السعودية تنعش اقتصاد سورية… استثمارات في قطاعات حيوية/ كريم رمضان

29 يوليو 2025
بعد الإعلان عن توقيع السعودية اتفاقيات استثمارية بقيمة تبلغ 6.4 مليارات دولار في سورية ضمن “منتدى الاستثمار السعودي السوري 2025” في دمشق، رجحت تحليلات غربية أن تكون خطوة كهذه مؤشراً إستراتيجياً يعكس رغبة المملكة في إعادة ترسيخ نفوذها الاقتصادي والسياسي في الشرق الأوسط، واعتبرت السيل الاستثماري السعودية بمثابة “بداية مرحلة جديدة” من شأنها إعادة بناء الاقتصاد السوري ودعم استقراره.
فالخطوة السعودية تمثل “محاولة ذكية” لجذب سورية نحو محور استثماري إقليمي أكثر استقراراً، بدلاً من ترك البلد تحت وطأة التأثيرات الإقليمية الأخرى، لا سيما في ظل تراجع دور بعض القوى التقليدية في الأزمة السورية، حسب تحليل نشرته وكالة رويترز. هذا التحول ينعكس في توجيه الاستثمارات نحو قطاعات حيوية مثل البنية التحتية للطاقة، الصناعات التحويلية، والخدمات الرقمية، مما يفتح أمام الاقتصاد السوري مسارات جديدة للنمو، وفقاً لما أورده تقرير نشرته صحيفة فايننشال تايمز. ومع ذلك، يلفت خبراء غربيون إلى أن التحديات لا تزال كبيرة أمام السعودية، حيث تعد المخاطر الأمنية والسياسية في سورية عاملاً معقداً يؤثر في مدى نجاح استثماراتها.
نمط جديد
يؤكد الخبير الاقتصادي عامر الشوبكي، لـ “العربي الجديد”، أن حجم الاستثمارات السعودية المعلن في سورية خلال منتدى دمشق 2025، مؤشر بارز على تحول استراتيجي يتجاوز الانفتاح الاقتصادي التكتيكي ليتخذ أبعاداً إقليمية ودولية عميقة، ويواكب تغيرات الواقع السياسي والاقتصادي في السياق السوري، ويعكس تحرك المملكة نحو نمط جديد من النفوذ القائم على الاستثمار والهيكلة التنموية بدل الاعتماد على الأدوات التقليدية للتأثير السياسي.
فمن خلال دعم إعادة الإعمار وتفعيل المشروعات في قطاعات حيوية كالطاقة والنقل والإسكان، لا تسعى المملكة إلى سد الفراغ فقط الذي خلفته العقوبات الغربية وتقلص النفوذ الإيراني والروسي في سورية، بل تعمل أيضاً على بناء شبكة من الاعتمادية الاقتصادية المتبادلة، ترسخ حضورها شريكاً فاعلاً في إعادة بناء النظام السياسي في دمشق، وتعيد من خلاله ترتيب موقعها الجيوسياسي في بلاد الشام، وفق رؤية بعيدة الأمد تستند إلى النفوذ الهيكلي بدل النفوذ المؤقت، حسبما يرى الشوبكي.
وإذ ترسل المملكة عبر هذه الخطوة رسائل واضحة حول قدرتها على اتخاذ قرارات استثمارية مستقلة، فإنها في الوقت ذاته تُثبت تمكنها من تحويل الأزمات الإقليمية إلى فرص اقتصادية استراتيجية، بحسب الشوبكي. ومع ذلك، يرى الشوبكي أنه لا يمكن تجاهل التحديات البنيوية التي قد تواجه هذه الاستثمارات، وأبرزها حالة التدهور في النظام المصرفي السوري، وشِبه غياب الضمانات القانونية الكافية لحماية رؤوس الأموال، إضافة إلى احتمالات حدوث اضطرابات داخلية تُربك بيئة العمل، كتلك التي شهدها الجنوب السوري في الآونة الأخيرة.
انتقال اقتصادي
في السياق، يشير الخبير الاقتصادي، نهاد إسماعيل، لـ “العربي الجديد”، إلى أن سورية تمر بمرحلة انتقال اقتصادي بعد 14 عاماً من الحرب والانكماش، وفي هذا الإطار تلعب السعودية دور اللاعب الرئيسي في دفع عجلة إحياء الاقتصاد المتهالك، من خلال “تدخل ناعم” يتجاوز الدعم المالي إلى استثمارات ملموسة ومبادرات تنموية استراتيجية.
ويرى إسماعيل هذا الدور السعودي امتداداً لنجاح دبلوماسي تمثل في إقناع إدارة الرئيس دونالد ترامب برفع العقوبات الأميركية المفروضة على النظام السوري، ما يعد خطوة حاسمة في فك العزلة الاقتصادية عن البلاد، قدمت رسالة واضحة إلى العالم وإلى بعض الدول الإقليمية غير العربية، مفادها أن السعودية تقف إلى جانب الدولة السورية، وتعتزم لعب دور محوري في إعادة بنائها.
ويتجلى هذا الدعم في التزام المملكة بضخ استثمارات مباشرة في قطاعات حيوية، تمثل أولويات ملحة لاستقرار الاقتصاد السوري وتحفيز نموه، حسب إسماعيل، لافتاً إلى أن هذا التدخل لن ينعكس على تحسين الخدمات الأساسية فقط، بل سيساهم أيضاً في دعم استقرار الليرة السورية، التي تأثرت بشدة بالتقلبات الاقتصادية، إلى جانب خلق أكثر من 50 ألف وظيفة مباشرة، وعشرات الآلاف من الفرص غير المباشرة التي تنشأ مع تعافي النشاط الاقتصادي.
ويرجح إسماعيل أن تفتح الخطوة السعودية آفاقاً استراتيجية طويلة الأمد، خاصة في قطاع الطاقة، التقليدية والمتجددة، حيث تمتلك المملكة خبرة واسعة في إدارة مشاريع ضخمة وناجحة في هذا المجال، لافتاً إلى أن هذه الخبرة يمكن أن تُستثمر في إعادة تأهيل الشبكات الكهربائية وتطوير مشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، التي تتمتع سورية بإمكانات كبيرة فيها، ما يُسهم في تحقيق استقلال طاقي جزئي وتحفيز الصناعة المحلية. ويشير إسماعيل إلى أن مشاركة 500 من قادة الأعمال السعوديين في المنتدى الاقتصادي السوري مؤشر عملي على “الجدية في النيات”.
يذكر أن السعودية وسورية وقعتا، أول من أمس، مذكرة تفاهم في مجالات الطاقة، تشمل تعزيز التعاون الثنائي في قطاعات عدة منها الكهرباء والربط الكهربائي الإقليمي والنفط والغاز. وذكرت وكالة الأنباء السورية (سانا) أنه تم توقيع “مذكرة تفاهم سورية – سعودية في مجالات الطاقة، تشمل تعزيز التعاون الثنائي في قطاعات الكهرباء والطاقة المتجددة، والربط الكهربائي الإقليمي، والنفط والغاز، والبتروكيماويات، وتحولات الطاقة والتقنيات الحديثة، إضافة إلى تطوير الكوادر البشرية وتشجيع الابتكار ونقل التكنولوجيا”.
العربي الجديد



