إشتباكات السويداء والتدخل الاسرائيلي السافر تحديث 28-29 تموز 2025

عن التدخل الاسرائيلي السافر في سورية الجديدة، ملف تناول “شهية إسرائيلية لتفتيت سوريا” – تحديث 15 تموز 2025
لمتابعة مكونات الملف اتبع الرابط التالي
التدخل الاسرائيلي السافر في سورية الجديدة
لمتابعة تفاصيل هذا الملف اتبع الرابط التالي
لمتابعة تفاصيل هذا الملف اتبع الرابط التالي
===================
تحديث 30 تموز 2025
————————–
أحداث الجنوب السوري ومشاريع التقسيم الإسرائيلية/ فؤاد عبد العزيز
29 يوليو 2025
كتبتُ في عام 2020 منشوراً على صفحتي في “فيسبوك” ذكرتُ فيه أن رئيس المجلس العسكري للمنطقة الجنوبية الذي كان في الأردن أطلعني في العام 2012 على خريطة لسورية، تتضمّن بوضوح دولة درزية، تمتد من السويداء وحتى جبل الشوف في لبنان، بما فيها أجزاء كبيرة من أراضي حوران المتصلة مع الجولان المحتل. وعندما سألتُ رئيس المجلس العسكري عن مصدر الخريطة، قال لي إن أطرافا أميركية أعطته إياها، في إشارة إلى أجهزة المخابرات.
بعد ذلك المنشور، اتصل بي صديق من السويداء مقيمٌ في أوروبا، وهو يمثل أحد الأحزاب التي نشأت بعد الثورة السورية، ولا تمانع من التعامل مع إسرائيل. وقال لي إنه سوف يرسل إلي خريطة، وعليّ أن أخبره فيما إذا كانت نفسها التي رأيتها أم تختلف عنها. فكانت تقريباً الخريطة نفسها.
لاحقاً، حصلت عدة اتصالات بيني وبين هذا الصديق، طلب مني في أحدها أن أقترح عليه أسماء وازنة في منطقة درعا في الجنوب السوري التي أنتمي إليها، للتواصل معهم وطرح المشروع عليهم، كون فكرة الدولة الدرزية لا تهدف إلى تهجير أبناء المنطقة من أهل حوران ممن تشملهم خريطة التقسيم، وإنما استيعابهم داخلها. يومها تعاملتُ مع الموضوع بنوع من السخرية، وقلت له إنها فكرة غير قابلة للتطبيق على أرض الواقع إطلاقاً، لأن المنطقة المقصودة بالتقسيم في حوران يعيش فيها أكثر من نصف مليون نسمة من السنّة مع أقلية مسيحية، أي سوف يكون عددهم أكثر من الدروز أو مساوياً له، وهو ما يفقد فكرة الدولة الدرزية الخالصة من جوهرها.
بعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر/ كانون الأول الماضي، سارعت إحدى الفئات في السويداء إلى رفض الحكم الجديد جملة وتفصيلا، وحتى قبل أن يتّضح خيرُه من شره، ثم أخذت بإصدار البيانات وإطلاق التصريحات، التي وصلت في بعضها إلى حد التهديد باستخدام السلاح لإسقاط الدولة الجديدة، بذريعة أنها حكومة متطرّفة وغير ديمقراطية وغير علمانية، وتبيّن لاحقاً أن هذه الفئة تدعمها فصائل عسكرية محلية، تمتلك أسلحة كثيرة ومتطوّرة، ومشروعها أكبر بكثير مما تدّعيه. ويعزّز هذا الكلام أن الرئيس السابق للحزب التقدّمي الاشتراكي في لبنان، وليد جنبلاط، الذي ينتمي للطائفة الدرزية، كان أول شخصية عربية ودولية تزور الرئيس أحمد الشرع، وظن كثيرون يومها أن الزيارة تأتي في إطار المكايدة السياسية مع نظام بشّار الأسد الذي كان يعارضه جنبلاط، ثم اتضح، وبحسب ما صرّح جنبلاط نفسه، أن زيارته لم تكن تحتمل التأجيل، وأشار بلغة مبطنة إلى أن ما يجري التبييت له في السويداء يهدف إلى إحداث صدامٍ بين الدروز والإسلام خدمة للكيان الصهيوني، الذي يعتزم إحاطة نفسه بحائط صد من أبناء الطائفة الدرزية، تفصل بينه وبين الدول العربية المحيطة به، فينتهي بذلك الخطر الذي يهدده من وجهة نظره.
عودة إلى الوراء قليلاً
يحيلنا موقف وليد جنبلاط إلى موقف والده كمال جنبلاط، الذي أفشل مشروعاً مشابهاً في نهاية الستينيات من القرن الماضي، عندما بدأت إسرائيل بالتواصل مع شخصيات درزية بارزة من الجولان، منها كمال كنج أبو صالح، ومن لبنان كمال أبو لطيف، في أعقاب هزيمة حزيران (1967)، حيث شعرت إسرائيل يومها بأن الدول العربية في حالة ضعف شديد، ما يسمح لها بتمرير مشروع دولة درزية محيطة بها.
في تلك الفترة، أخبر كل من كمال أبو صالح وكمال أبو لطيف كمال جنبلاط بأنهم يجتمعون مع المخابرات الإسرائيلية التي تطرح عليهم فكرة الدولة الدرزية، فطلب منهم الاستمرار في تلك الاجتماعات حتى تتضح الصورة كاملة، وعندما تبيّن أن إسرائيل تنوي بالفعل تقسيم سورية ولبنان، أخبر كمال جنبلاط في 1969 كلاً من العراق وسورية ومصر، أيام جمال عبد الناصر، وجرى إفشال المشروع. بعدها اعتقلت إسرائيل كمال كنج أبو صالح وحكمت عليه بالسجن 24 عاما، بينما اغتيل كمال أبو لطيف في لبنان في ظروف غامضة.
رغم فشل مشروع التقسيم آنذاك، لم تتوقّف إسرائيل عن المضي فيه في السنوات التالية، حيث دعمت في 1976 مليشيات من أبناء جنوب لبنان، ذوي الأغلبية المسيحية المارونية (مع أقلية مسلمة) بقيادة الرائد سعد حداد، وشكّلت ما يسمى جيش لبنان الجنوبي. ثم في 1978 اجتاحت جنوب لبنان، فيما عرف بعملية الليطاني، بغرض توسعة سيطرة عميلها سعد حداد على المنطقة، واستخدمته آنذاك حائطَ صد ضد منظّمة التحرير الفلسطينية والمقاومة اللبنانية في الجنوب. وفي 1982 اجتاحت إسرائيل جنوب لبنان واحتلته كاملا، وهو الاحتلال الذي استمر حتى مايو/ أيار 2000، عندما انسحبت من جنوب لبنان بعد أن ثبت فشل مشروعها التقسيمي، بإحداث كيان مسيحي ماروني على “حدودها” الشمالية مع لبنان، ومن ثم إيجاد كيان درزي على “حدودها” مع ما تبقى من لبنان وسورية في أقصى الشمال الشرقي. وقد توفي سعد حداد في 1984، وتولّى أنطوان لحد قيادة ما يسمّى جيش لبنان الجنوبي، الذي انتهى به الأمر لاجئاً في إسرائيل بعد انسحابها من الجنوب، وخائناً ومنبوذاً من اللبنانيين والعرب جميعا.
دروز السويداء ومشروع التقسيم
لا يوجد تحديد زمني دقيق للفترة التي بدأت فيها إسرائيل بالتواصل مع شخصيات في السويداء عبر دروز فلسطين من أجل العمل على مشروع التقسيم. حتى وليد جنبلاط عندما سئل في لقائه مع التلفزيون العربي قبل نحو ثلاثة أشهر عن الأمر، قال إن هذا التواصل منذ فترة طويلة. ويبدو أنه كان يشير إلى ما بعد انطلاق الثورة السورية في العام 2011. وقد حاولت أن أعرف من الصديق من السويداء، إلا أنه لم يحدد بدقة ولمح إلى 2019. غير أن مراقبين ومتابعين كثيرين يرون أن الأمر يعود إلى ما قبل ذلك بعدة سنوات، ويشيرون تحديداً إلى تاريخ مقتل الرئيس الروحي للطائفة الدرزية في السويداء، الشيخ أحمد الهجري في 2012 بحادث سيارة، يعتقدون أنه كان مدبرا للتخلص من الرجل، كونه كان أقرب إلى الثورة السورية، ومن ثم الإتيان بشقيقه حكمت الهجري لتولي المنصب مكانه، باعتباره أكثر مرونة. وهو ما اتضح لاحقا من خلال مواقفه التي أصبحت مؤيدة لبشّار الأسد بشكل كامل، ولم يغيّر هذا الموقف إلا مع انطلاق الاحتجاجات الشعبية في ساحة الكرامة في السويداء منتصف العام 2023، عندما وقف إلى جانبها، وبدأ يطالب بشّار الأسد بالرحيل.
ويحتج أصحاب الرأي السابق بأن حكمت الهجري كان منذ البداية مشروع عميل لإسرائيل، من خلال سعيه إلى السيطرة على السويداء واحتكار القرار السيادي فيها، إذ نجح بإصدار قانون عن وزارة الأوقاف السورية، يعتبره الرئيس الروحي الأول للطائفة الدرزية، بمعنى أن عدم موافقته على أي قرار يلغي موافقة الشيخين الآخرين الممثلين للطائفة، يوسف الجربوع وحمود الحناوي. وهو ما حدث بعد ذلك وتكرر أكثر من مرّة، وخصوصاً بعد سقوط نظام بشّار الأسد وتسلم الرئيس أحمد الشرع السلطة الانتقالية في سورية.
ومهما يقال عن البدايات، وهي مهمّة، تبقى الأسئلة الأهم: كيف دخل السلاح بهذه الكمية الكبيرة إلى السويداء؟ ومتى؟ وما هو مصدره؟ وهل كان نظام الأسد قبل سقوطه يعلم بهذا السلاح ثم غضّ الطرف عنه كونه كان يخطّط للهروب من البلد من أجل خلط الأوراق بعده؟ … في بحثٍ عن الإجابة على هذه التساؤلات، ثمة من يفيد بأن بداية التسلح كانت في 2022. وعندما انطلقت السويداء في احتجاجاتها الشعبية بعد ذلك بعام، كان المشجّعون للحراك هم أنفسهم من كانوا حتى الأمس القريب من الموالين لبشّار الأسد، وكانوا هم أنفسهم المتسلحين. ويبدو أن أجهزة الأسد كانت على علم بدخول السلاح إلى السويداء، فلم يحاول النظام أن يقترب من احتجاجات ساحة الكرامة، لكن إعلامه في البداية شنّ هجوماً شرساً على أبناء السويداء، واتهمهم صراحة بالعمالة لإسرائيل. وحسب معلومات غير مؤكدة فإن قوات سوريا الديمقراطية (قسد) لعبت دوراً كبيراً في إيصال السلاح إلى السويداء، وتحدّث آخرون عن إسرائيل، وهناك من يشير إلى قاعدة التنف، كون الرئيس الأميركي السابق، جو بايدن، كان مقتنعاً بمشاريع إسرائيل التقسيمية في المنطقة. وفي العموم، يمكن القول إن جميع هذه الأطراف لعبت دوراً في تسليح بعض الفصائل في السويداء، مع اختلاف المصالح والأهداف فيما بينها.
ماذا تريد إسرائيل؟
معروفٌ أن إسرائيل تحاول استثمار أقل حالة ضعفٍ في الوضع العربي من أجل تنفيذ مشروعاتها، فما بالنا بحالة ضعف أكثر من تدمير سورية وانهيار كامل لما يسمّى محور المقاومة والممانعة. لذلك كانت إسرائيل تستعد لاحتمال انهيار النظام. وعندما هرب بشّار الأسد وأركان حكمه نهاية العام الماضي، قامت بتدمير كامل مقدّرات الجيش السوري من أسلحة وذخائر، ثم أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، حمايته الدروز في سورية، وهدّد باستخدام القوة في حال التعرّض لهم، وهو ما نفذه خلال أحداث جرمانا وصحنايا قبل نحو ثلاثة أشهر، ومن ثم أحداث السويداء أخيراً، وأعلن بعدها المنطقة الجنوبية بالكامل منزوعة السلاح، يمنع على الجيش السوري الدخول إليها بالكامل. ومن يراقب حدود هذه المنطقة، يدرك أنها تشابه حدود التقسيم المسمّى دولة درزية، المطلوب منها أن تحجب إسرائيل عن لبنان وسورية. وتقتضي خطة نتنياهو، بعد أن يحقق هذه الحزام الأمني الدرزي، أن يعلن مشايخ الدروز التبرؤ من القومية العربية ومن الدين الإسلامي، وإعلان الدرزية ديانة مستقلة، وأن الدروز قومية منفصلة وقائمة بحد ذاتها، وأنها أقرب إلى اليهود دينا وعرقا من العرب. هذا ما أفصحت عنه شخصيات وطنية درزية، منهم سعيد نفاع من فلسطين وصالح زهر الدين من لبنان، بالإضافة إلى أن وليد جنبلاط، الذي ذكر أكثر من مرّة إن إسرائيل تريد أن تضع الدروز في مواجهة مع الإسلام والعرب، بمعنى أنها، من خلال مشروع الدولة الدرزية، لا تسعى إلى تطويق نفسها بحائط صد فقط، وإنما ايضاً إعدام جميع الخيارات أمام هذا الحائط، وجعله هو من يدافع عن وجود إسرائيل بمنتهى الشراسة، لأن نهايتها تعني نهايته، بعد أن أصبح شاذّاً في محيطيه العربي والإسلامي.
واضحٌ، إذن، أن المخطط الذي ترسم له إسرائيل خطير جدا، ويضع الدروز بالفعل في مواجهة مع دولهم التي ينتمون إليها، عبر تحويلهم من مواطنين إلى أعداء. ولهذا نجد أن من يروّجون هذا الموضوع هم بعض دروز فلسطين، أو بصورة أدق قيادتهم الروحية ممثلة بالشيخ موفق طريف، الذي يحتكر قرار دروز فلسطين، بالإضافة إلى فصائل من دروز السويداء ممثلة بالشيخ حكمت الهجري، الذي حاول احتكار كامل قرار دروز سورية، وليس السويداء فحسب، وعلى غرار طريف. والواضح أن من يسيرون وراء هذا المشروع لا يزالون أقلية، وإن بدا أن نسبيتهم بعد أحداث السويداء أخيراً زادت. وعلى أرض الواقع، لا يمكن أن تقرّر هذا الأمر فئات في فلسطين أو سورية، حتى لو كانت إسرائيل بجبروتها العسكري خلفهم، بل هو قرار الشعب السوري بالكامل، الذي لن يسمح بتمرير هذا المشروع مهما كلف الأمر.
هل السلام الإبراهيمي بديل عن مشروع التقسيم؟
ظهرت فكرة السلام الإبراهيمي، في أثناء الولاية الأولى للرئيس الأميركي، دونالد ترامب، وبالذات في نهاية ولايته عندما شهدت حديقة البيت الأبيض الجنوبية في 15 سبتمبر/ أيلول 2020 مراسم توقيع ما أطلق عليه “اتفاقات أبراهام”، بين الإمارات والبحرين من جهة وإسرائيل من جهة ثانية. وتطمح هذه الاتفاقات إلى إيجاد صيغة توافقية بين الأديان الثلاثة التي تنتسب إلى إبراهيم عليه السلام، الإسلام والمسيحية واليهودية، وتمثل هذه الصيغة الحد الأدنى المشترك بينها في الإيمان، لكن ما علاقتها بمشروع التقسيم؟
يرى مراقبون كثيرون أن فكرة السلام الإبراهيمي التي اخترعها ترامب تهدف إلى الرد على مخاوف إسرائيل من جيرانها العرب والمسلمين، والتي تدفعها إلى التفكير بإقامة جدران عازلة بينها وبينهم، من خلال مشروع بديل يقوم على اختراع دين جديد يوحّد مواقف أصحاب الديانات الثلاث تجاه بعضهم بعضاً، كما ويقلّل من العداوة التاريخية بينهم، وصولا إلى فكرة السلام المجتمعي الذي يعني التطبيع والحياة الطبيعية الكاملة بين اليهود والمسيحيين والمسلمين الذين يعيشون في المنطقة العربية. وهناك من يرى أيضا أن قدوم الرئيس أحمد الشرع إلى حكم سورية، بما يمثله من خلفية إسلامية، بالإضافة إلى رفع الرئيس ترامب جميع العقوبات الأميركية عنه وعن سورية، إنما جاء بعد اشتراطات من الجانب الأميركي بقبول سورية الانخراط في مباحثات سلام مع إسرائيل. أما إسرائيل، فترى أن المشروع غير مجد ما لم تنخرط فيه دول إسلامية وازنة مثل المملكة العربية السعودية، التي تشترط لأي علاقة تطبيع أن يكون قائما في البداية على حل الدولتين، إسرائيلية وفلسطينية، وهو ما ترفضه إسرائيل بالكامل. ومن جهة ثانية، تدرك السعودية أن مشروع التقسيم غير قابل للتطبيق على أرض الواقع، وفق ما تسعى إليه إسرائيل، وإنما تستخدمه أداةً من أدوات الضغط لإجبارها مع سورية على توقيع اتفاقية سلام معها بدون أية شروط. لهذا سارعت المملكة بالإعلان عن استثمارات ضخمة في سورية بأكثر من ستة مليارات دولار، في إشارة إلى أنها تقف إلى جانب سورية في مواجهة كل مشاريع التقسيم.
في الختام، ومهما قللنا من خطورة ما تخطط له إسرائيل في المنطقة، فهي نجحت في إثارة الفوضى في سورية، وهي بكل تأكيد قادرة على إثارة مزيد من الفوضى، نظراً إلى أن من يستطيع ردعها لا يريد أن يردعها، فما يفعله الأجير يطيب للمعلم، كما يقول المثل الشعبي.
العربي الجديد
—————————-
عن شروط السلام السوري مع الدولة الصهيونية/ عمار ديوب
28 يوليو 2025
اتخذ أحمد الشرع موقفًا مهادنًا من دولة الاحتلال الصهيوني منذ وصوله إلى دمشق، إذ أكد على سعيه إقامة علاقاتٍ طبيعيةٍ مع كلّ دول العالم، ومنها هذه الدولة. عكس ذلك تمسكت دولة الاحتلال بتصنيف هيئة تحرير الشام تنظيمًا إرهابيًا، وانسحبت من اتّفاقية فك الاشتباك عام 1974، واحتلت، ولا تزال تحتل، مناطق واسعة من بلدات القنيطرة ودرعا، كما سيطرت على جبل الشيخ الاستراتيجي، وتحاول فرض منطقة أمنية منزوعة السلاح في كامل المنطقة الجنوبية، في درعا والسويداء، ودمرت كامل البنية التحتية العسكرية بأكثر من 400 غارةٍ جويةٍ، ولم تتوقف حتّى اللحظة، واخترقت الأجواء السورية في حربها ضدّ إيران بالنصف الأول من شهر يونيو/حزيران 2025.
رغم ما سبق كلّه؛ لم يتغير موقف الإدارة السورية، ولم يعل صوتها، وقد مثّل ضغط العلاقة مع الإدارة الأميركية، وحث ترامب للشرع على الدخول في الاتّفاقيات الإبراهيمية، وحاجة سورية الماسة إلى رفع العقوبات عنها أحد أسباب انخفاض ذلك الصوت، مع أن هناك قراراتٌ دوليةٌ تؤكد حقّ السوريين بالمطالبة باستعادة الجولان كاملًا، ومنذ احتلاله في عام 1967، وقرارًا برفض ضمّ دولة الاحتلال للجولان عام 1981، وهو ما يجب أن تتمسك به إدارة الشرع، و”تناضل” دوليًا وعربيًا، وإقليميًا من أجله.
هناك استراتيجيةٌ قاصرةٌ لدى الدول العربية يتبناها الرئيس أحمد الشرع كما يبدو، تقول بضرورة السلام مع الدولة الصهيونية لتشريع سلطاتها مع الإدارة الأميركية، وهناك رداءةٌ في موقف هذه الدول تجاه الدولة الصهيونية، لا يغير من هذا، الموقف العربي الموحد في قمة بيروت عام 2002، وفحواه السلام مقابل الأرض، الذي رفضته الدولة الصهيونية. لكن لم تتمسك الدول العربية بموقفها ذاك، وتقوم بإلغاء اتّفاقيات التطبيع السابقة، بل وقعت بعضها الاتّفاقيات الإبراهيمية 2020، ولم تمثّل مأساة غزّة والحرب المدمرة، من 7 أكتوبر/تشرين الأول في 2023 سببًا جديدًا لإلغاء تلك الاتّفاقيات، وأيضًا لم يتنبه الشرع ذاته إلى أن تلك المأساة مستمرةٌ، ومن ثمّ، يضع إنهاءها شرطًا للسلام، أو كما تفعل السعودية مثلًا، حينما تؤكّد أن السلام مع دولة الاحتلال يتطلّب وقف الحرب على غزّة وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة غير منقوصة السيادة، وهذا ما ترفضه إسرائيل. يبدو أنّ المفاوضات المباشرة في بعض الدول العربية والإقليمية، ولا سيّما في باكو، دفعت الشرع إلى التراجع عن ذلك اللين، والتمسك بالقرارات الدولية في أيّة مفاوضاتٍ للسلام وباتّفاقية 1974، وربّما هذا سببٌ لتفسير قصف جيش العدو قيادة الأركان في دمشق وفي السويداء ودرعا، وبالقرب من القصر الجمهوري مؤخرًا، مدعيةً حماية الدروز، في حين أنّ هدفها مد سيطرتها الأمنية على كامل جنوب سورية.
إنّ تراجع الشرع النسبي، لا يعني أنّه غيّر استراتيجيته بالعلاقة مع دولة الاحتلال، إذ تستند الاستراتيجية تلك إلى رؤيةٍ قاصرةٍ، في أن شرعية الحكم خارجيةٌ بالضرورة، وكلّ حكمٍ قابلٌ للسقوط دونها، في تجاهلٍ أن الشرعية الحقيقية تتأتى من الشعب، كما أنّها تتطلّب تنازلاتٍ من قبل الأنظمة الحاكمة، وهو ما ترفضه تلك الأنظمة بشكلٍ أعمى. لذا يجعلها تأكيدها الشرعية الخارجية عرضةً لمختلف أنواع الابتزاز والمشروطية، وعكس ذلك تتيح لها الشرعية الداخلية. هل من الخطأ عكس الفكرة، والقول بأنّ سلطات الأنظمة لم تكن لتصل إلى الحكم لولا الغطاء الخارجي، ومن ثمّ مصدر شرعيتها الخارج؟ هذا التحليل يقود إلى نظرية المؤامرة، ومن ثمّ، سنتخطاها ونتمسك بالأولى، بأنّ المشكلة الحقيقية في استراتيجية الأنظمة العربية القاصرة، والشرع يتبناها.
إن التمسك باستعادة الجولان كاملاً، يجب أن يكون المدخل لأيّة مفاوضاتٍ أمنيةٍ حدوديةٍ، أو لاتّفاقية السلام، وهذا ما لم يعلنه الشرع بوضوحٍ. إن الحالة الكارثية التي تعيشها سورية، بلدًا مدمرًا، يجب ألا تدفع السلطة إلى الذهاب نحو السلام غير المشروط، ولا سيّما أن الدولة الصهيونية تؤكّد رفضها التراجع عن احتلال الجولان، ومن ثمّ، ربما تُحدّد للشرع أن الممكن الوحيد هو العودة إلى اتّفاق فك الاشتباك، والتخلي الكامل عن الجولان، وشروطٍ جديدةٍ تتعلق بالبقاء في جبل الشيخ وسواه. قد تدفع هشاشة أوضاع سلطة دمشق إلى خفض مطالبها، وهناك حراكٌ دبلوماسيٌ ليس استراتيجيًا للدخول في المفاوضات، ما يفتح على الأسئلة الخبيثة، وربما المحقة، بأنّ إدارة الشرع قد تعقد صفقةً سريةً تتنازل فيها عن الحقّ في الجولان قبالة العودة إلى فك الاشتباك وتأبيد ذاتها في الحكم. إن ضعف التغطية الإعلامية عن موضوع الموقف من الاتّفاقية، سببٌ كبيرٌ لأسئلتنا أعلاه، وهذا لم يتغير حتّى بعد أحداث السويداء.
تبدو الدولة الصهيونية صارمةً تجاه احتلال الجولان، والأن تريد فرض منطقةً أمنيةً على كامل الجنوب السوري، كما أنّ أيّ اتّفاقية سلام يجب أن تنطلق من هذا. إذ الخيار الوحيد لسلطة دمشق الآن هو رفض هذه الشروط، ورفض أن يصبح الجولان واحةً للسلام تحت السيادة الصهيونية؛ الجولان أرضٌ سوريةٌ، لا بد أن يعود إليها، والمنطقة الأمنية تمثّل سيطرةً كاملةً على العاصمة ذاتها، ومن ثمّ يجب رفضها. سيضع أيّ تراجعٍ عن هذا التفكير الشرع وإدارته في مشكلاتٍ متفاقمةٍ مع الشعب السوري، الذي يؤكّد سُورية الجولان وكلّ أرضٍ سورية.
هناك تمييعٌ من قبل إدارة الشرع بموضوع المفاوضات الخاصّة بالحدود والاستقرار، أو شروط السلام، ولا نكاد نقرأ موقفًا واضحًا يتبناه السلك الدبلوماسي، وزير الخارجية بالتحديد، أو إعلاميو السلطة. هذا التمييع يراد منه تمرير الوقت، ومراقبة مواقف السوريين العامة، وحثهم على قبول استراتيجية إدارة دمشق في العلاقة مع الدولة الصهيونية، ولا سيّما أن موضوع التنازل عن الجولان، والصرامة الصهيونية في ذلك تدين صمت الإدارة. ربما تتوهم الإدارة أنّ السوريين الغارقين في مختلف المشاكلات قد يصمتون تجاه اتّفاقية سلامٍ منقوصةٍ، تتخلى فيه عن الجولان، أو يسمحون بمنطقةٍ أمنيةٍ، ستكون مرفوضةٌ هذه الأوهام، وقد تؤدي إلى اغتيال الشرع ذاته، ومن ثمّ الصحيح أن تتمسك إدارة الشرع باستعادة الجولان أولاً، ومن ثمّ يمكن الحديث عن السلام. يجب أن تتخلص الإدارة من رؤيتها القاصرة، في أنّ شرعيتها تأتي من الخارج، كما ذكرنا من قبل.
إن البدء بخطواتٍ نحو الانتقال الديموقراطي في سورية، وإشراك الشعب في النهوض بالدولة، وضمان الحريات والتعددية هو ما سيؤمن شرعيةً داخليةً للنظام، وسيتيح له محاصرة أيّة اتجاهاتٍ سوريّةٍ تستعين بالخارج، أو سيجعلها معزولةً شعبيًا. إن هذه الخطوات، ستجعله قادرًا على الوقوف تجاه الشروط الخارجية، وتجاه الشروط الصهيونية، وعكس ذلك في حال استمرت إدارة الشرع، كما تفعل، في فرض هيمنتها الكاملة على الدولة، وبالتالي ستتكاثر أسباب التذمر والاحتجاج، والآن أصبحت السويداء بحالة عداءٍ مع إدارة دمشق بسبب حملته العسكرية التي حاصرتها، وسمحت بمختلف أشكال الانتهاكات ومنها المجازر. هناك فشلٌ كبيرٌ في تجاوز الأزمة الاقتصادية والاجتماعية وكلّ ما يتصل بها، وهناك استئثارٌ بكلّ المؤسسات، التي تقود المرحلة الانتقالية، وإذا أضفنا غياب موقفٍ دقيقٍ تجاه شروط الدولة الصهيونية للسلام فإن إمكانية حدوث مشكلاتٍ أمنيةٍ تهدد السلطة ذاتها هو أحدّ السيناريوهات المتوقعة.
الجولان لن يكون واحةً للسلام تحت السيادة الصهيونية، هو أرضٌ سوريةٌ، وشعبه جزءٌ من الشعب السوري، واستعادته ما ستسمح بالسلام فقط، وضمن خطةٍ عربيةٍ لإقامة الدولة الفلسطينية. هذا هو شرط التفاوض، ومن ثمّ، تخطئ سلطة دمشق إن بدأت مفاوضاتٍ مباشرةً، والأفضل أن تظلّ غير مباشرةٍ، وبما يعيد حق السوريين بأرضهم المحتلة منذ 1967، وخارج الأراضي السورية المحتلة، ولا سيّما بعد نشر تقارير تؤكّد حدوث بعض اللقاءات التفاوضية في أراضي الجولان المحتل.
حاول هذا النص مناقشة بعض أوجه هذه القضية المعقدة، وهناك قضيةٌ دستوريةٌ لا يمكن تجاوزها، إنّ قضية العلاقة مع الدولة الصهيونية تتطلّب إجماعًا شعبيًا، وتغييرًا دستوريًا، وهذا لا يمكن تحقيقه قبل إجراء انتخاباتٍ عامةٍ لرئاسة مجلس الشعب خصوصًا، وبناء مؤسساتٍ سياسيةٍ شرعيةٍ، وهذا سيحدث بعد انتهاء المرحلة الانتقالية، أي بعد خمس سنواتٍ، حينها يمكن طرح القضايا أعلاه، وسوى ذلك؛ سيظلّ فاقدًا للمشروعية الدستورية، ولموافقة الشعب.
العربي الجديد
—————————————-
عندما يصبح منع الإعلام في سوريا هو الحدث/ سميرة المسالمة
الثلاثاء 2025/07/29
إذا توافقنا على أن سوريا تمر بأحد تحولاتها الكبرى، وحالة جديدة لم يسبق لأجيالنا الراهنة أن عاشتها، فعلينا أن نتوافق أن هذا يتطلب وسائل تعامل جديدة مع أدواتها، ومواكَبة من كل السوريين لكل أحداثها. وعليه، يعد الإعلام هو بطل المرحلة، وحاملاً أساسياً للتغيير. أي يصبح ضرورة لا ترفاً، ودوره يتجاوز نقل الخبر إلى توثيق الحقيقة، ومساءلة الأداء، ومنح الناس حقهم في الفهم والمشاركة، فهو عندما يمتلك أدواته المهنية، يصبح وثيقة وطنية ويستمد كتّاب التاريخ منها مادتهم الموثوقة. فالإعلام ليس خصماً للسلطة، بل حليف لها في مواجهة الشائعة، وفي تصويب السياسات، وفي إيصال صوت الناس وتبادلهم المعلومة مع حكوماتهم.
من هنا يصبح التساؤل ضرورة حول حكمة الإجراءات التي اتخذتها وزارة الإعلام في تقييد وصول الصحافيين إلى المعلومة، وإلزام المسؤولين بالعودة إليهم في أي تصريح يطلبه الإعلام سواء كان محلياً أو أجنبياً، وكأنهم يعيشون عصر وصاية الوزارة على حرية إدارة المعلومة في مؤسساتهم، متناسية (الوزارة) أنه حين يكون الإعلام مقيّداً، فإن الحكومة تفقد إحدى أهم أدواتها في الفهم والتصحيح والاستجابة.
فالمفارقة التي نعيشها منذ التحرير حتى اليوم، هو تراجع ثقة الحكومة بشفافيتها، وليس العكس، فتلك التي كانت منفتحة أمام الإعلام خلال أشهرها الأولى صارت تخشى الإعلام. والغريب أن تكون الوزارة المعنية باتجاه الدفع للانفتاح على الإعلام هي اليوم التي تغلقه، وتقيده، في الوقت الذي نحتاج فيه للمصارحة والمشاركة، لأن كشف الخطأ هو أول خطوة باتجاه الإصلاح. أما من يمنع الإعلام، فهو غالباً يخشى من مواجهة حقيقته أمام مواطنيه، على الرغم من أننا جميعاً نعرف أن الخراب هو حاصل سياسة العهد السابق وفساده.
ولذلك، لا يمكن الحديث عن إصلاح سياسي أو إداري من دون تحرير الإعلام من القيود البيروقراطية والأمنية، ولا يمكن لحكومة أن تطلب من المواطن الثقة، وهي تحجب عنه الحقيقة، أو تمنع الصحافي من الوصول إليها. والحقيقة أن الدولة لا تمتلك أداة لحماية نفسها أقوى من إعلام مهني حرّ، وإذا كان توثيق الحدث يُعد تهديداً، فربما تكون المشكلة في الحدث لا في الشخص الذي يوثق، فأي حكومة تسعى إلى بناء شرعيتها واستدامة ثقة شعبها، لا بد أن تضع الإعلام الحر والمسؤول في صلب أدواتها. فالمصداقية لا تُفرض بالمنع، ولا تُصان بالصمت، بل تُبنى عبر الشفافية، وتُحترم عندما يُتاح لوسائل الإعلام أن تسأل وتُتابع وتُحاسب.
إن احترام عقل المواطن يبدأ من احترام حقه في المعلومة، ومكانة الدولة تُقاس أيضاً بمدى حرية إعلامها ومهنيته. فالإعلام الحر ليس عدواً للحكومات، بل يمنحها أسباب البقاء، بشرط أن تكون مستعدة للوضوح والمساءلة، والحكومة السورية التي تدير دولة خارجة من حرب 14 سنة، وغارقة بفساد نظام ممتد منذ أكثر من ستة عقود، لا يضيرها أن تنفتح على الإعلام بكل مراحلها، وتعبر بحرية عن مكامن تعثرها، أو تعترف بأخطائها في مسيرة تعافيها.
فعلى سبيل المثال، عندما تُمنع الكاميرات من مرافقة قوافل المساعدات الإنسانية إلى السويداء، وتُحجب المعلومات عن الصحافيين، فإن ذلك يترك الفرصة متاحة لسرديات مضادة، وموظفة لغايات سياسية لا تخدم المهمة الإنسانية التي نأملها من دخول المساعدات لأهلنا في السويداء ومحيطها، وبكل أسف، يتحوّل الإعلامي الذي يغامر بأمانه من أجل المعلومة إلى متهم، وهذا ما يعني أن ما يجري لا يتعلق بتنظيم العمل الإعلامي، بل يفهم من ذلك أنها محاولة للسيطرة على سردية الواقع أو تغييبه، من دون سبب يعود بالفائدة على الحكومة، بل هو حتماً يضاف إلى أخطائها، وجلّ من لا يخطئ.
لذلك، تصبح الحاجة ماسّة لإعلام وطني حر، ينقل الواقع بمسؤولية، ويمنح الناس أدوات الفهم، ويطرح الأسئلة حول ما يحدث ولماذا يحدث، هذا الإعلام ليس ترفاً سياسياً، بل ضرورة استراتيجية، خصوصاً في اللحظات التي تتطلب إعادة بناء الثقة الوطنية، وتثبيت معايير العدالة والشفافية واستعادة إنسانية الحكومات بعد أن هشمتها حكومات الأسد الفاسدة، بل الشريكة في جرائمه. فسوريا اليوم أكثر من أي وقت سابق تحتاج إلى الإعلام المهني والمساحات الحرة له، وبغير ذلك يتحول هذا الإعلام من طوق نجاة للحقيقة إلى حبل مشنقة مشدود على أعناقنا.
المدن
——————————-
سوريا من سايكس وبيكو إلى ترامب ونتنياهو/ رياض معسعس
لم يستوعب العرب درس مؤامرة الحلفاء الكبرى بعد تحالفهم معهم لإسقاط السلطنة العثمانية على أعقاب اندلاع الحرب العالمية الأولى التي كان مخططا لها من بريطانيا وفرنسا، وتنتظر الشرارة الأولى باغتيال وريث العرش النمساوي الأرشيدوق فرانتز فريديناند في سراييفو في العام 1914. ولم يتيقظ الشريف حسين إلى المؤامرة الكبرى، والخديعة الأكبر للحلفاء بنكوصهم العهد الذي اقتطعوه له ببناء المملكة العربية التي تمتد من الحجاز إلى سوريا الكبرى والعراق. فبعد أن أقنع الجاسوس البريطاني توماس إدوارد لورنس (لورانس العرب) الشريف حسين بالالتحاق بركب الحلفاء، كان مارك سايكس البريطاني، وجورج بيكو الفرنسي يرسمان بالقلم والمسطرة خرائط الشرق الأوسط الجديد، ويرميان في سلة المهملات رسائل الحسين ـ مكماهون التي كان التاج البريطاني يطمئن فيها الحسين لبناء مملكته قبل أن تنفيه إلى قبرص بعد إكمال المؤامرة الكبرى التي كشفت عنها جريدة البرافدا بعد سقوط القيصرية الروسية التي كانت شريكة في المؤامرة لاقتسام التركة العثمانية على أيدي البلاشفة. هذه المؤامرة الكبرى للغرب بأكمله الذي كان يسيطر على عصبة الأمم، كما يسيطر اليوم على الأمم المتحدة، لم تقتصر على تقسيم الهلال الخصيب بين فرنسا وبريطانيا كما تقسم تركة «الرجل المريض» بين ورثته، أو بالأحرى كعكة التورتة، بل الأخطر من التقسيم بالمسطرة والقلم أراضي سوريا الكبرى هو زرع التقسيم الديني والطائفي والعرقي. فبريطانيا التي كان نصيبها (فلسطين والأردن والعراق) زرعت دولة يهودية في فلسطين على حساب العرب من مسلمين ومسيحيين، لتشكل هذه الأقلية اليهودية فيما بعد الدولة المارقة التي تبناها الغرب وخاصة أمريكا كقاعدة متقدمة وخادمة لمصالح الغرب مقابل الدعم والتأييد والتسليح والتمويل، وإفشال كل القوانين الدولية المطالبة لها باحترامها حتى أصبحت اليوم الدول المارقة، المعربدة المتآمرة على كل دول الشرق الأوسط من عرب وعجم وأتراك. وسلم الحلفاء الحكم في الأردن والعراق لأبناء الشريف حسين (فيصل وعبد الله)، أما فرنسا التي كان نصيبها سوريا الحالية ولبنان الذي كان تابعا لها فقامت على الفور بإنشاء دولة لبنان بقيادة مارونية حسب ميثاق لبنان 1943 الذي خص الموارنة بالرئاسة للدولة والجيش، والسنة برئاسة وزراء شكلية، ورئاسة البرلمان للشيعة أي التقسيم السياسي على أساس طائفي، وهذا ما فجر حربين أهليتين الأولى في العام 1958، والثانية في العام1975 والتي دامت 15 سنة وانتهت باتفاق الطائف الذي حد من صلاحية رئيس الدولة الذي بقي مخصصا للموارنة، وزيادة في صلاحية رئيس الوزراء الذي بقي سنيا، وكذلك بالنسبة لرئاسة البرلمان الذي بقي للشيعة، ولم يحظ الدروز ما حظي به الآخرون. أما في سوريا فقامت فرنسا بإنشاء مشروع تقسيم البلد لخمس دول مفصلة طائفيا حسب تواجدها جغرافيا:» دولة حلب، دولة العلويين، دولة الدروز، دولة دمشق، الإدارة الممتازة للجزيرة (مناطق تواجد الأكراد والعرب السنة، الإدارة الممتازة للواء إسكندرون الذي ستتخلى عنه فرنسا لصالح تركيا في عام 1939)، هذا التقسيم الذي رفضه السوريون بجميع طوائفهم أشعل ثورة 1925 بقيادة سلطان الأطرش (زعيم درزي)، وتم إفشال هذا المشروع ونالت سوريا استقلالها في حدودها الحالية في العام 1946. وفي العام 1967 تم احتلال الجولان من قبل دولة الاحتلال.
لم تع الأنظمة العربية إلى اليوم أن فائض القوة لدولة الاحتلال المارقة لابد وأن تستخدمها يوما ضد هذه الأنظمة، وأن الهرولة إلى تل أبيب لاسترضائها وإرضاء واشنطن باتفاقيات أبراهام وما سبقها لن تساوي الحبر التي كتبت فيه في اليوم الذي تجد هذه الدولة المارقة التي بدأت كعصابات إرهابية في بدايات القرن الماضي أصبحت اليوم أقوى دولة في الشرق الأوسط وتهدد جميع دوله بشكل مستمر بطريقة أو بأخرى، وما يجري في غزة هو أكبر تحد وإهانة للعرب جميعا، وللإنسانية جمعاء التي لا تستطيع لجم جماحها. لم تتيقن الأنظمة العربية حتى اليوم أن قوتها في وحدتها، ووحدها فقط تجعلها تواجه كل من يريد استباحة أمنها. ورغم أن كل زعماء هذه الدولة المارقة يصرحون جهارا نهارا وعلى رأسهم بنيامين نتنياهو أنهم يريدون تغيير الشرق الأوسط، وتفتيت سوريا، ولبنان، وطرد الفلسطينيين من غزة، وقد أيد الكنيست مؤخرا مقترحا يقضي بضم الضفة الغربية، لم يواجه من الدول العربية والإسلامية إلا ببيان ككل البيانات السابقة التي تدين انتهاكات إسرائيل وجرائمها. الجنرال الإسرائيلي يسرائيل زيف أكد في مقال له على موقع القناة 12 الإسرائيلية أن كل دول سايكس بيكو كبراكين على وشك الانفجار، وأن سوريا أصبحت نسخة من الصومال، ويتأسف لعدم دعم الدروز «الأشقاء»، ولم تخف دولة الاحتلال مساعيها لتجزئة سوريا، لتحقيق حلم إسرائيل الكبرى «من الفرات إلى النيل»، وهي تخشى اليوم من سوريا الجديدة وعودة ازدهارها ومنعتها وهي تعمل بشتى الوسائل لتهديد وحدتها وأمنها. عربدة إسرائيل، وضربها عرض الحائط كل القوانين الدولية تعاظم مع وصول دونالد ترامب في دورته الأولى الذي سارع إلى اعتراف أمريكا بسيادة دولة الاحتلال على الجولان، ونقل سفارة أمريكا إلى القدس، وهندسة «اتفاقيات إبراهيم» التي سارعت أربع دول عربية للتطبيع مع الدولة المارقة، ومع دورته الثانية لم يتوان عن طرح فكرة تهجير فلسطينيي غزة، وضرب المشروع النووي الإيراني، وحشد قوات أمريكية ضخمة لحماية الحليف المدلل وغض الطرف عن كل الانتهاكات في غزة، والضفة، ولبنان، وسوريا، وإيران، وكل عمليات الاغتيال التي قامت بها في أكثر من مكان في الشرق الأوسط، وكلام ترامب أمام الصحافيين بأن مساحة إسرائيل صغيرة مقارنة بجيرانها تعني أنه يسعى لتمددها في الأراضي العربية، ولم يكن عبثا عندما صرح المبعوث الأمريكي لسوريا توماس براك بأن :» الغرب فرض قبل قرن من الزمان خرائط وانتدابات وحدودا مرسومة بالحبر، وأن اتفاقية سايكس ـ بيكو قسمت سوريا والمنطقة لأهداف استعمارية لا من أجل السلام، وأن ذلك التقسيم كان خطأ ذا كلفة على أجيال بأكملها ولن يتكرر مرة أخرى، وأن زمن التدخل الغربي انتهى وأن المستقبل سيكون لحلول تنبع من داخل المنطقة وعبر الشراكات القائمة على الاحترام المتبادل». كيف ذلك؟ هل هناك تقسيم جديد ووجه جديد للشرق الأوسط كما يتمنى نتنياهو؟ وهل هناك اتفاقية جديدة باسم ترامب ـ نتنياهو تحل محل سايكس ـ بيكو؟ ما قاله توماس باراك ليس من بنات أفكاره بل لابد أنه متداول في دهاليز الإدارة الأمريكية لتكون إسرائيل حجر الزاوية في صرح الشرق الأوسط الجديد عبر تفاهمات إبراهيمية جديدة فترامب لا يريد أن تنتهي ولايته الثانية والأخيرة بدون إكمال مشروعه الإبراهيمي والاطمئنان على الدولة المارقة ولو على حساب دول وشعوب المنطقة كما حصل في سايكس ـ بيكو، لأن مع أي تفاهم جديد لا بد من أن تكون الدولة المارقة هي الرابحة، والآخرون هم الخاسرون.
القدس العربي
———————–
المرحلة الأخيرة من المشروع الإسرائيلي/ غازي العريضي
29 يوليو 2025
قال عضو الكونغرس الأميركي ليندسي غراهام (معروف بتطرّفه وهوسه بإسرائيل وبالدفاع عنها): “شاهدت بأم العين جنوداً إسرائيليين يطلقون النار في غزّة على فلسطينيين يرفعون الرايات البيضاء. وقتل المستوطنون مواطناً أميركياً من أصل فلسطيني زار الضفة الغربية لتفقّد أهله. أطالب بتحقيق ومحاسبة”. أعلنت منظمة الهجرة الدولية أن الجيش الإسرائيلي “يتوغّل في دير البلح، ويستهدف محطّة تحلية مياه. يعاني الفلسطينيون مستوياتٍ مروّعة من المعاناة. أكثر من 90% من المنازل في غزّة قد دُمِّرت أو تضرّرت”. قدّم مسعفون على الأرض شهادات أكدّت أن الدبّابات “أطلقت النار باتجاه خيام تؤوي عائلات نازحة”. منظّمة الصحة العالمية تناشد: “مقرّ إقامة طاقم المنظّمة في دير البلح هوجم ثلاث مرّات، وكذلك مستودعها الرئيس. دخل الجيش واحتجز الأفراد والأهالي”. أعلنت الأمم المتحدة أن “800 شخص قتلوا في أثناء انتظارهم المساعدات”.
تمنع إسرائيل الإعلاميين من الدخول إلى غزّة. ممنوع كشف الحقائق، ووكالة الصحافة الفرنسية (فرانس برس) تُعلِن أنها تخشى “أن يموت مراسلو وكالتنا التي أُسّست من عام 1944 جوعاً. نرفض أن نشاهدهم يموتون”، ويقول أحد المواطنين: “أرفض أن أخرج بكيس للبحث عن الطعام فأعود محمّلاً فيه”، وتقول إسرائيل للإعلاميين: “حرصاً عليكم نمنع دخولكم”، في استهتار بعقول الناس وكراماتهم. مَن يهدّد الصحافيين والإعلاميين والمصوّرين؟ مَن يستهدفهم؟ أهؤلاء المساكين البؤساء الفلسطينيون الأبرياء الذين يُقتَلون إعداماً برصاص الجيش الإسرائيلي، وأحياناً من عناصر أميركية، وهم يركضون وراء نقطة توزيع ما أو علبة أرزّ أو حليب؟… تريد إسرائيل الاستمرار بهواياتها وترفها وحقدها، وممارسة عنصريتها وكراهيتها تجاه الفلسطينيين، فتقتلهم تحت عنوان “إنساني”، والهدف هو اقتلاعهم من أرضهم.
منظّمة شؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة تُعلِن: “نتلقّى رسائل يأس عن المجاعة من قطاع غزّة، بما في ذلك من زملائنا، ويجب رفع الحصار وإدخال المساعدات الإنسانية بأمان، وعلى نطاق واسع إلى قطاع غزّة”. الحكومة البريطانية تؤكّد: “نموذج تقديم المساعدات الذي تتبعه إسرائيل خطير، ويغذّي عدم الاستقرار، ويحرم سكّان غزّة من كرامتهم. نستنكر قتل الأطفال. ندعو الحكومة الإسرائيلية إلى رفع القيود المفروضة على تدفّق المساعدات، ونعارض بشدّة أيَّ خطوات نحو تغيير ديمغرافي في الأراضي الفلسطينية المحتلة. نستنكر التوزيع البطيء للمساعدات وقتل المدنيين بمن فيهم الأطفال الذين يسعون لتلبية أبسط حاجاتهم”. هذا الكلام بيان وقّعته أكثر من 30 دولة، واعتبرته اسرائيل: “مرفوضاً. هو منفصل عن الواقع”. هي الواقع، والحقيقة، وهي الأمر الواقع، والآمر الناهي. هي مرتكب المجازر والإبادة منذ نشوئها، وهي الخصم والحَكم. وتأكيداً على ذلك، أعلن جدعون ساعر وزير الخارجية: “أصدرت تعليمات بعدم تمديد تأشيرة إقامة مسؤول المكتب الأممي لتنسيق الشؤون الإنسانية توم فليتشر. من ينشر الأكاذيب عن إسرائيل لن نتعاون معه”.
لاحقاً، صدر بيان ثلاثي بريطاني فرنسي ألماني يُعلِن: “حان الوقت لانتهاء الحرب في غزّة. الكارثة الإنسانية التي نشهدها يجب أن تتوقّف. ودعا إسرائيل إلى السماح فوراً للأمم المتحدة والمنظّمات غير الحكومية بالقيام بعملها. نحن ملتزمون بدعم الجهود الدبلوماسية التي تبذلها الولايات المتحدة وقطر ومصر”.
الجواب الإسرائيلي أعلنه نتنياهو أولاً: “في اللحظة التي تُلقي فيها حماس سلاحها وتستسلم، ربّما نسمح لهم بالمغادرة. وقتها ستنتهي الحرب”. وزير المالية بتسلئيل سموتريتش قال: “انتهت مراسم التفاوض المذلّ مع الإرهابيين، وحان وقت تحقيق النصر”. وأعلن وزير الأمن الداخلي إيتمار بن غفير: “الطريق الأمثل لاستعادة الرهائن وتحقيق النصر، هو وقف المساعدات واحتلال كلّ غزّة، وتشجيع الهجرة والاستيطان”.
قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون: “سنُعلِن دعمنا قيام الدولة الفلسطينية في الجمعية العامة للأمم المتحدة المقبلة”. ثار جنون إسرائيل، فردّ نتنياهو: “الدولة الفلسطينية ستكون في مثل هذه الظروف بمثابة منصّة لإبادة اسرائيل لا للعيش معها بسلام”. وسخر السفير الأميركي لدى الدولة اليهودية مُعلِّقاً: “يمكنني أن أعلن أن فرنسا ستقدّم الريفييرا الفرنسية لقيام الدولة الفلسطينية”. يعني أن ريفييرا الشرق الأوسط ستكون في أرض فلسطين كما أعلن ترامب قبله، وإذا كنتم تريدون دولةً فلسطينيةً فخذوا الفلسطينيين إلى “ريفييرتكم”، هذا هو الهدف الاسرائيلي الذي خطا الكنيست خطوةً في أبعد في اتجاهه، عندما صوّت على مشروع قرار يدعو إلى فرض السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية وغور الأردن، وفي ذلك تهديد لكلٍّ من الأردن ومصر. وفي موضوع غور الأردن، كتب جون كيري، بعد خروجه من الوزارة (كان وزيراً للخارجية الأميركية)، أن نقاشاً دار بينه وبين نتنياهو وقيادة السلطة الفلسطينية، وطُرحت فكرة وجود قوات أميركية هناك، فرفضها نتنياهو. طُرحت فكرة قوات دولية فرفض. والجواب الثابت: “لا يحمي أمن إسرائيل إلا الجيش الإسرائيلي”. هذا هو المشروع الأساس، لم (ولن) يتغيّر اليوم، في ظلّ التقدّم الإسرائيلي، الذي يتصرّف على أساس أن لا أحد يقف في وجهه، أو يمون على إسرائيل أو يفرض عليها أمراً. إنها فرصة تاريخية في نظر قادة إسرائيل فلماذا تفويتها؟
يقول بن غفير: “نحن أصحاب البيت. كلّ شيء لنا”. والنائبة ليمور سون هار ميليخ أعلنت: “أريد أن أكون واضحةً، لا دولة فلسطينية، لا الآن ولا لاحقاً، ولا بأيّ شكل من الأشكال. لا حكم ذاتياً مطوّراً، ولا إمارات نابلس والخليل (فكرة طرحها فلسطينيون مستعدّون للاعتراف بإسرائيل دولةً يهوديةً)، ولا كونفدرالية، ولا كيان دون دولة”. وشاركها نواب ووزراء بالقول: “إنه قرار تاريخي لا عودة عنه”.
في هذا التوقيت، أعطى الرئيس الأميركي ترامب الضوء الأخضر لنتنياهو لاستكمال الحرب: “على إسرائيل إنهاء المهمّة والقضاء على حماس”. إنه قرار إطلاق يد جيش الاحتلال في غزّة، وفي الضفة أيضاً. إنه مشروع تهويد فلسطين. “القفص” جاهز في غزّة لإدخال الناجين من المواطنين وسجنهم فيه، في انتظار تأمين نقلهم إلى دول بعيدة، تُجري أميركا وإسرائيل اتصالات في هذا الشأن مع دول أفريقية وغير أفريقية، وسيكون لذلك تداعيات كبيرة على واقع المنطقة كلّها.
مجدّداً أقول: يخطئ من يتصرّف على أساس أنه سيكون بمنأى عن مخاطر هذه التداعيات، ومن الوهم الاعتقاد بأن إسرائيل تحمي أحداً غير مصالحها، وبأن أميركا تشكّل حمايةً على المدى البعيد. دول المنطقة ستكون مقبلةً على مشاكل داخلية اقتصادية ومالية وسياسية وأمنية. لن يبقى قويّ فيها، بل لن يبقى عنصر قوة فيها خارج الإرادة الإسرائيلية، رغم كلّ ما يقال اليوم وما يدّعيه بعضهم من أدوار وحضور “ونفوذ”. نحن في المرحلة الأخيرة من هذا المشروع وستكون طويلة. الخطر يدهمنا. فهل يبادر أصحاب الشأن للاستفادة ممّا تبقّى للحدّ من الخسائر على الأقلّ؟ لست متفائلاً. السبب: لا إرادة سياسية، بل قصر نظر في القراءة. خوف، وتردّد، وبحث عن حماية مصالح آنية، وإذا وجدت الإرادة فليس ثمّة إدارة سليمة حكيمة. آمل أن أكون مخطئاً.
العربي الجديد
—————————-
الهروب من الجحيم: نازحون من العشائر يروون فصول التهجير/ واصل حميدة
الاثنين 2025/07/28
منذ منتصف حزيران/ يونيو الماضي، تعيش محافظة السويداء على وقع واحدة من أكثر موجات العنف تعقيداً في تاريخها الحديث. ووسط تصاعد الاشتباكات بين قوى مسلحة متعددة، وجد المدنيون من أبناء العشائر البدوية والسكان الدروز أنفسهم، عالقين في أتون نزاع دموي، يدفعون ثمنه الأثقل، برغم أنهم لم يكونوا طرفاً فيه.
في هذا السياق، توثق شهادات عدد من الناجين من أحياء مثل المقوس والثعلة وشهبا وعريقة، قصصاً مروعة من القتل والتهجير والاعتقال والخذلان. وبرغم صعوبة التحقق المستقل من كافة التفاصيل نتيجة القيود الأمنية، فإن ما توفر من روايات يلقي الضوء على معاناة المدنيين، ويكشف عمق الشرخ الاجتماعي والنفسي الذي خلّفته الأحداث.
حصار المقوس: بداية الانفجار
في مركز إيواء بريف درعا، يسترجع “أبو سليمان”، نازح من حي المقوس، تفاصيل الأيام الأولى للهجوم. بدأ الأمر باختطاف مدنيين من العشائر، أعقبه اقتحام دموي للحي، وسط وجود نساء وأطفال وكبار سن داخل منازلهم. وبرغم التدخل الأمني الأولي لاحتواء النزاع، تعرّض رتل عسكري حكومي لهجوم داخل السويداء، أسفر عن مقتل أكثر من 20 عنصراً، مما شكل نقطة تحول خطيرة في مسار الأحداث.
مع انسحاب القوات الحكومية، انسحب أبناء العشائر من الأحياء غير المحمية، لتبدأ بعدها موجة اجتياحات عنيفة، أبرزها في شهبا، حيث وقع هجوم شرس أدى إلى مقتل عشرات المدنيين، من بينهم نساء وأطفال وكبار سن. يروي أبو سليمان كيف أُجبر الناجون على الاستسلام، فاعتُقلوا ونُقلوا إلى جامع ثم مدرسة، واستُخدموا كرهائن حتى تدخل عقلاء العشائر وجهات حكومية لتأمين إطلاق سراحهم.
رغم نجاته، ما زال أبو سليمان يعيش صدمة الاعتقال والتهديد بالقتل. فقد أفراداً من بلدات عدة، وشهد حالات إجهاض تحت القصف، وقطع مسافات شاقة في ظروف بالغة الخطورة. رسالته كانت واضحة: “لا نريد سلاحاً ولا ميليشيات… نريد دولة تحمينا”.
مأساة عائلة عبد الرزاق
عبد الرزاق، نازح آخر من شهبا، فقد والدته الطاعنة في السن خلال الهجوم. وجد جثتها قرب منزلهم بعد أن عجزت عن الفرار. الصدمة الأكبر كانت في اكتشافه مقتل شقيقه وعائلته بالكامل، بما في ذلك طفلين لم يتجاوزا الخامسة عشرة. يصف المشهد: “جثث متفحمة، فوارغ رصاص، ودماء في كل مكان”.
دفن عبد الرزاق أحبّاءه بيديه، في قبور غير مهيأة، محاولاً الحفاظ على كرامتهم في الموت. تعرض منزله للنهب أمام عينيه، في حين كان محتجزاً قربه. قضى أياماً من دون طعام أو ماء، بانتظار وساطة أخرجته مع عائلته. رغم شهادته بوجود بعض أهالي شهبا الذين تضامنوا معهم، فإنه أكد أن الحماية كانت شكلية، وأنه لم يعد قادراً على التعايش في بيئة شهد فيها مقتل أحبائه.
مواطنة تتحول إلى غريبة
منى الهوارين، معلمة متقاعدة من شهبا، سردت تحول مدينتها من بيت آمن إلى مكان طارد. بدأت تدريجياً تشعر بنظرات الرفض والتمييز كونها من العشائر، وازدادت الضغوط مع كل حادثة أمنية. تقول: “صرنا نُتهم لمجرد لهجتنا أو اسم عائلتنا”.
تدهورت الحالة النفسية لأسرتها. ومع التصعيد الأخير، فُرضت عليهم إقامة جبرية، قبل أن يُهجَّروا قسراً. خرجت من منزلها ببطانية فقط، تاركة وراءها كل شيء. فقدت بنت عمها، وهي مرشدة اجتماعية، في الهجوم، إضافة إلى أقارب بينهم طفل فائز بمسابقة مدرسية. رغم شهاداتها عن كفاءة عائلتها العلمية والمهنية، إلا أنها تقول: “صرنا نشعر أننا بلا كرامة ولا وطن”.
حماية الجيران في وجه الرعب
الحاجة صبحة ربيدان، ثمانينية من ريف السويداء، تروي كيف تدخل جيرانها من أبناء الطائفة الدرزية لحمايتهم من الهجوم. “قالوا لنا: دمي قبل دمك”. ظلوا محاصرين لأيام، ثم خرجوا مع قوافل الأمم المتحدة. فقدت ابنتها جميلة وعدداً من أقاربها في المجزرة، ولم تتمكن من وداعهم أو المشاركة في دفنهم. “العيلة كلها راحت”، تقول بصوت متهدّج، مضيفة “ما بينّا وبين الناس شي، بس الحرب غيّرت كل شي”.
تكشف الشهادات أن المدنيين، من العشيرتين البدوية والدرزية، هم الخاسر الأكبر في هذا النزاع. الانتهاكات جاءت من مختلف الأطراف، ومع تبادل الاتهامات، تظل الحقيقة المرة ثابتة: الدم السوري يُهدر بلا طائل.
بعيداً عن الخطابات الطائفية، يطالب الناجون بوقف العنف، ومحاسبة المسؤولين، وتوفير ضمانات للعودة الآمنة. مطلبهم بسيط، لكنه جوهري: “لا نريد سوى الأمان”.
————————
هل تسرّع أحداث السّويداء التسوية بين سوريا وإسرائيل؟/ وليد صافي*
2025-07-29
الدروس المستقاة من التاريخ علّمتنا أنّ التداعيات السياسية للأحداث التي تقع في جبل العرب لا تبقى على حافته. وإذا كان لأحقاد الماضي وتصفية الحسابات بين الدروز والبدو نصيبٌ وافٍ في هذه الأحداث، فإنّ حقائق الجغرافيا السياسية للجبل وتاريخه تؤكّد أنّ المواجهة التي اندلعت على أرض السويداء هي بالدرجة الأولى نتاج الصراع على مستقبل سوريا.
على الجانب الإسرائيلي، صارت واضحة الأهداف التي سعى إليها رئيس الحكومة الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من خلال ما تقوم به أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية من تركيب الأحداث وتغذيتها واستثمارها لإعادة رسم المشهد الجيوسياسي في جنوب سوريا ليكون رأس جسر يجعل منه لاعباً أساسيّاً في تقرير مستقبل سوريا وتحديد طبيعة نظامها السياسي الجديد.
على الجانب السوري، وجد الرئيس أحمد الشرع، المُغطّى أميركيّاً والمدعوم من تركيا ودول الخليج العربي لإقامة دولة مركزية، في الصدام الذي بدأ بين الدروز والبدو على خلفيّة خطف تاجر من السويداء فرصةً لفرض سيطرته بالقوّة على الجبل، من دون أن يكون مضطرّاً إلى دفع أيّ ثمن سياسي يرى فيه تهديداً لسلطته المركزية وأجندته لبناء سوريا الجديدة.
جاء التدخّل الإسرائيلي المسموم في هذه المواجهة بحجّة حماية الدروز ليترك تداعيات على علاقة الجبل بالنظام الجديد والمحيط الإسلامي السنّي بشكل عامّ، الأمر الذي استنفر وليد جنبلاط لمنع الفتنة وانتقالها إلى لبنان، وقد نجح في ذلك، وليطرح هذا التدخّل أيضاً انعكاساته على المسار الذي كانت تسلكه المفاوضات بين دمشق وتل أبيب في أذربيجان.
الدروس المستقاة من التاريخ علّمتنا أنّ التداعيات السياسية للأحداث التي تقع في جبل العرب لا تبقى على حافته
مراجعة للمواقف والاستراتيجية
تدلّ كلّ المؤشّرات على أنّ طرفَي المعادلة في دمشق وتل أبيب يراجعان حالياً مواقفهما واستراتيجيتهما للتعامل مع نتائج المواجهة في السويداء.
لقاء باريس مساء الخميس بين وزير خارجية سوريا أسعد الشيباني والوزير الإسرائيلي رون ديرمر، المقرّب من بنيامين نتنياهو، برعاية أميركية- فرنسية، والتفاؤل الذي عبّر عنه توم بارّاك ووزير خارجية فرنسا جان نويل بارو اللذان رعيا هذا الاجتماع، يدفعان إلى الاعتقاد بأنّ الجميع تهيّب تداعيات أحداث السويداء التي دقّت جرس الإنذار على أبواب جميع المؤثّرين في الميدان السوري.
السّويداء تغيّر المعطى الجيوسياسيّ
أحداث السويداء والنتائج التي تمخّضت عنها بدّلت بسرعة المشهد الجيوسياسي الذي كان يُرسم بين سوريا وإسرائيل. إذ فرملت الزخم الذي كان يدفع قُدماً المفاوضات بين البلدين.
قبل هذه المواجهة الدمويّة، كانت المفاوضات قد قطعت شوطاً كبيراً، بهدف التوصّل إلى اتّفاق عنوانه الترتيبات الأمنيّة، ولكنّ بُعده السياسي يرمي إلى تعبيد الطريق نحو التطبيع بين البلدين حين تتوافر الشروط الداخلية والإقليمية لنظام الرئيس الشرع.
في المقارنة مع تداعيات أحداث الساحل التي كانت تريد منها إيران زرع الفوضى في سوريا، وفشلها في صناعة أيّة أوراق تمكّنها من التأثير في المسرح السوري، فإنّ إسرائيل التي سعت لمراكمة الأوراق التي تمكّنها من اللعب بحرّية أكبر، والتأثير في تحديد الوضع الجيوسياسي والأمنيّ للجنوب السوري، تواجه حقائق قد تعقّد الاحتفاظ بهذه الأوراق وصرفها في المصالح التي تسعى إلى تحقيقها.
حقائق الجغرافيا السياسية للجبل وتاريخه تؤكّد أنّ المواجهة التي اندلعت على أرض السويداء هي بالدرجة الأولى نتاج الصراع على مستقبل سوريا
إسرائيل أمام معضلات معقّدة
لم يتوقّف الإسرائيليون منذ سقوط نظام الأسد عن التفكير وكتابة السيناريوهات المفضّلة لهم بالنسبة لسوريا ونظامها. وتراوحت هذه السيناريوهات بين تشجيع الدروز والأكراد على الحكم الذاتي، أو تقسيم سوريا إلى أربع دويلات، أو التشجيع على الفدرالية في مواجهة النظام المركزي الذي يعمل الشرع على بنائه.
لقاء الشرع مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في المملكة العربية السعودية، الذي دفع ببوصلة أميركية جديدة في سوريا بمسعى رئيسيّ من وليّ عهد المملكة الأمير محمد بن سلمان، خلق لإسرائيل معضلة استراتيجيّة.
فرضت هذه المعضلة على قادة تل أبيب التفكير في كيفية التعامل مع القرار الأميركي بدعم قيام دولة مركزية في سوريا، وإعطاء شرعية دوليّة لنظام الشرع، الذي تعتبره إسرائيل حتّى هذه اللحظة نظاماً يرتكز على خلفيّة جهادية ودعم تركي هويّته عثمانية.
لذلك انقادت إسرائيل إلى المفاوضات المباشرة مع نظام الشرع في أذربيجان، من دون أن تحسم من الناحية الاستراتيجية الموقف من الرؤية الأميركية والسعودية لسوريا.
أعادت أحداث السويداء طرح المعضلة نفسها على إسرائيل، لكن من باب استغلالها أوضاع الأقليّات. فهل تتمّ التضحية بهذه الأقليّات مقابل عدم خسارة الفرصة المفتوحة لها مع نظام الشرع؟
إسرائيل بين فرصة التّسوية مع الشّرع وحماية الأقلّيّات
نشر معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي مقالة لكرميت فالنسي بعنوان: “الأزمة في جنوب سورية تتفاقم وتضع إسرائيل أمام معضلات استراتيجيّة معقّدة”.
طرحت المقالة مسؤولية الشرع عمّا حدث في السويداء وتساءلت: “هل من المعقول أن يُجازف الشرع، بدافع الرغبة في تصفية حسابات طائفية أو فرض السيطرة على جنوب سورية، بكلّ ما حقّقه من إنجازات دبلوماسية واقتصادية خلال الأشهر السبعة الماضية، بما في ذلك الاعتراف والدعم الإقليميّان له، والثقة التي منحه إيّاها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والقرار الأميركي التاريخي برفع العقوبات الخانقة عن الاقتصاد السوري؟”.
أمّا الأسئلة ذات الطابع الجيوسياسي فكانت: المقارنة بين “الواجب الأخلاقي” في حماية الدروز والمخاطرة في فقدان الفرصة بعقد تسوية مع نظام الشرع، والتساؤل عمّا إذا كانت الغارات الجوّية على دمشق قد شكّلت استعراضاً للقوّة أم إطلاق النار على الذات، في إشارة إلى التداعيات السلبية على صورة دولة إسرائيل التي تحاول ضرب النظام واستقراره في الوقت الذي يلقى فيه هذا النظام دعماً أميركياً وخليجيّاً كبيراً.
أمّا التساؤل الأهمّ فكان بين انهيار المفاوضات أو العودة إلى الطاولة. إذ خلصت الكاتبة إلى أنّ “إسرائيل تسعى لتجنّب التورّط في صراع عسكري طويل الأمد في سورية، وتُدرك أنّ هناك مصلحة مشتركة تجمعها بالنظام في منع إيران وأذرعها من إعادة ترسيخ وجودها على الأراضي السورية. لذلك يمكن أن يسعى الطرفان إلى التوصّل إلى تفاهمات، سواء سرّية أم علنيّة، من أجل تثبيت الوضع القائم”.
لن تتوضّح الردود على هذه الأسئلة قبل أن يتّضح موقف نتنياهو من أيّ سوريا يريد: هل يريد الفوضى أم سوريا المُجزّأة؟ أم يتعامل بواقعيّة مع سوريا المركزية بقيادة الشرع مقابل ضمان مصالحه؟
إصراره على الاستمرار في تقديم نفسه حامياً للأقليّات يُشتمّ منه أنّه لا يزال يراهن على تغيير الموقف الأميركي من وحدة سوريا.
على المقلب الآخر، هل الشرع جاهز لتقديم حلّ سياسي شامل لاندماج المكوّنات السورية كافّة وسدّ نوافذ التدخّلات الإسرائيلية؟ وفي الجبل، هل يتبصّر من يجب أن يتبصّر في المقارنة التي يجريها نتنياهو بين الفوائد التي يجنيها من حماية الدروز في سوريا، والفوائد من التسوية مع نظام الشرع؟ ماذا لو مالت كفّة الميزان عنده للتسوية مع نظام الشرع، وهذا هو المتوقّع، فماذا ستكون التداعيات؟
إنّ غداً لناظره قريب.
* أستاذ العلوم السياسية في الجامعة اللبنانية
أساس ميديا
—————————-
“أيش يعني سوري؟”.. الهوية المفردة التي قتلت منير وسوريا/ أنيس المهنا
الثلاثاء 2025/07/29
جلس منير الرجمة على الأرض رافعاً يديه المرتجفتين، ليقدم روحه مقابل سؤال واحد: “أيش يعني سوري؟ درزي ولا سني؟”. في شوارع الثعلة (غرب مدينة السويداء) في تموز/يوليو الجاري، لم تكن كلمته الأخيرة “يا أخي درزي” سوى محاولة يائسة لاسترضاء قاتليه. لكن الرصاصة خرجت مسرعة محققة بغير قصد، نبوءة أمين معلوف في “الهويات القاتلة”: “عندما تتحول الهوية إلى سجن موت” . فهنا يتحول السؤال عن الهوية إلى إعدامٍ ميداني، حيث تختزل الإنسانية في عصبية طائفية منفردة، تُلغِي كينونته المتعددة.
“نحن لا نولد طائفيين”
بحسب شهود عيان وفيديوهات، لم يلفظ منير – حارس بئر ماء من الثعلة – سوى كلمات. إجابته “سوري” في البدء، تحطمت أمام سؤال المسلحَين، فالهوية الوطنية تحولت إلى إدانة وعار. يُعلق معلوف على هذا المفهوم: “الهوية ليست معطىً جاهزاً، بل بناءً نصنعه يومياً”. لكن في سوريا ما بعد 2011، تحول هذا البناء كما يبدو إلى ساحة حرب (والتي لم تتوقف بعد سقوط الأسد).
سوريا الجغرافية مجرد شظايا، واللايقين سيد الموقف، والتاريخ توقف.
ما حدث لمنير يُجسِّد تحذيرَ معلوف الرئيسي: “الخطر ليس في الانتماء للهوية، بل في جعلها متطرفة”. فالقاتل لم يرَ في منير جاراً أو أباً أو حتى إنساناً، بل رآه “درزياً”، تلك الهوية المفردة التي اختزلت وجوده.
هذا التبسيط هو جوهر “الهويات القاتلة”: “نحن لا نولد طائفيين.. الطائفية تُدرَّس، تُلقَّن، تُزرع في الطفولة”.
السويداء مختبر “القبائل الكونية”
لم تكن الجريمة بحق منير منفصلة. فخلال أيام، تحولت المحافظة إلى مسرحٍ لمجازر _ ذهب ضحيتها أكثر من 1300 قتيل من الدروز والعشائر_ تُجسِّد فكرة معلوف عن “زمن القبائل الكونية” ، حيث تتحول الانتماءات الضيقة إلى كيانات عدوانية تدافع عن وجودها.
فالمستشفيات صارت كساحات تمييز: دخول مسلحين المستشفى الوطني وتهديد الأطباء، “لو ما كنت دكتور لقتلتك”، بينما هم أنفسهم قاموا بتصفية مرضىً “دروز” في أسرّتهم.
كذلك حُرقت القرى بهوية سكانها، فقد أحرقت فصائل من العشائر 25 قرية درزية ، بالمقابل كان هناك ردّ درزي انتقامي على أحياء بدوية.
الكذب استعمل أيضاً كسلاح إنقاذ ، عندما أنقذت سيدة مسيحية، جيرانها الدروز بالقول للمهاجمين: “جيراني كلهم مسيحيون”.
“الثأر للهوية”
يقف منير الرجمة في وجه كلمات معلوف : “عندما يُرتكب عمل ذميم باسم هوية، لا تصبح الهوية مذنبة بذاتها، لكنها لم تكن بريئة تماماً”. فالعنف الطائفي في سوريا نتج عن تحويل الهوية إلى “ملكية خاصة قابلة للاشتعال”، حيث تُختزل كل الأبعاد الإنسانية في سؤال المسلح: “إنت درزي ولا سني؟”.
هذا الاختزال يغذيه – كما يشرح معلوف – “الإحساس بالإهانة التاريخية”: “عندما يرى المجتمع في الحداثة يداً غريبةً، يميل إلى رفضها وحماية نفسه.. مما يولد رفضاً انتحارياً”.
اليوم حوّل السوريون هذا الإحساس إلى وقود للحرب، حيث استُبدلت المواطنة بـ”الثأر للهوية”.
ماذا بعد، في مواجهة السؤال القاتل؟
قد يكون خلاص سوريا في كلمتين: “هويات مركبة”– وهي الفكرة الأهم في فلسفة معلوف. ماذا لو أجاب منير قاتليه: “أنا سوري ودرزي وأب وأخوكم في الإنسانية”، هل كان سيُحدث الفرق؟ ربما! لكن الرصاصات لم تمهله.
ضوء في النفق السوري يلمع في نموذج “المرأة المسيحية” التي أنقذت جيرانها “الدروز”، فهي تجسِّد رأي معلوف: “الهوية ليست قفصاً بل بوصلة متعددة الاتجاهات”. هذا الأمر يتطلب – كما يؤكد معلوف – شرطين: أولهما، احترام التبادل العادل عندما لاى يشعر أحد بأنه “مستبعد أو ملعون لدرجة إخفاء دينه أو لغته”.
الشرط الثاني، حسب معلوف، هو رفض مفهوم “الدم الأزرق”، أو رمز أسطورة “النقاء العرقي أو الثقافي”، وهي فكرة تناقض واقع التعددية في الهويات الإنسانية. الحل الذي يقدمه هو أن لا تتعامل المجتمعات “مع المختلف كمواطن من الدرجة الثانية”.
الموت والهوية
قتل منير الرجمة يذكّرنا بأن الهوية حين تُحوَّل إلى سلاح، لن يبقى أحدٌ ليحمل بطاقة هوية. لكن السويداء تثبت أن التعايش ممكن حتى في الجحيم، لو قبلنا بتعددية هوياتنا كما يقترح معلوف اللبناني-الفرنسي: “أنا عند مفترق بلدان ولغات وتقاليد.. وهذا ما يحدد هويتي”. فالهوية ليست قبراً ندفن فيه الآخر، بل بناء نرفعه معاً.
فـ”الموت لا ينتظر حتى ننهي جدالنا حول الهوية”.. يقول معلوف في هوياته القاتلة. حتى الأميركيون، والاسرائيليون، لم ينتظروا كثيراً وكانوا أسرع من الرصاصة التي قتلت منير الرجمة، مكرسين في باريس فكرة اللامركزية في السويداء، حسب مصادر يتمنى السوريون وحتى ” الدروز” أنفسهم، عدم موثوقيتها.
المدني
————————-
السويداء… نظرة من زوايا متعدّدة/ أيمن مراد
29 يوليو 2025
“عاداتنا نملي الحلة/ يوم المتاريس منصوبة”… هذا بيت من قصيدة طويلة تغنّى في كل مناسبة على شكل جوفية، ولعل هاتين الصفتين الكرم (نملّي الحلة) والشجاعة (المتاريس منصوبة) أهم صفتين تريد السويداء (في جنوب سورية) أن تتصف بهما، بل ربما نذهب إلى أبعد من ذلك، فنقول إن أهل السويداء يربطون معظم قيمهم الاجتماعية بهاتين القيمتين، ويشتقون معظم قيمهم الأخلاقية منهما، فلا مكان بينهم لمن لا يكرم ضيفه، ولا مكان بينهم لمن لا يستنفر دفاعاً عن أرضه وعرضه وكرامته، وهل هناك أبلغ من أن يصفوا أنفسهم بأنهم يكرّمون ضيوفهم بحلة ممتلئة وهم يحاربون (يوم المتاريس منصوبة)، فلا تثنيهم الحرب عن إكرام الضيف، ولا تشغلهم المعارك عن واجب الضيافة.
الكرم والشجاعة من الفضائل التي تمسك بها العرب وتغنوا بها كثيراً، لكن كل المجتمعات التي انتقلت من حالة البداوة إلى حالات من الاستقرار المدني بدأت تتخلّى أو تمدّن أو تحوّر أو تطوّر هذه القيم بما يناسب واقعها الجديد، ما يلفت النظر في السويداء أن أهالي السويداء بمقدار تمسّكهم وسعيهم الحثيث باتجاه التمدّن والمدنية، بمقدار تمسّكهم الشديد بقيمهم وفضائلهم القديمة، حتى إن المراقب يشعر معهم بأنه إزاء حالة تحتاج منهجية خاصة لفهمها وأدوات معرفية خاصة بها، لتبيان واقعها.
ولأننا بدأنا ببيتٍ من قصيدة تغنّى على لون الجوفية، فمن المناسب أن نستطرد في الحديث عن هذا اللون وأثره في تثبيت القيم الأخلاقية وزرعها في الأجيال الجديدة، علمًا أن الجوفية فنٌّ لا يخصّ السويداء وحدها، وأغلب الظن أنه قادم من منطقة الجوف في الجزيرة العربية، ولذلك نسب إليها، فهو فنٌّ متداولٌ في كل حوران والبادية الأردنية وبعض مناطق شمال السعودية، لكنه في السويداء الفن الأول الذي يُغنّى في كل الأعراس، والعرس الذي لا تنعقد فيه الجوفية يكون بارداً، بل ربما تعرّض أهله لنقدٍ أو ملامة، لعدم انعقاد الجوفية فيه، حتى لو حصل فيه مختلف أشكال الغناء الأخرى، فالجوفيّة سيدة الفن الشعبي، ويجب ألا يخلو عرسٌ منها، وقد تغنّى في الأتراح والمآتم، خصوصاً في تشييع الشهداء.
تُغنّى الجوفية بعدّة ألحان، وتنظّم على عدّة أوزان من الشعر، ولهجتها بدوية، وكلما أغرقت في اللهجة البدوية كانت محبّبة أكثر، منها السريعة الخفيفة، وهذه تكون حماسية، شطر البيت فيها يكون قصيراً كالبيت الموجود أعلاه. ويكون هذا النوع من أوزان مركّبة عادة، ومنها ما يكون على وزن واضح من أوزان الخليل، كالهجيني الطويل (بحر الرمل) كهجينية زيد الأطرش التي مطلعها:
من هضاب شاد أهلنا فوق منه/ موطناً للعز موفور الكرامة
من جبل حوران بيعرب تكنى/ يا المشكك دونك وشاح الوساما
فهذا ضرب من الهجيني الطويل يغنّى على شكل جوفية. أو أوزان أخرى كالرجز والكامل والهزج:
رعدٍ هدر قامت بروقه تشلعي/ تحدر سحابا من أربع قطاب السما
أما مواضيع الجوفيات فهي ذكر معارك السويداء وبطولاتها. ولهذا أوضحت السطور أعلاه أن لهذا الفن دورًا محوريًّا في تثبيت قيمة الشجاعة والنخوة والفزعة عند أبناء السويداء، فكل جوفية تتحدّث عن مناسبة فيها حدث بطولي قام به أبناء السويداء. وتكرار هذه الجوفيات في كل مناسبة يعني تكرار التذكير بهذه البطولات، وتكريس قيمة الشجاعة والنخوة والفزعة، فما زالت الجوفيات التي نظمت على معارك مع العثمانيين والفرنسيين وحملة إبراهيم باشا على بلاد الشام تتكرّر، ويكاد لا يوجد من لا يعرف مناسبة كل جوفية ومن نظمها، وماذا حدث في هذه المناسبة.
وهناك لونان آخران من ألوان الغناء التقليدي، هما الهولية، وقد بدأت بالانحسار، حتى إنها أوشكت على الانقراض بسبب قدرة التقنيات الحديثة على أخذ دورها، والهولية فنٌّ غنائيٌّ جماعي يعتمد على حركات إيقاعية منتظمة ومواضيع غنائها غزل فقط. وربما لهذا السبب لم يتمسّك بها أهل السويداء. والنوع الثاني دبكة المجوز والشبابة، وهي قريبة جدّاً من الدبكة في بلاد الشام، ولم يطرأ تغييرٌ فيها، إنما قد يستغنى عن وجود المجوز وعازفه إذا وُجدت أجهزة الصوت المناسبة.
ثبتت الجوفية في وجه تقنيات الغناء الحديثة (أجهزة التسجيل ومكبّرات الصوت ومكاسره) بل هناك ما يشبه الإصرار على التمسّك بها، وتراجعت الهولية، وهذا يفسر قولنا أعلاه إن الجوفية تغذي قيمة مهمة عند أهل السويداء هي بطولاتهم وشجاعتهم، وهذه القيمة لا يمكن تعويضها بالغناء المسجّل أو التقنيات الحديثة، في حين تراجعت الهولية لصالح هذه التقنيات، لأن ما تقدّمه الأغنيات الحديثة من معاني الغزل يستطيع أن يعوّض ما تقدّمه الهولية.
معلومٌ أن الغالبية العظمى من أبناء السويداء ينتمون إلى مذهب التوحيد (دروز)، ولهم دور عبادة خاصّة تسمّى مجلس وخلوة. ولهذا، الجوامع قليلة في هذه المحافظة، وقد أدّى هذا إلى ظهور ساحات في كل قرية أو بلدة أو مدينة تسمّى “الموقف”، وهو ساحة كبيرة فيها مدرج ومكان لصلاة الجنازة، وصلاة الجنازة تقام على الطريقة الإسلامية تمامًا، لكن لا يقوم بها إلا بضعة مشايخ، بينما يكون الآخرون في حالة صمت ووجوم وخشوع، وهذا لا ينافي التعاليم الإسلامية، إذ إن صلاة الجنازة فرض كفاية، وليست فرض عين. الملفت للنظر في تقاليد العزاء أن أهل المتوفّى يسمّون “آل الحريبة”، وجاءت هذه التسمية من كثرة الموت بسبب الحرب، وبشكل خاص موت الرجال، واستمرّت هذه التسمية، يقف آل الحريبة في ركن من أركان الموقف، وتتوافد وفود المعزّين لتعزيتهم، ويبدأ المعزّون في ذكر مناقب الفقيد، حتى كأنك تشعر بأن مناسبة الوفاة تجعل من المتوفى وكأنه في محكمة اجتماعية، لكنها محكمة متحيزة للفضائل (اذكروا محاسن موتاكم)، وهذه عادةٌ نبيلةٌ من عادات السويداء ساهمت مساهمة كبيرة في تعزيز الفضائل والقيم النبيلة، لأن لما يذكرُه المعزّون دورًا كبيرًا جدًّا في نفس آل الحريبة.
تتميّز السويداء باحتفاء أهلها بالشعر بشكل عام وبالشعر الشعبي بشكل خاص، فيكاد لا يوجد شخص في السويداء لا يحفظ قصيدة لشاعر ما، والشعر النبطي هو أشهر أنواع الشعر الشعبي فيها، وأشهر أوزانه على الإطلاق هو ما يسمى في السويداء الشروقي، وهو وزن المسحوب في الخليج العربي، والشعر النبطي في السويداء يتميز بأنه تطرق إلى كل مواضيع الحياة على خلاف المناطق الأخرى التي ينتشر فيها، فنحن نجد في شعر الجزيرة العربية أن الشعر النبطي تطرّق إلى الغزل والرثاء وقيم القبيلة والقيم البدوية إلخ… لكنه لم يتطرّق إلى القضايا العربية الكبيرة، مثل قضية العروبة وقضية فلسطين، فيما تطرّق الشعر النبطي في السويداء بكثافة وكثرة إلى قضية فلسطين والعروبة وحرب لبنان (الاجتياح الإسرائيلي للبنان)، ولهذا دلالات متعدّدة، ربما أهمها أن القضايا الكبرى شعبية بامتياز، إلى درجة أن الشعر الشعبي يتناولها، رغم أنها في مناطق أخرى هي من نصيب الشعر الفصيح، ولا نصيب للشعر الشعبي بها، وخصوصاً النبطي، فلم نسمع في الأردن أو الجزيرة العربية بقصيدة نبطية تتناول الصراع العربي الإسرائيلي، لكننا نجد وبكثرة قصائد لكل الشعراء النبطيين في السويداء تناولت هذه المواضيع. ولافتٌ أنها تناولت هذه القضايا بنفس عروبي يؤمن بالقومية العربية سبيلاً لحل القضية الفلسطينية.
أما عن عادات الزواج في السويداء، فالمذهب الدرزي لا يجيز تعدّد الزوجات لأبنائه، ولا يجيز إعادة المطلّقة. ولهذا نرى أن المجتمع في السويداء لا يستسيغ الطلاق. من دون مبرّرات كافية وموجبات قوية، يُنظر إليه نظرة فيها كثير من الإدانة وقلة الاحترام للرجل بشكل خاص. ولا يتزوج أبناء المذهب الدرزي من غير مذهبهم، ومن يتزوّج من غير المذهب ينبذ في المجتمع، ولا يستطيع أن يكون شيخًا في الدين. والسيئ أن المرأة التي تتزوج من خارج المذهب تُقتل، مع أن هذه العادة أخذت بالانحسار في السنوات الأخيرة، لكن تهديد القتل ما زال موجوداً في العرف الاجتماعي، والقتل ليس أمراً دينيّاً، فالتعاليم الدينية تقضي بفسخ الزواج وإرجاع المرأة إلى أهلها والحجر عليها، أما القتل فهو عرف اجتماعي وليس أمراً دينيّاً، لكن لا يوجد أمر ديني بمنعه، بل قد يتواطأ مشايخ الدين عليه ويبرّرونه، وقد يتواطأ القضاء معهم أيضاً بحكم مخفف قد لا يتجاوز السجن ستة أشهر.
يتم عقد الزواج، حسب الشريعة الإسلامية، بمهر معلن معجّل ومؤجّل، وقد جرت الأعراف في السنوات الأخيرة بالتخفّف من المعجل إلى درجة إلغائه في أحيانٍ كثيرة، وتثبيت المؤجل إلى حين الطلاق، إن حصل، تسهيلاً لعملية الزواج وتخفيفاً على الأزواج من أجل مساعدتهم في البدء ببناء حياتهم وتشكيل أسرهم من دون أعباء إضافية.
تحدثت السطور أعلاه عن أهمية قيمة الشجاعة، ولا بد لنا من القول إن أبناء السويداء لم يخوضوا سوى معركتين كبيرتين خارج محافظتهم، فيما كل المعارك الأخرى خاضوها على أرضهم، أي أنهم لم يكونوا في حالة هجوم إلا في معركتين كبيرتين انتصروا بواحدة، هي معركة ضمير جنوب دمشق، وهزموا في الأخرى، وهي معركة المسيفرة ضد الاحتلال الفرنسي. وقد خاضوا مناوشات كثيرة متفرقة على حدود محافظتهم، لكنها لا ترقى إلى أن تسمّى معركة كبيرة أو حرباً، أما حروبهم في داخل المحافظة، فقد انتصروا فيها كلها، فقد انتصروا في كل معاركهم ضد العثمانيين، ولم يستطع العثمانيون فرض سيطرتهم على السويداء إلا بشروط أهلها في عدم التجنيد وعدم تسليم السلاح، وانتصروا في حربهم ضد حملة إبراهيم باشا (الحملة المصرية على بلاد الشام)، واستطاعوا تكبيد الجيش المصري خسائر فادحة أرغمته على الانسحاب من بلاد الشام والعودة إلى مصر. ومن المناسب القول إن سبب ثورتهم عليه محاولة شريف باشا، والي إبراهيم باشا على دمشق، أن يجنّد أبناء السويداء في الجيش، وأن يرغمهم على تسليم سلاحهم، فثاروا عليه وانتصروا، ومعاركهم ضد الاحتلال الفرنسي في العين والمزرعة والكفر ومختلف المناطق، والتي تصادف هذه الأيام الذكرى المئوية لها.
معاركهم مع هذه الدول والاحتلالات كان فيها قاسمٌ مشترك، هو موضوع تسليم السلاح والتجنيد، وهو موضوع الخلاف الدائم مع كل من يرى أبناء السويداء فيهم العداء أو يتحسّسون فيهم الغدر، فقد رفضوا الجندية الإجبارية في جيش بشّار الأسد بعد عام 2011 ، ورفضوا تسليم سلاحهم لحكومة الرئيس أحمد الشرع.
العربي الجديد
————————–
جدّي إسبر مرهج/ عبير داغر اسبر
29 يوليو 2025
أريد أن أحكي عن جدي إسبر داغر إسبر، هو جدٌّ يشبه كل الأجداد في عائلاتنا كثيرة الأنساب والأعمام، رجالٌ نحتهم الزمن كما تنحت العواصف وجه جبل أمرد. مرّ عليهم المستعمرون والطغاة، العسكر والأنذال، وخرجوا بأجسادٍ أصيبت، وأرواحٍ لم تستسلم. لجدّي، كما يجب أن يكون لكل جدّ، ابنٌ بكر وسيم، شاء أن يمنحه، ككل سوري، لفلسطين كي يموت فيها شهيداً. لجدي أيضاً مالٌ كثير، لم يحصل عليه من زراعة الأرض بل من تجارة العرق، روح كروم العنب في جبال وادي النصارى وأحراجه.
لجدّي، كما لكل الأجداد، لحظات عزّ وفخر لا يبهت. لحظات انتصاره كانت عندما نُقلت حجارة بيتنا الصماء على الجمال من حماة، وحين موّل وهرّب السلاح لأولئك الذين آمن بأنهم ينطقون باسمه، لم يكن لهم، في نظره، اسمٌ أحلى من “سورية” ليشبكوه باسمهم، فكانوا حزبها القومي.
لكن جدّي، ككل الأجداد، مات أيضاً، لا برصاصة، ولا لكِبَر في العمر، بل مات قهراً، لأن أحد أنذال السلطة في الخمسينيات هدّده، إن استمر بتمويل الحزب وشراء السلاح له، قائلاً: “بدك انتفلك هالشوارب؟”.
قالها في دار جدّي المفتوحة للضيوف والأقارب، حيث لا يغلق باب، ولا يخرج أحدٌ جائعاً. وحيث يدخل زوّار ويخرجون معززين مكرمين على مدار الوقت. يحكي أبي، “الأستاذ إبراهيم” كما أحب أن أناديه، أنه بعد ذلك اليوم الذي تعرّض فيه جدي إسبر لنذالة ذاك النذل، لم يرَ بعدها بشراً. انكفأ إلى وحدته، كأن سؤال الخسّة ذاك اقتطع ما تبقّى فيه من روح. إذ لم تمضِ سوى أشهر، حتى أكل السرطان أمعاءه، ومات، كما يموت الرجال في بلادنا، لا حين تنتهي أيامهم، بل حين تنكسر قامتهم. هكذا هي حكايتنا. منذ أن قصّت دليلة شعر شمشون، لا يقترب من الشعور ولحى الرجال إلا العاهرات وأبناؤهن.
وها نحن، كأنّ سنوات العار تلك لم تمرّ بنا، في يوليو/تموز 2024، ظهر الشيخ مرهج شاهين، رجل في الثمانين، مجبراً على الخضوع لأنذال عصرنا البربري. لم يكن أمامه، كجدّي، إلا أن يموت، أو يختفي كما لو أنه خُلع من جسده.
وها أنا، شاهدة على حكايا الخزي، أرى القرابات بين جدّي والشيخ مرهج تترتب بالتفاصيل نفسها، متبوعة بنسغ الحكاية. يربطهما الزمن المكرّر، ولعنة الجغرافيا، والمصير لأولئك الذين ما زالوا يعرّفون أنفسهم بكرامتهم، لا بما يزرعونه على وجوههم، بل بالطيب النازّ من أجسادهم. هكذا هم الأجداد، ليسوا رجالاً فقط، بل أوتاد الأرض، عصب اتكائها على ذاتها. هم الذين يحملون المعنى في الانحناءة حين يصبّون قهوتهم للضيوف. لكنهم حين يُهانون، تختلّ الأرض، ويحلّ غضب الرب.
ملعونون نحن، ملعونون بهذه الحكايات التي لا تنفكّ عن التوالد كدود الأرض. تخرج من الشقوق، من صدوع النفس، من رطوبة الخوف، وتتكاثر كلما ظننا أننا دفناها بعارها. أعرفها كما تُعرف الغصّة، أحفظها كما يُحفظ وجعٌ قديم في جسدٍ بالٍ. عددت كلماتها كما تُعدّ أرغفة الخبز بين أيدي جائع.
ما بالنا يا ربّ الكون؟ نرضى بموتٍ بعد كل موت؟ ما بالنا لا ننبش شعورنا كما ينبغي لحرائر فقدن أبناءهن؟ لماذا لا نشقّ صدورنا لنشفى؟ ولا نمزّق وجه النهار المختال بقتلاه؟ كيف استقرّ فينا هذا العطب، حتى لم يعد يخجلنا العيب، ولا تنهشنا البشاعة؟ منذ متى بردت قلوبنا، وجفّت أعيننا؟ ألم ننتشِ بما فيه الكفاية برائحة الدم، وطنين أسراب الذباب بعد المذبحة؟ ما بالنا؟ لمَ أصبحنا بلا آباء، وتركنا أجدادنا للأنذال؟
العربي الجديد
—————————
في أن السويداء يجب ألا تجوع/ عمر قدور
الثلاثاء 2025/07/29
قبل يومين صارت أقوى النداءاتُ الآتية من السويداء، والتعبير الإجمالي الأنسب هو أن المحافظة باتت منكوبة، وأن ما يزيد عن نصف مليون من أهاليها هم بحاجة ماسة إلى الماء والغذاء والدواء والوقود. الشهادات الشخصية من داخل السويداء تبيّن كيف أن حبّة من البصل أو البندورة صارت بمثابة لُقيا ثمينة، إذا عُثر عليها في البيت الذي لا يندر أنه كان ضحية العنف والاستباحة قبل أيام.
في الواقع، حدث الأسوأ. فالتعاطي مع النكبة التي حاقت بالمحافظة لم يكن على المستوى المطلوب إنسانياً من عموم السوريين، الناشطين منهم على نحو خاص. أنصار السلطة أنكروا بدايةً وجودَ أزمة إنسانية خانقة، ثم سرعان ما تبنّوا رواية تشير إلى إرسال مساعدات ومَنْع دخولها من قبل أنصار للشيخ حكمت الهجري، الذي بدأ الترويج له بوصفه هو مَن يُحاصر السويداء، وصولاً إلى الإقرار بأن قافلة المساعدات المُرسَلة إلى السويداء يوم الاثنين قد دخلت بلا عقبات.
لا شكّ أنه في المقابل من هؤلاء، الذين تنقّلوا سريعاً بين عدة روايات متناقضة، هناك مَن يتحيّن فرصة اتهام السلطة بتدبير جريمة إبادة جماعية لأهالي السويداء، عقاباً لهم على العصيان الذي أبدوه تجاهها. أي أن تسييس القضية الإنسانية وارد من الجهة المقابلة، مثلما فعل ويفعل أنصار للسلطة يدخلون في أنواع من الجدل غايتها التعمية على الموضوع الأصلي، أي النكبة الإنسانية.
تسييس مسألة من هذا القبيل يجب ألا يكون مقبولاً أو معتاداً، ولو أنه حدث في أماكن أخرى من العالم، آخرها غزة القريبة جداً والخاضعة للتجويع. في سوريا، ثمة مثال لم يتقادم بعد، ولا يجب نسيانه، هو الحصار الذي كانت تفرضه قوات الأسد على المناطق التي تنطلق منها الثورة ضده. لقد رأى كثر بأعينهم الألواح الاسمنتية الضخمة على مداخل الغوطة مثلاً، وقد كُتب عليها (الجوع أو الركوع)، بينما كان شبيحة الأسد وقواته يحرسان ذلك الشعار المقيت.
ليست القافية فقط ما جعل التهديد بالجوع مرتبطاً بالركوع، فالأخير هو المطلوب حقاً، والغاية هي الإذلال، لا الحصول فقط على استسلام يمكن لصاحبه قبوله بشرف. التجويع هو سلاح إبادي، وجريمة كبرى من جرائم العقاب الجماعي. التعامل معه كسلاح مقبول للحصول على تنازلات سياسية يعدّ بمثابة قبول بالإبادة كسلاح سياسي، وبمثابة قبول بالعقاب الجماعي كسلاح سياسي. فِعْل هذا هو نهج أسدي، وإذا كان تجريم الأسدية جاداً (ولو في الحد الأدنى) يجب تجريم نهج الإبادة والعقاب الجماعي بوصفهما من الأدوات الأثيرة للأسدية.
ومن المعلوم أيضاً أن الإبادة والإذلال هما من أقسى مظاهر الحرب الأهلية، فالتقليل العددي من الخصم هو واحد من أسلحتها، وإذلاله ينطوي على الرضوخ المطلوب في وقته، والمطلوب توريثه لضمان استمرار مفعوله. ينكر معظم السوريين أنهم انخرطوا في حرب أهلية، سابقاً أو راهناً، والإنكار سيبقى بلا قيمة فعلية طالما بقي إذلال أية جماعة سورية مقبولاً، أو لا يُقابَل بالاستنكار الجدير به، وطالما بقيت هناك استنسابية في حُرمة الدم، تحديداً دماء المدنيين الأبرياء الذين يُفترض تحييدهم أثناء القتال وأثناء تبعاته.
سؤال (ماذا عن؟) يجب ألا يوضع في التداول، لأن إخلال أي طرف بالمواثيق الدولية التي تجرّم العقاب الجماعي، ومختلف أنواع الجرائم الإنسانية، لا يمنح رخصة للطرف الآخر كي يرتكب الجرائم ذاتها؛ الجريمة لا تبرِّر الجريمة تحت أي ظرف. وقد صار من المعلوم أن سؤال (ماذا عن؟ whataboutism) يُقال على سبيل التهرّب من الإجابة على استحقاق ما، والسائد أن توجيه الأبصار إلى وجهة ثانية يكون مدعوماً بالأكاذيب لضمانة الحصول على مفعول سريع. السؤال ذاته ينحدر بالخصومة والانقسام السياسيين إلى تبرير كافة الانتهاكات، على قاعدة أنها تُرتَكب من قبل الجانبين. في المحصّلة، ستكون الخصومة مسوَّغة بلا ضوابط قانونية أو أخلاقية، ويُستجرّ المزيد من الفجور فيها بدعوى صدوره أولاً عن الجانب الآخر.
الابتعاد عن كافة الشبهات المتعلقة بأية معاملة تمييزية سلباً مع السويداء يقتضي عودة الحياة الطبيعية إليها، بمعنى إعادة فتح الطرق المؤدية إليها، وتأمينها بحيث يسهل تنقّل الأفراد والبضائع، أي فيما عدا الأسلحة والمسلحّين. ويقتضي أيضاً استئناف الوزارات الخدمية عملها المعتاد في السويداء، أسوة بعملها في المحافظات الأخرى، فيكون الاستثناء مرتبطاً بوضع طارئ، لا بمعاملة تمييزية على سبيل المحاباة أو العكس. وصول الخدمات إلى السويداء لا يستدعي في هذه اللحظات أن يكون على رأسها وزراء، وهذا ليس شرطاً في أي بلد في العالم، ولا يجوز استخدامه كشرط للتكسّب السياسي في حده الأفضل، أو كنوع من الإذلال كما قد يُفهم.
بعيداً عمّا هو شخصي، زيارة أو عدم زيارة وزير الصحة (مثلاً) يجب ألا تكون مرتبطة بالمساعدات الصحية. الجدال في أحقّية دخوله السويداء شأن مختلف عن الضرورة الإسعافية لإدخال المساعدات الطبية بأية طريقة كانت، مع التنويه بخروج المستشفى الرئيسي للمدينة عن الخدمة. جدير بالذكر أن منظمات الأمم المتحدة قدّمت فيما مضى لأطراف الصراع السوري تنازلات كي تتمكن من إيصال الإغاثة إلى مناطق سورية، أو ليتمكن طواقمها من الوصول إلى فئات مستهدَفة بالمساعدة أو التمكين. ويُفترض نظرياً أن تكون السلطة أكثر حرصاً من المنظمات الدولية، وألا يرى أنصارها في دخول الوزراء مع المساعدات أمام الكاميرات شرطاً واجب التنفيذ للبرهنة على سيادة السلطة.
وفي موضوع السيادة، لم يُعلن أحد في السويداء نية الانفصال عن سوريا. ولطالما كررنا أن وجهة السويداء النهائية هي دمشق، لأنها الوجهة الواقعية، حتى إذا تناسينا إرثاً عمره 100 عام من اختيار سلطان باشا الأطرش قائداً عاماً للثورة السورية الكبرى، والأثر الوجداني لإرثه في السويداء. لكن ما هو واقعي لا يصحّ أن يكون إجبارياً، ولا يتسق مع ثقافة العصر أن تستخدم سلطة ما القوةَ الخشنة لفرضه بدلاً من الحوار المجتمعي، والحوار في صلب واجبات السلطة غير المنتخبة ديموقراطياً بموجب دستور وعقد اجتماعي وطني.
في الأصل، من الخزي والعار التحدُّث عن مساعدات للسويداء، أو لأية محافظة أو منطقة سورية. ومن الخزي والعار أن يُضطر البعض للتذكير بمبررات لتقديم المساعدات التي يُفترض أن تكون بلا مبررات على الإطلاق، لا السياسية منها ولا الوطنية، ولا استرجاع ما قدّمته أية منطقة من قبل للآخرين. يجب ألا تجوع السويداء (أو غيرها)، والحل يكون بعودتها إلى الحياة التي لا تكون طبيعية إلا عندما تكون غير مشروطة.
المدن
————————
ماذا بعد لقاء باريس بين دمشق وإسرائيل/ فراس فحام
29/7/2025
استضافت العاصمة الفرنسية في 24 تموز/ يوليو الجاري لقاء بين وفد حكومي سوري وآخر إسرائيلي يعد الأول والأرفع من نوعه منذ عام 2000، برعاية أميركية، وذلك إثر تصاعد كبير للتوتر في الجنوب السوري بفعل التدخل الإسرائيلي المستمر والمتصاعد.
وبحسب وسائل إعلام غربية وإسرائيلية، فقد ترأس الوفد السوري وزير الخارجية أسعد الشيباني وضم مسؤولين من الخارجية والمخابرات، وترأس الوفد الإسرائيلي وزير الشؤون الإستراتيجية رون ديرمر.
ووفقا لتلك المصادر، يكون هذا اللقاء الأول بهذا المستوى منذ اجتماع وزير الخارجية السوري الأسبق فاروق الشرع مع نظيره الإسرائيلي إيهود باراك في الولايات المتحدة ضمن مباحثات للسلام رعتها واشنطن على غرار الاجتماع الأخير.
وسبق لقاء باريس اتصالات غير مباشرة بين سوريا وإسرائيل، ثم لقاء مباشر انعقد في العاصمة الأذربيجانية في 12 يوليو/تموز الجاري وفقاً لما أكدته مصادر إعلامية إسرائيلية.
إسرائيل وتوظيف ملف السويداء
شكل ملف السويداء عقدة حقيقة للحكومة السورية عقب الإطاحة بنظام بشار الأسد، وتصدر الزعيم الدرزي حكمت الهجري والمجلس العسكري -الذي يعتبر الهجري مرجعية له- الرافضين لممارسة الحكومة مهامها الخدمية والأمنية بالمحافظة التي يقطنها عشرات الآلاف من المكون الدرزي.
ورغم الاتفاقيات التي عقدها محافظ السويداء مصطفى البكور مفوضا عن الحكومة، مع جهات محلية بهدف فرض الأمن وتعزيز الخدمات، والاتصالات التي جرت على مدار الأشهر الماضية بين الجانبين، وكلها فشلت في تحقيق الهدف منها بعد رفض الهجري والمجلس العسكري الذي يضم ضباطا سابقين في قوات النظام المخلوع.
وقد تجنبت الحكومة الدخول في صدامات مع الفصائل المحلية حتى وقوع اقتتال محلي. وبالمجمل، وفرت الخلافات بين السويداء والحكومة السورية ذريعة لإسرائيل للتدخل، حيث ينشط رئيس محكمة الدروز بإسرائيل موفق طريف في ملف السويداء، بدعم كامل من الحكومة الإسرائيلية التي تؤكد بشكل مستمر حرصها على الدفاع عن الدروز.
وتنقسم آراء المحللين بخصوص أهداف إسرائيل من موقفها تجاه السويداء، بين من يعتقد أنها تظهر استجابة لدروز إسرائيل الذين يشاركون بفاعلية في العمليات العسكرية بغزة، وبين من يرى أنها تستخدم ملف السويداء للضغط على الحكومة السورية من أجل الموافقة على توقيع اتفاق تطبيع وفق شروط محددة.
توتر غير مسبوق قبيل لقاء باريس
تدخلت الولايات المتحدة لرعاية اللقاء في باريس وسط ارتفاع منسوب التصعيد الإسرائيلي إلى مستوى غير مسبوق بالجنوب السوري، حيث أدت حملة قصف إسرائيلية إلى مقتل وجرح العشرات من القوات الحكومية، كما استهدفت الحملة مواقع حكومية وسط دمشق أبرزها مقر رئاسة الأركان.
وقبيل انعقاد اجتماع باريس، أعلنت الحكومة السورية عن اتفاق لوقف إطلاق النار في السويداء توسطت فيه الولايات المتحدة ودول إقليمية، مع ترتيبات لإدخال المساعدات وتبادل الأسرى وإخراج البدو والعائلات الراغبة بالخروج إلى درعا مؤقتا.
وفي المقابل، استمرت حكومة نتنياهو بتصريحاتها التي تؤكد توجهها لبقاء جنوب سوريا منطقة منزوعة السلاح، بالإضافة إلى التحذير من الاقتراب من دروز سوريا والتعهد بحمايتهم.
وبعد اجتماع باريس، أكدت تصريحات مسؤولين إسرائيليين أن قضية الجنوب السوري تصدرت المباحثات مع دمشق، وأن الهدف هو عقد تفاهمات أمنية بشأن جنوب سوريا.
ومن جهة أخرى، أفادت وسائل إعلام رسمية سورية أن اللقاء سعى إلى احتواء التصعيد بالجنوب السوري، ولم ينتج عنه أي تفاهمات نهائية، بل هو مشاورات أولية تهدف إلى خفض التوتر وإعادة فتح قنوات التواصل.
والنتيجتان الواضحتان حتى هذه اللحظة للقاء باريس هو توقف الهجمات الإسرائيلية في الجنوب السوري، بالإضافة إلى انتقال المباحثات بين دمشق وإسرائيل من السر إلى العلن، ومن المستوى الأمني إلى السياسي تحت رعاية أميركية رسمية.
وقد توقفت الضربات الإسرائيلية، في الأسبوع الأخير، مع استمرار هبوط مروحيات في السويداء يؤكد نشطاء ميدانيون أنها تحمل ذخائر للمجلس العسكري والفصائل المتحالفة معه في مواجهة القوات الحكومية.
ويسيطر المجلس العسكري على المدينة، ويقيم حواجز على مداخلها، ويرفض التعامل مع الحكومة السورية ويصر على إدخال المساعدات والمواد الغذائية والإغاثية عبر منظمة الهلال الأحمر دون تدخل واضح لمؤسسات الحكومة السورية.
لقاء استكشافي ونقاط خلافية
تفيد المعطيات والمعلومات -التي رشحت عن مضامين لقاء باريس- إلى أنه أقرب لاستكشاف إمكانية التوصل إلى تفاهمات كاملة بخصوص الأوضاع في سوريا وخاصة الجنوب.
وقد كشفت وسائل إعلام سورية نقاطا خلافية بين دمشق وإسرائيل تم طرحها خلال اللقاء، أبرزها رغبة الأخيرة بتوسيع المنطقة العازلة بموجب اتفاقية 1974، والحفاظ على النقاط الجديدة التي نشرتها بهذه المنطقة بعد سقوط نظام الأسد، في حين أن دمشق ترغب في إعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه وفقاً للاتفاق الأصلي، مع الانفتاح على تنسيق أمني يسهم في إزالة المخاوف الإسرائيلية.
ويبدو أن انعقاد اللقاء كان رغبة أميركية بدرجة كبيرة، وهذا ما ألمحت له صحيفة هآرتس الإسرائيلية في تحليل لها، حيث أشارت إلى أن تدخل واشنطن يحد من تحركات إسرائيل بسوريا.
ونقلت قناة 12 الإسرائيلية تأكيدات عن مسؤولين أن وزير الشؤون الإستراتيجية رون ديرمر ينسق مع إدارة ترامب من أجل تحديد حوافز يمكن تقديمها لدمشق من أجل المضي قدماً في خطوات التطبيع التي يعد لقاء باريس خطوة أولى فيها.
ويعكس ذلك رغبة إسرائيل بصياغة اتفاقية شاملة مع دمشق لكن وفق شروط ومحددات جديدة، قد يكون من ضمنها عدم إدخال أسلحة ثقيلة إلى منطقة الجنوب السوري بالكامل، حيث لا تزال حكومة نتنياهو تتمسك بمطلب نزع السلاح من منطقة الجنوب.
وما يدعم هذا التفسير أن تصريحات الولايات المتحدة والتسريبات -التي صدرت عن إسرائيل قبل التصعيد الأخير في السويداء- كلها كانت تصب باتجاه دعم سيطرة الحكومة السورية على كامل البلاد.
وقد أكد المبعوث الأميركي لسوريا توماس براك -صراحة- رفضه تأسيس حكم ذاتي كردي أو درزي، وهذا ما دفع إلى انتشار قراءة للموقف الأميركي والإسرائيلي بأنه جاء في سياق جر الحكومة السورية إلى مأزق يدفعها لتقديم تنازلات.
قوات الأمن السورية تنتشر في محيط محافظة السويداء استعدادها لدخولها عقب التوصل إلى اتفاق جديد لوقف إطلاق النار–من وكالة الأنباء السورية
ماذا بعد لقاء باريس؟
قد لا ينتج عن لقاء باريس على المستوى القريب سوى حالة خفض التصعيد وإنهاء المواجهات المسلحة في السويداء، وبالتالي إفقاد إسرائيل ذريعة استمرار الهجمات ضد سوريا، حيث لا يزال واقع السيطرة بهذه المحافظة على حاله ولم يتغير.
وبالمقابل، ربما تريد الحكومة السورية الاستفادة من اللقاء لوقف الضغط العسكري عليها مستفيدة من وساطة الولايات المتحدة، وتعول على عامل الزمن، وإمكانية حصول تغيير في إسرائيل.
ويأتي هذا في ظل انسحاب أحزاب الحريديم من الحكومة الإسرائيلية في 14 يوليو/تموز الجاري، وتلويح حزب شاس باتخاذ الخطوة ذاتها، نتيجة فشل حكومة نتنياهو بتمرير قانون يعفي شرائح واسعة من طلاب المدارس الدينية الحريدية من الخدمة العسكرية.
ويرجح ذلك الاعتقاد بأن الحكومة السورية لن توافق على عقد اتفاق مع حكومة بنيامين نتنياهو يتضمن بقاء مناطق الجنوب دون انتشار للجيش السوري، حيث إن مثل هذا من شأنه أن يؤدي إلى تداعي سيطرة الحكومة وشرعيتها، ويفتح المجال أمام قوى محلية أخرى تسيطر بالفعل على مناطق جغرافية للإبقاء عليها تحت إدارتها، مثل قوات سوريا الديمقراطية (قسد).
ويبقى الموقف الأميركي ومدى إصرار إدارة الرئيس دونالد ترامب على منع التصعيد مجدداً في سوريا عاملاً مؤثراً في المحادثات السورية الإسرائيلية، بالإضافة لمدى قدرة دمشق على سحب ذريعة التصعيد الإسرائيلي بحجة حماية الدروز من خلال تقديم مقاربة لإدماج السويداء لا تقوم على الحل الأمني.
غير أن احتمال إصرار الإدارة الأميركية على دخول الحكومة السورية في اتفاقية شاملة مع إسرائيل قد يؤدي إلى تقليص حدود مناورة دمشق، خاصة مع امتلاك واشنطن ورقة ضغط فعالة متمثلة بالعقوبات الاقتصادية، وبالتالي لا يمكن استبعاد التوصل إلى توافقات أكثر شمولا على المدى المتوسط.
ويبقى من المكاسب المرجحة التي حققتها إسرائيل -خلال لقاء باريس- تحويل المفاوضات من أذربيجان إلى فرنسا، فدخول باريس على خط الوساطة سيكون أكثر راحة لإسرائيل من وساطة تركيا التي دفعت باتجاه عقد مباحثات في باكو.
المصدر: الجزيرة
—————————-
قبل أن تضيع سوريا “الممزقة” في عواصف الانتماءات/ طارق علي
محللون: على الدولة الاعتراف أولاً بالانقسام الهائل ومن ثم وقف عمليات القتل ومطاردة خطاب الكراهية وتفعيل العدالة الانتقالية
الثلاثاء 29 يوليو 2025
كان يمكن استشراف الواقع الذي ستقبل عليه سوريا منذ وصول “هيئة تحرير الشام” إلى الحكم، وكان متوقعاً أن تصعد الخطابات الطائفية الضيقة والواسعة إلى الواجهة وتحمل معها تهديدات بالانفصال أو التقسيم وفي أفضل الأحوال إدارات ذاتية على حساب دولة واحدة مركزية تامة الأركان، فاصطدمت السلطة الجديدة بصراع الطوائف وقلقهم المتنامي أمام عجزها المرحلي عن حمايتهم، أو في الأقل ألا تكون طرفاً في أحداث دموية عصفت بهم، عن قصد أو غير قصد.
تواجه السلطات الانتقالية السورية في مرحلة ما بعد سقوط نظام الأسد أواخر العام الماضي، واحداً من أبرز التحديات الوجودية المعاصرة التي تقف خلفها عوامل متعددة مشكلة تحدياً صارخاً لها، وعلى رأسها التفكك المجتمعي مذهبياً واجتماعياً وسياسياً وعقائدياً ومناطقياً. تلك الشذرات المقلقة لم تكن إلا حصيلة حكم شمولي فردي استدام لعائلة الأسد طوال خمسة عقود وزيادة، وصولاً إلى الحرب السورية التي بدأت عام 2011 وانتهت بإطاحة الأسد ونظامه أواخر عام 2024.
هذه الحرب القاسية أسهمت في إضافة شروخ جديدة بين السوريين، وتعميق الفجوات بينهم إلى حدود غير مألوفة، لتتجاوز القضية مسألة الخلاف السياسي بمفهومه العام متحولة إلى مظلومية شاملة تراكمت فيها مشاعر الكراهية والإقصاء والتحدي والخوف مشكلة ذاكرة جماعية لشعب حفظ لنفسه استرداد الحقوق بالثأر ولو طال الزمن، وقد استطال لينفجر في وجه الأسد ثورة شعبية، وفي وجه السلطة الانتقالية دماً وكراهية ومظلوميات إضافية.
المرحلة المعقدة
كان يمكن استشراف الواقع الذي ستقبل عليه سوريا منذ وصول “هيئة تحرير الشام” إلى الحكم، وكان متوقعاً أن تصعد الخطابات الطائفية الضيقة والواسعة إلى الواجهة وتحمل معها تهديدات بالانفصال أو التقسيم وفي أفضل الأحوال إدارات ذاتية على حساب دولة واحدة مركزية تامة الأركان، فاصطدمت السلطة الجديدة بصراع الطوائف وقلقهم المتنامي أمام عجزها المرحلي عن حمايتهم، أو في الأقل ألا تكون طرفاً في أحداث دموية عصفت بهم، عن قصد أو غير قصد.
كمنت الخطورة في كل ذلك بتحول الانقسام من طولاني بين سلطة ومكونات، إلى عرضي بين مكونات في حد ذاتها، وقد بدا ذلك في هجمات 200 ألف مسلح منظم أو غير منظم على الساحل السوري بضيقه الجغرافي في مارس (آذار) الماضي، وهجمات عشائر البدو على السويداء جنوب سوريا في يوليو (تموز) الجاري، وبطبيعة الحال الصراع القومي الذي يطبخ على نار هادئة مع قوات سوريا الديمقراطية الكردية “قسد”، التي تسيطر على الشمال الشرقي في سوريا. مما يجعل من مفهوم الوحدة الوطنية والسلم الأهلي شعارات رنانة ببريق خافت مجرد من الأسس القانونية والمنطقية والسياسية والسيادية التي يمكن لها أن تحمل حلولاً شجاعة لإنهاء حال الانقسام العام. فسوريا اليوم ليست واحدة، بل هي أكثر من دولة في وقت واحد، بجنوبها، وشمالها الشرقي، وساحلها، وهؤلاء يطالبون بحماية دولية أو فيدرالية، وباديتها التي تشهد عودة انتشار “داعش”، فيما تتوزع قوة المركز السلطوي في حلب وإدلب وحماة وحمص ودمشق وشيء من درعا.
وفي ظل تعقيد المشهد إياه فإن المطلوب هو إعادة رسم سياسة متكاملة تحوي مختلف أطراف ومكونات الشعب السوري بعيداً من الافتراء والخطاب الأحادي والمجاملات والسياقات غير المبررة في التعاطي مع قضاياهم، وهو ما يمهد بأية لحظة لإعادة إنتاج فوضى عند أول اختبار حقيقي كأحداث السويداء التي بدأت بشرارة بسيطة ثم تحولت لمجزرة أمام وجود كميات مقلقة من السلاح غير المنضبط والخطابات التحريضية التي تملأ الأرجاء، وبناء على كل ذلك يجب طرح سؤال جوهري حول قدرة السلطة على معالجة الانقسام لا إدارته مرحلياً وتأجيله.
بين الأقوال والأفعال
شهدت الأشهر السبعة الأولى بعد سقوط نظام الأسد مقتل نحو 10 آلاف سوري في حوادث متفرقة بحسب توثيقات المرصد السوري لحقوق الإنسان ومنظمات حقوقية أخرى، وهو رقم مهول لم تسجله سنوات كثيرة من الاقتتال إبان الثورة وخلال تلك الأشهر الدموية تمسكت السلطات الجديدة بتوصيفات تتعلق بـ”السلم الأهلي” و”العيش المشترك” و”الوحدة الوطنية” و”العدالة الانتقالية” و”البحث عن المفقودين” وغير ذلك من عناوين حملتها خطابات وقوانين ومراسيم جمهورية، لكن تلك المصطلحات كلها لم تأخذ حيزها الفعلي في التنفيذ لتكون سبيل الخلاص ووقف حمام الدم المستمر في ظل غياب منهجية واضحة للتنفيذ وجدولة زمنية مفترضة.
وعلى رغم تشكيل السلطات السورية لحكومة انتقالية ادعت فيها تمثيل الشرائح السورية، فإن ذلك لم يرق بطبيعة الحال لأي شكل من تحقيق القبول، فالحكومة حملت وزيراً علوياً لا يمثل وزناً سياسياً ولا يمتلك قاعدة شعبية، ومثله وزيرة مسيحية كامرأة وحيدة، وبذا تحقق عاملان في آن، وزيرة سيدة وحيدة ومسيحية، فيما احتفظت نواة السلطة (“هيئة تحرير الشام” سابقاً) بالحقائب السيادية الأشد حساسية وأهمية من دفاع وخارجية وداخلية وعدل وغيرها، ووزعت البقية بصورة شبه تكنوقراطية لا تقدم أو تؤخر في تمنيات التمثيل العادل، وبذلك جاءت الحكومة تكتيكية لا استراتيجية.
لاحقاً، جرى تسمية لجنة للمصالحة الوطنية العليا، وكان من مهام هذه اللجنة أن تردم الهوة بين المكونات وتعيد الحقوق لأصحابها وتبني مسارات تفاهم مستديمة، لكن مراقبين يشيرون إلى أن اللجنة نفسها شبه منزوعة القرار والصلاحيات الفاعلة، لذا أصبحت تمارس دورها بوصفها منصة حوارية أكثر منها أداة وصل واتصال فاعل وموسع، وقد رفض وجهاء مناطق كثر استقبال هذه اللجنة وأعضاءها، ويمكن القول إنها فشلت مرحلياً بالاستدلال على أن القتل يتزايد لا يتناقص، والفجوة تتسع ولا تضيق.
ومن بين الإجراءات المتبعة كان إصدار مرسوم بتشكيل هيئة عدالة انتقالية، لكنها اصطدمت بعقبات بنيوية على شاكلة مسؤولياتها المتعلقة بالنظر في مرحلة ما قبل سقوط الأسد، وأن تشمل المتورطين من أتباع النظام السابق، في تعام عن أحداث دموية شاركت فيها الأطراف الأخرى وأفضت لمقتل عشرات آلاف السوريين على المقلب الآخر قبل انتصار الثورة نفسها وبعدها بطبيعة الحال، مما يجعلها عدالة انتقالية انتقائية كما وصفها سوريون في حينه، سوريون تساءلوا عن مئات التفجيرات الانتحارية التي استهدفت عمق أحيائهم في أتون الصراع السابق، فمن يحاسب عن تلك الجرائم؟
كذلك جاء مؤتمر الحوار الوطني ممسوخاً ومختصراً في ست ساعات، وكان مطلوباً منه أن يناقش مصير ومستقبل البلد بماضيه وحاضره، فجاء أشبه بمسرحية كان مطلوباً تنفيذها في عجالة، وصولاً إلى مؤتمر النصر وانتخاب الشرع رئيساً موقتاً من قبل قادة الفصائل العسكرية رفاق الأمس، لا المجتمع المدني وصندوق الانتخابات، ليليه إصدار الإعلان الدستوري الذي جاء مخالفاً للتمنيات وقادراً على إعادة إنتاج نظام شمولي يحصر معظم الصلاحيات السيادية بيد رأس السلطة، وينحي بقية المكونات تحت ستار عبارات منمقة.
وعلى رغم تلك الهفوات فإن المنطق السياسي للدولة واضح بأن القيادة الانتقالية لا تسعى إلى مزيد من التفكيك والانقسام، فتحاول في مكان تعزيز اللحمة الوطنية، وتفشل في أماكن أخرى فتحدث أمور مأسوية تعيد الأمور إلى المربع الأول، وذلك غالباً ينجم عن عدم القدرة حتى الآن على مقاربة الأمور بصورتها الصريحة والوقوف على الخلاف الطائفي ببعده العميق والمتنامي، ليوجه الشارع سؤاله إلى السلطة حول إمكانية تفكيك خطاب الكراهية الطائفية والسياسية من دون الاعتراف الصريح بوجودها أولاً؟
عجز أم ارتباك؟
كل ما يحصل حتى الآن لا يزال محمولاً على نشوة الانتصار في الثورة، فتبدو كل محاولات الاحتواء موقتة وغير فاعلة ولا تقود في نهاية المطاف إلى ديمقراطية وطنية جدية تعيد بناء ترتيب البيت السوري من الأساس، والمشكلة في جوهرها الصفري ليست ناجمة عن الهشاشة الإدارية المطلقة، بل عن ولادة المبادرات ميتة أصلاً تحت ضغوط داخلية وخارجية.
—————————–
كأن بشار الأسد يفاوض إسرائيل!/ ساطع نورالدين
عبثاً يبدو البحث عن معلومة جدية عن اللقاء الوزاري السوري الإسرائيلي الأول من نوعه منذ 25 عاماً، الذي إنعقد في باريس يوم الخميس، بإشراف المبعوث الأميركي طوم براك، المكلف من قبل ادارته بنشر السلام في بلاد الشام.. وإقناع الشوام جميعاً بان يحسنوا سلوكهم، ويحترموا تواقيعهم على اتفاقات الاستسلام لإسرائيل.
حتى الان لم يصدر بيان رسمي سوري عن ذلك اللقاء “شبه العلني”، يؤكد ويوضح ويشرح للرأي العام السوري خاصة، ما جرى في باريس، وما اذا كان يجوز مقارنته بآخر لقاء إسرائيلي سوري معلن، عقد في العام 2000 بين رئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود باراك، ووزير الخارجية السورية فاروق الشرع، في منتجع قريب من واشنطن، أو مطابقته مع آخر لقاء ثنائي عقد في إسطنبول على مستوى المستشارين والخبراء، في العام 2007، وبحثَ فرص استئناف المفاوضات الرسمية في ضوء نتائج الحرب الإسرائيلية على لبنان العام 2006.
ولم يكن التكتم السوري على تلك “المعصية الجديدة” التي إرتكبها حكام دمشق الإسلاميين، مغايراً للكتمان الإسرائيلي والأميركي على لقاء باريس الثلاثي، الذي جاء بمثابة تطويرٍ للقاءات مشابهة عقدت في باكو وأبو ظبي وعدد من العواصم الأوروبية.. قبل ان تحصل المجزرة الأخيرة بحق الدروز في السويداء، التي اعتبرتها إسرائيل دعوة الى التدخل المباشر في الشأن الداخلي السوري، الذي تخطى المنطقة الجنوبية من سوريا واستهدف وزارة الدفاع السورية في قلب دمشق.
وبغياب أي بيان رسمي سوري، سادت وانتشرت الرواية التي نشرها المرصد السوري لحقوق الانسان، ولم تنفها السلطة السورية، عن تفاهمات أمنية على جعل جنوب سوريا من الحدود في الجولان وصولا حتى دمشق، الى منطقة مجردة من السلاح، بما يشمل درعا والقنيطرة، والتزام قوات النظام السوري الجديد بعدم دخول مدينة السويداء..وهو ما حققته إسرائيل بالفعل قبل انعقاد لقاء باريس، الذي لم يعرف حتى الان ما اذا كان قد انتهى الى توقيع وثائق رسمية سورية إسرائيلية، على نحو ما أوحى “المرشد” الأميركي طوم براك، تعدّل الاتفاقات الموقعة بين البلدين إثر حرب تشرين العام 1973.
حجب صورة لقاء باريس والمصافحة التي إفتتحته، بين وزير خارجية سوريا اسعد شيباني ووزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلية رون ديرمر، النجمين السياسيين الصاعدين في كل من دمشق وتل ابيب، لا يمكن ان ينفي الطابع السياسي(الاستراتيجي) المتقدم للقاء، المعبر عن خيار مزدوج سوري واسرائيلي معلن، يتفادى الحرج الدبلوماسي من جهة، لكنه يؤسس لعلاقة حميدة بين البلدين، تعيد الى الاذهان العلاقة التي لطالما أقامها النظام الاسدي مع العدو الصهيوني..مع فارق بسيط هو عدم الحاجة الى إبداء الخجل المغلف بالنفاق.
الحكم على نتائج اللقاء متروك للميدان، وما اذا كانت إسرائيل ستكتفي بما حصدته من حملتها العسكرية الاوسع على العمق السوري، ام أنها ستطلب المزيد من دمشق بالتحديد، سواء في الامن أو في السياسة. الثابت حتى الان ان الموقف الإسرائيلي، معني الان بالقول ان الاطمئنان لوجود حكم إسلامي خلف الحدود الشمالية، ما زال مستبعداً، وخاضعاً للكثير من الاختبارات العملية، التي لا تأمن للضمانات الأميركية والتركية والعربية التي منحت اسلاميي دمشق شرعية وتفويضاً مبكراً، لا يخضع لأي شروط ، سوى ما تحدده العقوبات الاميركية المخففة على سوريا.
هنا بالذات، يبدو أن أهم ما يعبر عنه لقاء باريس الثلاثي، هو انضمام إسرائيل ولو بشكل موارب، الى الدول التي تمنح حكام سوريا الإسلاميين شرعية وتفويضاً صريحاً، ولو بشروط مختلفة وبناء على اختبارات عملية محددة. وهو ما لم يكن يستدعي ذلك التكتم السوري على رفع مستوى التفاوض مع إسرائيل على هذا النحو.. الذي يشي بأن روح بشار الأسد ما زالت حاضرة في دمشق.
بيروت في 26 / 7 / 2025
—————————-
اجتماع باريس يفتح قنوات التهدئة بين سوريا وإسرائيل.. جنوب بلا سلاح ثقيل ولا وجود إيراني
عربي بوست
2025/07/27
في سابقة دبلوماسية وأمنية هي الأولى من نوعها منذ أكثر من عقدين، استضافت العاصمة الفرنسية باريس اجتماعاً ثلاثياً مغلقاً ضمّ وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، ووزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي رون ديرمر، بحضور المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا ولبنان، السفير توماس باراك.
الاجتماع، الذي دام لساعات بعيداً عن الإعلام، بدا وكأنه نقطة تحوّل محورية في مقاربة الملف السوري، ويعكس وجود مساعٍ جدية لإرساء تفاهمات أمنية في الجنوب السوري، تُفضي إلى رسم قواعد اشتباك جديدة بين دمشق وتل أبيب، تمهيداً لمعادلات إقليمية جديدة في مرحلة ما بعد الحرب على إيران.
ا
ضغوط تركية–عربية
تشير مصادر دبلوماسية عربية لـ”عربي بوست” إلى أن الترتيب لهذا الاجتماع جاء بعد تسارع الأحداث في السويداء، حيث مارست تركيا والمملكة العربية السعودية ضغوطاً كبيرة على الإدارة الأميركية لوقف التدخلات الإسرائيلية في الجنوب السوري، والدفع باتجاه احتواء حالات الانفصال هناك. ووفق المعلومات، التقى مسؤولون إقليميون وعرب مع مستشار الأمن القومي الإسرائيلي تساحي هنغبي، برعاية الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف، في العاصمة باكو.
وتفيد المعلومات بأن لقاء وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مع وزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي رون ديرمر، سبقته لقاءات تمهيدية بين مسؤولين أمنيين ودبلوماسيين سوريين ونظرائهم الإسرائيليين في باكو، ساهمت في إعداد جدول أعمال اجتماع باريس، بإشراف مسؤول من وكالة المخابرات الأميركية.
ويضيف المصدر أن استهداف إسرائيل لمحيط القصر الجمهوري ووزارة الدفاع وهيئة الأركان السورية، دفع الجانب التركي وأطرافاً عربية إلى تكثيف الضغوط على الولايات المتحدة وإسرائيل لمنع تفجّر الوضع في مناطق سورية أخرى، خشية تهديد ما تُعرف بـ”الدولة السورية الناشئة”.
شروط إسرائيلية وخطوط حمراء سورية
في المقابل، شهد الاجتماع نقاشات حادة بسبب المطالب الإسرائيلية، التي اعتبرتها دمشق “تدخلاً سافراً في الشؤون الداخلية السورية”. ووفق مصادر دبلوماسية سورية لـ”عربي بوست”، رفضت دمشق مقترحاً إسرائيلياً بإعادة رسم المشهد الأمني والإداري في محافظة السويداء، عبر نقل إدارة الملف بالكامل إلى إشراف أميركي مباشر، والإبقاء على نقاط مراقبة إسرائيلية في بعض المناطق السورية.
كما أصرّ الجانب الإسرائيلي على انسحاب القوات السورية من القرى الدرزية، ولا سيما قوات الأمن العام والعناصر الموالية من أبناء العشائر (البدو) في جنوب وغرب السويداء، استجابة لمطالب مشايخ العقل ووجهاء المجتمع المحلي.
واقترح الوفد الإسرائيلي تشكيل مجالس مدنية جديدة لإدارة الشؤون الخدمية، بتمويل من صندوق دولي تحت إشراف أميركي، بما يسمح باستقلال إداري واسع عن حكومة دمشق، وهو ما رفضته الأخيرة رفضاً قاطعاً.
وتشير المصادر إلى أنه جرى التوافق في المرحلة الأولى على تشكيل لجنة رصد وتوثيق للانتهاكات، تضم ناشطين حقوقيين وممثلين عن المجتمع المدني، وترفع تقاريرها مباشرة إلى الموفد الأميركي توماس باراك، دون المرور بأي قنوات حكومية سورية.
وفي ما يتعلق بمصير السلاح الثقيل في محافظتي درعا والقنيطرة، دارت نقاشات دون التوصل إلى آلية تنفيذية لنزعه من جميع القوى الموالية والمعارضة السابقة، مع اقتراح تشكيل لجان أمنية محلية غير مسلحة تنسق أعمالها مع حكومة دمشق.
كما طالب الوزير الإسرائيلي رون ديرمر بتقييد الوجود العسكري السوري جنوب دمشق، وإخلاء منطقة حوض اليرموك والريف الجنوبي للعاصمة من أي نشاط عسكري أو أمني دائم، مع الإبقاء على السيطرة الإسرائيلية على قمم جبل الشيخ ومواقع الرصد الاستراتيجية المشرفة على دمشق والحدود اللبنانية–السورية.
دمشق تعرض العودة إلى اتفاق 1974
أبدى وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني خلال الاجتماع استعداد دمشق للعودة إلى اتفاق فض الاشتباك الموقع عام 1974، مع إمكانية تعديل خطوط المنطقة العازلة بالتفاهم مع الجانب الإسرائيلي، شرط احترام السيادة السورية.
في المقابل، أصرّ ديرمر على مواصلة الضغط لإخراج النفوذ الإيراني والفصائل الفلسطينية من الجنوب، والإبقاء على الحق الإسرائيلي في تنفيذ ضربات استباقية عبر لجنة ثلاثية سورية–إسرائيلية–أميركية، شبيهة بآلية وقف إطلاق النار في لبنان، على أن تكون برئاسة جنرال أميركي.
كما شدد الجانب الإسرائيلي على استمراره في استهداف أي تحركات أو مخازن أسلحة يُشتبه في أنها موجهة لحزب الله، أو تمر عبر الأراضي السورية نحو لبنان، ضمن سياسته لقطع طريق الإمداد الذي يستخدمه الحزب والحرس الثوري الإيراني.
هواجس من انحياز أميركي لإسرائيل؟
بحسب المصادر، تتخوف دمشق وأنقرة من أن تكون الإدارة الأميركية قد استغلت أحداث السويداء بين الدروز والعشائر للضغط على دمشق لتقديم تنازلات أكبر لإسرائيل. وأفادت التقارير أن السفير الأميركي لدى تل أبيب، مايك هاكابي، أبلغ رئيس الحكومة الإسرائيلية أن لديه “ضوءاً أخضر” لاستهداف دمشق، رغم تسريبات تحدثت عن “غضب أميركي” من نتنياهو عقب القصف الأخير.
وترى دمشق، وفق المصادر، أن الدفع باتجاه اتفاق أمني دون ضمانات سيادية حقيقية قد يفتح الباب أمام اضطرابات داخلية، وتشجيع مكونات أخرى على التمرد في المستقبل. كما تعتبر أن أي اعتراف بسيادة إسرائيل على الجولان سيُقابل برفض شعبي واسع، وقد يؤدي إلى إعادة فتح الجبهات بدلاً من إغلاقها.
تمثيل سياسي رفيع… تفاهم لا تطبيع
يرى المحلل السياسي إبراهيم ريحان أن المستوى التمثيلي المرتفع في اجتماع باريس الثلاثي يعكس توجهاً نحو تفاهم سياسي–أمني، يتجاوز الطابع الأمني التقليدي، رغم أن جدول الأعمال ركّز على الترتيبات الميدانية في الجنوب السوري.
ويعتبر ريحان أن حضور وزير الخارجية السوري ووزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي، إلى جانب المبعوث الأميركي، يعكس رغبة ثلاثية في بناء تفاهم قابل للتطور، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن الأطراف باتت قريبة من تطبيع شامل أو اتفاق سلام نهائي.
ويشير إلى أن الأولوية حالياً هي ضبط الإيقاع الأمني في الجنوب واحتواء الاشتباك المتكرر بين سوريا وإسرائيل، خاصة بعد التصعيد الأخير في السويداء، والغارات الإسرائيلية على دمشق. والهدف المباشر هو الوصول إلى تفاهم ميداني يُفضي إلى تهدئة طويلة الأمد، دون المساس بالتوازنات الإقليمية المعقّدة.
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، لا تزال هناك عقبات بنيوية في طريق أي اتفاق دائم، وعلى رأسها قضية الجولان المحتل. فبينما تفضّل دمشق العودة إلى اتفاق 1974، تبدي إسرائيل فتوراً واضحاً، وتسعى إلى فرض واقع جديد يعترف بسيادتها على الجولان، خاصة بعد الاعتراف الأميركي بذلك خلال إدارة ترامب.
ولا تزال الخلافات قائمة أيضاً حول مستقبل المنطقة العازلة، ودور القوى الرديفة، وترتيبات الأمن في محافظات الجنوب الثلاث: السويداء ودرعا والقنيطرة، حيث تسعى تل أبيب إلى تفريغها من الوجود العسكري الرسمي، وإحلال سلطات محلية مدنية أو محايدة بدلاً منها.
—————————–
واشنطن.. اليد في سوريا والعين على لبنان/ صهيب جوهر
2025.07.29
في ظل التصاعد المتسارع للتحرّكات الأميركية في الشرق الأوسط، يتّضح أن لبنان بات خارج الحلبة الفعلية للاهتمام الدولي المباشر.
لا تعني هذه المقاربة أن واشنطن رفعت يدها بالكامل عن الساحة اللبنانية، لكنها، في واقع الأمر، وضعت ملف لبنان في خانة المتابعة من بعيد، وربطته عضويًّا بالمشهد السوري الأشمل، الذي بات يتصدّر سلّم الأولويات في التفكير الاستراتيجي الأميركي.
هذا التفاوت في الإيقاع بين الدينامية الأميركية والتباطؤ اللبناني لم يكن تفصيلاً عابرًا في زيارة الموفد الأميركي توم باراك الأخيرة إلى بيروت. فالرجل، رغم تركيزه الظاهري على ملف حزب الله وسلاحه، كان مهجوسًا طوال فترة إقامته بمتابعة التطورات في سوريا، وتحديدًا على جبهتَي الجنوب السوري والشمال الشرقي. ولم يكن سرًّا أنه غادر العاصمة اللبنانية متوجّهًا إلى باريس بغرض الإشراف على تحضيرات لقاء سوري–إسرائيلي يجري الإعداد له بهدوء خلف الكواليس، تحت مظلّة رعاية أميركية غير معلنة.
بات من الواضح أن واشنطن تسعى إلى إعادة تشكيل بيئة سياسية وأمنية جديدة في سوريا، تراعي مصالح حلفائها، وتمنع الانفجار الشامل، وتضبط الحراك الإسرائيلي المندفع على أكثر من جبهة. وضمن هذا الإطار، يتعامل الأميركيون مع الملف اللبناني كمكوّن تابع، لا كملف مستقل بذاته. فقد نقل باراك إلى المسؤولين اللبنانيين رسالة واضحة مفادها أن التأخّر في اتخاذ قرارات حاسمة بشأن سلاح حزب الله سيؤدي إلى تراجع الاهتمام الأميركي، وربما انسحابه التدريجي من أي وساطة مستقبلية. وبحسب ما أُبلغ إلى بيروت، فإن واشنطن باتت ترى أن سوريا – لا لبنان – هي الميدان الحاسم لتوازنات ما بعد الحرب.
والتحوّل في أولويات واشنطن تَرافق مع دينامية إقليمية لا تقلّ تسارعًا، تقودها أنقرة بفاعلية واضحة. إذ لعبت تركيا دورًا محوريًّا في إعادة ضبط توازنات الداخل السوري، من خلال انخراطها المباشر في ترتيبات وقف النار في السويداء، وسعيها لعقد لقاءات أمنية رفيعة المستوى مع الجانب السوري في أذربيجان. هذه اللقاءات، التي تأتي في سياق إعادة تثبيت قواعد الاشتباك وتحصين وحدة الأراضي السورية، تعبّر عن مقاربة تركية عقلانية، تنظر إلى سوريا بوصفها الامتداد الحيوي لأمنها القومي، لا كمجرد ملف خارجي.
بالنسبة لأنقرة، لا يمكن السماح بإنشاء أي كيان مستقل أو ذاتي في الجنوب السوري أو شماله الشرقي، لأنه يعني تلقائيًّا فتح جبهة اضطراب داخلي في جنوبي تركيا. فالدروز في السويداء، إذا ما نجحوا في فرض نوع من الحكم الذاتي برعاية إسرائيلية أو دولية، سيشكّلون نموذجًا قابلًا للتكرار في مناطق أخرى. أمّا الكُرد، فإن أيّ خروج لهم عن التفاهمات القائمة مع دمشق سيؤدّي إلى نسف التوازن الهشّ في شرق الفرات، وفتح المجال أمام مشروع انفصالي يُعيد إحياء هواجس أنقرة التاريخية.
ولا يُخفى أن الساحل السوري، الذي ما تزال روسيا تملك فيه قاعدتين عسكريتين، مُرشّح هو الآخر للانفصال التدريجي، وهو ما قد يثير حساسيات داخل تركيا في ظل وجود شريحة علوية واسعة تميل سياسيًّا وثقافيًّا إلى الامتداد العلوي في سوريا.
هذا القلق التركي المشروع تُترجمه خطوات سياسية وأمنية متلاحقة. فوزير الخارجية هاكان فيدان بعث رسائل واضحة في أعقاب وقف إطلاق النار في السويداء، مفادها أن أنقرة لن تقف متفرّجة على أي محاولة لتفتيت سوريا، أو إخراجها من معادلات الاستقرار الإقليمي. هذا التوجّه لا يعكس فقط سياسة استباقية لحماية الداخل التركي، بل أيضًا رؤية استراتيجية لإعادة التموضع كلاعب ضامن للتوازن الإقليمي، خصوصًا في ظل تراجع أدوار قوى أخرى، وتخبّط مشاريع إقليمية بديلة.
أمّا في لبنان، فالواقع يبدو أكثر هشاشةً وانقسامًا. فعلى الرغم من الطروحات التي تقدّم بها عدد من المسؤولين اللبنانيين، والتي تنصّ على وقف العمليات الإسرائيلية لفترة زمنية محددة، يليها إعلان حكومي عن حصرية السلاح بيد الدولة ضمن جدول زمني، إلا أن لا تجاوب أميركيًّا أو إسرائيليًّا مع هذه المقاربة. بل إن تل أبيب، بحسب ما نُقل عن المسؤولين الأميركيين، لا ترى في هذه الطروحات سوى مواقف لفظية سبق أن اختبرتها مرارًا.
في الداخل اللبناني، انقسمت القوى السياسية حول كيفية التعامل مع المقترح الأميركي، وحول الجهة التي يحقّ لها التفاوض أو اتخاذ القرار. البعض طالب بعرض الورقة الأميركية على طاولة مجلس الوزراء، وآخرون دعوا إلى تمريرها عبر مجلس النواب، فيما دعا فريق ثالث إلى تجنّب أي خطوة قد تؤدي إلى تفجير الساحة الداخلية. هذا الانقسام، الذي تعزّزه حسابات طائفية وحزبية ضيقة، ساهم في إضعاف موقف الدولة، وأعاد مشهد التردّد والمراوحة الذي لطالما طبع الأداء اللبناني في محطات مفصلية.
في غضون ذلك، يواصل الإسرائيليون الضغط على المجتمع الدولي لتقليص دور قوات “اليونيفيل” في جنوبي لبنان. وقد كشفت تسريبات من نيويورك عن نيّة إدارة الرئيس ترامب وقف المساهمة الأميركية في تمويل هذه القوات، نزولًا عند مطلب إسرائيلي مزمن. وعلى الرغم من تحرك الأمانة العامة للأمم المتحدة بالتنسيق مع فرنسا ودول أوروبية أخرى لإعداد خطة بديلة للتمويل، إلا أن احتمال تقليص الدور الأممي يبقى مطروحًا، ما يفتح الباب أمام فراغ أمني خطير على الحدود اللبنانية–الإسرائيلية.
تأتي هذه التطورات في وقت ما تزال فيه إسرائيل تحافظ على حالة الحرب المنخفضة الحدّة على جبهات متعددة، من غزة إلى جنوبي لبنان. ورغم توقيع اتفاقات وقف إطلاق نار، إلا أن تل أبيب ترفض تثبيتها رسميًّا، ما يترك الباب مفتوحًا لتصعيد مفاجئ في أيّ لحظة، خصوصًا إذا لم تتبلور تسوية واضحة لمستقبل سلاح حزب الله.
في المحصّلة، تتجه المنطقة نحو إعادة رسم أولوياتها: سوريا في قلب المشهد الدولي، وتركيا لاعب فاعل في تثبيت معادلات الداخل السوري، في حين لبنان يواصل الدوران في حلقة مفرغة من الانقسام والسجال، على وقع تراجع الاهتمام الخارجي، وتصاعد الضغوط الإسرائيلية. وإذا استمر الوضع على هذا المنوال، فإن بيروت قد تجد نفسها قريبًا خارج اللعبة، تراقب من بعيد كيف يُعاد ترسيم خرائط النفوذ والمصالح من دون أن يكون لها فيها موطئ قدم أو حتى حقّ الاعتراض.
————————
أبي المنى ينقلب على موقفه بشأن السويداء
قال شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز في لبنان، سامي أبي المنى، إن الدولة السورية تتحمل مسؤولية ما حصل في السويداء، مستغربًا منها كيف سمحت للأوضاع أن تتفاقم لهذا الحد، وذلك في انقلاب على تصريحات سابقة حمّل فيها الشيخ حكمت الهجري المسؤولية.
واعتبر خلال لقائه مع قناة “روسيا اليوم“، الاثنين 28 من تموز، أنه كان يتوجب عليها أن تفعل صيغة الحوار والتفاهم بدلًا من ذلك، وأن تصيغ اتفاقًا يطمئن أهل السويداء والأقليات، ويزرع الثقة في شعبها، وكان أجدر بالدول الراعية للثورة السورية، مساعدة الدولة على بنائها وإنشاء عقد اجتماعي يطمئن الناس.
وطالب بعودة المحتجزين من أهالي السويداء، وخاصة النساء، إذ توجد لوائح تضم أكثر من 500 مفقود، مشيرًا إلى أن الخسائر كبيرة في الأرواح والممتلكات، وهناك مؤسسات إحصائية تعمل على قضية المفقودين، مصرًا على محاسبة “المرتكبين المسؤولين” عن الجرائم.
وأوضح أن شيخ عقل الطائفة في سوريا حكمت الهجري عانى الكثير، وكان مستهدفًا، وطلب أبي المنى من شيوخ العقل التطلع إلى المستقبل، والمستقبل هو أن يكونوا ضمن هذه الدولة السورية الواحدة الموحدة، وعلى الدولة احترام كل مكوناتها.
الفصائل المحلية تتحمل جزءًا من المسؤولية كونهم على الأرض، لكنهم في موقع الدفاع عن أرضهم، ولم يهاجموا مدينة أو محافظة أخرى، وكل من كان على الأرض يتحمل المسؤولية، وفق تعبيره.
أبي المنى مقرب من السياسي اللبناني الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي، وليد جنبلاط، وهو أحد أبرز الوجوه الدرزية في لبنان.
واستغرب أبي المنى من تجمع العشائر من كل “حدب وصوب” لـ”تحرير السويداء”، وكأنها “تحرر القدس”، متسائلًا هل الأمر مخطط له أم لا؟
وربط تصاعد التوتر بالمفاوضات بين الرئيس السوري، أحمد الشرع، وإسرائيل في أذربيجان، مستفسرًا هل إسرائيل خدعت الشرع في الدخول للسويداء؟
اتفاق وقف إطلاق النار حصل برعاية أمريكية، وهذا يدل على أن سوريا تحت الرعاية الأجنبية، بحسب أبي المنى، مضيفًا أن هذه الدولة تحتاج إلى الرعاية، لكي تستطيع أن تبني نفسها، وأن تحقق الطمأنينة لشعبها.
ولفت إلى أن الاتفاق حصل بحوار بين إسرائيل وسوريا، ويوجد تفاهمات كبرى تجري في المنطقة، محذرًا أهالي السويداء بأن هناك ما يخطط، ولا ينبغي أن يدفعوا هم الثمن.
طائفة الموحدين الدروز في لبنان تواصلت مع السفارة السعودية في دمشق، ومع وزارتي الشؤون الاجتماعية والعمل والداخلية، ومع الأمم المتحدة، والهلال الأحمر السوري، والصليب الأحمر اللبناني، كاشفًا أن أهالي السويداء يوزعون أنفسهم على شكل هيئات متخصصة بكل الأقسام، لسهولة العمل والتواصل.
واستاء من معاملة أبناء “الطائفة الدرزية” في سوريا، كونهم من “حرر سوريا”، وعمل من أجل استقلالها، ولا يؤيدون ألا الوحدة الوطنية، قائلًا”: “أهل السويداء قادرون على أن يتولوا أمرهم، ولكن واجبنا أن نكون إلى جانبهم، ونساعدهم، ونساعد سوريا على بناء ذاتها، فسوريا هي المتنفس الأول للبنان، ولطائفة الموحدين الدروز”.
وأعلنت وزارة الداخلية السورية، في 19 من تموز، عن بنود اتفاق وقف إطلاق النار في مدينة السويداء، الذي جاء بعد المفاوضات التي جرت بين الرئيس السوري للمرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، ورئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بدعم من الولايات المتحدة الأمريكية وتبنته تركيا والأردن وجيرانهما.
والتقى وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، وزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، والمبعوث الأمريكي إلى سوريا، توماس براك، في العاصمة الفرنسية، باريس، في 25 من تموز، وتمت الموافقة على دعم الحكومة السورية في مسار الانتقال السياسي الذي تقوده، بما يهدف إلى تحقيق المصالحة الوطنية، وتعزيز التماسك المجتمعي لا سيما في مناطق شمال شرقي سوريا ومحافظة السويداء.
تناقض في المواقف
كان شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز في لبنان حمل، في 22 من تموز، مسؤولية التوترات والاشتباكات التي حصلت في السويداء جنوبي سوريا، للشيخ حكمت الهجري، بعد عقد اتفاقية وقف إطلاق نار.
وأوضح أن التحدي والمواجهة والتعبئة لا توصل إلا إلى الدم والدموع والخراب، ومنذ البداية وضعت الطائفة يدها بيد الدولة السورية المنتصرة على نظام بشار الأسد السابق، بحسب ما قاله لـ“الإخبارية” السورية الرسمية.
وأشار أبي المنى إلى أن مسؤولية الأحداث في السويداء تقع على الشيخ حكمت الهجري، فمن المفترض أن يظهر الأخير تجاوبًا أكبر ومرونة في التعاطي مع التطورات.
واندلعت، في 12 من تموز الحالي، اشتباكات بين فصائل محلية، ذات طابع درزي، مع سكان في حي المقوس من بدو السويداء، على خلفية خطف مدني مع سيارته من الطائفة الدرزية الذين اتهموا البدو في تنفيذ عملية الخطف.
وبعد حصار حي المقوس تدخل الأمن العام التابع للحكومة السورية، بذريعة فرض الأمن في المدينة ما أدى لمواجهات مع الفصائل المحلية، وكان على رأسها، “المجلس العسكري في السويداء” ما استدعى تدخلًا من قبل إسرائيل لإجبار القوات الحكومية على التراجع ومن بعدها جرت اشتباكات مع العشائر العربية انتهت بتدخل مباشر من الأمن الداخلي الذي استطاع ضبط الأمن في محيط المحافظة.
وفق أحدث إحصائية صادرة عن “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” قتل ما لا يقل عن 814 سوريًا بينهم 34 سيدة و 20 طفلًا، وستة أشخاص من الطواقم الطبية، وشخصان من الطواقم الإعلامية، في محافظة السويداء منذ اندلاع التوترات في 13 من تموز الحالي.
—————————-
الدور الروسي في سوريا: دعم سياسي بلا التزامات وتنسيق مع إسرائيل رغم التحفظات/ معاذ الحمد
بين الشرع ونتنياهو: هل فقدت موسكو قبضتها على الملف السوري؟
2025-07-29
في ظل الاتصال الهاتفي الأخير الذي جرى أمس الاثنين، بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وجدد خلاله بوتين دعم بلاده لوحدة الأراضي السورية واحترام سيادتها، يُطرح سؤال محوري: إلى أي مدى ما تزال موسكو فاعلاً حقيقياً في الملف السوري بعد سقوط النظام السابق؟
وجاء في بيان صادر عن الكرملين أن الزعيمين بحثا سبل تعزيز التنسيق بين موسكو وتل أبيب، في إطار الجهود المشتركة لمواجهة التهديدات الأمنية والإرهابية في المنطقة، مع التركيز على سوريا كمحور رئيسي للتفاهم بين الطرفين. كما شدد بوتين على أهمية احترام حقوق جميع الأقليات داخل سوريا، واعتبر ذلك شرطاً أساسياً لتحقيق الاستقرار الداخلي وتعزيز الأمن الوطني.
روسيا والبعد السياسي في سوريا
غير أن هذا الموقف الروسي الرسمي لم يُترجم بعد إلى دعم ميداني ملموس، وفق ما يؤكده الخبير في العلاقات الدولية والسياسة الروسية محمود الأفندي، الذي أشار إلى أن “روسيا خفّضت بشكل كبير من حضورها السياسي والأمني في سوريا منذ سقوط النظام السابق”.
ويلفت الأفندي في تصريحات لـ”963+” إلى أن العلاقة بين موسكو والحكومة السورية الجديدة، برئاسة أحمد الشرع، ما تزال في إطار “مرحلة انتقالية”، تقتصر على اتصالات ديبلوماسية ومحادثات محدودة حول مستقبل القواعد العسكرية الروسية في البلاد.
ويوضح الأفندي أن “روسيا تركز حالياً على البعد السياسي في الملف السوري”، مستشهداً بمواقف موسكو في مجلس الأمن، ولا سيما في ما يتعلق بالتنديد بالاعتداءات الإسرائيلية المتكررة.
ويقول الخبير في السياسة الروسية إن “الرئيس الشرع نفسه عبّر عن شكره لروسيا في خطابه الأخير، مشيداً بمواقفها السياسية، رغم تراجع دعمها المباشر”.
أما من الناحية الميدانية، فقد أكد الأفندي أن “الوجود الروسي بات محصوراً في مواقع مثل قاعدة حميميم وميناء طرطوس، مع رفض موسكو لطلبات محلية بالتدخل العسكري، خصوصاً في شمال سوريا”، ما يعكس، برأيه، “قراراً روسياً بالابتعاد عن أي انخراط مباشر في الملفات الأمنية”.
ويرى الأفندي أن هذا التراجع الروسي “يعكس تغيراً استراتيجياً في مقاربة موسكو للمنطقة، حيث باتت تنظر إلى الملف السوري من زاوية أوسع ترتبط بمشروعها لإعادة تشكيل النظام الدولي”.
ويعتبر أن “الصراعات الإقليمية، بما فيها الحرب في أوكرانيا، ناجمة عن استمرار النظام الأحادي القطبية الذي تقوده الولايات المتحدة، والذي تحاول موسكو تجاوزه ببناء نظام دولي متعدد الأقطاب”.
وفيما يخص العلاقات الروسية – الإسرائيلية، يقول الأفندي إن “التفاهمات الهاتفية المتكررة بين بوتين ونتنياهو لم تؤدِّ إلى الحدّ من المشروع الإسرائيلي الرامي إلى تفكيك الدولة السورية”، محذراً من أن “إسرائيل تسعى إلى ضرب وحدة سوريا من الداخل، عبر إذكاء الانقسامات الداخلية، مستغلة حالة الفراغ التي أعقبت سقوط النظام”.
روسيا.. “منسق غير معلن”
من جهته، يقدّم المحلل السياسي حسن نيفي قراءة أكثر نقداً للدور الروسي، مشيراً إلى أن موسكو لعبت لسنوات دور “المنسق غير المعلن” بين إسرائيل وسوريا، مستفيدة من سيطرتها على الأجواء السورية، ومعرفتها المسبقة بتحركات الطيران الإسرائيلي.
لكنه يؤكد في تصريحات لـ”963+” أن “موسكو لم تعد قادرة على أداء هذا الدور بعد تحولات كبيرة أعقبت أحداث 7 أكتوبر، وسقوط النظام السابق، وتراجع النفوذ الإيراني في سوريا”.
وبحسب نيفي، فإن سعي روسيا للحفاظ على حد أدنى من النفوذ في المنطقة “هو ما يفسر تكثيف محادثاتها مع إسرائيل، رغم إدراكها أن تل أبيب لا تستجيب فعلياً لضغوط دولية”.
ويضيف أن روسيا “لم تعد تملك أدوات كبح الضربات الإسرائيلية”، وتحرص في المقابل على إبقاء إسرائيل في موقع “محايد نسبياً” تجاه الحرب في أوكرانيا.
وتطرق نيفي إلى موقف موسكو من الحكومة السورية الجديدة، مؤكداً أن “هناك تواصلاً حذراً، خاصة بعد مطالبة الرئيس أحمد الشرع روسيا بتسليم بشار الأسد ومساعديه، المقيمين حالياً على أراضيها، وهو طلب لم تؤكده موسكو علناً، ما يعكس تحفظها على الخوض في الملفات الشائكة علناً”.
وفي ما يخص الداخل السوري، يشير نيفي إلى أن “القوى المناهضة للحكومة الجديدة تسعى للحصول على دعم خارجي، بينما تلتزم روسيا الصمت، في حين تبدي إيران دعماً لبعض الضباط السابقين”.
ويشدد على أن “جميع القوى الدولية، بما فيها إسرائيل، تتعامل مع الجماعات المحلية كأدوات تخدم مصالحها، وليس انطلاقاً من حرص على سلامة هذه المكونات”.
وفي ختام تصريحاته، يؤكد الأفندي على أن الحكومة الجديدة “تواجه تحديات كبيرة في ظل تآكل الثقة مع موسكو، وتزايد العدوان الإسرائيلي، وغياب موقف دولي فاعل”.
ويعتبر أن إعادة التوازن في سوريا والمنطقة “لن يكون ممكناً من دون إعادة النظر في بنية النظام الدولي وقواعد القانون الدولي، التي أثبتت عجزها أمام الانتهاكات المستمرة”.
ووفق الخبراء، يبدو أن موسكو، رغم تأكيدها الرسمي على دعم سيادة سوريا، اختارت في هذه المرحلة أن تتعامل مع الملف السوري بمنهجية حذرة، ترقب تطورات الداخل السوري وتحوّلات الإقليم، دون الدخول في التزامات ميدانية أو تحالفات حاسمة، بانتظار ما ستؤول إليه خارطة التوازنات الدولية المقبلة.
+963
——————–
الإصلاح في سوريا يبدأ حين تترجم الأقوال إلى أفعال/ حايد حايد
28 يوليو 2025
كشفت حوادث العنف الأخيرة في السويداء مجددا عن الهوة العميقة في النسيج الاجتماعي والسياسي السوري. وردا على ذلك، أصدرت الحكومة الانتقالية سلسلة بيانات تعهدت فيها بمحاسبة مرتكبي الانتهاكات، والتصدي لخطاب الكراهية والتحريض الذي أذكى نار العنف.
نظريا، تبدو تصريحات دمشق مطابقة للمطلوب. غير أن أفعالها حتى اللحظة لم تواكب تلك التصريحات. فالإجراءات المُتخذة لا تعدو كونها خطوات شكلية، تفتقر إلى الجدية والشفافية والإلحاح الكافيَين لاستعادة الثقة أو درء انتكاسة العنف. نعم، ترجمة الوعود إلى سياسات تحتاج زمنا، غير أن التأخر في التنفيذ تودي بالبلاد إلى مخاطر.
إن لم تُترجم هذه الوعود إلى إجراءات ملموسة وجوهرية، فستُتلقف كشعارات جوفاء، تهدد الثقة بالحكومة، وتُهيئ الساحة لعودة العنف.
مصالحة السويداء تحتاج حتما إلى مساءلة شفافة، وإصلاحات جذرية، والتزام دؤوب باجتثاث جذور الانقسام. وأي تقصير هنا لن يُسهم في فشل منع الصدام المقبل فحسب، بل يضفي عليه صفة الحتمية.
عقِبَ اشتباكات السويداء مباشرة، روجت دمشق لصورتها كحكومة حريصة على العدالة والوحدة. وأكد مسؤولوها عزمهم ضمان محاسبة المُتسببين في الانتهاكات، ومنعِ استمرار التحريض، وصون النسيج الاجتماعي من خطاب التفرقة. وقد بدت تلك التصريحات المُحكمة الصياغة كصدى لِمطالب المجتمع الدولي ومنظمات المجتمع المدني والسوريين الذين أنهكهم العنف.
سطحيا، تحمِل هذه التصريحات وقعا مؤثرا. فهي تُقر بالمعاناة الناجمة عن الاشتباكات، وتشِي بضرورة تحرك جادّ لقطع دابر العنف. لكن الفجوة بين الخطاب والواقع- كما يحدث في المرحلة الانتقالية السورية- لم تطُل زمانا حتى انكشفت.
عمليا، لم تُقدم دمشق سوى حزمة هزيلة من الإجراءات الاستعراضية: تحقيقات داخلية في انتهاكات “مزعومة”، وتوقيف شخصين متورِّطين بنشر خطاب التفرقة. إجراءات لفتت الأضواءَ، لكنها ظلت حبيسة الإطار الرمزي.
تحقيقات السويداء: ضبابية متعمدة؟
وأعلنت وزارتا الدفاع والداخلية بدء تحقيقات حول انتهاكات الاشتباكات مباشرة بعد سريان وقف إطلاق النار في السويداء. ونشرت وزارة الدفاع بيانا أكدت فيه تشكيلَ لجنة لتحديد المُتورطين، مع وعد “بتطبيق أقصى العقوبات” حتّى لو كانوا من صفوف قواتها. وأكدت على شمولية التحقيق لكافة الأفراد الظاهرين في مقاطع الفيديو المنتشرة، مع وعد بنشر النتائج. وفي انسجام لافت، نَشَرت وزارة الداخلية بيانا أدانت فيه عمليات القتل خارج القانون، وتعهدت بإحالة المتورِطين إلى القضاء.
وعلى الرغم مما تبديه هذه التصريحات من التزام بالمساءلة، إلا أن مصداقيتها واجهت تشكيكا من البعض. ويؤكّد النقاد أن مثل هذه التحقيقات مقيدة هيكليا، ولا يُرجى منها تحقيق عدالة نزيهة- ولا سيما مع اتهام مُوظَّفين بارزين في الوزارتين بالضلوع في انتهاكات مماثلة.
لضمان المصداقية، يتعيّن على الحكومة الانتقالية تشكيلَ لجنة تحقيق مستقلة ذات صلاحيات كاملة، تُجرِي تحقيقا شاملا وشفافا في كل انتهاكات الاشتباكات بغض النظر عن هوية الجناة. ويجب أن تحظى اللجنة باعترافِ جميع الأطراف، مع دعوة منظمات حقوق الإنسان- المحلية والدولية- لمراقبة منهجِ العمل.
لن تكون هذه الخطوة مجرد رصيد لمصداقية العملية وحسب، بل برهان عملي- لا خطابيا- على التزام السلطة السورية الجاد بالعدالة.
والتزاما بمكافحة خطاب الكراهية، فرضت وزارة الإعلام السورية “عقوبات” على شخصَينِ ظهرا في فيديو مسيءٍ لرموز دينية في السويداء. ووفق بيانها، صُنّف الرجلانِ كمُؤثِّري “تيك توك” (لا صحافيّين)، فحُرما من العمل الإعلامي عاما كاملا، وسُحبت أوراق اعتمادهما الصحافية، مع إجبارهما على توقيع تعهّدٍ بعدم “التكرار” تحت تهديد العقاب القانوني.
وعلى الرغم من تقديم هذه الإجراءات كـ”حملة ضد خطاب الكراهية”، فإن مراقبين كثرا وصفوها بالاستعراضية. بل تجاوز النقد رمزيتها إلى التشكيك في شرعيّة الوزارة ذاتها: كيف تفرض عقوبات على مؤثرين خارج اختصاصها؟ مؤكدين أن محاسبتهم- لو وُجِدت- يجب أن تتم عبر القضاء لا بأدوات إدارية مُبتدَعة.
بل ذهب مراقبون أبعد، مشيرين إلى تمادي صحافيين بارزين- بعضهم على صلة عضوية بالسلطة- في التحريض الطائفي من دون أي محاسبة. وكشفَ هذا التمييز الصارخ في التطبيق لسكان السويداء والعالم أن “الإجراءات” لم تكن سوى أدوات دعائية. فبدلا من كونها جهدا جادا لمواجهة مشكلة خطاب الكراهية والخطاب الطائفي المتجذرة، يُنظر إليها على نطاق واسع على أنها مجرد تمرين علاقات عامة.
تتطلب مواجهة التحريض الطائفي أكثر من عقوبات هزيلة. فهي تستلزم استراتيجية شاملة لرصْد كل منْ يُؤجج نار الفتنة ومحاسبتهم- بدءا بالأكثر نفوذا. وإن تعذر إقرار تشريعٍ جديد قبل تشكيل هيئة تشريعية، فبإمكان السلطات- بل يتعيّن عليها- تطبيقَ القوانين السارية حاليا لا غدا، لإرسال رسالة لا لبس فيها: زمن التسامح مع الطائفية ولى.
بالتزامنِ مع اشتباكات السويداء، تواترت أنباء عن هجمات طائفية مُمنهجة استهدفت الطلاب الدروز في جامعات سورية عدّة. حيث تعرض طلاب من السويداء لموجة تمييز عنيف، واعتداءات جسدية، وحالات اختفاء قسري
واقتُيد طلاب من غرف سكنهم الجامعي، وضُربوا بوحشية على يد زملاء محرضين. وفي حالات أخرى، فقدت عائلات أبناءَها المقيمين في مساكن جامعية خارج السويداء، غارقين في ضبابية قسرية: بين الاعتقال الأمني المحتمل والاختطافِ على أيدي زملائهم.
لم تكن هذه الاعتداءات أعمالا فردية، بل حلقة في سلسلة مُمنهجة. فقد ظهرت مجموعات ضخمة على “واتساب” و”تلغرام”- بعضها يضم آلاف الأعضاء- مُكرسة لتعقب الطلاب الدروز واستهدافهم. وبوعيٍ تام بنتائج أفعالهم، حوّل أعضاء هذه المجموعات البيانات الشخصية (أسماء، أرقاما غُرفا، صورا) إلى قوائم إعدام افتراضية، تحت سمعِ السلطاتِ وبصرها.
وعلى الرغم من فداحة الانتهاكات واتساع نطاقها، ظل رد السلطات جزئيا وسطحيا. فاكتفت بعض الجامعات بنشر بيانات إدانة جوفاء، بينما منح مسؤولون “شرعية” لتحركات شعبوية طالبت بطرد طلاب السويداء- وكأنهم يستمعون لصوت التحريض لا ضحاياه.
لكن الأكثر خطورة هو الصمت الرسمي المُطبق حول محاسبة الفاعلين. فغياب الشفافية لا يُمكن الجناة فحسب، بل يُرسخ قناعة شعبية بموافقة السلطة الضمنية على العنف الطائفي- وهو الأمر الذي يحوّل هوة الثقة بين الشعب والحكومة إلى هاوية لا تُردم.
يبدأ وقف نزيف التصعيد بضمانات ملموسة لحماية أصحاب الهويات المستهدفة. ويجب أن تكون هذه الضمانات رسمية وعلنية وصارمة، لتُوصل رسالة لا لبس فيها: الجرائم القائمة على الدين أو العرق أو الانتماء السياسي لا تُغتفر ولا تُترك دون عقاب.
منذ تولّي السلطة، رسمت الحكومة الانتقالية مسارا جديدا، رافعة سقفَ التوقعات داخليا وخارجيا. وصحيح أن خطابَ التغيير ضروري لترميم الثقة، لكن الفجوة بين تصريحاتها وإجراءاتها تزيد الشرخَ المجتمعي عمقا- وهو التناقض الأكثر تهديدا لمشروعها الإصلاحي.
وعلى الرغم من حاجة الإصلاحِ لزمنٍ، فإن غياب الخطوات الملموسة يُحوِل الوعود إلى سراب. وعندما تتحطم التوقعات، تتحول إلى ركام خيبة- ثم بركانِ غضب. وانهيار جسرِ الثقة ليس خطرا سياسيا فحسب، بل شمعة تُضيء طريقَ العنف. إن تُركت تشتعل، ستُذكي انقسامات أشد عمقا، وتُغذي السخط، وتُعيد سوريا إلى الحلقة المفرغة التي أرادت فِكاكا منها.
المجلة
—————————–
تصريح/ فرح الأتاسي
ربما يكون تصريحي التالي مفاجئاً بعض الشيء ولكني على عكس غالبية السوريين الأمريكيين بواشنطن لم أشعر أبداً بالارتياح من “المحبة الفائضة” التي هبطت بسرعة البرق وفجأة من أمريكا على سوريا !!؟ وأكيد هي ليست مجانية وثمنها ربما يريدون ان يكون أكبر وأغلى مما تستطيع أن تدفعه سوريا الحبيبة … ؟؟
منذ وصولي إلى سوريا منذ شهرين وفي كافة اللقاءات التي أجريتها مع مسؤولين وصناع القرار في كافة الدوائر السياسية والاقتصادية والعسكرية والفكرية بدمشق، حذرتهم من التراخي المطلق امام عملية “التخدير” الدولي التي تجري وحقن أبر الخداع السياسي في مفاصل الدولة السورية الجديدة .. وتصديق كل التصريحات الجميلة التي تصدر عن “الأمريكيين” والأوروبيين و غيرهم حول القيادة والدولة الجديدة والرئيس الشرع وعلاقات سوريا مع جيرانها الخ .. فمن خلال عملي و تجربتي السياسية الطويلة بواشنطن لأكثر من ٢٥ عاماً، وجدت أن على صناع القرار في الشرق الأوسط أن يبقوا أعينهم دائماً مفتوحة على ما يدور وراء الكواليس .. ويبحثوا عن ما وراء السطور في التصريحات الرسمية الغربية والأمريكية.. وأن يحذروا من العسل المدسوس بالسم .. وأن لا يركنوا ويصدقوا كل ما يسمعوه (وأحياناً يرونه) بل يحاولوا التفكير خارج الصندوق .. وأن يكونوا حذرين في رد الفعل .. وأن يكونوا جاهزين دائماً بخطة طوارىء.
لا توجد أعراف في السياسة ولا منطق ولا صدق ولا ثبات .. بل يوجد كذب ودهاء ومكر واصطياد الهواة وأصحاب النوايا الحسنة .. ويجب على صناع القرار السياسي والأمني في سوريا أن يبقوا يفكروا استراتيجياً بمنطق المعارك لأن الحرب لم تنتهي بعد لا داخلياً ولا إقليمياً ولا دولياً .. ويجب أن يحيطوا أنفسهم بدهاة السياسة الحقيقيين والاستراتيجيين والأمن والديبلوماسيبن المخضرمين ورجال الأعمال والسوريين المستشارين الذين لهم شبكات علاقات دولية عالمية ويحظون بالمصداقية والاحترام ويعرفون دهاليز السياسات الأمريكية والدولية وخبراء في ملف الصراع العربي-السوري-الاسرائيلي !! .. العلاقات الدولية والسياسية ليست بهذه البساطة بل هي كتلة شائكة من المصالح المتشابكة والمواقف المتناقضة والتوازنات شبه المستحيلة .. والسياسة لا تخلو من عنصر المفاجأة .. وهي مثل الحرب تماماً يكون فيها كر وفر .. وربح وخسارة…
الطائفية مقبرة الأوطان .. المجازر والانتهاكات التي حصلت في السويداء مدانة بكل المقاييس السياسية والاجتماعية والأخلاقية.. والرحمة لأرواح كل الشهداء والمدنيين والأبرياء.. ولكن هذه الفتنة يتحمل مسؤوليتها بالدرجة الأولى رجل أحمق وعنيد لا يفقه بالسياسة شيئاً يتم استغلاله لاجندات غير سورية، ويجر طائفته للخراب وسوريا للفوضى! كما أن السوشال ميديا والمعلومات المضللة والتجييش والتحريض أخطر على السوريين من الهجري والنتن ياهو وهلوسات وئام كذاب وهاب وفلول النظام.
قوة الدولة تستند على تحصين وتمتين الجبهة الداخلية والقضاء على التحريض الطائفي و الفتن ووأدها في مهدها كي لا تتكرر .. وإخماد الحرائق قبل أن تتسع رقعتها على الجغرافيا السورية ويصعب السيطرة عليها .. و هذا الاختبار ليس للقيادة الجديدة في دمشق وحسب، وإنما امتحان لشعب الثورة ولكل السوريين. الحل لن ولا يجب أن يأتي من الخارج .. فكلام ووعود وتصريحات الخارج أحياناً لا تأثير لها ومثل الكتابة بالحبر على الماء! ولا ضامن لسوريا إلا وحدة شعبها والحوار الشامل والصريح، وبناء مؤسسات حكم حقيقية تستند على الخبرة والكفاءة وتطبيق العدالة الانتقالية، وتوسيع دائرة النصح والمشورة وصناعة القرار من أهل الاختصاص حول السلطة، والمشاركة الوطنية الكاملة، والتضامن الشعبي بوجه كل هذه المخاطر ، فالشعب السوري بكافة طوائفه وأعراقه ودياناته يعوم على زورق واحد في بحر متلاطم من المخاطر والتحديات فإما أن نلتف وراء دولتنا الجديدة ونكون حكماء ووطنيين وعقلاء كي ننجو جميعاً أو نغرق جميعاً .. لا خيار ثالث.
لا تخافوا .. سوريا مر عليها الكثير وبقيت وستبقى..
ولن تنكسر وستنتصر✌🏻
#سوريا #سوريا_الجديدة #فرح_سوريا
٢٧/٧/٢٠٢٥ دمشق
فرح الأتاسي
———————–
ملاحطات/ وائل ميرزا
-هل يُعقل أنّ أولئك المقاتلين، المُتعصّبين الرّجعيين، المُعفّرين بالغبار، الطالعين من الخنادق، قرؤوا العالم، وفَهموا السياسة، بعجَرِها وبَجَرِها، والنظام العالمي، بإيجابياته وسلبياته، أكثرَ منا؟
نحن القريبينَ من مراكز العلم والمعرفة، والمُقيمين في عواصم الفكر والأرشيف والجامعات.. والمُحاطين بالخبراء والمستشارين، وبرعاية المنظمات الدولية.. ولم تكن تنقَصُنا، يوماً، الأدوات ولا المصطلحات، ولا غرف الزوم ولا ردهات المؤتمرات!
هذا هو السؤال الذي يُثير جنونَ الكثيرين.. بصراحةٍ واختصار.
وهو يُفسِّرُ كثيراً من الظواهر والتصريحات والمواقف..
لا لأن الإجابة عليه غامضة، بل لأنه يحرق دواخلهم، لكنهم عاجزون عن الاعتراف به كسؤالٍ أصلًا، فضلًا عن مواجهة إجابتهِ التي تُعلنها الوقائع على أرض سوريا يوماً بعد يوم.
بعض الظواهر التي تبدو معقدة لاتحتاج دائماً لبحثٍ وتحليل مطوّلين.. والتفسير المكتوب هنا مُستخرجٌ من عشرات الحوارات الخاصة والعامة، التي تفجعك فجأةً، مع التراكم، بدلالاتها الواضحة بشكلٍ فاقع!
وإذا كان الموضوع يحتاج لشرح.. فالشرحُ ممكن!
———————
ملاحطات/ نبيل ملحم
لاتهينوا السنّة، سنّة سوريا يعني سنّة البناء والعمارة والسياسة والأدب والبرلمان، سنّة سوريا هم شكري القوتلي، صلاح البيطار، ناظم القدسي، اكرم الحوراني، مصطفى السباعي، محمد سعيد البوطي، نور الدين الأتاسي، محمد علي العابد، عبد الرحمن الشهبندر، تاج الدين الحسيني، عقلة القطامي، خالد العظم، والكاميكاز يوسف العظمة، سنّة سوريا هم من استضافوا جثمان ابن عربي وضريحه وسقوه بماء العين.. سنّة سوريا هم نزار قبّاني.. سنّة سوريا لايتحملون آثام صبيان أبو بكر البغدادي ومخلّفات الظواهري.
سنّة سوريا البيت العامر، والمائدة المضيافة، وصدر البيت الذي طالما حضن الزائر الغريب.
لاتهينوا السنّة.
فقهاء الظلام، ليسوا من اهل السنّة.
السنّة مشروع حياة.. أولئك هم سنّة سوريا، الناس المؤسسون لكل منتجات الحرير.
ـ عيب أن تلصقوا هؤلاء بالسنّة.
نبيل ملحم
—————————-
“على أهالي السويداء التبرؤ من الهجري“.
بغض النظر إنو العبارة أعلاه مش معروف شلون ممكن تطبيقها على أرض الواقع، إنو مثلا كل أهالي السويدا يبعثولك رسائل واتساب صوتية يقولولك فيها: والله أنا أتبرأ من الهجري.
بس اللي بيلفت إنو اللي بطالب أهالي السويدا هو نفسه بيدعم جيش فيه مجرمين حرب موجودين على قوائم عقوبات دولية مثل أبو عمشة وسيف بولاد وغيرهم وسلطة على رأسها زعيم سابق للفرع السوري من تنظيم القاعدة وعم ترتكب انتهاكات وتحرق بيوت وتعدم ميدانياً وتسرق ممتلكات وتخطف مدنيين ببث حي ومباشر.
بس عم يعطينا الأخ توجيهات بخصوص شو المطلوب من أهالي السويداء على اختلاف أعمارهم وانتماءاتهم وتوجهاتهم السياسية ومهنهم. بس هو مش مطلوب منه شي أبداً.
ملاذ الزعبي
—————————
ملاحظات/ كرم نشار
في الواقع عداء بعض قواعد السلطة المريع للسياسة، لمفهوم التفاوض والأخذ والعطا، سخريتهم أو نقدهم أو تشكيكهم في دوافع ما يسمى في العلوم السياسية “النخب الوسيطة” أياً كانت، أي عموم السياسيين والصحفيين والباحثين والحقوقيين، في حال افترت شفة أحدهم أو إحداهن عن ربع ملاحظة نقدية، (وهؤلاء عدم المؤاخذة وظيفتهم الموضوعية أن يمارسوا النقد في أي نظام سياسي متوازن ورصين وقائم على الرضا)، ثقتهم المُطلقة بشخص واحد أحد دوناً عن باقي فريقه حتى، وتركيزهم أيضاً على قوته وحسمه لا على صفات أخرى فيه، كل هذا يعني أننا أمام حالة شعبوية لا تشبه السياسة التي شهدناها مع صعود الرئيس محمد مرسي في مصر أو حزب النهضة في تونس أو الأحزاب المحافظة في تركيا منذ عهد عدنان مندرس وحتى بدايات عهد العدالة والتنمية. الإسلام السياسي المعتدل في المنطقة، لا بل في العالم الإسلامي كله من المغرب حتى ماليزيا، تصاحب مع تسييس وانتخابات وتجارب برلمانية تم وضعها وتثمينها في مواجهة مؤسسات عسكرية عدائية وبيروقراطيات علمانية موروثة. هذا كله غير موجود لدينا حتى الآن.
نعم الخطاب *الثقافي* للشعبوية الحالية هو خطاب محافظ أو إسلامي، لكن الخطاب *السياسي* للشعبوية الحالية يضعها أقرب لجمهور السيسي في بدايته وبعض جمهور قيس سعيد في بداياته وجمهور ترمب في أميركا. هذا طبعاً لن تراه العين التي لا ترى إلا ثنائيات إسلامي/علماني في كل مكان. لكن انظروا! ظاهرة التخريس الآن خرجت عن أي اصطفافات هوياتية أو إيديولوجية قديمة: لم يعد التخريس يقتصر على “أقليات لعينة تكره السنة”، ولا على “بني علمان والكيوت الأغبياء المتصيدين الخونة”، هناك اليوم رجال عرب مسلمين سنة من خلفيات محافظة ومؤيدين للسلطة في أغلبية الحالات لكنهم كتاب سياسيون حقوقيون لهم عقول مستقلة مفكرة يقولون شيئاً عميقاً مفصلاً وقد يختلفون مع الإجماع الشعبوي الذي لا يؤيد السلطة فقط بل وقد يزاود عليها في الفحولة والهيبة والحس القتاليّ واحتقار الأخذ والعطى واعتبار كل نقد مؤامرة، نعم ما أن يختلف الواحد من هؤلاء مع هذا الإجماع فسيتم سحله مجازاً ولن يشفع له أي مراكمة أو تموضع عام أو هوية فكرية أو طائفية مرضي عنها.
دون هكذا تأطير يستحيل أن نفهم كيف يتم التشنيع فوراً بأي مبادرة سياسية عامة كائناً من كان ورائها واختراع مؤمرات ومقارنات مذهلة كل فحواها: فلتصمتوا جميعاً أيها المغفلون الفاسدون الخونة، ولينطق صوت الحق الواحد الأحد فقط. السلطة تتحمل مسؤولية هذا الشطح الجنوني لكن ليس من أجل مستقبلنا نحن كسوريين أو من وجهة نظر أخلاقية فقط. السلطة تتحمل المسؤولية حتى من وجهة نظر مصلحتها! لأن هذه الشعبوية هي في نهاية المطاف وحتى إن كان هدفها دعم السلطة فهي قادرة على تدميرها، لان أي نظام سياسي، لا انسوا السياسة، أي نظام اجتماعي، لا بل أي شركة قطاع خاص تدمر قدرة “التغذية الراجعة” feedback الصادقة، فهي ستتحول لشركة غبية تعيش في غرفة صدى، غرفة صدى تكره التفصيل والصدق والاستقلالية والذكاء والمشاركة الحيوية وتشجّع بنيوياً نوع التأييد الزومبي. الشركات هذه والله أعلم لا تنجح ولا تدوم.
—————————–
تقرير حول التطورات السياسية الحالية/ وائل ميرزا
تشهد الساحة الإقليمية حراكاً مكثفاً على المستويين السياسي والدبلوماسي، في محاولة لإيجاد حل شامل للأزمة المتصاعدة في السويداء، ضمن إطار أوسع يعيد ترتيب بعض أوضاع البيت السوري محلياً وإقليمياً. مصادر سياسية مطلعة تؤكد أن الاتصالات بين العواصم الإقليمية الرئيسية وواشنطن مستمرة بكثافة، بما يعكس قناعة متنامية بأن المعالجات الموضعية لم تعد قادرة على احتواء التحديات، وأن الحل النهائي يجب أن يكون شاملاً، لا جزئياً أو مؤقتاً.
الموقف السوري مع الدول الداعمة
دمشق، ومعها الدول العشر التي وقّعت على بيان تأييدها قبل يومين، تؤكد استعدادها المبدئي للمضي في مسار الترتيبات المحلية والإقليمية، لكنها تشدد على شرطين أساسيين:
1. إنهاء حالة التمرد في السويداء بشكل كامل، بما يشمل إنهاء دور حكمت الهجري نهائياً في المحافظة.
2. التعاون الإقليمي والدولي لوضع ترتيبات تمنع، نهائياً، تكرار نموذج مُشابِه في شمال شرق سوريا مع الأكراد، عبر ترتيبات سياسية وأمنية استباقية تضمن وحدة الدولة وتفادي أي مسارات انفصالية أو شبه انفصالية يمكن أن تُهدد الاستقرار الوطني مستقبلًا.
هذه الشروط، التي تحظى بموافقة واضحة من الدول العشر، تمثل مرتكزاً أساسياً قبل الانخراط الفعلي في أي ترتيبات جديدة.
الموقف الإسرائيلي
رغم الحراك المكثف، لا تزال إسرائيل تعارض هذا المسار، إذ تعتبر أي حل شامل يعيد تعزيز الدولة السورية – بدعم خليجي وتركي وأمريكي – تهديداً لاستراتيجيتها في الجنوب، حيث تراهن على إبقاء الوضع هشاً واستثمار قوى محلية كالهجري لإبقاء الحدود الشمالية في حالة ضغط دائم. لاسيما بعد تداول دلائل عملياتية وميدانية عن مخطط إسرائيلي كان هو العنصر الأساسي في بدء الأحداث في السويداء قبل أيام، وأنه كان يهدف للتصعيد بشكلٍ كبير..
يأتي هذا مع إدراك القوى الإقليمية وأمريكا أن هذا التصعيد مرتبط جذرياً، كما باتت العادة، بموقف نتنياهو الداخلي الحالي أمام استحقاقين أساسيين هما ضرورة الوصول لحل واتفاق في غزة، ومحاكمته بتهمة الفساد. ويبدو أن تصعيد نتنياهو يتعلق بمعلومات جاءته عن تواصلِ الإدارة الأمريكية مع زعيم المعارضة الإسرائيلية، يائير ليبيد، بخصوص تحضير الظروف لانتخابات يفوز هو فيها، وبحيث يتجاوز الرئيس ترامب عقبةً رئيسيةً يشعر أنها باتت تقف في وجه تنفيذ رؤيته في الشرق الأوسط.
الموقف الأمريكي
واشنطن، من حيث المبدأ، تبدي موافقةً على المطالب السورية المدعومة خليجياً وتركياً، بما في ذلك شرط إنهاء تمرد السويداء وضمان عدم تكرار سيناريو مشابه في شمال شرق البلاد. لكن تبنّي هذا الموقف بقوة داخل إدارة الرئيس ترامب يصطدم بعقبات جوهرية، أبرزها:
1. الضغط الإسرائيلي المباشر، الذي يرى في أي تسوية تُعزز الدولة السورية تهديداً لمصالح تل أبيب في الجنوب.
2. نفوذ مؤيدي إسرائيل داخل الكونغرس والإدارة الأمريكية، والذين يدفعون نحو إبقاء السياسة الأمريكية في حالة تردد وعدم التزام صريح.
هذا التباين يجعل الموقف الأمريكي داعماً لفظياً حتى الآن، لكنه غير محسوم على صعيد القرارات العملية.
الخلاصة: إن التوافق بين الإرادة الخليجية–التركية، والانفتاح الأمريكي (رغم عقباته)، واستعداد دمشق وحلفائها يفتح الباب أمام انفراجةٍ كبرى محلياً وإقليمياً. لكن نجاح هذا المسار يتوقف على:
إنهاء تمرد الهجري وشبكاته في الجنوب.
ضمان عدم تكرار نموذج مشابه في شمال شرق سوريا.
تحييد التدخل الإسرائيلي الذي يسعى لإبقاء الفوضى كأداة نفوذ.
وائل ميرزا
—————————
ملاحطات
قرأت قبل قليل تعليقا للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، يشيد فيه بموقف الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع، ويصفه بالحازم حيال ما جرى في السويداء، دون أن يقدم أي تنازلات,
لكن ما لم يقله أردوغان، وما يغفله كثير من السياسيين والمحللين، هو أن قرار الشرع بدخول السويداء انطوى على أخطاء جسيمة
أولى هذه الأخطاء أنه لم يحسن قراءة حساسية الحدث والمجتمع السوري، وثانيا أنه أساء تقدير المزاج الدولي، وثالثا، وهو الأسوأ، أن قواته، ولاحقا مقاتلي العشائر، ارتكبت جرائم فادحة، وهو ما فتح الباب ايضا لعمليات قتل وجرائم بالمقابل من الطرف الآخر. وأدى هذا التدخل إلى مقتل نحو ألف مدني من أبناء السويداء، بالإضافة إلى سقوط خمسمئة عنصر من القوى الأمنية والمقاتلين من العشائر
كما أدى هذا التدخل إلى تعميق الشرخ مع السويداء، وهو شرخ يصعب ترميمه في المستقبل القريب. وفي نهاية المطاف، اضطر الشرع وقواته إلى الانسحاب، دون أن يحققوا دخولا فعليا إلى المدينة
أما نهاية الجزء الأول، جاءت مع تهجير بدو السويداء، وهم من السكان الأصليين في هذه المنطقة، من بيوتهم وقراهم. وقد يحاجج البعض قائلا ان ما حدث لم يكن ليقع لولا موقف الهجري، لكن هذا قول يهرب من لب الحقيقة. فقبل دخول القوات، كان هناك ألف مدني يعيشون حياتهم. وكان الطريق بين السويداء وباقي المدن السوري مفتوحاً ، وكان البدو يعيشون في بيوتهم، وكان من الممكن احتواء الأزمة بوسائل أخرى
في خضم مراجعة الأحداث، لا بد من التذكير بأن مسؤولية ما حدث تقع على عاتق من اتخذ القرار، أي على حكامنا. هم من يفترض أن تتم مساءلتهم عن اختياراتهم، لا أن يحمل الناس دائما الفاتورة فقط ، بينما يظهر القائد شجاعا، حكيماً على الدوام.
Mohamad Alrabiuo
——————————
ملاحطات/ موريس عايق
قرأت وسمعت من العديد أن التقسيم مستحيل، ولا يمكن تخيله. والحجة هو التداخل الكبير في السكان، السنة في الساحل والعلويين في حماة وحمص والاكراد في حلب ودروز جرمانا وصحنايا. تبادل سكاني وتهجير بهذا الحجم، مستحيل.
مبدئياً، الوقائع التي ينطلق منها الاعتراض صحيحة، لكن الاعتراض نفسه غير مقنع. جوهرياً الاعتراض مبني على وقائع سكونية، ارقام ومساحات وتوزع سكان، لكنه يهمل شغلتين مهمتين جداً، الديناميكية في السياقات التاريخية، وقناعات الناس التي تتشكل في هذه السياقات.
انظروا إلى خريطة الاناضول بداية القرن العشرين وتوزع الارمن والسريان واليونان وحضورهم وتداخلهم مع الأتراك أكبر مما نعرفه في سوريا الآن. ثم انظروا إلى نفس الخريطة بعد 3 عقود. انظروا إلى شبه القارة الهندية في العشرينات ثم بعد 3 عقود (وهذا رغم أن الاحتلال البريطاني لم يكن بدوره مرحبا بالتقسيم كخيار أولي).
إذا الناس وصلت لقناعة بأن كلفة الانفصال -مهما بلغت- اقل من كلفة الحياة العيش معاً، فكل شيء ممكن. واليوم نحن حرفياً على مسار تشكيل هذه القناعة، اذا لم تترسخ سلفا في الجنوب والشرق.
هذه القناعة ليست مبنية على حساب بالقلم والورقة. لا نعرف إذا كانت كلفة انفصال باكستان عن الهند أكبر أو اقل من بقائهما موحدتين، بكل بساطة لأن خيار بقائهم موحدتين ليس لدينا لنقيس عليه. هذه القناعة ليست حساب تجاري وارقام.
ايضا الانفصال لا يعني أن الأمور الأفضل مضمونة لاحقاً. قد يكون الانفصال ورسم الحدود بالدم، أو لا. يمكن أن تكون الدول الناشئة متوحشة تضطهد أقلياتها وممكن تكون نموذج مضاد ممتاز للعيش المشترك، باكستان والهند نموذجين للإمكانيتين.
فمسألة أن الانفصال غير ممكن لأن ….، آسف لكن هذا حكي مش صحيح! كل شيء ممكن بلحظة وصولنا إلى قناعة أن أي تكلفة تُدفع ثمناً للانفصال تبقى أقل من كلفة الحياة معاً، عندها لا شيء مستحيل.
ضد الانفصال؟ عظيم، لكن عندها يجب أن لا تكتفي بأن تتكل على “استحالته”، إنما على تفكيك العوامل التي تدفع باتجاهه. وهذا حقيقة مربط الفرس.
الدولة الوطنية والمواطنة وهذه القصة، انسى هذا وهم! هذا الخيار -كونه لا يقول شيء- يساعد ولا يعيق مشروع التقسيم والانفصال أو الموات.
لكن فعلا هناك خيار آخر، مبني على الفيدرالية ولكن يتجاوزها. الفيدرالية زائد دولة أقل ما يمكن. الفيدرالية وحدها لا تقدم شيء مع الثقة المنهارة بين الجماعات (شو وضع أكراد حلب، شو وضع دروز جرمانا، شو وضع سنة الساحل). دولة أقل ما يمكن مع نقل اكبر قدر من السلطة إلى المجتمعات المحلية. خيار معقول، لكن (لكن كبيرة) إضعاف الدولة (الاتحادية والسلطات الفدرالية على حد سواء) سوف يطرح أسئلة أخرى صعبة حول إعادة البناء في دولة منهارة. لا يمكن إضعاف الدولة فقط عسكريا، وتركها قوية اقتصادياً. كيف تحل هذه المعضلة؟ لا اعلم، لكنه ممكن ويتطلب قدر كبير من الخيال.
لكن هذا الخيار يتطلب شرطا لازماً، وهذا ما أراه ممتنعاً. وهو اسقاط سلطة الاسلام الجهادي، وتفكيك المزاج الفاشي لدى الجماعة العربية السنية. من المستيحل أن يقوم بهذا الأغيار، ولا توجد نوى قوى من داخل هذه الجماعة تستطيع حالياً القيام بهذه المهمة.
المهم، كل هذه الخيارات مفتوحة، ومعها خيار يبدو اكثر احتمالية منها جميعا وهو الانحلال والموات للسوريين لعقود. وهي تتعلق اساسا بخيار السوريين في الداخل، ونزاعات الدول الاقليمية. لكن الفكرة الأساسية، أن الاتكال على فكرة التقسيم مستحيل هي الشيء الذي لا معنى له. والاتكاء تحديدا على فكرة الدولة الوطنية لمواجهة التقسيم، فهذه وصفة كارثية. وربما نجد أنفسنا مع هكذا وصفة في مواجهة أسوأ استراتيجيات التقسيم.
————————–
الهوس بطائفية الآخر هو الطائفية بحد ذاتها/ كرم نشار
.
الإنترنت عالم هائل مليء بمستنقعات الكراهية المخصصة للمجموعة هذه أو تلك، أن تُمضي ساعات وأنتَ تغوص في صفحات من ينتجون كل يوم منشورات وفيديوهات متخصصة في كراهية جماعتك الموروثة والتعبئة عليّها يعني أن تدمر روحك وعقلك وقدرتك على التفكير المتوازن.
قد تشعر أناك النرجسية ببعض الرضا أولاً وأنت تشهد بأم عينك عنصرية وكراهية الآخر لك، فهذا يؤكد لك كم أنت ضحية وكم هو وحش. وبعيداً عن ساحة التقاتل الحقيقي حيث يُفضّل معظم بني البشر أن يَقتلوا بدلاً من أن يموتوا جراء غريزة بقائهم البيولوجية ، فنحن جميعاً على صعيد الخيال الفكري نُفضل أن نكون ضحايا بدلاً من أن نكون جلاّدين. هناك نوع من السمو الأخلاقي التلقائي التي تكتسبه الضحية، هالة من النقاء والقداسة التي تشبه نقاء الطفولة الضعيفة وقداسة السيد المسيح ساعة صلبه، وألا نُفضّل جميعاً أن نكون أنقياء كالسيد المسيح بدلاً من أن نكون أشراراً كصالبيه؟
ولكن بدلاً من الصعود إلى السماء كالسيد المسيح، فنحن على الأغلب نوّظف صَلبنا لنحضّر لصلب الآخرين، وبعد الرضا عن الذات تأتي كراهية الآخر كردة فعل مبررة ومنطقية لكراهيته هو لنا. هناك طبعاً لدى الجماعة الأخرى أصوات مختلفة قليلة أو كثيرة لا تحض على الكراهية، لكن التركيز عليها يجعل الحياة أصعب وأكثر تعقيداً، لما أحرم نفسي من أن أكون ضحية عذبة طاهرة وألجأ للعقلانية الصارمة المتوازنة؟ لما أحرم نفسي وجماعتي من القداسة والسمو الأخلاقي؟ لما أعّقد الأمور وأجعلها أكثر رمادية بينما أملك أن أراها أبيض وأسود فقط؟
تقضي ساعات تلوك كلاماً كريهاً يقنعك أنك المسيح المصلوب، حاول بدلاً من ذلك المهمة الأصعب ولكن الأكثر صحةً على المدى البعيد، افطن كما قال المسيح “للخشبة في عينك” قبل أن تنشغل “بالقذى الذي في عين أخيك”.
————————————
بيان موقف أمام قرّائي الكرام/ وائل ميرزا
احتراماً لنداءات بعض الأصدقاء والزملاء الذين خاطبوني بحقّ “منطق الاعتدال والوسطية” الذي قالوا، مشكورين، أنهم يعرفونه عني. أضع بين أيديكم، باختصارٍ يطول الشرح فيه، خلاصة موقفي من التطورات الأخيرة في سوريا، في النقاط التالية:
1. لا توجد لدي أي مصلحة شخصية، لا مادية ولا معنوية، بأي شكل وفي أي مجال، فيما يتعلق بموقفي الداعم للدولة السورية الجديدة. ولايستطيع مخلوق على الأرض إثبات عكس ذلك.
2. بالمقابل، أعيش، على المستوى الإنساني والفكري والشعوري، منذ التحرير درجات عالية من الامتنان والسعادة والتحقُّق والأمل، التي لم أحلم إلا بأن يعيشها أبنائي من بعدي.. وقد كتبت عن هذا الشعور في نصوصي عن “ولادتي الجديدة” بعد التحرير.
3. هذا الشعور، ومعرفتي الدقيقة بكل ملابسات المخاض الصعب لولادة سوريا الجديدة، من خلال خبرتي الممتدة لثلاثة عقود في السياسة والإعلام، وشبكة معارفي الواسعة محلياً وإقليمياً ودولياً، بما توفرها لي من معلومات يندر أن يصل إليها غالبية السوريين، تجعلني، كلها، شديد الخوف على الدولة الوليدة، وأعتبر وجودها – رغم أخطائها – مكسباً استراتيجياً استثنائياً لي شخصياً ولأولادي وأحفادي، وأهلي من عموم السوريين، لايوازي الحفاظُ عليه أي قضايا يعتبرها (المثاليون) (تنازلات).. وهي في التراكم المعرفي الأكاديمي الذي يدرس التجارب المشابهة التاريخية أمرٌ طبيعيٌ جداً..
4. لم أقدّس شخصاً في حياتي، لاقبل التحرير ولابعده؛ ولم أذكر الرئيس أحمد الشرع إلا نادراً، وبدون مديح، في أكثر من 200 مشاركة منذ التحرير. ما دافعت عنه دائماً هو الدولة ككيان وقيمة. وما أسمعه في الأوساط البحثيّة والسياسيّة الغربية من تقريظٍ ومديحٍ لأحمد الشرع وإعجابٍ به، من منطلقات التحليل السياسي البحت، والمعروفة في سياق دراسة القادة الاستثنائيين في التاريخ العالمي، لا أتحدث بشيءٍ منه ابتعاداً عن مظنّة المديح المُبتذل!
5. لم أتردد في النقد والإدانة لأي ممارسات سلبية، وصولاً إلى بياني الأخير دفاعاً عن السويداء، ثم إدانتي الشديدة لجرائم بعض عناصر الأمن والجيش، وكله منشور على هذه الصفحة.
6. مفصل الطريق عندي في هذا السياق يتعلق بمعرفتي اليقينية بأن كل مايجري من أخطاء، وفي كل مجال، لايمثل سياسةً عامة أو توجهاً رسمياً عاماً للدولة عن سابق إصرارٍ وتصميم. وفي اللحظة التي أرى فيها غير ذلك، وأنا قادرٌ تماماً على معرفة تلك اللحظة.. فسيكون موقفي مغايراً تماماً لموقفي الحالي.
7. حاولت مرات فتح الحوارات مع الأصدقاء المثقفين (العلمانيين) فلم أجد أي تجاوب. سواء كان ذلك في مبادرتي للمشاركة في التعليق على كتاباتهم، أو بعد ردي على تعليقاتهم على كتاباتي، والتي أرد فيها على أسئلتهم وملاحظاتهم، دون أن يؤدي ذلك سوى إلى صمتهم الكامل.
8. بات جلياً لدي، مع تصاعد حرارة الأحداث، ومعها حدة مشاعر جميع السوريين، أن معظم هؤلاء المثقفين والنشطاء، والذي كانت لدي مع العديد منهم مشاريع وتحالفات ورفقة ثورة و(عشرة عُمر).. ينظرون بعين واحدة إلى كل حدثٍ تقريباً. ويمارسون الانتقائية القصوى في معرض متابعة الأحداث والتعليق عليها.. وأرى بصراحة.. أن واقع أهلنا من المكونات السورية التي تُسمى، للأسف، أقليات، أصبح لدى المثقفين والنشطاء المعيار (الوحيد) لكل (مساطرهم) المتعلقة بمفاهيم الحقوق والواجبات والعدالة في المجتمع.. وتحديداً، بممارسات الدولة وقراراتها وسياساتها. وكأن عشرات العوامل الذاتية المتعلقة بما يُقدم عليه أصحاب القرار، السياسي والأمني والعسكري، في تلك المكونات محذوفة من حساباتهم تماماً.. وكأن الدولة تعمل في مجتمعات طهورية مثالية لاتُمس حين يبادر البعض فيها بالفعل المرفوض سياسياً وأمنياً.. لكن المثقفين يتذكرون طهوريتها فقط حين يتعلق الأمر برد فعل الدولة على تلك الممارسات الصادرة منها.
9. إن الحوار مع هذه الشريحة لم يعد، حالياً.. وللأسف.. حواراً حقيقياً؛ وإنما صار طقساً مشروطاً بالولاء الكامل لسرديتهم. فإمّا أن تُردد نشيدهم كاملاً أو تُقصى. وهذا يؤكد عندي شعوراً متزايداً بأننا أمام تردٍ ثقافي خطير، يُستعملُ كسياسة.. وفوق أنه يُنكَرُ من أصحابه، يَتهمُون به الآخرين! والحساس في الموضوع هو الاستخدام العلني المتكرر، والذكي، لقلة عديدهم وعدتهم وعتادهم، الناتجة عن أخطائهم الاستراتيجية المتراكمة.. تبريراً، لأنفسهم أولاً.. ثم للآخرين، لاستمرار الشكوى، ولخلق مظلوميةٍ تسمح بمهاجمة (آخرين).. أقوياء.. هم أكثرُ عدةً وعديداً.. لكننا في الواقع، وبكل وضوح، أمام ثقافوية مستعلية متكبرة على شعبٍ يرونه “لا يريد أن يفهم”، وعلى بعض “مثقفين أدعياء” يقدّمون أنفسهم على أنهم ينتمون إليه ويحاولون شرح حاله.
10. لذلك، وإلى أن يقضي الله أمره، سيبقى خياري متمثلاً في الانحياز الكامل للدولة ووجودها، مع الدعوة المستمرة للإصلاح نظرياً، والعمل للمساهمة بتحقيقه عملياً، ولكن دون ممارسات تنطلق من الجرى وراء الرأي العام، وتؤدي إلى الوقوع فيما وصفه مولانا الرومي:
“نصف العمر ضاع طلباً لإعجاب الآخرين، ونصفه الآخر ضاع بالتوجّس منهم”!
————–
ملاحظات/ ماجد عبد النور
المؤكد أن الحكومة لا تحاصر السويداء وقوافل المساعدات تدخل عن طريق الهلال الأحمر وهناك محاولات لإدخال المواد الغذائية والطبية عبر وزارة الشؤون الاجتماعية ووزارة الصحة لكن مسلحي الهجري يرفضون دخولها، وأيضاً هناك مبادرات أهلية من منظمات المجتمع المدني تم رفضها من قبل جماعة الهجري.
الإصرار على تكذيب هذه الرواية ومحاولة اتهام من ينكر الحصار بأنه شبيح للسلطة أو مقارنته بأيتام الأسد هو فعل رخيص وخسيس ومحاولة اغتيال معنوي لكل من يحاول أن يكون منصفاً ويحاول إطفاء سعار الكراهية.
الفضاء العام مفتوح للوصول إلى المعلومة ومن كان ينتظر ألف وثيقة تظهر إجرام الهجري ليدلي بدلوه بربع موقف تراه اليوم يكتب المقالات ويتبنى الروايات على شبه إشاعة .
الأكيد أن الحكومة حتى اللحظة تحاول إدخال المساعدات وشيخ اللاعقل يحاول عرقلة الأمر لخلق مظلومية يضغط من خلالها على الأردن لفتح معبر.
شيخ اللاعقل يتعامل مع الآخرين على أنهم مغفلين وسذّج من خلال مطالبه بالإدارة الذاتية ثم التباكي بأن الدولة تحاصره فلا أدري كيف يستقيم الأمر عنده ومن أين له هذه الجرأة على الوقاحة وكأنه أمام مجاميع مغفّلة.
لن ننتظر شهادة أخلاق من أحد وفي اللحظة التي تحاصر فيها الحكومة السويداء سنكون أول من يقف ضدها دون أن يرفّ لنا جفن.
———————-
مشروعان وثلاث خيارات أمام سوريا التي نعرف..
سأتحدث قبل فوات الأوان، مع أن شعوري هو أن الأوان قد فات فعلاً، لكن يبقى هناك أمل صغير “بالمعجزة”.
أولاً، هناك مشروع تركي سعودي/خليجي (كان مدعوم أمريكياً/ترامبياً قبل تدحرجه المتسارع بالتراجع)، وهو مشروع لسوريا واحدة موحدة. لكن هذه “السوريا” مركزية جداً وفي طريقها إلى الفاشية.
الديمقراطية والحريات السياسية لا تعني أياً من الدول السابقة والداعمة لهذا المشروع، فهي إما ليست مثالاً يُحتذى للديمقراطية كالخليج وتركيا، أو لا يعنيها على الإطلاق هذا “العلاك” كحال أمريكا/ترامب. جميعهم يشتركون برؤية سوريا من باب الاستثمار والاقتصاد، ولا يعنيهم على الإطلاق مشكلة أقليات أو سنّة كيوت أو ما شابه.
ثانياً، هناك مشروع إسرائيلي؛ بات أشهر من نار على علم، بتقسيم سوريا وإضعاف الجميع. التغيير الذي تريده إسرائيل جدي جداً منذ 7 أكتوبر، وما فعلته في غزة ولبنان وإيران مثال حي وواضح جداً. الإرادة والقدرة الإسرائيلة على التغيير؛ وأكرر، جدية جداً، افهموها.
الآن.. سوريا مركزية بعد مجازر السويداء باتت أمراً مستحيلاً. وقلت سابقاً أن الوطنية المركزية التي تم إعلان ولادتها من السويداء قبل مئة عام بالضبط، أُعلن موتها النهائي في الشهر نفسه بعد مئة عام. والمسؤول عن ذلك بلا أي رجفة أو تردد هو نظام الشرع “الحاكم وصاحب السلطة”. ومن يقول ويبرر أن الشرع وقع في الفخ، يريد القول بغباء أو بوقاحة: إن الشرع جاهز لارتكاب المجازر في العلويين والدروز والأكراد (الفلول والإنفصاليون) وإخضاعهم من أجل توحيد سوريا بالقوة.. هو فقط كان يحتاج إلى إشارة من إسرائيل ودعم دولي ليفعل ذلك، لكنه فهم الإشارة خطأ ووقع في الفخ! ليس هناك فاشية أبعد من تلك الفاشية في التفكير.
ثالثاً، الخيار الثالث، الخيار الوحيد أمام سوريا موحّدة هو وطنية لامركزية، نظام سياسي لامركزي أو فيدرالي، يقوم على وحدة التنوع داخل الدولة، مشاركة السلطة والمصلحة والثروات، الحرية والكرامة لجميع المكونات بدلاً من وضاعة “من يحرر يقرر”.
ليس المشروع التركي/الخليجي أو الأمريكي هو الحل، وليس المشروع الإسرائيلي هو الحل. الحل مشروع وطني وسلطة وطنية ونظام لا مركزي. أما البديل فهو كارثة على السنّة قبل الأقليات.
ماهر مسعود
———————————
ملاحطات/ ياسين السويحة
كعربي-سنّي، أشعر بالفظاعة من أن يُكرّس أن ما ارتكبته جحافل إجرامية في الساحل، ثم في السويداء الآن، يمثلني أو يمثل أهلي أخلاقياً، وأستفظع قناعة الكثيرين بأنه يذهب بنا إلى أي مكان سياسياً. متن هذا البلد، جماعته الأكبر والأعرض توزعاً لا يجب أن تتحول لتكرار بائس لصرب التسعينات: جماعة حقودة بعماء، وعلاقتها إبادية مع كل من حولها. صرب التسعينات كان لهم فردوس مفقود -إلى حد ما- هو يوغسلافيا تيتو؛ بنو أمية الغفلة يبدو أن فردوسهم المفقود هو سوريا الأسد بنكهة أبو عُدي.. فشرتم أن نكون كذلك.
وكابن وادي الفرات، أشعر بالعار من أن قطعان من عجيان الـ”لبّت لبّت، هاهاها” تظهر مؤخراً كمتحمسة دائمة لأداء أقذر صنوف التنكيل والإجرام في الهجمات العسكرية الإبادية، ولأن يكونوا تكراراً لأقذر قيعان اتحاد الطلبة في هجومهم على اعتصام البرلمان مساء اليوم. لا والله، لا الأحياء من أهلي وأهل كل من أعرف من بلدياتي، ولا الراحلين منهم، كنا هكذا أو نحن هكذا، أو نرضى أن يُقال عنا أننا هكذا. فشرتم وفشر المُهِّدد بكم الآخرين. لو كان برأسكم عقل بدل ذخائر لرأيتم كم يحتقركم هذا الذي يهدد بكم وبعنفكم وببهيميتكم.
لماذا أقول هذا؟ أولاً لأنه تعبير شخصي في صفحة شخصية أمام حدث جلل جديد في هذا البلد المنكوب، ورغبة في أن أوصل أسفي وشعوري بالعار للكم الهائل من الأحباب الذين لا وجه لي لأن أكتب لهم للاطمئنان على أهاليهم؛ وثانياً رفضاً للعنف الرمزي لمثقفي بنو أمية بتنويعاتهم في إقناع أنفسهم والعالمين أن المتن الأوسع في هذا البلد هو جحافل إجرامية إبادية فحسب، وأن من يرفض هذا هو إما أقليات أو “مثقفون” (في سرد مكتمل الفاشية في اعتباره أن الأقليات والمثقفين هم حاجة “كخّة” بالتعريف)؛ وثالثاً لأن هذا الكلام، أعتقد وأؤمن، هو منطلق أي سياسة ممكنة في هذا البلد: عرب-سنّة هذا البلد يجب أن يتسيّسوا، وأن يبدأ تسييسهم من رفض لما يجري باسمهم انطلاقاً نحو القيام بدورهم التاريخي كمتن هذا البلد وكجماعته الأكبر والأوسع انتشاراً والأكثر احتواءً على تناقضات رؤاه ومصالحه. لا. ما يجري ليس امتلاك العرب- السنّة للبلد، بل هو بالضبط حرمانهم من السياسة فيه، ومع تمنين وتجريصة.
———————————-
تقرير استراتيجي – واشنطن / نيويورك
بعد أيامٍ قليلةٍ فقط من الصفعة التي تلقاها الإسرائيليون، من السعودية، في سوريا، تنقل المصادر أنه قليلاً ماوصلَ الغضب بحكومة اليمين المتطرف، في إسرائيل، إلى درجةٍ من الجنون كما جرى، ويجري اليوم، مع بدء مؤتمر “حلّ الدولتين” في نيويورك بترتيبٍ سعودي، ورعايةٍ مشتركة من فرنسا. وذكرت المصادر أن تَصاعُد الغضب إلى تلك الدرجة، من المملكة العربية السعودية، ومن ولي العهد السعودي تحديداً، جاء لأن الإسرائيليين اعتبروا الحدث صفعةً ثانيةً قوية، أصابتهم بعد أيام فقط من الرسالة السعودية التي حرص الأمير، محمد بن سلمان، على صياغتها بأسرع وأقوى مايكون، لوضع حائط سدٍّ اقتصاديٍ استراتيجي أمامهم في سوريا، فَهِمهُ العالم بأسره.
وذلك من خلال (الاستنفار) و(التعجيل) بعقد منتدى الاستثمار السعودي السوري في دمشق، في خضم أحداث الأسبوع الماضي في سوريا، بالحجم الذي شاهده الجميع، ومن خلال (التصريحات المدروسة) لكلٍ من وزير الاستثمار السعودي، خالد الفالح، ورئيس مجلس الأعمال السوري السعودي، محمد أبو نيان، تحديداً.
سنتابع معكم، خلال الأيام القادمة، تطورات المؤتمر الذي يمتد لثلاثة أيام، والذي شارك فيه أكثر من 125 دولةً و50 وزيراً. ويهدف لوضع خارطة طريق لإنشاء دولة فلسطينية مستقلة ضمن حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، ومن منظور عربي ضمن إطار مثل مبادرة السلام العربية.
لكن المهم الآن في الموضوع هو قراءة تداعيات الحدث على سوريا، ولو بشكلٍ غير مباشر حالياً. إذ لم تُشارك الولايات المتحدة في اللقاء، ولا إسرائيل بطبيعة الحال، والتي اعتبرت المؤتمر “هديةً لـ ح.ما.س”! رغم هذا، ذَكرَ لنا بعض المحللين، القريبين من الحدث، أن ثمة تنسيقاً عالياً، طويل المدى، بخصوص الموضوع، بين ترامب والمقربين داخل دائرته الضيقة، وبين الحكومة السعودية، وبحيث تتولى الثانية خلق وتصعيد الزخم الدولي خلال الشهرين القادمين، إلى موعد انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة، والذي أكد الرئيس الفرنسي، أن اعتراف فرنسا بدولة فلسطين، سيتم خلاله.
بالمقابل، ودائماً حسب المحللين، ستعمل إدارة ترامب، بهدوء، على الأمر الذي ذكرناهُ في التقرير الأخير، وهو التعاون مع المعارضة السياسية في إسرائيل، خلال نفس الفترة، لمحاولة القيام بترتيباتٍ داخلية يتم من خلالها إجراء انتخابات للكنيست، يجري العمل على فوز زعيم المعارضة، يائير لابيد، فيها. وبحيث يتخلص الجميع، واشنطن والتحالف العربي التركي، من نتنياهو، ومعهم أوروبا التي يتصاعد “قَرَفُها” المُعلن منه، بسبب ممارساته التي لم يعد يمكن تبريرها أمام الرأي العام الأوروبي.
يجب التأكيد هنا، بطبيعة الحال، على أنه لاتوجد في السياسة الدولية مُخرجاتٌ نهائية، يُمكن التأكيد مُسبقاً على أنها ستحصل. وهذا ينطبق على السيناريو المذكور أعلاه. لكن ماهو مؤكد يتمثل في التوجه الاستراتيجي العام لإعادة ترتيب الأوضاع في الإقليم، حول سوريا، وبشكلٍ لايزال من ثوابته الجيوسياسية تأمين الظروف التي تساعد على ترسيخ وحدة سوريا واستقرارها، في الشهور القليلة القادمة.
ويأتي في هذا السياق نفسه مايتداوله خبراء ومراقبون، نقلاً عن مصادر متطابقة، تركية وأمريكية وسورية، بأنه تجري خلف الكواليس، حالياً، مناقشات حاسمة قد تُعيد تشكيل مستقبل شمال شرق سوريا. حيث أبلغت تركيا دمشق، بحسب التقارير، عن محادثاتها المثمرة مع المبعوث الأميركي، توماس برّاك، بشأن (إطارٍ عسكري) محتمل لحل قضية (قسد). وتشير المعلومات إلى أن واشنطن، التي يزداد إحباطها من الرفض المتصلّب لقسد للاندماج في دولةٍ سورية موحّدة، بدأت تدرس إمكانية خيار عسكري – خيار يمنح الأولوية للنظام والاستقرار على حساب التفكك والانقسام.
وكما أكدنا في السابق، مامن شكٍ أن الوضع الداخلي السوري هو بيضة القبان في مسيرة صناعة سوريا ومستقبلها، لكن هذا لايتضارب أبداً مع تداخل الشأن السوري، وبشكلٍ معقد، مع الشأنين الإقليمي والدولي.
ومن هنا الحرص على أن نعود، معكم، مراراً وتكراراً، لنضع شأننا السوري في سياق الصورة الاستراتيجية الكبيرة، وهذا أمرٌ لن نفهم مايجري دون حصوله، بعيداً عن طفولية التفكير السياسي الذي يحاول الفصل، بشكلٍ جازم، بين كل هذه السياقات.
وفرقٌ كبير، لدى السوريين، نفسياً وفكرياً وعملياً، بين أن يتم إقناعهم بأنهم (مُحاصَرون) و(مرفوضون) و(معزولون) في همّهم الداخلي، كما يريد البعض، ومنهم سوريون، أن يحصل. وذلك من خلال عمليات الضخّ و(الإغراق) الإعلامي الهادف لأن يضيعوا في خضم الاحتقان المحلي، مع كل مافيه من خلطٍ للأوراق وإشاعةٍ للفوضى. وبين معرفتهم بأنه، على العكس تماماً، ثمة سياقٌ أكبر، إقليمي ودولي، تجري فيه ترتيباتٌ أكبرُ بكثير، تهدف بشكلٍ إرادي، لترسيخ عملية استقرارهم على صعيد المجتمع و الدولة على حدٍ سواء
———————————-
ملاحطات/ وائل ميرزا
فيما يبدو مفارقةً صارخة، نسمع اليوم الأصوات ذاتها التي كانت، على مدى أسابيع بعد التحرير، تلوّح بتهديدات الخارج وتستقوي به: “سيعزلكم العالم.. ستكونون دولة منبوذة.. ستُحاصَرون حتى تركعوا”.
هي نفسها الآن تصرخ: “الاستقواء بالخارج خطيئة.. أنتم تستدعون الأجنبي ضد شعبكم”!
نفس الأسماء .. نفس الشخصيات .. نفس الحسابات!
هذا تحولٌ لا يمكن تفسيره بعقلانية، أو بمنطقٍ سياسيٍ متماسك. فليس هناك ما يعرّي تناقض الإنسان مثل ضغط المصلحة و/أو الأيديولوجيا عليه.. إذ تُعميه عن اتّساقِ أفكاره، وتُحوّلُ المبدأ إلى أداةٍ ظرفية: يَرفعهُ حين يخدمهُ، ويكسرهُ حين يقف ضده.
لهذا، يصبح (الخارج)، أحياناً، أداة ضغط مشروعة بنظرهم، هي التي يجب أن تتحكم بالسياسات الداخلية.. أما حين لايعود استعماله مُجدياً لتحقيق ذلك الهدف، فإنه يُصبحُ، فجأةً، “خيانةً عظمى”. لا لأن الحقائق تغيّرت، بل لأن الأيديولوجيا تصوغُ المعايير بما يناسب مصالحَ اللحظة، لا بما يحفظ العقل أو النزاهة.
والنتيجة: خطابٌ يبدّل وجوهه، لا ليتطور أو ينضج، وإنما ليُخفي عجزه عن مواجهة الواقع بثبات. وفي النهاية، يفقد حتى أثره لدى الناس، لأن من يتلوّن وفق الحاجة، لا وفق المبدأ، ينكشف سريعاً، مهما رفع صوته.
صدق عالم الرياضيات والفيلسوف الفرنسي، بليز باسكال، حين قال: “لا شيء يربك العقل مثل شهوة السيطرة حين تلبس لباس الفضيلة”!
———————————-
ملاحطات/ ماهر الجنيدي
لست على يقين من صحة استخدامي تعبير “المجتمع الدرزي” أو تعبير “مجتمع السويداء”. لكنني سأستخدم هذين المصطلحين، أو أحدهما، ريثما نعثر على مصطلح أدق، وأقل تطيّفاً، ربما هو “الجماعة الأهلية في جبل العرب”.
ما أود قوله، إن “الجماعة الأهلية في جبل العرب” أظهرت- لمن تابعها على مدى السنوات السابقة- مستوى من النزاع الداخلي الصحّي، لا يقل احتداماً عن صراعها النضالي مع نظام الأسد الساقط.
كان للنزاع السلمي الداخلي طرفان رئيسيان:
1) التيار الأهلي التقليدي الذي يتزعمه رجال الدين. علماً أنّ 1) رجال الدين الثلاثة الكبار غير متجانسين بالضرورة فيما بينهم في كل القضايا. 2) أفراد هذا التيار ليسوا متدينين بالضرورة، وليسوا طائفيين بالضرورة.
2) التيار الأهلي المدني، الذي كان يصارع التيار الأول على قيادة وتوجيه وتصويب الحراك ضد نظام الأسد، وتعزيز مستويات السلم الأهلي بين أهالي الجبل، وصياغة الشعارات الصحيحة الموجهة إلى باقي محافظات الوطن السوري، وباقي جماعاته الأهلية.
ـــــــــــــــ
بعيداً عن تحميل المسؤوليات: إنّ انفلات الإطار المحلّي الجبلي للنزاعات في الأسابيع السابقة، على النحو الذي رأيناه في الفيديوهات، قوّض هذا الخلاف الصحي بين الطرفين.
ـــــــــــــــ
النتيجة:
1) انسحب البساط من تحت التيار المدني، وصادر التيار الآخر (التقليدي) شعار الدولة العلمانية لصالحه، بوصفها الحامي الوحيد للأقليات.
2) خسرت البلاد نزاعاً سلمياً صحياً داخل أحد المجتمعات الأهلية، كان يمكن أن يثمر طرازاً يحتذى، أو يستفاد منه، لدى الأكراد أو المسيحيين أو العشائر أو في باقي المحافظات، في تحقيق وثبة حضارية مدنيّة إلى الأمام.
3) لم تغتنم السلطات فرصة رسم نموذج للوئام الاجتماعي متعدد الطوائف والهويات، في أحداث تركت ندبةً سيذكرها التاريخ دوماً، وصمةً في جبين من أوقدها وغذاها وشارك بها.
4) تشكّل نزاع جديد غير سلمي، له طرفان جديدان.
—————————————–
.
===================
تحديث 28 تموز 2025
———————-
أحداث السويداء عبرة لبلوغ الدولة الوطنية أو لمزيد من التشظّي؟/ عمار جلّو
الجمعة 25 يوليو 2025
دخلت أزمة السويداء آخر فصولها الدموية، أو هكذا نأمل، مع بدء تنفيذ بنود اتفاق بين حكومة دمشق وإسرائيل برعاية أمريكية وقبول إقليمي. هو أول اتفاق رسمي/ شبه رسمي يُعقَد بين عدوَّين قديمَين راغبَين حالياً في التوصّل إلى اتفاقات قد تُفضي لاحقاً إلى تطبيع العلاقات بين الطرفين. لكن، مع الأسف، يقوم جذر الاتفاق المذكور على اعتراف رسمي ضمني بحق إسرائيل في صياغة مشهد الجنوب السوري، بدلاً من صياغته وفق توافقات أمنية أو اتفاقية فضّ اشتباك محدّثة بديلة عن اتفاقية عام 1974 التي أسقطتها تل أبيب مع إسقاط نظام الأسد.
هنا تكمن خطورة الاتفاق، برغم إشكالية بعض بنوده وضبابيتها، وبرغم الحجج الحكومية القائلة باستقواء تيار الشيخ حكمت الهجري، أحد شيوخ الطائفة الدرزية في السويداء، بإسرائيل، وهو ما لا ينكره الأخيران. كما أنه يأتي بعد تضييق الشيخ الهجري وتياره الخيارات أمام الحكومة السورية الحالية في ما يخصّ بسط سيادتها على محافظة السويداء، متعلّلاً بحجج واهية، وهواجس تطال السوريين عموماً، لا فئة دون أخرى، بما في ذلك الإعلان الدستوري السلطوي والحوار الوطني الصوري وحكومة الفصيل الواحد بواجهة تكنوقراط.
كذلك يأتي الاتفاق نتيجة توجّه حكومي لتفكيك موازين القوى الداخلية عبر توافقات خارجية، عوضاً عن مرونة مطلوبة من جميع الأفرقاء الداخليين للتوافق. وهو ما بدا من تصريح وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، عن سوء فهم بين دمشق وتل أبيب، وذلك غداة دخول القوات الحكومية إلى السويداء، لفضّ الاشتباك الحاصل بين فصائل محلية وعشائر البدو، والذي قابله قصف إسرائيلي لقوات حكومية ومقار سياديّة سورية، بحجة اقتصار موافقتها على بسط دمشق سيادتها على السويداء على الجوانب الخدمية والمؤسساتية والأمنية، دون الجيش والسلاح الثقيل، وبجانب تكرار ادّعائها حماية الطائفة الدرزية، بعد ورود أخبار عن ارتكاب القوات الحكومية انتهاكات مروعة في حق المدنيين، والاستثمار فيها لتحقيق مآربها الأمنية والإستراتيجية، من بوابة التعاطف المتبادل.
لاحقاً، وفي موقف يتسم بالبراغماتية والعقلانية معاً، أعلن الرئيس السوري الانتقالي، أحمد الشرع، سحب القوات الحكومية من السويداء. تبعت ذلك مجازر في حق البدو من قبل فصائل محسوبة على الهجري، ما أثار نفرةً عشائريةً، أدّت إلى هجوم قرابة خمسين ألف مقاتل من أبناء العشائر السورية، وقتال دامٍ لأيام، انتهى بموجب الاتفاق المذكور. والسؤال الواجب هنا: هل تكون الدماء المُسالة مؤخراً في السويداء، ومن جميع الأطراف، عبرةً للوصول إلى سوريا واحدة موحّدة للجميع أو تكرّس النزعة الانعزالية/ الانفصالية لدى بعض المكوّنات السورية؟
ظلال السويداء داخلياً
للمرة الثانية، بعد أحداث “فتنة الساحل” في آذار/ مارس 2025، تشير مصادر حقوقية موثوقة إلى قيام عناصر محسوبة على القوات الحكومية بانتهاكات وأعمال قتل خارج إطار القانون، وهو ما يشير بدوره إلى أزمة بنيويّة قد تدفع ثمنها سوريا، والسوريون جميعاً، من خلال وجود قوى متطرّفة لا تقبل الآخر أو لا تلتزم بالقرار الحكومي، نتيجة اعتبارات فئوية أو فصائلية أو مصلحية. وتالياً، يمنح الطرف المقابل، أي الذي لم ينضوِ تحت مظلّة الدولة السورية الجديدة حتى الآن، أحقية عدم نزع سلاحه، طالما أنّ قرار الحكومة غير ملزم لجميع أفراد قواتها الأمنية والعسكرية.
إلى ذلك، تتشابه أحداث السويداء وأحداث الساحل في مسألة النفرة الشعبية/ المجتمعية، بما يفتح باب الشكوك حول دور الحكومة في هذا الأمر، أو في تسهيله على أقل تقدير. كما يفتح الباب لتساؤلات مشروعة حول قدرتها على حماية السلم الأهلي، وهي الوظيفة المفترضة لأي حكومة. ناهيك عمّا تشير إليه هذه المسألة من ضعف الحكومة، مع نشوء قوى عسكرية جديدة ومؤثّرة في المشهد السوري، بدلاً من إعادة هيكلة الموجود منها ضمن مؤسّسة الجيش السوري الوليد. فضلاً عن ذلك، قد يعزّز هذا الأمر سلوك نيل الحقوق المفترضة خارج منطق الدولة ومؤسساتها، سواء من قبل أفراد منفردين أو جماعات/ مجتمعات محلية، في حالة عجز الحكومة أو إهمالها هذه الحقوق المستحقة. تتضاعف هذه المخاطر، في ظلّ تباطؤ الحكومة في ملف العدالة الانتقالية، وهي مسألة حسّاسة وعالية الأهمية في الوجدان السوري.
وتلقي أحداث السويداء بظلالها على كامل الجغرافيا السورية، فيما تشير بدايةً إلى انتقال العنف الطائفي من مكان إلى آخر، مع تجييش طائفي “غير مجرّم” على نحوٍ جادّ إلى الآن. وهو ما يجعل التمسك بالسلاح، أو اقتناؤه، الضمان الوحيد للحماية، مع ضرورة وجود داعم خارجي، وفي المقدمة تقف إسرائيل، الراغبة بشدة في رؤية سوريا ضعيفة ومتشظّية. وهنا قد تلتقي مصالح الطرفين؛ مكوّن تنتابه الهواجس تجاه الدولة السورية الجديدة، وتل أبيب الساعية إلى تقسيم سوريا. وتالياً، مضاعفة التحديات أمام الجهود الحكومية لبسط السيادة واحتكار السلاح.
كذلك، قد تعيد الإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا ترتيب أوراقها الداخلية وشراكاتها الخارجية، بعد انخراطها في اتفاق واسع التأويلات مع الحكومة السورية الجديدة، وتراجع أهميتها لدى الولايات المتحدة الأمريكية، وحيث أنها وإسرائيل تلتقيان في مساحة أكبر من الحكم الذاتي، بمشاركتهما العداء -أو على أقل تقدير التنافس- مع تركيا. وبالنظر إلى تاريخ طويل من التعاون والدعم الإسرائيلي لأجنحة كردية انفصالية في دولها الوطنية، بجانب قدرة تل أبيب على التأثير على مسار السياسة الخارجية الأمريكية، وجرّها في بعض الأحيان إلى خيارات إسرائيلية، فقد تتجه الإدارة الذاتية إلى إعادة تعميق علاقاتها مع تل أبيب، وإلى حدود بعيدة جداً.
على ذلك، يمكن القول إنّ أحداث السويداء الأخيرة تدقّ جرس الإنذار مجدّداً في ما يخصّ وحدة سوريا واستقرارها، ولا سيّما أنّ تراكم الأخطاء، وعدم وجود نية أو مؤشر على معالجتها، مع تجييش محموم، واصطفاف ديني/ مذهبي/ عرقي، جميعها تجعل الاحتكام إلى السلاح الخيار الأول، وربما الوحيد، لدى جميع الأفرقاء السوريين.
وهذا أمر يجعل التعايش بين مكوِّنات الشعب السوري صعباً أو مستحيلاً. وهذا الأخير هو بوابة التقسيم. ولتلافي ذلك، يجب إطلاق مؤتمر حوار حقيقي، تشارك فيه جميع القوى والتيارات العسكرية والسياسية والاجتماعية، تقوم الحكومة لاحقاً بتنفيذ مخرجاته، ضمن جداول زمنية محدّدة، وبطريقة تقوم كل منها على الأخرى. فمن إعلان دستوري جديد إلى حكومة تشاركية إلى إعادة بناء السلطتين التشريعية والقضائية، فضلاً عن احتكار السلاح بيد الدولة وإعادة هيكلة المؤسسة العسكرية الوليدة ضمن عقيدة وطنية. فقط حين يتحقّق كل ذلك، يمكننا القول: مبروك سوريا، لا خوف عليكِ بعد الآن.
* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22
رصيف 22
———————–
ليث البلعوس.. رجل المسار المحفوف بالموت/ صبحي فرنجية
مرحلة جديدة في حياته
آخر تحديث 26 يوليو 2025
قائد فصيل “مضافة الكرامة”، رجل تنقسم تقييمات العيون في السويداء حين تنظر إليه، وشخصية دخلت باب الجدل في أوساط الدروز، فالبعض يراه صاحب تيار السلام والتهدئة، ومواجهة محاولات التقسيم ونشر الفتنة بين الدروز والبدو في محافظة السويداء، في حين يراه آخرون جزءا من مخطط الحكومة السورية الساعي لتسليم دفّة القيادة في السويداء إلى شخص يواليها. إنه ليث البلعوس، ابن بلدة المزرعة بريف السويداء، ونجل الشيخ وحيد البلعوس مؤسس حركة “رجال الكرامة” الذي قال: “إن كرامتنا أغلى من بشار الأسد”، الجملة التي دفع ثمنها حياته في عام 2015.
نجا من الموت أكثر من مرّة، الأولى في شهر مايو/أيار 2023، عندما تعرضت سيارته لإطلاق رصاص من قبل مجهولين، في الوقت الذي كانت قواته في حالة توتر شديد مع النظام والميليشيات الإيرانية على خلفية عدائه المباشر والعلني للمشروع الإيراني ونفوذ “حزب الله” اللبناني في السويداء وسوريا، ووقوفه مع الاحتجاجات التي كانت تشهدها السويداء في تلك الفترة ضد النظام السوري وسياساته. وفي الفترة التي سبقت محاولة الاغتيال، قام رئيس إدارة المخابرات الجوية حينها، اللواء غسان إسماعيل، بتهديد كل من “مضافة الكرامة”، وشيوخ العقل الدروز، بتدمير السويداء وحرقها في حال استمرّت في مواجهة النظام والاحتجاج ضدّه.
وكان ليث البلعوس رفقة عدّة فصائل أخرى، تحت مظلة “شريان واحد” في ديسمبر/كانون الأول 2018، ولعبوا دورا فاعلا على مدار سنوات، في ردع قوات النظام وعناصره وقادته، عن خلخلة الأمن في السويداء، كما كان ليث أحد القادة في السويداء، الذين شنّوا عدة عمليات عسكرية، ضد مهربي ومروجي المخدرات في السويداء، الأمر الذي اعتبره “حزب الله” اللبناني وعصاباته في السويداء تهديدا مباشرا لهم.
البلعوس أشهر عداءه لإيران وأذرعها، وقال في تصريحات مصوّرة إن قواته وأهالي السويداء، يرفضون كل أشكال التدخل الإيراني و”حزب الله” اللبناني في السويداء بشكل خاص، وسوريا بشكل عام، ورأى أن هذا التدخل “لم يأت إلا بالويلات للمنطقة”، ووصفه بأنه “يد العبث والفتنة والتفرقة بين السهل والجبل” (السويداء ودرعا)، وأن تدخل إيران و”حزب الله” اللبناني في سوريا، كانا سبب انتشار المخدرات والعصابات، مدعومين من قبل النظام، وأكد أكثر من مرة أن الذين يروجون لهذه المخدرات، يحملون بطاقات أمنية، ويتبعون للأجهزة الأمنية التابعة للنظام السوري آنذاك. البلعوس أيضا اتهم إيران و”حزب الله” اللبناني بالوقوف خلف عدّة تفجيرات في السويداء، وقال إنه لا مسامحة مع جرائم “حزب الله” وإيران في المنطقة.
في عام 2021 صعّد ليث البلعوس من موقف المواجهة مع سلطة دمشق، وعدّ أن النظام لم يعد مرحبا به بين أهالي السويداء، وأنهم فقدوا الثقة به، لأن عصابات النظام هم من ينشرون المخدرات، ويقومون بعمليات الخطف والابتزاز، كما أن نظام الأسد فشل في تأمين “أهم أساسيات” الحياة: حفظ الأمن والأمان، ومكافحة الإرهاب والقتل والنهب، وتأمين لقمة العيش.
وجود فصائل في السويداء مثل (مضافة الكرامة/قوات شيخ الكرامة/ رجال الكرامة) وغيرها من مجموعات صغيرة أو عائلية، شكّل قوّة ضاربة في وجه مخططات النظام السوري للسيطرة على السويداء، كما لعبت هذه القوى دورا في حماية مركز المحافظة، من حملات الاعتقال، التي كان يمكن أن تحصل بكثافة بعد عام 2020، عندما أصبحت غالبية السويداء على المستوى المدني والديني والفصائلي ضد النظام ونادت بسقوطه، هذا التطور شكّل ضغطا داخليا وسياسيا على بشار الأسد، الذي كان يصوّر للعالم أجمع أن الأقليات في سوريا يؤيدونه، وأنه الحامي لهم. كما أن هذه القوى شكّلت حائط صدّ في وجه محاولات إيران وميليشياتها التدخل والتوغل في السويداء.
وعلى الرغم من أن ليث البلعوس، لم يُبدِ عداء واضحا للروس في سوريا، والتقى معهم في السويداء، إلا أنه رفقة قوى أخرى، وقفوا أيضا حاجزا منيعا في وجه تحوّل السويداء إلى ملعب روسي، وهدفهم كان أن لا تصبح المحافظة بوابة مواجهة مباشرة بين روسيا وإيران، تلك المواجهة التي كانت واضحة بشكل جليّ بعد عام 2018 في الجنوب السوري.
في شهر أغسطس/آب 2024 وصلت حالة التوتر بين قوات ليث البلعوس، والنظام السوري إلى أوجها، فحاول النظام اغتيال ليث البلعوس للمرة الثانية من خلال استهداف اجتماع لقيادات محلية من السويداء، كان يحضره ليث البلعوس في منزل الشيخ بهاء الجمال، بحي القلعة بالسويداء، لينجو من الموت للمرّة الثانية.
مع انطلاق عملية غرفة ردع العدوان نهاية شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2024، ضد النظام السوري، بقيادة “هيئة تحرير الشام” التي كان يرأسها الرئيس أحمد الشرع، بدأت عدّة فصائل في السويداء التنسيق مع قوات ردع العدوان، وتوحيد الجهود معها لمواجهة النظام السوري، ولعب ليث وفصيله دورا في هذا التنسيق. وبعد سقوط النظام، كان من أوائل الشخصيات، رفقة زعيم “تجمع أحرار جبل العرب” سلمان عبد الباقي، الذين اعترفوا بالرئيس الشرع، ولعب دور الوسيط بين الحكومة السورية وفصائل السويداء، وحضروا اجتماعات عدّة مع الرئيس الشرع، ووزير الدفاع مرهف أبو قصرة، وذلك في سبيل تذليل العقبات أمام جهود الحكومة السورية الجديدة، لتوحيد البندقية في البلاد.
نفوذ ليث البلعوس ازداد بشكل كبير خلال الاشتباكات، التي حصلت في كل من جرمانا وأشرفية صحنايا بين ممثلين عن بعض فصائل السويداء من جهة، والأمن العام إضافة إلى مجموعات مسلحة من الغوطة من جهة أخرى، هذا النفوذ تُوّج من خلال مقترح الحكومة السورية لحل الخلاف، بأن تكون حواجز الأمن العام في جرمانا والسويداء مزيجا من الأمن العام، وعناصر من قوات ليث البلعوس، وعلى أثرها بدأ ليث البلعوس بعمليات تطويع شباب من السويداء، ليكونوا في الأمن العام ويشاركوا في عملية حفظ الأمن في السويداء.
هذا النفوذ الذي بدأ ليث يكسبه في دمشق، أثار حفيظة مكونات عسكرية في السويداء، سيّما أنهم اعتبروا هذا النفوذ كحصان طروادة، الخاص بالحكومة السورية، لاختراق أسوار السويداء، التي كانوا يبنونها للتفاوض مع دمشق من أجل عدم تسليم سلاحهم، وبقاء المحافظة بين أيديهم من ناحية الإدارة الأمنية والعسكرية. وللمرة الثالثة تعرض ليث لمحاولة اغتيال، نجا منها مطلع شهر مايو/أيار من العام الجاري، حين قام مجهولون بإطلاق رصاص على سيارته في بلدة شهبا بريف السويداء.
يقف ليث البلعوس على أبواب مرحلة جديدة من حياته، فهو المُرشح الأبرز لقيادة جهود الحكومة السورية للتهدئة والتفاوض في السويداء، ورجل دمشق لقيادة إدارة الأمن في المحافظة، إلا أنه في الوقت نفسه أصبح عدوا من وجهة نظر فصائل عسكرية، وتجمعات مدنية في السويداء، ويعدّونه واقفا في خندق المواجهة ضدهم، وذلك بعد الأحداث الدامية التي ما زالت سوريا عموما، والسويداء تحديدا في مواجهة تداعياتها على المستوى الطائفي والسياسي والاجتماعي، خصوصا مع سقوط مئات القتلى والجرحى في صفوف المدنيين والمقاتلين (دروزا، وبدوا، وقوات حكومية) عقب أيام من الاقتتال، الذي خرج عن حدوده التقليدية (صراع الدروز والبدو) مع تدخل إسرائيل في سوريا، بذريعة حماية الدروز، وصولا إلى ما أطلق عليه “فزعة العشائر” لدعم البدو في السويداء.
ليث البلعوس اليوم أمام اختبار المسار، الذي سار به على خطى أبيه، من مواجهة الأسد والنفوذ الخارجي، إلى التحالف مع الدولة الجديدة، لدعم جهود توحيد البندقية والجغرافيا، ومواجهة سردية أن الدروز يحتاجون لإسرائيل لحمايتهم، فهل تنجح مساعي ليث ليصبح الرجل الذي حلّ أحد أعقد التوترات التي شهدتها محافظة السويداء، منذ سقوط النظام السوري؟ ويكون الجسر الذي يوّحد الطريق بين المحافظة والحكومة السورية؟ أم أن هذه المرحلة، هي نقطة أفول نجم ليث على المستوى المحلي في السويداء، بعد وقوفه مع دمشق وتوجهاتها.
المجلة
————————-
السعودية و”حل الدولتين”… وسوريا/ إبراهيم حميدي
بعد حروب الشرق الأوسط من المهم جدا إطلاق الأفق السياسي ونسج خيوط الاستقرار ومسار السلام
آخر تحديث 27 يوليو 2025
هناك رابط بين مشاركة السعودية برئاسة مؤتمر دولي في نيويورك لإحياء “حل الدولتين”، وقرارها إيفاد وفد استثماري كبير إلى سوريا قبل أيام، ألا وهو الدفع للعودة إلى السياسة وفتح أفق جديد لنسج خيوط الاستقرار والاعمار بعد معارك كثيرة ضربت الشرق الأوسط وبعض مكوناته، وعززت مواقف المتشددين والمراهنين على الفوضى في زاويا مختلفة.
في سوريا، حصلت جولة دموية من الاشتباكات في السويداء قتل فيها مئات الدروز والبدو وعناصر الأمن، وقيل إن السلطات “فقدت السيطرة على 60 ألف مقاتل”. وفي وسط المعارك تدخلت إسرائيل وقصفت مواقع سيادية في العاصمة، وذكّرت دمشق بخطين أحمرين، يتعلقان بـ”حماية الدروز” و”الترتيبات الأمنية في الجنوب السوري”.
ووسط تعقيدات المشهد السوري، الذي لا تنقصه مكونات التعقيد المتراكمة من جروح عميقة ومعارك طاحنة، بادرت السعودية وأرسلت وفدا من رجال الأعمال برئاسة وزير الاستثمار خالد الفالح. عشرات الصفقات أبرمت بقيمة ستة مليارات دولار توفر عشرات آلاف فرص العمل. وعلى أهمية هذه الأرقام والالتزامات الاستثمارية في بلد ينهض للتو من حرب أكلت البنية التحتية وهجّرت الخبرات وترهّل فيها النظام المصرفي، فإن الرسالة السياسية أكبر وأعمق من ذلك، تتعلق بالدعم السعودي للاستقرار في سوريا ومساندة النظام الجديد في الانتقال إلى بناء الدولة والإعمار.
لا شك أن سقوط نظام الأسد وجّه أكبر خسارة استراتيجية لإيران منذ “الثورة” في 1979، تعززت بانتكاسات “حزب الله” في لبنان و”حماس” في غزة. ولا شك أن الفوضى حليفة النفوذ الإيراني وتمدد “داعش” وشبكات المخدرات والسلاح و”الكبتاغون”، وأن الاستقرار والازدهار وتعزيز الحدود السيادية والسلطة المركزية وفتح الآفاق السياسية، هي العناصر الرئيسة لتثبيت خسائر طهران وقطع أسباب انبعاث المتطرفين والتجار وعناصر الميليشيات العابرين للحدود.
وما عزز اتجاه البوصلة السياسية السورية، استضافة باريس جولتي مفاوضات مهمتين: الأولى، سورية-إسرائيلية برعاية أميركية تتعلق بمستقبل السويداء وترتيبات الأمن في الجنوب السوري. والثانية، سورية-فرنسية–أميركية تناولت تسريع الانتقال السياسي وأمورا داخلية والعلاقة المستقبلية بين دمشق و”قوات سوريا الديمقراطية”.
تتقاطع الرهانات على بناء “الدولة السورية” مع أهداف المؤتمر الدولي الذي ترعاه السعودية وفرنسا لدعم مبادرة “حل الدولتين” والاعتراف بالدولة الفلسطينية على حدود 1967، بعد قرار الرئيس إيمانويل ماكرون نية فرنسا الاعتراف بالدولة الفلسطينية في سبتمبر/أيلول المقبل لتكون أول دولة من “السبع الكبار” تقوم بهذه الخطوة الجريئة. وعلى هامش مؤتمر الجمعية العامة يومي الاثنين والثلاثاء، ستنضم دول كثيرة إلى “قائمة الاعتراف” بالدولة الفلسطينية المعلنة ذاتيا 1988، التي تشمل 142 دولة من أصل الدول الـ193 الأعضاء في الأمم المتحدة.
لم يكن أمر وجود دولة فلسطينية ملحاً ومهماً أكثر مما هو الحال الآن، ذلك أن قطاع غزة دمر وأهله نازحون ومحرومون من المساعدات في حرب مجنونة مستمرة منذ هجمات 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، والاستيطان الإسرائيلي يتصاعد في الضفة الغربية وخطط إسرائيلية لضمها، للقضاء على أي احتمال جغرافي لقيام الدولة الفلسطينية.
ورغم اعتبار تل أبيب الاعتراف بالدولة الفلسطينية “مكافأة للإرهاب”، وقول الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن الاعتراف “لا وزن له”، فمن الوهم الاعتقاد بإمكانية التوصل إلى وقف إطلاق نار دائم في غزة وإطلاق سراح الرهائن لدى “حماس”، وأن إدانة الحركة والدعوة إلى نزع سلاحها، سيؤديان إلى عزلها، ما لم يكن هناك أفق سياسي، وهذا بالضبط ما تقوم به مبادرة “حل الدولتين”.
بعد الحرب المباشرة بين إسرائيل وإيران، وحرب لبنان، وسقوط نظام الأسد، واستمرار حرب غزة، من المهم جدا إطلاق الأفق السياسي وفتح الأبواب في فلسطين وسوريا ولبنان، فهو يفسح المجال لإعمار دول عدة في الشرق الأوسط ويعيد النقاش إلى البحث عن خيوط الاستقرار ونسج مسار السلام وعقد اتفاقات جديدة.
المجلة
—————————
المفاوضات السورية الإسرائيلية.. ما الذي لم نتعلمه من أوسلو؟/ ماهر حسن شاويش
2025.07.28
في باريس، بعيداً عن دمشق والجولان المحتل، جرى ما أُعلن لاحقاً أنّه لقاء تفاوضي سوري-إسرائيلي غير مباشر، برعاية فرنسية وبمشاركة أميركية، لا جديد في الشكل: التوقيت غير مُعلن، الأطراف ليست متكافئة، والرعاية الغربية حاضرة كما كانت دائماً.
الجديد -وربما المقلق- هو النبرة التي بدأت تتسرّب: كأن ثمة مَن يهيّئ الرأي العام السوري تدريجياً لقبول “تفاوض اضطراري” أو “حل واقعي”، على غرار ما حصل في المسارات العربية الأخرى، لكن السؤال الأهم ليس عن شكل اللقاء، بل عن مضمونه وسياقه السياسي، وتجارب ما قبله.
أوسلو.. النموذج لا العبرة
قبل أكثر من 30 عاماً، تم التوقيع على اتفاق أوسلو، في احتفال صاخب على عشب البيت الأبيض، يومها، قيل لنا إنّ الواقعية السياسية انتصرت، وإن الدولة الفلسطينية أصبحت “قاب قوسين أو أدنى”.
الواقع أن ما تلا أوسلو لم يكن إلا تقويضاً منهجياً للحقوق الفلسطينية: سلطة بلا سيادة، تنسيق أمني مع الاحتلال، تقسيم أراضٍ إلى مناطق (أ، ب، ج)، حصار غزة، تضخم الاستيطان، ومشروع “الدولة” أصبح سلطة خدمية مُقيدة بحواجز العدو وسلاحه.
أوسلو لم تكن اتفاق سلام، بل اتفاق إدارة أزمة على حساب الضحية، فهل هذا ما يُراد لسوريا اليوم؟ أن تدخل إلى قاعة التفاوض بوضع هشّ، دون أوراق قوة حقيقية، ثم تُحمَّل وحدها وزر النتائج؟
تجارب عربية موازية.. ماذا جلبت المفاوضات؟
لم تكن أوسلو استثناءً، مصر استعادت سيناء باتفاق منفرد، لكنها فقدت دورها الإقليمي تدريجياً وتحوّلت الحدود إلى أسلاك مشدودة على رقاب غزة.
الأردن وقّع اتفاق وادي عربة، لكنّه لم ينعم لا بسلام اقتصادي ولا اجتماعي، بل تحوّل إلى ممر آمن للتطبيع دون مقابل.
أمّا الإمارات والبحرين والمغرب، فركضت نحو “إبراهام”، قبل أن تفرّقهم المذابح في غزة عن شركائهم الجدد، من باب الحرج الأخلاقي على الأقل، وفي كل مرة، كان يُقال للعرب: تفاوضوا أولاً، ثم سيأتي الباقي لاحقاً، لكن هذا “اللاحق” لم يأتِ أبداً.
دمشق تحت القصف: هل هناك من يفاوض أم من يُملى عليه؟
في الوقت الذي يُقال فيه إن هناك مساراً تفاوضياً سورياً مع إسرائيل، ما تزال الطائرات الإسرائيلية تقصف العمق السوري بانتظام، آخرها لم يكن بعيداً عن مبنى وزارة الدفاع نفسه، وسط العاصمة.
كيف نفهم مفاوضات تُجرى بينما الطرف الآخر لا يتوقّف عن استعراض قوته الجوية والأمنية فوق الأراضي السورية؟ ما معنى التفاوض حين لا يكون ميزان الردع قائماً؟ وهل يمكن لسوريا -بواقعها المنهك، والممزق داخلياً والمحاصر سياسياً- أن تدخل مساراً تفاوضياً من دون أن تكون هي الحلقة الأضعف بالمعادلة؟
مطلوب أكثر من خبراء تفاوض
ليس كافياً أن نستعين بخبراء في الشأن الإسرائيلي، ولا أن نعرف تركيبة (الكنيست، الأحزاب، القوى المؤثرة)، ما نحتاجه أولاً هو تقدير موقف تاريخي وسياسي وأخلاقي: هل التفاوض اليوم هو مدخل لاستعادة الحقوق، أم تغطية للضعف؟ هل لدينا موقف تفاوضي مستقل، أم أننا مجرد امتداد لتفاهمات إقليمية تُطبخ في غرف مغلقة؟
المطلوب ليس أن نُكرر تجربة أوسلو بنسخة سورية، بل أن نقرأ أوسلو كما هي: خسارة مغلفة بالوعود الكاذبة.. المطلوب أن نتعلم من التاريخ لا أن نُعيد إنتاجه، فالخبرة، بلا مشروع وطني، تصبح مجرد خدمة مجانية في لعبة الآخرين.
تحالفات اللحظة.. الهروب إلى تل أبيب؟
في خضم التحولات الإقليمية المتسارعة، بدأ يلوح في الأفق ما يشبه التنافس غير المعلن بين أطراف سورية متعددة على خطب ودّ إسرائيل، كلٌّ بطريقته، وتحت ذرائع شتى: أمنية، دينية، سياسية أو حتى “واقعية” كما يُروّج.
من “قسد” في شرق الفرات التي ترى في التطبيع المحتمل صكّ بقاء دولي، إلى بعض الأصوات الدينية والاجتماعية في السويداء توحي بأن التواصل مع “تل أبيب” بات خياراً مطروحاً لـ”حماية الأقليات”، مروراً الآن بمؤشرات خطيرة لدخول الدولة السورية نفسها على هذا المسار، ولكن بلغة وأدوات مختلفة.
هذا التنافس خطير لعدة أسباب:
أولاً، لأنّه لا يُبنى على رؤية وطنية شاملة، بل على انكفاءات مناطقية ومصلحية ضيقة، كل طرف فيها يظن أنه سينجو وحده أو يربح بالتقرب من عدو يعرف كيف يوظّف الحاجة والانقسام.
ثانياً، لأنّ إسرائيل لا تُراكم صداقاتها بقدر ما تُراكم اختراقاتها، وهي لا تعقد اتفاقات إلا وفق ميزان قوة يميل لصالحها، وغالبًا ما تترك المتورطين معها عراة سياسيًا وأخلاقيًا في لحظة الحسم.
إن الانزلاق إلى هذا النوع من الحسابات القصيرة، هو استثمار في الوهم، لأن أحداً من السوريين -مهما كانت طائفته أو موقعه أو سلطته- لن يُكافأ من “تل أبيب” على حساب القضية الفلسطينية، ولا على حساب وحدة سوريا.
الوطن لا يُدار من أبواب خلفية، ولا تُحفظ كرامته بالرهان على من يحتل أرضه.. التفاوض، إن حصل، يجب أن يكون من موقع موحد، ضمن رؤية وطنية واضحة، وبشروط الشعب لا حسابات الأفرقاء.
ختاماً، السلام العادل لا يُولد من تفاوض بين الضحية والجلاد، بل من توازن قوة، من مشروع سياسي جامع، من رؤية وطنية لا تنفصل عن الشارع ولا تستورد شروطها من الخارج.
السوريون، مثل الفلسطينيين، يستحقون أكثر من مجرد تكرار أخطاء غيرهم، والرهان الحقيقي ليس في باريس، ولا في غيرها من عواصم العالم، بل في دمشق، وفي قدرتها على أن تقول: لسنا جاهزين لأن نُلدغ من الجُحر ذاته مرة أخرى.
تلفزيون سوريا
————————–
أول قمة سورية إسرائيلية منذ ربع قرن تمهد لـ”تطبيع أمني”/ أمال شحادة
تل أبيب تحافظ على خطوطها الحمراء وتسعى لإقامة منطقة عازلة منزوعة السلاح بدعوى حماية الدروز
الجمعة 25 يوليو 2025
الإسرائيليون يعدون لقاء ديرمر والشيباني خطوة متقدمة وإيجابية وتبعث الأمل في عدم تصعيد الوضع داخل سوريا، على رغم الشكوك الإسرائيلية بمدى سيطرة الرئيس أحمد الشرع على الوضع، حتى إنهم يشككون في نياته، وهو ما يدفعهم أيضاً إلى الحديث عن تطبيع من نوع خاص.
جاء لقاء القمة السورية-الإسرائيلية في باريس بين وزيري الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلية رون ديرمر والخارجية السورية أسعد الشيباني والمبعوث الأميركي توم براك، مفاجئاً حتى للإسرائيليين الذين كانوا يناقشون في ما سيبحثه اجتماع الطواقم الأمنية المهنية في أذربيجان، بهدف ضمان الهدوء بعد أحداث السويداء ومدى إمكانية تحقيق الأهداف الإسرائيلية وفي مركزها نزع السلاح والحفاظ على المنطقة العازلة.
لقاء القمة الذي بادر إليه براك وضع نقاطاً أولية ومبدئية لتحقيق الهدف الآني بعدم احتدام التوتر وتصعيده، عبر خطوات عملية وفورية تشرف على تنفيذها الولايات المتحدة، وهي في مضامينها، وكما أكد أكثر من مسؤول إسرائيلي، تحافظ على الخطوط الحمراء التي وضعتها إسرائيل في كل ما يتعلق بالمناطق التي تسيطر عليها والمنتشر فيها جيشها إلى جانب المنطقة العازلة، التي تسعى في هذه الأثناء إلى تعزيزها سواء بعمليات في الميدان والتي بدأت فيها منذ مطلع الأسبوع بترسيم حدود جديدة تتجاوز خط وقف النار المتفق عليه منذ عام 1974، أو عبر مناقشتها مع الطواقم الأمنية التي ستواصل اللقاءات والمحادثات بينها.
وحظي اللقاء باهتمام واسع هو الأول في هذا المستوى منذ عام 2000، إذ استضاف الرئيس الأميركي بيل كلينتون، رئيس الحكومة الإسرائيلية آنذاك إيهود باراك ووزير الخارجية السوري آنذاك فاروق الشرع، في إطار الجهود للتوصل إلى اتفاق سلام بين البلدين.
الإسرائيليون يعدون لقاء ديرمر والشيباني خطوة متقدمة وإيجابية وتبعث الأمل في عدم تصعيد الوضع داخل سوريا، على رغم الشكوك الإسرائيلية بمدى سيطرة الرئيس أحمد الشرع على الوضع، حتى إنهم يشككون في نياته، وهو ما يدفعهم أيضاً إلى الحديث عن تطبيع من نوع خاص.
نزع سلاح ومنع دخول قوات النظام
بعد أكثر من أسبوع من أحداث السويداء واحتدام القتال والتوتر بعد تدخل إسرائيل تحت ذريعة الدفاع عن الدروز في سوريا، ومن جهة أخرى التهديدات الإسرائيلية وما نفذته داخل الأرض السورية من أعمال بنى تحتية جديدة لإقامة جدار ولرسم حدود جديدة، جاءت تفاهمات القمة لتمنع تكرار أحداث السويداء وأيضاً، كما أكد مسؤول إسرائيلي، تشكل ضمانة لاستمرار إسرائيل داخل مناطق انتشارها وحفاظها على خطوطها الحمراء الضامنة لأمن الدروز وأمن حدودها.
وبحسب الاتفاق، سيُفكك سلاح القنيطرة ودرعا المحاذيتين للحدود الإسرائيلية-السورية وهو مطلب إسرائيلي، وتمت الموافقة على تشكيل لجان أمنية محلية شرط عدم حمل الأسلحة الثقيلة.
أما في السويداء فينفذ الاتفاق على مرحلتين وتشرف على تنفيذه واشنطن وهو يتجاوب إلى حد كبير مع مطلب إسرائيل، ففي المرحلة الأولى منه تُسحب قوات العشائر المحلية وقوات النظام من قرى الدروز، على أن تقوم فصائل درزية بمسح القرى للتحقق من ذلك.
المرحلة الثانية تبدأ بعد تأكيد الفصائل الدرزية أن السويداء خالية من العشائر البدوية وقوات النظام، وعندها تقام مجالس محلية بمشاركة سكان السويداء، الذين سيُعينون للتعامل مع الموارد والخدمات المطلوبة داخل المنطقة.
تشكل المجالس لجنة لمراقبة وتوثيق انتهاكات الاتفاق، ولن يُسمح بدخول السويداء لأية منظمة أو هيئة مرتبطة بحكومة سوريا، بينما سيسمح لهيئات تابعة للأمم المتحدة بدخول المنطقة، وهو جانب عدته إسرائيل إنجازها الكبير.
أما منطقة الحدود وضمان أمنها فهذه ستتولى مهمتها الطواقم المهنية والأمنية الإسرائيلية والسورية، المتوقع عقد سلسلة لقاءات جديدة بينهما، وكل هذا يرتبط بمدى الالتزام بقمة باريس وإعادة الهدوء إلى الجبهة السورية على رغم استمرار انتشار وتوسيع تمركز الجيش الإسرائيلي فيها.
تطبيع من نوع خاص
أكثر من مسؤول إسرائيلي اعتبر الاتفاق، في مجمله، إنجازاً يتجاوب مع المطالب الإسرائيلية ويضمن مصالح تل أبيب في سوريا، وعدم دخول عناصر النظام إلى البلدات الدرزية ونزع سلاحها، وهذه الجوانب بحسب الإسرائيليين بداية لتحقيق المطلب الإسرائيلي بأكمله بجعل الجنوب كله منطقة معزولة السلاح.
ويقول الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات العسكرية عاموس يدلين إن “الأهم في هذه المرحلة أولاً ضمان مصالح إسرائيل، وهي عدم تكرار أحداث السابع من أكتوبر على الحدود الشمالية وهذه مسؤولية الجيش الإسرائيلي ومصلحتها في ضمان نزع السلاح ومنطقة أمنية لمنع عودة الإيرانيين و’حزب الله‘ إلى سوريا والتمركز والتوسع فيها. أما مصلحة الدروز فلا تقل أهمية لأن علاقتنا مع الدروز تحتم حمايتنا لهم وعدم التخلي عنهم، وضمان مثل هذه الحماية في بلداتهم داخل الجنوب السوري تضمن أيضاً الأمن على حدودنا وعلى بلدات الشمال”.
وعاموس كغيره من سياسيين وأمنيين لا يتوقعون أن يبدأ توسيع اتفاقات أبراهام في سوريا، وإذا كان هناك أي احتمال قبل أحداث السويداء فقد أصبح بعيداً من التنفيذ. لكن بحسب يدلين “صحيح أن التطبيع هو أفضل ما يمكن أن تحققه إسرائيل، لكن يكفي اليوم في ظل التطورات الأخيرة أن نصل إلى تطبيع من نوع خاص وهو التفاهم واستمرار وقف المواجهات والقصف والقتال بين إسرائيل والنظام السوري، وهذا أيضاً تطبيع لعلاقات أمنية”، ويضيف مؤكداً “هناك حاجة للتوصل إلى اتفاق تطبيع لعدم الحرب وعدم وقوع أي هجوم من الطرفين. علينا التوصل إلى اتفاق يضمن في نهايته وقفاً دائماً للنار”.
الدروز شأن سوري وعربي
في إسرائيل، أقامت مجموعة من الدروز بينهم الخادمون في الجيش غرفة طوارئ، وهم من يعدون أن ما فعلته إسرائيل غير كافٍ، وطالبوا بتدخل أكبر والدفاع المباشر عنهم.
في غرفة الطوارئ يجري التواصل مباشرة مع جهات درزية في السويداء التي تطلعهم من خلالها على كل تطور، وإذا تطلب الأمر يتم التدخل من طرف إسرائيل.
أما الطرف الآخر والمتمثل في لجنة التواصل مع سوريا ولجنة المبادرة الدرزية فيرفض هذا التدخل الإسرائيلي، ويعد وضع دروز سوريا شأناً سورياً وعربياً. وفي حديث مع “اندبندنت عربية” عدَّ المحامي يامن زيدان عضو اللجنة التنفيذية في الحركة التقدمية للتواصل، الاجتماع المفاجئ في باريس بتوقيته ومضمونه ليس صدفة، وقال “أي اتفاق لوقف الاعتداءات والجرائم المرتكبة بحق المدنيين وخصوصاً في السويداء مرحب به، لكن علينا أن نكون حذرين من أي اتفاق ومضمونه. اتفاق باريس محاولة لذر الرماد في العيون. فمضمونه في معظمه اتفق عليه سابقاً وما كانت هناك حاجة لاتفاق ووساطة خارجية ولا أميركية لحماية أنفسنا، كما أن توقيته مستهجن ومستغرب فهو جاء بعد اللقاء بين إسرائيليين وسوريين داخل أذربيجان، ويبدو أن هناك محفزاً معيناً لضمان مكاسب سياسية، لأن أي اتفاق يتطرق للشأن الداخل السوري عليه أن يكون أولاً بين السوريين أنفسهم، وهذا ما يضمن عدم الاقتتال الداخلي”.
ويضيف زيدان “مهمة حماية الدروز هي مهمة سورية أولاً ثم عربية، واستغرب أن الدولة السورية في حاجة إلى تدخل ووساطة أميركية وإسرائيلية لكي تحمي مواطنيها المدنيين، سواء كانوا من الدروز أو غير دروز”.
وحذر زيدان من تداعيات فرض إسرائيل واقعاً على الأرض في سوريا واستغلال مثل هذا الاتفاق، وقال “نحن أمام مشهد أهدافه سياسية تصب في صالح ومصالح ومطامع إسرائيل، وترسخ تدخلها”.
أما من ناحية تدخل إسرائيل تحت ذريعة حماية الدروز وتقديم المساعدات لهم، فبرأيه ما تفعله إسرائيل “يتجاوز الأهداف الإنسانية ولا غرابة في أن يتم ذلك بالتنسيق الإسرائيلي-الأميركي”.
—————————–
باريس تجمع دمشق وتل أبيب: لحظة مفصلية أم محطة عابرة؟/ صادق الطائي
في مشهد غير مسبوق منذ أكثر من ربع قرن، عقد وزراء رفيعو المستوى من سوريا وإسرائيل لقاء مباشرا في العاصمة الفرنسية باريس، برعاية أمريكية، وسط ظروف إقليمية شديدة التعقيد. الاجتماع الذي عقد يوم الخميس 24 تموز/يوليو الجاري واستمر لأربع ساعات، تم برعاية المبعوث الأمريكي الخاص توم براك، وضم وزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي رون ديرمر، ووزير الخارجية السوري في الحكومة الانتقالية أسعد الشيباني.
جاء اللقاء في أعقاب أسبوع دموي شهدته محافظة السويداء جنوب سوريا، إثر اندلاع اشتباكات بين مقاتلين دروز وقبائل بدوية، مدعومة بقوات حكومية. أسفرت المواجهات عن مقتل المئات، ودفع ذلك إسرائيل للتدخل في الشأن السوري وشنّ غارات جوية على مواقع حكومية في دمشق والسويداء، مبررة تدخلها بـ»حماية الأقلية الدرزية». وسط هذا التصعيد، أعلن براك عبر منصة أكس:» التقيت هذا المساء بالسوريين والإسرائيليين في باريس. كان هدفنا هو الحوار وخفض التصعيد، وقد أنجزنا ذلك بدقة. وجدد جميع الأطراف التزامهم بمواصلة هذه الجهود.»
يمثل هذا اللقاء أول اتصال وزاري علني ومباشر بين سوريا وإسرائيل منذ محادثات شيبردزتاون في 16 ديسمبر 1999، التي رعتها إدارة كلينتون بين رئيس الوزراء الإسرائيلي حينذاك إيهود باراك ووزير الخارجية السوري فاروق الشرع. واليوم، بعد مرور ربع قرن، تعود سوريا إلى طاولة التفاوض ولكن هذه المرة تحت ظل حكومة انتقالية جديدة يرأسها أحمد الشرع، بعد الإطاحة ببشار الأسد في ديسمبر 2024. وأكد بيان مشترك صادر عن فرنسا والولايات المتحدة وسوريا أن «الاجتماع جاء في لحظة حرجة»، وشدد على ضرورة الإسراع في إنجاح الانتقال السياسي، وحماية استقرار سوريا ووحدة أراضيها.. وأفاد مسؤول إسرائيلي رفيع لموقع «أكسيوس» الأمريكي أن أحد أهداف هذا الاجتماع، إلى جانب التفاهمات الأمنية حول جنوب سوريا، هو استكشاف إمكانية انخراط سوري بشكل أوسع في مسار دبلوماسي مع إسرائيل. وقد سبقت هذا اللقاء عدة اجتماعات سرّية عُقدت في باكو، عاصمة أذربيجان، جمعت بين الشيباني ومستشار الأمن القومي الإسرائيلي تساحي هنغبي، بتنسيق غير مباشر من الاستخبارات التركية، حسب المصدر نفسه. في هذا السياق، تُشير التقارير إلى أن المبعوث الأمريكي براك لعب دورا حاسما في إدخال ديرمر إلى المشهد، بوصفه المسؤول عن التواصل المباشر مع البيت الأبيض، ومُكلفا بصياغة حوافز أمريكية لتشجيع دمشق على خطوات نحو تطبيع تدريجي، في المقابل، فإن الشارع السوري لا يزال رافضا لأي تقارب مع إسرائيل، خاصة في ظل استمرار الاحتلال الاسرائيلي للجولان، وفي ظل غياب موقف وطني جامع يُشّرعن هذا النوع من التفاهمات. وقد رفض معظم زعماء الدروز في سوريا التدخل الإسرائيلي في السويداء، معتبرين أنه يخدم أجندات خارجية ولا يحمي المجتمع المحلي»، من جهة أخرى، تُواجه الحكومة السورية الانتقالية، تحديات كبرى على مستوى الشرعية الداخلية والسيطرة المركزية، ما يجعل أي خطوة خارجية من هذا النوع محفوفة بالمخاطر السياسية. وتجدر الاشارة إلى أن لقاء باريس على الرغم مما يحمله من إشارات إيجابية، وفرص واعدة، فإن مسار التطبيع بين سوريا وإسرائيل مازال يواجه مجموعة من التحديات البنيوية المعقدة، التي تجعل من أي تقدم ملموس أمرا محفوفا بالمخاطر.
أولى هذه العقبات هي الاحتلال الإسرائيلي لمرتفعات الجولان، الذي يشكل جرحا سياديا مفتوحا في الوعي الوطني السوري، ولا يمكن تجاوزه بسهولة في أي مفاوضات سياسية. فملف الجولان ليس فقط قضية قانونية، بل رمز للمقاومة والسيادة، وأي تقارب مع إسرائيل دون حل هذا الملف سيُنظر إليه داخليا كتنازل مرفوض. ثانيا، هناك ضعف مؤسسات الدولة السورية الجديدة، بعد سنوات من الحرب والانقسام، وأن الحكومة الانتقالية برئاسة أحمد الشرع، ما تزال تواجه تحديات داخلية على مستوى الإدارة والشرعية والقدرة على فرض القرار الموحد، ما يجعل تنفيذ أي اتفاق خارجي أمرا معقدا على الأرض. ثالثا، تبرز المعارضة الشعبية الواسعة، لأي شكل من أشكال التطبيع مع إسرائيل، سواء داخل سوريا أو في أوساط المعارضة التقليدية في الشتات. هذا الرفض مدفوع بتاريخ طويل من الصراع، وسياسات الاحتلال، والتدخلات الإسرائيلية المتكررة، خصوصا في الجنوب السوري. أما رابع العقبات، فهي الديناميات الإقليمية. فوجود أطراف إقليمية فاعلة مثل إيران وروسيا وحزب الله في لبنان، التي ترى في انفتاح دمشق على تل أبيب تهديدا مباشرا لنفوذها في سوريا، يجعل المسار محفوفا بتوترات محتملة، قد تُفجّر الميدان من جديد، إذا ما شعرت هذه القوى بأنها تُستبعد من ترتيبات ما بعد الأسد. أخيرا، فإن الهشاشة الأمنية في الجنوب السوري، والتداخل بين القوات المحلية والميليشيات الأجنبية، يجعل من أي اتفاق أمني صعب التطبيق دون وجود ضامن إقليمي ودولي قوي، وهو ما لم يُحسم حتى الآن.
ورغم أن لقاء باريس جرى بين السوريين والإسرائيليين برعاية أمريكية وغربية، إلا أن ثلاث قوى إقليمية وازنة تراقب المشهد عن كثب وتشعر بالقلق من تداعياته على موازين النفوذ داخل سوريا، تركيا، إيران، وروسيا. فتركيا، التي كانت لسنوات داعمة للمعارضة السورية، تجد نفسها اليوم في موقع الشريك السياسي والعسكري للحكومة الانتقالية في دمشق، بعد الإطاحة بنظام بشار الأسد. وقد أشارت تقارير إلى أن أنقرة كانت جزءا من المحادثات الأولية، وشاركت في تسهيل اللقاءات السرية بين الطرفين، خاصة في باكو.. ومع ذلك، عبّرت أنقرة مؤخرا عن توتر متزايد حيال الضربات الإسرائيلية في الجنوب السوري، واعتبر وزير الخارجية هاكان فيدان، أن إسرائيل «تسعى إلى تقسيم سوريا تحت ذريعة حماية الدروز». أما الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، فاتهم تل أبيب صراحة بأنها تستغل الوضع الأمني لتوسيع نفوذها داخل سوريا.
أما إيران، الحليف القديم لنظام الأسد، فتعتبر أي تقارب سوري مع إسرائيل خيانة سياسية وتهديدا مباشرا لنفوذها الاستراتيجي في المنطقة. ومنذ سقوط الأسد، عملت طهران على إعادة تموضع الميليشيات المقربة من طهران جنوب سوريا، ورفضت أي ترتيبات أمنية لا تأخذ مصالحها في الحسبان، لذلك فإن التطبيع مع إسرائيل، من وجهة نظرها، يُهدد مشروع «الهلال الشيعي»، ويُقصيها من مستقبل سوريا السياسي والعسكري. أما روسيا، التي تقف في موقع أكثر براغماتية، فهي ترى في التحركات الأمريكية والإسرائيلية في سوريا تقليصا لدورها كضامن وموازن داخل الملف السوري، ورغم أنها لم تعارض علنا اللقاء السوري-الإسرائيلي، إلا أن موسكو تخشى أن تتحول التسوية إلى تفاهمات ثنائية خارج مسار أستانا، ما يُضعف نفوذها ويعيد صياغة الملف السوري بمعزل عنها.
في المحصلة، فإن تركيا وإيران وروسيا، وإن لم تكن على طاولة باريس، إلا أنها تشكّل مراكز ضغط حقيقية على أي مسار للتطبيع، وقد تعمل، بشكل مباشر أو غير مباشر، على تعطيله أو توجيهه بما يخدم مصالحها الاستراتيجية في سوريا والمنطقة.
من هنا، فإن التطبيع السوري /الإسرائيلي- إذا حصل – لن يكون مجرد إعلان سياسي، أو بيان مشترك، بل مسارا طويلا ومعقدا، يتطلب تفاهمات داخلية، وصفقة إقليمية، وضمانات دولية، وكل ذلك لم يتبلور بعد. لقاء باريس لا يُعد تطبيعا بالمعنى السياسي، لكنه بلا شك كسرٌ لجدار الصمت بين دمشق وتل أبيب. وهو يعكس حقيقة مفادها أن النظام السوري الجديد، ورغم كل العوائق، يُحاول إعادة تموضعه إقليميا بدافع الحاجة الأمنية، والدعم الأمريكي، والرغبة في انتزاع الاعتراف السياسي الاقليمي والدولي.أما إسرائيل، فترى في هذا الانفتاح فرصة لضبط الحدود الشمالية، وتحييد الجنوب السوري عن النفوذ الإيراني، وربما فرض واقع سياسي جديد يُمهّد لحلول إقليمية مستقبلية. الرسالة واضحة: الشرق الأوسط ما بعد 2024 ليس هو نفسه قبلها، وسوريا ما بعد الأسد تخوض اختبارا صعبا بين الواقعية السياسية، وضغوط الإرث الوطني، وحتى ذلك الحين، تبقى باريس محطة اختبار دقيقة، لا بداية جديدة بالضرورة، لكنها بالتأكيد ليست مجرد تفصيل عابر.
كاتب عراقي
القدس العربي
———————-
قراءة في محادثات باريس.. هل تنجح فرنسا في كسر الجمود السوري الإسرائيلي؟
2025.07.27
احتضنت العاصمة الفرنسية باريس اجتماعاً غير مسبوق بين وفدين من سوريا وإسرائيل، ضمّ ممثلين عن وزارتي الخارجية والاستخبارات في الجانبين، بوساطة أميركية، تزامناً مع تصاعد التوتر جنوبي سوريا والتطورات الأمنية في محافظة السويداء.
وأكد مصدر دبلوماسي سوري أن الاجتماع استمر أربع ساعات، وناقش التصعيد العسكري الإسرائيلي الأخير في الجنوب السوري، إضافة إلى الأوضاع الأمنية في السويداء. وحمّلت دمشق إسرائيل مسؤولية التصعيد، لكنها أبدت استعدادها المشروط للعودة إلى اتفاقية فضّ الاشتباك لعام 1974، في حال توفرت ضمانات دولية.
وشدد الوفد السوري على ثوابت وطنية، وعلى رأسها وحدة الأراضي السورية ورفض أي وجود أجنبي غير شرعي، كما طالب بانسحاب إسرائيل من مواقع متقدمة على الحدود، مشيراً إلى استعداد مبدئي لمواصلة الحوار.
ولعب المبعوث الأميركي توماس باراك دور الوسيط في المحادثات، وحاول تحقيق توازن بين التنسيق مع إسرائيل ودعم المؤسسات السورية الرسمية، حيث قال في تغريدة على منصة “إكس”: “الدبلوماسية النشطة هي الطريق الذي تسلكه واشنطن للخروج من الأزمة”، مضيفاً أن “سوريا المستقرة تُبنى على أساس جيران أقوياء”.
تفاؤل مشوب بالحذر
رأى الدكتور زكي لبابيدي، رئيس مكتب سوريا في المجلس السوري الأميركي، أنه رغم أن ما رشح عن الاجتماع “مبشّر”، إلا أنه يجب الحذر من أن إسرائيل لا تلتزم بالقوانين الدولية ولا بالتفاهمات، مشيراً إلى أن الاحتلال الإسرائيلي قصف القصر الرئاسي في دمشق وهدد باغتيال الرئيس الشرع بشكل علني.
ولفت لبابيدي، في لقاء مع تلفزيون سوريا، إلى النفوذ الإسرائيلي الكبير داخل الإدارة الأميركية، وإلى ضغوط تمارسها أطراف داعمة لإسرائيل، ما يضعف أي جهود تهدئة حقيقية تقودها واشنطن.
واتهم لبابيدي أيضاً إسرائيل بتسليح مجموعات مسلحة في السويداء لخلق فوضى داخلية وإشعال حرب أهلية تخدم مصالحها، محذراً من أن ذلك قد يحدث فعلاً ما لم يتداركه السوريون.
فرنسا تدخل على خط الملف السوري
من جانبه، قال الكاتب والمحلل السياسي حسن النيفي إن فرنسا تسعى للعب دور سياسي محوري في الملف السوري بعد سقوط نظام الأسد وتغيّر موازين القوى في المنطقة، مشيراً إلى أن اختيار باريس مكاناً لعقد الاجتماع جاء بناءً على رغبة فرنسية.
وأوضح النيفي، في لقاء مع تلفزيون سوريا، أن الاجتماع حمل طابعاً استكشافياً، ولم يترك أثراً واضحاً سواء في نتائجه أو فحواه، ولم يكن خالياً من النوايا المزدوجة، مضيفاً: “يمكن وصف المباحثات بأنها كانت بمثابة جس نبض، حيث عبّر كل طرف عن تطلعاته ومطالبه”.
وأشار النيفي إلى أن الاجتماع لم يُسفر عن نتائج ملموسة، مرجحاً أن يكون مجرد خطوة تمهيدية نحو توافقات أمنية قد تتبلور في المستقبل القريب.
وقال إن الحكومة السورية كان شاغلها الأساسي خلال اللقاء هو رفض مبدأ التقسيم، كما أكدت موقفها الرافض لبقاء أي قوات أجنبية بشكل دائم على الأراضي السورية، في إشارة واضحة إلى الوجود الإسرائيلي داخل سوريا، وإلى التوغلات العسكرية الإسرائيلية التي أعقبت سقوط نظام الأسد في الثامن من كانون الأول الماضي، كذلك عبّرت بشكل مباشر وصريح عن رفضها لمحاولات الاستثمار الإسرائيلي داخل الطائفة الدرزية في سوريا.
وأضاف: “في المقابل، لا تُخفي إسرائيل نواياها، فهي تسعى إلى بسط سيطرتها على الجنوب السوري، دون اكتراث فعلي بمصير الدروز أو غيرهم من السكان، بل تنظر إلى الأحداث التي جرت في السويداء كفرصة استثمارية تسعى لاستغلالها”.
وتطمح “تل أبيب” إلى فرض اتفاقيات أمنية جديدة مع دمشق، تتيح لها التحكم بنوعية السلاح وعدد القوات المنتشرة في الجنوب السوري، كما تسعى إلى تحويل سكان الجنوب إلى ما يشبه “حرس حدود” لصالحها، تحت ذريعة حماية الدروز، بحسب النيفي.
إسرائيل تجس نبض دمشق وتخطط للجنوب
أكد الكاتب الفلسطيني محمد القيق أن الجانب الإسرائيلي دأب على عقد جلسات “جسّ نبض”، وما يجري حالياً لا يخرج عن هذا الإطار، إذ يهدف إلى اختبار توجهات القيادة السورية الجديدة، وقد سبق أن استخدم الإسرائيليون هذا الأسلوب في مراحل سابقة، ما أدى إلى اندلاع مواجهات في الساحل، ثم انتقال التصعيد إلى محافظة السويداء.
وأوضح القيق، في لقاء مع تلفزيون سوريا، أن لدى إسرائيل توجهاً استراتيجياً واضحاً بالتوسع جنوباً داخل الأراضي السورية، وتسعى لتنفيذ ما يُعرف بـ”ممر داوود”، الذي يمتد من درعا باتجاه الشرق السوري وصولاً إلى منطقة التنف عند الحدود العراقية، مشيراً إلى أن هذا المشروع مطروح على طاولة بنيامين نتنياهو منذ سنوات، وقد مهد له الرئيس الأميركي دونالد ترامب عبر قراره الرئاسي الذي منح الجولان السوري المحتل لإسرائيل.
ا
وشدد القيق على أن من يتابع الإعلام العبري يدرك وجود إجماع داخلي لدى جميع الأطياف السياسية الإسرائيلية، بما فيها المعارضة، على ضرورة ضم الجولان بشكل نهائي إلى إسرائيل، مشيراً إلى أن حتى يائير لابيد، زعيم المعارضة، قال إنه أبلغ مسؤولين إماراتيين بأن على الرئيس السوري أحمد الشرع، إذا أراد البقاء في الحكم، أن يتخلى نهائياً عن فكرة استعادة الجولان.
وأشار القيق إلى أن إسرائيل تخلّت مؤخراً عن فكرة الاتفاقيات، فحتى “اتفاقيات أبراهام” لم تعد من أولوياتها، إذ بات التوجه الإسرائيلي منصباً على التوسع الجغرافي وفرض واقع التقسيم داخل سوريا، بما يتماشى مع رؤيتها لمستقبل المنطقة.
في المقابل، شدد القيق على أن القيادة السورية الجديدة ليست غافلة عمّا يُحاك، بل تدرك أهمية أي نافذة للحوار الدولي، رغم معرفتها بأن فرنسا لا تملك نفوذاً فعلياً في هذا الملف. فالدور الفرنسي، بحسب رأيه، ضعيف ومحدود، في حين أن الولايات المتحدة هي الطرف الوحيد القادر على فرض توجهات حقيقية في الإقليم. ويكفي النظر إلى التجربة اللبنانية، حيث لم تتمكن الوساطة الفرنسية من إحداث أي تقدم، في حين ظل القرار النهائي بيد واشنطن.
وأضاف أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يحاول حالياً استغلال القضية الفلسطينية لتسجيل حضور إعلامي في المنطقة. وخلال زيارته إلى القاهرة، وعد بالاعتراف بدولة فلسطينية، إلا أن الواقع القانوني يُعقّد هذا الأمر، فعدَدٌ كبير من المستوطنين في الضفة الغربية يحملون الجنسية الفرنسية، مما يطرح تساؤلات قانونية صعبة عن مصيرهم في حال تم الاعتراف بدولة فلسطينية على حدود الرابع من حزيران. ويرى القيق أن ماكرون يستخدم هذه التصريحات كأوراق ضغط داخل الاتحاد الأوروبي، سواء في ما يتعلق بالضرائب أو في الملف الأوكراني الذي يواجه فيه تحديات جدية.
وعاد القيق للتأكيد على أن القيادة السورية تدرك تماماً محاولات إسرائيل لاستكشاف مواقفها من خلال هذه اللقاءات، التي قد تُبنى عليها تحركات لاحقة في الميدان. ومع ذلك، لم تُبدِ إسرائيل حتى الآن أي بوادر نية إيجابية تجاه سوريا.
أما الولايات المتحدة، فقد باتت مواقفها غير متوقعة، وقد فوجئ كثيرون. وذكّر القيق بتصريحات أدلى بها فجأة المبعوث الأميركي ويتكوف، حين وصف حركة حماس بـ”الإرهابية”، ولا يستبعد القيق أن يظهر في أي لحظة مسؤول أميركي آخر، كالمبعوث باراك مثلاً، ليصرّح بأن القيادة السورية لا تريد السلام مع إسرائيل، بهدف التحريض ضدها دولياً. مضيفاً: “في هذه المرحلة، كل الاحتمالات مفتوحة من الطرفين الأميركي والإسرائيلي”.
تحصين الجنوب في وجه المخطط الإسرائيلي
بعد جولات التفاوض مع الجانب الإسرائيلي، ومع وضوح وجود مخطط إسرائيلي شامل في سوريا، رأى النيفي أن أمام الحكومة السورية مسارين يجب العمل عليهما بالتوازي، إذ لا يمكن أن تكون المقاربة الأمنية وحدها كافية للوصول إلى حلول حقيقية. فالمعالجات الأمنية، إن لم تُرفد بمسارات اجتماعية وسياسية متكاملة، فلن تؤدي إلا إلى مزيد من التدهور.
وأول هذين المسارين هو معالجة داخلية لمشكلة السويداء، بهدف سحب الذريعة من يد إسرائيل. فليس خافياً أن إسرائيل تسعى لاستثمار أي فراغ أو خلل في الجغرافيا السورية، سواء في مناطق الأكراد أو الدروز أو العلويين. ومن هنا، ينبغي أن تتعامل الحكومة مع هذه الملفات بحكمة وهدوء، بعيداً عن ردود الفعل المتشنجة.
وأضاف: “الدولة لا ينبغي أن تكون خصماً لأي مكون اجتماعي، بل عليها أن تؤدي دور الأب تجاه جميع أبنائها. ويجب أن تُدار هذه الأزمات بصبر ومثابرة، حتى لو فشلت المفاوضات مراراً، فالمهم هو نزع الورقة من يد إسرائيل. إن تحصين الجبهة الداخلية هو الخطوة الأهم”.
أما المسار الثاني، فهو إقناع المحيط الإقليمي والمجتمع الدولي بأن قضية الأمن والاستقرار في سوريا ليست شأناً داخلياً فحسب، بل مسألة تمس الأمن الإقليمي والدولي. فاستقرار سوريا يصب في مصلحة الدول العربية، كما يصب في مصلحة المجتمع الدولي، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الأميركية.
وتابع النيفي: “من هذا المنطلق، تقع على عاتق جميع الأطراف مسؤولية العمل المشترك من أجل تشكيل رادع حقيقي أمام أي مخططات إسرائيلية تستهدف وحدة واستقرار سوريا”.
الجنوب السوري.. أي سيناريو هو الأقرب للواقع؟
في سياق الحديث عن الجنوب السوري، وتحديداً ملف السويداء، أكد الكاتب الفلسطيني محمد القيق أن معالجة هذا الملف تقع بالدرجة الأولى على عاتق الحكومة السورية والمجتمع المحلي، معتبراً أن كل ما يجري هناك ليس بمعزل عن تدخلات إسرائيلية متكررة تسعى إلى افتعال الأزمات وخلق الذرائع، وهو نهج سبق أن استخدمته إسرائيل في فلسطين، ويُعاد توظيفه اليوم في الجنوب السوري.
ومن وجهة نظر القيق، فإن النقطة الثانية الجديرة بالاهتمام هي العلاقة مع تركيا. فكلما اقتربت سوريا من تركيا، ازداد التصعيد في الجنوب السوري بشكل ملحوظ. إذ يبدو أن إسرائيل وبعض الدول العربية باتت ترى أن من مصلحتها دفع سوريا بعيداً عن تركيا. غير أن الابتعاد عن أنقرة لا يعني بالضرورة الاقتراب من تل أبيب، فإسرائيل لا تريد شركاء أو حلفاء إلى جانبها.
وأضاف: “يكفي أن نلاحظ الوضع في الأردن ومصر؛ فبالرغم من علاقاتهما مع إسرائيل، تعيش هذه الدول أوضاعاً داخلية صعبة. فإسرائيل ترى نفسها القوة الأغنى والأقوى في المنطقة، بينما تنظر إلى شعوبها على أنها ضعيفة، مستعبدة، ويجب إخضاعها وإذلالها، وفق منطقها الاستعلائي”.
وشدد القيق على أن إعادة ترتيب البيت الداخلي في سوريا لا يمكن فصلها عن طبيعة العلاقات الإقليمية، وخاصة مع دول ذات تأثير مباشر مثل تركيا. أما الولايات المتحدة، فهي تعتمد حالياً سياسة “الابتعاد المحسوب”، وتتظاهر بالحياد، لأنها لا ترغب بالدخول في احتكاك مباشر، لا سيما أن تركيا عضو في حلف الناتو، وتُفضّل واشنطن أن تُوكل المهام التصادمية إلى أطراف أخرى.
في المقابل، يبدي الأوروبيون قلقاً واضحاً. ومن الضروري أن نكون صريحين في هذا السياق: أوروبا تخشى أنه إذا انفجرت الأزمة السورية من جديد دون وجود ضبط أمني أميركي أو إسرائيلي، فإن ملف اللاجئين السوريين سيعود ليتصدر أولوياتها، ما يشكّل مصدر تهديد كبيراً لها، بحسب القيق.
تلفزيون سوريا
——————————
سمومُ موازينِ القوى/ غسان شربل
29 تموز 2025
أولُ الحكمةِ القراءةُ الدَّقيقةُ في موازين القوى. لا بدَّ منهَا إذا تعلَّق الأمر بحرب أو ثورةٍ أو انقلاب. ميزانُ القوى حكم شبه مبرم يصعب شطبه من الحساب. تجاهله يقودُ غالباً إلى نتائج كارثية. لكن القوة التي تصنعُ الانتصارَ ليست قادرة بالضرورة على ضمان الاستقرار.
قرأَ فلاديمير بوتين ميزانَ القوى. سيرتفع صراخُ الغربِ حين يستيقظ على رؤيةِ الدبابات الروسية تشطبُ ما يسمونه الحدودَ الدولية مع أوكرانيا. لكنَّ حلفَ «الناتو» لن يغامرَ بإرسال قوات للدفاع عن دولة ليست بين أعضائه. ستفرض أميركا عقوباتٍ وتطلق تهديداتٍ، لكنَّها لن ترسل قواتِها لأنَّ قراراً من هذا النوع يوقظ شبحَ الحرب العالمية الثالثة. كانت حساباتُه دقيقةً وها هوَ جيشه يلتهمُ مزيداً من الأراضي بعدما ضمن سيطرتَه على تلك التي ضمَّها إلى روسيا. لكنَّ التجاربَ تقول إنَّ القسرَ والقهر لا يمكن أن يشكلا قاعدةً لاستقرار طويل أو دائم.
لأهلِ الشرق الأوسط حكاياتٌ طويلةٌ مع موازين القوى. في 1967 لم يتوقَّف جمال عبد الناصر طويلاً عند ميزان القوى ومعادلاته. أعلنَ إغلاق مضائق تيران وحشدَ الجيش. كانتِ النتيجة الحرب التي شنتها إسرائيل وأسفرت عن احتلالِ سيناء والضفةِ الغربية ومرتفعاتِ الجولان. ضاعفتِ الحرب الخللَ الفاضح في ميزان القوى.
استنتج أنور السادات أنَّ مصرَ لا تستطيع التعايش مع احتلال سيناء. أعدَّ مع حافظ الأسد حرب 1973. ورغم إنجازات الجيش المصري، أعادت مجرياتُ الحرب تذكيرَه بالحقائق المؤلمة لميزان القوى. أدرك السادات أنَّ استعادة سيناء بالقوة متعذرة، فاختار التَّسليمَ بالتعامل مع وقائع ميزان القوى واستعادَ الأرض من بوابة كامب ديفيد. شنَّ حافظ الأسد حملة قاسية على السادات. لكنَّه سلّم في داخله بقسوة ميزان القوى الذي يمنعه من استعادة الجولان، فاختار التَّعويضَ المتاح وهو «استعادة» لبنان وإدارته والمرابطة فيه.
حين أطلقت حركةُ «فتح» رصاصتَها الأولى في اليوم الأول من يناير (كانون الثاني) 1965، كان ياسر عرفات يحلم باستعادة كامل الأرض المحتلة بفوهة رشاشِه. معاركه الطويلة والمريرة شرحت له وبقسوة، حقيقةَ ميزان القوى الممتد من تل أبيب إلى واشنطن. لهذا رأينا ياسر عرفات يصافح إسحقَ رابين في حديقة الورود بالبيت الأبيض. لهذا رأيناه يقبل بحلم دولة على بعض الأرض رغم قسوة التنازل عن بعضها الآخر.
في مقره الفرنسي، صارحَ الخميني مبعوث صدام حسين. قالَ له إنَّ إسقاط «نظام البعث الكافر» هو البند الثاني في برنامجه بعد إسقاط نظام الشاه. وكانَ حلم الخميني اقتلاع نظام صدام خصوصاً حين رجحت كفة إيران في الحرب مع العراق. لم يسمح ميزان القوى الدولي للخميني بتحقيق حلمه، فوافق على تجرّع سمّ القبول بوقف النار.
في المقابل، لم يلتفت صدام إلى وقائع ميزان القوى حين غزت قواتُه الكويت. لم يلتفت أيضاً إلى ضرورة محاولة تفادي الغزو الأميركي للعراق، معتبراً الأمرَ «معركة كرامة الأمة»، كما قال لصحيفتنا وزيرُ الخارجية اليمني الأسبق أبو بكر القربي.
لنتركِ الماضي إلى الحاضر. حين راح سلاحُ الجو الإسرائيلي يدمر أسلحة «جيش الأسد»، لم يكن أمام الرئيس أحمد الشرع غير التعاطي مع ميزان القوى. لقد تضاعف الخلل في ميزان القوى بعدما تمكَّنت إسرائيل من إخراج إيران من سوريا، ووجهت ضربةً موجعة إلى «حزب الله» اللبناني وقيادته. وحين اندلعتِ الأزمة الأخيرة في السويداء، لم يكن أمام الشرع أيضاً غير الالتفات إلى ما يمليه ميزان القوى.
الرئيس جوزيف عون يختبر مع حكومته قسوةَ ميزان القوى وما طرأ عليه بعد «الطوفان». المسيّرات الإسرائيلية لا تكفُّ عن انتهاك أجواء لبنان وتنفيذ اغتيالات. ويعرف الرئيس أنَّ نزع سلاح «حزب الله» شرط أميركي ودولي لدخول لبنان مرحلة الحصول على المساعدات لإعادة الإعمار. هذا من دون أن ننسى سموم ميزان القوى وما تفرضه على السلطة الفلسطينية.
في الفترة التي أعقبت هجوم «حماس» الشهير في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، أصيبت إسرائيل بجنون الثأر والانتصار. ولا مجال لإنكار أنَّ آلتها الحربية، المدعومة أميركياً، تمكَّنت من تدمير غزة وفرض سيطرتها في أجواء خرائط عدة، كما تمكَّنت من تنفيذ توغلات في أراضي سوريا ولبنان.
ميزان القوى الحالي واضح. لا قدرة للفلسطينيين على استعادة حقوقهم بالقوة؛ لا الآن ولا في مستقبل قريب. يمكن قول الشيء نفسه عن سوريا التي لا بدَّ أن تعطي الأولوية لبناء دولة مؤسسات تحفظ الوحدة والتعايش، وتفتح باب الاستقرار والازدهار. «حزب الله» اللبناني ليس قادراً على إطلاق حرب جديدة ضد إسرائيل، لا الآن ولا في مستقبل قريب.
أمام خللٍ بهذا الحجم في ميزان القوى، لا يملك الفريق الأضعف خياراً غير اللجوء إلى الشرعية الدولية. مبادئ الشرعية الدولية تساعد في الاحتماء من الظلم الذي يفرضه ميزان القوى. ولا بد أيضاً من الذهاب إلى جوهر الموضوع، أي إلى معالجة الظلم اللاحق بالشعب الفلسطيني، والذي كانَ أساس زعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط.
لا يمكن خفض سموم ميزان القوى إلا بالرجوع إلى مبادئ الشرعية الدولية التي تضمن قيام السلام العادل. من هنا أهمية معركة الدولتين التي تلعب فيها السعودية دوراً نشطاً ومؤثراً، كان من آخر نتائجه إعلان الرئيس الفرنسي أن بلاده ستعترف بالدولة الفلسطينية.
سياسات البطش والقوة والإلغاء ستبقي الشرق الأوسط نائماً على براميل البارود، في حين تحتاج دوله إلى التقاط الأنفاس لمحاربة الفقر واستعادة النازحين وخوض معركة التنمية واللحاق بالعصر. الحلّ ليس الاستسلام لإملاءات ميزان القوى. الحلّ هو توظيف كل الأوراق لإنعاش دور الشرعية الدولية.
الشرق الأوسط
—————————-
ثانية واحدة فقط/ غزوان قرنفل
ثانية واحدة فقط هي المسافة الزمنية بين رد الضحية على سؤال القاتل حول من يكون؟ أمسلم هو أم درزي، بعد أن لم يرق له الجواب الأول أنه سوري، وعندما أجابه بأنه درزي، أمطره ورفاقه القتلة بوابل من الرصاص.
ثانية واحدة فقط هي المساحة الزمنية للحياة اللازمة للرد على سؤال قاتل ليس للضحية فقط، بل لوطن كامل لم يعد من السهل إحياؤه.
ثانية واحدة فقط هي الزمن الذي قرر من يعتقد نفسه وكيلًا ونائبًا عن الله أن يمنحه لمقتول لكي يفصح عن هويته الدينية، لأنها بنظره وموازين أحكامه هي الفيصل بين الحق في الحياة أو موجبات الموت.
لم يرق له أن يكون الضحية سوريًا، أراد أن يخلع عنه هذا الانتماء، فأصر عليه أن يجيب عن سؤال الاستباحة أمسلم أنت أم درزي، فالدرزي اليوم مستباح، والعلوي قبله كان مستباحًا، وغدًا لا نعرف من ذاك الذي يتم إدراجه على قائمة الموت والاستباحة.
غدًا ستتصدّر وسائل الإعلام ووسائل التواصل تصريحات ترفض هذا السلوك الإجرامي وتدينه، وسيتنطح بعضهم بالقول إن ذلك السلوك المشين لا يمثل سلطة الدولة، كما لا يمثل بطبيعة الحال دين الإسلام! لكن الجريمة تمت ببساطة على يد قاتل يمثل “الدولة” ويستبيح الحيوات باسم الإسلام، فلا يكفي التنصل من الجريمة في هذا المقام بل ثمة الكثير مما يتعين على السلطة المتنصلة فعله، حده الأدنى نصب المشانق لكل من يستبيح دماء الناس بغير حق، ويقرر أن يجعل من نفسه ملاك الموت يقبض أرواح من يشاء بغير حساب.
لم يكن مفاجئًا، بالنسبة لي على الأقل، أن تعلن اللجنة المكلفة بالتحقيق في أحداث الساحل عن مضمون تقريرها في هذا الوقت بالذات رغم الانتهاء منه منذ وقت ليس بالقصير وفق معلوماتي، فالسلطة المأزومة كانت تحتاج إلى ذلك لتقول وتعزز القول بالفعل إنها لن تغض الطرف عن أي جرائم أو انتهاكات ارتكبت بحق الدروز! كما لم تفعل بحق العلويين، لكن التمحيص والغوص أكثر في مضمون تقرير اللجنة يقطع بما ليس فيه شك أنها لم تكن لتستطيع أن تخرج بنتائج أكثر مما أعلنت عنه لعوامل كثيرة لا تتعلق بالتأكيد بالنزاهة والخبرة القانونية، لكن بوجود سقف لا يجوز لها تجاوزه، هذا السقف يقول إن ما حصل من جرائم وانتهاكات حصل كجرائم انتقام وأفعال فردية لعناصر خالفت أوامر قيادتها العسكرية لا أكثر، وإنه لا أحد من قيادات الداخلية والدفاع مسؤول عن تلك الأفعال التي لم يثبت أنهم أعطوا أوامر بارتكابها بل على العكس يقول التقرير ما فحواه إن تلك الأفعال تمت بسبب مخالفة التوجيهات والأوامر!
لست هنا في وارد جمع ونشر أدلة نفي وإثبات بهدف إدانة السلطة بتلك الجرائم، لكن لملكة العقل قدرة على التحليل والتمييز للقول إن هذه الأفعال والجرائم ما كانت لتتم لولا وجود توجيهات أو غض طرف على الأقل عن تلك الارتكابات والانتهاكات، فالبنية الأمنية والعسكرية للسلطة محكمة الإغلاق ليس فيها هوامش للتفكير وحرية السلوك ما يعزز فرضية علم القادة وقبولهم بما يحصل، ولعل ما وقع خلال أحداث السويداء والتي تكررت فيها ذات السلوكيات والجرائم والمشاهد المروعة ما يؤكد أنها صارت نهجًا معتمدًا لفرض حالة ترويع وإخضاع على كل شخص أو جماعة أو فئة لا تقبل نهج وسياسات السلطة الحالية وتناهضها.
هل من فرصة اليوم للتمهل والتفكير في نتائج وانعكاسات تلك الأفعال على وحدة المجتمع السوري وما تبقى من روابطه الوطنية؟ وهل من فسحة للمراجعة والتأمل إلى أي هاوية ستقودنا إليها تلك السياسات والقرارات والأفعال؟
نحن لا نحتاج اليوم إلى لجنة تحقيق جديدة لتحقق وتتحقق من الجرائم المرتكبة في السويداء ثم تخرج علينا بعد بضعة أشهر بنفس الخلاصات والنتائج، بل ربما نحن بحاجة أكثر إلى لجنة تتحقق من إنسانيتنا ومدى توافقنا مع المواصفات الآدمية.
ليست على المحك اليوم وحدة الجغرافيا السورية فقط، بل أيضًا وحدة السوريين والرابطة الوطنية التي يفترض أن تجمعهم، فلا قيمة للجغرافيا الواحدة إن كان المجتمع متصدعًا ومدمرًا ومشرذمًا ويقتل بعضه بعضًا.
كلنا ستكون حياتنا ثانية واحدة لا أكثر إن لم نخرج من متاهات الهويات الدينية والمذهبية ونضع أرجلنا على عتبة الهوية الوطنية السورية، والحقوق المتساوية بين السوريين، فالأوطان لا تبنى بمنهج القهر والاستحواذ، بل بمنهج الشراكة والعدل.
ثانية واحدة لا أكثر هي ما نحتاج إليه للعبور من نفق التوحش إلى استعادة إنسانيتنا كبشر، فقط علينا أن ندرك ونؤمن أن الآخر بشر مثلنا، وأن له في الوطن تمامًا ما لنا، وله من الحقوق ما هو مماثل تمامًا لما لنا، وأن الله لم يعطِ تفويضًا ولا وكالة لأحد لينوب عنه في فرز خلقه بين الجنة والجحيم.
ثانية واحدة فقط سبقت اعتراف وإقرار آخر درزي ربما بسوريته، ثانية واحدة فقط هي الفارق بين أن تكون بشرًا سويًا أو أن تكون قاتلًا وجبارًا شقيًا.
عنب بلدي
——————————-
دروز إسرائيل وأحداث السويداء… تضامن عابر للحدود وتحوّلات في معادلة الهوية/ محمد نجيب
آخر تحديث 27 يوليو 2025
رام الله- شهدت الأسابيع الثلاثة الماضية تصاعدا غير مسبوق في مشاعر القلق والخوف لدى أبناء طائفة الموحدين الدروز في إسرائيل حيال مصير ذويهم في محافظة السويداء السورية، في ظل موجة العنف والصدامات الدامية التي عصفت بالمحافظة، فأيقظت الروابط العائلية والعاطفية بين دروز الجليل والكرمل والجولان وأبناء عمومتهم في سوريا، لتتحوّل تلك المشاعر إلى تحركات عملية وضغوط شعبية ورسمية قادتها الزعامة الدينية للطائفة الدرزية في إسرائيل على كافة المستويات ووصلت إلى حد مطالبة الحكومة الإسرائيلية بتدخل عسكري مباشر، وقيام حوالي ألف من شبان الطائفة باجتياز الحدود إلى سوريا في محاولة للوصول إلى السويداء للتصدي لقوات الأمن السورية ومسلحي العشائر الذين تتهمهم بارتكاب أعمال عنف وتنكيل بأهالي المحافظة، بينما أعادت هذه التطورات طرح أسئلة جوهرية حول عمق العلاقة بين دروز إسرائيل ودروز سوريا، وحدود التدخل الإسرائيلي لحماية هذه الأقلية، وتداعياته الإقليمية والداخلية.
ويتجاوز التضامن الدرزي مع السويداء منطلقات التعاطف، إذ يستند إلى “روابط دم وقرابة” تجعل أكثر من نصف عائلات الدروز في إسرائيل على صلة مباشرة بأقاربهم من الدرجة الأولى أو الثانية في سوريا يوميا، فيما يكرّس مفهوم “حفظ الإخوان” في العقيدة الدرزية واجب التضحية من أجل أبناء الطائفة أينما وجدوا، كما يعتبر الدروز أنفسهم مجتمعا عابرا للحدود فيما تعزز ذاكرتهم الجمعية مشاعر الخوف من تكرار المجازر التاريخية التي تعرضوا لها في سوريا، مثل أحداث جبل الدروز عام 1860 وأحداث إدلب عام 2015.
لقد شهدت أشكال تضامن دروز إسرائيل مع ذويهم في سوريا، وتحديدا في محافظة السويداء، تطورا غير مسبوق هذه المرة. ففيما كانت تقتصر فعاليات وتحركات التضامن في السنوات الماضية- وآخرها خلال موجة احتجاجات في السويداء ضد نظام الأسد عام 2024- على بيانات الشجب والاستنكار وتنظيم المسيرات والفعاليات الخيرية، إلى جانب مبادرات شبابية لجمع التبرعات برعاية المجلس الديني الأعلى للطائفة بقيادة الشيخ موفق طريف-الذي كان يطالب الحكومة الإسرائيلية السماح بحذر بإيصال مساعدات طبية وغذائية عبر الجولان وسط مخاوف من أن يُفسر أي تدخل إسرائيلي كدعم سياسي أو عسكري ضد النظام السوري، ما قد يجلب مخاطر أمنية على الدروز هناك- فإن سقف المطالب هذه المرة بلغ حدا غير مسبوق، حيث إنه للمرة الأولى، لم يعد الحديث مقتصرا على الإغاثة أو المسيرات الاحتجاجية، بل امتد للمطالبة العلنية بتدخل عسكري إسرائيلي مباشر، بل واقتحام الحدود من قبل عشرات الشبان الدروز الذين وصلوا حتى بلدة حضر في تحوّل نوعي لم يسبق أن عرفته علاقة الدروز في إسرائيل مع ملف السويداء من قبل.
ويبلغ عدد الدروز في إسرائيل اليوم حوالي 140 ألف نسمة، يعيش معظمهم في الجليل والجولان، وينقسمون بين من يحمل الجنسية الإسرائيلية (دروز الجليل والكرمل) ومن يرفضها (دروز الجولان المحتلة منذ 1967(، فيما فرض التجنيد الإجباري منذ 1956 عليهم مؤسسا لعلاقة فريدة مع الدولة العبرية عُرفت بـ”حلف الدم”، وبالرغم من اندماج الدروز في الجيش الإسرائيلي ومؤسسات الدولة وتوليهم مناصب عسكرية وسياسية ووزارية رفيعة، ظل الحلف مثار نقاش داخلي، إذ بينما يستمر دروز الجليل والكرمل في شراكتهم مع إسرائيل، يصر دروز الجولان (25 ألفا تقريبا) ويعيشون في أربع بلدات وقرى هي: مجدل شمس ومسعدة وبقعاتا وعين قنية، على رفض الجنسية الإسرائيلية، متمسكين بهويتهم السورية وولائهم لدمشق مما أوجد هوة عميقة في الموقف بين شقي الطائفة في إسرائيل، بينما تعمق الجدل داخل الطائفة الدرزية حول “حلف الدم” مع تكرار الأزمات الكبرى في سوريا ولبنان التي كشفت محدودية الدعم الإسرائيلي للدروز، حيث تظل مصالح الدولة العبرية فوق أي اعتبار عاطفي أو ديني، ومع صعود جيل شاب أكثر وعيا بالمواطنة المتساوية وأقل ميلا للتبعية المطلقة، تحدث نقاشات داخلية حول مستقبل الهوية الدرزية داخل إسرائيل وخارجها، فيما تزداد الدعوات لمراجعة العلاقة مع إسرائيل على أسس برغماتية توازن بين الواقع والمصالح.
وبينما تلتزم إسرائيل عادة بتبني موقف “المراقب القلق” والإعلان عن “تضامنها الإنساني” في ملف السويداء، مع الحرص على عدم الانخراط العسكري المباشر لتفادي مواجهة مع النظام السوري السابق، وروسيا وإيران اللتين كانتا حاضرتين بقوة في الجنوب السوري آنذاك، أو منح نظام الأسد البائد ذريعة لقمع الدروز واتهامهم بالعمالة لإسرائيل، غير أن تصاعد الضغوط الدرزية الداخلية دفع إسرائيل، لأول مرة، لاستخدام سلاح الجو في قصف مواقع سيادية في دمشق دعما للدروز، وهو تطور اعتبره عدد من قادة الطائفة “إنجازا عظيما”.
لقد أعادت أحداث السويداء الأخيرة جراح الهوية والانتماء لدى دروز إسرائيل للسطح، فقد رأى كثيرون منهم أن حصار واستهداف السويداء يحيي هواجس “الأمن الوجودي”، وخذلان الدول للأقليات عند الأزمات كما أدركت الطائفة بوضوح أن إسرائيل تتعامل معها بعقلية الدولة ومصالحها، مما يحتم عليهم إعادة صياغة علاقتهم بالدولة العبرية على أسس برغماتية مصلحية وواقعية في الوقت الذي ترتفع فيه أصوات درزية مؤثرة داخل إسرائيل لتحذر من الإفراط في الرهان على أي نظام أو دولة، مؤكدة أهمية بناء قوة ذاتية للطائفة، مدعومة بعلاقات إقليمية وخارجية، تضمن حماية هويتها المستقلة وصون مكانتها، فيما يعكس الموقف الدرزي في إسرائيل تجاه أحداث السويداء تداخل الهويات العابرة للحدود مع ضرورات السياسة الواقعية. فبينما يدفعهم الإرث التاريخي وروابط الدم إلى الضغط لدعم إخوتهم السوريين، فإنهم يدركون بدقة حدود هذا الدعم ويسعون لإدارته بحذر، فيما تسعى إسرائيل في المقابل إلى الموازنة بين احتواء الطائفة داخليا وتجنّب أي تصعيد خارجي أو توتير علاقتها مع حلفائها، وعلى رأسهم الرئيس الأميركي دونالد ترمب. وفي خضم هذه المعادلة المعقّدة، تراجع مفهوم “حلف الدم” الذي طبع علاقة الدروز بالدولة العبرية لعقود، ليحلّ مكانه ما يصفه الجيل الجديد بـ”حلف الحياة”، وهو أقرب إلى شراكة مشروطة وحسابات مصالح، لا إلى التزام مصيري مفتوح كما كان في الماضي.
لقد أثارت الفيديوهات المتداولة والقادمة من السويداء حول قيام مسلحي قوات الأمن السورية الرسمية وشبان العشائر بحلق شوارب شيوخ ورجال الدروز غضب أبناء الطائفة الدرزية في إسرائيل الذين استنكروا بشدة تلك الأفعال، وفيديوهات يظهر في إحداها طبيبان يُلقَيان من الطابق الرابع على أيدي مسلحين قبل أن يتم إطلاق النار عليهم غضب الدروز في إسرائيل الذين يُعتبرون اليوم الأكثر قدرة على دعم إخوانهم في سوريا ماليا وعسكريا وسياسيا، بعد أن استُنفدت الاستغاثات بدروز لبنان، فيما شكلت أحداث الساحل السوري- حيث قتل أكثر من 1400 علوي درزي، وتفجير الكنيسة في دمشق- كابوسا مرعبا في نفوس دروز إسرائيل. كما لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دورا بارزا في كشف حجم ما يرتكب من انتهاكات بحق ذويهم بالسويداء، فيما يقول أحد الناشطين الدروز في دالية الكرمل لـ”المجلة” إن النظام الجديد في سوريا يعامل الدروز مثل النظام القديم مع اختلاف اللغة، “نظام الأسد استخدم لغة علمانية، أما نظام الشرع فيستخدم لغة دينية”، مضيفا “ثمانون في المئة من مجتمع السويداء علمانيون من محامين وأطباء وفنانين ومهندسين لا يحملون السلاح، ولو كانوا جميعهم مسلحين لما تجرأت أي قوة أمنية على استهدافهم”.
من جهته، أعرب الزعيم الروحي للطائفة الدرزية في إسرائيل الشيخ موفق طريف عن قلقه العميق من استمرار الاشتباكات في السويداء وقال في تصريح خاص بـ”المجلة”: “نحن قلقون جدا لأن وقف إطلاق النار يُنفَّذ من جهة واحدة، فيما المعارك تدور في بيوتنا وبين أهلنا”. وأضاف: “نأمل من الجميع الالتزام بوقف إطلاق النار، ويكفي ما أُهدر من دماء”.
وأكد طريف أن الشعب السوري دفع ثمنا باهظا عبر سنوات طويلة من الحرب والمعاناة، مشددا على أنه قد حان الوقت ليعيش بكرامة واحترام. أما عن موقفه من الحلول المتداولة، فأكد الزعيم الروحي للطائفة الدرزية قائلا: “نحن مع وقف إطلاق النار ونريد السلام، وأن تعيش السويداء ودرعا ودمشق وعموم سوريا بكل سكانها وطوائفها بكرامة واحترام”.
وتسعى إسرائيل إلى فرض معادلة أمنية جديدة في جنوب سوريا عبر إنشاء منطقة عازلة خالية من الأسلحة الثقيلة والمتوسطة وتخلو من عناصر الجيش السوري، مكتفية بوجود ضباط أمن محليين يقومون بخدمة السكان، حيث تقع محافظة السويداء– أكبر معاقل الدروز في سوريا حيث يبلغ تعداد سكانها 700 ألف نسمة– في صلب هذا المخطط، في محاولة لتطبيق العقيدة الأمنية الإسرائيلية الحديثة التي تقوم على “حماية الحدود من داخل أراضي الآخرين”، لمنع أي مباغتة كالتي حدثت في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 في غزة.
وجاءت الهجمات الإسرائيلية الأخيرة داخل دمشق والسويداء لتحقيق هدفين: إرضاء الدروز من جهة وتوجيه رسالة واضحة لنظام أحمد الشرع بأن الغطاءين العربي والدولي لن يوفرا له الحماية الدائمة. بينما أثارت عمليات التنكيل بالدروز خوف وقلق الأكراد في سوريا، حيث فهموا أن ما حصل من تنكيل ضد دروز السويداء قد يتكرر بحقهم وربما بصورة أشد.
يُقدّر عدد الدروز في سوريا ولبنان والأردن وإسرائيل بحوالي مليون ونصف المليون نسمة، وعلى عكس ما يُشاع، يؤكد قياديون دروز لـ”المجلة” أن دروز السويداء لا يسعون للانفصال أو إقامة كيان مستقل وأنه “لا طموح وطنيا أو دينيا لدى الدروز بإنشاء دولة أو الانفصال عن سوريا، فدينيا مطلوب منا موالاة الدولة التي نعيش فيها، فيما تركز عقيدتنا على قدسية الأرض والعرض والدين بالتساوي”، حسب ما قال أحد نشطاء دروز إسرائيل في دالية الكرمل لـ”المجلة”.
كما يرفض دروز إسرائيل فرض الوصاية على نظرائهم في سوريا “نحن لا نملي على دروز سوريا ماذا يفعلون بخصوص مصيرهم وعلاقتهم مع الدولة الأم، بل نسألهم كيف يمكننا مساعدتكم ودعمكم، ولا نتدخل في قراراتهم، فإن قرروا الاندماج سنبارك، وإن احتاجوا دعما عسكريا أو ماليا أو إغاثيا سنهب لمساعدتهم”. وأضاف الناشط ذاته، مشيرا إلى الثمن الباهظ الذي دفعه الدروز في خدمة إسرائيل، حيث يقول لـ”المجلة”: “إسرائيل ساعدتنا في سوريا لأننا خدمنا أمنها، حيث قتل من أبناء الطائفة حتى الآن 450 جنديا في معارك غزة ولبنان وسوريا، وهي ليست معارك الطائفة الدرزية، لذلك إسرائيل ملزمة وتستطيع مساعدتنا، لكننا لم نطلب منها احتلال السويداء”.
وكان كل من الشيخ موفق طريف وصالح طريف-الشخصية القيادية البارزة في الطائفة الدرزية بإسرائيل- سلما الثلاثاء 23 يوليو/تموز رسالة إلى السفير الأميركي في تل أبيب مايك هاكابي موجهة للرئيس دونالد ترمب تطالبه بالتدخل والضغط على نظام الشرع لوقف استهدافه للدروز في جنوب سوريا، فيما كانت قيادة الطائفة قد توجهت في الأعوام الماضية إلى الروس والبريطانيين والفرنسيين للتدخل وحماية دروز سوريا من استهداف نظام الأسد لهم.
وقال صالح طريف، في حديثه إلى “المجلة” إن “الدروز يرفضون العيش تحت الذل ولو دفعوا حياتهم ثمنا للكرامة”، محذرا من تفاقم معاناة الدروز في سوريا تحت حكم النظام الجديد، ومؤكدا أنهم يواجهون بطشا وتنكيلا غير مسبوقين “كنا على تواصل مع رموز النظام السوري الجديد، وتمنينا أن يحمل عهدا مختلفا، لكنه جاء أصعب مما توقعنا، حيث تتعرض الأقلية الدرزية للقمع ونحن غاضبون من سياسة النظام الجديد”. وقال طريف، موضحا أن الدروز انخرطوا في المظاهرات الاحتجاجية ضد نظام الأسد منذ عام 2014، ولا يزالون يسعون لإيجاد صيغة تضمن لهم البقاء في وطنهم دون المساس بكرامتهم: “كل جبل العرب يتفاوض مع النظام الجديد من أجل خلق تفاهمات تعايش مشترك، ونحن لا نسعى للانفصال أو إقامة دولة مستقلة، لكن لا نقبل أن نعيش تحت الذل، حتى لو تطلب ذلك أن نضحّي بحياتنا”.
ودعا طريف المجتمع الدولي، وعلى رأسه الولايات المتحدة، إلى التدخل لوقف ما وصفه بـ”إبادة أبناء الأقلية الدرزية”، قائلا: “الرئيس ترمب يستطيع وقف المجازر بحق الدروز في لحظة لو أراد ذلك، وإذا تم تجاهل ما يقوم به الحكم في دمشق، فستطال هذه الجرائم الأقليات الأخرى مثل المسيحيين والأكراد”، معبرا عن فقدان الدروز الثقة في الحكم السوري الجديد، قائلا: “لا نسعى لإسقاط النظام، لكننا خائفون منه، لأنه لم يلتزم بأي تفاهمات أو اتفاقات أبرمناها معه”، مؤكدا التزام قيادة الطائفة الدرزية بمحاولة وقف نزيف الدم عبر التفاوض، قائلا: “نحن نتعهد ببذل كل ما في وسعنا للوصول إلى تفاهم يحفظ حياة الدروز، لكن الكرامة خط أحمر”.
واعتبر قيام إسرائيل بقصف أجزاء من وزارة الدفاع السورية ومحيط القصر الرئاسي في دمشق في السادس عشر من يوليو إنجازا كبيرا لدروز إسرائيل حيث شكل ذلك أول مرة يستخدم فيها سلاح الجو الإسرائيلي لضرب أهداف خارج حدود إسرائيل دون أن تكون هنالك حاجة أمنية إسرائيلية وراء ذلك، وإنما بهدف إيصال رسالة ردع للقيادة السورية للتوقف عن استهداف أبناء الطائفة الدرزية في محافظة السويداء.
في المقابل هناك من يرى أن الخطوة الإسرائيلية كانت محدودة التأثير خاصة بعد أن طلب ترمب من إسرائيل عدم تكرار ذلك، إذ يقول أحد المراقبين الذي فضل عدم ذكر اسمه في تصريح لـ”المجلة” إن المساعدة العسكرية الإسرائيلية لدروز سوريا، والتي جاءت استجابة لطلب وإلحاح دروز إسرائيل، كانت ذات طابع رمزي لم يكن له أثر فعلي في وقف معاناة أهالي السويداء أو حمايتهم من حملات التنكيل المستمرة، بل على العكس أسهمت تلك الخطوة في الإضرار بصورة وسمعة الدروز هناك، وجعلتهم في موقف أكثر حرجا وتعقيدا، فيما يعتبر أحد نشطاء الطائفة في دالية الكرمل “الخطوات التي اتخذتها إسرائيل حتى الآن لا ترقى لتطلعات الدروز، فهي لا تتجاوز كونها مسكنات مؤقتة”، مشيرا إلى أن دعم نتنياهو وحكومته لدروز إسرائيل جاء فقط لحفظ ماء الوجه ومحاولة تعويضهم عن تداعيات “قانون القومية”، مضيفا: “ننتظر من الجيش الإسرائيلي موقفا أكثر جدية وفعالية، وإلا فلن يكون أمامنا خيار سوى حمل السلاح بأنفسنا والتوجه إلى السويداء لنصرة أهلنا هناك”.
ويختلف موقف دروز الجليل والكرمل عن موقف دروز هضبة الجولان المحتلة حيث إن دروز الجليل والكرمل هم مواطنون إسرائيليون كاملو الحقوق إلى حد ما، يتقنون العبرية، منخرطون في الجيش ومؤسسات إسرائيل، أغلب زعاماتهم الدينية ممثلة في المجلس الروحي الأعلى برئاسة الشيخ موفق طريف، فيما علاقتهم مع الدولة تقوم على شراكة تاريخية متواصلة منذ نشأة إسرائيل، ما يجعل مواقفهم متسقة مع السياسات الإسرائيلية حتى في القضايا الخارجية، أما دروز الجولان فلا زالوا يرفضون الجنسية الإسرائيلية ويتمسكون بهويتهم السورية، بينما مشاركتهم محدودة في مؤسسات الدولة، ويُنظر إليهم في إسرائيل كجماعة معزولة سياسيا، يتواصلون مع السويداء مباشرة، فيما توجهاتهم السياسية أقرب لدمشق منها لتل أبيب، إلا أنهم هذه المرة أجمعوا أكثر من أي وقت مضى على ضرورة الهبة لنجدة أهاليهم في محافظة السويداء.
ووصف حسون حسون أحد الشخصيات القيادية الدرزية البارزة في الجليل في حديث لـ”المجلة”: “نحن الدروز شاركنا في تحرير سوريا، وسبق أن عشنا تحت حكم ديكتاتوري، وبينما قبل حِكمت الهجري والدروز بالبقاء تحت الحكم الحالي، لكنهم لن يقبلوا أبدا تغيير ديانتهم أو اعتبارهم كفارا”.
وتحدث حسون عن سلسلة انتهاكات طالت الدروز في السويداء، قائلا: “سلّمنا الحكم في دمشق 300 مختطف في السويداء، لكنه لم يمنحنا شيئا في المقابل، وبعد الهدنة انسحبت قواته لتعود متخفية بثياب أخرى وتستأنف التنكيل بأبناء الطائفة وإحراق المنازل وسرقة وتدمير آبار المياه والمستشفيات والمطاحن”، مشيرا إلى التعقيدات الإقليمية المحيطة بالقضية الدرزية “واشنطن وضعت استهداف سوريا عسكريا من قبل إسرائيل كخط أحمر ونتنياهو لا يريد إغضاب ترمب لأنه بحاجة لدعمه في حربه ضد غزة وإيران”.
وتطرق حسون- الذي شغل منصب السكرتير العسكري لرئيسي إسرائيل السابقين شمعون بيريس ورؤوفين ريفلين، إلى الدور الإسرائيلي، مشيدا بعملية قصف مواقع سيادية في دمشق دعما للدروز “قيام سلاح الجو الإسرائيلي بقصف مواقع سيادية في دمشق من أجل الدروز كان إنجازا عظيما ووفاء أخلاقيا إسرائيليا للطائفة، حيث تدرك إسرائيل جيدا أنه إذا تم تطهير سوريا من الدروز فستتحول إلى دولة داعشية تهدد أمن إسرائيل”، فيما كشف عن هشاشة الاتفاقات الموقعة بين الدروز ودمشق في الآونة الأخيرة “في الأسبوعين الأخيرين وقعنا ثلاثة اتفاقات مع النظام، لكن لم يصمد أي اتفاق منها أكثر من ساعتين”.
وكان دروز إسرائيل قد طلبوا نقل مواد الإغاثة الإنسانية لذويهم في محافظة السويداء عبر مروحيات إسرائيلية على أن تلقى المساعدات ليلا لتقل ملاحظتها من قبل العامة، فيما حاول عدد منهم إقناع إسرائيل باستخدام مروحيات تابعة للجيش الأميركي موجودة في قاعدة عسكرية بإسرائيل للقيام بنفس المهمة منعا للإحراج إلا أنه تم رفض طلبهم من قبل الأميركيين.
يعيد دروز إسرائيل اليوم ومن قلب العاصفة تعريف دورهم وحدود رهانهم، ليؤكدوا أن بقاءهم مرهون بإرادتهم الجماعية وصلابتهم في مواجهة عواصف السياسة والجغرافيا.
لقد شكلت أحداث السويداء وتداعياتها لحظة تحول مفصلية في وعي وهوية الدروز في إسرائيل والمنطقة، فبين مطالبات التدخل، وحذر إسرائيل في دعمهم تتبلور لدى الطائفة معادلة برغماتية جديدة؛ شراكة مشروطة مع إسرائيل، وتضامن عابر للحدود مع الدروز في سوريا، ووعي متزايد بأن الحماية الدائمة للأقليات لا تُبنى فقط على التحالفات مع الدول، بل على تطوير قوة ذاتية مستقلة وشبكات دعم إقليمية ودولية.
فبينما رُوّج لـ”حلف الدم” كمحور رئيس لعلاقة دروز الجليل والكرمل مع إسرائيل، فإن السنوات الأخيرة أظهرت أن هذا الحلف ذو طابع سياسي مصلحي، وليس التزاما أخلاقيا مطلقا، فحيث أتاحت الخدمة العسكرية الإلزامية للدروز، وشراكتهم في أجهزة الأمن لهم فرص المشاركة المجتمعية، لكنها لم تزل إحساس التمييز أحيانا في توزيع الميزانيات أو فرص التنمية في قراهم، ولقد ناشد دروز إسرائيل سابقا قوى كبرى كروسيا وبريطانيا وفرنسا لحماية ذويهم في سوريا، واليوم يرون أن معركتهم من أجل البقاء لا تزال مفتوحة على كل الاحتمالات، وأنهم سيظلون– كما في الماضي– ثابتين في أرضهم مهما تغيرت الأنظمة والأعلام، فيما يشعرون بالغضب والاستياء من غياب أية تظاهرات عربية تضامنية معهم ضد استهداف أهاليهم في السويداء، حتى من قبل الفلسطينيين داخل إسرائيل.
المجلة
—————————-
اتفاق السويداء… بنود “سرية” يعلنها “واقع جديد”/ اسماعيل درويش
لم يفرض من مركز الدولة إلى الأطراف بل بتوافق إقليمي وهذا بحد ذاته سابقة
الأحد 27 يوليو 2025
ملخص
لا يزال الاتفاق غامضاً في تفاصيله، وتنشر بنوده وسائل إعلام دون تأكيد رسمي، في حين يرى مراقبون أن دمشق مصرة على حصر السلاح بيد الدولة، وبدأت بالتعاون مع التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب وتنسق سياسياً مع إسرائيل، وتحظى بدعم عربي وإقليمي واسع النطاق.
في تغريدة على حسابه الرسمي عبر منصة “إكس”، أعلن المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم براك “توصل سوريا وإسرائيل إلى اتفاق وقف لإطلاق النار”، بعد تصعيد غير مسبوق في الجنوب السوري بين قوات الحكومة ومسلحي حكمت الهجري، إلا أن براك لم يوضح تفاصيل وماهية هذا الاتفاق، لكن ما لفت نظر المراقبين للمشهد هو أن مبعوث ترمب عد طرفي الصراع هما سوريا وإسرائيل، على رغم أن الأخيرة لم تكن بالأصل طرفاً وإنما نفذت ضربات دعماً لمسلحي الهجري بدعوى “حماية الدروز”، وفي جميع العمليات العسكرية التي شهدها الجنوب السوري بعد إعلان براك لم تنفذ أية ضربات في سوريا، واقتصر دعمها للهجري بالتصريحات الإعلامية والسياسية.
حتى لحظة إعداد هذا التقرير لم يصدر توضيح رسمي من أي طرف حول بنود الاتفاق الذي يبدو مبهماً، في ظل تطورات سياسية متسارعة توجت بلقاء بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ووزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي رون ديرمر في باريس، لكن هدوءاً على الأرض مستمر منذ أيام يؤكد أن الأطراف بالفعل اتفقت على إنهاء الصراع.
ميداني جديد
بحسب مصادر “اندبندنت عربية”، فإن الاتفاق يتضمن حل الفصائل الخارجة عن القانون ودمج من يرغب منها في لجان محلية تحت رقابة مجتمعية، وتقليص دور الأجهزة الأمنية الرسمية ميدانياً مقابل دور رمزي غير تدخلي، وحصر الوضع الأمني في المحافظة ضمن أطر محلية مع ضمان عدم استهداف الدولة أو مؤسساتها، والالتزام بعدم تهريب السلاح والمخدرات، وتشكيل لجنة مجتمعية مدنية تتولى التواصل مع السلطة، وعدم وجود أي دور عسكري للجيش السوري في مدينة السويداء.
هذه البنود أو غيرها من التسريبات الكثيرة التي نشرتها وسائل الإعلام لا يوجد تأكيد رسمي لأي منها، لكن الواقع يشير إلى أن اتفاقاً رسم واقعاً ميدانياً جديداً في المحافظة، فكيف ستتعامل السلطة معه وكيف ستعيد ترتيباتها العسكرية والسياسية؟ وكيف ستتعامل مع العناصر المنفلتة، خصوصاً بعد انتشار تسجيلات مصورة لبعض الانتهاكات، مما دفع وزارة الداخلية لإصدار بيان يدين هذه الانتهاكات ويتعهد بالمحاسبة.
موقف غير تقليدي
الباحث والصحافي السوري أسامة الأحمد يقول إن “السلطة السورية تجد نفسها اليوم أمام موقف غير تقليدي، فالاتفاق لم يفرض من مركز الدولة إلى الأطراف بل تم بتوافق إقليمي، وهذا بحد ذاته سابقة، والآن الدولة السورية أمام خيارات محدودة أولها القبول بالأمر الواقع واتباع سياسة الاحتواء، وبذلك تستطيع دمشق إعادة ترتيب وجودها العسكري في الأطراف لا في المركز، وتراقب الاتفاق من بعيد من دون تدخل مباشر، وتحافظ على قنوات تواصل مع الزعامات المحلية لضمان الحد الأدنى من السيطرة، خصوصاً مع وجود وجهاء دروز مؤيدين للسلطة في دمشق، ويعارضون ما قام به حكمت الهجري، وعلى وجه الخصوص بعد استعانته بإسرائيل”.
ويوضح الأحمد أنه “على الصعيد العسكري قد تختار دمشق خطة إعادة الانتشار من دون الدخول في صدام، بمعنى آخر تعزيز وجودها العسكري في أطراف السويداء مثل مناطق صلخد وشهبا والحدود الإدارية مع درعا، وتقوية النقاط الثابتة حول اللواء 52، ومراقبة البادية من جهة تل أصفر، وأيضاً بالإمكان نشر وحدات استخباراتية يمكنها مراقبة المشهد عن قرب”.
ويرى الأحمد أن “الخلافات الداخلية بين فصائل مدينة السويداء نقطة في غاية الأهمية، وتصب في مصلحة الحكومة بصورة مباشرة، ويمكنها استثمار ذلك من خلال مواصلة دعم الشخصيات التي تدعو للعودة الكاملة إلى الدولة مثل الشيخ ليث البلعوس”.
مكافحة العناصر المنفلتة
وفي ما يتعلق بالعناصر المنفلتة، يرى الباحث السوري أن “هذه العناصر تحد كبير أمام الحكومة، لأنها تسيء لسمعتها، وكذلك تتسبب في تأليب الرأي العام، ويمكن للحكومة إذا حصلت على مزيد من الاستقرار حل مشكلة هؤلاء العناصر، لكن السؤال الجوهري هو هل تنوي الدولة فعلاً محاربة هذه الظاهرة؟ فالقدرة على تحييدهم تنبع من الجواب عن هذا السؤال، أعتقد أن الدولة لا تزال قوية بما فيه الكفاية، وقادرة على ضبط العناصر المنفلتة في حال قررت ذلك، وهذا لا يعني أن دمشق تدعم العناصر المنفلتة بل أرى أنها تتغاضى أحياناً، وربما قد يكون سبب تغاضيها هو انشغالها بمسائل أهم تخص الأمن القومي للبلاد بعدما تحولت قضية السويداء من شأن محلي إلى إقليمي، وهو أمر ليس بمصلحة أي من الطرفين، بالنسبة إلى الحكومة كونها وصلت إلى مرحلة مواجهة مباشرة مع إسرائيل وهي لا تريد ذلك على الإطلاق، وبالنسبة إلى فصائل السويداء كونها سقطت أخلاقياً من عيون السوريين بسبب الاستعانة بإسرائيل، كون المواطن السوري يرى في إسرائيل عدواً طالما اعتدى على سوريا، وبالتحديد على العاصمة دمشق”.
عمليات أمنية وعسكرية
المحلل العسكري العقيد عبدالله الأسعد يقول إن “المنطقة ستشهد عمليات عسكرية وأمنية ضد العناصر المنفلتة وضد التنظيمات الإرهابية، وستكون العملية ضد كل السلاح الخارج عن سلطة الدولة، ويمكن دمج العناصر المنفلتة التي لم تتلطخ يدها بالدماء ضمن جسم الدولة السورية بهدف ضبط الجميع”.
قبل أن تنتهي عملية دفن ضحايا أعمال العنف التي جرت في السويداء، أعلنت القيادة المركزية الأميركية أنها نفذت عملية ضد تنظيم “داعش” الإرهابي في مدينة الباب بمحافظة حلب شمال سوريا، موضحة في بيان رسمي أنها تمكنت من قتل “القيادي البارز في تنظيم “داعش” ضياء زوبع مصلح الحرداني، وابنيه عبدالله ضياء الحرداني وعبدالرحمن ضياء زوبع الحرداني، إذ شكلت تلك العناصر تهديداً للقوات الأميركية وقوات التحالف، وكذلك للحكومة السورية الجديدة”، وفق البيان الأميركي.
من هو ضياء زوبع؟
بالمتابعة الميدانية، أكدت مصادر مقتل ضياء الزوبع وأفراد من عائلته، موضحة أن الزوبع يتحدر من قرية الرمانة في ريف محافظة الأنبار العراقية، وانضم إلى تنظيم “داعش” الإرهابي قبل نحو 15 عاماً، وتدرج في المناصب القيادية حتى أصبح الرجل الثاني في التنظيم بمنطقة البوكمال شرق دير الزور، ويعرف الزوبع باسم “أبو فاطمة الحرداني”، وشغل خلال عام 2015 منصب “أمير القاطع الغربي لولاية الفرات”، وعمل في تهريب السلاح والمخدرات، وهو معروف بين أبناء ريف دير الزور الشرقي بسبب كثرة الانتهاكات والاستيلاء على ممتلكات الأهالي خلال فترة سيطرة التنظيم على المنطقة، وبعد هزيمة التنظيم عام 2019، اختفى الزوبع وسط شكوك بأنه قتل، قبل أن تتمكن معلومات استخباراتية من تحديد موقعه في منطقة الباب، وتنفيذ العملية الأخيرة التي أسفرت عن مقتله”.
العملية التي نفذت أخيراً، هي أول عملية مشتركة بين قوات التحالف الدولي والحكومة السورية الجديدة، ولعلها أول عملية مشتركة بين سوريا والولايات المتحدة، كون الحكومات السورية السابقة لم تكن تتعاون مع الولايات المتحدة في ملف مكافحة الإرهاب، هذه العملية حملت رسائل متعددة أبرزها أن “العمليات الأمنية ضد التنظيمات الإرهابية ستتواصل على رغم كل ما جرى في السويداء، وثانيها قد تكون رسالة لقوات سوريا الديمقراطية بأن التحالف الدولي بدأ بالفعل بالعمل على الأرض مع الحكومة السورية، مما من شأنه أن يسرع عملية اندماج ’قسد‘ بالدولة السورية”.
في الوقت ذاته، يرى مؤيدو الحكومة السورية أن “هذه العملية بداية لعمليات أخرى تهدف للقضاء على أي تهديد إرهابي في سوريا، وستشمل أيضاً العناصر المنفلتة، وحصر السلاح بيد الدولة”.
إذاً، هناك اتفاق أمني في السويداء، باطنه غامض وظاهره تقويض سلطة الدولة السورية جنوب البلاد، وتزامناً مع هذا تواجه الحكومة تحدياً في انتشار ظاهرة العناصر المنفلتة، ووجود خلايا لتنظيم “داعش” الإرهابي، لكن بالتوازي مع ذلك تنفذ قوات التحالف الدولي بالتعاون مع الحكومة السورية عملية ضد “داعش”، وفي عالم السياسة تستضيف باريس لقاء رفيع المستوى هو الأول من نوعه منذ 25 عاماً بين وزير سوري وآخر إسرائيلي، وعلى رغم كل التصعيد تبرز قوى إقليمية مثل تركيا والسعودية والأردن تتفق على ضرورة الحفاظ على وحدة سوريا وسيادتها الإقليمية واستقرارها، وتتطلع لبرنامج تنموي يعيد إعمار البلاد.
——————————–
كيف يقرأ الأردن نيران السويداء؟/ طارق ديلواني
عمان على خط التماس ومدينة الأزرق على بعد 60 كيلومتراً منها
الثلاثاء 22 يوليو 2025
ملخص
عزز الأردن وجوده الأمني على الشريط الحدودي مع سوريا وخصوصاً في المناطق المقابلة للسويداء، وقيد حركة العبور لمنع امتداد النزاع إليه. وقلل مراقبون من أي تأثيرات داخلية خصوصاً أن المجتمع الأردني متماسك وبعيد من انقسام الهويات الطائفية، وعد محللون أن السلوك الإسرائيلي في سوريا يهدد الأردن وأن المصلحة الاستراتيجية الأردنية هي وحدة الدولة السورية.
أرخى تمدد نيران المواجهة في محافظة السويداء السورية، بظلاله الثقيلة نحو الجنوب، حيث يقف الأردن على مسافة جغرافية قصيرة، ولكن على مفترق سياسي وأمني حساس.
فمدينة الأزرق الأردنية، ذات الغالبية الدرزية، التي تلاصق السويداء وتقع على بعد أقل من 60 كيلومتراً منها، لم تعد تراقب الحدث من بعيد، بل باتت شريكة في القلق، ومرآة لانفعالات اجتماعية تنذر باهتزازات داخلية أردنية.
وعلى وقع هذه المخاوف، برز بعض المؤشرات المقلقة في عمان كان من أبرزها احتجاج سريع ومحصور في مدينة الأزرق، قابله بيان منسوب للعشائر الأردنية لم تتبنه أي جهة رسمية، ولم يتم التأكد من صحته، في وقت ينظر فيه الأردن الرسمي إلى كل ما يحدث بحذر وقلق في موازاة دور دبلوماسي أردني نشيط، في مساع لعزل حدوده عن عدوى التقاتل السوري.
مخاوف داخلية
منذ بداية الأزمة عزز الأردن وجوده الأمني على الشريط الحدودي مع سوريا وخصوصاً في المناطق المقابلة للسويداء، وقيد حركة العبور لمنع امتداد النزاع إليه. وتحدثت تقارير محلية عن منع السلطات العشائر البدوية الأردنية من دخول الأراضي السورية والحيلولة دون حدوث توتر مجتمعي في مدينة الأزرق التي تقطنها غالبية من الدروز الأردنيين، وبعضهم ينحدر من عائلات لها أصول سورية من جبل العرب.
وقام وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي، الذي ينتمي للطائفة الدرزية في الأردن، بدور نشط في الوساطات الثلاثية بين الأردن وسوريا والولايات المتحدة على صعيد تثبيت وقف إطلاق النار وتقديم مساعدات إنسانية وضمان إطلاق سراح المحتجزين وتعزيز السلم الأهلي.
كما توجهت أصوات درزية بارزة من الداخل السوري بنداء عاجل إلى الصفدي والدولة الأردنية، تطلب فيه فتح ممر آمن وإنساني عبر الحدود لاستقبال النازحين وتأمين حماية للطائفة.
لكن موقف الصفدي كان واضحاً ومباشراً، ويعبر عن موقف الدولة الأردنية التي دانت، بقوة، الضربات الإسرائيلية المتكررة على الأراضي السورية، معتبراً أنها تنتهك القانون الدولي وأنها تهدف إلى تجاوز السيادة السورية وزعزعة الاستقرار في المنطقة. في حين صدر بيان عن الديوان الملكي الأردني جاء فيه أن الأردن يدعم أمن سوريا واستقرارها ووحدة أراضيها بما يضمن سيادتها وسلامة مواطنيها.
وعلى رغم بعض المخاوف فإن مراقبين يقللون من أي تأثيرات داخلية بخاصة أن المجتمع الأردني متماسك وبعيد من انقسام الهويات الطائفية، كما أن دروز الأردن مندمجون، تماماً، في المجتمع الأردني ومؤسساته وقريبون للدولة الأردنية ولا يشكلون خطراً انفصالياً كما يخشى في لبنان أو سوريا، فضلاً عن خبرة الأردن المتراكمة والعميقة في احتواء “الحرائق السورية”.
فخ إسرائيلي ناعم
في هذا الوقت، وصفت الكاتبة والباحثة السياسية ميساء المصري ما يحدث بأنه “مشروع إسرائيلي جيوسياسي بالغ الخطورة عند الخاصرة الشمالية الأردنية، تحت تسميات عديدة كمنطقة منزوعة السلاح وممرات آمنة إنسانياً”، وأضافت “أن الهدف هو حدود الأردن، وبنيته، وسحبه من دوره التاريخي المركزي، تمهيداً لخرائط نفوذ جديدة، تعيد إنتاج المشرق على أسس أمنية وظيفية مغايرة هدفها إعادة ترتيب التوازنات الديموغرافية والسياسية عبر أدوات الحرب الأمنية الناعمة”، وحذرت المصري من إطلاق نداءات إنسانية تبدو على السطح وكأنها دعوات مساعدات عاجلة، لكنها، في جوهرها، طلبات مبطنة لإقحام الأردن في الأزمة.
وتعد مدينة الأزرق الأردنية المجاورة للسويداء ذات أهمية استراتيجية وبيئية، مع تركيبة ديموغرافية متنوعة، حيث تقطنها غالبية درزية إلى جانب مكونات أخرى. وتقع المدينة في محافظة الزرقاء شرق المملكة، وهي من أهم المناطق البيئية والاستراتيجية في البلاد، إذ تشتهر بـ”واحة الأزرق”، كما تضم قاعدة جوية، مما يمنح المدينة أهمية أمنية واستراتيجية كبيرة، كما أنها كانت مركزاً لأحد أبرز مخيمات اللاجئين السوريين.
أمن قومي واقليمي
من جهته، أكد الباحث والمتخصص في مجال العلوم السياسية محمد أبورمان أن “ثمة منظوراً استراتيجياً أردنياً لأحداث السويداء، خصوصاً بعد المؤتمر الصحافي الذي جمع وزير الخارجية أيمن الصفدي والمبعوث الأميركي إلى سوريا توم براك ووزير الخارجية السوري أسعد الشيباني”، وأضاف أبورمان “اللقاء كان بمثابة رسالة مهمة على صعيد الديناميكيات الجديدة في المنطقة، فالأردن معني، بصورة كبيرة، بما يحدث في السويداء، ويعد ذلك مرتبطاً بأمنه القومي من جهة، وبدوره الإقليمي في المنطقة”. وعبر أبورمان عن قلقه من وجهة نظر أردنية بسبب أحداث السويداء، “على قاعدة أن ثمة تحولاً خطراً في الاستراتيجية الأمنية الإسرائيلية بالانتقال من الدفاع إلى الهيمنة الإقليمية، والطموح بأن تكون إسرائيل القوة الأولى، بل شرطية المنطقة الوحيدة في المرحلة المقبلة، وأن كل ذلك لا ينفصل عما يحدث في غزة وحتى في الضفة الغربية”، وأشار أبورمان إلى أن السلوك الإسرائيلي في سوريا يهدد الأردن، “وأن المصلحة الاستراتيجية الأردنية في سوريا هي وحدة الدولة السورية، وضمان أمن الحدود، وعدم تفجر النزاع الداخلي إلى حرب أهلية، لأن ذلك لا يعني فقط انهيار الأمن السوري، بل هو تهديد خطر للأمن القومي الأردني، سواء عبر عودة موجات اللجوء وازدهار ’داعش’ مرة أخرى، فضلاً عن الإضرار الشديد بمصالح استراتيجية أردنية مثل المياه وتهريب المخدرات والإرهاب”، وتابع “ثمة تخوف أردني من وجود أجندة لدى الحكومة اليمينية الإسرائيلية بإيجاد دويلة درزية في الجنوب السوري موالية لإسرائيل على غرار جيش لحد الجنوبي (الجنرال أنطوان لحد) سابقاً في لبنان، لأن ذلك يعني محاصرة الأردن شمالاً وغرباً من قبل إسرائيل، وتحول تل أبيب إلى وحش إقليمي يهدد الجوار بصورة فاعلة”.
اعتبارات أمنية وجغرافية
ويستند الكاتب والصحافي عدنان البدارين إلى اعتبارات أمنية وجغرافية واجتماعية تجعل استقرار الجنوب السوري مسألة بالغة الأهمية للأردن، ويقول “الموقع الجغرافي لمحافظة السويداء على بعد أقل من 60 كيلومتراً من مناطق أردنية يقطنها دروز، أبرزها الأزرق، يضع الأردن في مرمى التأثير المباشر”، مضيفاً “ثمة مخاوف أردنية مشروعة من أن يكون الجنوب السوري مقبلاً على سيناريو لبننة درزية جديدة، عبر فصائل محلية تنادي بالإدارة الذاتية أو الحكم الذاتي، مدعومة بغطاء إسرائيلي معلن. وفي حال تحقق ذلك، سيواجه الأردن تحدياً أمنياً مباشراً قد يتمثل في تسلل عناصر أو أسلحة عبر الحدود، أو بروز نزعات طائفية داخل مكوناته”.
وتتداخل هذه المخاوف مع مشروع إسرائيلي أوسع يعرف باسم “ممر داوود”، الذي يحظى باهتمام كبير لدى دوائر صنع القرار في تل أبيب، والذي يحمل أهدافاً استراتيجية لإسرائيل أبرزها إعادة تشكيل سوريا بما يخدم مصالحها بشريط جغرافي ضيق يبدأ من مرتفعات الجولان ويمر بالمحافظات السورية الجنوبية المحاذية لإسرائيل والأردن (القنيطرة ودرعا)، ثم يتسع شرقاً عبر السويداء.
——————————-
السويداء تحت الحصار: الجوع يلوح في الأفق وأزمة إنسانيّة خانقة
29 تموز 2025
بدأ الحصار على السويداء منذ اندلاع الأحداث الأخيرة يوم الأحد 13 تموز الحالي، وشمل عزل المدينة وقطع الطرق الرئيسية التي تربطها بدرعا ودمشق، بالإضافة إلى انقطاع الكهرباء واستهداف آبار المياه، وتدمير صوامع الحبوب والمطحنة في قرية أم الزيتون على يد القوات الحكومية والعشائرية، ما يهدد المدينة بمجاعة بعد قطع إمدادات الطحين، التي تبلغ حاجتها اليومية إليها 100 طن.
قبل ثلاثة أيام، انتشر فيديو يُظهِر مقاتلين يعلنون انتماءهم إلى “جيش العشائر”، وهم يتمركزون على تخوم قرية أم الزيتون القريبة من مدينة شهبا في السويداء، ويتوعدون بمنع دخول أي مساعدات أو مواد غذائية إلى المدينة. في الفيديو، الذي يُوثّق يوم 24 تموز/ يوليو 2025، يظهر بعض المقاتلين جالسين على سيارة مكشوفة، فيما يقول المقاتل الذي يصوّر: “مسكرين الدرب على الهجري، لا فول، لا خاثر، لا لبنة، لا جبنة، ممنوع منعاً باتاً، إلا تاكل لحم بساس”.
هذا الوضع ليس استثناءً، إذ لا يزال طريق دمشق – السويداء مغلقاً، إذ يسيطر مقاتلون من العشائر على معظم القرى الواقعة على هذا الخط، بينما تمكنت الفصائل الدرزية من التصدي لهم وإجبارهم على التراجع حتى تخوم قرية أم الزيتون.
أسبوعان على حصار السويداء
بدأ الحصار على السويداء منذ اندلاع الأحداث الأخيرة يوم الأحد 13 تموز الحالي، وشمل عزل المدينة وقطع الطرق الرئيسية التي تربطها بدرعا ودمشق، بالإضافة إلى انقطاع الكهرباء واستهداف آبار المياه، وتدمير صوامع الحبوب والمطحنة في قرية أم الزيتون على يد القوات الحكومية والعشائرية، ما يهدد المدينة بمجاعة بعد قطع إمدادات الطحين، التي تبلغ حاجتها اليومية إليها 100 طن.
وتمّ تدمير البنية التحتية للمياه بشكل ممنهج، إذ دُمّرت آبار رئيسية تزود المدينة بنسبة كبيرة من مياه الشرب، إضافة إلى تفجير الخزانات ونهب معداتها. يُذكر أن التحويلات المالية إلى المدينة متوقفة، كما تسببت العمليات العسكرية في تدمير أكثر من 30 قرية ونزوح نحو 100 ألف شخص داخلياً.
ووثق موقع “السويداء 24” أضراراً فادحة في أحد مستودعات الهلال الأحمر في مدينة السويداء، إثر قصف صاروخي في 16 تموز، خلال اقتحام قوات الحكومة الانتقالية المحافظة، ما أدى إلى تدمير كميات كبيرة من السلل الغذائية وضعف كبير في قدرة الاستجابة الإغاثية.
على منصات التواصل الاجتماعي، انتشر وسم يطالب بفك الحصار عن السويداء، فيما ظهرت دعوات في مجموعات داعمة للحكومة تحثّ أهالي درعا على منع دخول أي مساعدات إلى المدينة، ما يزيد من تعقيد الأزمة.
وانتشر وسم #انقذوا_السويداء، لكنّه ترافق مع صور شماتة نشرها بعض السوريين، يظهرون فيها وجباتهم أو أنفسهم وهم يأكلون، في مشهد يعيد إلى الأذهان حصار نظام الأسد وحزب الله بلدات مضايا والغوطة الشرقية، حين قام مؤيدون بالأمر نفسه، موثّقين طعامهم وسط معاناة المحاصرين.
في المقابل، تنكر سلطات دمشق وجود الحصار، وتدّعي أن المساعدات تدخل المدينة يومياً وبكميات كبيرة. إلا أن شهادات الأهالي والمتطوعين والأطباء تنفي صحة هذه الادعاءات، مؤكدين أن الواقع مختلف تماماً.
علماً أن قافلة للهلال الأحمر، دخلت اليوم الى المدينة محمّلة بـ200 طن من الطحين وسلل غذائية ومستلزمات طبية، وهي القافلة الثالثة منذ بدء الحصار، والتي تعتبر صغيرة إلى حد كبير.
وتتبادل الأطراف الاتهامات، فتقول الحكومة إن أطرافاً داخلية تمنع دخول المساعدات، فيما صدر سابقاً بيان عن الرئاسة الروحية رحّب بدخول المساعدات، مع رفض دخول أي وفد حكومي، والذي اعتبرته مصادر مطلعة نابعاً من الخوف من محاولة الهجوم على الوفد من بعض الفصائل، ما قد يؤدي إلى تدهور الأوضاع أكثر.
طوابير الخبز واستحالة العودة
منذ ساعات الصباح الباكر، يتوافد الآلاف من المدنيين في مدينة السويداء إلى مدخل الفرن الآلي، لانتظار دورهم في الحصول على بضعة أرغفة من الخبز. نسمة (اسم مستعار)، واحدة من مئات المنتظرين، تقول: “انتظرت ثلاث ساعات أمام أحد أفران مدينة شهبا حتى تمكنت من الحصول على تسعة أرغفة”.
في قرية أخرى، تبرّع شخص بسلة خبز كاملة للقرية، وبعد تزويد الأهالي السيارة بالمازوت لشحّه، توقّفت في ساحة القرية، وجاءت العائلات لاستلام أربع أرغفة لكل منزل.
يأتي هذا في ظل تأكيد مصادر إعلامية لموقع “السويداء 24” أن حاجز “الأمن العام” في منطقة بصرى الشام منع فرقاً صحافية أجنبية من الدخول إلى محافظة السويداء لتغطية الأحداث يوم أمس الأحد “لأسباب أمنية”، بعدما كان الدخول مسموحاً خلال الأيام الأخيرة. بينما قالت مصادر أخرى لـ”درج” إن وزارة الإعلام أخبرت بعض صحافيين أجانب أن تصريح دخولهم إلى السويداء سيكون الأخير، ولن يُمدد لأكثر من يومين.
نسمة، وهي متطوعة مع فرق عدة تحاول مساعدة الأهالي النازحين، تقول: “تذهب الصهاريج للتزود بالمياه من بئر في المنطقة الصناعية، ثم تُوزّع. لكن مع تدفق أعداد كبيرة من الناس القادمين من القرى إلى هذه المنطقة، زادت الاحتياجات بشكل كبير”.
ويُستخدم الوقود القليل في تشغيل المنشآت الأساسية كالمستشفيات والآبار وسيارات نقل الجثث. وقد وصل منذ يومين صهريجان من الوقود إلى المحافظة، لكنهما لا يشكّلان سوى نقطة في بحر احتياجات الناس.
ولا تزال الكهرباء مقطوعة عن معظم قرى المحافظة. وقد وصلت التغذية لمدة ساعة ونصف الساعة فقط بعد انقطاع دام نحو عشرة أيام، لكن في بعض القرى فقط، بحسب شهادات الأهالي. وقال مدير شركة الكهرباء: “الأعطال كبيرة والإمكانات متواضعة”.
تبدو الأزمة الإنسانية في السويداء طويلة الأمد، في ظل استحالة عودة السكان إلى أكثر من ثلاثين قرية دُمّرت بالكامل. فبعد نهبها، أُحرقت منازلها، وتعرضت بناها التحتية للتدمير، فيما اضطر كثر من الأهالي إلى النزوح.
من جهة أخرى، يزداد القلق من انتشار الأمراض والأوبئة، خصوصاً مع بقاء جثث كثيرة في الطرقات، ولا سيما في القرى التي لم يتمكن السكان من دخولها حتى الآن.
تقول نسمة: “رأيت طفلين، كانت أيديهما تعاني من التهابات شديدة وتحسس واضح. لا نعرف إن كان السبب هو المياه، أو الفُرُش، أو الغبار، أو حتى الحرّ الشديد والضغط النفسي. في اليوم الأول، ظهر التحسس على يد أحد الأطفال، وفي اليوم التالي، ظهرت الأعراض ذاتها على شقيقه. نخاف كثيراً من أن يتطور الأمر إلى حالات وبائية وانتشار واسع للأمراض”.
صيدليات توزّع الأدوية بالظرف الواحد
قال الصيدلاني رامي عوّاد من مدينة شهبا في تصريح لـ”درج”: “نوزِّع الأدوية علبةً علبة، وأحياناً نمنح المريض ظرفاً واحداً، يكفي المريض لنحو عشرة أيام، ليعود بعدها ويطلب المزيد”.
وأوضح رامي أن أزمة الأدوية في محافظة السويداء عموماً، ومدينة شهبا بخاصة، شديدة التعقيد، فالاعتماد الأساسي قائم على التوريدات القادمة من دمشق، والتي تشهد بدورها نقصاً كبيراً من الشركات الدوائية الرئيسية. ويتعامل الصيادلة اليوم مع ما يتوافر في المستودعات، لكن الكثير منها تعرّض للحرق أو السرقة.
ويشير رامي إلى أن انعدام الوقود فاقم الأزمة، إذ أصبح تبادل الأدوية بين المخازن والصيدليات شبه مستحيل: لا الدواء يصلهم، ولا هم قادرون على الذهاب لجلبه. وتابع: “لا توجد لدينا أي أدوية لمرضى السرطان. ثلاثة مرضى يراجعونني يومياً على أمل أن نؤمّن علاجهم، لكن لا جدوى”.
وفي ما يخصّ حليب الأطفال، قال رامي إن الكميات كادت أن تنفد تماماً، قبل أن يهبّ الأهالي من مختلف مناطق السويداء لإرسال ما توافر، فتم توزيع الكميات المحدودة مجاناً عبر مراكز مخصصة، لكنها لن تصمد طويلاً.
كما واجهت المدينة نقصاً حاداً في الأنسولين، إذ بُذلت جهود عدّة لتوفيره، لكن الكميات كانت محدودة وسرعان ما نفدت. لاحقاً، ساهمت كمية صغيرة وردت من الهلال الأحمر في تخفيف الضغط قليلاً.
رامي، كغيره من صيادلة المدينة، يوزّع الأدوية مجاناً. لكن الضغط بات يتزايد يومياً، بعدما لجأ إليهم نازحون من القرى المجاورة التي تعرّضت للهجمات، ما شكّل عبئاً كبيراً على موارد المدينة من أدوية ومواد أساسية أخرى.
وختم رامي بالقول: “إذا استمر الوضع كما هو، فلا أظن أن مدينة شهبا قادرة على الصمود لأكثر من أسبوع. حتى لو خفّ الضغط أو وصلت بعض التوريدات، لا أدري إن كان ذلك سيغيّر شيئاً”.
لا تتوقّف أزمة الرعاية الصحية عند هذا الحد، إذ تواجه المستشفيات التي لا تزال تعمل، ظروفاً خانقة. واضطرت الكوادر الطبية إلى استخدام الخلّ المركّز لتعقيم الجروح في ظلّ شحّ المواد الطبية.
يقول الطبيب حيان العربيد: “حالياً، النقص الأهم هو في مواد التثبيت العظمي، التي نحتاجها لإجراء العمليات الجراحية للإصابات. هذه المواد كانت تُستورد من دمشق عن طريق شركات ومندوبين، لكنها انقطعت اليوم، في حين أن النسبة العظمى من الإصابات هي إصابات عظمية وتتطلب سياخاً وصفائح وبراغيَ للتثبيت”.
كما أن هناك شحّاً في مواد الغسيل الكلوي. أما بالنسبة إلى باقي المواد الإسعافية، فيقول إنها وصلت بتوريدات من الهلال الأحمر، ويُتوقّع أن تكون كافية للفترة المقبلة.
وفي ظلّ انقطاع الكهرباء حتى عن المستشفيات، دعم المجتمع المدني في شهبا المستشفى الوحيد فيها، فجهّزه بطاقة شمسية خاصة به، بسبب الخوف من توقّف مولد الكهرباء نتيجة شحّ الوقود.
يختتم حيان: “لا يوجد جهاز قوسي، وهو أساسي في إزالة الشظايا وفي العمليات الجراحية العظمية، إلا في المستشفى الوطني، لأنه كبير ومكلف. وحتى في السويداء، لا يمكن استخدامه حالياً، لأن المواد اللازمة له غير متوافرة. لذلك نضطر إلى تأجيل علاج المريض لأسبوعين على أمل أن تُحلّ الأمور. يُجبَر الكسر، وتُثبّت وضعيته مؤقتاً، ثم ينتظر”.
درج
——————————
المآزق الأخلاقية ما بعد الثورة السورية/ سلوى زكزك
28 يوليو 2025
ثمة حالة شبه عامة من الخيبة العميقة تلف أوساط بعض من شاركوا في الثورة السورية التي انطلقت عام 2011. ومرد الخيبة هو سلوك شركائهم الذين باتوا أغلبية في العدد وفي الموقع القريب من السلطة الجديدة. يبدو أن الموقع الشخصي، وفق الهويات التي سيطرت فجأة بعد سقوط نظام بشار الأسد، قد قلب معايير المواقف من القتل والانتهاكات ضد فئات محددة من الشعب السوري. فعلياً، لقد تغير الموقف من الضحايا ومن المنتهكين استناداً إلى زاوية واحدة من الرؤية، لكنها زاوية مطلقة ومعممة، هي الطائفة.
كما يبدو واضحاً شعور جمهور الضحايا وذويهم، ممن ثاروا ضد النظام القمعي المجرم في سورية، بخيبة عميقة. غير أن خيبة الضحايا تلبس وجه الأسى العاطفي والعتب الشجي، مع غصات كامنة في الصدور. واللافت أن حالة الضعف التي شعر بها الضحايا تحولت، في أوقات كثيرة، إلى حالات من الشعور بالعجز، والعزلة، والتخلّي الشديد. وربما أكثر ما يؤلم في هذه الحالات هو كونها جماعية، مناطقية، لدرجة أن الضحايا يبالغون في شكر أي متعاطف خارج دائرتهم القريبة، أو بالحقيقة، خارج طائفتهم، لأن هذا التعاطف يُعتبر خطوة متقدمة جداً عن السائد، ويُعد سبباً لوصم المتعاطف أو تجريمه؛ ليس من المنتهكين فحسب، بل من جمهورهم الواسع واليقظ جداً، الذي تحول إلى “كاتم على الأنفاس”، يراقب كل كلمة تُكتَب ويفكك كل عبارة تُنطَق، حتى لو جاءت من باب التعاطف الهش أو العفوي.
هل يمكن تحليل أسباب هذا الشرخ العميق الحاصل في جسد الثورة وجمهورها؟ والأهم: هل يمكن اتهام الجميع والتنصل من الشراكة الثورية العتيدة والطويلة معهم؟ أم أن الدم النازف لا ينتظر من يلعن مريقه؟ فالقضية هنا ليست فقط رفض إراقة الدماء أو القبول بها كمحصلة طبيعية للعدالة المترقبة لحظة النصر، بل هي التراخي في عدم طي هذه الصفحة، وعدم التلويح والإشارة إلى خطرها المطلق على المستقبل المشترك لشركاء الثورة، وعلى الأغلبية التي اختارت الصمت، سابقاً ولاحقاً، والتي أصبح بعض أفرادها اليوم في فئة الضحايا. فكيف سيتدرب هؤلاء على الشكوى وهم غرقى في خانة الضعف المطلق، خاصة أن انتماءهم الطوعي أو المولود معهم إلى هويات قاتلة وبيئات قاتلة أيضاً، يجعلهم عرضة للخذلان حتى في الألم؟
وصل الاستنكار ببعض المدافعين عن حقوق الجميع بالإنصاف، وبالعدالة، وبالحق في الحماية، والمطالبين بطي صفحة الانتقامات على الهوية، إلى إعلان كرههم لأنفسهم ولانتمائهم العائلي وربما المديني أيضاً. فقد صرّح محام يملك من الخبرة القانونية الكثير، بأن اللافت في أحوال جماهير المطبلين أو المؤيدين بصورة قطعية، دونما رفض أو تمييز للانتهاكات الجسيمة الحاصلة، هو أنهم يعانون من فصام غريب؛ فإذا طالب أحد ما أو مجموعة ما بتعديل مادة قانونية محددة، ثاروا عليه، ونعتوه بالخيانة العظمى، ووجهوا له تهمة محاولة قلب النظام الجديد أو الانقلاب عليه. أما إذا ما استجابت السلطة لنفس الطلب، فإنهم يعظمونها، ويعتبرون ما قامت به انزياحاً كاملاً نحو ما يُطلب شعبياً، ونحو الديمقراطية ومصلحة الجميع.
يحاول بعض جمهور الثورة الإمساك بالعصا من المنتصف، حفاظاً على ماء الوجه، أو حفاظاً على العِشرة والشراكة الثورية الطويلة. ينتفضون بحذر، وبكلمات عاطفية مواربة، رغم يقينهم أن هذا لا يكفي، فدم الضحايا يميز جيداً طبيعة المواقف ويحفظ وجوه أصحابها.
إن الشرخ العميق الحاصل في سورية اليوم، ما بين الانتصار للضحايا بغض النظر عن طوائفهم، والوقوف على المسافة نفسها من الجميع، ضحيةً أو منتهِكاً، كل بحسب دوره، هو شرخ يزداد عمقاً وحدةً. ولا يهدد العيش المشترك بين السوريين فحسب، بل يمهد فعلياً للوصول نحو حالة “الأخوة الأعداء” في قطيعة مطلقة، قد لا يصلحها أي وفاق مستقبلي أو حتى اتفاق مرحلي وآني، في أحسن الأحوال.
العربي الجديد
————————-
ملاحطات/ نبيل الملحم
ما من رجل لا في تاريخ سوريا، ولا في تاريخ الدولة، واجه حظاً طيباً كما “الجولاني”، أما ملامح حظه فيمكن إجمالها بأسباب ثلاث:
ـ أولاً: جاء بعد بشار الأسد، وما من كائن كرهته سوريا كما بشار الأسد وسلالته (قد ينافسه جرذ المقبرة).
ـ ثانياً: جاء على أنقاض “معارضة”، مرهونة، فاسدة، بلا جسم ولا شخصية جاذبة، ولنتخيّل “البحرة” الغارق في شبر مي، ولخطأ لغوي كانت كنيته البحرة.
ـ ثالثها: بتأييد، وتنظيف من المركزين المتحكمين في هذا الكوكب البائس “أمريكا وإسرائيل” وتوابعهما.
ومع ذلك سقط في الامتحان، فجذوره لا تعينه على النمو خارج إصيص “القاعدة”.. جذوره يابسة، بائرة.
ليس هذا من يستعيد دولة “بني أمية” وقد امتدت من الصين إلى الأندلس؟
كيف له وقد انكفأ إلى مادون “الطائفة” أن يبني دولة؟
خسر وخسرنا معه، ولم نكن نرجو ذلك.
—————————————–
ملاحطات
Maisa Akbik
شوف يا “حشاشة كبدي”، بدك تسمي السيد الشرع رئيس أو خليفة أو سلطان أو الفاتح أو إرهابي او داعشي انت حر والحكي ببلاش. بس في شي مهم لازم تنتبه له، أنه دول وازنة وشخصيات تحرك سياسات العالم قضت اوقات طويلة في مفاوضات ومقايضات ومناقشات حتى وصلت لتوافق على دعم وجود الشرع على رأس السلطة في سوريا الجديدة وأكيد هي الدول ما رح تتراجع لأنه حضرتك نازل شتم وإهانات مشينة بشخص ما أذاك بل هو السبب بأنك انفلتت بالكلام بلا ضوابط بعد ما كنت خرسان خوفا على أهلك في سوريا أيام المجرم الهارب ومخابراته المتوحشة. يعني بالمشرمحي إذا ما كنت متابع تصريحات أو تحركات دولية قبل التحرير وما عم تعرف تقرأها، واذا ما كنت بتعرف شو يعني كلام ترمب وموقف ولي عهد السعودية ومفكريها ومؤثريها وموقف تركيا الرسمي، وإذا ما انتبهت من كم سنة لما قالت شخصيات أمريكية ثقيلة أنه مافي حل في المنطقة إلا أنه يحكمها سنّة من الأكثرية وأنه هذا هو طريق قصقصة جناحات إيران واذا ما بتعرف حتى الآن أن إسرائيل لا تتحكم بأمريكا بل هي دولة مثل دولنا لا تستطيع التحرك بلا إذن من أمريكا بس هي دولة مدللة اكتر من دولنا وعندها ناس مؤيدين في مراكز القرار مو متلنا مشغولين بنتف بعضنا لانه بدنا الكل يفكروا بطريقتنا. إذا كتير أشياء ما بتعرفها فهي مشكلتك وهذا خطأك وتقصيرك. يعني في حلقة لازم تحطها بإذنك قبل ما تدلق سطلك”، السيد الشرع باقي مو برغبتي أو برغبتك بل بحسابات كبيرة كتير اكبر من حجم ظلك وقت غروب الشمس. انضبوا بقى يا حشاشة كبدي انت وهو وهي ولا تنزلوا بمستوى لغتكم أكثر من هيك لان كل ما
نزلتوا اكتر كل ما انحرقتوا اكتر
—————————————–
ملاحطات/ سمير سليمان
بعد شقاء الضمير العلوي في سوريا الأسد, هل ندخل في مرحلة شقاء الضمير السني في سوريا الشرع؟.
بعد صراع مرير ومحتدم, حقق حافظ أسد إنتصاراً حاسماً على معارضيه الذين مثّلوا أكثرية السوريين من اليمين واليسار في بداية ثمانينات القرن المنصرم. وكان من النتائج الوخيمة لهذا الصراع, وللإنتصار الذي انتهى إليه, أن تصدّع الضمير الوطني عند عموم السوريين باتجاه نمو الضمير الطائفي الذي كان ضامراً لزمن طويل. فاتجه عموم العلويين بعد ذلك باتجاه حقل السلطة للإنتماء والخضوع طوعاً لحقل هيمنتها وجاذبيتها وشرعيتها المؤيدة بالقوة العارية وإرهاب السلطة. في حين اتجهت أغلبية الكتلة السنية المعارضة باتجاه الجوامع كملجأ وحيد متبقي لها لممارسة السياسة خارج سطوة السلطة وإرهابها المباشر.
في هذه المرحلة أُدخلت خطوط التصدّع الطائفي كأطر للصراع السياسي المعلن. وكان للمعارضة الإسلامية النصيب الأكبر في توفير وتعميم تلك الأطر الطائفية للصراع السياسي, في الوقت الذي تلطّى فيه النظام الأسدي خلف نظرية المؤامرة ودعوى مكافحة الإرهاب .
بقي هذا التصدع قائماً دون تطور حتى قيام الثورة السورية.
في مرحلة الحروب السورية المختلطة التي تلت السنة الأولى للإنتفاضة الثورية, تصاعد تحطم الضمير الوطني السوري باطراد مع تحطم الإطار الوطني للصراع وإحلال الأطر الطائفية محله. وساهمت وحشية النظام الإبادي الأسدي في تعاظم هذه العملية وتعميقها لتصل ذروتها مع مجزرة الكيماوي في الغوطة الشرقية ومع توسع مناطق نفوذ داعش لاحقاً في شرق وشمال سوريا, بالتزامن مع المجازر التي ارتكبتها القوات الروسية والأذرع الإيرانية في كل مكان في وسط وشمال سوريا. عند هذه المرحلة اكتمل تغييب الضمير الوطني عند جميع السوريين. أما عند العلويين, فإضافة لغياب الضمير الوطني الذي وجدوا تبريره في تكرار خطاب النظام حول المؤامرة والإرهابيين, فقد بدأوا يعانون مالايجدون تبريراً يقنعون به أنفسهم: غياب الضمير الإنساني وتصدع منظومة الأخلاق.
بقي العلويون يعانون هذا الشقاء حتى لحظة انهيار النظام.
غياب الضمير السياسي الوطني, وتصدع الضمير الأخلاقي الناجم عن الصراع الذي قرر النظام الأسدي خوضه ضد ملايين من السوريين المعارضين, هو ماأدى إلى تصدع سياسي وأخلاقي عند العلويين وأدى لتشكل ما أسماه البعض ” الطائفة الأسدية” كتسمية تعني أن ليس كل العلويين أسديين وليس الأسديون فقط من العلويين. إنها الطائفة – الجماعة التي يستقطبها راس النظام, بشار الأسد تحديداً, حوله.
اليوم, أكثر مانخشاه من مظاهر الإحتشاد التعبدي حول الرئيس المؤقت أحمد الشرع, ومن المذابح التي تلت وجوده في رأس السلطة, ومن هيمنة الضمير الطائفي وغياب الضمير السياسي الوطني, ومن الخشية من أن يتكرس شعبياً هذا التصدع الأخلاقي المحروس بعناية السلطة ورعايتها ليصبح منظومة سلوك, نقول أكثر مانخشاه نتيجة كل ذلك, أن ندخل في مرحلة يتصدع فيها الضمير الأخلاقي السني كما جرى سابقاً مع العلويين وتتشكل مجدداً مايمكن تسميته ” الطائفة الجولانية” . وإذا حدث هذا لاسمح الله, فعلى سوريا السلام.
سمير سليمان
————————-
مع من/ هنادي زحلوط
مع السويداء، وضد الهجري..
مع الجرح الكبير هناك الذي يحتاج أهله ليتحدثوا عنه..
مع السويداء وضد إسرائيل..
مع الوطنيين هناك الذين لن يستطيع أحد تشويه صورتهم برفع علم من هنا أو علم هناك..
مع السويداء ومع درعا..
توأمان هنا، ولن يحس بجرح السويداء أحد بقدر اخوتهم في درعا..
مع سوريا.. بكل من يعمل من أجل أن ينبت ولو برعم أمل صغير وسط هذا الخراب الذي يتم تعميمه..
——————————–



