الدولة والحكومة والنظام السياسي في سورية/ مزيد الكريدي

23 يوليو 2025
لطالما شكّل الخلط بين مفاهيم الدولة، الحكومة، والنظام السياسي إحدى السمات البنيوية في الحياة السياسية السورية، ليس فقط على مستوى الممارسة السياسية بل أيضاً على مستوى الخطاب الرسمي والوعي العام. فقد عمد نظام الحكم في سورية، منذ عهد حافظ الأسد، إلى إنتاج بنية سلطوية تجعل من النظام السياسي كياناً شاملاً يتماهى مع الدولة، ويحتكر تعريفها، ويمنح لنفسه شرعية تمثيلها المُطلقة. هذا التماهي لم يكن محض صدفة، بل كان مقصوداً ومنهجياً، وهو ما مكّنه من تصوير أيّ معارضة له بوصفها تهديداً لـ”الدولة”، وليس مجرّد اعتراض على سياسات نظام الحكم أو شكله.
وفي المقابل، لم تنجُ أطراف كثيرة من المعارضة السورية من الوقوع في الفخ ذاته، إذ لم تُميّز بوضوح بين معارضة النظام السياسي كسلطة قابلة للتغيير، وبين موقفها من الدولة ككيان يُفترض أن يكون إطاراً جامعاً لجميع المواطنين، فتمّ تبني خطاب مُضاد يقع في أحيان كثيرة في العداء المُطلق مع مؤسّسات الدولة، لا مع بنيتها السلطوية، ما كرّس حالة الارتباك والشكّ بين الشعب والدولة، وبين المعارضة وفكرة الدولة ذاتها.
وقد تجلّى هذا الخلط على مستوى الوعي الشعبي، عندما وُصف معارضو النظام بأنهم “خونة” أو “عملاء” يتآمرون على “سيادة الدولة”، في حين ردّت بعض الأطراف المعارضة بتبنّي سرديات خارجية، واستدعاء قوى إقليمية ودولية، ما عزّز من منطق الانقسام السياسي والاجتماعي، وساهم في تعميق الشرخ بين الدولة كمفهوم، وبين النظام الحاكم.
في المشهد السوري ما بعد سقوط نظام الأسد في أواخر 2024، لم يكن التحدي الأكبر هو من يحكم، بل كيف تُحكم البلاد، وعلى أيّ أساس تُبنى شرعية الدولة الجديدة. لقد ورث السوريون منظومة مشوّهة من المفاهيم السياسية، رسّخها النظام السابق لعقود، حيث تماهى النظام مع الدولة، وتحوّلت الحكومة إلى مجرّد إدارة تنفيذية خاضعة، بلا قدرة فعلية على ممارسة السلطة.
في تحديد المفاهيم – الدولة، النظام، الحكومة
لفهم هذه الإشكالية، من الضروري التمييز بين الدولة والنظام السياسي والحكومة من منظور نظري. فالدولة، تقليدياً، هي كيان سياسي ذو سيادة، يقوم على وحدة الأرض، الشعب، وسلطة تمتلك الحقّ الحصري في احتكار وسائل القهر والإلزام داخل حدوده. أما الدولة الحديثة، وفق ما تصفه النظريات السياسية الحديثة؛ فهي كيان سياسي وقانوني يحتكر العنف المشروع، ويتميّز بوجود جهاز بيروقراطي مؤسساتي قادر على الاستمرار بغضّ النظر عن تغيّر الحكومات. وتقوم الدولة الحديثة على مبدأ المواطنة المتساوية، والاستمرارية القانونية والسياسية، وتُناط بها مسؤوليات الحفاظ على الأمن القومي، إدارة الاقتصاد، حماية الحقوق، وتحقيق العدالة الاجتماعية.
في حين أنّ النظام السياسي هو البنية السياسية والدستورية التي تنظّم العلاقة بين السلطات الثلاث (التنفيذية، التشريعية، القضائية)، وتحدّد آليات صنع القرار السياسي، وسبل تداول السلطة. أما الحكومة فهي الذراع التنفيذي المسؤول عن تطبيق السياسات العامة، وتنفيذ القوانين، وتسيير شؤون الحياة اليومية للمواطنين، وهي خاضعة من الناحية النظرية لرقابة المؤسسات التشريعية.
ويصعب الفصل من الناحية العملية بين النظام السياسي والدولة، فالنظام السياسي يساهم بإعادة تشكيل الدولة، بل إنّ مهمته في بعض المراحل التاريخية هي بناء الدولة ضمن تفاعل اجتماعي وسياسي، وفي حقبة زمنية طويلة.
النظام السياسي السوري: احتكار الدولة وتهميش الحكومة
في السياق السوري، ساهم نظام البعث في إعادة تشكيل الدولة وفق منطق سلطوي مُغلق، لا يسمح بتعدّدية أو تداول فعلي للسلطة. فرغم أنّ الدساتير السورية تقرّ بأن سورية جمهورية، وأنها تتبع نظاماً شبه رئاسي، إلا أنّ طبيعة السلطة منذ عام 1970 وحتى اليوم اتسمت ببنية مركزية شديدة عبر التخطيط المركزي بقيادة حزب البعث، وبتركيز للسلطات بيد رئيس الجمهورية. فقد منح الدستور السوري، لا سيما بعد تعديله عام 1973 ثم عام 2012، صلاحيات شبه مطلقة للرئيس، تشمل قيادة القوات المسلحة، تعيين الوزراء، حلّ الحكومة، سلطة التشريع خارج دورات مجلس الشعب، تعيين أعضاء المحكمة الدستورية ورئاسة السلطة القضائية، والإشراف على السياسات العليا للدولة.
لقد جرى تهميش الحكومة تدريجياً، وتحويلها إلى جهاز إداري ينفّذ السياسات المرسومة في دوائر النظام المُغلقة، والتي تتمحور غالباً حول المؤسسة الأمنية والعسكرية. فالوزارات حتى غير السيادية منها لم تكن تخضع لإشراف مجلس الوزراء فعلياً، بل كانت تتبع توجيهات القيادة الأمنية والحزبية العليا. وكان رئيس الحكومة يُعيّن من قبل رئيس الجمهورية من دون المرور بموافقة برلمانية، ما جعل من الحكومة أداة تنفيذ لا تُشارك في صنع القرار.
الدولة الحديثة في سورية: قشرة شكلية تغلّف بنية سلطوية
رغم محاولات النظام السوري في أن يقدّم نفسه بوصفه راعياً لمشروع الدولة الحديثة من خلال مؤسسات مركزية، وحزب سياسي حاكم (البعث)، ونظام تعليمي موحّد، وجهاز بيروقراطي متضخّم، إلا أنّ الواقع كشف أنّ ما بُني لم يكن سوى قشرة مؤسساتية تغلّف بنية سلطوية مركزية، قائمة على الولاء، لا على الكفاءة. فنظام الأسد الذي تشكّل من نخب عسكرية وسياسية وطنية متأثّرة بالفكر القومي واليساري ومفهوم الدولة القومية في أوروبا، تحوّل تدريجياً إلى نظام فردي ديكتاتوري أنتج مع الوقت عصبيات ولائية تمّت تغذيتها عبر أجهزة الحزب والأمن والجيش، وبنت شبكات من المصالح والانتماءات المناطقية والطائفية والعائلية، والتي تغلغلت في مؤسسات الدولة، وأضعفت طابعها الوطني، فتمّ اختزال النظام السياسي بالرئيس والأجهزة الأمنية التي نسجت شبكات حزبية ولائية وزبائنية تحوّلت إلى جهاز مواز داخل جسد الدولة التي باتت أداةً في يد النظام السياسي، بدل أن تكون كياناً مستقلاً يخدم المجتمع بأسره. وكانت النتيجة بناء دولة حديثة الشكل، سلطوية الجوهر، اعتمدت على العنف والإخضاع كوسائل لبسط السلطة على الفئات المجتمعية المُهمّشة، وهو ما ترك شروخًاً عميقة في بنية المجتمع الذي أُخضِع بقوّة الأجهزة القمعية، وليس بالاندماج بالدولة وتشكّل رابطة المواطنة.
ما بعد 2011 انهيار النموذج وتفكّك الدولة
مع انطلاق الثورة السورية عام 2011، سقطت الكثير من الأقنعة الشكلية للدولة. فسرعان ما تهاوت المؤسسات، وتفكّك الجهاز الإداري في عدد من المحافظات، وانهار الجيش والأمن في بعض المناطق نتيجة الحاجة إلى العنف المُفرط لقمع الانتفاضة، ما أفرز بيئة تتسم بالفوضى، سمحت لقوى مسلّحة وفصائل محلية وإقليمية بالسيطرة على الأرض.
ظهر خلال هذه المرحلة خطاب جديد من المعارضة والفصائل، يسعى إلى تقديم بديل للنظام السياسي، ولكن من دون وضوح في آليات بناء دولة جديدة. فقد جرى تشكيل “سلطات أمر واقع” في الشمال السوري، عبر حركات إسلامية وقومية حملت طابعاً فصائلياً، لكنها جميعاً فشلت في تقديم نموذج مؤسسي مُتماسك، فاكتفت بالجانب الأمني والقضائي، تاركةً للمنظمات الدولية والمحلية مهمّة تقديم الخدمات.
دخلت هيئة تحرير الشام رفقة بقية الفصائل في شمال غرب سورية إلى دمشق إثر عملية ردع العدوان التي انتهت بسقوط نظام الأسد في 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024، ثمّ اتفقت القوى الفصائلية والثورية المتحالفة على تسمية أحمد الشرع رئيساً للمرحلة الانتقالية، الذي قام بعدها بإقرار إعلان دستوري، يطرح نموذجا رئاسيا جديدا للمرحلة الانتقالية، في محاولة لإعادة تشكيل النظام السياسي.
ورغم أنّ هذه الخطوة جاءت في إطار ظرفي شديد التعقيد، ترافقت مع غياب رؤية تشاركية واضحة، وحلّ الأحزاب، وتفكيك مؤسسات الدولة، لاسيما الجيش والداخلية، بدلاً من ترميمها تدريجياً، في تكرار لتجربة العراق بعد الاحتلال الأميركي، حيث أدّى اجتثاث البعث وحل الجيش إلى تدمير جهاز الدولة. وبدأت الإدارة الانتقالية الجديدة في سورية تُبدي ميلاً واضحاً نحو تغليب الولاءات والعصبيات على الكفاءة، لا سيما في الأجهزة الأمنية والعسكرية التي سيطرت عليها الفصائل والفزعات المسلحة التي باتت أداة للهيمنة على الأرض.
وعلى صعيد آخر، استمرّ تآكل مؤسسات الدولة محلياً نتيجة عدم تفعيل دور المجالس المحلية، في ظلّ إصرار على تفكيك مؤسسات الدولة وإعادة تشكيلها من الأعلى مع غياب للمؤسّسات السياسية الفاعلة كمجلس الشعب والمحكمة الدستورية والسلطة القضائية، وافتقار المسار الانتقالي إلى آليات لإنتاج مجتمع سياسي سوري يقود المرحلة الانتقالية والتركيز على التعامل مع المجتمع السوري كمكوّنات وجماعات، ما ساهم في تعزيز الهويات الفرعية، وتكريس التدخلات الإقليمية، والحاجة لاستخدام العنف المُفرط لبسط السيطرة، كما ظهر في الساحل ودرعا والسويداء. وبينما شُكّلت الحكومة الجديدة مع محاولة لمراعاة التمثيل الاجتماعي، فإنّ الرؤية لدورها كانت منصبةً على استخدامها كواجهة للخارج لتخفيف العقوبات وكقناة لتلقي المساعدات واستجلاب الدعم.
التفكّك المؤسسي وإعادة إنتاج العصبيات
إنّ خطر فشل المرحلة الانتقالية في سورية لا يرتبط فقط بالتدخلات الخارجية أو الانقسامات المحلية، بل يتجذّر في غياب تصوّر واضح لبناء دولة حديثة، قادرة على استيعاب المجتمع بمختلف مكوّناته. وقد أدى تفكيك مؤسسات الدولة من الأعلى، من دون تشاركية وبإهمال إعادة بنائها من الأسفل عبر المجالس المحلية، والنقابات، والمجتمع المدني، إلى غياب قاعدة مؤسسية شرعية وفاعلة. هذا الأمر جعل الفصائل العسكرية والفزعات الموالية للسلطة، وليست الدولة، هي اللاعب المركزي، وباتت تؤسّس لتشكيل أجهزة أمنية وعسكرية وشبكات موازية تخدم النظام السياسي الجديد، لا الدولة. هذا الأمر يعقّد اندماج الكثير من المناطق، سواء المعارضة أو الموالية، في الدولة الناشئة، لا سيما في مناطق نشأت فيها سلطات أمر واقع لديها تشكيلاتها الأمنية والعسكرية وعلاقاتها الخارجية، وشكلت أنظمة حوكمة وشبكات محلية تغذّت على اقتصاد النزاع؛ نتيجة خروجها عن سلطة الدولة منذ سنوات طويلة.
إنّ فهم الدولة بوصفها كياناً قانونياً ومؤسساتياً جامعاً، لا ينبغي أن يخضع لصراعات السلطة، يُعدّ المدخل الأوّل والأساسي نحو إعادة بناء سورية. يتطلّب ذلك مرحلة انتقالية تشاركية لإنتاج نظام سياسي قادر على إعادة إنتاجها كدولة ديمقراطية، عبر ترميم مؤسسات الدولة وتحريرها من الهيمنة السياسية والأمنية، وتشكيل جيش وطني بعقيدة وطنية تتركّز في الدفاع عن الدستور ووحدة البلاد وسلامة أراضيها، وبناء جهاز إداري مدني، يملك المشروعية من الشعب، ويحترم التعدّد، ويؤمن بالمواطنة لا بالولاء.
فالسؤال اليوم لا يتعلّق فقط بمن يحكم سورية، بل بكيفيّة إعادة بناء الدولة السورية نفسها، دولة تكون لجميع مواطنيها، لا مشروعاً سياسياً لطرف واحد، ولا غنيمة تُدار من فوق أو تُقتسم بين فصائل وسلطات الأمر الواقع.
العربي الجديد



