تاريخ

استعادة أبو عبدو الجحش/ حسام جزماتي

دروس أمين الحافظ والوقاية من «الباطنية»

29-07-2025

        لم يكن السوريون يتذكرون من الرؤساء الذين حكموا بلدهم قبل حافظ الأسد إلا القليل. ومن بين هؤلاء اسم كان استحضاره صعباً بالمقارنة مع شيوع استخدام لقبه الغريب «أبو عبدو الجحش».

        ولد أمين الحافظ في حيّ البيّاضة العتيق في حلب القديمة في عام 1921. نشأ على الفتوة وحمل لقب أبو عبدو منذ يفاعته التي جرّب فيها سجناً قصيراً إثر مشاركته في مظاهرة مناهضة للاستعمار الفرنسي تأثراً بسياسات «الكتلة الوطنية» الداعية إلى الاستقلال الذي، ما إن تم، حتى استطاع الشاب الانتساب إلى الكلية الحربية التي تخرج منها في عام 1948 ليلتحق فوراً بالحرب العربية اليهودية في فلسطين. ومن هذه العناصر؛ العائلة التقليدية المحافظة والنزعة الوطنية والبعد القومي العربي وقضية فلسطين؛ تشكّلت شخصيته التي جمعت بين العسكري وبين القبضاي، بحد أدنى من السياسة قاده، في منتصف الخمسينيات، إلى الانضمام إلى حزب البعث العربي الاشتراكي، بعلاقة تنظيمية رخوة ولكن بإيمان عميق.

        أثناء سنوات الانفصال عن الوحدة مع مصر في أوائل الستينيات كان أبو عبدو ضابطاً كبيراً غير مأمون الجانب بسبب ميوله العروبية، ما دفع زملاءه إلى نفيه بمهمة مستحدثة وعبثية ملحقاً عسكرياً في السفارة السورية في الأرجنتين. لكن انقلاب رفاقه البعثيين، في 8 آذار (مارس) 1963، أعاده إلى البلاد ووضعه في سدة الحكم. عضو مجلس قيادة الثورة ووزيراً للداخلية في الحكومة الأولى. وفي 10 تموز (يوليو) من العام نفسه رُفّع إلى رتبة لواء وأصبح رئيساً للأركان العامة ووزيراً للدفاع بالوكالة، فضلاً عن احتفاظه بالداخلية. وبعد أقل من ثلاثة أسابيع اختاره رفاقه لرئاسة الدولة السورية، حتى انقلب عليه جناح يساري منهم، في 23 شباط (فبراير) 1966، وأودعوه السجن الذي لم يخرج منه إلا بعد هزيمة حزيران، مبعداً إلى لبنان ثم إلى العراق حيث أمضى عقوداً في كنف حكم الجناح اليميني للحزب. إلى أن انهار هذا الأخير بالغزو الأميركي في نيسان (إبريل) 2003، ليعود الحافظ إلى مدينته، بعد ترتيبات مع بشار الأسد الذي رأى أن العجوز لم يعد خطراً، فسمح له بقضاء سنواته الأخيرة في حلب حتى وفاته في 2009.

        * * * * *

        في الحقيقة كان الحلبيون أكثر من يتذكر الحافظ بين السوريين. ولعلهم من أطلق عليه لقب «الجحش» الذي اشتهر بين السكان، خاصة العرب السنّة منهم. فخلال عقد الستينيات كانت هذه الأكثرية تتلمس طريقها في التعرّف إلى الحكام البعثيين الجدد، القادمين من المجهول تقريباً، المتغيرين باستمرار نتيجة صراعاتهم الداخلية، الضباط حاملي المشروع العلماني الاشتراكي الفلاحي المهدِّد لنمط الحياة السياسي والاقتصادي والاجتماعي للمدن كدمشق وحلب وحماة. وشيئاً فشيئاً استقر في روع السنّيين المحافظين أن انقلاب آذار، في صلبه ومنتهاه، ليس إلا قفزةً للطوائف الأقلوية الإسلامية في البلاد إلى السلطة تحت يافطة حزب البعث. ونحتت العامية الشفوية الشعبية مفردة «عدس» للاستخدام الآمن تعبيراً عن تحالف العلويين والدروز والسماعلة الذي بدا أنه يحكم البلاد.

        هنا بالضبط يدخل أبو عبدو في المشهد. فالطوائف المذكورة، ولأنها «باطنية» على وجه الخصوص، قدّمت إلى الواجهة «مطايا» من الضباط السنّة أبرزهم، وفق هذه الترسيمة، أمين الحافظ الذي تولى الرئاسة بعد أن استقال الفريق لؤي الأتاسي، ابن السلالة الحمصية، إثر تصفية البعثيين لشركائهم في الوصول إلى الحكم من الناصريين الذين كان أكثرهم من السنّة. لم يقبل الحافظ بذلك فحسب بل كان ذراعاً عسكرية ضاربة أساسية في هذه العملية القمعية، ثم بتسريح قوائم كبيرة متلاحقة من الضباط المشتبه بهم كان يقدمها له، بحسب هذه السردية، المقدم معاون مدير إدارة شؤون الضباط، اللواء حين صار رئيساً للأركان؛ صلاح جديد، الضابط العلوي الصموت. وبديلاً عن هؤلاء، وعن قوائم أخرى سابقة شملت ضباط عهد الانفصال الذين كان أكثرهم من الشوام؛ كانت «عدس» تستدعي أقاربها من القرى ومن الوظائف المدنية وتلحقهم بدورات مبتسرة ليتخرجوا عسكريين.

        أضيفت إلى هذه الحكاية عن غفلة أبو عبدو قصة أخرى أكثر إثارة تتعلق بالجاسوس الإسرائيلي الشهير كوهين، القادم من الأرجنتين. إذ نُسِب إلى الحافظ التعرف إليه هناك وتزويده برسائل تزكية أتاحت له التغلغل في أعلى هرم السلطة السورية. ورغم أن الرئيس الفريق نفى تماماً أن يكون قد رأى كوهين قبل اعتقاله، كما حاول إنكار التهمة الأولى بالقول إن ما يقرب من 500 ضابط كانوا قد سُرِّحوا بالفعل قبل عودته إلى دمشق؛ إلا أن ذلك لم ينقذه من التطويب بلقب «الجحش».

        في ربيع عام 2001، في سورية جديدة كما بدت بعد موت حافظ الأسد، تتكلم قليلاً في السياسة وتشاهد القنوات الفضائية العربية، استضافت الجزيرة الحافظ شاهداً على العصر في خمس عشرة حلقة لم تفلح إلا في تكريس الانطباع السائد عنه بالصوت والصورة بعد أن كان اسماً سابحاً في الأحاديث وهو في منفاه القريب البعيد. إذ يتذكر من شاهدوه أن كلمة «عيب» ربما كانت الأكثر تكراراً على لسانه عند محاولة المذيع معرفة قصة التكتل الطائفي الذي نشأ في الحكم والجيش وقتئذ، بينما كان الحافظ يرفض، بفروسية كما يعتقد، وضع النقاط على الحروف في هذه المسألة وتحديد الأسماء، مصراً على «الوحدة الوطنية»، متنقلاً، في وصف رفاق تلك الأيام، بين كلمات: رجّال، طيب، من خيرة الناس، نظيف، طاهر الذيل…

        * * * * *

        لم يكن أحد يتخيل أن يعود اسم الحافظ إلى التداول لولا المفاجآت التي بدأت في أواخر العام 2024 بسقوط نظام الأسد، وما تلا ذلك من انفجار سنّي. ففي تخطيطة طائفية سهلة، وليست خاطئة كلياً، لتاريخ البلاد يتحمّل السنّة جزءاً كبيراً من مسؤولية القمع الذي رزحوا تحته لأكثر من نصف قرن بعدما وصل حافظ الأسد «العلوي» إلى الحكم إثر تصفيات بين فرقاء «عدس»، أطاحت بالدروز مع إعدام سليم حاطوم، وبالإسماعيليين مع انتحار/مقتل عبد الكريم الجندي. فتراجع أبناء هاتين الطائفتين إلى الرتبة الثانية أو الثالثة في الحكم، على الأقل كما رأى الضباط السنّة الذين وجدوا أنهم في أدنى درجات الأهمية في الجيش، وخاصة منذ الثمانينيات، وبشكل أشد بعد الثورة في عام 2011.

        أما مسؤولية البيئة السنّية عن ذلك فتجلت في أمرين؛ أولهما إحجامها عن إرسال أبنائها للتطوع، وخاصة من المدينيين كالشوام والحلبيين، وثانيهما ارتضاء من تطوع منها لأن يكون مطية استخدمتها الأقليات للتوقيع على المخازي من وراء مناصب مهيبة شكلياً لكنها عديمة القيمة فعلياً. وهنا حضر أبو عبدو مثالاً نموذجياً.

        وفي ظل التوجس الطاغي من ضياع فرصة الحكم السنّي، التي «قد لا تتكرر لقرون» بحسب هذه البيئة، اتُّخِذَت تجاه الخطأين السابقين إجراءات وقائية صارمة. فسيطرت الفصائل السنّية على كل المناصب، العليا والمتوسطة والصغيرة والقواعد، في الجيش الوليد، وصارت فكرة إشراك الأقليات في الحكم مثيرة للحذر من أن تكون حيلة «باطنية» جديدة للتسلل إلى رأس الهرم باستخدام حيلة «الوحدة الوطنية»، التي لا يقع في حبالها إلا «الجحش»!

موقع الجمهورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى