إشتباكات السويداءالأحداث التي جرت في الساحل السوريالإعلان الدستوري لسوريا 2025العدالة الانتقاليةتشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسة

العدالة الانتقالية تحديث 26-27 تموز 2025

لمتابعة هذا الملف اتبع الرابط التالي

العدالة الانتقالية في سوريا

لمتابعة مكونات الملف اتبع الرابط التالي

الأحداث التي جرت في الساحل السوري

———————————

 من الإخفاء إلى الإفصاح: دور تقارير لجان التحقيق في تعزيز المساءلة/ فضل عبد الغني

2025.07.26

برزت لجان التحقيق الوطنية بوصفها أدوات أساسية لتعزيز الحكم الديمقراطي في مختلف دول العالم، فهي هيئاتٌ مستقلةٌ تسعى إلى كشف الحقائق والتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان، وقضايا الفساد المؤسسي، والإخفاقات المنهجية، وعدم كفاءة الأجهزة الأمنية.

ولا تقتصر مهام هذه اللجان على مجرد جمع الأدلة وتقصي الوقائع، بل تُجسّد تطلع المجتمعات نحو تحقيق المساءلة المؤسسية والكشف عن الحقيقة في الفضاء العام. إن التقارير الصادرة عن هذه اللجان، التي غالبًا ما تأتي نتيجة بحوث مكثفة، وشهادات الشهود، والتحليل المعمّق للخبراء، تُعد فحصًا دقيقًا لقضايا ذات أثر بالغ على المجتمع. غير أن قرار نشر هذه التقارير كاملةً لا يتعلق فقط باعتبارات إجرائية أو فنية، وإنما يتصل اتصالًا مباشرًا بالمبادئ الجوهرية للنظرية والممارسة الديمقراطية.

ضرورة الشفافية وأهميتها

تُسهم الشفافية في تحسين الأداء المؤسسي من خلال إيجاد بيئةٍ تفرض على كافة الجهات السياسية الالتزام بالقواعد والإجراءات، مع إدراكها التام بأن أعمالها تخضع لرقابة الجمهور. وتشكّل هذه الآلية الواضحة رادعًا حقيقيًا للانحرافات والمخالفات، وتدفع باتجاه الالتزام بالمعايير الحقوقية، وهو ما يصفه الباحثون بـ “الطبيعة ذاتية التعزيز لأنظمة الحوكمة الشفافة”.

إذ توفر الشفافية معلوماتٍ موثوقةً حول أداء المؤسسات وسلوكها، إلا أن مجرد توفر المعلومات ليس كافيًا بذاته لتحقيق المساءلة، وإنما توفر الشفافية الظروف اللازمة لتمكين المواطنين، ووسائل الإعلام، ومنظمات المجتمع المدني، وأطراف المعارضة السياسية من ممارسة دور التدقيق والمساءلة، والمطالبة بتوضيحاتٍ لأفعال المؤسسات وقراراتها. وتُعزز هذه الآلية من شرعية المؤسسات عبر إثبات توافق أدائها مع القواعد والإجراءات المنصوص عليها، ما يرسخ قبول المواطنين الطوعي للحكم ويُبرّر استمرارية شرعيته.

ويتيح التمييز النظري بين المساءلة “الناعمة” و”الصارمة” فهمًا لدور الشفافية في تعزيز الديمقراطية. فالمساءلة الناعمة تشير إلى واجب المؤسسات في تقديم توضيحات لأفعالها والإجابة على تساؤلات الجمهور، وهي في جوهرها آلية أخلاقية وسياسية تستند إلى قوة الحوار العام والمداولات في التأثير على السلوك المؤسسي. أما المساءلة الصارمة فلا تكتفي بهذا القدر، بل تشمل أيضًا فرض عقوبات أو نتائج ملموسة على المؤسسات في حالة حدوث انتهاكات أو إخفاقات. ومن هنا، فإن نشر تقارير لجان التحقيق يُمكّن هذين النوعين من المساءلة معًا؛ فهو يفتح المجال للمساءلة الناعمة من خلال إثارة النقاش العام والتدقيق الإعلامي، ويوفر في الوقت ذاته الأسس التوثيقية اللازمة للمساءلة الصارمة عبر الإجراءات القانونية، أو المساءلة الانتخابية، أو إجراء الإصلاحات الهيكلية. وتؤكد هذه الوظيفة المزدوجة أن الشفافية ليست مجرد إجراءٍ شكلي لإتاحة المعلومات، وإنما هي آلية مركبة للحوكمة الديمقراطية بمستويات متعددة.

وقد أكدت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) في أطرها التحليلية على أهمية الشفافية بوصفها ركنًا أساسيًا في تحقيق فعالية المؤسسات وترسيخ المساءلة الديمقراطية. وتقر هذه الأطر بأن مبادرات الشفافية يجب أن تُرافقها دائمًا آليات تفاعلية تسمح بالمشاركة المجتمعية الحقيقية وتضمن استجابة المؤسسات لتطلعات المواطنين. وتشير المنظمة إلى أن مجرد الإفصاح عن المعلومات، دون توفير آليات تفاعل واضحة وفرص حقيقية لمشاركة الجمهور، لن يكون كافيًا لتحقيق الهدف المرجو من الشفافية. ويُميز النهج الذي تبنته المنظمة بين آليات الشفافية الرسمية، كالالتزام القانوني بالإفصاح، وبين النتائج المرجوة من الشفافية ذاتها، والمتمثلة في تمكين الجمهور من المشاركة الفاعلة في العمليات المؤسسية. ومن هنا، تأتي أهمية تقارير اللجان الوطنية؛ إذ لا يكفي النشر الرسمي وحده، بل يجب تعزيزه عبر توفير محتويات مبسطة وواضحة، والتأكد من نشرها على نطاق واسع، وتوفير فرص للتفاعل والنقاش العام حول مضمونها.

آليات التعلّم والإصلاح المؤسسي

تُسهم التقارير المنشورة للجان التحقيق الوطنية في تعزيز قدرة المؤسسات على تطوير سياسات قائمة على الأدلة، وذلك من خلال تحويل نتائج التحقيقات إلى مصادر معرفية متاحة تسهم في إرشاد عمليات صنع القرار المؤسسي مستقبلًا. وتمثّل التحقيقات التي تُجريها هذه اللجان جهودًا مكثّفةً من البحث والتحليل، ينتج عنها توثيق دقيقٌ للأخطاء والإخفاقات المؤسسية وأسبابها الجذرية، مع تقديم تصورات للحلول الممكنة. وفي المقابل، يضمن نشر هذه التقارير تحقيق الفائدة المرجوّة من هذه الجهود التحليلية عبر تعميمها على مجتمع السياسات العامة بأكمله، وهذا يخلق ما يُطلق عليه «آثار المعرفة غير المباشرة»، والتي تعزز القدرات المؤسسية على أكثر من مستوى. وتوفر الأدلة والوثائق التي تتضمنها هذه التقارير لصانعي السياسات تحليلًا يستند إلى التجارب الموثّقة حول ديناميات عمل المؤسسات، ما يتيح لهم تبني نهج إصلاحي أكثر وضوحًا ومنهجيةً، عوضًا عن الاعتماد على الافتراضات السياسية أو النظريات الأيديولوجية المجردة.

وتؤدي التقارير المنشورة وظيفةً وقائيةً في بناء ذاكرة مؤسسية تتجاوز الاستجابة المؤقتة للأزمات، وترسّخ ضمانات طويلة الأمد تحول دون تكرار الإخفاقات ذاتها في المستقبل. فالتقارير المنشورة تعمل كسجل دائم يمكن لصناع القرار والمسؤولين والجهات الرقابية الاستفادة منه مستقبلًا في مواجهة تحديات مشابهة أو تقييم أداء مؤسساتهم. إن إنشاء سجلات وثائقية متاحة بسهولة يضع معايير واضحة لتقييم أداء المؤسسات عبر الزمن، ما يسمح بتحليل مقارن لاستجابتها للتحديات المتكررة. وفي حال غياب النشر الكامل لهذه التقارير، فإن القيمة الوقائية لأعمال اللجان تتقلص بشكل كبير، إذ أثبتت التجارب أن نقل المعرفة بشكل غير رسمي ليس كافيًا للحفاظ على الذاكرة المؤسسية عبر الحدود التنظيمية والفترات الزمنية الطويلة.

كذلك، فإن التوثيق الذي توفره تقارير اللجان يتيح فرصةً لإحداث إصلاحات مؤسسية جذرية، من خلال تقديم قاعدة أدلة واضحة المعالم. ويسمح التحليل الدقيق للإخفاقات المؤسسية ونقاط الضعف الهيكلية والقصور الإجرائي بتكوين فهم مشترك للمشكلات التي تواجه المؤسسات، ما يسهل عملية تنسيق جهود الإصلاح. إن نشر هذه التقارير يمكّن مختلف أصحاب المصلحة من الانخراط في جهود الإصلاح من خلال قاعدة مشتركة من الحقائق، ما يقلل من مخاطر تقويض هذه الجهود نتيجة الروايات المتناقضة أو عدم الاتفاق على تشخيص المشكلات. بالإضافة إلى ذلك، يضمن وجود تقارير متاحة للجمهور استمرار الضغط باتجاه تنفيذ الإصلاحات، حيث تستطيع منظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام والمعارضة السياسية الاستناد إلى النتائج والتوصيات المحددة عند المطالبة بإجراء تغييرات مؤسسية جادة. ويثبت هذا الانخراط المستمر أهميته البالغة في تحقيق إصلاحات مستدامة، خصوصًا في ظل حقيقة أن الإرادة السياسية الأولية غالبًا ما تضعف دون وجود ضغط شعبي دائم يستند إلى معلوماتٍ وأدلة موثّقة.

المصلحة العامة وحقوق أصحاب المصلحة

تقوم الأسس النظرية لحق المواطنين في الوصول إلى المعلومات على مبادئ السيادة الشعبية والشرعية الديمقراطية، وهو ما يجعل الشفافية ضرورة ملزمة لا خيارًا يمكن تجاوزه. فالنظرية الديمقراطية تُقر بأن شرعية الحكم تستند في جوهرها إلى موافقة المحكومين، وهي موافقة لا

يمكن أن تكون حقيقية إلا إذا كانت تستند إلى معلوماتٍ كافية وموثوقة. ومن هذا المنطلق، فإن حق المواطنين في الحصول على المعلومات لا يُعد مجرد إجراء شكلي، بل هو شرط أساسي لضمان المشاركة الديمقراطية. وتجسد لجان التحقيق، التي تُموّل عادةً من الأموال العامة وتعالج قضايا ذات اهتمام واسع، هذا المبدأ الديمقراطي تجسيدًا فعليًا. إن المصلحة المشروعة للمواطنين في فهم كيفية عمل المؤسسات، وأسباب إخفاقها، وما يلزم من إجراءات إصلاحية، تشكل مبررًا نظريًا قويًا لإلزامية الإفصاح الكامل عن المعلومات. وهذا الاهتمام الجماهيري ليس من قبيل الفضول، بل هو ما يصفه منظرو الديمقراطية بـ«الكفاءة الديمقراطية»، أي قدرة المواطنين على اتخاذ قرارات مستنيرة بشأن أداء المؤسسات وسبل مساءلتها سياسيًا.

كما تبرز وظيفة النشر التي تُركّز على الضحايا والمتضررين من الإخفاقات المؤسسية كيفية قيام الشفافية بدور إصلاحي عملي في المجتمعات الديمقراطية. فبالنسبة للأفراد والجماعات التي تضررت من الانتهاكات أو الإخفاقات المؤسسية، توفر التقارير المنشورة اعترافًا رسميًا بما مرّوا به من تجارب، وتمثل إثباتًا رسميًا لمظالمهم. وتعمل وظيفة الاعتراف هذه على عدة مستويات: الشخصية، والجماعية، والمجتمعية. فعلى المستوى الشخصي، غالبًا ما يسعى الضحايا للحصول على تأكيد رسمي يوثّق معاناتهم ويقر بها. وعلى المستوى الجماعي، فإن النشر يساعد في خلق سرديات مشتركة تساعد المجتمعات المتضررة على التعامل مع آثار الصدمات الجماعية والمساهمة في تعزيز المصالحة. أما على المستوى المجتمعي، فإن التقارير المنشورة تقدم سردًا تاريخيًا موثوقًا يمنع إنكار ما حدث أو تزييفه، ويفرض التزامًا أخلاقيًا واضحًا على المؤسسات لاتخاذ خطوات جادة لمعالجة الإخفاقات. ومن هنا، فإن الامتناع عن نشر هذه التقارير لا يؤدي فقط إلى تعطيل الوظائف الإصلاحية للشفافية، بل يسهم في إدامة الأضرار عبر إبقاء الصمت الرسمي قائمًا تجاه الانتهاكات الموثّقة.

موازنة الشفافية مع القيود المشروعة

تُقرّ الأطر النظرية المعنية بالموازنة بين الشفافية وضرورات الحفاظ على الخصوصية والأمن، بأن الشفافية المطلقة قد تتعارض أحيانًا مع حقوقٍ وقيمٍ قانونية وأخلاقية أخرى، وهو ما يقتضي بالضرورة تبنّي مناهج متوازنة ومبدئية لإدارة التعارض بين هذه المصالح. وتقر القواعد القانونية المتعارف عليها أن هناك أنواعًا من المعلومات تتطلب حماية خاصة، كالمعلومات الشخصية الحساسة، أو البيانات المتعلقة بعمليات أمنية مستمرة، أو التفاصيل التي قد تعرض الأفراد للخطر، حتى في ظل أنظمة الحوكمة التي تتسم بالشفافية العالية. وعليه، فإن التحدي الحقيقي لا يتمثل في الاختيار بين الشفافية والسرية كبديلين متناقضين، بل في إيجاد أطرٍ إجرائية تحقق التوازن، بحيث تُعزز الإفصاح الشامل مع ضمان حماية المصالح المشروعة في الخصوصية والأمن. وتركّز النظريات الحديثة على الحلول الإجرائية التي تفرض خضوع قرارات عدم الإفصاح لمراجعة مستقلة، وتحديد مهل زمنية للإفصاح، وتقديم تبريرات علنية واضحة لأسباب عدم النشر. وتقوم هذه الأطر على مبدأ «تفضيل الإفصاح» كقاعدة عامة، مع السماح باستثناءات دقيقة ومحددة، بدلًا من منح صلاحيات واسعة وفضفاضة لحجب المعلومات.

غالبًا ما تعكس المقاومة المؤسسية لنشر التقارير مخاوف متعلقة بالإحراج السياسي أكثر من ارتباطها باعتبارات أمنية أو خصوصية فعلية، ما يكشف عن دور الشفافية في تحدّي التوازنات وديناميات القوة القائمة، حتى داخل المؤسسات الديمقراطية نفسها. وتظهر هذه المقاومة من خلال عدة وسائل: منها الإفراط في تصنيف المعلومات على أنها سرية، أو تأخير إصدار التقارير، أو نشر تقارير منقوصة تحجب المعلومات الحاسمة، أو وضع عوائق تقنية وإجرائية تعرقل الوصول إلى محتوى التقارير. ويكشف التحليل النظري لمثل هذه المقاومة أنها غالبًا ما تكون نابعة مما يُطلق عليه علماء السياسة «مشكلات الوكالة»، وهي الحالات التي تسعى فيها جهات مؤسسية إلى حماية مصالحها الخاصة، بدلًا من خدمة المصلحة العامة التي تدّعي تمثيلها. وتقتضي المعايير الديمقراطية إخضاع هذه المخاوف السياسية للمصلحة العامة التي تتحقق من خلال الشفافية، إلا أن تحقيق هذا الهدف عمليًا يتطلب أكثر من مجرد تصريحات نظرية. بل يستلزم وجود آليات هيكلية تضمن حماية قرارات النشر من التدخلات السياسية، وتعزز وجود حوافز مؤسسية ومهنية قوية تشجع على الإفصاح، مع إرساء توقعات عامة واضحة تجعل قمع المعلومات أو حجبها أمرًا مكلفًا سياسيًا.

خاتمة

تمثّل التقارير الوطنية المنشورة وثائق تاريخية تحفظ معلومات ذات قيمة عالية حول مسار التطور المؤسسي، وطبيعة التحديات المجتمعية، واستجابة المؤسسات للأزمات المختلفة. كما تشكّل هذه التقارير مصادر معرفية تُمكّن الأجيال المقبلة من الاطلاع على تجارب سابقة، ودراسة كيفية استجابة المؤسسات الحكومية للتحديات الكبيرة، والاستفادة من الدروس المستخلصة من النجاحات أو الإخفاقات التي حدثت في الماضي. وتزداد أهمية هذه الوظيفة الأرشيفية في المراحل الانتقالية، حيث تكون الذاكرة المؤسسية عرضة للتفكك بسبب التغيرات السياسية أو التحولات التنظيمية. لذلك، فإن إنشاء سجلات وثائقية متاحة بوضوح للجميع يضمن قدرة المجتمعات على التعلّم من ماضيها، وفهم مراحل تطورها المؤسسي بشكلٍ أفضل، والبناء على ما سبق تحقيقه بدلًا من إعادة اكتشاف المشكلات ذاتها مرارًا.

إن ضرورة نشر تقارير لجان التحقيق الوطنية تعكس في نهاية المطاف متطلبات أوسع من مجرد إتاحة المعلومات؛ إذ تمثل أداة ضرورية لحماية الحوكمة وترسيخها في بيئات مؤسسية تزداد تعقيدًا خلال مراحل الانتقال السياسي. وفي ظل التحديات التي تواجه المجتمعات الخارجة من نزاعات مسلحة، بدءًا من الخطابات الطائفية وصولًا إلى محاولات إنكار الجرائم أو تضخيمها، تتزايد الحاجة بشكل مُلحّ إلى مؤسساتٍ تتسم بالشفافية وتخضع لمساءلة حقيقية.

تلفزيون سوريا

——————–

 لجنة الساحل وامتحان ثقة الجمهور بأدوات السلطة/ علي سفر

2025.07.25

بالمقارنة مع نتائج تحقيقات لجان وطنية في غير بلد عربي، شُكّلت لتقصي الحقائق حول جرائم كبرى، بقرارات من سلطات تلك البلدان، يخشى المتابع لأحوال سوريا ألا تفضي نتائج تقرير لجنة التحقيق وتقصي الحقائق في أحداث الساحل السوري في آذار الماضي إلى نتائج ملموسة، وأن تبقى المسألة حبراً على ورق!

بالتأكيد، هناك عملٌ أُنجز، والجهود التي بذلها أعضاء اللجنة، وبحسب مؤتمرهم الصحفي قبل أيام، واضحة، وتُسجّل لهم في ظل انعدام الاستقرار في المنطقة التي توجهوا إليها، وفي البلد عامة.

كما أن المقارنة مع تاريخ سوريا في مثل هذه الإجراءات، تقودنا إلى اعتبار وصول اللجنة إلى نهاية عملها، وعرض النتائج أمام الجمهور، إنجازاً حقيقياً يقطع مع الماضي، حيث نتذكر أن كل لجان التحقيق التي شكّلها الأسديون، طوال حكمهم القمعي، لم تقدّم نتائج عملها للجمهور، كما فعلت هذه اللجنة.

ومن المفهوم أن الظرف الذي سلّمت فيه اللجنة تقريرها لرئاسة الجمهورية، لم يكن جيداً، حيث طغت أحداث السويداء على المشهد، فجرى أن تخندق الجمهور في معادلة: إما مع أو ضد السلطة الحالية، على أرضية طريقة تعاملها مع الحدث، الأمر الذي جعل جزءاً كبيراً من السوريين يصادرون النتائج ويصفونها سلفاً بأنها منحازة لصالح عناصر الإدارة الجديدة، أو يتهكّمون عليها بالقول: إن عليها تأجيل النتائج، بسبب اضطرارها إلى العمل على التحقيق في الجرائم المرتكبة في السويداء أيضاً!

وزاد في الأمر أن غياب الإعلان عن أسماء المشتبه في تورطهم بارتكاب الجرائم، أعطى إحساساً لدى البعض يفيد بأن وراء الأكمة ما وراءها، بينما تقول الإجراءات القانونية الصحيحة بضرورة عدم التصريح بالأسماء، طالما أن اللجنة قد أحالت الملفات إلى النيابة العامة لتقوم بدورها وفق الأنظمة والقوانين، فهي الجهة الوحيدة المنوط بها استدعاء المشتبه بهم، والتحقيق معهم، وتوقيفهم.

وبعد أن تؤدي النيابة العامة المطلوب منها، يتوجّب على السلطة أن تعلن للجمهور، ولأهالي الضحايا، وبشكل لا يتعارض مع القانون، أسماء المجرمين المُدانين.

جزء كبير من فقدان الثقة بين الجمهور والسلطة يتأتّى من هذا التجويف في سلسلة الإجراءات؛ إذ تنشر وزارة الداخلية، وبشكل يومي تقريباً، أخباراً عن إلقاء عناصرها القبض على مجرمي النظام البائد، لكن دويّ الأخبار المُطمئنة يصطدم بجدار صلب من المجهول، فلا يُعرف مصير المتهم، ولا يخرج من التحقيقات معه شيءٌ، وفي النهاية، تختتم الشائعات المشهد المريب، لتخلق اضطراباً يعزّز التشكيك بسلوكيات السلطة، وكمثال ضروري على ذلك، تلك الشائعة التي انتشرت عن ترك السلطة للمتهم العميد عاطف نجيب، وفراره إلى إسبانيا.

ويُضاف إلى هذا أن الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، التي شُكّلت بمرسوم مرّ على إصداره ما يقارب شهرين، لم يظهر من خطتها أيّ ملمح، ويبدو أن الوقت الذي يمرّ دون إعلان ذلك، يأكل من سمعتها، طالما أن هذه القضية ذات أهمية قصوى بالنسبة لضحايا النظام الأسدي.

كل ما سبق لا يخدم صورة السلطة في سياق احترام القانون. هذه مسائل حساسة، والتهاون فيها يقوّض العلاقة بينها وبين الجمهور. في نهاية المطاف، يتحدد سلوك الناس بناءً على مدى إحساسهم بجدية مؤسسات الدولة في أداء مهامها.

وللتوضيح، يمكن، ومن خلال مراقبة سلوك الناس مع رجال الأمن العام في الشارع، التوقف عند عدم احترام البعض لهم، واعتبارهم غير موجودين في المكان، حيث يختفي دورهم في اللحظات التي يتوجب عليهم فيها أن يتدخلوا، كما حدث في هجوم بعض الغوغاء على اعتصام الناشطين أمام مبنى مجلس الشعب، تحت شعار “دم السوري على السوري حرام”، إذ أظهرت التسجيلات المصوّرة أن رجل الأمن لا يقوم بدوره في منع المعتدين، ولا يحاول توقيفهم بعد ما ارتكبوه بحق الناشطين السلميين! بالإضافة إلى تكرار الاعتداءات على شرطة المرور في عدّة مدن.

لا تشعر، كمتابع للشؤون السورية، وأنت ترى نور الدين البابا، المتحدث الرسمي باسم وزارة الداخلية، وهو يتحدث، بأن ثمّة مشكلة في أداء الوزارة؛ فهو جاد، ويتحدث بحزم، ويؤدي دوره بشكل جيد، لكنّ جزءاً من الجمهور لا يثق بأن الوزارة تستطيع أن تفرض حضورها في يومياته، لأن تجليات قوتها على الأرض تتعرض للاهتزاز، حيث قُتل عدد كبير من عناصرها في الوقائع الدامية التي جرت في الساحل وفي السويداء، فضلًا عن الضعف في ترسيخ وجودهم على صعيد الإعلام الرسمي ذاته.

وبالنظر إلى ما تقدّم، فإن المسار الذي سلكته لجنة التحقيق في أحداث الساحل، رغم ما يحمله من مؤشرات جديدة مقارنة بممارسات النظام السابق، يظلّ محاطاً بشكوك واسعة تتعلق بفعالية الإجراءات، وشفافية النتائج، واستقلالية القرار القضائي.

بناء الثقة مع الجمهور لا يتحقق بإصدار التقارير فحسب، بل بتكامل الخطوات، من التحقيق إلى المحاسبة العلنية، وبتحويل العدالة من وعد مؤجّل إلى ممارسة يومية تُلمَس آثارها في الشارع، والمؤسسة، والمخيال العام. وأيّ تقاعس في ذلك، يهدد، ليس فقط سمعة السلطة الجديدة، بل قدرتها على قيادة مرحلة انتقالية حقيقية، تليق بتضحيات السوريين.

——————–

 مقررون أمميون يحذرون من عمليات اختفاء واختطاف نساء وفتيات في سوريا

2025.07.24

أعرب خبراء ومقررون من الأمم المتحدة عن “قلق بالغ” إزاء تقارير تفيد بوقوع عمليات اختطاف واختفاء قسري وعنف قائم على النوع ضد نساء وفتيات في سوريا، خصوصاً من الطائفة العلوية، محذرين من أن ما يجري قد يرقى إلى “حملة استهداف منهجية”.

ووفق بيان صادر عن خبراء ومقررون أمميون في جنيف، تم الإبلاغ عن اختطاف 38 فتاة وامرأة علوية تتراوح أعمارهن بين 3 و40 عاماً، في محافظات اللاذقية وطرطوس وحماة وحمص ودمشق وحلب، منذ آذار 2025 وحتى اليوم.

وقال البيان إن عمليات الخطف جرت في وضح النهار أثناء تنقل الضحايا إلى المدارس أو زيارات عائلية أو حتى داخل منازلهن، وفي العديد من الحالات، تلقت عائلات الضحايا تهديدات صريحة للحيلولة دون لجوئها إلى السلطات أو الإدلاء بأي تصريحات علنية.

عنف جنسي وزواج قسري وغياب للمحاسبة

أشار المقررون الأمميون إلى “نمط من الانتهاكات” شمل العنف القائم على النوع، والتهديدات، وتزويج القاصرات بالإكراه، وسط غياب شبه تام لأي استجابة فعالة من قبل الحكومة السورية المؤقتة.

ولفت البيان إلى شهادات تفيد بتعرض بعض الضحايا للتخدير والاعتداء الجسدي أثناء فترة الاحتجاز، مؤكداً أن صعوبة الإبلاغ الآمن من قبل الضحايا لا تسمح بالتحقق الكامل من وقوع عنف جنسي، لكنه “لا يمكن استبعاده”، فيما وُصفت تقارير زواج الأطفال القسري بأنها “مقلقة للغاية”.

وذكر المقررون الأمميون أن الحكومة السورية لم تُجرِ تحقيقات شفافة وفي الوقت المناسب في معظم الحالات، بل ورفضت في بعض الأحيان تسجيل الشكاوى أو استمعت للعائلات دون اتخاذ إجراءات، الأمر الذي “يعمّق معاناة الضحايا وذويهم، ويؤسس لبيئة من الإفلات من العقاب”.

مؤشرات على تورّط جهات أمنية

وأوضح البيان أن بعض حالات الاختفاء قد تكون متورطة فيها جهات أمنية أو أفراد مرتبطون بمؤسسات تابعة للحكومة السورية، مؤكداً أن السلطات ملزمة وفق القانون الدولي بحماية النساء والفتيات من العنف، وتوفير سبل الإنصاف والعدالة والدعم النفسي والاجتماعي.

وشدّد المقررون على ضرورة اتخاذ تدابير عاجلة لحماية النساء والفتيات من الأقليات، في ظل تصاعد الهجمات بحق المكونات الدينية والعرقية، مشيرين إلى أحداث السويداء الأخيرة التي قُتل فيها مدنيون من الطائفة الدرزية، بينهم امرأتان وطفلان، على يد مسلحين مجهولين.

دعوة لتحقيقات عاجلة وتعيين محققات نساء

ودعا المقررون والخبراء الأمميون الحكومة السورية إلى الالتزام بواجبها في البحث عن المفقودين، وإجراء تحقيقات عاجلة ومستقلة ومحايدة في هذه الانتهاكات، ومحاسبة الجناة، وضمان سلامة وحقوق الناجيات.

كما طالبوا بإنشاء آليات إبلاغ آمنة وحساسة للنوع الاجتماعي، وتعيين محققات نساء لتسهيل تقديم الشكاوى ومرافقة الضحايا، مشيرين إلى أنهم على تواصل مباشر مع الحكومة السورية بشأن هذه القضايا.

وأكد المقررون والخبراء الأمميون أن “جميع النساء والفتيات، بمن فيهن المنتميات إلى الأقليات الدينية والعرقية، لهن الحق في العيش بأمان وكرامة”، مشددين على أن استعادة ثقة الناس في النظام القضائي بات أمراً ملحاً.

من هم الخبراء والمقررون الخاصون في الأمم المتحدة؟

يشار إلى أن البيانات الصادرة عن الخبراء والمقررين الخاصين تشكل جزءاً من عمل “الإجراءات الخاصة” التابعة لمجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، وهي آلية تضم مقررين خاصين وخبراء مستقلين ومجموعات عمل، يُعيَّنون بصفتهم الفردية من قبل المجلس لمتابعة قضايا حقوق الإنسان.

ويعمل هؤلاء الخبراء والمقررون بشكل تطوعي، دون أن يكونوا موظفين في الأمم المتحدة أو ممثلين عنها، كما لا يتقاضون أجراً مقابل مهامهم. وعلى الرغم من أن مكتب حقوق الإنسان يوفر الدعم الفني والإداري لعملهم، فإن آراءهم تبقى مستقلة ولا تعبّر بالضرورة عن موقف الأمم المتحدة أو مفوضية حقوق الإنسان.

————————

منظمات حقوقية سورية تطالب بنشر تقرير «أحداث الساحل»/  منهل باريش

طالبت 20 منظمة حقوقية سورية الرئيس الانتقالي أحمد الشرع بالنشر العلني والكامل لتقرير «اللجنة الوطنية للتحقيق وتقصي الحقائق في أحداث الساحل»، مع توضيح الإجراءات الحكومية لمحاسبة الجناة من جميع الأطراف. واعتبرت هذه الخطوة جوهرية لضمان حق الضحايا في الحقيقة، والاعتراف، والمحاسبة، وجبر الضرر، سواء للمتضررين مباشرة أو للمجتمع السوري ككل. وأكدت المنظمات، في بيان مشترك، أن كشف الحقائق، والاعتراف بالانتهاكات، والالتزام بمحاسبة المسؤولين يشكل أساسًا لمنع تكرار الانتهاكات. وأشارت إلى أن نشر التقرير علنًا يمثل «حجر الأساس» لاستعادة الثقة المجتمعية، خاصة في ظل حملات التضليل التي رافقت الأحداث. واستندت إلى القانون الدولي الذي يكفل الحق في معرفة الحقيقة، مؤكدة أن النشر بمثابة «اعتراف رسمي بالأذى الذي لحق بالضحايا». ودعت المنظمات الحكومة الانتقالية إلى ربط النشر باعتراف رسمي بنتائج التقرير، مع التزام شفاف بتنفيذ توصياته.

كما طالبت بالبدء الفوري بتطبيق مخرجات التقرير كأولوية، مع خطة تفصيلية لمحاسبة الجناة وإصلاح المؤسسات لضمان عدم التكرار. وأشارت إلى أن مجازر الساحل شكلت لحظة مفصلية في المرحلة الانتقالية «الهشة»، مهددة النسيج الوطني، مع مخاوف من أن أعمال العنف المستمرة في السويداء قد تؤدي إلى نقطة تحول أكثر تدميرًا.ومن بين المنظمات الموقعة: الشبكة السورية لحقوق الإنسان، المركز السوري للإعلام وحرية التعبير، والبرنامج السوري للتطوير القانوني. وفي تصريح لـ«القدس العربي»، أوضح فضل عبد الغني، مدير الشبكة السورية، أن نشر التقرير يعكس التزام الدولة بمحاسبة المؤسسات المخطئة، مثل الجيش والأمن والقضاء، مشيرًا إلى أن لجان التحقيق الوطنية عادة تنشر تقاريرها، مع استثناءات محدودة. من جهته، انتقد المحقق ياسر سالاتي، المختص بجرائم الحرب، المؤتمر الصحافي للجنة، لاستخدامها مصطلحات غير قانونية مثل «مجموعات الفزعة»، موضحًا أن المصطلح الصحيح هو «ميليشيات مسلحة تدعم الحكومة». وأشار إلى أن ضعف المنظومة القضائية يعيق تحقيق العدالة، لا سيما أن اللجنة وصفت الجرائم بـ«القتل العمد»، متجنبة مصطلحات القانون الدولي.

انتهاكات جسيمة وتوصيات عاجلة

كشفت لجنة التحقيق وتقصي الحقائق في أحداث الساحل السوري، الثلاثاء الماضي، عن تقريرها النهائي بعد أربعة أشهر من عملها. وسلم التقرير إلى الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، الأحد، خلال استقباله للجنة في قصر الشعب. وأكدت الرئاسة السورية، عبر وكالة «سانا»، أن اللجنة أُنشئت لضمان مسار يمنع الانتهاكات وطمس الحقيقة، مشيرة إلى أن التحقيق يشمل جميع الوقائع في سوريا من شمالها إلى جنوبها. وأوضحت الرئاسة أنها ستفحص التقرير بعناية لاتخاذ خطوات تدعم الحقيقة، والعدالة، والمساءلة، وتمنع تكرار الانتهاكات، داعية اللجنة إلى عقد مؤتمر صحافي لعرض نتائجها. وفي المؤتمر الذي عُقد بدمشق، أعلن المتحدث باسم اللجنة، المحامي ياسر الفرحان، أن التحقيق حدد 265 متهمًا منتمين لمجموعات متمردة مرتبطة بـ«فلول نظام الأسد»، و298 من أفراد وفصائل عسكرية، مشتبهين بانتهاكات ضد المدنيين ومخالفات للأنظمة العسكرية. وأشار إلى أن الاستنتاجات استندت إلى «الشبهة» وليس الدليل القاطع، مع إدراج أسماء المتهمين في جداول ملحقة بدون الكشف عنها علنًا. ووفق التقرير، توجه 200 ألف مسلح إلى الساحل في اذار/مارس الماضي لاستعادته من «فلول النظام»، ما أدى إلى مواجهات خلفت 1426 قتيلًا، بينهم 90 امرأة، خلال ثلاثة أيام. وأفاد الفرحان أن «فلول النظام» قتلوا أكثر من 230 عنصرًا من الجيش السوري الجديد والأمن الداخلي، وسيطروا على بلدات وقرى بهدف إقامة «دويلة علوية». واستندت اللجنة إلى 450 إفادة عن القتل والاعتداء، و486 عن التهديد والترهيب، مع زيارة 33 موقعًا، مقدمة 930 إفادة شاهد. وأكد التقرير وقوع انتهاكات جسيمة، بما فيها «القتل العمد على أساس طائفي»، لكنه وصفها بغير المنظمة رغم اتساع نطاقها. وأوصت اللجنة بتسريع دمج الفصائل في وزارة الدفاع، وضبط السلاح، وتنفيذ لوائح السلوك العسكري، مع تعزيز مؤسسات الشرطة والأمن بتكنولوجيا حديثة، وسن تشريعات لمنع التحريض الطائفي. وأشار رئيس اللجنة، القاضي جمعة العنزي، إلى أهمية هذه التوصيات لضمان عدم تكرار الانتهاكات.

والجدير بالذكر، أن لجنة التحقيق أعلن عن تشكيلها بقرار من الحكومة السورية، بعد قرابة الأسبوع من الأحداث التي بدأت في الساحل، لتعلن الرئاسة السورية في نيسان/أبريل الماضي عن قرار من الرئيس الشرع يقضي تمديد عمل اللجنة لمدة ثلاثة أشهر غير قابلة للتمديد، ويشير تقرير اللجنة بشكله العام، إلى الاعتراف بحجم الانتهاكات ووجود العنف بما يشمل الانتهاكات التي ارتكبتها جهات حكومية، على الرغم من انه لم يحدد بالتسمية أي جهة، إلا أن التقرير لا يشبه أي أمثلة أو نماذج من تقارير سابقة في سوريا كانت تعمل على تبرئة الجهات الحكومية، ولا تعترف في أغلب الأحيان بوجود انتهاكات أو عنف، كما يشار إلى أن اللجنة عملت بجدية على إحصاء الانتهاكات وتوثيق الضحايا، إلا أنها على ما يبدو قد فشلت في التعامل مع الديناميكيات المؤسساتية التي ضمت ضمن أطرها قوائم الأشخاص المتهمين بارتكاب انتهاكات وتجاوزات، ولم تبدو في تقريرها أي إشارة إلى الهيكلية الأمنية التي سمحت بالانتهاكات، أو لم يكن ضمن أبرز اهتماماتها على أقل تقدير.

وحصلت «القدس العربي» على معلومات من مصدر مطلع تفيد بأن اللجنة تمكنت من التحقيق بنحو 20 مجزرة في حين أن نحو 40 أخرى لم تتمكن التحقيق فيها بسبب ضعف الموارد وقصر المدة الزمنية. ويذكر المصدر أن عددا كبيرا من قادة الصف الأول والثاني والثالث في الفرق متورطين في انتهاكات الساحل السوري.

وفي السياق ذاته، انتهت اللجنة وتقريرها إلى عدة توصيات، كان قد أعلن عنها رئيس اللجنة، ومن أبرزها «التعجيل في تنفيذ وزارة الدفاع لخطتها وتدابيرها وإجراءاتها في مشاريع ضبط السلاح، ودمج الفصائل بشكل فعلي، مع التنفيذ الصارم للائحة قواعد السلوك الصادرة عنها بتاريخ 30 من أيار/مايو 2025، وإصدار باقي الأنظمة واللوائح والتعليمات بما في ذلك تنظيم الزي العسكري والشارات ومنع بيعها في الأسواق.»

وتشير هذه التوصية إلى إشكالية الدمج الفعلي للفصائل المعارضة لنظام الأسد، والتي أعلن عن اندماجها بوزارة الدفاع بعد سقوط نظام الأسد، ومن جهة أخرى تشير إلى مدى قدرة القيادة العسكرية الجديدة على ضبط سلوك الأفراد والمجموعات المنضوية ضمن صفوفها، بما يشمل ذلك تنظيم الزي العسكري، ونظام الرتب العسكرية، ولوائح التسلسل الهرمي والوظيفي المتبع في المؤسسات العسكرية.

كما شملت التوصيات، أولوية مشاريع مؤسسات الشرطة والجيش والأمن، واستقدام المعدات ووسائل التكنولوجيا الحديثة، وتعزيز السبل والمعايير لاحترام حقوق الإنسان.

كما أوصت اللجنة، باتخاذ تدابير تشريعية وتنفيذية لمنع التحريض على العنف أو الفتنة أو إثارة النعرات الطائفية، وتكفل الدولة بمراقبة وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي.

ويلاحظ أن اللجنة تأخرت ما يقارب الأسبوع على تسليم تقريرها النهائي للرئيس الانتقالي أحمد الشرع، بسبب أحداث السويداء التي بدأت في 11 من الشهر الجاري، والتي ستشكل على ما يبدو لجنة تحقيق وتقصي حقائق بخصوصها، على خلفية تجاوزات وانتهاكات «صارخة» فيها.

بموازاة ذلك، دانت الرئاسة السورية، في بيانٍ لها، الأربعاء الفائت، ما وصفته بـ «الانتهاكات المؤسفة»، التي طالت مناطق في محافظة السويداء جنوب سوريا.

وجاء في البيان «أن هذه الأفعال، التي تندرج ضمن السلوكيات الإجرامية وغير القانونية، لا يمكن قبولها تحت أي ظرف من الظروف، وتتنافى تماما مع المبادئ التي تقوم عليها الدولة السورية».

وأكدت الرئاسة أن «أي جهة مسؤولة عن هذه الأعمال، ستعرض للمحاسبة القانونية الرادعة، ولن نسمح بمرورها بدون عقاب»، مشيرة إلى أن الدولة السورية «بقيادتها وأجهزتها، تضع أولوية قصوى لحماية الأمن والاستقرار في جميع أنحاء سوريا».

وفي السياق، وعلى خلفية مقاطع فيديو أظهرت إعدام أشخاص من مدينة السويداء على يد مسلحين مجهولين، دانت وزارة الداخلية السورية هذه الأعمال، مشيرة إلى أن مثل هذه الأفعال «جرائم خطيرة» يعاقب عليها القانون، مؤكدة أن الوزارة بدأت بتحقيق شامل لتحديد هوية «المتورطين»، كما أعلنت وزارة الدفاع على خلفية الانتهاكات الجديدة في السويداء، وما تبثه وسائل التواصل الاجتماعي من مقاطع فيديو لعمليات إعدام ميدانية لمواطنين من السويداء، عن تشكيل لجنة تحقيق لمتابعة الانتهاكات وتحديد المسؤولين عنها وخلفية الأفراد المرتكبين لها.

القدس العربي

————————–

العدالة الانتقالية” في العدد الثاني والثلاثين من مجلة قلمون

نشر في 25 تموز/يوليو ,2025

صدر العدد الثاني والثلاثون من “قلمون: المجلة السورية للعلوم الإنسانية”، وقد عني ملفه الرئيس بـ “مسار العدالة الانتقالية في سورية.. تحديات التعافي وبناء المستقبل”.

وقد تحدث رئيس التحرير الدكتور رشيد الحاج صالح عن أهمية هذا الملف قائلا: “مع انبلاج عهد جديد في سورية في إثر تولي الحكومة الجديدة مهماتها، تتجدد الآمال في أن يكون هذا التحول السياسي مقدمةًً لمسارٍٍ حقيقي نحو تحقيق العدالة، وبناء سلام مستدام. وفي قلب هذا المسار تبرز العدالة الانتقالية بوصفها ركيزة أساسًًا لمعالجة تركة الماضي الأليم، وصياغة عقد اجتماعي جديد يقوم على الاعتراف بالضحايا، والمساءلة عن الانتهاكات الجسيمة، وضمان عدم تكرارها”.

وأضاف: “تنبع أهمية العدالة الانتقالية في السياق السوري من حجم المأساة وتعقيداتها؛ فقد خلف النزاع سنواتٍٍ

طويلةًً من العنف الممنهج، والانتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان، والتدمير البنيوي للمؤسسات والثقة المجتمعية.

وبينما تتطلع شرائح واسعة من الشعب السوري إلى طي صفحة الماضي من دون محوها، تبقى العدالة الانتقالية

أداةًً أساسية لتحقيق المصالحة الوطنية وترميم النسيج الاجتماعي”.

وأشار إلى أن: “مسار العدالة الانتقالية في سورية لا يخلو من تحديات جسيمة؛ إذ تواجه الحكومة الجديدة بيئةًً سياسيةًً واجتماعيةًً معقدة، تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية مع الحساسيات الطائفية والإثنية والمناطقية، إلى جانب الانقسام المجتمعي العميق، وفقْْد الثقة في المؤسسات الرسمية، وضعف المؤسسة القضائية. وتبرز تحديات مرتبطة بجمع الأدلة وتوثيق الانتهاكات في ظل ضياع كثير من السجلات او إتلافها، فضالًا عن الحاجة إلى توافق سياسي داخلي، ودعم دولي لتأسيس آليات عدالة فعالة وشفافة”.

يذكر أن مجلة قلمون دورية فصلية محكمة، التي ترأس تحريرها منذ تأسيسها الدكتور يوسف سلامة حتى وفاته عام 2024، ويرأس تحريرها حاليًا الدكتور رشيد الحاج صالح، أصدرها مركز حرمون للدراسات المعاصرة منذ عام 2017، وسيتابع إصدارها المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة.

لتحميل المجلة اتبع الرابط التالي

“العدالة الانتقالية” في العدد الثاني والثلاثين من مجلة قلمون

==========================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى