التأسيس الدستوري والاستقلال الوطني في سوريا بعد الانتداب الفرنسي/ سلطان الإبراهيم

سوريا استقلت عن الانتداب الفرنسي في نيسان/ أبريل 1946
2025-07-27
سجّل يوم السابع عشر من نيسان/ أبريل عام 1946، خروج آخر جندي فرنسي من سوريا منهياً انتداباً دام أكثر من عشرين عاماً، وفاتحاً لفصل جديد من حياة الدولة السورية وصف بالمفصلي بعد صعود نخب وتيارات وأحزاب وطنية تتبنى فكرة الدولة الوطنية مستفيدة من تجربة سنوات الانتداب وتجارب دول غربية، قطعت أشواطاً في اتجاه تبنى نظم ديموقراطية تقوم على مفهوم الجمهورية والبرلمان وحكم الشعب.
تشكيل جمعية تأسيسية
انتخب في العام 1946 شكري القوتلي، رئيساً للبلاد وجرى العمل على تشكيل جمعية تأسيسية تتولى إصدار التشريعات وإدارة البلاد وبدأت أولى جلساتها في كانون الأول/ ديسمبر 1949، وانتخب رشدي كيخيا أمين عام “حزب الشعب” رئيساً لها، وبرز العمل السياسي بشكل كبير لأحزاب نشأت خلال فترة الانتداب ذات مرجعيات وإيديولجيات مختلفة، لكن وصفت المرحلة بأنها تجربة ديموقراطية فريدة في تقاطع بين المؤسسات الدينية والأحزاب وضباط العسكر والجيش الذين احتكوا بالتجارب الغربية، وكانت سوريا تشهد تعاف اقتصادي كبير، قبل أن تدخل في موجة انقلابات عسكرية، غيرت المشهد وأثرت على شكل الحكم والتداول السياسي في السنوات اللاحقة.
وضع حسني الزعيم الذي نفذ أول انقلاب عسكري بالبلاد في آذار/ مارس، أطاح خلاله بالرئيس شكري القوتلي، دستوراً انتهى مع الانقلاب عليه من قبل سامي الحناوي، تضمن بعض التغييرات في النظام السياسي والقانوني وصفت بأنها أولى مراحل قضم التجربة الديموقراطية الناشئة، ونص على إجراء انتخابات رئاسية مباشرة، وهو ما لم يكن معمولاً به في السابق حيث كان يتم انتخاب الرئيس من قبل البرلمان، كما تضمن توسيع صلاحيات الرئيس وإعطائه الحق في حل “مجلس الشعب”، وأعطى المحافظين سلطات مدنية وعسكرية، وأنشأ محكمة دستورية عليا لمراقبة البرلمان وعمل الوزارة.
تدخل الجيش في السياسة
ويعتبر انقلاب حسني الزعيم، أول تدخل للجيش في الحياة المدنية بالشرق الأوسط الحديث، ووصفت فترة حكمه بغير المستقرة تنظيمياً وإدارياً بسبب قلة الخبرة السياسية لديه ولدى المسؤولين المساندين له، وعدم وجود خبراء إداريين وسياسيين يساندونه، رغم وجود العديد من الأحزاب السياسية الناشطة.
لكن ينظر إلى حكمه بأنه سعى لترسيخ الثقافة الليبرالية، إلا أن انقلاباً جديداً بقيادة سامي الحناوي (قائد الجيش في عهد الزعيم) أطاح به، أيده في ذلك إجراءات الزعيم وقراراته الفردية التي تركت انطباعاً سلبياً وإحباطاً لدى القوى الحزبية والاجتماعية.
ونقل الحناوي بشكل فوري السلطة من الجيش إلى حكومة مدنية مؤقتة برئاسة هاشم الأتاسي، وتمت الدعوة لانتخاب جمعية تأسيسية للدستور، وقدمت الحكومة مشروع دستور مؤقت تضمن إصلاحات تنفيذية وتشريعية، وأعطيت الحكومة صلاحيات لمدة ثلاثة أشهر، وتم تعديل قانون الانتخاب الصادر عام 1947، لتحقيق مشاركة أكبر للمواطنين في عملية صنع القرار السياسي، ومنح المرأة المتعلمة حق الانتخاب، وتم التوافق على إلغاء الطائفية السياسية في الانتخابات والدولة الوطنية، وإجراءات أخرى.
أول دستور شامل
وأقرت الجمعية التأسيسية السورية في عام 1950، دستوراً جديداً وصف بأنه الدستور الأول الأكثر شمولاً في البلاد، ونص على أن سوريا جمهورية ديموقراطية نيابية ذات سيادة تامة، وهي وحدة سياسية لا تتجزأ ولا يجوز التخلي عن جزء من أراضيها، والسيادة للشعب وحده، يمارسها ضمن الأشكال والحدود المقررة بالدستور، ودين رئيس الجمهورية هو الإسلام والفقه الإسلامي مصدر للتشريع.
كما أن حرية المعتقد مصونة والدولة تحترم جميع الأديان السماوية وتكفل حرية القيام بالشعائر الدينية على ألا يخل ذلك بالنظام العام، واللغة العربية هي اللغة الرسمية للبلاد، ويكون شكل علم البلاد مستطيلاً طوله ضعفا عرضه وذو ألوان ثلاثة متساوية متوازية أعلاها الأخضر فالأبيض فالأسود، ويحتوي القسم الأبيض على ثلاثة كواكب حمر خماسية الأشعة.
تشكيل ماهية الدولة
يقول المحلل السياسي السوري مصطفى النعيمي، إن “تجربة الجمعية التأسيسية والدستور الوطني الأول في سوريا عام 1949 بعد الاستقلال عن فرنسا، كانت حاسمة في تشكيل ماهية الدولة السورية الحديثة، حيث شهدت تلك الفترة تجربة ديموقراطية مهمة تمثلت بانتخاب جمعية تأسيسية مهمتها صياغة دستور جديد للبلاد، جاءت بعد سلسلة من الانقلابات العسكرية”.
ويضيف لـ”963+”: “يعتبر الدستور الصادر عام 1950، الذي أقرته الجمعية التأسيسية من الدساتير المتقدمة في المنطقة آنذاك، وقد تضمن مبادئ ديموقراطية مثل الفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، وإعطاء مزيد من حرية التعبير والصحافة والتجمع وحقوق الملكية، وإقرار النظام البرلماني والعدالة الاجتماعية، حيث عكست هذه التجربة تطلعات النخب السياسية والمجتمعية في بناء دولة حديثة وديموقراطية تقوم على أسس دستورية واضحة”.
ويؤكد، أن “النخب والأحزاب السياسية السورية التي برزت بعد سنوات الانتداب الفرنسي، كانت عاملاً محورياً في التوجه نحو بناء الدولة الوطنية وصياغة الدساتير، هذه النخب التي تشكلت من محامين ومثقفين وزعامات وطنية، كانت لديها رؤى واضحة لبناء دولة حديثة ومستقلة، وآمنت بضرورة تأسيس نظام دستوري يضمن الحريات ويحقق الاستقرار”.
ويوضح أن “الصراعات الإقليمية والدولية كانت أقل حدةً وتعقيداً في تلك الفترة مقارنة بالوقت الحاضر، وهذا لا يعني غيابها بالكامل، لكنها لم تصل لمستوى التقعيد والتشابك الذي نشهده اليوم، حيث أنه بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وبداية حقبة الاستقلال، كان هناك هامش أكبر للحركة السياسية الداخلية في سوريا لبناء مؤسساتها، إلى جانب أن هناك إجماعاً وطنياً حول فكرة الدولة المستقلة، ولم تكن الأجندات الخارجية تسيطر على المشهد السياسي بالقدر الذي آلت إليه الأمور لاحقاً، وهذا المناخ سمح للنخب بالتركيز على بناء الهوية الوطنية وصياغة الأطر الدستورية والقانونية، وعليه يمكن القول إن دور النخب والأحزاب كان أساسياً في صياغة النماذج الدستورية ومحاولات بناء الهوية الوطنية”.
ويؤكد خبراء، أن مرحلة ما بعد الانتداب الفرنسي شكّل نقطة تحوّل محورية في التاريخ السياسي لسوريا، حيث بدأت الدولة بمحاولات جادة لتأسيس مؤسساتها الوطنية وتشكيل هوية سياسية مستقلة، وأرست هذه المرحلة رغم التحديات الكبيرة التي واجهتها، مثل الانقلابات العسكرية والتجاذبات الإقليمية والدولية، أسس الحياة السياسية الحديثة، وفتحت الباب أمام الحركات الوطنية والأحزاب السياسية للتعبير عن رؤاها لبناء الدولة. ولا يمكن فهم الواقع السياسي السوري الراهن دون العودة إلى هذه تلك التي حملت في طياتها بذور الطموح لبناء دولة ذات سيادة.
وبشأن إمكانية إعادة إنتاج تجربة ديموقراطية جديدة في سوريا، يرى النعيمي، أن “تطلعات السوريين اليوم نحو الديموقراطية على غرار تجربة ما بعد الاستقلال لا تزال قائمة، رغم أن الظروف تختلف جذرياً حيث أن البلاد تعيش صراعاً مسلحاً متعدد الأطراف منذ سنوات أدى لتفكك اجتماعي إلى جانب التدخلات الخارجية، وفي ظل غياب الأجماع الوطني على نموذج الحكم المستقبلي، لذلك فإن إعادة بناء الدولة تتطلب بالنهاية عملية سياسية شاملة ومشاركة واسعة من جميع المكونات، ويمكن أن تكون المبادئ التي وضعها دستور عام 1950 نقطة انطلاق للنقاش”.
وينظر إلى الدساتير والإعلانات الدستورية الصادرة في مرحلة ما بعد الاستقلال عن الانتداب الفرنسي وصولاً إلى مرحلة وصول “حزب البعث” إلى السلطة في ستينيات القرن الماضي، والتحول إلى حكم الحزب الواحد، على أنها تجارب ديموقراطية فريدة ومبكرة في دولة ناشئة يتم إعادة تشكيلها على الأسس الحديثة بعيداً عن الانتدابات وحكم الدين أو المرجعيات، يكون التداول السياسي فيها للنخب والأحزاب المبنية على قواعد شعبية، لكن هذه التجارب تم الإجهاز عليها بعد صعود العسكر إلى الواجهة والصراعات بينهم وبين النخب السياسية والتوجه نحو حكم أكثر شمولية.
+963



