إشتباكات السويداءالعدالة الانتقاليةتشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسة

الدولة والحكومة والنظام في سوريا: من يفعل ماذا؟/ رامي شفيق

ما هو مفهوم الدولة والحكومة والنظام في سوريا؟

2025-07-27

تبدو مساراتُ فهم واستيعاب بنية الحياة السياسية في سوريا مرتكزاً رئيساً لإدراك طبيعة المتغيرات التي تراكمت خلال العقود الماضية، خصوصاً في ظلّ إشكالية التماهي بين مفاهيم الدولة والحكومة والنظام.

ورغم ما تحمله هذه المفاهيم الثلاثة من دلالات مختلفة، فإنها تتداخل بشكل كبير، ما يؤثر في تفسير أدوار الفاعلين السياسيين وتوزيع السلطة في سوريا، لا سيما خلال حقبة حكم الأسد الأب والابن.

فالدولة، في مفهومها النظري العام، تمثّل الإطار المؤسسي والسيادي الذي يشمل الأرض والشعب والقانون، وهي الكيان المفترض أن يبقى قائماً بمعزل عن تبدّل الحكومات أو تغيّر طبيعة النظم السياسية. أما الحكومة، فهي الأداة التنفيذية المكلّفة بإدارة شؤون الدولة اليومية، وتتبدّل تبعاً للتكليفات. في حين يشير مصطلح “النظام” إلى المنظومة السياسية والأيديولوجية التي تُعبّر عن توجهات الدولة.

في الحالة السورية، تداخلت هذه المفاهيم بعمق، ما حال دون التمييز الضروري بينها؛ إذ باتت ماهية النظام، لا الدولة، هي التي تحدد مَن يحكم وكيف يُحكم، حتى أصبحت الدولة رهينة في يد السلطة السياسية.

“مفهوم الدولة”

في هذا السياق، يشير مدير مؤسسة “إيزدينا”، علي عيسو، إلى أن مفهوم “الدولة” في الحالة السورية يُفهم باعتباره الكيان القانوني والمؤسساتي الذي يخدم المواطنين عبر سلطات تشريعية، وقضائية، وتنفيذية، ويضمن حقوق الإنسان، والحريات، والأمن، والمساواة أمام القانون.

ويتابع عيسو حديثه لـ”963+” موضحاً أن “الحكومة” هي الجهة التنفيذية المكلّفة بإدارة شؤون الدولة ضمن تفويض دستوري، بينما يُستخدم مصطلح “النظام” للدلالة على نمط الحكم، سواء أكان ديموقراطياً أم استبدادياً، شرعياً أم مفروضاً.

وعقب سقوط النظام السابق في سوريا، اتفقت مختلف المكونات السورية، على ضرورة الحفاظ على الدولة ومؤسساتها، بما يشمل الجهاز القضائي، والجيش، والإدارة المدنية. غير أن التحدي لم يكن في تأكيد هذا المبدأ، بل في تحديد الجهة التي تمارس صلاحيات الدولة، وكيفية ممارسة تلك الصلاحيات.

بدوره، يرى الدكتور عبد الله تركماني الباحث في الشؤون السياسية، أن حسم خيار “مفهوم الدولة” في سوريا لا ينبغي أن يُختزل في المفاضلة بين المركزية الطاغية، أو التقسيم، أو الفيدراليات الطائفية والقومية، بل يكمن في تبنّي نظام ديمقراطي حقيقي، تملك فيه الحكومة المركزية صلاحيات واضحة في مجالات حيوية، مثل الشؤون الخارجية، والدفاع، والسياسة النقدية، وإدارة الموارد الاقتصادية الوطنية.

ويوضح تركماني، في حديثه إلى “963+”، أن هذا الخيار يستدعي بناء حكومة قادرة على معالجة القضايا العالقة والمعقّدة، مع ضمان منح أوسع قدر ممكن من الصلاحيات للمحافظات والمناطق والنواحي والبلدات، بما يعزز الإدارة المحلية ويضمن التوازن بين المركز والأطراف.

عدالة انتقالية

وفي هذا الإطار، تبرز مسؤولية النظام السياسي والحكومة في الدفع نحو تأسيس مؤسسات للعدالة الانتقالية، تكون قادرة على مداواة جراح الماضي، والانطلاق نحو مستقبل أكثر إنصافاً وشمولاً. ويتطلب ذلك التزامًا حقيقيًا بالسعي إلى تحقيق العدالة، ومعالجة إرث انتهاكات حقوق الإنسان، ومساندة الشعب السوري في مساره نحو انتقال سلمي وغير عنيف.

من جانبه، يلفت الباحث القانوني مزيد الكريدي، في حديثه لـ”963+”، إلى أن المشهد السوري بعد سقوط نظام بشار الأسد أواخر عام 2024، لم يكن التحدي الأبرز فيه في تحديد مَن يتولى الحكم، بل في كيفية حُكم البلاد، وعلى أي أساس تُبنى شرعية الدولة الجديدة.

ويشير الكريدي إلى أن السوريين ورثوا منظومة مفاهيم مشوّهة رسّخها النظام السابق على مدى عقود، حيث تماهى مفهوم النظام مع الدولة، وأُفرغت الحكومة من مضمونها لتتحوّل إلى مجرد أداة تنفيذية خاضعة لسلطة أمنية-حزبية مركزية. وأوضح أن مؤسسات الدولة لم تكن مستقلة أو فاعلة، بل مجرد أدوات ضمن شبكة من الولاءات يُدار البلد من خلالها من “فوق”، لا عبر مؤسسات ديموقراطية.

ويبيّن الكريدي أنه مع انطلاق الثورة، برزت فرصة تاريخية لفك هذا التداخل وإعادة تأسيس الدولة على أسس جديدة. إلا أن ما حدث بعد سقوط النظام لم يكن مساراً انتقالياً نحو بناء الدولة، بل استبدال سلطة بأخرى؛ إذ دخلت الفصائل إلى دمشق تحت راية التحرير، لكنها أعادت إنتاج منطق الهيمنة، وإنْ كان هذه المرة وسط فوضى أكبر وتعدّد في الولاءات والانتماءات.

ويتابع موضحاً أن تشكيل حكومة انتقالية لم يُفضِ إلى تغيير فعلي، إذ بقيت تلك الحكومة بلا صلاحيات حقيقية، أشبه بواجهة خارجية للمجتمع الدولي، بينما ظلت السلطة الفعلية بيد مراكز نفوذ عسكرية ومحلية. وفي هذا السياق، تداخلت الأدوار بشكل مقلق؛ فالحكومة تُستخدم كشعار، والنظام يُعاد تشكيله من دون عقد اجتماعي جديد، والدولة تتآكل.

ويضيف أن المواطن السوري بات غير قادر على التمييز بين الدولة التي يُفترض أن تحميه، والنظام الذي قد يقمعه، والحكومة التي لا تملك قرارها. بل إن بعض المكونات الاجتماعية لا تزال تنظر إلى الدولة باعتبارها خصماً، لا حاضناً جامعاً. وقد أدى هذا الغياب في التمييز بين المفاهيم إلى نشوء بيئة سياسية مشوشة، تفتقر إلى إجابات واضحة حول مَن يملك السلطة، ومَن يراقب الأداء، ومَن يضمن الحقوق.

ويختتم الكريدي تصريحه بالتأكيد على أن الطريق إلى التعافي يبدأ بإعادة تعريف المفاهيم: الدولة كإطار مؤسساتي يخدم الجميع، والنظام السياسي كنتاج عقد اجتماعي ديموقراطي، والحكومة كجهة خادمة لمصالح الشعب. فالسؤال الجوهري اليوم لم يعد: “من يحكم؟”، بل: “كيف نُحكم؟ ومن يفعل ماذا؟”. ما لم تُجِب سوريا على هذا السؤال، فإن كل محاولات بناء الدولة ستبقى مجرد نسخ مشوّهة من النظام الذي سقط.

+963

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى