عن سوريا والسلطة ودور المثقف/ مالك ونوس

28 يوليو 2025
كيف تكون ثقافة وهي طائفية؟ كيف تكون ثقافة وهي عنصرية؟ كيف يكونون مثقفين وهم أصحاب خطاب طائفي، بل وأصحاب خطاب عنصري وإقصائي؛ يلغي جماعات من النسيج السوري، ويختزل جماعاتٍ في طائفة، ولا يوفر زملاء لهم في الهم والشغل المعرفي، حين اختلفوا معهم حول القتل طريقةً لحل المشكلات؟ ثم يأتي السؤال الرئيس: كيف يكونون مثقفين وهم يوالون السلطة، أي سلطة كانت؟ ثم هل يفترض بالمثقف أن يوالي السلطة والسلطان؟ ولأن سوريا بوتقة للأزمات المتفجرة، لا ينام شعبها على همٍّ قديم، ولا يُسعف الوقت أهلها لالتقاط أنفاسهم والتعافي من همِّ البارحة، قد تصح احتمالات لكنها تخطئ كثيرًا، عندما يضيِّع المرء بوصلة ثوابت كان مرة يتغنى بها، فيوارب الكاتب كلماته لكيلا تظهر قباحة ما تقترف يداه وهما تخطّان نصوصًا تضج بمدح سلطة يقول إنه لا يمدحها، لكنه يهاجم معارضيها.
المواقف التي يتخذها بعض المثقفين والكتاب والفنانين الذين كانوا في صف معارضة نظام الرئيس السوري الهارب بشار الأسد، ثم فجأة سجلوا حضورهم في صف موالاة النظام الجديد في دمشق بعد هروب بشار، هذه المواقف تدفع إلى مراجعة دور المثقف في وطنه، والتزامه الأخلاقي تجاه قرائه ومتابعيه وأبناء بلاده وهمومهم. كذلك التزامه تجاه نتاجه المعرفي، سواء كان فكرًا أو أدبًا، رسمًا أو موسيقى، يسجل فيه موقفه من السلطة والجماهير ومن العلاقة بينهما. قد يجوز للمثقف موالاة السلطة أو الحكومة حين تتبنى مهمات البناء والإصلاح والتنمية، وتعمل جاهدة على تنفيذها من أجل صالح أبناء البلاد، خصوصًا الفقراء والمحرومين منهم. غير أن هذه الموالاة تصبح موضع مساءلةٍ حين تكون سياسات السلطة مخالفة لآمال مواطنيها وحقوقهم وحرياتهم، فما بالك حين تكون في موقف العداء معهم أو مع جزء منهم.
حين وقعت مجازر الساحل، في آذار/ مارس الماضي، صنَّف الخطاب الصادر عن مواليي السلطة الجديدة طائفةً كاملةً جرت بحقها تلك المجازر فُلولًا، وبالتالي تصبح درجة ثانية في المجتمع، إن لم تكن جماعة معادية في نظره. بعدها بفترةٍ قصيرةٍ، خرج أحد المثقفين القاطنين في دولة خليجية بالقول إنه بعد مراقبة طويلة للمشهد السوري ولسلوك السلطة ومكوناتها، من الوزارات ومدراء المؤسسات وغيرها، لم يلاحظ إقصاءً لأي من مكونات المجتمع السوري أو ممثليه. ردَّ عليه أحد متابعيه قائلًا إن هنالك إقصاء لأكثر من خمسة آلاف ضابط وجندي ممن انشقوا عن نظام الأسد، وانتظموا في فصيل دافعوا من خلاله عن أبناء الشعب السوري في وجه آلة الأسد الإجرامية. هؤلاء لم تنفع كل نداءات المناشدة والمطالبات لضمهم للجيش السوري والمساهمة عبر معارفهم وتجاربهم في إعادة تأسيسه، وحتى الآن لا يعرف السبب، على الرغم من كفاءاتهم وتضحياتهم. وقال آخر، ماذا عن رجال الدين الذين تركوا البلاد لكيلا يكونوا جزءًا من آلة النظام الترويجية والخداعة، هؤلاء لم يفكر أحد باستدعائهم وضمهم إلى السلطة الجديدة ليجدوا طريقهم إلى المؤسسات الدينية، ربما لأنهم أصحاب خطاب وسطي توافقي. أليس في هذا إقصاء؟ ثم ماذا عن صرف أكثر من 400 ألف من الكوادر الأكاديمية المدربة والمؤهلة، وحتى من الممرضين والأطباء، من أعمالهم في مؤسسات الدولة ومشافيها، في اليوم التالي لسقوط النظام، ورميهم في الشارع وتركهم هكذا من دون مصدر رزق، وفق قرار لم تسبق إصداره أي دراسة لتبعات هذه الخطوة اجتماعيًا واقتصاديًا، أليس في هذا إقصاء؟
هنا لا يمكن التصديق بأن مثقفًا من هذا الوزن، يمكن أن تُعمى عيناه عن واقع كهذا فلا يرى فيه إقصاءً. هو يرى ما يريد، يرى السيء في الحكم الجديد جيدًا، والناشز صالحًا. ولا يعرف أن دوره تحوَّل إلى مبرِّر لجميع الأخطاء، على عكس دور المثقف المعروف، والذي يأتي من التعريف المدرسي للمثقف، ذلك الذي يراقب الحوادث ويفسر الظاهرات ويشرِّح الواقع لفهمه من أجل نشر الوعي به لتغييره.
وتنتشر هذه النزعة الإنكارية لدى عدد كبير من المثقفين، الذين أعلنوا بكتاباتهم الصحافية وتعليقاتهم ومنشوراتهم على صفحاتهم على وسائل التواصل الاجتماعي، ولاءهم المطلق للسلطة الجديدة. ثم أعطوا أنفسهم وظيفة الترويج لها ولممارساتها، من دون أي تفكير في خطورة هذا الدور على أبناء الشعب. كما لم يفكروا بخطورته على السلطة ذاتها التي حين ترى تناغمًا كهذا معها من مثقفين كانوا مرة من أعتى معارضي الأسد، ستظن أن كل ما تمارسه صحيح، فتستمر بالسير بالأخطاء التي تظنها صوابًا، إلى حد ستقع في نهايته بمحظور سيجعل حتى أقرب مواليها ينفضُّ عنها عندما لا تراعي مصلحة أبناء البلاد، كما حصل لنظام الأسد في سنواته الأخيرة.
في مقدمه كتابة “المثقف والسلطة”، (رؤية للنشر والتوزيع، القاهرة 2006)، قال المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد: “ومن المهام المنوطة بالمثقف أو المفكر أن يحاول تحطيم قوالب الأنماط الثابتة والتعميمات ’الاختزالية’ التي تفرض قيودًا شديدة على الفكر الإنساني وعلى التواصل ما بين البشر”، (ص 19). غير أن بعض المثقفين السوريين آثروا العمل عكس هذه المهام التي تعد بديهية، حين عملوا على تدعيم تلك القوالب وتكريسها. وفي سياق ذلك، لم يسألوا أنفسهم عن مدى توافق فعلهم مع الالتزام المفترض بالمثقف أن يكون عليه فيما يخص هذه القضايا والقضايا الإنسانية التي لا يشعر الكثيرون بحجمها وثقلها الهائل إلا خلال الأزمات، من قبيل الأزمة التي مرت وتمر بها سوريا حاليًا. فقضية مثل قضية الهجوم على جماعة بشرية، كما حدث في الهجوم اللفظي والعسكري على أبناء الطائفة الدرزية في السويداء بوصفهم دروزًا، وبحجة شذوذ شيخٍ بينهم، والذي تواصلت مفاعليه لثمانية أيامٍ، منذ 13 يوليو/ تموز الجاري، تعدُّ كاشفةً لمدى اضطلاع المثقف بمهمة غريبة عن دوره، حين تعمَّد تحييد كل ما يمنع التواصل بين أبناء الشعب السوري. لذلك رأينا مثقفين كثيرين يعممون ويختزلون الناس بطائفة، ثم يُفتضح أمرهم عندما يحاولون مداراة تأييدهم أعمال القتل حين يمجدون العشائر ويُعلون من شأنها، بعدما تداعت العشائر السورية إلى تنفيذ الهجوم الثاني على المدينة وأهلها، بعد انتهاء الهجوم الأول باتفاق وقف إطلاق نار.
وبهذه الممارسة الناشزة يمهِّد بعضُ المثقفين، والكثيرين من عتاة الموالين، لمرحلة الولاءات الجديدة، بعدما خرجوا من مرحلة الولاءات القديمة زمن بشار وأبيه. وإذ يمجد البعض “العشائرية” بعد غزوة العشائر في السويداء، لا يعرف، أو ربما يعرف وينكر، أن البلاد قد تدخل مرحلة النكوص إلى نمط حياة ما قبل مديني، عبر العودة إلى مرحلة الولاءات الأولية؛ الفئوية والمناطقية، وكذلك الطائفية والقبلية والعشائرية، بدلًا من الولاءات للوطن وللدولة المركزية، دولة جميع المواطنين، التي تؤسس لهوية وطنية جامعة لكل أبنائها.
الترا سوريا



