الهوية الأموية كتعويض عن فشل/ بشير البكر

الاثنين 2025/07/28
تبين خلال الأشهر الأخيرة أن قلقاً يلازم بعض السوريين، يتمثل في عدم وجود هوية راسخة ومتينة، تجمع شتاتهم الذي تناثر في العقود الأخيرة. وفي الوقت ذاته، باتت الهويتان السورية والعربية، غير كافيتين لخلق حالة توازن يرضي الذات الجريحة. وهذا عائد إلى سببين. الأول، أن أكثر من جيل سوري خضع لعملية تفريغ ممنهجة، من طريق القمع المديد، بهدف تطويعه، والسيطرة عليه. والثاني هو تدمير مشتركات صنعت الهوية السورية الجديدة التي بدأت بالتشكل في نهايات القرن التاسع عشر، وابتذال العروبة، من قبل حكومات وأحزاب سياسية، بعثية وناصرية، من ليبيا، مروراً بمصر، وصولاً إلى سوريا والعراق.
هذه الهزة الكبيرة التي تعرض لها بنيان الشخصية العامة، دفعت فئات متعددة المستويات الثقافية والسياسية للاستدارة نحو الماضي، تفتش عما يساعدها في مداواة جرحها النازف، ويعوض عليها ما تعرضت له من امتهان وطعن في نسبها إلى مكون ذي تاريخ على صلة بالأرض حيث عاشت. وقد بدا لهؤلاء أن رمزية بني أمية هي الأقوى، فهؤلاء حكموا دمشق بعقلية رجال الدول، ومنها تمددوا ليبنوا امبراطورية إسلامية قوية وحديثة.
هذا التفتق عن هوية أموية، يقابله نكوص مريع إلى مربعات طائفية، وعرقية، وقبلية، ومناطقية، من طرف نخب سورية، كانت حتى الأمس القريب مضرب مثل في الوطنية، والحرص على الكيان الواحد. وفي الحالين، لا يجري السير في اتجاه واحد أو موازٍ، مع أن الجميع يطمح إلى صورة زاهية عن نفسه وجماعته، تلبي المرحلة الجديدة، التي تحرر فيها السوري من سطوة الهوية المفروضة عليه من فوق.
برزت خلال الأشهر الأخيرة، بعد سقوط نظام بشار الأسد، أصوات تطالب ببناء حدود بين المكونات، تفصل سوريا على هوى أوهام الهوية، التي تحملها عن نفسها، لا كما هي في الواقع، وتشكلت مظلوميات بناء على حوادث وأحداث نتاج تراكمات وممارسات الحكم الماضي، التي أسست للتمييز بين المكونات السورية، وهناك من يستغل جو الفوضى الراهنة كي يكرس ذلك، ويحوله إلى دستور دائم، من دون العودة إلى استفتاء السوريين.
ليس التمييز الذي تأسس خلال العهد الأسدي هو وحده المسؤول عن عدم تحقق الهوية الجامعة. وقد يكون السبب الكامن وراء ذلك كله هو عدم قدرة الهويتين السورية والعربية على خلق نوع من التوازن والاكتفاء الذاتي نابع من كونهما غير متحققتين كلياً. فلا الوطنية السورية اكتمل تكوّنها بعد ولادتها من رحم الكيان السوري الناشئ في العام 1918، ولا العروبة نجحت في الانتقال من العواطف الإنشائية إلى المادي والملموس.
لا مشكلة في أن يرى السوري اليوم نفسه في بني أمية، وهي رؤية متخيلة، لأن انقطاعاً عمره قرون يفصل بين من يعيش على الأرض السورية اليوم، وأولئك الذين سكنوها خلال حكم الدولة الأموية. ومن المؤكد أن النية لإعلان الانتماء إلى الأخيرين صادرة عن فائض طاقة إيجابية يتحلى بها قطاع واسع من السوريين بعد سقوط نظام الأسد، يطمح إلى بناء دولة جديدة ذات هُوِيَّة متينة.
لكن هذا النمط من التفكير يصطدم بأكثر من مشكلة. الأولى، أن يظن هؤلاء بأن محتوى الهوية الأموية في ذلك الزمن ما زال ساري المفعول. والثانية هي العجز عن إنتاج محتوى عصري بالاعتماد على تلك الهوية. والثالثة هو وهم الصفاء العرقي. سوريا اليوم لا تشبه تلك التي حكمها بنو أمية، لقد تغيرت مرات عديدة. صحيح أن العنصر العربي بقي غالباً، لكن نسيجها داخلته شعوب كثيرة، لا صلة تربطها ببني أمية. قد تكون هناك روابط ثقافية وروحية تشد الناس للمكان، لكن ليس إلى بني أمية وحدهم.
معضلة سوريا الكبرى اليوم، ليست في القدرة على نحت هوية أموية جديدة، وحتى لو نجحت في ذلك، لن يستقر الكيان السوري على حال راسخ. بل تكمن المشكلة في الحد من تضخم الهويات الراهنة، من خلال مشروع ينتصر للوطنية السورية، التي يتوجب أن تأخذ الأفضل ما في الهويات الطائفية، والعرقية، والقبلية، والمناطقية، وصهرها في مشروع دولة لكل أبنائها.
الدولة الجديدة هي التي يمكن الرهان عليها لوقف النزاع المَرَضي بين هويات فرعية توشك أن تصبح أساسية، ولن يحد منها ويدفعها للتراجع إلى الخلف سوى بناء مشروع سياسي ثقافي عام يحظى بحدود مُرضِية من الإجماع وتكون كافية للبناء عليها.
المدن



