تشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

الصحافيون السوريون… شهودٌ غائبون عن النظر/ محمد أمين

29 يوليو 2025

ربما لم يكن سقف الحرية الإعلامية في سورية مرتفعاً الى ما هو عليه منذ الاستقلال في عام 1946، كما هو عليه اليوم. يمارس الصحافيون السوريون اليوم عملهم من دون رقيب.

يكتبون من دون خوف من “زوّار الفجر” الذين كمّموا الأفواه أكثر من ستين عجافا مرّت على سورية في غفلة من أهلها. وفي المقابل، يرى كثيرون أن سقف الحرية المرتفع في سورية دليل فوضى أكثر مما هو دليل رسوخ إيمان السلطة الراهنة ويقينها بحرية العمل الصحافي في بلادٍ لم تعرف الصحافة الحقّة منذ عام 1963، فالعمل الإعلامي ما زال من دون تنظيم حقيقي، من دون رؤية واضحة وخطاب جلي في سورية الجديدة، من دون ضبط مؤسّساتي، وهو ما يصدّر صورة مزيّفة للرأي العام عن جو الحريات في البلاد. ما زالت أغلب المؤسّسات والهيئات الرافعة للصحافة في سورية مشلولة إلى حد بعيد، ولم تنفض بعد عنها رماد قمع طال. ربما لأن التركة ثقيلة، ومن أُسندت إليهم مهام تفكيك خيوطها السوداء المتداخلة والمتقاطعة والمتشابكة لا دراية كافية لديهم ولا خبرة تؤهلهم للتعامل مع هذا الملفّ الأكثر حساسية.

ومن هذه المؤسّسات (إذا جاز إطلاق هذا الوصف عليها)، “اتحاد الصحفيين” السوريين الذي كان مجرّد ديكور بسيط في مسرح العبث السياسي الذي ساد البلاد ستة عقود، ووسم فترة طويلة من تاريخ البلاد بطابعه المنفّر. لم تكن لذاك الاتحاد أي قيمة أو تأثير في المشهد السياسي، وحتى النقابي والمهني. لم يدخل يوماً في اهتمام الصحافيين السوريين، ما عدا بعضٍ في المؤسّسات الرسمية كان يتطلع للحصول على راتب تقاعدي ربما يخفّف من تبعات الشيخوخة، فالاتحاد كان يمنح منتسبيه العاملين مبلغاً زهيداً لا يسد رمقاً، بعد عمر طويل في المهنة. مرّت 51 سنة على تأسيس “اتحاد الصحافيين”، وهو كما يعرّف عن نفسه “تنظيم نقابي، يضم الصحافيين المسجلين في جداوله، ومركزه مدينة دمشق، ويتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي”.

بحسب إحصائيات رسمية، كان الاتحاد يضم قبل سقوط نظام الأسد في الثامن من ديسمبر/ كانون الأول من العام الفائت، 1704 صحافيين عاملين إضافة إلى 639 صحافيّاً متمرّناً و666 متقاعداً. ولكن هذه المؤسّسة النقابية، مثل بقية النقابات المهنية في البلاد، تحوّلت الى أدوات تأطير وسيطرة منذ 1980 بعدما حاولت تحدّي سلطة حافظ الأسد المطلقة. نفذت النقابات في ذلك العام إضراباً دخل الذاكرة السياسية السورية، كونه الوثبة الأشجع في زمن عمّ فيه الخوف وتسيّد كل تفاصيل المشهد. طالبت النقابات في ذلك العام بإطلاق الحريات في البلاد، وإلغاء قانون الطوارئ الذي جثم على صدور السوريين عقوداً. كانت محاولة أخيرة لإحياء المجتمع المدني، انتهت بقانون من “الطاغية”، بتحويل النقابات الى منظّمات تابعة لحزب البعث الذي كان “قائداً للدولة والمجتمع”، يتم تعيين رؤسائها ومكاتبها التنفيذية من الأجهزة الأمنية، وبذلك لم يعد هناك عمل نقابي حقيقي في سورية حتى إسقاط نظام الأسد.

بعد تحرير سورية من سلطة الخوف والقمع، اقتربت الإدارة الجديدة من العمل النقابي، فكلفت على عجلٍ من يتولّى عملية تسيير الأعمال إلى حين نضوج الظروف السياسية لانتخاب قيادات نقابية. في شباط/ فبراير الفائت، أصدرت حكومة تسيير الأعمال في حينه قراراً بحل الجمعية العامة لاتحاد الصحافيين السوريين، وتعيين مكتب مؤقت من خارج ممثلي الاتحاد. أثار القرار موجة اعتراض وغضب داخل البلاد وخارجها، وصلت إلى حد مطالبة الاتحاد الدولي للصحافيين الرئيس أحمد الشرع بالتراجع عن القرار، معتبراً حل الاتحاد “حادثاً خطيراً من التدخل السياسي في شؤون المنظمات النقابية، ويشكل انتهاكاً للاتفاقيات والمعاهدات الدولية التي صادقت عليها سورية، بما في ذلك اتفاقيات منظّمة العمل الدولية”. والملفت أن الإدارة الجديدة استندت إلى قانون أصدره النظام المخلوع في 1991 لتبرير قرارها بحل الاتحاد. منذ ذلك الحين وأعضاء المكتب المؤقت بصدد إعادة تنظيم الاتحاد وإعادة النظر في شروط العضوية، حيث لم يعد مقبولاً وجود أو انتساب من شجّع على قتل السوريين وساهم في بثّ خطاب الكراهية. ويبدو أن المكتب المؤقت يمهد الطريق أمام إجراء انتخابات لاختيار مكتب دائم. لا يُبدي صحافيون سوريون كثيرون محترفون كان لهم دور بارز خلال سنوات الثورة كثير اهتمام بـ”الاتحاد” الجديد، ربما احتجاجاً على استبعادهم من مهمّة إعادة تأهيله وتجديده، فهم اليوم خارج الإطار بشكل كامل، لذا لم تكتمل لوحة الإعلام في سورية بعد. يكتفي من عاد منهم، بعد سنوات غربة طويلة، بالمرور بالجادّة التي يقع فيها مبنى الاتحاد في حي أبو رمّانة بإلقاء نظرة تحمل كثيراً من العتاب. أصحاب البيت هم الأقدر على تجديده، فهم يعرفون أدقّ تفاصيله، ويعرفون مواطن القوة والضعف فيه، ولكنهم اليوم خارجه يتسقّطون الأخبار عنه من بعيد.

نعم، يحتاج هذا الاتحاد الذي كان عوناً لنظام القمع والاستبداد إلى إصلاح وتأهيل كبيريْن، ولكن استبعاد الصحافيين المحترفين، وخصوصاً الذين كانوا “أعضاء عاملين” فيه من هذه العملية ربما يُوحي بأن الإدارة الجديدة تتعاطى بـ”خفّة” مع ملف النقابات المهنية التي يجب أن تتمتع بكثير من الاستقلالية، وأن يكفل الدستور القادم دورها في المشاركة في القرار الوطني. يحتاج الصحافيون السوريون اليوم مؤسّسة نقابية تدافع عنهم، وتقف معهم، وتضمن لهم حرية العمل بعيداً عن إملاءات السلطة (أي سلطة) وتصوّرها السياسي. ويفرض المشهد السوري الجديد إيلاء الإعلام اهتماماً يستحقّه، وأن تشرّع قوانين جديدة تهيئ الأرضية لظهور أجسام نقابية متعدّدة، ما يتيح للصحافي الانتساب إلى الجسم الذي يراه الأقرب إليه. سالت دماء مئات الصحافيين والعاملين في الشأن الإعلامي خلال سنوات الثورة، فقد مدّوا جسومهم جسراً للعبور إلى ضفّة الحرية والكرامة، وهو ما تحقّق في صبيحة الثامن من ديسمبر. كان لهم الدور البارز في تآكل النظام ومؤسّساته القمعية، فقد عرّوها تماماً أمام الرأي العام العالمي، ودفعوا من أجل ذلك أثماناً باهظة، فكثيرون قتلوا تحت التعذيب في أقبية النظام البائد، وهناك من قُتلوا بقصف الطيران شجعاناً قابضين على جمر الحقيقة براحات أياديهم.

من حقّ الصحافيين السوريين اليوم أن يكونوا شركاء في التأسيس لوطن نظيف لا خوف فيه ولا استبعاد، “فليس أشدّ على النفس من أن تكون مسبوقاً وأنت السابق، مجهولاً وأنت العارف، غائباً عن النظر وأنت الشاهد”.

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى