخير (خلال أحداث السويداء)”، مشددا على أن “استمرار هذه السياسات العدوانية يهدد أمن المنطقة بالكامل، وسوريا لن تقبل بفرض وقائع جديدة على الأرض”.

ومنذ اندلاع اشتباكات السويداء بين الدروز وعشائر بدوية في 13 يوليو/ تموز الجاري، صعدت إسرائيل وقصفت 4 محافظات سورية بالجنوب (دمشق وريف دمشق ودرعا والسويداء)، واستهدفت مواقع حيوية، بينها مبنى رئاسة الأركان التابعة للجيش بالعاصمة.

وأسفر التصعيد الإسرائيلي عن قتلى وجرحى، بذريعة حماية الدروز، بينما أكدت دمشق مرارا أن الطائفة جزء من النسيج السوري، وحمايتها مسؤولية الدولة.

المصدر الدبلوماسي أوضح أن “اللقاء تطرق إلى إمكانية إعادة تفعيل اتفاق فضّ الاشتباك (الموقع عام 1974) بضمانات دولية، مع المطالبة بانسحاب فوري للقوات الإسرائيلية من النقاط التي تقدمت إليها مؤخرًا”.

وفي ختام اللقاء، “تم الاتفاق على عقد لقاءات جديدة خلال الفترة المقبلة، بهدف مواصلة النقاشات وتقييم الخطوات التي من شأنها تثبيت الاستقرار واحتواء التوتر في الجنوب، ضمن إطار يحترم سيادة سوريا ووحدتها واستقلال قرارها السياسي”.

ووصف المصدر الحوار، بأنه “كان صريحا ومسؤولا، ويأتي في إطار الجهود الرامية لتفادي التصعيد، دون أن يحمل أي طابع اتفاقي حتى اللحظة”.

كما أكد أن “الدولة السورية ملتزمة بالدفاع عن وحدة أراضيها وشعبها، وترفض أي مشاريع للتقسيم، أو جر البلاد إلى صراع داخلي جديد”.

ومنذ سقوط نظام بشار الأسد، سارعت إسرائيل إلى تدمير معظم مقدرات الجيش السوري، وأعلنت انهيار اتفاقية فصل القوات، وتوغلت في الأراضي السورية، وتمركزت في عدة نقاط، ما تسبب بموجة تنديد واسعة النطاق.

وأكد الرئيس السوري أحمد الشرع، خلال لقائه بدمشق وجهاء وأعيان محافظة القنيطرة جنوب البلاد في يونيو/ حزيران الماضي، أن بلاده تجري مفاوضات غير مباشرة مع إسرائيل، بهدف وقف الانتهاكات والعودة إلى اتفاقية فصل القوات.

(الأناضول)

————————-

 لقاء الشيباني- ديرمر: مشاورات أولية بلا اتفاقات نهائية

السبت 2025/07/26

نقلت “الإخبارية السورية” عن مصدر دبلوماسي قوله إن الاجتماع السوري- الإسرائيلي في باريس، كان عبارة عن مشاورات أولية ولم يسفر عن أي اتفاقات نهائية، مضيفاً أن الوفد السوري حذّر من مخططات تستهدف النسيج الوطني، وذلك على أن تُعقد لقاءات جديدة خلال الفترة المقبلة.

واجتمع أمس الجمعة، في العاصمة الفرنسية باريس، وزير الخارجية السورية أسعد الشيباني، ووزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي رون ديرمر، برعاية المبعوث الأميركي إلى سوريا توم باراك.

احتواء التصعيد

وقال المصدر “المطلع على مجريات اللقاء”، إن الحوار الذي جمع وفداً من وزارة الخارجية وجهاز الاستخبارات العامة مع الجانب الإسرائيلي جرى بوساطة أمريكية وتمحور حول التطورات الأمنية الأخيرة ومحاولات احتواء التصعيد في الجنوب السوري

وأضاف أن “اللقاء لم يسفر عن أي اتفاقات نهائية، بل كان عبارة عن مشاورات أولية تهدف إلى خفض التوتر وإعادة فتح قنوات التواصل في ظل التصعيد المستمر منذ أوائل كانون الأول/ديسمبر”.

وشدد الوفد السوري على أن وحدة وسلامة وسيادة الأراضي السورية “مبدأ غير قابل للتفاوض، وأن “السويداء وأهلها جزء أصيل من الدولة السورية، لا يمكن المساس بمكانتهم أو عزلهم تحت أي ذريعة”، وفق المصدر.

مشاريع مشبوهة

كما أكد الوفد السوري أن السوريين ومعهم “مؤسسات الدولة، يسعون جديّاً إلى إعادة إعمار ما دمرته الحرب”، وأنهم بعد سنوات من الصراع، يتطلعون اليوم إلى الأمن والاستقرار، ورفض الانجرار نحو مشاريع مشبوهة تهدد وحدة البلاد.

ورفض الوفد السوري بشكل قاطع أي وجود أجنبي غير شرعي على الأراضي السورية، وكذلك أي محاولة لاستغلال فئات من المجتمع السوري في مشاريع التقسيم أو خلق كيانات موازية تفتت الدولة وتغذي الفتنة الطائفية.

وشدد الجانب السوري على رفض أي محاولات لجرّ البلاد نحو الفوضى أو العنف الداخلي مرفوضة بالكامل، كما حذّر من مخططات تستهدف النسيج الوطني السوري، فيما دعا المجتمع الدولي لتحمل مسؤولياته في منع الانزلاق نحو المزيد من التصعيد، وفق المصدر.

فض الاشتباك

وحمّل الوفد السوري، الجانب الإسرائيلي مسؤولية التصعيد الأخير في سوريا، خصوصاً التوغل في بعض المناطق بعد 8 كانون الأول/ديسمبر، كما شدد على أن استمرار هذه السياسات العدوانية يهدد أمن المنطقة بالكامل، وأن سوريا لن تقبل بفرض وقائع جديدة على الأرض.

وبحسب المصدر الدبلوماسي، فقد تم الاتفاق في ختام اللقاء، على عقد لقاءات جديدة خلال الفترة المقبلة، من أجل مواصلة النقاشات وتقييم الخطوات التي من شأنها تثبيت الاستقرار واحتواء التوتر في الجنوب، ضمن إطار يحترم سيادة سوريا ووحدتها واستقلال قرارها السياسي.

اتفاقية فض الاشتباك

ولفت إلى أن اللقاء تطرق إلى إمكانية إعادة تفعيل اتفاق فضّ الاشتباك بضمانات دولية، والمطالبة بانسحاب فوري للقوات الإسرائيلية من النقاط التي تقدمت إليها بعد 8 كانون الأول/ديسمبر الماضي.

ووصف المصدر، الحوار بأنه كان “صريحاً ومسؤولاً”، وأتى في إطار الجهود الرامية لتفادي التصعيد، “من دون أن يحمل أي طابع اتفاقي حتى اللحظة”، حسب تعبير المصدر الذي أكد أن الوفد السوري شدد على أن الدولة السورية ملتزمة بالدفاع عن وحدة أراضيها وشعبها، وترفض أي مشاريع للتقسيم أو جر البلاد إلى صراع داخلي جديد.

وأمس الجمعة، قال موقع “أكسيوس” الأميركي، إن الاجتماع استمر 4 ساعات، وهو أرفع لقاء رسمي بين سوريا وإسرائيل منذ أكثر من 25 عاماً، منذ اللقاء الذي جمع وزير الخارجية السورية الأسبق فاروق الشرع مع رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك، في العام 2000 في الولايات المتحدة، وذلك ضمن محادثات السلام بين الجانبين آنذاك.

وعن اللقاء، قال باراك في منصة “إكس”: “التقيت هذا المساء السوريين والإسرائيليين في باريس. كان هدفنا الحوار وتخفيف التوتر، وهذا بالضبط ما حققناه. جميع الأطراف جددت التزامها بمواصلة هذه الجهود”.

المدن

———————

تفاصيل اللقاء الأمني بين سورية وإسرائيل بوساطة أميركية في باريس

26 يوليو 2025

الوفد السوري: وحدة وسلامة وسيادة أراضينا مبدأ غير قابل للتفاوض

اللقاء غير المباشر لم يسفر عن أي اتفاقات نهائية

مطالبة بانسحاب فوري للقوات الإسرائيلية من النقاط التي تقدمت إليها

كشف مصدر دبلوماسي مطّلع على مجريات لقاء عقد الخميس في العاصمة الفرنسية باريس، اليوم السبت، أن محادثات غير مباشرة جمعت وفداً من وزارة الخارجية السورية وجهاز الاستخبارات العامة مع ممثلين عن الجانب الإسرائيلي، بوساطة أميركية، ركزت على التطورات الأمنية الأخيرة في الجنوب السوري وسبل احتواء التصعيد. وقال المصدر، في تصريحات نقلتها “الإخبارية السورية” الرسمية، أن اللقاء لم يسفر عن أي اتفاقات نهائية، واصفاً إياه بـ”المشاورات الأولية” التي تهدف إلى خفض التوتر وفتح قنوات تواصل في ظل استمرار التصعيد منذ أوائل ديسمبر/كانون الأول الماضي.

وبحسب المصدر ذاته، شدّد الوفد السوري خلال اللقاء على أن وحدة وسلامة وسيادة الأراضي السورية “مبدأ غير قابل للتفاوض”، مؤكداً أن محافظة السويداء وأهلها “جزء أصيل من الدولة السورية”، ولا يمكن المساس بمكانتهم أو عزلهم تحت أي ذريعة.

وأشار إلى أن الجانب السوري أكد التزامه الكامل بإعادة إعمار ما دمرته الحرب، وسعي مؤسسات الدولة والشعب السوري إلى تحقيق الأمن والاستقرار بعد سنوات طويلة من الصراع، ورفضهم لأي مشاريع “مشبوهة” من شأنها تهديد وحدة البلاد.

كما نقل المصدر رفض الوفد السوري “بشكل قاطع” لأي وجود أجنبي غير شرعي على الأراضي السورية، وأي محاولات لاستغلال مكونات المجتمع السوري في مشاريع التقسيم أو خلق كيانات موازية تغذي الفتنة الطائفية وتفتت الدولة. وأوضح أن الجانب السوري حذر من محاولات لجر البلاد نحو الفوضى أو العنف الداخلي، معتبراً أن هناك “مخططات تستهدف النسيج الوطني”، داعيًا المجتمع الدولي إلى تحمّل مسؤولياته لمنع الانزلاق نحو مزيد من التصعيد.

وأضاف أن الوفد السوري حمّل إسرائيل مسؤولية التصعيد الأخير، خاصة ما وصفه بـ”التوغلات” في بعض المناطق بعد 8 ديسمبر/كانون الأول، مشدداً على أن استمرار “السياسات العدوانية” من شأنه تهديد أمن المنطقة بأكملها، وأن دمشق “لن تقبل بفرض وقائع جديدة على الأرض”. كما لفت المصدر إلى أن اللقاء تطرق إلى إمكانية إعادة تفعيل اتفاق “فض الاشتباك” بضمانات دولية، مع المطالبة بانسحاب فوري للقوات الإسرائيلية من النقاط التي تقدمت إليها مؤخراً.

وخُتم اللقاء، وفق المصدر، بالاتفاق على عقد لقاءات جديدة خلال الفترة المقبلة، لاستكمال النقاشات وتقييم خطوات من شأنها تثبيت الاستقرار واحتواء التوتر في الجنوب، ضمن إطار يحترم سيادة سورية ووحدتها واستقلال قرارها السياسي. ووصف المصدر اللقاء بأنه كان “صريحاً ومسؤولاً”، ويأتي في إطار الجهود الهادفة لتفادي مزيد من التصعيد، دون أن يحمل أي طابع اتفاقي حتى اللحظة. كما جدد التأكيد على التزام الدولة السورية بالدفاع عن وحدة أراضيها وشعبها، ورفضها التام لأي مشاريع تهدف إلى تقسيم البلاد أو دفعها نحو صراع داخلي جديد.

ويوم الخميس الفائت، عُقد اجتماع ثلاثي بين وزير الخارجية السوري أسعد حسن الشيباني ونظيره الفرنسي جان نويل بارو، والمبعوث الأميركي الخاص إلى سورية توماس برّاك، في العاصمة الفرنسية باريس، ضمن لحظة اعتبرتها الخارجية السورية “فارقة” في مسار التحول الذي تشهده البلاد بعد سقوط النظام السابق.

ووفقاً لما ورد في بيان رسمي لوزارة الخارجية السورية، الصادر يوم أمس الجمعة، فقد ساد اللقاء أجواء من الحوار “الصريح والبنّاء”، ركزت على خفض التصعيد السياسي والأمني، وفتح أفق أوسع لمسار الانتقال السياسي. وأشار البيان إلى “توافق الأطراف الثلاثة على ضرورة الانخراط السريع في جهود إنجاح الانتقال السياسي في سورية”، بما يضمن وحدة واستقرار وسيادة البلاد. كما شدد البيان على “أهمية التعاون في مجال مكافحة الإرهاب بكافة أشكاله”، إلى جانب دعم مؤسسات الدولة السورية في مواجهة التحديات الأمنية، مع التشديد على دعم الحكومة في جهودها نحو “المصالحة الوطنية وتعزيز التماسك المجتمعي”، لا سيما في المناطق الأكثر تأثراً بالأزمات مثل شمال شرق البلاد ومحافظة السويداء.

وفي خطوة اعتُبرت لافتة، أبدى المجتمعون دعمهم “لعقد جولة حوار مباشرة بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية في باريس”، في أقرب وقت ممكن، بهدف استكمال تنفيذ اتفاق 10 آذار/مارس بشكل كامل. كما توافقت الأطراف على “دعم جهود المحاسبة القانونية حيال مرتكبي أعمال العنف”، والترحيب بنتائج التقارير المتعلقة بالتحقيقات، لا سيما ما ورد في التقرير الأخير بشأن أحداث الساحل السوري.

—————————–

ماذا نعرف عن القبائل السوريّة؟ وما علاقتها بالدولة؟/ الحارث علي الحباشنة

19 يوليو/تموز 2025.

عندما تُطرح مفردات مثل “البدو” أو”الشوايا” أو “قبائل الفلاحين” في النقاشات حول القبائل والعشائر السورية، يتسلّل الجدل سريعاً إلى سطح الحديث. فهذه الكلمات – وإن بدت توصيفات اجتماعية أو جغرافية في ظاهرها – تحمل في العمق شحنات تاريخية وطبقية معقدة، وارتبطت أحياناً بالتمييز أو التراتبيّة الاجتماعية.

في بعض السياقات، يُنظر إلى مصطلح “البدوي” باعتباره دلالة على الأصالة والنخوة العربية، بينما يُستخدم في سياقات أخرى بطريقة تهميشية، وفق ما يصف أبناء من هذه الشريحة لبي بي سي.

ومثله “الشاوي” الذي يشير جغرافياً إلى سكان كل أرياف الشمال الشرقي السوري، لكنه قد يُحمَّل دلالات اجتماعية جارحة في الخطاب الشعبي لدى أهل المدن غالباً، وفق ما تحدث به خبراء في العلاقة بين القبائل والدولة السورية لبي بي سي.

أما “الفلاح”، فرغم ارتباطه بالأرض والعمل، إلا أنه كثيراً ما استُخدم في الأدبيات العشائرية لتمييز ابن القبيلة الريفي المستقر عن “القبلي دائم التنقل”.

    من هم “العمشات” و”الحمزات”؟ وهل يحاسبهم الشرع؟

هذه المصطلحات إذن ليست مجرد تعريفات، بل مفاتيح لفهم البُنية الطبقية والرمزية في سوريا، وحساسية استخدامها تعكس مزيجاً من التاريخ والسياسة والانتماء.

في سوريا، تُستخدم تسميات مثل “الشوايا” و”البدو” و”الفلاحين” لتمييز أنماط حياة القبائل في مختلف المناطق.

فـ”الشوايا” اشتهروا بتربية الشاة والماعز، ويعيشون في المنطقة الممتدة من شرق نهر الفرات في سوريا حتى العراق.

أما “البدو”، فيُعتقد أنهم وصلوا لاحقاً من الجزيرة العربية، واعتمدوا على تربية الإبل والترحال في البادية الواسعة. في المقابل، يُطلق اسم “الفلاحين” على القبائل المستقرة في الجنوب، خاصة في درعا وحوران، التي امتهنت الزراعة وتربية المواشي.

ويقول الأكاديمي السوري حيّان دخان، المحاضر في جامعة تيسايد بالمملكة المتحدة والزميل الباحث في مركز الدراسات السورية بجامعة سانت أندروز البريطانية: “إن مصطلح ‘القبائل العربية’ هو المصطلح الجامع لجميع المفردات التي ذكرناها وأقلّها حساسية وتعقيداً”.

ويوضّح أن كلمة “الشوايا” كانت مرتبطة تاريخياً “بصورة نمطية للتخلف” ويعزو ذلك إلى ما وصفه بـ “قلة معرفة مكونات المجتمع السوري بأفكار وتقاليد بعضها بعضاً”. وبيّن أن خلال سنوات الصراع الماضية اكتسبت هذه الكلمة هوية جديدة، “مصحوبة بالشجاعة والقوة في مواجهة النظام”.

“العلاقة بين هذه القبائل والمدن تحوّلت إلى صراع رمزي؛ إذ رأت المدن نفسها كمناطق امتياز، فيما اقتربت القبائل الريفية من تسميات المقاومة والهوية الزراعية الأصيلة”. كما أن أبناء القبائل “يرون أن ظلماً وقع عليهم من نظام البعث بعد الثورة، حيث كانوا هم من تصدوا إلى آلة القمع”، وفق دخان الباحث المتخصص في الديناميات القبلية في سوريا.

من أين جاؤوا؟ وأين يقطنون؟

ويقول الباحث السوري حيّان دخان – مستنداً إلى دراسات غير رسمية – إن عدد أفراد القبائل يشكل نحو 30 إلى 40 في المئة من المجتمع السوري الذي يصل عدد أفراده إلى أكثر من 25 مليون نسمة داخل سوريا. وتجدر الإشارة إلى وجود تباين في التقديرات بسبب النزوح المستمر واللجوء بسبب الحرب.

هناك صعوبة كبيرة لدى النسّابين العرب والأنثروبولوجيين في تقديم خارطة دقيقة لأصول هذه القبائل، نظراً لقدم وجودها في المنطقة، وأيضاً بسبب تعدد المناطق والأقاليم التي جاؤوا منها، والتفاوت التاريخي في الوصول لهذه المناطق.

ولعل أفضل طريقة للتعرف على المكون الاجتماعي هو أن ننطلق في رحلة إلى عمق الصحراء الشاسعة، حيث تعيش مجتمعات قبلية تشكل جزءاً من تركيبة الهوية السورية منذ القدم وحتى الدولة المعاصرة.

تعود أصول العشائر السورية إلى قبائل عربية هاجرت واستقرت في مناطق البادية والفرات وحوران منذ قرون طويلة، وامتدت جذورها في محيط يتجاوز حدود الدولة الحديثة. شكّلت هذه العشائر بُنية اجتماعية متماسكة، تقوم على الانتماء لرابطة الدم والنسب والعرف العشائري، وتتكئ على مفاهيم الكرم والولاء، ويحركها في أحيان كثيرة الثأر وحل النزاعات ضمن إطارها الخاص.

    إحداها من أصول رومانية: تعرف على أبرز قبائل شبه جزيرة سيناء

رغم غياب الإحصاءات الرسمية الدقيقة، تُقدّر دراسات – وأحدثها ما قدمه مركز جسور للدراسات – أن في سوريا ما بين 25 إلى 40 قبيلة عربية رئيسية، تتوزع على مختلف المحافظات وتشكل جزءاً مهماً من التركيبة الاجتماعية، خاصة في الشرق والشمال والجنوب.

وتنحدر هذه القبائل من جذور تاريخية عريقة، وتنقسم داخلياً إلى مئات العشائر الفرعية، بعضها يحتفظ ببنيته التقليدية، بينما تحول بعضها الآخر إلى روابط عائلية بفعل التحولات الديموغرافية التي فرضتها سنوات الحرب والنزوح.

واعتمدت الدراسة، التي نشرها مركز جسور للدراسات عام 2021، على مقابلات مع 28 شخصية من وجهاء القبائل وخبراء محليين، دون ذكر لمراجع تاريخية أو مناهج إحصائية دقيقة، مركّزة على القبائل المنتشرة في الجزيرة السورية (دير الزور، والرقة، والحسكة) والمنطقة الوسطى (حمص، وحماة) والجنوب السوري (درعا، والسويداء، والقنيطرة)، وأشارت إلى أن كثيراً من العلاقات القبلية في مناطق مثل ريف دمشق تحوّلت إلى صيغ أكثر عائلية ومدنية.

يُشار إلى أن التوزيع الجغرافي والهيكلية الداخلية للقبائل شهدا تغيّرات كبيرة خلال سنوات الصّراع، ما أدى إلى تراجع بعض النفوذ التقليدي، وتحوّل الروابط القبلية إلى طابع اجتماعي أكثر فردية في عدة مناطق.

كما أن هناك العديد من العشائر والبطون التابعة لهذه القبائل، مما يجعل دراسة البُنية القبلية في سوريا غنية ومتشعبة، لكنها تفتقر حتى الآن إلى مبادرات توثيق منهجية دقيقة، أو إحصاءات حكومية معترف بها.

وتنشط قبيلة عنزة في محافظات دير الزور والرقة والحسكة وحلب، إلى جانب قبيلة شمر المنتشرة في الحسكة ودير الزور وفي عموم الجزيرة السورية.

في شرق سوريا، تُعد قبيلة العقيدات من أكثر القبائل حضوراً، وتتركز في محافظتي الرقة ودير الزور، كما تنشط قبيلة البقارة في الحسكة والرقة ودير الزور. وتمتد قبيلة الجبور في تلك المناطق أيضاً، حيث تشكل وجوداً مهماً في الرقة والحسكة. كذلك تنتشر قبيلة الدليم في البادية الشرقية ودير الزور.

    كيف يسهم رعي الماشية في إنقاذ العالم في المستقبل؟

أما في الوسط والجنوب السوري، فتظهر قبيلة النعيم في الرقة وحمص ودمشق ودرعا، بينما تحضر بني خالد في حمص وحماة ودير الزور والرقة. وتوجد قبيلة الظفير بشكل رئيسي في الجزيرة الفراتية شرق البلاد، وكذلك الولدة في الرقة ودير الزور ومناطق البادية، إلى جانب قبيلة اللهيب التي تتمركز في الرقة ودير الزور.

تشمل الخارطة القبلية أيضاً قبيلة العبيد في دير الزور والحسكة، والمحاميد في منطقة حوران ودرعا، والحريري التي تمتد من درعا إلى دمشق وحلب. وتتمركز الزعبي والمسالمة في حوران وجنوب سوريا، فيما تنتشر بني صخر في السويداء ودرعا والبادية الجنوبية.

في المناطق الشمالية والشرقية، تنتشر قبيلة كنانة في الرقة ودير الزور والحسكة، وتُعد العفادلة من القبائل النشطة في الرقة والبادية الوسطى، وتوجد الحديدين أيضاً في الرقة ودير الزور.

تراجع النفوذ التقليدي وصعود الشخصيات العسكرية

يقول الدكتور حيّان دخان: “إن بُنية الزعامة التقليدية في القبائل السورية شهدت تراجعاً تدريجياً منذ عقود، متأثرة بانتشار التعليم، وتقلّص الاعتماد على النمط الرعوي، فضلاً عن الزحف الواسع نحو المدن”.

ويضيف: “بيت المشيخة، الذي كان يحتكر القرار داخل القبيلة، تضاءل تأثيره بسبب تغيّرات اجتماعية عميقة، أبرزها صعود الطبقات المتعلّمة وتحوّل أنماط العيش”.

لكن مع اندلاع الثورة السورية وتفكك سلطة الدولة المركزية، برزت مجدداً الهويات المحلية والولاءات الفرعية، مما أعاد بعض شيوخ القبائل إلى المشهد، لا سيما أولئك الذين راكموا النفوذ من خلال امتلاكهم السلاح والأرض والمال وشبكات من العلاقات الداخلية والخارجية، بما في ذلك مع أطراف إقليمية فاعلة.

ويوضح دخان أن كاريزما الزعيم القبلي ما تزال تؤدّي دوراً حاسماً في المجتمعات الريفية والهامشية، لكنها لم تعُد وحدها كافية لحسم السيطرة. “برزت خلال سنوات النزاع حالة تنافس بين بيت المشيخة الوراثي من جهة، وبين القيادات الجديدة التي صعدت ضمن التشكيلات المسلحة ذات الطابع القبلي من جهة أخرى”، مشيراً إلى أن هذا التنافس أفرز أشكالاً هجينة من الزعامة تجمع بين الشرعية التقليدية والسلطة العسكرية.

ويلفت دخان إلى أن التحولات في بنية الزعامة القبلية “لم تكن مجرد انعكاس لحالة الفوضى”، بل كانت أيضاً نتيجة مباشرة لانهيار النموذج المركزي الذي كانت الدولة تفرضه لعقود. “عندما انسحبت الدولة من مناطق واسعة، تُركت فراغات سريعة الامتلاء، وكان طبيعياً أن تعود القبيلة كفاعل رئيسي، خصوصاً في المجتمعات التي كانت تُدار سابقاً عبر مركزية أمنية أكثر من كونها خدمية أو تمثيلية”.

ويشير إلى أن شيوخ العشائر الذين تمكنوا من تأمين موارد – سواء من تجارة محلية أو دعم خارجي أو ارتباط بجهات إقليمية – استطاعوا أن يفرضوا أنفسهم كسلطة شبه سياسية. “نحن أمام تحول من الزعامة الاجتماعية التقليدية إلى ما يشبه سلطة الأمر الواقع”، مؤكداً أن بعض شيوخ القبائل تحوّلوا إلى وسطاء بين السكان والقوى العسكرية المتنافسة، وهو ما منحهم وزناً يتجاوز الإطار العشائري البحت.

    من هم أبناء قبيلة آل مرّة الذين تعتبرهم الحكومة غير قطريين؟

وفيما يتعلق بالعلاقة بين القبيلة والدولة، يرى دخان أن العقود الأخيرة شهدت توظيفاً سياسياً واضحاً للقبائل من قبل نظام الأسد السابق، سواء عبر الاستقطاب أو التهميش، “لكن بعد 2011، لم تعد الدولة الطرف الوحيد الذي يتعامل مع القبيلة؛ فهناك أطراف دولية وإقليمية دخلت على الخط من خلال دعم مجموعات قبلية محددة، بهدف خلق نفوذ على الأرض أو تأمين حواضن اجتماعية للقوى المسلحة التابعة لها”.

ويشير دخان إلى أن كثيراً من النزاعات داخل المجتمع القبلي السوري “لم تعد تقتصر على النفوذ، بل باتت متشابكة مع خطوط الصراع السياسي والمناطقي والطائفي، ما زاد من تعقيد المشهد، وأضعف إمكانية العودة إلى نموذج موحد للزعامة التقليدية”.

“لكل فتاة الحق أن تطير”

في قلب مجتمع عشائري يتمسك بتقاليده وسط صراعات الحرب والنزوح، تحكي آيات الحمادي، الشابة القادمة من قرية الشعرة بريف المعرة الشرقي في محافظة إدلب، قصة تحدٍّ طويلة لخوض طريق التعليم رغم كل الموانع الاجتماعية والسياسية.

“كنتُ الابنة الثانية لأبي وأمي، نشأت في قرية لا تعرف الحد الأدنى من مقومات الحياة. لا مركز صحي، ولا وسائل نقل، ولا أمان للفتيات اللواتي يحلمن بالتعليم”، تقول آيات لبي بي سي عربي، التي انتقلت عائلتها لاحقاً إلى ناحية سنجار، حيث يسكن خليط من العشائر، في محاولة لتأمين تعليم أفضل لها.

لكن الانتقال لم يغيّر طبيعة النظرة إلى الفتاة؛ فالخوف من العار والمجتمع بقي يلاحقها، كما تقول. “كانت البنات يُجبرن على ترك المدرسة مبكراً للعمل في تربية المواشي أو للزواج، كأن العلم عارٌ لا يُغتفر”.

رفضت آيات الانصياع، ومع اندلاع الحرب السورية تدهور الأمن أكثر، وأعادت العشائر تشديد قبضتها الاجتماعية، كما تقول. ومع ذلك، “كان هناك صراع داخلي عنيف: أن أكون كبقية الفتيات، أم أن أثبت بأن القروية أيضاً تستحق أن تنجح”.

وعندما عرض عليها الزواج، هكذا قالت آيات لنفسها: “كنت بحاجة لمن يحميني ويشجعني على إكمال الطريق. الحياة في المخيم لا ترحم، لكنني اخترت الاستمرار”.

ورغم الظروف، تعتز آيات بجوانب من ثقافة بيئتها: “عاداتنا العشائرية مليئة بالنخوة والكرم، لكن كرامة الفتاة عندنا تُقاس غالباً بمدى طاعتها، لا بحجم أحلامها”.

وتقول إنها تؤمن أن “النخوة العربية الحقيقية لا تُقيد المرأة، بل تكرّمها. لكل فتاة الحق أن تطير، دون أن يُقصّ جناحها قبل التحليق”.

ما حجم القوة العسكرية لأبناء القبائل؟

بالاعتماد على ما توفر من تقارير موثوقة وتحقيقات صحفية وأكاديمية، يمكن تقسيم التشكيلات العسكرية ذات الخلفية القبلية التي نشأت أو برزت خلال النزاع السوري إلى مجموعات أدّت أدواراً متنوعة، بعضها إلى جانب النظام وبعضها ضده. ويصعب تقديم أرقام دقيقة عن أعداد هذه التشكيلات بسبب تغير تحالفاتها وتوزعها الجغرافي، لكن يمكن رسم صورة تقريبية لأبرزها:

في الشمال الشرقي من سوريا، برز “لواء الباقر”، الذي يتشكل أساساً من أبناء قبيلة البقارة، كواحد من أهم الفصائل الموالية للنظام.

نشأ هذا التشكيل في مدينة حلب وريفها، وارتبط اسمه لاحقاً بإيران من خلال التمويل والدعم اللوجستي، حيث حصل مقاتلوه على تدريبات من قبل الحرس الثوري الإيراني. شارك اللواء في معارك حلب وريفها الشرقي، وفرض حضوره بوصفه واجهة محلية ضمن مشروع النفوذ الإيراني في المنطقة، إلى جانب دوره في حماية المصالح الاقتصادية لبعض العائلات المرتبطة بالنظام، وفق معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى.

وتشير بعض التقديرات السورية المحلية إلى أن عدد مقاتليه بلغ في ذروته نحو 2000 مقاتل.

في مقابل ذلك، تشكلت فصائل قبلية معارضة للنظام مثل “جيش أحرار العشائر”، الذي ضم مقاتلين من قبائل عربية في الجنوب الشرقي (مثل بني خالد والنعيم) وكان ينشط في البادية ومنطقة اللجاة في محافظة درعا.

أدّى هذا الفصيل دوراً في العمليات ضد ما يعرف بتنظيم الدولة الإسلامية أيضاً، وفق مؤسسة جيمستاون للأبحاث، ثم تراجع لاحقاً نتيجة الضغوط الروسية وسياسات المصالحات التي رعتها موسكو في الجنوب السوري. ورغم طبيعته المحدودة تسليحاً وعدداً، إلا أنه عُدّ من التجارب المبكرة لتسليح المجموعات القبلية في صفوف المعارضة.

أما في محافظة دير الزور، فقد برزت تشكيلات ذات طابع عشائري مختلَط، منها “مجلس دير الزور العسكري”، التابع لقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وفق معهد دراسات الحرب (أي إس دبليو)، الذي يضم مقاتلين من قبائل “العكيدات والبقارة والجبور”، وقد أدّى دوراً في طرد تنظيم الدولة من شرق الفرات.

واجه المجلس لاحقاً تحديات متعلقة بضعف التمثيل القبلي الحقيقي فيه، ما أدى إلى احتجاجات محلية وانتقادات من شيوخ العشائر، وصلت أحياناً إلى اشتباكات مسلحة في الريف الشرقي من المحافظة، وفق تقارير إعلامية سورية.

في الرقة، تشكلت مجموعات محلية انضوت تحت راية “قسد” بدعم أمريكي، وضمّت أفراداً من عشائر “الولدة والسبخة والبوحمد”، لكنها لم تحظَ بتأثير مستقل بل اندمجت وظيفياً ضمن القيادة الكردية العامة لقوات سوريا الديمقراطية.

في إدلب وأريافها، رغم سيطرة فصائل ذات طابع إسلامي متشدد كـ “هيئة تحرير الشام”، فقد كان للعشائر حضور ضمن مجالس محلية أو لجان صلح، لا سيما في مناطق جبل الزاوية وسهل الغاب. لكن لم تشكل هذه العشائر كتلاً عسكرية منظمة بل كانت أقرب إلى الحاضنة الاجتماعية للفصائل المعارضة.

تشير هذه الأمثلة إلى أن التشكيلات العسكرية القبلية في سوريا لم تكن متجانسة لا من حيث الولاء ولا من حيث البنية التنظيمية. فبعضها تطور إلى قوات شبه نظامية، وبعضها اندثر بفعل الضغوط السياسية أو العسكرية. لكنّ العامل القبلي ظل عنصراً حاسماً في تجنيد المقاتلين، وفي بعض الأحيان في تسوية النزاعات المحلية أو فرض السيطرة على موارد معينة، كالنفط أو المعابر.

“تقلّب الولاءات ليس خيانة”

يشرح الدكتور حيّان دخّان، الباحث المتخصص في الديناميات القبلية في سوريا، أن انتقاد القبائل بأنها “تغيّر ولاءاتها” تجاه أطراف النزاع لا يعكس الحقيقة الكاملة. فهذه السلوكيات، بحسبه، لا تنبع من “خيانة وطنية” وإنما بسبب وجود خطر وجودي خارجي.

يشير دخّان إلى أنه بمجرد مواجه القبائل لتهديد يُرى أنه أكبر من كل الانتماءات السياسية، فإنها تتوحّد وتختار الدفاع عن أرضها أو شعبها، حتى وإن تطلّب ذلك تعديل الولاء بشكل مؤقت. وهذا النمط كما أوضح دخان “ليس محصوراً في المجتمع القبلي، بل يُرى في كل أنحاء العالم: فالانتماءات تتراجع أمام التهديدات الكبرى”.

ولتعزيز هذا الطرح، يستشهد دخان بحالة العشائر الاسكتلندية (clan wars) التي دخلت في صراعات داخلية طاحنة عبر التاريخ، لكن حين جاء اجتياح خارجي أو تهديد من عدوان خارجي، تجمّعت العشائر خلف قيادة موحّدة للدفاع عن الجزيرة، رغم أن خلافاتهم كانت عميقة جداً. هذا الموقف التاريخي، كما يقول دخّان، يذكّر بأن الولاء القبلي “ديناميكي ومتكيّف” بحسب المصالح الأمنية والاجتماعية.

ويخلص دخّان إلى القول: “تغيّر الولاءات لا يعني أن القبائل جميعها على رأي سياسي واحد، بل هو رد فعل استراتيجي لمواجهة خطر وجودي يُهدّد البقاء المجتمعي. هذا تحوّل مؤقت يُفهم في سياق الواقعية السياسية، وليس طوعً أو نزوعاً نحو التبدّل”.

بي بي سي

————————

إسرائيل والحاجة الدائمة لوجود عدو مقابل سعي دولي لولادة شرق أوسط جديد مستقر/ رياض قهوجي

نشر في: 25 يوليو ,2025

كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن شرق أوسط جديد على وشك الولادة نتيجة الحروب والتطورات التي تشهدها المنطقة منذ عامين، وسط توقعات بأن يزداد عدد الدول العربية الموقعة على الاتفاقيات الإبراهيمية للسلام والتطبيع مع إسرائيل. وهذه الاتفاقيات ستؤدي لمكاسب سياسية واقتصادية لجميع دول المنطقة وللولايات المتحدة، وستعزز موقف الغرب إقليمياً مقابل الصين وروسيا. لكن هل تريد إسرائيل إنهاء حالة الحرب وعسكرة مجتمعها؟

تضع سياسات إسرائيل على كل الجبهات علامات استفهام حقيقية عن غايات الدولة العبرية وعن بحثها حقاً عن السلام! فما يجري من قتل ودمار في غزة، ومن تدمير وتهجير في الضفة الغربية، يؤشر لمسعى جاد لتقويض حل الدولتين، كما تستمر الحرب على جبهتها الشمالية تحت شعارات متغيرة. وفي حين أن عملياتها العسكرية مستمرة في لبنان تحت شعار تجريد “حزب الله” من سلاحه، تصعّد عملياتها على الجبهة السورية بحجج مختلفة مثل محاربة الإرهاب وإنشاء منطقة عازلة وحماية الأقليات.

أما حرب إسرائيل مع إيران فقد توقفت بقرار من الرئيس الأميركي، وليس نتيجة استسلام أحد الطرفين. وهي قابلة للاندلاع مجدّداً حسب التهديدات الإسرائيلية إذا ما قررت طهران استئناف عمليات التخصيب وبناء قدراتها الصاروخية. فالنظام الإيراني لم يسقط، ولا يزال يحاول إعادة بناء وكلائه في محور الممانعة مثل “حزب الله” والحوثيين. وبناء عليه، فإن الحروب الإسرائيلية لا يبدو أنها حسمت الوضع على أيّ من الجبهات السبع التي تدعي الحكومة الإسرائيلية المحاربة عليها.

فهل تريد إسرائيل فعلاً اتفاقيات سلام مع الدول العربية؟ لو سلّم الجميع بذلك، فهذا يعني أن إسرائيل تكون قد وافقت على صيغة تدعم حلّ الدولتين، ووافقت على إحلال السلام والاستقرار على حدودها من الجهات كافة، ودخلت في مشاريع استثمارية وتجارية في إطار التطبيع مع جيرانها العرب.

وفي هذه الحالة، لن يعود هناك مبرر للخوف الوجودي لدى الشعب الإسرائيلي الذي سيفضّل الإنفاق أكثر على الإنماء والتطوير على حساب الإنفاق الدفاعي. قوى اليمين الإسرائيلي ستتراجع بشكل كبير بسبب انعدام حالة الخوف والتهديد الخارجي التي تقوى بها، كما أن تركيبة الحكم في إسرائيل، التي تشهد وصول قادة عسكريين لمراكز السلطة منذ ولادة الدولة العبرية، ستتأثر بشكل كبير، وقد تصبح حكراً على المدنيين ورجال الأعمال.

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزراؤه من اليمين الديني المتشدد يسعون لاستمرار الحرب، وذلك حسب تقارير إسرائيلية وغربية عدة كان آخرها لصحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية. فهم يعتمدون على حالة الخوف الوجودي، التي عززتها هجمات “حماس” في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، من أجل بناء وتعزيز قاعدتهم الشعبية تحضيراً للانتخابات التشريعية المقبلة. فهل يمكن لقوى سياسية تعتمد على حال الخوف والتهديد لتبرر إيديولوجيتها وتبقى في السلطة أن تسعى حقاً للتوصل لاتفاقيات سلام مع جيرانها؟

هناك أصوات إسرائيلية معارضة وتتحدث عن حلّ الدولتين وانتهاز الفرصة المتاحة لسلام مع دول عربية مثل السعودية وسوريا سيؤدي لمرحلة جديدة من الاستقرار الإقليمي تنعم فيه إسرائيل. لكنها ليست في الحكم، وتبقى أقلية. وهذا يعني أن القيادة الإسرائيلية اليمينية ستحتاج لبقاء عدو تستخدمه لتجييش قاعدتها الشعبية، ولإبقاء إنفاق دفاعي مرتفع وأساسي للبنية الاقتصادية للدولة. وبما أن حملات إسرائيل العسكرية لم تنته حتى الآن، فمن غير الواضح من سيكون العدو المستقبلي. إسرائيل قد لا تريد أن تنهي جميع حروبها الحالية بشكل حاسم، لأنها بحاجة لوجود عدو، لتشن عليه ضربات من حين لآخر ويغذّي إيدولوجيتها. هل سيكون العدو هو إيران مع برنامج صواريخ باليستية وأسلحة أكثر تطوراً؟ أم هل ستسمح إسرائيل باستمرار أي من أذرع إيران في لبنان مثلاً؟ أو تبحث عن عدو جديد في سوريا؟

*نقلاً عن “النهار”

———————–

السويداء… واستراتيجيّة الأطراف الإسرائيلية المعدّلة!

لندن: المحلل العسكري

25 يوليو 2025 م

لكلّ زمن استراتيجيّته ووسائله. بعد حرب الخليج الأولى، أرادت إسرائيل تقليد طريقة قتال الجيش الأميركيّ، عبر الاعتماد على الحركيّة والمناورة، واستعمال الأسلحة الذكيّة.

في عام 2020، أراد رئيس الأركان الإسرائيلي آنذاك، أفيف كوشافي، تحويل الجيش الإسرائيليّ إلى «جيش شبكيّ» (Networked) قادر على تدمير العدو وإمكاناته في وقت قصير، وبتكلفة قليلة. أطلق على هذا المشروع تسمية الاندفاعة (Momentum).

أثبتت عملية 7 أكتوبر عدم ملاءمة هذه المقاربة العسكريّة للتحديات الأمنيّة في القرن الـ21.

وفي أغسطس (آب) من عام 2024، أي بعد 7 أكتوبر، كلّف نتنياهو الجنرال المتقاعد، جاكوب ناجل، بمهمّة دراسة الأوضاع الجيوسياسيّة في المنطقة، كما دراسة وضع الجيش الإسرائيليّ، وتقديم بعض الاقتراحات تتعلّق باستراتيجية الأمن القومي الإسرائيليّ، كما التطرّق إلى الموازنة الدفاعيّة. وعليه، أتت بعض الاقتراحات على الشكل التالي:

– يقظة مستمرة واستراتيجية مرنة وقابلة للتكيف بدرجة كبيرة لضمان الاستجابة السريعة للتهديدات الناشئة، بغض النظر عن مصدرها.

– إعادة تعريف مفهوم الردع، كما تطوير مبدأ الإنذار المُبكر.

– وإذا كانت الأوليّة تُعطى سابقاً للاحتواء والدفاع، فمن الضروري الانتقال إلى مبدأيّ: الوقاية والهجوم. الوقاية تعني عدم اختراق أي عدو لحدود إسرائيل. والهجوم يعني العمل الاستباقي (Preemption).

– إعادة توزيع الجهد والوسائل بين الدفاع والهجوم بنسبة 70 في المائة هجوم، و30 في المائة دفاع.

– وأخيراً وليس آخراً، إعادة تعريف كيفيّة حماية الحدود، وتجنّب تكرار 7 أكتوبر.

بُعيد تسلمه رئاسة الأركان الإسرائيليّة، عمد إيال زامير إلى إعادة هيكلة الجيش الإسرائيليّ، وذلك عبر تشكيل ألوية مُدرعات، وتشكيل ألوية مشاة جديدة، وتدعيم قدرات سلاح البحريّة الاستراتيجيّة. كما التشديد على حماية الحدود مع الدول المحيطة.

فهل نحن أمام استراتيجيّة «الأطراف» (Periphery) لكن مُعدّلة كي تتناسب مع التحوّلات الجيوسياسيّة؟

السويداء

إذا اعتبرنا أن الاستراتيجيّة الكبرى لإسرائيل (خصوصاً مع أرييل شارون) كانت تقوم على دوائر ثلاث هي: الدائرة الفلسطينيّة، وهي الأقرب والأهمّ، الدائرة العربيّة، أو المحيط المُباشر، وأخيراً وليس آخراً الدائرة الأوسع، التي تضمّ كلاً من تركيا وإيران. هذا مع التذكير أنه كان لشارون استراتيجيّة في كل دائرة.

ففي الدائرة الفلسطينيّة فك الارتباط مع قطاع غزّة عام 2005، كما بنى الجدار العازل حول الضفة الغربيّة. أما مع لبنان، فاجتياح عام 1982 والقضاء على منظّمة التحرير الفلسطينيّة فيه كانا من أبرز الاستراتيجيات لشارون، كونهما شكّلا في ذلك الوقت حلاً للخطر الآتي من لبنان، لكنهما خلقا في الوقت نفسه خطراً وجوديّاً تمثّل بـ«حزب الله» وإيران.

شكّل سقوط نظام الأسد تحوّلاً مهماً في كيفيّة وعي إسرائيل للخطر القادم من سوريا. هذا بالإضافة إلى الضربة القاصمة التي مُني بها «حزب الله».

وإذا ما أضفنا الحرب على غزةّ، فقد يمكن القول إن إسرائيل تستغلّ الفراغ الاستراتيجيّ على المسارح الثلاثة، خصوصاً بعد حرب الـ12 يوماً على إيران، الأمر الذي ظهّر نمطاً قديماً – جديداً حول معنى احتلال الأرض، وأهميّة الأرض والمساحة في الوعي الإسرائيليّ الأمنيّ الجديد. ولأن احتلال الأرض يتطلّب جهوداً، ووسائل كبيرة جدّاً، خصوصاً في البُعد البشريّ العسكريّ، وهذا أمر ليس متوفّراً في إسرائيل، اعتمدت إسرائيل الاستراتيجيّة التالية، وفي المحيط الجغرافيّ المباشر لها: احتلال عمق جغرافيّ معيّن في المحيط المباشر. شرط ألا يُشكّل هذا الاحتلال عبئاً عسكريّاً يستنزف الجيش الإسرائيليّ، كما حصل بين العامين 1985 و2000 في جنوب لبنان.

وتثبيت هذا الاحتلال عبر إنشاء البنى التحتيّة الملائمة، على أن تُشكّل هذه البنى التحتيّة منصّة انطلاق لأيّ عمل عسكريّ داخل كل من لبنان وسوريا.

الربط الجغرافي – الأمني العسكريّ بين لبنان وسوريا، من خلال القيادة الشمالية والمؤلفّة من 4 فرق عسكريّة، فرض قواعد اشتباك معيّنة في الداخل اللبنانيّ والسوريّ، يقوم على حريّة العمل الجويّ، كما الهيمنة الجويّة، وتنفيذ عمليات جويّة وبريّة ساعة تشاء ومن دون عوائق. تنطبق هذه المقاربة على قطاع غزّة، بمعنى احتلال أرض على تماس جغرافي مباشر مع إسرائيل، مع فرض منطقة نفوذ في العمقين اللبنانيّ والسوريّ.

أما أهميّة السويداء فلها الكثير من الأبعاد. هي من طائفة معيّنة، ولهذه الطائفة دور أمنيّ في الجيش الإسرائيليّ (يحق فقط للدروز، والشركس الخدمة في الجيش الإسرائيليّ) ومن الرتب العالية ألم يُقتل قائد اللواء 401 المدرّع في قطاع غزّة، وهو من الطائفة الدرزيّة، إحسان دقسة؟ هذا مع التذكير أن قانون القوميّة الإسرائيليّ لم يساو الدروز باليهود (2018). كما أن لهذه الطائفة وجوداً مهمّاً في هضبة الجولان المُحتلة. وأخيراً وليس آخراً، تعود استراتيجيّة التعامل مع الأقليات في المنطقة من قبل إسرائيل إلى أيّام مؤسس الكيان ديفيد بن غوريون.

تشكّل السويداء بيدقاً صغيراً على مسرح الصراع السوريّ، وحتى الصراع للسيطرة على سوريا. ففي نظريّة المؤامرة هي نقطة انطلاق للربط مع أكراد كل من سوريا والعراق (ممر داود). يستلزم هذا الأمر إخلاء المنطقة المحاذية للسويداء من العشائر العربيّة. وفي نظريّة الصراع على سوريا التي كتب عنها الراحل باتريك سيل، تشكّل السويداء نقطة انطلاق لتقسيم سوريا لمناطق نفوذ بين تركيا وإسرائيل (De Facto) (دون التقسيم الفعلي على أسس دينيّة مذهبيّة وإثنية)، على أن تكون المنطقة الممتدة من جنوب العاصمة حتى الجولان منطقة خالية من قوات النظام السوري الجديد، الأمر الذي يُذكّرنا بحالة لبنان بعد عام 75 وتقسيمه إلى مناطق نفوذ بين سوريا وإسرائيل، وذلك من ضمن مشروع كسينجر.

————————–

دمشق تُحذر من «مخططات تستهدف النسيج الوطني السوري»

وزارة الداخلية تعقد جلسة أمنية موسعة لمناقشة تطوير أداء الأجهزة الأمنية والشرطية

دمشق: «الشرق الأوسط»

26 يوليو 2025 م

حذرت دمشق من «مخططات تستهدف النسيج الوطني السوري» ودعت المجتمع الدولي لتحمل مسؤولياته في منع الانزلاق نحو مزيد من التصعيد، محمِّلة إسرائيل مسؤولية التصعيد الأخير، مؤكدةً أن سوريا لن تقبل بفرض وقائع جديدة على الأرض.

وعقدت وزارة الداخلية، السبت، جلسة موسّعة برئاسة وزير الداخلية أنس خطاب، وبحضور المحافظين، جرى خلالها مناقشة الواقع الأمني في مختلف المحافظات السورية، واستعراض التحديات الراهنة، وبحث «سبل تعزيز التنسيق والتكامل بين مختلف الجهات المعنية»، حسب بيان الداخلية الذي أضاف أنه جرى بحث وضع «رؤى استراتيجية لتطوير أداء الأجهزة الأمنية والشرطية، بما يسهم في ترسيخ حالة الأمن والاستقرار، ويعزّز من قدرة المؤسسات على الاستجابة الفعّالة لمتطلبات المرحلة».

وأعلن مصدر دبلوماسي مطّلع على مجريات اللقاء الذي جرى في باريس وجمع وفداً من وزارة الخارجية وجهاز الاستخبارات العامة مع الجانب الإسرائيلي جرى بوساطة أميركية، رفض سوريا «بشكل قاطع أي وجود أجنبي غير شرعي على الأراضي السورية، وأي محاولة لاستغلال فئات من المجتمع السوري في مشاريع التقسيم، أو خلق كيانات موازية تفتت الدولة وتغذي الفتنة الطائفية».

وأوضح المصدر في تصريحات نقلتها قناة «الإخبارية السورية» الرسمية، أن الوفد السوري عبَّر عن الرفض الكامل لـ«أي محاولات لجرّ البلاد نحو الفوضى أو العنف الداخلي»، وحذَّر «من مخططات تستهدف النسيج الوطني السوري»، داعياً المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته في منع الانزلاق نحو مزيد من التصعيد». كما أكد التزام الدولة السورية بـ«الدفاع عن وحدة أراضيها وشعبها، وأنها ترفض أي مشاريع للتقسيم أو جر البلاد إلى صراع داخلي جديد».

مصادر من نشطاء المجتمع المدني في دمشق عبَّرت عن مخاوفها من هشاشة الأوضاع الأمنية في سوريا، وقالت: «بات واضحاً لنا أن هناك أطرافاً داخلية تسعى إلى تقويض الاستقرار، بذريعة الخوف من ديكتاتورية الأغلبية، ومع أن تلك مخاوف مشروعة فإن استغلالها من إسرائيل لإبقاء سوريا مفككة ضعيفة، ينزع عنها الشرعية ويضعها في موقع خيانة البلاد والشعب الذي ثار على نظام الأسد، لأن الانزلاق إلى الفوضى لن ينجو منه أحد». وأشارت المصادر إلى نموذج ما حصل خلال أحداث السويداء وحملات التجييش التي أصابت الجميع، وأقصت العقلاء ومبادرات السلم الأهلي، لتحضر لغة الدم والعنف، وعبَّرت المصادر عن الأسف لاضطرار النشطاء المدنيين إلى العودة إلى العمل السري وعدم الكشف عن أسمائهم، لأن «الجميع في سوريا يستهدف الجميع».

كان وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، قد كشف مساء الجمعة، عن أن بلاده رصدت تحركات مريبة في شمال وجنوب وشرق وغرب سوريا، عقب التوترات التي اندلعت مؤخراً بين البدو والدروز في محافظة السويداء جنوبي البلاد، محذراً من أن جهات خارجية تستغل هذه الأحداث لدفع سوريا نحو التقسيم. وقال في تصريحات يوم الجمعة، بالتزامن مع انعقاد لقاء باريس: «كتركيا، توجب علينا التحذير، لأننا نريد وحدة سوريا وسلامتها، ونعد أمنها جزءاً من أمننا القومي».

من جهة أخرى، أعلنت الرئاسة الروحية لطائفة الموحدين الدروز في السويداء تشكيل لجان قانونية إنسانية متخصصة، وذلك بتوجيه من الشيخ حكمت الهجري، وقالت إن اللجان المؤلَّفة من نحو 44 محامياً ومحامية مهامها الإشراف على توثيق كل ما جرى بشكل رسمي، لحماية حقوق المتضررين، وضمان إيصال المساعدات إلى مستحقيها، والحيلولة دون أي فوضى قد تؤدي إلى تضييع العدالة وتقديم الدعم الإغاثي والمالي والخدماتي بشكل عادل وشفاف، بعيداً عن «المحسوبيات أو التسييس».

في المقابل أعلن الدفاع المدني السوري، السبت، إجلاء نحو 300 مدني من الراغبين في مغادرة المحافظة، إضافة إلى 20 جريحاً و8 جثامين لضحايا المواجهات، وذلك عبر معبر بصرى الشام باتجاه العاصمة دمشق. وتعد هذه قافلة الإجلاء الخامسة سبقها إجلاء 250 مدنياً، غالبيتهم من الأطفال والنساء، كانوا محاصرين في منازلهم في قرية ريم اللحف في ريف السويداء، نتيجة استمرار التوترات والانتهاكات، حيث نُقلوا إلى مراكز إيواء مؤقّتة في ريف درعا عبر معبر بصر الحرير.

ورغم اتفاق وقف إطلاق النار فإن الهدوء الحذر ما زال يخيّم على المحافظة التي شهدت انفجار أحداث دامية في 13 الشهر الجاري.

————————-

أهلي في السويداء… أهلي في سوريا: تحية وبعد/ د. فيصل القاسم

لم أكن يوماً طائفياً ولن أكون، ولم أنظر إلى السوريين من خلال طوائفهم أو مذاهبهم في يوم من الأيام. طوال سنوات الثورة، وقفت بوضوح إلى جانب الأكثرية السنية، لا على أساس مذهبي، بل من منطلق إنساني وأخلاقي بحت، لأنهم كانوا الضحية الأولى لآلة القتل، ولأنهم تعرضوا للإبادة والتهجير والتجويع والقصف، في واحدة من أبشع مآسي العصر. كنت ـ وما زلت ـ أؤمن أن الوقوف مع المظلوم هو واجب الضمير، لا بطاقة هوية، وأن الكرامة لا تتجزأ، وأن العدالة لا تفرّق بين طائفة وأخرى.

واليوم، ومن ذات المبدأ، أريد أن أضع النقاط على الحروف ليس دفاعاً عن طائفة أو جماعة أو مذهب، بل دفاعاً عن الحق والحقيقة وعن سوريا بالدرجة الأولى، فما حدث خلال الأيام الماضية في السويداء يجب أن يوضع في إطاره الصحيح بعيداً عن الاستهداف المقصود والتشهير المفضوح والشيطنة الجماعية بطريقة ظالمة وخطيرة، تُعيد إنتاج الكراهية، وتمهد لجولات جديدة من الفتنة وسفك الدم.

ما حصل كان كارثة وطنية بكل المقاييس، لكن بدل أن تسعى وسائل الإعلام إلى فهم ما جرى والبحث عن جذوره القديمة، تحوّلت بسرعة إلى منصات تحريضية، صبّت جام غضبها على أهل السويداء، وحمّلتهم وحدهم مسؤولية ما حدث، وصوّرتهم كجلادين، وتجاهلت أنهم أيضاً ـ وبشكل واسع ـ كانوا أكثر الضحايا والمتضررين بشرياً ومادياً.

في أيام قليلة، انطلقت حملة إعلامية غير مسبوقة تُمارس كل أشكال التعميم والتشويه. تم تجاهل القرى التي أُحرقت، والأحياء التي دُمّرت، والنساء والأطفال الذين هُجّروا من منازلهم، وركّزت الرواية فقط على عمليات اقتحام مضادة قام بها شبان دروز ضد أحياء بدوية. ولأن الحقيقة لا تهم كثيرين، تم تجييش الخطاب العام ليصوّر كل الموحدين كما لو أنهم تابعون لجهة واحدة، مع العلم أن الطائفة الدرزية، بطبيعتها، فيها تعدد فكري واجتماعي وثقافي وسياسي، كما هو الحال في كل مكونات سوريا. لكن في زمن التحريض، لا مكان للتفاصيل ولا للعدالة. التهمة جماعية، والعقوبة جماعية، والتشويه جماعي.

لقد اُستشهد في هذه الأيام الكثير الكثير من الدروز، مدنيين وعزلا، بينهم أطفال وشيوخ ونساء. انتشرت مشاهد الإعدامات الميدانية، وحُوصرت مناطق درزية بالكامل، وحُرقت عشرات القرى وتهجر سكانها بعشرات الألوف، ودُمّرت البيوت، وتقطعت السبل بعائلات فرت وتهجرت تحت القصف والتهديد والتنكيل الجماعي. وأصبح مركز السويداء التجاري وقلب المدينة النابض رماداً. بالمقابل، سقط أيضاً ضحايا من أهلنا الأكارم العشائر. وارتُكبت أعمال انتقامية قاسية في بعض المناطق. وهذا مؤلم ومدان ومرفوض. لا يمكن أن نبرر حرق بيت، أو قتل بريء، أو تهجير عائلة ـ أياً كانت طائفتها. ومن المعيب أن يتهجر سوري على أيدي سوري آخر. المظلومية لا تبرر الظلم، ولا يمكن أن يُبنى العدل على الانتقام من أي طرف وضد أي طرف. أليس من المرعب والمخزي أن يفكر سوري بإبادة أخيه السوري؟ لكن الصور الأخرى للأسف لم تجد طريقها إلى عناوين الأخبار كما يجب، مع العلم أن السويداء وقراها منطقة منكوبة. ولم يكن هذا التحيز الإعلامي مجرد انحياز، بل كان انخراطاً واعياً في الشيطنة، وفي تأجيج خطاب الكراهية، وفي اختزال طائفة كاملة في موقف سياسي أو ديني لفرد أو مجموعة، كأن هناك من ينتظر لحظة الانقضاض لتصفية الحساب.

للأسف، كثيرون اليوم نسوا ـ أو تناسوا ـ أن الموحدين ليسوا غرباء عن وجدان سوريا ولا عن تاريخها. أليس من المخزي أن يُمحى فجأة من الذاكرة أن سلطان باشا الأطرش، قائد الثورة السورية الكبرى عام 1925، كان درزياً؟ وهو الرجل الذي رفض مشروع «الدويلة الدرزية»، ورفع علم الوحدة الوطنية، وخاض معركة تحرير سوريا من الاحتلال الفرنسي.

هل نسي هؤلاء أن عشرات الآلاف من شباب الدروز رفضوا الخدمة العسكرية مع النظام طوال 14 عاماً، وتعرضوا للسجن والاضطهاد والملاحقة؟ هل نسي الناس أن السويداء فتحت بيوت أهلها لعشرات آلاف النازحين من مختلف الطوائف والمناطق؟ هل صار هذا التاريخ بلا قيمة؟ هل تسبب الموحدون بمقتل سوري واحد من الأكثرية على مدى أربعة عشر عاماً؟ هل تلوثت أياديهم بدم السوريين؟ بالطبع لا. حتى عقائدياً، لا يمكن إخراج الموحدين من الفضاء الثقافي الإسلامي، رغم خصوصيتهم العقائدية. ففي مقدمة رسائلهم المقدسة، يذكرون النبي محمد صلى الله عليه وسلم بنفس الطريقة الإسلامية تماماً كـ»أشرف المُرسلين». ويجب ألا ننسى ما قاله عنهم ذات يوم أمير الشعراء أحمد شوقي: «وما كان الدروز قبيل شرٍ وإن أُخذوا بما لم يستحقوا… ولكن ذادةٌ وقراةُ ضيفٍ كينبوع الصفا خشنوا ورقوا… لهم جبلٌ أشم له شعافٌ موارد في السحاب الجون بلقُ… كأن من السموأل فيه شيئاً فكل جهاته شرفٌ»

الرحمة لكل سوري بريء سقط في تلك المصيبة الوطنية من كل الأطراف دون استثناء. الرحمة لجميع السوريين المدنيين الأبرياء الذين وجدوا أنفسهم في قلب نارٍ لا ناقة لهم فيها ولا جمل، فالضحية لا تُقاس بمذهبها، والعدالة لا تُجزأ، ويجب أن تأخذ مجراها.

ففي المحصلة، لم يكن السوريون ـ في هذه الحرب الأخيرة وسابقاتها ـ سوى وقودٍ لمعارك أكبر منهم، ومعظمهم كان مجرد أداة في يد مشاريع لا تمثلهم ولا تعبّر عنهم، بل تستخدمهم ثم ترميهم، كما تُستخدم أعواد الثقاب لإشعال الحرائق ثم تُلقى في الرماد.

نحن جميعاً مجرد حطب في معارك غيرنا. وما يجري اليوم من توريط ليس سوى فصل جديد من لعبة طويلة، تحوّل فيها السوريون ـ كل السوريين ـ إلى محروقات في مشاريع الآخرين. كل طائفة تُستثمر، وكل فئة تُسحب إلى ساحة الحرب، ثم تُترك محترقة. يُطلب منها أن تقتل وتُقتل، ثم تُدان وتُعاقب.

الجميع يُدفعون اليوم إلى خطوط تماس طائفية ومناطقية، ويُستثمر في دمائهم لتُرسم بها خرائط لا علاقة لهم بها. من هنا كان الواجب أن نرفض أن نكون بيادق على رقعة شطرنج لا نعرف من يحركها. من يُشيطن اليوم طائفة، سيُشيطن غداً طائفته. ومن يبرر الحقد الآن، سيكتوي بناره لاحقاً. هذه النار لا تُطفأ بالحقد، بل تُطفأ بالعدالة والصدق والمسؤولية.

أخيراً لا تكن أداة… لا تكن وقوداً. نحن الآن أمام مفترق خطير. إما أن نُبقي أعيننا مفتوحة، ونرفض الانجرار إلى معارك الطوائف والملل والنحل والعشائر، وإما أن نستمر في الدوران داخل نفس الدوامة التي مزقت سوريا. وأنا هنا لا أُدافع عن طائفة، بل عن سوريا المستهدفة بكل مكوناتها. أدافع عن نفسي، عن ضميري، عن سوريا التي أريدها لكل أبنائها، لا لفئة على حساب فئة. وأقول للذين استهوتهم لعبة شيطنة الآخر من كل الأطراف: حين ندخل في لعبة الاصطفافات والشيطنة القاتلة ضد بعضنا البعض، فإننا ـ من حيث لا ندري ـ نخدم الأجندات الخارجية التي تعبث بسوريا وتستخدم الجميع وقوداً لمصالحها ومشاريعها. وحين تدرك أن هناك مخططاً شيطانياً مدروساً، فإن صوت الحكمة والعقل يفرض التنبيه إليه والتحذير منه، لا الوقوع في فخه والانجرار إليه.

لا تكن وقوداً في معركة غيرك. لا تكن أداة في يد من لا يرى فيك سوى وسيلة. لا تكن لساناً لفتنةٍ ستعود لتحرق بيتك. لا منتصر مطلقاً في الصراعات الأهلية، فالقاتل والمقتول قتيل. العدالة لكل الضحايا. الكرامة لكل السوريين. والوطن لكل من يؤمن بأن الدم لا مذهب له، وأن الإنسان لا يُقاس بطائفته، بل بإنسانيته.

كاتب واعلامي سوري

————————

=================

تحديث 24 تموز 2025

===================

—————————-

 أحداث السويداء: نموذج عن «دولة الشرع»

19 تموز 2025

بعد أيام من الاشتباكات

الميدانيّة، سلّم أحمد السويداء لمشايخ العقل وبعض الفصائل المحليّة. جاء اتفاق وقف إطلاق النار بعد مئات القتلى، وبعد سلسلة غارات عنيفة نفّذها جيش الاحتلال الإسرائيلي على وزارة الدفاع ومقرّ هيئة الأركان والقصر الرئاسي في دمشق. ليس واضحاً إن كان أحمد الشرع قد فقد السيطرة على فصائله أم عوّل على همجيّتها لارتكاب أعنف . لكنَّ الواضح أنَّ حكومة الشرع استغلّت الاشتباكات المفتعلة بين عشائر البدو على أطراف السويداء والفصائل الدرزيّة، كي ملف المحافظة. إلّا أنَّ محاولات استئصال القرار الدرزي لم تنجح، فاضطرّ الشرع أن بعدما غدرت به اسرائيل ، رغم كلّ المجاملات والتلميحات بتطبيعٍ بالأفق.

ليست المرّة الأولى التي تحاول فيها السلطة المركزية السيطرة على السويداء. كما ليست المرة الأولى التي ترتكب فيها «فصائل» مجازر، قبل محاولة احتوائها والتبرؤ منها. وليست المرّة الأولى الذي يستعمل فيها خطاب «التجاوزات» لتبرير أشنع الانتهاكات أو للتمهيد لانتهاكات «رسمية».

هذا العنف لم يعد تجاوزاً أو انتهاكات تسقط سهواً في مرحلة بناء الدولة. هذه هي ملامح الدولة الجديدة، ملامح «دولة الشرع». فسلسلة «الانتهاكات» طوت صفحة بناء الدولة، لتنذر بشكل الدولة الجديدة، دولة تغذّي الطائفيّة بالاشتباكات وقمع الأقليّات وترهّب المعترضين، وتبحث عن شرعيتها عند الخارج.

العنف كمنطق للدولة

لم نعد إذاً في مرحلةٍ نطالب بها الشرع بمحاسبة المتورّطين من فصائله بالانتهاكات. فهو الذي كرّم الفصائل التي ارتكبت المجازر في الساحل بمناصب رسميّة، وعاد وأرسلها نفسها إلى السويداء في رسالة تهديدٍ واضحة. مضت أربعة أشهر ولم تستنتج لجنة التحقيق بمجازر الساحل بعد أيّ فصائل فظّعت بالمدنيّين في بيوتهم. وستمضي أشهر على إعدامات السويداء، ولن تستنتج أيّ لجنةٍ مَن نفّذها أو أمر بها. دولة الشرع إذاً قامت بالفعل، وهذا شكلها: تعزيزٌ للتطييف والتقسيم والترهيب، والإفلات من العقاب.

لم يعد هناك معنى للعدالة الانتقاليّة التي توعّدت بها الدولة الجديدة، فهي لم تساند ضحايا الأسد، ولن تنصف ضحايا الشرع. في آخر مؤتمرٍ عقدته لجنة السلم الأهلي، وبّخت الأهالي الذين اعترضوا على تعويم مجرمي الأسد كفادي صقر. بنبرةٍ فوقيّة واستهزاءٍ بعقول السوريّين، قالت اللجنة: السلم الأهلي أعقد من فهمكم، ولا يحقّ لكم الاعتراض على سياسات الدولة، ثقوا بها بعمى، فهي أيضاً ضحيّة الأسد. نرى إذاً أنَّ الشرع، حتّى عند محاولته استخدام منطق العدالة الانتقاليّة، فشلت مؤسساته بتحقيق أيّ من ذلك. لكنّه صدقَ عندما قال «لسنا ممّن يخشى الحرب»، في خطابه الأوّل بعد اشتباكات السويداء، فهو لا يجيد سوى العنف وبناء الأمجاد على دم السوريّين.

كان هناك طريقان لبناء هذه الدولة، دولة ما بعد الأسد. الأوّل هو طريق العدالة الانتقالية، ليس لإنصاف ضحايا الماضي وحسب، بل أيضًا لمنع وقوع ضحايا في المستقبل. طريقٌ كان بإمكانه بناء نظام سياسي يمنع العودة إلى سياسات الأسد، والعنف والإقصاء والاستتباع. أمّا الطريق الثاني، فهو طريق يعيد إنتاج منطق عنف الدولة، سواء كانت بعثية أو ما بعد بعثية. والأحداث المتتالية باتت جوابًا واضحًا عن الطريق الذي اختاره الشرع.

التطبيع ورقةً أخيرة

يجيد الشرع، إلى جانب العنف، المناورة. صحيحٌ أنَّ إسرائيل غدرت به واستهدفت قوّاته في سائر المحافظات السوريّة بعد عودته من أذربيجان، لكنَّ الرادع الوحيد الذي منع فصائله من ارتكاب المزيد من المجازر في السويداء هو الوساطة الأميركيّة بينه وبين إسرائيل. لعلّ الشرع أدرك أخيراً أنَّ إسرائيل ليست طرفاً جادّاً بأيّ عمليّة مفاوضات. فلا يردع وحشيّتها أيّ تنازلات، بل تريد إذلال خصومها وحلفائها قدر الإمكان وتحت أيّ ظروف. بدا ذلك واضحاً من نبرته في خطاب الهزيمة الذي تحدّث فيه عن مواجهةٍ مع إسرائيل. رغم ذلك، يبدو أنَّ الشرع، كالأسد من قبله، فهم أنّ مفتاح القمع في الداخل هو استرضاء الخارج، فاعتبر أنّ ما يمكن أن يقدّمه من إشاراتٍ تطبيعيّة قد يقدّم الغطاء المطلوب لبسط عنف دولته في الداخل.

الغطاء الثاني الذي احتمى به الشرع هو الدور الإقليمي المزعوم لسوريا الجديدة. كرّت سبحة البيانات الخليجيّة التي تمسّكت بوحدة سوريا، هذه العبارة التي باتت مبرّراً للتجزير بالداخل السوريّ وتصفية المدنيّين السوريّين، بحجّة بسط سيادة الدولة. عوّم الخليج إذاً نظام الشرع، كما عوّم نظام الأسد في سنواته الأخيرة. انتشل سوريا من حضن محور الممانعة ليروّضها ويُجلسها في حضن محور التطبيع. هذا المحور الذي يحاول تطبيق تحويل سوريا إلى أردن ثانية، إلى دولةٍ عنيفة على أهلها، ضعيفة إقليميًا، لكنّها تُصوَّر كقوّة إقليمية وازنة يُبرّر لها أيّ قمعٍ وترهيب.

مسلسل المجازر لم يعد تجاوزًا معزولًا، بل بات طريقة حكم، تنذر بإعادة إنتاج إحدى صفات نظام الأسد، وهي عنف في الداخل مشروط بتخاذل مع الخارج. كان هناك طريق آخر ممكن، لكن غالبًا ما ينتهي أعداء نظامٍ ما كمرآة وفيّة له.

أهلاً بكم في دولة الشرع التي هزمت الأسد وثورة السوريّين معاً.

ميغافون

————————–

 السويداء ذريعة.. في فضح العدوانية الإسرائيلية الأخيرة ضد سوريا الجديدة/ ماجد عزام

2025.07.24

استغلت إسرائيل الأحداث الأخيرة في السويداء كذريعة بحجة حماية المواطنين العرب السوريين الدروز فيها في حين تواصل ارتكاب جرائم حرب وأخرى ضد الإنسانية وفصل عنصري بحق العرب الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية وتمييز عنصري كذلك ضد العرب في الأراض المحتلة عام 1948 بمن فيهم الدروز أنفسهم في سعى واضح لتحقيق حلمها أو وهمها بفرض نفسها كلاعب مركزي في سوريا الجديدة والمنطقة، ومواصلة مهاجمة وتدمير مقدراتها ومراكمة الصعوبات أمام سيرورة نهوضها والنيل من هيبة القيادة الجديدة فيها.

كما العادة اصطدمت العدوانية والدموية بثبات القيادة المدعومة من أغلبية واسعة وجارفة من السوريين، كما استظلت بمظلة الحماية العربية التركية الإقليمية والدولية الواسعة، لسوريا الجديدة الموحدة والمستقرة والخالية من الميليشيات الطائفية والجماعات الخارجة عن القانون أي كانت مسمياتها والتي لا تمثل تهديداً للمحيط بل على العكس هي عامل استقرار وأمن وسلام في المنطقة.

إذن، بعد أحداث، الأيام الأخيرة بمحافظة السويداء المنطلقة أساساً من وجود تيار انعزالي فيها، يشيطن الحكومة السورية والدولة كلها، ويستقوي بإسرائيل العنصرية التي ارتكبت ولا تزال جرائم حرب وإبادة في فلسطين وسوريا ولبنان والمنطقة وقادتها مطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية مقابل القيادة الوطنية والشرعية للبلاد، التيار الذي رفض كل التفاهمات السابقة المستندة إلى روح ما تم تنفيذه في مدينتي صحنايا وجرمانا، كما الاتفاق الأخير في السويداء المتضمن قواعد وأسس صلبة وواقعية وقابلة للتطبيق، تشمل سيادة الدولة على المحافظة، وتسيير الأمن من عناصر محلية موثوقة وأخرى تابعة لوزارة الداخلية، واندماج السويداء في الدولة السورية ومؤسساتها التي تتولى مسؤولياتها كاملة عن المحافظة، وبالطبع التعهد بتسليم ونزع سلاح الجماعات الخارجة عن القانون.

بالسياق لا يمكن ولا يجب أصلاً إنكار الانتهاكات المعزولة في السويداء التي قامت بها أقلية من قوات الأمن مع تعهد الرئاسة بالمحاسبة وعقاب المسؤولين عنها في حين يتم غض الطرف عن انتهاكات وفظائع قامت بها المجموعات الخارجة عن القانون بما في ذلك قتل وإهانة العناصر الأمنية، وحتى منع وصول الجرحى والمصابين إلى المستشفى الوطني بالسويداء.

في كل الأحوال استغلت إسرائيل الأحداث بعدوانية ودموية على طريقتها. وأمام ضخ دعائي وأعلامي قامت باستهداف مراكز ورموز القيادة الشرعية بالعاصمة دمشق، كما مواقع بمحيط السويداء ودرعا بحجة ابقائها منزوعة السلاح غير أن الأمر تجاوز ذلك إلى استهدافات في ريف دمشق وحتى في جبلة واللاذقية البعيدة تماماً عن الحدود الجنوبية مع فلسطين المحتلة.

كان الهدف الإسرائيلي ولا يزال واضحاً وجلياً لا تخطئه العين ويتمثل بتدمير مقدرات الدولة السورية ومراكمة الصعوبات أمام نهوض واستقرار سوريا الجديدة مع الانتباه إلى مغادرة تل أبيب مربع الحديث الصريح والفظّ عن خطط الانفصال والتقسيم أقله علناً حتى لو بقي ذلك حلماً ووهماً بعيد المنال.

تسعى تل أبيب كذلك عبر الغارات والهجمات الدموية الى ابتزاز القيادة السورية لإجبارها على القبول بالرؤى والتصورات الإسرائيلية فيما يتعلق بتجاوز اتفاق فك الاشتباك للعام 1974 واحتلال المنطقة العازلة وجبل الشيخ وتجاهل ملف الجولان والقبول بإزاحته عن جدول أعمال الحوار غير المباشر بين الجانبين ومن جهة أخرى كانت تعبيراً جلياً عن كذب كل ادعاءات التطبيع والضخ دعائي الذى تقوده قناة I24 وإيدي كوهين الذي يبدو بمثابة نسخة غير رسمية من أفيخاي أدرعي – كتبنا عنه قراءة موسعة هنا – علماً أن القيادة في سوريا الجديدة لم تتنازل أبداً وليست بوارد التطبيع ولا التفريط بالجولان، وإنما تميل إلى تفاهم أمني أقرب إلى تحديث ما لاتفاق فكّ الاشتباك للعام 1974 مع الحفاظ على المصالح السورية العليا بما في ذلك انتشار السلطة الشرعية، وحفظ الأمن بالجنوب ولو من دون سلاح ثقيل أقله بالمرحلة الأولى، مع التذكير بتواطؤ النظام السابق وإصدار أمر الانسحاب للجيش وتحديداً الفرقة الخامسة ليلة سقوطه من المناطق الحدودية مع فلسطين المحتلة بما فيها جبل الشيخ الاستراتيجي.

هنا يجب التأكيد على أهمية بل حتمية قيام القيادة السورية بممارسة مسؤولياتها وسلطاتها على كامل أراضيها ليس تساوقاً مع إسرائيل وشروطها وأطماعها وإنما ممارسة لسيادتها ووحدة وسلامة أراضيها، ورفض أي تهديد لأمن البلاد من قبل إسرائيل أو الميليشيات المشغّلة إيرانياً كما كان يحدث بشكل دعائي للتغطية على السياسات الاستعمارية لطهران بالدول العربية.

واجهت العدوانية الإسرائيلية أمامها ليس فقط رباطة الجأش والثبات من القيادة والغالبية العظمى والجارفة من السوريين بل مظلة الحماية الواسعة العربية والتركية والدولية بما فيها الأميركية خاصة بعدما تجاوزت الدولة العبرية الحدود والمنطق والمعقول بغاراتها المجنونة الأربعاء حسب تعبير الرئيس دونالد ترامب الشهير، وكما أقر فعلاً زعيم المعارضة يئير ليبيد حتى مع التشدّق بذريعة حماية الدروز.

في الأخير باختصار وتركيز وفيما يخص العِبَر والدروس المستفادة من الهجمات والعدوانية الإسرائيلية الأخيرة في دمشق وريفها والسويداء ودرعا و وجبلة واللاذقية والتي يأتي على رأسها ولا شك سقوط وهم وأكذوبة التطبيع واتفاق السلام مع الالتزام بالإجماع العربي والشرعية الدولية وابتعاد أي فرصة لتفاهم يتجاوز تحديث اتفاق فكّ الاشتباك بالعام 1974 مع الحفاظ على سلامة وسيادة واستقرار البلاد ووحدة أراضيها واستحالة تحول تل أبيب إلى لاعب مهم ومركزي بسوريا والمنطقة إثر توسيع الهوة والعداء مع الجمهور السوري والعربي والإسلامي بشكل عام.

مع الانتباه كذلك إلى ضرورة العمل على سدّ الثغرات الداخلية تحديداً في الناحية الدستورية والسياسية وتوسيع دائرة المشاركة واستكمال تشكيل المؤسسات بالمرحلة الانتقالية بما في ذلك البرلمان ولجنة كتابة الدستور الدائم حتى مع تفهم الإنجازات الكبرى بالسياق الاقتصادي والاجتماعي واعادة الإعمار خاصة إن نظام الأسد ترك وراءه أرض مدمرة ومحروقة بالمعنى الدقيق للمصطلح وبالتأكيد فإن ما دمره النظام في عقود لا يعاد بناؤه في شهور أو سنوات قليلة وهذه دعوة للعمل والجد والاجتهاد والتفاؤل لا اليأس.

تلفزيون سوريا

—————————–

في المقاربتين الأميركية والإسرائيلية حيال سورية/ حسين عبد العزيز

24 يوليو 2025

على الرغم من اعتراف الرئيس الأميركي، دونالد ترامبـ، في ولايته الأولى بضم الجولان إلى إسرائيل، وعلى الرغم من الدعم الأميركي الهائل الذي تحصل عليه إسرائيل منذ 7 أكتوبر (2023)، إلا أن المقاربتين الأميركية والإسرائيلية حيال سورية ليستا متطابقتين.

عشية سقوط نظام الأسد، كان ترامب غير مبالٍ حيال سورية، وقد صرح في 7 ديسمبر/ كانون الأول الماضي بأن “سورية في حالة فوضى، لكنها ليست صديقتنا، لا ينبغي للولايات المتحدة أن تُشارك في هذا، هذه ليست معركتنا، دعها تُحسم، لا تتدخّلوا”. ولكن بعد سجال أميركي داخلي بين تيارين، أحدهما يطالب بالانفتاح على سورية الجديدة والآخر يصر على إبقاء القطيعة الأميركية، قرّر ترامب اعتماد التيار الذي يمثله وزير الخارجية ماركو روبيو وآخرون، بعدما تعرض لمطالب مشابهة من أنقرة، والرياض، والدوحة، وعمّان.

جاء لقاء ترامب بالرئيس السوري أحمد الشرع، في الرياض، ليتوج هذا المسار التصالحي، ويجعل من ترامب غير نادم على اتخاذه هذا المسار، خصوصاً بعدما سمع من الشرع موافقته على المطلب الأميركي استعداده لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية، واستعداده للتكفل بالسيطرة على المقاتلين الإسلاميين غير السوريين في سورية. ومنذ ذلك اللقاء، وإعلان ترامب رفع العقوبات الاقتصادية عن سورية، برز التباين بين الولايات المتحدة وإسرائيل حيال دمشق: بالنسبة لإسرائيل، تشهد سورية أسوأ حالاتها التاريخية، فلا تمتلك أبسط مقومات الدولة والقوة، وهذه فرصة تاريخية لإسرائيل لفرض أجنداتها المُعلنة والدفينة معاً. ولا يتعلق الأمر بالهيمنة الكاملة على الجولان، والبقاء في المناطق التي سيطرت عليها داخل الجغرافيا السورية بعيد سقوط نظام الأسد، لا سيما قمم جبل الشيخ (حرمون) فحسب، بل التحوّل إلى لاعب سياسي داخل سورية من خلال التيار الذي يترأسه شيخ عقل الدروز حكمت الهجري.

ووفقاً لمحللين وكتّاب إسرائيليين، تقوم المقاربة الإسرائيلية على تقسيم سورية إلى كانتونات عدة: درزي، وكردي، وإذا سمحت الظروف بكانتون علوي، وإن كان الأخير صعباً لأسباب عديدة، منها الانتماء العروبي العالي في الأوساط العلوية. وربما لم تكن مصادفة أن يطلب الهجري من قوات سوريا الديمقراطية (قسد) فتح ممر برّي بين السويداء ومنطقة الجزيرة السورية (ممر داود). وستتيح لها هذه الكانتونات التي ترى إسرائيل إمكانية تحققها في الحالتين الدرزية والكردية أن تكون لاعباً اجتماعياً وسياسياً في سورية إلى جانب دورها العسكري، غير أن إسرائيل، التي تدرك في المقابل أن ثمة دروزاً كثيرين لن يتخلوا عن انتمائهم العروبي السوري، ولا يجدون كينونتهم الوجودية مع إسرائيل، تعمل على تأجيج الوضع الطائفي أكثر ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً، وربما أحداث السويداء أخيراً كانت الفخّ الذي نصبته للشرع، وهو ما عبر عنه وزير الخارجية الأميركي بطريقة مهذّبة، حين قال إن ثمة سوء تفاهم جرى.

مقاربة الولايات المتحدة لسورية أوسع بكثير من المقاربة الإسرائيلية، لأن واشنطن تأخُذ بالاعتبار مصالح حلفائها في المنطقة من جهة، وتدرك أهمية موقع سورية الجغرافي من جهة أخرى في استقرار المنطقة.

من وجهة نظر أميركية، يمكن تحقيق المطالب الإسرائيلية المتعلقة بأمنها الاستراتيجي، مثل إجراء تفاهم حول الجولان يرضي الطرفين، والبقاء في قمم جبل الشيخ على المديين القريب والمتوسط، وإقامة منطقة آمنة جنوبي سورية، لا تدخلها أسلحة ومعدّات عسكرية ثقيلة، وما إلى هنالك.

هذه المطالب مفهومة بالنسبة لواشنطن، ويمكن تحقيقها ضمن اتفاق سلام مع سورية، غير أن استمرار القصف الإسرائيلي على سورية، والعمل على تأجيج الوضع الطائفي، والعمل على تقسيم البلد، أمور تتعارض مع رؤية الولايات المتحدة التي تسعى وتؤكد على ضرورة إقامة دولة سورية موحدة. وتقسيم سورية فكرة منبوذة من كل الدول الإقليمية والدولية باستثناء إسرائيل، لأنها ستجعل من الشرق الأوسط بركاناً متحركاً يُلقي بحممه على المنطقة.

تركز مقاربة ترامب، الراغب بأن يحصل على جائزة نوبل للسلام، على تعافي سورية سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، لتصبح جزءاً من معادلة إقليمية متصالحة مع إسرائيل من جهة، وجبهة لمحاربة التطرف الإسلامي الراديكالي، على غرار تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) من جهة أخرى. … وضمن هذا التباين الأميركي ـ الإسرائيلي، يمكن للشرع أن يلعب بدهاء سياسي لتغليب المقاربة الأميركية على الإسرائيلية، في ظل انعدام أي مقاربة عربية مغايرة.

العربي الجديد

————————–

هل تتدخل تركيا عسكريًا في سوريا لعرقلة خطط التقسيم الإسرائيلية؟/ صالحة علام

24/7/2025

قلق عميق ينتاب الأوساط السياسية والحزبية التركية جراء التطورات المتسارعة التي تشهدها الساحة السورية، وزيادة حجم التدخلات الإسرائيلية في الشأن الداخلي لدمشق، التي وصلت إلى حد قصف مقر رئاسة الأركان والقصر الجمهوري بهدف زعزعة استقرار الحكومة الجديدة، والنيل من مكانتها وإحراجها أمام شعبها، في رسالة واضحة لكل من النظام السوري وداعميه على الصعيد الإقليمي تحديدًا.

مبعث القلق التركي يدور حول ما سبق أن سعت دولة الاحتلال إلى تسويقه دوليًا في إطار رؤيتها للسبل الكفيلة بإقرار الأمن والسلام في المنطقة، وذلك عبر مشروعها المسمى “الشرق الأوسط الجديد”، وخططها بشأن الشكل الذي يجب أن تكون عليه الدولة السورية الجديدة، التي يُفترض تقسيمها إلى أربع دول وفق التقسيم العرقي والإثني للمناطق الجغرافية، والسيناريو الذي تسعى بكل جهدها لتطبيقه للوصول إلى هذا الهدف، رغم أنف دول المنطقة والعالم، بمن فيهم الولايات المتحدة الأمريكية.

تركيا من جانبها أعلنت رسميًا رفضها التام لهذا المخطط الإسرائيلي، أو أية سيناريوهات تستهدف النيل من وحدة الدولة السورية أو المساس بأمنها، وطالبت تل أبيب بالتوقف عن ممارساتها العدائية  للشعب السوري وقيادته السياسية، والكف عن محاولة إثارة النعرات العنصرية، وتغذية العداءات العرقية لخدمة مصالحها الخاصة.

الرئيس أردوغان حذّر من أن ما سماها “الأطراف” التي تسعى لإشاعة الفتن وزعزعة استقرار سوريا ستجد تركيا تقف لها بالمرصاد، وسيكون عليها الدخول في مواجهة مباشرة مع بلاده، موضحًا أن محاولات جرّ سوريا للعودة إلى مرحلة ما قبل سقوط نظام الأسد هو محض خيال، وأمر بعيد المنال، وأن بلاده لن تسمح بتقسيمها مهما كانت الدوافع أو حجم الإغراءات.

    الموقف الأمريكي والدعم الدولي

الولايات المتحدة الأمريكية هي الأخرى أكدت في أكثر من مناسبة على موقفها الثابت من ضرورة الحفاظ على استقرار الدولة السورية، وعدم المساس بوحدة أراضيها، وصدرت عدة تصريحات من مسؤولي إدارة الرئيس دونالد ترامب تساند جميعها القيادة السياسية السورية، وتطالب القوى الإقليمية والدولية بتقديم الدعم الكفيل بعودة سوريا إلى المجتمع الدولي في أسرع وقت ممكن.

إلا أن دولة الاحتلال تبدو مصممة على تنفيذ خططها الرامية إلى تقسيم الدولة السورية، متجاهلة الرفض الدولي والإقليمي لمخططاتها. فهي تسير في طريق تنفيذ مشروعها التوسعي شاء من شاء وأبى من أبى، ويبدو هذا واضحًا في ردّ فعلها السريع، وتدخلها المباشر على خط الأزمة التي اندلعت بين الدروز والبدو في الجنوب السوري، ودفعها العشرات من دروز الجولان المحتل للقتال في السويداء تحت ذريعة حمايتهم من بطش الدولة ونظامها الحاكم.

    دعم الحركات الانفصالية في سوريا عسكريًا ولوجستيًا

دعم الدروز لم يكن السبب الوحيد للتدخل الإسرائيلي في الشأن السوري؛ فقد تم رُصد دعمها لمحاولات فلول النظام السابق الرامية لعزل منطقة الساحل التي يتمركز فيها العلويون، وفصله عن سلطة الدولة المركزية، وأثبتت التحقيقات التي أجرتها الجهات الأمنية السورية ضلوع دولة الاحتلال الإسرائيلي في أحداث الساحل التي أودت بحياة عشرات ومئات من السوريين.

إلى جانب تعاونها المعلن مع قوات سوريا الديمقراطية “قسد” في شمال وشرق سوريا، ودعم خططهم الرامية إلى إقامة منطقة حكم ذاتي لها بعيدًا عن سلطة دمشق، وسعيها إلى إفشال المباحثات الدائرة بين الطرفين لإدماج قوات سوريا الديمقراطية في الجيش السوري، وإعادة تأهيلهم للاندماج في المجتمع كأحد مكوناته الأساسية.

ورغم رفض واشنطن المعلن للمخططات الإسرائيلية، ومطالبتها قادة الكيان الإسرائيلي بوقف هجماتهم العسكرية وفتح حوار مع حكومة دمشق لخفض حدة التوتر، نجد أن هناك حالة من التجاهل التام تبدو واضحة في مضيهم قدمًا في سياستهم التخريبية، وفي سعيهم لتوظيف اللوبي الصهيوني بواشنطن للضغط على أعضاء الكونغرس لدعم مخططهم الانفصالي.

    قانون قيصر وفرض قيود جديدة على الحكومة السورية

وهي الضغوط التي أسفرت مؤخرًا عن قيام اللجنة المالية بمجلس النواب الأمريكي بإقرار مشروع قانون لتمديد العمل بـ”قانون قيصر” وإدخال شروط جديدة إليه، تلزم الحكومة السورية بتنفيذها لمدة عامين بدءًا من الموافقة على القانون، الذي سيتم إحالته للتصويت النهائي لاحقًا في مجلس النواب.

يهدف مشروع القانون إلى تحديث القيود المصرفية المفروضة على الحكومة السورية، وزيادة قدرة المؤسسات المالية الدولية والجهات الرقابية التابعة لها على مكافحة عمليات غسل الأموال. كما يفرض شروطًا جديدة ترتبط بملف حقوق الإنسان، ومتابعة مدى قدرة الدولة السورية على تحقيق الأمن والاستقرار، ومنح الأقليات لديها حقوقهم المشروعة بما في ذلك الحفاظ على حياتهم.

وينص مشروع القانون الذي قدمه النائب الجمهوري مايك لولر على تمديد مدة الإعفاء من العقوبات من 180 يومًا إلى عامين كاملين، مع إلزام الحكومة الأمريكية بتقديم إفادة دورية للكونغرس عن كافة التسهيلات التنظيمية والتنفيذية التي يتم منحها للبنك المركزي السوري.

على أن ينتهي العمل بقانون قيصر بالكامل إذا التزمت الحكومة السورية بتطبيق كافة الشروط الواردة في التعديلات الجديدة لمدة عامين متتاليين، أو بحلول نهاية عام 2029.

    استهداف الاقتصاد السوري

تطورات من شأنها تعقيد الوضع الاقتصادي في سوريا، وزيادة حدة الاحتقان بين المواطنين من جراء الصعوبات التي ستواجه الحكومة في تنفيذ خططها التنموية لتحسين مستوى المعيشة، مما ينذر بتداعيات شديدة الخطورة على الصعيدين الاجتماعي والسياسي.

وهو ما بدا واضحًا في التصريحات التي صدرت عن قادة قوات سوريا الديمقراطية “قسد”، الذين أكدوا أن تسليم عناصرهم السلاح للدولة وفق الاتفاق المبرم  أصبح أمرًا مستحيلًا في ظل الظروف الراهنة، متهمين الحكومة السورية بالتباطؤ في تنفيذ بنود الاتفاق، ومطالبين بتوفير عنصر الثقة، وتقديم ضمانات دستورية قبل بدء عملية تسليم السلاح والاندماج في الجيش السوري.

مما دفع الرئيس أردوغان لتوجيه اتهام صريح لإسرائيل بالسعي لتخريب جهود سوريا لإرساء السلام والأمن، واتهمها بـ”استخدام الدروز كذريعة لتدخلها في الشأن الداخلي السوري في انتهاك واضح لبنود القانون الدولي”، معتبرًا أن مشكلة الشرق الأوسط الأساسية تتمثل في العدوان الإسرائيلي المستمر على الأراضي السورية، مؤكدًا أن بلاده لن تسمح بتقسيم سوريا أو المساس بتعدد ثقافاتها ووحدة أراضيها.

    التدخل العسكري التركي وتكلفته الباهظة

وزير الخارجية هاكان فيدان لم يكتف بالهجوم على إسرائيل، بل وجّه تحذيرًا شديد اللهجة لجميع الساعين إلى تقسيم سوريا قائلًا: “هناك الكثير الذي يمكن التحاور دبلوماسيًا بشأنه، لكن إذا تجاوزتم ذلك، وسعيتم لتقسيم البلاد، وزعزعة الاستقرار، وانتهاج العنف كأسلوب تعامل، فإننا في تركيا سنعدّ ذلك تهديدًا مباشرًا لأمننا القومي، وسنتدخل لمنع أية محاولة للتقسيم، فنحن لن نظل تحت التهديد”.

وهي التصريحات التي تشير بوضوح إلى استعداد أنقرة للتدخل عسكريًا في سوريا كما سبق أن فعلت، بهدف الحفاظ على أمنها القومي، ومنع تمدد العناصر المسلحة على حدودها، التي تجمعها تنظيمات راغبة في إقامة كيانات سياسية تتمتع بالحكم الذاتي بعيدًا عن مركزية الدولة، ولدعم الحكومة السورية في سعيها للحفاظ على وحدة دولتها وتحقيق الأمن والاستقرار لجميع مكونات شعبها.

ومع أهمية هذه الخطوة لضمان أمن تركيا القومي في مواجهة المخططات الانفصالية الإسرائيلية، إلا أن تكلفتها قد تؤدي إلى نتائج سياسية واقتصادية وعسكرية يصعب توقعها، مما يتطلب دراسة دقيقة وتفكيرًا استراتيجيًا بعيد المدى لتجنب تصعيد الأوضاع والاضطرار لتقديم تنازلات فادحة.

كاتبة وصحفية مصرية مقيمة في تركيا

حاصلة على الماجستير في الاقتصاد.عملت مراسلة للعديد من الصحف والإذاعات والفضائيات العربية من تركيا

الجزيرة

———————————-

من يصنع الدولة في سورية؟/ عمر الشيخ

24 يوليو 2025

إذا عُدنا قليلاً إلى الثورة السورية، تلك التي أعلن الرئيس أحمد الشرع انتهاء مرحلتها، فإن تأمّل بنيتها الأولى يكشف أنها وُلدت داخل هياكل قمع لم تنهَرْ، بل استمرّت خلفيةً عامّةً للتطوّرات الميدانية والسياسية. كان العنف البيئة الحاكمة التي أفرزت أولى أشكال التنظيم، ولم يلبث أن تحوّل إلى مرجعية إدارة، أكثر منه ردّة فعل مؤقّت. ومع تراجع قبضة المركز، تمدّدت شبكات القوة في الأطراف، وملأت الفراغ بأنظمة أمر واقع لا تعترف سوى بشرعية السيطرة. كان يُفترض أن يشكّل سقوط النظام لحظةً لإعادة بناء المفاهيم على قاعدةٍ مدنيةٍ جامعة، لكن الميراث العنيف الذي حكم العلاقة بين السلطة والمجتمع وجد له أوصياء في الضفة المقابلة. ظهرت تشكيلاتٌ جديدةٌ أعادت إنتاج منطق الغلبة، مع استبدال الشعارات فقط. وهنا، وُلد خطر ما يمكن تسميتها “الثورية العالقة”؛ تلك التي لم تدرك أن اللحظة ما عادت لحظة رفع السلاح (مجازياً أو واقعياً)، بل لحظة بناء قانون يحكم الجميع ويمنع انبعاث الطغيان والاستبداد من أيّ جهة كانت.

إن لم يتحوّل انتصار الثورة السورية سلوكاً قانونياً منضبطاً، فسوف يصبح غطاءً لمرحلة عسكرية ممتدّة، تُفرغ الدولة من مضمونها، وتُعيد صوغ المؤسّسات في مقاس العقائد المنتصرة وفقاً لمفهوم “الفصائلية”. ولهذا، تكشف ازدواجية المعايير التي يمارسها بعض من نادوا بالحرية، حين يصمتون أمام انتهاكات موثّقة، حدود هذا الخطاب. لا تُقاس الثورة بشعارها فقط، بل أيضاً بقدرتها على الانتقال من منطق المقاومة إلى منطق التعاقد والعمل الفعلي، ومن ردّة الفعل إلى بناء مشترك على أرضية الحقوق. اليوم، ما زالت النفوس المُحمّلة بإرث الكراهية تتجوّل بيننا، وقد تغذّت من جديد بمياه الهُويَّات المغلقة. بعض المناطق تُدار بحمولة انتقامية، تتنفّس الإقصاء وتقاوم فكرة الوطن المشترك. هنا، تخرج الثورة من معناها، وتتحوّل حالةَ نفي متبادل، تتآكل فيها المواطنة، ويطول مقام السوريين في سرديات الهزيمة.

وما نشأ حينذاك من تشكيلاتٍ مسلّحةٍ وانقسامات جغرافية متجذّرة، لم يكن سوى نتيجة مباشرة لغياب مرجعية مدنية جامعة، وانهيار الحياة السياسية، وصعود أيديولوجيا دينية تحوّلت (في ظلّ قمع نظام الأسد) ردّة فعل تعبوي، لكنّها ابتعدت شيئاً فشيئاً من نبل الدين خلاصاً إنسانياً مشتركاً، لتتماهى مع منطق الفصيل وتدخل الميدان بوصفها القوة القائدة. وهكذا، أُقحِم الدين في صراعات السيطرة، بدل أن يكون رافعةً للعدالة الجامعة، وضاعت رسالته في زحمة البنادق. ومنذ اللحظة التي أصبح فيها السلاح لغة وجود، لا وسيلة دفاع، بدا أن الشرعية تُنتزَع ولا تُمنح، وأن من يفرض الأمر الواقع يمتلك حقّ التكلّم باسم المكان من دون أن يستأذنه أحد.

أمّا اليوم، وبعد سقوط السلطة المركزية المتمثّلة بنظام الأسد، نشهد ولادات فردية تشير إلى محاولة إعادة تموضع العنف داخل هياكل جديدة. في دمشق، تحديداً على أطرافها المهملة، يتزايد حضور رجال أمن سابقين عادوا من خدمة النظام، ليستأنفوا أدوارهم عبر بوابة الحكومة الانتقالية. بعضهم أطلق لحيته وتبنّى خطاب الثورة، لكنّه يمارس الوظائف ذاتها: مراقبة، وتهديد، وضبط سلوك المجتمع بقوة العادة لا بقوة القانون. لم تعد الحاجة قائمةً إلى جهاز مركزي، وحده الفراغ يكفي لتبرير التحكّم، والذريعة حاضرة: “ضبط الانفلات” أو “مواجهة الطابور الخامس”. هنا، ربّما نشعر أن الأجهزة الأمنية فقدت دورها مؤسّساتٍ لحفظ كرامة الناس، وقد اخترقها الحرس القديم من بين الشعارات، ويتخفّى العنف خلف مرونة جديدة للسلطة. اللافت أن هذا التحوّل يجري بانقلاب على انتصار الثورة من داخلها، بأدواتها، وبغطاء من بعض “اللاثوريين” الذين وجدوا في الفوضى فرصةً للارتداد إلى أنماط السيطرة الأولى، بلا عبء الدولة، ولا سقف شرعياً يقيّدهم.

في السويداء مثلاً، تتشكّل سلطاتٌ محلّيةٌ على نمط الجماعات المغلقة، تتحالف مع القوى الاجتماعية لإدارة الأمن، وتُعيد تعريف السياسة سلاحاً دفاعياً ضدّ الداخل والخارج معاً. ما يُقدَّم أنموذجاً لامركزياً، ينزلق عملياً إلى نمط حكم مسلّح يُعيد إنتاج العسكرتارية في موقع مختلف، تحت لافتات مجتمعية لا تقلّ ضيقاً عن أجهزة القمع السابقة. في الحالتَين، تبدو الدولة ظلّاً مقلقاً يظهر حين يغيب القانون، ويتجسّد حين تفقد السياسة معناها. وما يُرى تحرّراً من النظام يتحوّل سريعاً (عند أول اختبار) إلى إعادة إنتاج للبنية ذاتها، موزّعةً بين فاعلين جدد. ولكن بمنطق قديم، أكثر وقاحةً، وأقلّ مساءلةً.

وهكذا، لا يُطلب من أحد تقديم مشروع سياسي، يكفي أن يُحسن السيطرة على الميدان. لا حاجة إلى تعريف القانون، طالما يمكن تعريف “الاستقرار” وفقاً لتوازنات القوة. المهم هو الإمساك، لا التنظيم. المهم تبرير الضرورة، لا بناء دولةٍ تليق بالتضحيات السورية الأليمة، وهذا بالتحديد لبّ البراغماتية السلطوية التي تحكم أغلب مناطق النفوذ اليوم: إدارة يومية بلا أفق، أمن محلّي بلا مساءلة، وشرعية تُفهم بوصفها بقاءً لا تفويضاً. لا أحد يتورّط في إعلان مشروع سلطوي، لكن الجميع يدير سلطته وكأنّها باقية، وكأن الثورة باتت مجرّد محطّة تمكّن، لا أفق تغيير. هذه البراغماتية، وإن لم تعلن عداءها فكرة الدولة، فإنها تنسفها في الجوهر، تُقصي القانون، وتُفرغ الثورة من معناها التأسيسي. الثورة التي أرادت إعادة تعريف السلطة باتت تُدار اليوم بمنطق بسيط: من يُحسن الإمساك بالأرض يُحسن تمثيل الناس. لا انتخابات، لا محاسبة، لا آليات تعاقد، بل أعراف ميدانية تُفرَض بقوة الحاجة والخوف، ويتكرّس منطق القوة سقفاً أخلاقياً.

ومن هذا المنطق، تولّدت ممارساتٌ لم تعد استثنائية: طرد نشطاء من جلسات محلّية بدعوى أنهم “ليسوا من أهل الساحة”، تهديد صحافيين بعبارات مثل “من لا يحمل البندقية لا يملك الكلام”، واستدعاء الجملة الشهيرة للنظام: “لو كنّا في زمن الأسد لما تجرّأت على الانتقاد”. وهنا، لا يبدو الطغيان قد هُزم فعلاً، بل بدّل وجهه. تسلّل إلى جسم الثورة، واستقرّ في اللغة والسلوك والعقل. أصبح بعض “الثوريين” و”اللاثوريين” (على حدّ سواء) شركاء غير مباشرين في إعادة إنتاج الخوف، من دون الحاجة إلى مؤسّسات، أو حتى إلى مرآة.

ما نشهده سلطوية مرنة، تُمارَس تحت غطاء التكنوقراط، أو الدفاع المحلّي، أو “الشرعية الثورية” التي لم تعد قابلةً للنقاش، بل تُسلّم كما لو كانت حقيقةً سابقةً على السياسة. في هذه البنية، يُختزل المجتمع إلى أدوات تعبئة، بدل أن يكون أفراده شركاءَ في القرار، وتُدار العلاقة مع الناس بمنطق التفاوض على البقاء، لا المشاركة في المصير. ولا تكتمل هذه الصورة من دون الحديث عن تفكّك المعنى الأيديولوجي نفسه، فالأفكار (قومية ودينية وليبرالية) التي طُرحت لتؤسّس مشروعاً وطنياً فشلت في إنتاج تصوّر للسلطة، وتحوّلت أقنعةً تُستخدم في صراعات النفوذ. القومية اختُزلت في لافتات، والدين أُقحم في المسارات العسكرية والتعبوية، والليبرالية غدت وسيلةً للتنصّل من أيّ التزام جماعي وأخلاقي.

لعلّنا نذكر ما حدث في ساحة المرجة بدمشق، حيث تعرّض اعتصام سلمي لهجوم من عناصر محسوبين على الحكومة. لم يكن الخلاف حول مسار المرحلة الانتقالية أو العدالة المنشودة، بل انصبّ على من يملك حقّ التعبير عن الغضب، ومن يُمنح شرعية تمثيله. ومثله ما جرى قبل أيام أمام مبنى مجلس الشعب في حي الصالحية (في دمشق)، حيث رفع المعتصمون لافتةً تقول: “دم السوري على السوري حرام”. أزعجت هذه العبارة بعض “الحماة الجدد”، فكان الردّ بالضرب والإهانة. فأين الدولة؟

بسلوكات كهذه، تخرج العسكرتارية من جلبابها القديم لتلبس عباءة الهُويَّات الدفاعية، التي تتنازع تمثيل الألم بدل تجاوزه. ومع هذا الانقسام، لا يعود السؤال في سورية: كيف ستُبنى الدولة؟ بل: لماذا لم تولد السياسة أصلاً؟… المشهد يشبه منطقة رمادية واسعة: غياب لاستبداد صريح يمكن مقاومته، وانعدام لمشروع سياسي واضح يُبنى عليه. الموجود فعلياً هو شكل من الحصار المركّب، طغيان يتجدّد في صورة مرنة، وثورة تتآكل حين تُكرّر خطابها القديم.

لم يعد الخطر في أدوات القمع فقط، إنما في التسليم بها أمراً واقعاً مؤقّتاً، ضمن شعارات مثل “الواقعية السياسية” أو “المرحلة الانتقالية”. وكأن الكرامة السياسية يمكن تأجيلها، والمجتمع يعاد تشكيله على مراحل، بانتظار ديمقراطية منتظرة لا أحد يعرف متى تأتي. لن تكون هناك ثورة ناجزة، ولا دولة ممكنة، ما لم يُكسر منطق العسكرتارية فكرياً قبل أن يُواجَه ميدانياً، وما لم يتحوّل السؤال من: من يسيطر؟ إلى سؤال أكثر جذرية: من يصنع الدولة؟

العربي الجديد

———————————

البلعوس: ما حدث في السويداء نتيجة “التباس خطير” وندعو إلى الوحدة

2025.07.23

أكد القيادي السابق في حركة “رجال الكرامة” ليث البلعوس، أن ما حدث في السويداء كان نتيجة التباس خطير عند أهالي المحافظة والمدافعين عنها، داعياً إلى الوحدة وتغليب صوت الحكمة.

وقال في بيان نُشر على حساب “مضافة الكرامة” إن شخصيات دينية واجتماعية من المحافظة وعلى رأسها حكمت الهجري، ويوسف الجربوع، وحمود الحناوي، وحسن الأطرس، وعاطف هنيدي وآخرين، تلّقت بلاغاً يفيد بدخول قوات حكومية من وزارتي الدفاع والداخلية إلى المحافظة، وذلك عبر العميد أحمد الدالاتي، قائد الأمن الداخلي في السويداء، والعميد شاهر عمران، قائد الأمن الداخلي في درعا، ونور الدين البابا المتحدث باسم وزارة الداخلية.

غياب الشافية أدت إلى أحداث السويداء

وأوضح أن دخول القوات الحكومية إلى “بعض مناطق التوتر في المحافظة” كان بهدف “فض النزاع القائم بين أبناء من الطائفة الدرزية الكريمة وعدد من أبناء العشائر العربية في الريف الشرقي ومنع تفاقمه”.

وأشار إلى أن عدم إبلاغ الشارع المحلي بشكل رسمي وعلني بمضمون التبليغ، وعدم إصدار بيان يوضح هوية القوات القادمة والغاية من حركتها، أدى إلى وقوع التباس خطير لدى الأهالي والمدافعين عن المحافظة، ظناً منهم عن غير قصد أن القوات المقتربة من حدودها هي مجموعات معادية ولا تتبع للدولة السورية.

واعتبر أن ما حدث كان يمكن تفاديه من خلال الشفافية والمسؤولية منذ البداية، مؤكداً أن التوضيح جاء بهدف إظهار الحقائق كما جرت بعيداً عن التهويل أو التحريض، ولتبرئة من دافعوا عن أرضهم وهم لا يعلمون حقيقة الموقف، ولدعوة الجميع إلى مراجعة الذات وتقديم المصلحة العامة على أي اعتبارات شخصية أو فئوية.

وقال في ختام البيان: “نحن في أمس الحاجة إلى الوحدة وتغليب صوت الحكمة لأن الجبل لا يٌحمى إلا بأهله ولا يُصان إلا بالصدق، ونحن كنا وما زلنا ثابتين على موقفنا ومبدئنا منذ انطلاقة الثورة المباركة عام 2011، وإلى اليوم لم ولن نحيد عن موقفنا اتجاه سوريا وشعبها ووحدة أراضيها وحفظ كرامة الأهل”.

البلعوس: سعينا للحوار والتهدئة

وفي ظهور مرئي سابق قبل يومين، قال البلعوس، إن حركته لم تكن يوماً طرفاً في أي مؤامرة أو ساعية إلى زعزعة استقرار السويداء، بل كانت في طليعة المبادرين إلى التهدئة والحوار، رافضة استخدام العنف أو تحويل الجبل إلى ورقة ضغط.

وشدّد البلعوس أن الحركة لم تقف يوماً على الحياد منذ سقوط ما يسمى بـ”النظام البائد” في السويداء، بل تحمّلت مسؤولياتها ووقفت إلى جانب الأهالي في أحلك الظروف، وسعت إلى التهدئة والحوار، وحماية المدنيين عندما تعقّد المشهد.

وقال إن “فصيله لم يساوم على المبادئ، رغم ما تعرّض له من تهديدات، وحرق بيوت، وسرقة مضائف، وانتهاك لقبر والده الشهيد الشيخ وحيد البلعوس”، مؤكداً أن موقفهم كان صادراً عن “حكمة لا عن ضعف”.

——————————

 التجييش الطائفي وخطاب الكراهية في سوريا.. تهديد للوحدة ومأزق أمام الحل الوطني/ رضوان الأطرش

2025.07.24

في ظل ما تشهده سوريا من أزمات متفاقمة، وآخرها التوترات المتصاعدة في محافظة السويداء، تبرز ظاهرة التجييش الطائفي وخطاب الكراهية كأخطر ما يهدد النسيج الاجتماعي السوري، ويعرقل كل مسار نحو حل وطني جامع. فبدلاً من أن تتحول هذه المرحلة الحساسة إلى فرصة لبناء هوية سورية جامعة تتجاوز الجراح والانقسامات، تتصاعد لغة التخوين والتحريض، وتتكرّس الفجوات الطائفية التي رسمتها سنوات الحرب وسوّقتها منظومات إعلامية ومخابراتية محلية وخارجية.

التجييش الطائفي: أداة سلطة أم عرض أزمة؟

لم يكن خطاب الكراهية في سوريا وليد اللحظة، بل هو نتاج تراكمي لعقود من الاستبداد السياسي والاجتماعي، وتغذية ممنهجة للهويات الفرعية على حساب الهوية الوطنية. ومع اندلاع الثورة السورية عام 2011، استغل النظام وحلفاؤه هذا الضعف البنيوي، فزرعوا الشك بين مكونات الشعب، وقدّموا الصراع على أنه “حرب أقليات”، وليس انتفاضة شعبية ضد الطغيان.

اليوم، تتكرر المشاهد في السويداء، كما تكررت من قبل في حمص وحلب ودير الزور ودرعا. تحريض طائفي إعلامي، واتهامات متبادلة بين مكونات اجتماعية كان يجمعها الجوار والتاريخ المشترك، وإذا بها تُقسّم باسم “الخصوصية” و”الخطر الوجودي”، وكأن السوري لم يعد يرى في جاره مواطناً، بل خصماً وجودياً.

أثر ذلك على المناخ الشعبي

يُنتج التجييش الطائفي مناخاً من الريبة والخوف، ويمنع تشكل أي رأي عام وطني مشترك، فكل طائفة تصبح ساحة مغلقة، وكل محاولة للتواصل تُفسّر كخيانة. ويتحول خطاب الكراهية إلى حالة نفسية جمعية، تُفرّغ السياسة من معناها، وتحلّ محلها “الغرائز”، وتُصبح مطالب العيش والكرامة مؤجلة أمام “ضرورات الوجود الطائفي”.

في السويداء مثلاً، أدى تصاعد الخطاب المذهبي إلى انكفاء داخلي، وتحول النقاش من “مطالب محقة” إلى “دفاع طائفي”، وهذا يضعف أي حراك شعبي ويمنع تضامن باقي السوريين، بل ويفتح الباب لتدخلات خارجية تزعم “حماية الأقليات” بينما تسعى في العمق لتفتيت سوريا أكثر.

ما هو البديل الوطني؟

 يجب التيقن أن البديل لا يمكن أن يأتي من السلطة، ولا من أطراف المعارضة التي تفتقر إلى خطاب وطني جامع. قوى مدنية ومجتمعية داخلية، قادرة على طرح مشروع وطني يقوم على:

1. الاعتراف بالجرح السوري دون تطييفه: أي أن نُعيد تعريف معاناتنا كشعب، لا كطوائف. ما جرى في السويداء هو جزء من مأساة سورية عامة، لا خصوصية مغلقة.

2. إعادة الاعتبار للمواطنة: الحقوق لا تُمنح بحسب الطائفة، بل بحسب الإنسان، وهذا يتطلب إعادة بناء خطاب إعلامي وثقافي لا يُعيد إنتاج القوالب الطائفية.

3. فتح قنوات الحوار المجتمعي: من خلال منصات مدنية وأهلية، على غرار منتديات الحوار الوطني، التي يمكن أن تخلق لغة مشتركة وتعيد بناء الثقة بين السوريين.

4. تفكيك رواية “الخوف الوجودي”: الطوائف ليست في خطر، بل الوطن كله في خطر. ومن دون دولة عادلة، سيبقى الجميع مهدداً.

وأخيراً يجب أن يدرك الجميع بأنه لن يُبنى مستقبل سوريا على ركام الكراهية والتحريض الطائفي، بل على الاعتراف المتبادل والبحث عن مشتركات جامعة. ما يجري اليوم في السويداء، كما في غيرها، هو إنذار أخير بأن البديل عن المشروع الوطني الجامع هو الانهيار التام. فإما أن نُعيد تعريف أنفسنا كسوريين أولاً، أو نُسلّم مصيرنا لعنف متجدد لا يرحم.

——————————

 هل هناك حتمية للصراع بين الأكثرية والأقلية في الشام؟/ محمد فواز

2025.07.24

في كل مرة تشتعل فيها نار الصراع في بلاد الشام، يُعاد إحياء خطاب يروّج لحتمية التوتر بين “الأكثرية” و”الأقلية”، وكأنَّ التعايش أمر استثنائي، والاقتتال قدر لا مفر منه. غير أن قراءة التاريخ، بعيون أقل انفعالًا وأكثر عمقًا، تفضح هشاشة هذه الفرضية، وتُظهر أن الطائفية لم تكن يومًا قدرًا ذاتيًا، بل صناعة خارجيّة، استُخدمت كأداة للهيمنة والتمزيق.

على مدى قرون، لم تكن بلاد الشام ساحة صراع طائفي دائم، بل شكّلت واحدة من أندر البيئات التي احتضنت تنوعًا دينيًا ومذهبيًا وعرقيًا، وأدارت خلافاتها ضمن أطر اجتماعية وثقافية ناضجة. كانت الشام ملاذًا طبيعيًا للأقليات المضطهدة في مناطق أخرى، من الدروز إلى العلويين، ومن الموارنة إلى الأرمن، مرورًا بالطوائف الإسلامية والمسيحية واليهودية التي تقاسمت المدن الكبرى بل كانوا جزء من النسيج الاجتماعي والسياسي للمنطقة حتى وصلوا لأعلى مراتب الإمبراطوريات الإسلامية المتعاقبة.

دمشق، على سبيل المثال، كانت تضم حارات ومقامات لأديان ومذاهب متعددة تعيش في تداخل يومي لا يفصل بينه حاجز إلا ما كان من اختلاف العبادات، لا المعيشة. وحلب كانت نموذجًا للتبادل الثقافي والاقتصادي بين المسلمين والمسيحيين واليهود. أما جبل لبنان، فظل لعقود طويلة ميدانًا للتكامل بين الموارنة والدروز.

لم يكن هذا استثناءً في التاريخ، بل في الوقت الذي كانت فيه أوروبا، خلال القرون الوسطى، تغرق في مذابح طائفية وصراعات مذهبية دموية، كانت منطقة الشام تكاد تخلو حتى من سؤال الطائفية السياسي، أو من إشكالية علاقات المكونات المختلفة. ويكفي للتدليل على ذلك الموقف الذي اتخذته معظم الطوائف المسيحية في الشرق خلال الحروب الصليبية، حيث انحازت، في غالبيتها، إلى أبناء المنطقة من المسلمين وغيرهم، في مواجهة الهجمات الصليبية. واللافت أن الصليبيين كانوا، من الناحية العقائدية، أقرب إلى هذه الطوائف الشرقية، لكن الولاء لم يكن طائفيًا بل مناطقيًا وحضاريًا. وهناك أمثلة لا تُحصى على طبيعة هذه العلاقة العميقة بين مكونات المنطقة، التي بُنيت على أساس التعايش والمصير المشترك، لا على التمذهب والانقسام.

التدخلات الخارجية: صناعة الطائفية كأداة استعمارية

لكن الرغبة في الانفلات في المنطقة العربية دفعها القوى الغربية لزرع سؤال الطائفية بين أبناء المنطقة الواحدة. فقد بدأ التحول الحقيقي مع مطلع القرن التاسع عشر، حين بدأت القوى الأجنبية، خاصة فرنسا وبريطانيا، تنظر إلى “الطوائف” باعتبارها وحدات سياسية يمكن الاستثمار فيها. فمع تراجع الدولة العثمانية وتصاعد “المسألة الشرقية”، ظهرت الطائفية كأداة لتقسيم النفوذ لا كواقع اجتماعي عضوي.

ففرنسا تبنّت الموارنة وأرادت تحويل جبل لبنان إلى كيان مستقل عن المحيط الإسلامي. وبريطانيا دعمت الدروز تارةً والسنّة تارةً أخرى، بهدف كسر الهيمنة الفرنسية. حتى وجدت استثمارها الأخير في زرع اليهود في فلسطين. أما القوى الأوروبية جميعها تدخلت في أحداث عام 1860 الدموية بين الموارنة والدروز، ليس لإنقاذ الأرواح، بل لإعادة رسم المشهد السياسي لصالحها وهو ما تركز مع قيام إسرائيل ومع الانتداب وتثبيت المنطلقات الطائفية في حكم هذه المنطقة.

من الاستعمار إلى الأنظمة: إعادة تدوير الطائفية

بعد الاستقلال، لم تنجُ المنطقة من إعادة تدوير الموروث الطائفي. فبعض الأنظمة اعتمدت في شرعيتها على خطاب حماية الأقليات، فيما ردّت بعض الحركات المعارضة بخطاب أكثرية مظلومة تسعى لاستعادة “دورها”. في هذا السياق، تحوّل التنوع إلى عبء سياسي، لا رصيدًا حضاريًا، وانزلقت المجتمعات إلى حساسيات كانت غائبة أو كامنة في الذاكرة الجمعية.

الصراع في الشام ليس بين أكثرية وأقلية، بل بين مشاريع تستخدم الهوية الطائفية كواجهة لخدمة مصالح داخلية وخارجية. وما يُقدَّم أحيانًا كصراع مذهبي، ما هو إلا غلاف لصراعات سلطة ونفوذ وإقليم. التدخل الإيراني في سوريا لم يكن لحماية العلويين، بل لحماية نفوذ سياسي واستراتيجي. وكذلك الحال مع التدخل الإسرائيلي باسم “حماية الدروز”، أو الغربي تحت لافتة “الديمقراطية التعددية”.

الواقع اليوم

لا يمكن اعتبار الصراع القائم اليوم صراعًا طائفيًا حتميًا لا مفر منه، إذ إن داخل كل طائفة توجد وجاهات وقيادات رئيسية متناقضة في التوجه، وهو ما يجعل من الصراع سياسيًا في جوهره، تستخدم فيه الطائفة أداة اشتعال، لا كمنطلق أو هدف بحد ذاتها.

فزعامة الدروز السياسية الأولى ما تزال في قصر المختارة بيد آل جنبلاط، الذين يعلنون تأييدهم لوحدة سوريا واستقرار نظامها. وفي السويداء، تم التوصل إلى اتفاق مع الشيخ يوسف الجربوع لتهدئة الأوضاع، غير أن الشيخ حكمت الهجري لم يعترف به، مما يعكس الانقسام داخل البيت الدرزي نفسه.

الشاهد أن القول بوجود صراع أبدي ودائم بين مكونات المجتمع على أساس انتماءاتها الطائفية هو قول غير دقيق، بل مجافٍ للواقع التاريخي والمعاصر. فالديناميات الداخلية، لو تُركت لتتفاعل وحدها دون تدخل خارجي – كما هو الحال في دعم “قسد” في الشرق، وبعض المجموعات المسلحة في الجنوب السوري – لكانت الأوضاع قد اتجهت نحو التهدئة والاستقرار والتعايش. لكنّ هذا الاستقرار، وتلك اللحمة الداخلية، يتعارضان مع مصالح بعض القوى الخارجية، كما يتقاطعان مع طموحات فئات داخلية سريعة الانزلاق نحو الفتنة.

وهذا ما أكده الزعيم الدرزي وليد جنبلاط في تصريحاته الأخيرة، حيث قال بوضوح: “نرفض أي حماية خارجية”، مشيرًا إلى أن “الإسرائيليين يؤججون النار، ويريدون وضع الدروز في مواجهة مع كل مكونات المجتمع السوري”. وأضاف: “يجب تثبيت وقف إطلاق النار في السويداء، ثم الدخول في حوار بين جميع المكونات الدينية والسياسية والطائفية مع الدولة السورية”، محذّرًا من تكرار أخطاء الماضي كما حدث في الحرب الأهلية اللبنانية، حين “ادعت إسرائيل أنها تحمي البعض، فانتهى الأمر بكوارث”.

هذه المقاربة، التي يعبّر عنها جنبلاط، تعبّر عن إدراك عميق بأن الحماية الحقيقية لا تأتي من الخارج، بل من وحدة الداخل السوري وحوار مكوناته الوطنية، بعيدًا عن الاستخدام الطائفي والمناطقي للمجتمع كوقود في مشاريع إقليمية.

تلفزيون سوريا

—————————-

اليوم كما بالأمس: الطغيان والطائفية هما المشكلة في سوريا/ ياسين الحاج صالح

أكبر المخاطر في سوريا اليوم لا يختلف في شيء عن أكبرها بالأمس، قبل سقوط الحكم الأسدي: الطغيان الدولتي والطائفية. الطغيان الدولتي قبل الطائفية لأن الطائفية من مقتضياته وعواقبه، دون أن يكون العكس صحيحاً.

الطغيان يعني سحق الحياة السياسية، ومنع السوريين من إنتاج منظماتهم وأحزابهم وجمعياتهم المستقلة، وسجن أو تعذيب أو قتل من يعترضون، ثم إرادة البقاء في الحكم لأطول وقت، أو «إلى الأبد»، مثلما أمل الأسديون وأعلنوا صراحة. الطغيان الدولتي هو الحكم بالجريمة، والأبد من مقتضيات درء العقاب. لكن حكم الطغيان غير ممكن دون أعوان مثلما يعرف عبد الرحمن الكواكبي ودارسو هذا النمط من الحكم. والطائفية هي وسيلة رخيصة لضمان الأعوان، عبر جعل ذوي قربى الطاغية أو عصبيته محاسيب للطاغية، ينتفعون من فُتات ما يترك لهم، وعبر إقناعهم بأن الحكم حكمهم، وأنهم سيذلون ويهانون، وربما يبادون، إن وقع الحكم بيد غيرهم، خاصة خصومهم الطائفيين المتربصين.

وجود الأعوان لا يصنع نظام الطغيان، وإن سهل الأمر له. الطائفية دون طغيان واستئثار بالحكم والموارد توجد في صورة «نعرات»، أحكام مسبقة وضغائن وعداوات صغيرة، مثلما نعرف بين قرية وقرية أو محلة ومحلة أو عشيرة وعشيرة. بالطغيان تصير الطائفية بنية سياسية، يعيد النظام إنتاجها عبر إعادة إنتاجه لنفسه، بما في ذلك عبر السحق المستمر للحياة السياسية كمساحة لخيارات اجتماعية وسياسية مغايرة.

هذه خلاصات مستمدة من تاريخ جيلين من الطغيان الأسدي. قضى الطغيان على وطنية الدولة وتقضي الطائفية على وطنية المجتمع. وأولوية الطغيان على الطائفية مهمة لأن هناك من يتصور أن حافظ الأسد ووريثه من بعده كانا طاغيتين لسبب طائفي يتمثل في منحدرهما العلوي. غير صحيح على الإطلاق. لا المنحدر العلوي بحد ذاته يدفع إلى الطائفية أكثر من غيره، ولا هو الأساس في طغيان حافظ وبشار. ليس للطغيان من أساس غير الشهوة المنحرفة للاستئثار بالسلطة كلها على الناس كلهم الوقت كله، وبالتالي المال الوفير والمجد كله. وهو ليس اختراعاً حديثاً في تاريخنا أو تواريخ غيرنا. الجديد في الزمن الحديث والمعاصر هو توافر تكنولوجيات حكم وسيطرة لم تكن متاحة للطغاة القدامى، تقنيات تتيح لطغاة اليوم وضع الملايين وعشرات الملايين من محكوميهم تحت الرقابة، ومحاصرتهم في عيشهم وعملهم، والتجسس على حياتهم الخاصة، وتحطيمهم أفرادا وجماعات. ومن هذه التكنولوجيات البيروقراطية والإحصاء والمخابرات، والمؤسسات الحديثة من تعليم وجيش وغيرها. الطغيان القديم كان قاسياً، لكنه محدود الانتشار وغير عميق. التنويعة الحديثة منه قاسية ومنتشرة وعميقة. أن نكون عرفنا هذه التنويعة من الطغيان القاتل في الحقبة الأسدية من تاريخ سوريا غير الطويل لا يعني أنها محصورة به، أو مرتبطة بحيثية طائفية بعينها، أو خاصة أنها غير ممكنة اليوم. الطغيان ممكن أياً تكن منابت الطاغية، فرداً أو عصبة، والعصبية التي يُستنّد إليها، وهو ممكن اليوم. والطاغية يمكن أن يكون سنياً ويستنفر عصبية سنية، ويعمل على تحويل السنيين إلى ركيزة طائفية لحكمه، أعوان للحكم بالجريمة.

ليست اعتبارات نظرية هي ما تكمن وراء هذه المناقشة التي سبق لكاتب هذه السطور أن أورد مضمونها بتنويعات أكبر هنا وهناك، بل عمليات سياسية راهنة. ومنها بخاصة أن أبرز دينامكية سياسية يمكن تبينها في سوريا اليوم هي ديناميكية تركز السلطة بأيد مقربين من هيئة تحرير الشام، سنيو المنبت، على نحو يستبعد نسقياً نحو ثلث سكان البلد من غير العرب السنيين، فضلاً عن جميع غير السنيين النمطيين، وهم ليسوا قلة. هذا التركيز غير مسبوق في تاريخ سوريا منذ نشوء كيانها الحديث بنهاية الحرب العالمية الأولى. ومحصلاته المحتملة لا يمكن إلا أن تكون وخيمة إن لم يجر الآن، قبل الغد، الحيود عنها نحو نظام سياسي استيعابي، هو ما تطلع إليه النضال الديمقراطي في سوريا منذ سبعينيات القرن العشرين. كانت مشكلة سوريا هي ضيق نظامها السياسي عن التمثيل العادل لمجتمعها المتنوع، وكان الحل المتصور والمعقول للمشكلة هو تغيير النظام على نحو يلاقي تطلعات السوريين المتنوعين إلى امتلاك بلدهم وإلى أن يكونوا مواطنين متساوين فيه، ينتخبون قياداتهم وممثليهم. كان خيار الحكم الأسدي معاكساً: ينتخب هو شعبه الصحيح الموالي، ويروع الجميع، ولا يستبعد المذابح والتهجير والتغييب كمناهج حكم. الطغيان نظام حكم قائم على الخوف حسب مونتسكيو (تقوم الجمهورية بالمقابل على الفضيلة، والملكية على الشرف).

كانت الطائفية عرضاً للطغيان، مرض سوريا الأساسي في الحقبة الأسدية. اليوم يبدو أنه يُفكر بالطائفية بوصفها المرض الأساسي، لكن ليس قبل اعتبار السنيين هم الأمة، وغيرهم طوائف. أي عملياً ليس قبل انتخاب الشعب الصحيح الجدير وحده بالسلطة، الشعب الأموي. ووفقاً لذلك، الطائفيون هم الآخرون، غير السنيين. من وجهة نظر الدولة الوطنية، دولة المواطنة، هذا باطل. الأمة الوحيدة هي أمة المواطنين السوريين، وكل ما غيرها فئات، طوائف أو غير ذلك.

والحال أن معظم ما اعتمده التشكيل السياسي الراهن من قواعد وأجهزة يندرج ضمن منطق الدولة الوطنية، بما في ذلك الكلام على احتكار الدولة للسلاح (هذا لا معنى له في الدولة الدينية، كما في الإمبراطوريات القديمة) وبما في ذلك عناوين مثل الدستور ومجلس الشعب والحوار الوطني. ومنطق الدولة الوطنية لا يقبل أن تكون الأكثرية الدينية هي الأكثرية السياسية، أو أن تكون الجماعة الأكثر عدداً هي الأمة، والجماعات الأصغر عدداً طوائف ثانوية الأهمية. ولا يمكن إبطال ما هو منطقي إلا بالقوة العشوائية التي تسمى في تاريخنا وتواريخ غيرنا بالتعسف، أو الاعتباط. الطغيان هو قبل كل شيء انتهاك للمنطق بالتعسف، قبل أن يكون انتهاكاً لأجساد البشرية بالتعذيب والإذلال والقتل. كان الطغيان الأسدي آية من آيات التعسف حين جعل من الاستثناء حالة سياسية دائمة، ومن الجمهورية ملكاً وراثياً، ومن الطائفية وحدة وطنية، ومن الحكم بالخوف حباً للقائد. وكانت المجزرة وأخواتها حلا بالعنف لمشكلة انتهاك المنطلق. ومآل الأسدية المعلوم، السقوط، مكتوب في هذا التحدي لمنطق المعقول السياسي والاجتماعي الحديث. وليس لمتحدّين آخرين أن يتوقعوا نتيجة مختلفة.

وأوخم محصلات مركب الطغيان والطائفية هو القتل على الهوية. ما إن نتكلم على طغيان حتى نتكلم على القتل وملحقاته من تعذيب واغتيال وتغييب ومجازر، وما إن نتكلم على طائفية حتى نتكلم على هويات وجماعات معرفة بتمايزها العقدي (وموقعها في نظام علاقات القتل). باختصار، الطغيان قتل (وأشياء أخرى) والطائفية هويات (وأشياء أخرى) واجتماعهما هو الإبادة (الجينوسايد) التي لا تعدو كونها قتلاً جماعياً على الهوية، على أيدي من هم في السلطة غالباً، وفي سياق من الحرب غالباً. وظاهر أننا رأينا هذه المحصلة الوخيمة مرتين خلال سبعة أشهر ونيف من الحكم الحالي، مثلما سبق أن رأيناها مرات خلال سنوات ما بعد الثورة، وقبل ذلك بعقود. ودوماً عبر عمليات صنع سياقات حربية.

ما يستخلص مما تقدم هو أن البنية العميقة للسلطة في سوريا لم تتغير، من وراء تغير الأشخاص والمظاهر والعناوين الإيديولوجية. تغيرت هويات القاتلين والمقتولين، لكن لم تتغير البنية القائمة على القتل على الهوية.

كاتب سوري

القدس العربي

————————–

 مجلة تايم: إدارة ترمب تواجه عناد نتنياهو في الملف السوري

ربى خدام الجامع

2025.07.23

في تقرير مطوّل، كشفت مجلة تايم عن تبرّم إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب من استمرار الغارات الجوية الإسرائيلية على سوريا، رغم دعوات واشنطن العلنية لوقف التصعيد. وأشار التقرير إلى أن البيت الأبيض فوجئ بالقصف الذي استهدف دمشق الأسبوع الماضي، في وقت تسعى إدارة ترمب لتمرير اتفاقات لوقف إطلاق النار في المنطقة. ونقل التقرير عن مسؤولين أميركيين انتقادات حادة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، واصفين سلوكه بـ”المتهور”، في حين اعتبر خبراء أن التباين العلني بين الحليفين لا يغيّر من حقيقة استمرار الدعم الأميركي العسكري والسياسي لإسرائيل.

يعرض موقع تلفزيون سوريا هذا التقرير في إطار التغطية الإعلامية للملفات المتعلقة بواقع الأمن في سوريا، مع الإشارة إلى أن ما ورد فيه يعكس رؤية الصحيفة ومصادرها، ويُقدّم كمادة تحليلية تساعد على فهم طريقة تناول الإعلام الدولي للملف السوري، دون أن يُعد توثيقاً شاملاً لكامل المشهد أو تبنياً لاستنتاجاته.

وفيما يلي ترجمة موقع تلفزيون سوريا لهذه المادة:

يبدو بأن إدارة ترمب قد تبرمت من الاعتداء الإسرائيلي على سوريا.

إذ أعلن البيت الأبيض يوم الاثنين أن الرئيس دونالد ترمب لم يصدق على الغارات الجوية الإسرائيلية التي استهدفت سوريا الأسبوع الماضي، والتي استمرت حتى بعد أن طلبت الولايات المتحدة من إسرائيل أن “تتنحى جانباً”، بعد قصفها لدبابات سورية يوم الثلاثاء، إذ شنت إسرائيل غارات جوية جديدة على دمشق يوم الأربعاء، أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن ثلاثة أشخاص وجرح العشرات.

أعلنت إسرائيل بأن هدف غاراتها هو “حماية” الطائفة الدرزية في سوريا، بعد أيام من الاشتباكات بين أفراد من الميليشيا الدرزية والعشائر البدوية إلى جانب التدخل العسكري من قبل قوات الأمن السورية. وفي الوقت ذاته، أعلنت الحكومة الإسرائيلية أنها شنت تلك الغارات لتنتقم من الجنود السوريين الذين دخلوا منطقة في الجنوب الذي أعلنت إسرائيل بمفردها عن تحويله إلى منطقة منزوعة السلاح. فما كان من الحكومة السورية إلا أن رفضت تلك المزاعم ودانت التدخل العسكري الإسرائيلي في سوريا، والذي شمل احتلالها لأراض سورية وشنها لعدد كبير من الغارات الجوية خلال الشهور الماضية.

توسطت إدارة ترمب لوقف إطلاق النار بين سوريا وإسرائيل، وفقاً لما أعلنه المبعوث الأميركي إلى سوريا، توم باراك، يوم الجمعة، إلا أن بعض الشخصيات من داخل الإدارة الأميركية أبدت ضيقها وتبرمها تجاه جموح رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، وعناده، فقد نقلت منصة أكسيوس يوم الأحد ما ورد على لسان أحد المسؤولين الأميركيين بخصوص ذلك، والذي قال: “لقد تصرف بيبي كالمجنون، فهو يقصف كل شيء على الدوام، وهذا من شأنه تخريب ما يحاول ترمب فعله”.

وفي مؤتمر صحفي عقد يوم الاثنين، أعلنت كارولين ليافيت وهي السكرتيرة الصحفية للبيت الأبيض أن ترمب: “فوجئ بقصف سوريا كما فوجئ بقصف الكنيسة الكاثوليكية في غزة”، لكنها أضافت بأن ترمب: “يتمتع بعلاقة عمل جيدة مع رئيس الوزراء بيبي نتنياهو، ويبقى على تواصل متكرر معه”، ثم قالت: “في كلتا الحالتين، طالب الرئيس رئيس الوزراء الإسرائيلي بتصحيح تلك الأوضاع بسرعة”.

أتى القصف الإسرائيلي لسوريا وللكنيسة الكاثوليكية بغزة بعد زيارة نتنياهو لواشنطن في مطلع هذا الشهر، في حين اعتبر مؤشراً على تحقيق تقدم بالنسبة لاتفاقية وقف إطلاق النار في غزة، حتى في الوقت الذي أبدى المعارضون قلقهم تجاه وقف إطلاق النار بوساطة ترمب، وما يشمل ذلك من تهجير للفلسطينيين من ديارهم وإعادة تطوير قطاع غزة بعد أن يصبح تابعاً للسيطرة الأميركية أو الإسرائيلية.

يعلق على ذلك ويليام فيغيروا وهو أستاذ مساعد متخصص بالعلاقات الدولية لدى جامعة غرونينغين فيقول: “إن كل ما تفعله إسرائيل من قصف للمدنيين وهدم لأبنية مدينة بأكملها قد نفذته بقنابل وجرافات أميركية”.

أما كليمانس تشاي، وهو باحث في معهد الشرق الأوسط بسينغافورة التابع للجامعة الوطنية، فيرى أن ترمب هو من جعل إسرائيل تتجرأ على فعل ذلك وذلك عندما دعمها عسكرياً، حتى في الوقت الذي أخذت إسرائيل تهدد كثيراً من الأهداف الأميركية، وقد شمل ذلك قصف إيران عندما كانت طهران في خضم المحادثات بشأن برنامجها النووي مع واشنطن، والآن نراها تقصف سوريا بعد أن ألمح ترمب إلى رغبته بتحسين العلاقات مع ذلك البلد عبر رفع العقوبات الأميركية المفروضة عليه.

ومن المرجح أن نتنياهو اعتبر “رد الفعل الغامض” الذي أبداه ترمب “تجاه أي تحرك عسكري بمثابة إشارة للانطلاق والمضي قدماً” بحسب ما يراه الباحث تشاي، وأضاف: “معروف عن الرئيس الأميركي تردده في مواقفه تجاه عدد من القضايا التي تمس السياسة الخارجية، بيد أن رئيس الوزراء الإسرائيلي أصبح اليوم يثق بقدرته في كونه “شخصية صاحبة نفوذ على ترمب”.

أما جون هوفمان، وهو محلل متخصص بالسياسة الخارجية لدى معهد كاتو فقد نشر عبر حسابه على منصة إكس المنشور التالي: “يواصل ترامب السياسات الفاشلة التي وضعها أسلافه وذلك عبر منح زمام المبادرة لإسرائيل”.

وعلى الرغم من ذلك، تعتمد إسرائيل على الدعم الأميركي بشكل كبير، إذ يقول فيغيروا: “لن يفاجئنا توقيع إسرائيل على وقف إطلاق النار عندما تمارس الولايات المتحدة ضغطاً فعلياً عليها، لأنها لا يمكنها متابعة أي صراع سواء في إيران أو في غزة من دون الإمدادات المستمرة بالأسلحة والذخائر والتقانة العسكرية التي تصلها من الولايات المتحدة” وأضاف: “عندما يقول الشخص الذي يوقع الشيكات بأنه يعني ذلك، فعليك أن تصغي إليه وتصدقه”.

بيد أن هذه ليست المرة الأولى التي تتلاعب إسرائيل بدعم الولايات المتحدة لها على الرغم من أنها لم تعمل بنصيحة إدارة ترامب، إذ في الوقت الذي نجح نتنياهو بالاحتفاظ بالدعم الأميركي، وتعود أحد أسباب ذلك إلى “إرضاء غرور ترامب” عبر ترشيحه لنيل جائزة نوبل للسلام، وعبر السماح لترمب بـ”إعلان النصر” بالنسبة للوساطة في اتفاقيات وقف إطلاق النار في الشرق الأوسط، يرى الباحث تشاي بأن مواصلة إسرائيل لعملياتها العسكرية لا يهدد فقط باعتبارها: “تتجاوز الحدود التي وضعها مسؤولو ترمب، بل يتعدى الأمر ذلك ليصل إلى ما هو أسوأ، وذلك عندما تنظر الدول الإقليمية إليها بوصفها تمثل شكلاً من أشكال القوة العسكرية الإسرائيلية الغاشمة التي لا يقف في وجهها شيء”.

الغارات الإسرائيلية على سوريا

وافقت إسرائيل يوم الثلاثاء الماضي على التنحي جانباً بطلب من باراك وذلك حتى تتيح المجال للولايات المتحدة من أجل التفاوض على اتفاقية سلام. ولكن بحلول اليوم التالي، صعدت إسرائيل هجماتها، حيث قصفت مقراً عسكرياً في سوريا، ومحيط القصر الرئاسي.

يعلق على ذلك أحد المسؤولين الأميركيين فيقول: “لقد فاجأ قصف سوريا الرئيس والبيت الأبيض، إذ لم يرغب الرئيس بتشغيل التلفاز ومشاهدة القنابل وهي تسقط على بلد يحاول هو أن ينشر السلام فيه وذلك عندما أعلن عن شيء تاريخي يساعد هذا البلد على إعادة الإعمار”.

تحدث مسؤول أميركي آخر عن الحكومة الإسرائيلية التي ساءت سمعتها في أوساط إدارة ترامب، وقال: “يجب على الإسرائيليين إخراج عقولهم من مؤخراتهم”.

وفي هذه الأثناء، ذكر مسؤول أميركي آخر بأن ترمب لم يتحدث عن أية مخاوف بشأن التدخل الإسرائيلي في سوريا بل إنه أيد العمل العسكري الإسرائيلي على سوريا خلال الأسابيع القليلة الأولى له في السلطة.

قصف الكنيسة الكاثوليكية في غزة

تعرضت إسرائيل لانتقادات لاذعة بعد قصفها لكنيسة العائلة المقدسة بمدينة غزة يوم الخميس الماضي، ما أسفر عن مقتل ثلاثة أشخاص وجرح آخرين كانوا قد احتموا بتلك الكنيسة. وقد هزت تلك الأخبار الطائفة الكاثوليكية في مختلف بقاع العالم، إذ قبل وفاة البابا فرانسيس، كان يجري اتصالات يومية بتلك الأبرشية، وهي الكنيسة الكاثوليكية الوحيدة الموجودة في غزة، أما خليفته، البابا ليو الرابع عشر، فقد نشر على حسابه عبر منصة إكس منشوراً كتب فيه بأنه شعر: “بحزن شديد عندما بلغني نبأ الخسائر في الأرواح والمصابين بجراح” وشدد على الحاجة للتوصل إلى وقف إطلاق نار فوري.

أثارت تلك الأخبار حفيظة إدارة ترمب، إذ أعلنت ليافيت يوم الخميس أن ترمب لم يبد “رد فعل إيجابي” تجاه الهجوم، وبأنه: “اتصل برئيس الوزراء نتنياهو في صبيحة هذا اليوم ليناقشه بأمر الغارات التي استهدفت الكنيسة بغزة”.

وفي تصريح له يوم الخميس الماضي، ذكر نتنياهو بأن إسرائيل: “نادمة أشد الندم” بسبب الذخائر الضالة التي قصفت الكنيسة، ووصف ما حدث بالخطأ، وأضاف بأن إسرائيل “فتحت تحقيقاً في الحادثة وهي ملتزمة بحماية المدنيين والأماكن المقدسة”.

وأعلنت قوات الدفاع الإسرائيلية في آخر تصريح لها بأن: “تحقيقاً أولياً في التقارير المتعلقة بجرح أفراد في كنيسة العائلة المقدسة بمدينة غزة أشار إلى خروج شظايا من قذيفة في أثناء إحدى العمليات التي نفذت في المنطقة، وقد أصابت تلك الشظايا الكنيسة بالخطأ، كما أن سبب الحادث يخضع للمراجعة”.

وأضاف الجيش الإسرائيلي في تصريحه: “أن الجيش الإسرائيلي لا يوجه ضرباته إلا لأهداف عسكرية، ويبذل كل الجهود المجدية لتخفيف الضرر الذي يلحق بالمدنيين وبالمنشآت الدينية، ويعرب عن أسفه إزاء أي ضرر قد يلحقه بالمدنيين وبتلك المنشآت بشكل غير مقصود”. غير أن أهالي غزة والصحفيين والمنظمات الإنسانية وثقوا عدداً من الغارات الإسرائيلية التي استهدفت المدنيين والأماكن الدينية والإغاثية خلال الحرب التي امتدت لعامين.

اغتيال مستوطنين إسرائيليين لأميركي من أصول فلسطينية

في 11 تموز الجاري، وجهت الحكومة الأميركية انتقادات لاذعة لإسرائيل بسبب جريمة القتل التي تعرض لها مواطن أميركي من أصول فلسطينية، اسمه سيف مسلط، وذلك على يد مجموعة من المستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية المحتلة، وذكرت أسرة مسلط لقناة سي بي إس الإخبارية أن ابنهم كان في زيارة لأرض أهله في بلدة سنجل عندما طوقته مجموعة من المستوطنين الذين ظلوا يضربونه لمدة تجاوزت ثلاث ساعات، بعد ذلك منعوا سيارة الإسعاف والمسعفين من الوصول إليه بحسب ما ذكرته أسرته. وفي نهاية الأمر، حمله شقيقه إلى سيارة الإسعاف، لكنه توفي قبل أن يصل إلى المشفى.

وفي انتقاد مخفف لكنه نادر الحدوث وجه لإسرائيل، وفي معرض حديث السفير الأميركي إلى إسرائيل، مايك هوكابي، المعروف عنه بأنه حليف كبير للمستوطنين الإسرائيليين، عن ذلك الهجوم، وصفه بـ”العمل الإجرامي الإرهابي”، وطالب إسرائيل “بفتح تحقيق كبير” بمقتل مسلط، وأضاف أن عمر سيف لا يتجاوز العشرين عاماً. فيما أعلن الجيش الإسرائيلي عبر أثير قناة سي بي إس الإخبارية خلال الأسبوع الفائت عن فتح “تحقيق مشترك في الحادثة بين الشرطة الإسرائيلية وقسم التحقيق الجنائي التابع للشرطة العسكرية” في إسرائيل.

في حين دق ثمين الخيطان، وهو المفوض الأممي السامي لحقوق الإنسان، جرس الإنذار بسبب تصاعد عنف المستوطنين الإسرائيلين وقوات الأمن الإسرائيلية في الضفة الغربية، وقال خلال الأسبوع الماضي: “يجب على إسرائيل أن توقف فوراً عمليات القتل والمضايقات وتدمير المنازل في عموم الأراضي الفلسطينية المحتلة… وبما أنها تمثل قوة احتلال، يجب على إسرائيل اتخاذ جميع الإجراءات المجدية لضمان نشر الأمن والنظام العام في الضفة الغربية، كما أنها ملزمة بحماية الفلسطينيين من هجمات المستوطنين، إلى جانب إنهاء حالة الاستعانة بالقوة بشكل غير قانوني على يد قوات الأمن الإسرائيلية. ولابد من فتح تحقيقات شاملة ومستقلة وشفافة في سائر عمليات القتل وغيرها من الانتهاكات للقانون الدولي، وينبغي محاسبة المسؤولين عن تلك الأمور”.

زار السفير هوكابي الطائفة الكاثوليكية في قرية الطيبة بالضفة الغربية يوم السبت الماضي بعد أن تعرضت كنيسة هناك لهجوم صاحبه تخريب متعمد على يد مستوطنين إسرائيليين.

وفي تصريح له، قال هوكابي: “إن ارتكاب فعل التدنيس عبر إهانة مكان يفترض أنه مكان للعبادة ما هو إلا فعل إرهابي، كما أنه جريمة لا بد أن تستتبعها عواقب وتبعات وخيمة، لأن هذا المكان يعتبر آخر المعاقل التي تعبر عن حضارتنا والأماكن التي نتعبد فيها”، لكنه بعد ذلك أوضح عبر حسابه على منصة إكس بأنه لم ينسب سبب الحرق المتعمد للكنيسة إلى أي شخص.

الغارات الإسرائيلية على إيران بعد وقف إطلاق النار

في حزيران الماضي، تعرضت إسرائيل لانتقادات مباشرة من ترامب عندما واصلت تبادل الغارات مع إيران خلال الساعات التي أعلن الرئيس الأميركي عن التوصل إلى هدنة لوقف إطلاق النار بينهما. وأتى وقف إطلاق النار الذي أعلن عنه ترمب بعد مرور قرابة أسبوعين على الهجمات المتبادلة بين إسرائيل وإيران، والتي تدخلت فيها الولايات المتحدة عسكرياً، عبر قصف ثلاثة مقرات نووية إيرانية، على الرغم من أن ترمب أعلن منذ مدة طويلة عن كرهه للتدخل العسكري.

في مؤتمر صحفي عقد يوم 24 حزيران، قال ترامب أمام الصحفيين: “لست سعيداً بإيران، ولست سعيداً البتة بإسرائيل”، وذلك في أثناء حديثه عن الغارة الصاروخية الإيرانية التي تذرعت بها إسرائيل للانتقام من إيران، ووصف تلك الغارة الصاروخية بأنها كانت عبارة عن: “صاروخ واحد لم يصب شيئاً”، وأضاف: “بمجرد أن عقدنا الاتفاق، خرج الإسرائيليون وأسقطوا وابلاً من القنابل لم أشهد له مثيلاً من قبل”.

وفي اليوم ذاته، نشر الرئيس الأميركي عبر منصة  Truth Social هذا المنشور: “يا إسرائيل! لا ترم هذه القنابل! لأنك إن فعلت فإن ذلك يمثل انتهاكاً كبيراً، لذا أعيدي طياريك إلى وطنهم، الآن!” بعد ذلك بدا نتنياهو كمن يلتزم بتحذير ترمب، مع استمرار الالتزام بوقف إطلاق النار الهش، كما بدت الصداقة التي تربط بينه وبين ترمب أقوى مما كانت عليه في السابق.

ومع ذلك، مايزال الخبراء يحذرون من السخط الظاهري الذي تبديه إدارة ترمب، وذلك لأنه من غير المرجح له أن يفضي إلى أي تغير حقيقي في العلاقات الثنائية بين البلدين، إذ تقول الصحفية فيليس بينيس وهي عضوة في معهد الدراسات السياسية ومديرة مشروع الأممية الجديدة التابع لذلك المعهد: “من المؤكد أن ترمب يبدي بعض السخط المتقطع تجاه نتنياهو، ثم إن ترمب يغير تركيزه بشكل منفصل ليعود ليهتم بإعطاء الأولوية لعلاقاته القائمة على مصالح تجارية مع جهات أخرى في المنطقة، وخاصة دول الخليج.. لكني أعتقد أنه من الخطأ مساواة تلك الحقائق بتغيير موقفه تجاه إسرائيل”.

أما فيغيروا فيرى أن: “إدارة ترمب أبدت سخطها على نتنياهو من قبل، لكنها لم تترجم ذلك لأي شيء سوى دعم كامل في المجال المادي والدبلوماسي، لذا من الصعب أن نتخيل وجود أي خط أحمر يمكن تجاوزه بما يمثل نقطة تحول بالنسبة لترمب”.

المصدر: Time

تلفزيون سوريا

————————————

في المقاربتين الأميركية والإسرائيلية حيال سورية/ حسين عبد العزيز

24 يوليو 2025

على الرغم من اعتراف الرئيس الأميركي، دونالد ترامبـ، في ولايته الأولى بضم الجولان إلى إسرائيل، وعلى الرغم من الدعم الأميركي الهائل الذي تحصل عليه إسرائيل منذ 7 أكتوبر (2023)، إلا أن المقاربتين الأميركية والإسرائيلية حيال سورية ليستا متطابقتين.

عشية سقوط نظام الأسد، كان ترامب غير مبالٍ حيال سورية، وقد صرح في 7 ديسمبر/ كانون الأول الماضي بأن “سورية في حالة فوضى، لكنها ليست صديقتنا، لا ينبغي للولايات المتحدة أن تُشارك في هذا، هذه ليست معركتنا، دعها تُحسم، لا تتدخّلوا”. ولكن بعد سجال أميركي داخلي بين تيارين، أحدهما يطالب بالانفتاح على سورية الجديدة والآخر يصر على إبقاء القطيعة الأميركية، قرّر ترامب اعتماد التيار الذي يمثله وزير الخارجية ماركو روبيو وآخرون، بعدما تعرض لمطالب مشابهة من أنقرة، والرياض، والدوحة، وعمّان.

جاء لقاء ترامب بالرئيس السوري أحمد الشرع، في الرياض، ليتوج هذا المسار التصالحي، ويجعل من ترامب غير نادم على اتخاذه هذا المسار، خصوصاً بعدما سمع من الشرع موافقته على المطلب الأميركي استعداده لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية، واستعداده للتكفل بالسيطرة على المقاتلين الإسلاميين غير السوريين في سورية. ومنذ ذلك اللقاء، وإعلان ترامب رفع العقوبات الاقتصادية عن سورية، برز التباين بين الولايات المتحدة وإسرائيل حيال دمشق: بالنسبة لإسرائيل، تشهد سورية أسوأ حالاتها التاريخية، فلا تمتلك أبسط مقومات الدولة والقوة، وهذه فرصة تاريخية لإسرائيل لفرض أجنداتها المُعلنة والدفينة معاً. ولا يتعلق الأمر بالهيمنة الكاملة على الجولان، والبقاء في المناطق التي سيطرت عليها داخل الجغرافيا السورية بعيد سقوط نظام الأسد، لا سيما قمم جبل الشيخ (حرمون) فحسب، بل التحوّل إلى لاعب سياسي داخل سورية من خلال التيار الذي يترأسه شيخ عقل الدروز حكمت الهجري.

ووفقاً لمحللين وكتّاب إسرائيليين، تقوم المقاربة الإسرائيلية على تقسيم سورية إلى كانتونات عدة: درزي، وكردي، وإذا سمحت الظروف بكانتون علوي، وإن كان الأخير صعباً لأسباب عديدة، منها الانتماء العروبي العالي في الأوساط العلوية. وربما لم تكن مصادفة أن يطلب الهجري من قوات سوريا الديمقراطية (قسد) فتح ممر برّي بين السويداء ومنطقة الجزيرة السورية (ممر داود). وستتيح لها هذه الكانتونات التي ترى إسرائيل إمكانية تحققها في الحالتين الدرزية والكردية أن تكون لاعباً اجتماعياً وسياسياً في سورية إلى جانب دورها العسكري، غير أن إسرائيل، التي تدرك في المقابل أن ثمة دروزاً كثيرين لن يتخلوا عن انتمائهم العروبي السوري، ولا يجدون كينونتهم الوجودية مع إسرائيل، تعمل على تأجيج الوضع الطائفي أكثر ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً، وربما أحداث السويداء أخيراً كانت الفخّ الذي نصبته للشرع، وهو ما عبر عنه وزير الخارجية الأميركي بطريقة مهذّبة، حين قال إن ثمة سوء تفاهم جرى.

مقاربة الولايات المتحدة لسورية أوسع بكثير من المقاربة الإسرائيلية، لأن واشنطن تأخُذ بالاعتبار مصالح حلفائها في المنطقة من جهة، وتدرك أهمية موقع سورية الجغرافي من جهة أخرى في استقرار المنطقة.

من وجهة نظر أميركية، يمكن تحقيق المطالب الإسرائيلية المتعلقة بأمنها الاستراتيجي، مثل إجراء تفاهم حول الجولان يرضي الطرفين، والبقاء في قمم جبل الشيخ على المديين القريب والمتوسط، وإقامة منطقة آمنة جنوبي سورية، لا تدخلها أسلحة ومعدّات عسكرية ثقيلة، وما إلى هنالك.

هذه المطالب مفهومة بالنسبة لواشنطن، ويمكن تحقيقها ضمن اتفاق سلام مع سورية، غير أن استمرار القصف الإسرائيلي على سورية، والعمل على تأجيج الوضع الطائفي، والعمل على تقسيم البلد، أمور تتعارض مع رؤية الولايات المتحدة التي تسعى وتؤكد على ضرورة إقامة دولة سورية موحدة. وتقسيم سورية فكرة منبوذة من كل الدول الإقليمية والدولية باستثناء إسرائيل، لأنها ستجعل من الشرق الأوسط بركاناً متحركاً يُلقي بحممه على المنطقة.

تركز مقاربة ترامب، الراغب بأن يحصل على جائزة نوبل للسلام، على تعافي سورية سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، لتصبح جزءاً من معادلة إقليمية متصالحة مع إسرائيل من جهة، وجبهة لمحاربة التطرف الإسلامي الراديكالي، على غرار تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) من جهة أخرى. … وضمن هذا التباين الأميركي ـ الإسرائيلي، يمكن للشرع أن يلعب بدهاء سياسي لتغليب المقاربة الأميركية على الإسرائيلية، في ظل انعدام أي مقاربة عربية مغايرة.

العربي الجديد

————————

 مشروع “لولار” يفجّر خلافاً.. الكونغرس منقسم على مستقبل قانون قيصر

ربى خدام الجامع

2025.07.23

في وقت تشهد واشنطن نقاشات محتدمة حول مستقبل العقوبات على سوريا، كشف تقرير نشرته منصة Semafor أن الضغوط المتزايدة لفرض حزمة شروط جديدة أربكت التحالفات الحزبية التقليدية داخل الكونغرس الأميركي. فمشروع القانون الذي قدمه النائب مايك لولار الأسبوع الماضي أشعل جدلًا حادًا بين الجمهوريين والديمقراطيين على حد سواء، في ظل تساؤلات حول توقيته، وجدواه، وتأثيره المحتمل على السياسة الأميركية في سوريا والشرق الأوسط.

يعرض موقع تلفزيون سوريا هذا التقرير في إطار التغطية الإعلامية للملفات المتعلقة برفع العقوبات الأميركية عن سوريا، مع الإشارة إلى أن ما ورد فيه يعكس رؤية الصحيفة ومصادرها، ويُقدّم كمادة تحليلية تساعد على فهم طريقة تناول الإعلام الدولي للملف السوري، دون أن يُعد توثيقاً شاملاً لكامل المشهد أو تبنياً لاستنتاجاته.

وفيما يلي ترجمة موقع تلفزيون سوريا لهذه المادة:

إن الضغط الذي مارسه أحد النواب الجمهوريين لإعادة النظر بشكل جذري في العقوبات المفروضة على سوريا قلب التحالفات الحزبية الراسخة في واشنطن، وأثار انقسامات في كلا الحزبين، كما أثار تساؤلات حول موقف البيت الأبيض.

تقدمت لجنة الخدمات المالية التابعة لمجلس النواب الأميركي يوم الثلاثاء بمشروع قانون طرحه النائب مايك لولار عن ولاية نيويورك، يسمح للرئيس دونالد ترمب برفع أهم العقوبات المفروضة على سوريا بشكل دائم وذلك في غضون عامين طالما بقيت حكومة سوريا الجديدة تحقق جملة من الشروط، ومن بينها إطلاق سراح السجناء السياسيين الذين احتجزهم نظام الأسد.

سبق لترامب أن رفع معظم العقوبات المفروضة على سوريا من خلال أمر تنفيذي صدر ليساعد رئيس سوريا الجديد والمقاتل السابق أحمد الشرع، على تحقيق هدفه المعلن المتمثل بانفتاح البلد على فرص تجارية جديدة. إلا أن عدداً معتبراً من النواب التابعين لكلا الحزبين شككوا بعملية التبني السريعة التي أبداها ترمب تجاه رئيس سوريا الجديد، كما عقّدت أحدث الغارات الإسرائيلية على سوريا المسار السياسي المحفوف بالصعاب في اللحظة الراهنة.

اصطفافات وتحزبات

في خضم هذا السياق، تسبب المقترح الذي تقدم به النائب لولار والذي يقضي بفرض شروط على ما تبقى من عقوبات أميركية فرضت على سوريا، بظهور اصطفاف فريد من نوعه ضم محافظين وتقدميين فضلوا رفع العقوبات بشكل كامل.

وفي استعراض آخر للتحزبات، ساعد نائبان ديمقراطيان من الوسط، وهما النائب براد شيرمان عن ولاية كاليفورنيا وجوش غوتثيمير عن ولاية نيوجيرسي النواب الجمهوريين في طرح خطة لولار، ثم انضم النائب بايرون دونالدز وهو صديق لترمب إلى غيره من النواب الديمقراطيين الذين رفضوا ذلك المقترح.

وتعليقاً على ذلك يقول النائب لولار: “إن الهدف هنا مباشر للغاية، ويتمثل بالسماح بشكل فعلي لهذه الحكومة بتثبيت أركان حكمها وتحقيق النجاح، وحتى يتم لها ذلك، لابد من توفر تعاون اقتصادي، كما لا مفر من البدء بتخفيف العقوبات”.

غير أنه أضاف: “أرى أنه من الحمق رفع كل العقوبات على الفور من دون أن يستقر الوضع فعلاً على الأرض” وذلك في إشارة إلى احتمال حدوث: “انقلاب ضد تلك الحكومة الوليدة أو تعرضها للانهيار”.

“وضع حساس”

بموجب القانون الحالي، بوسع ترمب رفع ما بقي من عقوبات أميركية مفروضة على سوريا، والتي فرضت بموجب قانون يعرف باسم قانون قيصر، على أن يمدد ذلك كل 180 يوماً. أما مشروع قانون لولار فيمنح الإدارة الجديدة عامين حتى تصدّق على تحقيق الحكومة السورية الجديدة لجملة الشروط المحددة لها وذلك قبل رفع العقوبات بصورة نهائية.

ومن بين النواب الذين دافعوا عن فكرة رفع العقوبات بشكل كامل بدلاً من اللجوء إلى الحل الذي خرج به لولار، النائب المحافظ جو ويلسون، الذي طالب اللجنة بـ”إعادة النظر” بهذا الإجراء، ورئيسة لجنة الخدمات المالية من الحزب الديمقراطي، النائبة ماكسين ووترز عن ولاية كاليفورنيا. كما ذكر ويلسون بأنه أيد التعديل لمشروع قانون لولار الذي تقدمت به ووترز يوم الثلاثاء الماضي لكنه مني بالفشل، وعلق على ذلك بالقول: “حسناً، إنها على حق، وأنا ممتن لذلك جداً، فلقد ألمح الرئيس إلى رغبته بمنح سوريا فرصة، والطريق لتحقيق ذلك يتمثل برفع العقوبات كلها، وذلك حتى تعرف الأنشطة التجارية بأنه بات بوسعها الاستثمار [في سوريا]”.

طرأ انقسام بين بعض النواب الديمقراطيين قبل عملية التصويت، وذلك لأن “الوضع حساس” برأي النائب غريغ ميكس والرئيس الديمقراطي للجنة الشؤون الخارجية التابعة لمجلس النواب، وخلال توجهه إلى قاعة اللجنة، صرح ميكس بالقول: “إنكم ترفعون كل العقوبات دفعة واحدة، فما الذي يعينه ذلك؟ وفي الوقت عينه، تريدون أن تتأكدوا من حدوث تقدم مستمر في ذلك الاتجاه”، ثم أضاف “قد أحدثكم عن قناعاتي الحقيقية عندما أخرج”، وانتهى الأمر به إلى التصويت ضد مشروع هذا القانون.

معلومات إضافية

لا يجوز للرئيس رفع العقوبات التي فرضها قانون قيصر بشكل دائم من دون أن يلغي الكونغرس ذلك القانون (أو أن يبقيه ساري المفعول حتى عام 2029).

وفي الوقت الذي أصدرت إدارة ترمب إعفاء جديداً من العقوبات لمدة ستة أشهر في أيار الماضي، يرى النواب المؤيدون والمعارضون لهذا القرار بأن تخفيف العقوبات لفترة قصيرة يصعب التسهيلات المعنية بإحداث نمو اقتصادي على المدى البعيد في سوريا، وذلك بسبب عدم تيقن المستثمرين بشكل مؤكد من رفعها بما يسمح لهم باتخاذ قرارات بعيدة المدى.

يعلق على ذلك النائب فرينش هيل عن ولاية أركانساس ورئيس لجنة الخدمات المالية، فيقول: “ما يحاول لولار فعله هو أن يقول: إننا نريد تخفيفاً للعقوبات، ونريد للأموال أن تتدفق وتعود إلى ذلك البلد، ولكن كيف نفعل ذلك بطريقة صحيحة؟ إن لولار لم يضف برأيي أي زيادة في مقترحه”.

وأضاف هيل: “يتمتع الرئيس بتلك الحريات، ولكن في مشروع القانون هذا، يمنح إعفاء قانونياً لا يتمتع به، أي أن مشروع القانون هذا مشروع قانون متوازن”.

في حين أقر لولار بأن: “موقف الإدارة سيكون حاسماً” فيما يتصل بحشد الدعم الكافي في مجلس النواب ومجلس الشيوخ.

أما النائب شيرمان فأعرب عن قلقه تجاه رفع العقوبات بعد العنف الطائفي الذي شهدته سوريا والذي أسفر عن مقتل مواطن أميركي خلال الأسبوع الماضي، فصوت بنعم بعد أن وافق لولار على تبني التعديل الذي تقدم به والذي يضيف شرطاً جديداً بالنسبة لرفع العقوبات وهو اتخاذ: “خطوات منطقية.. لحماية الأقليات الدينية والعرقية”.

وفي الوقت الذي تحاول إدارة ترمب ضم سوريا إلى الاتفاقات الإبراهيمية، أبدى لولار تفاؤله تجاه مقترحه الذي يمكن أن يتحول إلى أداة نافعة في هذا المضمار، فلقد وعد الرئيس الأميركي الرئيس السوري الجديد في أيار الماضي بتخفيف العقوبات في حال وافقت دمشق على السير في مسار تطبيع العلاقات مع إسرائيل.

يعلق لولار على ذلك بقوله: “يمكن لذلك عند تطبيقه أن يستخدم كوسيلة يتم من خلالها الإسهام بشكل فعلي في تطبيع العلاقات الاقتصادية مع الإسرائيليين”.

وذكر لولار أن لجنة الشؤون الخارجية التابعة لمجلس النواب والتي تتمتع هي أيضاً بسلطة قضائية على العقوبات المفروضة على سوريا، يجب أن تقوم هي أيضاً بإضافة تعديلاتها على مشروع القانون، وأضاف ميكس بأن اللجنة بنظره تمثل أفضل مسار لمزيد من النقاشات حول هذا المقترح.

محل الخلاف

تقدم من يدافعون عن إلغاء قانون قيصر بحجتين أساسيتين، إذ ذكر الجمهوريون بأن ذلك يمد ترمب بأقصى مرونة ممكنة، فيما رأى الديمقراطيون بأنه يمثل أفضل رهان لحماية السوريين.

وتعقيباً على ذلك، قالت النائبة رشيدة طليب عن ولاية ميتشيغان: “لا تتمتع العقوبات بفعالية بالنسبة للهدف المطروح، لأن الشعب السوري هو المتضرر على الأرض بسبب تلك العقوبات”.

وفي نشرة صحفية صدرت يوم الثلاثاء، أعلنت فرقة الطوارئ السورية بأن مشروع القانون “يخالف جدول أعمال الرئيس ترمب المتمثل “بمنح سوريا فرصة”، كما يقف ضد مسألة السماح بظهور استثمارات طويلة الأجل”.

يعزى قدر كبير من التشكيك بمشروع قانون لولار إلى الإطار الزمني القصير نسبياً الذي طرح فيه، فقد تقدم لولار بمقترحه خلال الأسبوع الماضي، وهذا لم يترك وقتاً كافياً للأعضاء حتى يقرروا كيفية التعامل معه.

وبأي حال من الأحوال، يبقى نهج إدارة ترمب هو الفيصل، إذ في حال تصديقه على مشروع القانون، سيصبح مقترح لولار قانوناً، وفي حال حاولت الإدارة أن تدوس على المكابح وأن تعرقل المشروع، عندئذ لا بد أن يتراجع زخم هذا المقترح.

—————————————-

أبناء وسيوف وقتَلة/ سلمان عز الدين

في سوريا أنت إما ابن أكثرية أو ابن أقلية، وفي كلا الحالتين عليك أن تصمت الآن. هكذا يقول لك الآخرون: عليك أن تصمت. فإذا كنت ابن أكثرية فأنت عند الآخرين شبيح جديد، منحبكجي العهد الحالي وتدافع عن السلطة في السراء والضراء. أما إذا كنت من أقلية فأنت عند الأولين انفصالي، طائفي، تغلب هويتك الصغيرة على الهوية الوطنية الجامعة، ولا تريد الخير لمشروع الدولة الجديدة.

وانا لست استثناء بالطبع، أنا سوري أيضًا، فإما أنني أكثري أو أقلوي، ولا خيار ثالث متاح، وعلي بالتالي أن أصمت.

طيب لماذا أكتب الآن إذًا؟ لماذا أتكلم؟

ببساطة لأن الموقع الذي أكتب فيه (الترا سوريا) يعطي راتبًا شهريًا على الكلام وليس على الصمت. وإدارته لم ترق بخيالها بعد لأن تشتري بنقودها “الذهب” بدلًا من “الفضة”.

* *  *

قال لي صديقي الدمشقي الذي يعيش منذ عشرين سنة في إسبانيا: لقد كنت ناقدًا شرسًا للهجري، وكتبت عنه بضع مقالات تنطوي على موقف سلبي بالمطلق، فما لي أراك الآن ساخطًا على الحكومة، خصمه، وتحملها المسؤولية الأكبر في أحداث السويداء؟ لقد حيرتني!

قلت: أنت تعيش في إسبانيا، وتحمل جنسيتها. ودعك من قصة كاتالونيا. هناك إقليم أصغر اسمه “الباسك” فيه تيار انفصالي قوي ولطالما سبب صداعًا للإسبان، فهل شهدت طيلة إقامتك هناك حملة على هذا الإقليم من الأمن العام ووزارة الدفاع الإسبانية مع “مجموعات إسبانية منفلتة” تضم عناصر يهتفون: “جئنا نذبحكم أيها الباسكيين أولاد الـ.. والـ.. وسنفعل بكم كذا وكذا” ثم يفعلون حقًا، يحرقون بيوتًا ويقتلون عزلًا ويعفشون محلات تجارية ويذلون أبرياء؟

هل شهدت الأمن الإسباني يقيم الحواجز ليصطاد عليها الباسكيين وينكل بهم فقط لأنهم باسكيون ودون أن يسألهم إن كانوا انفصاليين أم لا؟

ورويت له قصة شخصية: منذ سنوات بعيدة، كلفتني صحيفتي التي كنت أعمل بها بإجراء حوار مع مدير معهد “ثرفانتس” الإسباني في دمشق. كان الرجل يهم بترك منصبه والعودة إلى بلاده، وكان محبوبًا في العاصمة السورية، ولديه فيها صداقات حميمة مع كتاب ومثقفين. وأراد رئيس تحريري يومذاك أن يكرمه ولو بحوار صحفي متواضع.

جلست أمام المدير الإسباني مرتبكًا، ولأكسر الجليد رحت أستعرض أمامه أسماء الكتاب الإسبان الذي قرأت لهم، وما إن وصلت إلى برناردو أتشاغا حتى صاح مبتهجًا: “أتشاغا! تعرفه؟ هذا صديقي وابن منطقتي، هو من الباسك أيضًا”. لم أستطع إخفاء دهشتي، ولم يعرف الرجل تفسيرها، وما بين دهشتي ودهشته من دهشتي، ضاعت السيدة المترجمة بيننا، فقررتُ تغيير الموضوع إلى سؤال آخر.

قهقه صديقي وقال: يا لك من ساذج واهم. ثم راح يسرد علي قصصًا أقل وردية من تاريخ إسبانيا ومن سيرة فرانكو، ثم عرج على ما فعله الإنكليز بالاسكتلنديين والإيرلنديين، قبل أن يصلوا معهم إلى الصيغة الحالية التي نراها مثالية. ثم انتهى بالطبع إلى الزمن الأوروبي الأثير على قلوبنا، العصور الوسطى، واستفاض في شرح ما فعلته هذه الطائفة بتلك، والجماعة الفلانية بالجماعة العلانية..

قلت: حسنٌ جدًا؟ وهل قدرنا أن نعيش إلى الأبد في عصور الأوروبيين الوسطى، ألا يحق لنا؟ ألا يتوجب علينا التفكير بأن نعيش في قرنهم الواحد والعشرين؟ هل الحكمة تقتضي أن نبدأ من حيث بدأوا أم من حيث انتهوا؟

وسألته: هل تعرف أحدًا في السويداء؟

قال: بصراحة لا.

قلت: أنا أعرف الكثيرين، وأقسم لك أن جميع من أعرف كانوا يتوقون إلى الخلاص من ظل الفصائل هناك، وإلى الانعتاق من الهوية الضيقة إلى مشروع الوطن الأكبر. كان لديهم أسئلة وشكوك من الحكم الجديد، مجرد أسئلة وشكوك، ولكن يومًا بعد يوم، من أحداث الساحل إلى أحداث جرمانا وصولًا إلى أحداث الأشرفية وصحنايا، تحولت أسئلتهم وشكوكهم إلى مخاوف وكوابيس، ولك أن تتخيل في أي تيه هم الآن، بعد أحداث السويداء.

وإذا ما سألني أحدهم رأيي، فهل أستطيع أن أنصحه مجددًا باللجوء إلى حضن الدولة؟ من حقه أن يسألني: “عن أي حضن تتحدث؟!”، وهو لا يفكر اليوم إلا بحضن مرعب وحيد. حضن “عنصر من فصيل منفلت” يقيده بحميمية إلى كرسي ويخرج مقصه ليطرقع به بتلذذ قبل أن يشرع بقص شاربيه.

هل عرفت يا صديقي لماذا أنا حانق على الحكومة أكثر من أي طرف، علمًا أنني ما زلت حانقًا على آخرين كثر؟

في يد الدولة، أي دولة وكل دولة، وإذا ما كان ادعاؤها بأنها دولة صحيحًا، مفتاح الحل، وإذا لم تكن تملكه، أو إذا كانت قد أضاعته، أو إذا كان بحوزتها ولا تريد استخدامه، فهنا الطامة الكبرى.

* * *

شكا لي جاري وصديقي من أولاده الثلاثة. قال إنه اكتشف منذ نحو ثلاث سنوات أنهم يتحدثون بلغة أخرى مختلفة تمامًا عن لغته ولغة أخوته وأصدقائه. كان أولاده يفرطون في استخدام التعابير الطائفية والمذهبية، ويصنفون الأشخاص ويسبغون عليهم صفاتهم وفق توزعهم على “المكونات”.

قال: قررت أن أخضعهم لدورة تأهيلية وطنية، واستعنت بعدتي من المصطلحات والحكايات وسير المعارف والجيران والأصحاب. وبدا أن الدورة قد حققت أهدافها، غير أنني منذ ثلاثة أشهر جوبهت بثورة عنيفة منهم. صاحوا في وجهي: “بابا.. كفى خداعًا. نحن لا نشبههم وهم لا يشبهوننا. إنهم يكرهوننا”.

 وقال: كانت صدمتي كبيرة. غلبتني دموعي. أجل لقد بكيت بحرقة.

ذكرته بعبارة قرأناها في كتاب نحبه كلانا، وصف للثورة الإسلامية الإيرانية بأنها “نتيجة لتحالف الأبناء والأجداد ضد الآباء”.

نعم فلقد قفز كثير من أبنائنا فوق رؤوسنا وعادوا لاستخدام مفردات ورؤى آبائنا/ أجدادهم، غير أن الأجداد عاشوا في زمن كان فيه استرخاء فلم يضطروا إلى تجسيد مقولاتهم في حفلات قتل جنونية، أما أبناؤنا، كثير من أبنائنا وفي مختلف الانتماءات والجماعات، فهم يبدون حماسًا لسن السكاكين والسواطير.

لست خائفًا على أبناء صديقي من أن يصلوا إلى هذا الحد، ففضلًا عن أنهم ورثوا عنه الطيبة والاستقامة، فقد ورثوا كذلك الخوف الغريزي من السلاح ومنظر الدم.

 وبمناسبة الحديث عن السواطير والسكاكين والبلطات. ألم تلاحظوا العدد الكبير منها الذي ظهر في معاركنا الأخيرة؟ ما الحكاية؟! ألا يوجد عدد كاف من المسدسات والرشاشات والبنادق الآلية؟ يوجد بالطبع والكثير الكثير. ولكن البنادق وشقيقاتها هي أسلحة “موديرن”، تنفع كأدوات عملية لقتل أوسع، أما البلطات والسيوف والسواطير فهي دليل على الأصالة، على التراث التليد، ومناسبة أكثر للعقلية التي ظننا أننا ودعناها إلى الأبد، وإذا بنا اليوم أمام من يتوق إلى استعادتها، طازجة بشحمها ولحمها وكامل عتادها.

الترا سوريا

——————————

=======================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى