رسالة عاجلة من المواطن صابر لنا جميعاً/ مصطفى علوش

2025.07.24
أريد أن أحدثكم عن المواطن السوري “صابر”، الذي ربما ولد في دمشق أو في السويداء أو في ريف دير الزور أو في حلب و ربما في ادلب، وهناك من يعتقد أنه ولد في حماه أو في سلمية، ويمكن أن يكون قد ولد في أية قرية يمكن أن يختارها القارئ.
صابر المولود في أي منطقة أو قرية سورية
يعتقد بعضهم أنه درس الابتدائية، وهناك من يقول أن ولد في إحدى مخيمات الشمال، ولم يتلق تعليماً على الإطلاق، فقد كان همّه أن يعمل ليعيل أخواته بعد أن قتل والديه في الحرب. لكنه المؤكد في سيرته أن ضميره يقظاً وتعلم القراءة.
هو أنت، أنا، وربما هو نحن. الثابت أنه لايكره أحداً، فقد تعلّم من والدته أن الخير في كل الناس، وتعلم من والده أنه المحبّة تورث ومن الممكن تعلمها. وحين قرأ يوما ما مؤلفات الكاتب ندرة اليازجي تعلّم منه أنّ المحبة هي جوهر الإنسانية.
للأمانة ربما لم يسمع بالمتنبي أو حتى بنزار قباني، لكن إن أسمته شعراً موزوناً يطرب، وإن أسمعته قصائد نثرية للماغوط أو لرياض الصالح الحسين يبكي، وإن ذكرت أمامه اسم سورية، يبكي وهو يستمع لأغنية يا طير سلّم لي عاسورية.
أحدهم قال لي بأن “صابر”يصلّي في الجامع، وهناك من شاهده يصلّي في الكنيسة. وصديقه العتيق قال لي بأنه تعرف إلى السويداء من خلال صداقاته فعاش بينهم سنوات، حين هرب من الخدمة الإلزامية الأسدية، حتى لايتحول إلى قاتل للمدنيين، حاولت مرة إحدى دوريات الأسد اعتقاله لسوقه للخدمة، فدافعت عنه القرية السورية الدرزية بكاملها وبقي هناك حتى سقط الأسد.
صابر يجمع التبرعات لنازحي درايا وتعرفه أم رياض
وشى لي بعضهم، بأنّ صابر لايحبّ الضجيج ويعمل بصمت، وكان يجمع التبرعات لنازحي داريا حين عاش في صحنايا، وتعرفه أم رياض التي فقدت في السجون ثلاثة من أبنائها.
تخلّى صابر عن حصته من البيت لأخيه الذي خرج من المعتقل، وهو حالياً يساهم في جمع التبرعات لنازحي الساحل، وحين مرّ الزلزال على سورية، كان يعيش في تركيا، ونجا من الموت بأعجوبة.
يهرب صابر من تجار السياسة، تعرّف على أخلاق البدو وأعرافهم وتقاليدهم الاجتماعية حين اشتغل بالتعليم وتمّ تعيينه في إحدى قرى دير الزور، كان معلماً وحيداً هناك، منهم تعلّم معنى الوفاء وطريقة إكرام الضيف، من بسطاء تلك القرية تعلم، رغم أنه معلم، تعلّم أن لايكره أحدا.
يراقب صابر المشهد السياسي السوري، وحين اشتعلت غابات الساحل الاخيرة، قال لكل من حوله، يجب أن تكون السياسة السورية الآن تماماً مثل عمل هؤلاء الناس الرائعين الذين يطفئون الحرائق، يجب إطفاء كل الحرائق الداخلية، ومع كل دول الجوار، لأن الحريق سيلتهم الجميع وخاصة أهل هذه الأرض.
راقب الأحداث السورية الأخيرة وبكى طويلاً، حين رأى القتلى شعر أنه فقد القدرة على التعبير ، رأى أن الوطن بكامله تحّول إلى قتيل. كان عاجزاً أمام بحر الكراهية الذي رآه من خلال وسائل التواصل الإجتماعي وغيرها من مواقع إعلامية.
شعر أننا نعيد قتل غياث مطر مرة أخرى بأيدينا نحن، ونعيد إنتاج ضحكة الأبله بشار الأسد. وصرخ لوحده عالياً ، لكنه كان صوتاً مخنوقاً ولم يسمعه أحد.
إلى أين نحن ماضون؟
تعلم هذا الصابر أن الحياة ستعود للبلد، عندما يقتنع الجميع أنهم ركاب في مركب واحد، ومن يثقب المركب في مكان جلوسه سيغرق الجميع، ولن ينجو أحد.
كتب البارحة في دفتره اليتيم: إلى أين نحن ماضون بهذا البلد؟ وهل سيبقى هذا البلد بلداً إن أصبحت الكراهية عبارة عن وجهة نظر؟.
قرأ صابر تاريخ سورية منذ التأسيس، واعتذر من الرمز الوطني سلطان باشا الأطرش، وذلك حين شاهد الجهلاء الغرباء يدوسون على صورته.
تذكر لوحده البارحة شعار بشار الأسد، الذي تمكن عبره من حرق البلد “الأسد أو نحرق البلد” ومنذ تلك الأيام السوداء كان يقول: لماذا لم يتنازل هذا الشخص، لشعبه؟ ولماذا لم يبحث عن حلّ سياسي يحفظ كرامة الناس؟ وبالمحصلة وجد الجواب في كتاب “حيونة الإنسان” لممدوح عدوان. حيث غاية القمع أن يخاف الجميع من الجميع.
تمكن صابر حتى الآن على التغلب على عدة ذبحات صدرية، وحين كان في العناية المشددة، كان يريد الحياة له ولكل المرضى المحيطين به.
يقرأ حالياً قصائد قباني السياسية ووجد أنّ أجمل قصائد نزار هي قصائده عن النساء وعن دمشق، ويذكر أنه زار مرة بيت نزار هذا وتعّرف إلى مكان طفولة الشاعر.
من أين يأتي كل هذا العنف؟
يحاول فهم ومعرفة من أين يأتي كل هذا العنف؟ كل هذه الكراهية؟ يسترجع كيف اغتال حزب الله برعاية الأسد رئيس الحكومة اللبناني السابق رفيق الحريري، عام 2005 وكيف قتلوه معنوياً قبل اغتياله بالمتفجرات. الأمر بدأ هكذا، اشتغلت ماكينة إعلام حزب الله وإعلامييه نحو تخوين الحريري، ولم يتركوا مناسبة إلا ووصفوه بها بالعمالة والخيانة.
إذاً الكراهية ونشرها في الفضاء العام هي اللغم الأول، واللغم العادي يكون تتويجاً للقتل المعنوي.
يذكر الكاتب الألماني المعاصر “مارتين فيللة” في أحد كتبه حادثة عن شخص يمشي خلال نومه، وخلال نومه يتسلق نحو السطح ويمشي على حوافه. وحين اشتكت زوجته للمعالج النفسي عن خطورة ذلك، أجابها: الخطورة الآن ليس فقط في أنه يمشي خلال نومه إنما في أن يصحو خلال نومه.
أخشى ما أخشاه أن كل سورية ينطبق عليها قصة ذلك السائر في نومه والعبرة الواضحة فيها.
يريد صابر متابعة الحياة بسلام وأمان في بلده، ويطلب من ناشري الكراهية التوقف مباشرة عن ذلك.
ويختم بقوله: لأهل سورية السلام والأمان.
تلفزيون سوريا



