تشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

الكيلومتر الـ31/ يعرب العيسى

29 يوليو 2025

هذه أيام عصيبة، وأشقّ ما فيها أن رائحة الموت ليست أشقّ ما فيها، بل تدافُع المؤقت والطارئ بكتفيه بين الثوابت، والوقوف في الصف الأمامي، وتصدّر المشهد، وإعطاء انطباعٍ بأنه الحقيقة.

نوبة الجنون الجماعي التي تضربنا الآن، شديدة وصاخبة إلى درجة أنها تكاد تبدو كأنها حقيقتنا النهائية والدائمة. وهي في ذلك مثل كل نوبات الجنون في كل مكانٍ وكل زمان.

تُغيَّب الحقائق الأقدم والأعمق، تمحو زمناً طويلاً من التعقّل والحكمة، تصبغ صاحبها بلطخةٍ لا تزول أبداً، وهي تفعل ذلك كله، تفعله إلى الحد الأقصى.

نبدو قبيحين الآن، قساةً، عنيفين، لا حدود لقدرتنا على إظهار الكراهية في خطابنا وأفعالنا، لا مانع لدينا في فعل أو تقبل فعل أي شيء. وفي التخلّي عن أدنى درجةٍ من حسّ العدالة. نستطيع بسهولة شديدة أن نذمّ فعلاً ما درجة الشيطنة، ثم ندافع عن الفعل نفسه ببسالة، فقط إذا صدر عن شخصين مختلفين.

سأحاول أن أكون رحيماً على نفسي وعلى أهلي، وأبرّر كل هذا الخراب بأنه آلية نفسية للدفاع عن شعورنا بالخوف، للهروب من مواجهة أنفسنا بما لا نستطيع احتماله، لتأجيل الاعتراف بفشلنا في صنع البلد العظيم الذي توهمنا طويلاً أننا ننتمي إليه.

لا أجد معنىً لهذه الكراهية التي نظهرها لبعضنا، سوى أننا نكره أنفسنا، وككل الأفراد والجماعات، لا يكره المرء نفسه إلا بقدر التناقض بين واقعه وتصوّره عن نفسه.

ونحن حملة وهم كبير عن أنفسنا وعن بلدنا، وفي الوقت نفسه، نحن أصحاب سجلٍّ مخجل في ما فعلناه لتحقيق هذا الوهم.

حاولتُ أن أكون رحيماً، لكني بدوتُ قاسياً، وجالداً للذات أيضاً، فهذه الصورة التي نبدو عليها الآن ستبقى سيئة، حتى بعد تمريرها في غربال الرحمة والتقبل.

الأمر الجيد الوحيد في كل هذه الأيام أنها مؤقتة، وأنها ستعبر، وأنها الطرف الضعيف في ثنائية الثابت والمتحوّل.

إنّ من يرانا من بعيد اليوم، يرى مجموعة من الطوائف المتحاربة، طوائف ترى بعضها للمرّة الأولى، وتكتشف وحشية بعضها، وتردّ على هذه الوحشية بوحشية أعلى.

بينما في الحقيقة، نحن عشنا مع بعضنا دائماً، ليس في بلدٍ واحدٍ وعلى مسافات متباعدة، كما كثير من الدول، بل في قرية واحدة، أو قرى متلاصقة ومتداخلة.

ولو مرّرت يدك على خريطة تفصيلية لسورية، ستجد أن أطول مسافة تسكنها طائفة واحدة بمذهب واحد هي مجموعة القرى الملاصقة للأوتوستراد الدولي والموزّعة بين ريفي حماة الشمالي وإدلب الجنوبي، وقبل أن تعثر على قرية درزية أو مسيحية أو شيعية أو علوية، ستكون قد اجتزت على أقصى حد ثلاثين كيلومتراً. بينما في بقية سورية، من حوران وحتى رأس العين، ستجد ثلاثين طائفة وقومية ومذهباً تتشارك البئر والجدار ومقعد المدرسة.

وسيخطر للغريب الذي يرانا الآن سؤال بديهي: كيف عاش هؤلاء معاً كل هذه القرون إذاً؟ هل حياتهم السابقة كانت كذبة؟ أم خطابهم الملعون الآن هو الكذبة؟

أظننا، وبسبب عبورنا هذه المرحلة الانتقالية الكبرى، نعبر أيضاً انتقالات نفسية وفكرية وثقافية واجتماعية، ونتحرّك ضمن الـ 30 كيلومتراً التي نعرفها، والطبيعي أن نجتازها قريباً، ونصل إلى الكيلومتر الـ31. … وهناك سنتذكّر من نحن، وما كنّا، قبل أن يشوّهنا أولئك الأوغاد المخلوعون، ويعبثوا بثوابت مجتمعنا. وفي ذلك الكيلومتر سيصبح كل شيءٍ على ما يُرام، وسنهدئ هذا الجنون، وسنلفظ مثيريه.

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى