“رويترز” في سورية/ معن البياري

28 يوليو 2025
تُخطئ أيّ حكومة إذا اشتبكت مع وسيلة إعلام، لأنها غالباً ستخسر، ولو كانت محقّة وفي الضفة الصّح. لأسبابٍ غير قليلة، لعلّ منها أن القناعة المتوطّنة في الجمهور أن الحكومات (بالمطلق!) كاذبة. وكان بالغ الفكاهة أن دريد لحّام ابتدع، في إحدى مسرحياته، احتفاليةً سنوية بيوم الكذب، لتُعطى الجائزة كل عام للحكومة، لفوزِها على مَن ينافسونها في الكذب. ومن الأسباب أنّ الحكومات كثيراً ما تتلعثم في ردودها على ما تفترضه “استهدافاً” لها من هذه الصحيفة أو وكالة الأنباء أو تلك القناة التلفزيونية أو ذلك الموقع الإلكتروني، وتخطئ عندما تطلب وقتاً (طويلاً) للردّ على استيضاحاتٍ في شأنٍ يُطلب منها تعقيبٌ عليه. ولهذا وذاك (وغيرهما) يُفترض أن تتوفّر الحكومات على إداراتِ اتصالٍ وتواصلٍ على كفاءةٍ عالية، مزوّدةٍ بكل المعطيات، ويُستجاب فوراً من الجهات المختصّة لكل مطالبها من معلوماتٍ موثوقةٍ. ليس لإشاعة صورة عن صدقيّة الحكومة وأجهزتها وأقنيتها فحسب، وإنما أيضاً لكسر “احتكار” وسائل الميديا صورةَ الطرف الأقوى على فرض روايته أو ما يظنّها الحقيقة لديه، عندما يرى أن لا سلطة رسمية تُجاريه في امتلاكها.
سيقت هذه التقدمة للعبور إلى ما أشهرَه مدير العلاقات الصحافية في وزارة الإعلام السورية، (ردّاً على بعض التقارير الصحافية التي يُقال عنها “استقصائية” بتعبيره). ومع توفّر الردّ على بعض الإقناع والوجاهة في دفوعاته، كان الأسلم أن يسمّي الوكالة العالمية التي تواصلت مع الوزارة “للتعليق على تحقيقٍ يناقش معالم النشاط الاقتصادي في المرحلة الجديدة والقوى الفاعلة”، فالمعلوم أنها “رويترز”، وقد تعلّق الردّ بها، ليس بشأن التحقيق (المطوّل) هذا فحسب، والذي طيّرته الوكالة الخميس الماضي، وإنما أيضاً بشأن آخَرَ نشرته في نهاية الشهر الماضي (يونيو/ حزيران)، عن أحداث الساحل السوري في مارس/ آذار الماضي. ووكالة رويترز العالمية (55 ألف عامل في 200 مدينة في 94 دولة) ليست أياً من “نحو 300 ألف حسابٍ وهميٍّ فاعلٍ على منصّات التواصل الاجتماعي، تنشُر أخباراً مضلّلةً تستهدف السوريين عبر خطاباتٍ تحريضية”، تحدّث عنها، أخيراً، وزير الإعلام حمزة المصطفى، وإنما هي الوكالة التي تُحرِز سلطةً نافذةً، جعلت جموعاً بلا عدد، من السوريين وغيرهم، تستقبل التحقيقَين منها كما لو أنها “حذامِ” التي قال الشاعر القديم عنها… “إذا قالت حذامِ فصدّقوها/ فإنّ القول ما قالت حذامِ”، وذلك فيما حدث، مرّاتٍ، أن الوكالة تحسِم في معلوماتٍ غير مدقّقة، وتستخدم تعبيراتٍ ليست في مواضعها، ويحدُثُ أنها تفتقد التوازن المهني البديهي، من قبيل أن تحقيقها، الجيّد في كل الأحوال، عن أحداث الساحل، جاء على أعداد الضحايا السوريين العلويين، وأغفل عدد الضحايا من الجيش والأمن العام، كما أنه ليس كافياً أن تنسب الوكالة العريقة إلى خمسة مصادر “مطّلعة”، كلّها مجهّلة، قولهم عن “عدّة اجتماعاتٍ مباشرة” سورية إسرائيلية، من دون تعيين أي مكانٍ لأيٍّ منها، فهذه استعراضيّة، وممارسة فوقية، وإنْ جاءت الوكالة على “حساسية” الموضوع، فالحساسية هذه هي التي تقتضي أن يأخذ الجمهور الجرعة الإخبارية سليمة. ومن شديد الغرابة إصرار الوكالة على أنّ لقاء سرّياً سورياً إسرائيلياً انعقد في باكو، قرأت دمشق نتائجه خاطئة، فتورّطت في موقعة السويداء، فليس بمثل هذه “الاجتهادات” و”الفرضيات” غير المسندة إلى أي مصدر معرّفٍ موثوقٍ تنكتب التقارير الإخبارية، ولا تحتاج “رويترز” ممَن “يتعالم” عليها في بديهيّة كهذه.
الجهد بيّن في إنجاز فريق الوكالة في سورية التحقيقَين (دعك من تقريرها عن المختطفات في الساحل، فهو يحتاج تعزيز الشهادات فيه بدلائل أقوى)، ولنا أن نختلف في مطلب وزارة الإعلام منها “التريّث” في نشرهما، وليس لصاحب هذه السطور أن يرمي التحقيق عن أشخاصٍ يتحكّمون حالياً في الاقتصاد السوري بشيء، فلا تتوفّر لديه معلومات مضادّة (أو توضيحية). وهنا ربما كان الأدعى أن تيسّر الوزارة ردوداً وتعقيباتٍ للوكالة التي لديها وحدة تقصّي حقائق، غير أنها عنيدة في عدم اعتذارها عن أي خطأ (أو خطيئة) تقع فيه، من قبيل ترجمتها غير الصحيحة قولاً للملك عبدالله الثاني في البيت الأبيض في فبراير/ شباط الماضي، وفي شأن تصريحاتٍ نسبتها خطأ إلى غير مصادرها… وأياً كان الحال، لو أن ما نشرته “رويترز” عن سورية أخيراً نشرت قليلاً مثله في بلد عربي آخر لما اكتفت سلطات هذا البلد ببيان مدير في وزارة إعلام، وهذا مبعث تثمينٍ في دمشق الجديدة.
العربي الجديد



