تاريخسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوع

في تكريم ميشيل كيلو: “كي لا تبقوا ببحر الظلمات”/ سمر شمة

29 يوليه 2025

لو كان ميشيل كيلو، المناضل والكاتب والمثقف السوري الراحل، بيننا اليوم لانتابه حزن شديد وعميق لما يحدث في سورية من فجائع وانقسامات وانتهاكات، ولكان رفع شعاره الذي كان يردده دائمًا: “الشعب السوري واحد”. ولربما كان الآن يحاول تضميد الجراح في كل المدن والبلدات والقرى السورية الموجوعة قائلًا: “كي تصبحوا شعبًا واحدًا اعتمدوا معايير وطنية، وانبذوا العقليات الضديّة والثأريّة في النظر إلى بعضكم وأنفسكم، فالمجتمعات لا تصبح مجتمعات وفقًا لذلك، وإنما تغدو هكذا بواسطة عقد اجتماعي واضح ومحدّد يساوي بين جميع المواطنين، ويكفل حرياتهم وحقوقهم وكراماتهم”.

إنه المثقف والإنسان الذي يُعتبر من رواد التمرد على الاستبداد الأسدي في سورية لأكثر من خمسين عامًا، والذي انخرط في الثورة السورية منذ يومها الأول، وبذل جهودًا جبارة لتوحيد السوريين في عمل سياسي موحد يستند إلى أسس ديمقراطية ووطنية، والذي سعى طوال حياته لأن تكون بلاده لجميع أبنائها.

توفي كيلو في 19 نيسان/ أبريل 2021 عن عمر ناهز 81 عامًا بعد إصابته بفايروس كورونا في منفاه الباريسي، بعد أن قضى عقودًا في الاعتقال والملاحقة حالمًا بالوصول إلى الحرية التي اعتبرها غاية الإنسان وحقًا من حقوقه المشروعة. توفي قبل أن يشهد انتصار الثورة، وقبل أن يرى وطنه حرًا موحدًا، وقبل أن يعيش في الجمهورية الديمقراطية التعددية التي يتساوى بها المواطنون بغض النظر عن انتماءاتهم الطائفية والأيديولوجية، وكان يقول دائمًا: “حاسس حالي غريب جدًا، الغربة كربة، راح موت لأرجع على سورية”، ولكنه لم يعد ولم يسعفه العمر بتحقيق حلمه.

وقد قام اتحاد الكتاب العرب بدمشق بتكريمه في حفل مسكون بالشجون والحزن والذكريات والفخر وشارك فيه عدد من الصحافيين والكتاب وأصدقاء الراحل ورفاق دربه وهم: محمد طه العثمان- رئيس الاتحاد، فايز سارة- صديق الراحل الكبير، الكاتبة فدوى العبود، الصحافيان: ماجد كيالي وسميرة المسالمة ممثلة لعائلته، سليمان الشمّر- القيادي في “إعلان دمشق”، أحمد العسراوي- الأمين العام لحزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي، إيناس ناجي زين -الناجية من المأساة السورية والتي عاشت في مخيمات اللجوء القاسية أكثر من 12 عامًا.

وتمّ في الحفل عرض فيلم وثائقي عن الراحل الذي قارع نظامًا متوحشًا لعقود ولم يهادن. أما المشاركون في حفل التكريم فقد تحدثوا عن تجربة كيلو الغنية ومتابعته للملف السوري محليًا وإقليميًا ودوليًا، وعن ثقافته الواسعة وفكره اليساري، وعنه كأديب وأخ وصديق مؤكدين أنه كان قريبًا من الناس البسطاء، ومتواضعًا جدًا وأنه أحد رجالات سورية المعاصرة وأحد أبنائها الأوفياء. كما ركزوا على وصيته التي وجهها للسوريين وهو على فراش الموت تحت عنوان: “كي لا تبقوا في بحر الظلمات”، وتضمنت معايير سياسية تصلح لأن تكون وثيقة وميثاقًا وطنيًا للجميع، ودعوة لوحدة العمل السياسي السوري والتمسك بقيم الحرية والديمقراطية: “لن يحرركم أي هدف آخر غير الحرية. أنتم الشعب وحده من صنع الثورة. فلا تتركوا أحدًا يسرقها منكم”. إضافة إلى إصراره فيها على رفض الإقصاء والتمسك ببناء الدولة السورية الموحدة، والانتماء إليها كهوية جامعة: “لا تنظروا إلى وطنكم من خلال أهدافكم وأيدولوجياتكم. والتقوا بمن هو مختلف عنكم بعد أن كانت انحيازاتكم تجعل منه عدوًا لكم”.

كما دعا في وصيته إلى التمسك بدولة المواطنة التي تقوم على مبادئ الديمقراطية والقانون، بعيدًا عن الفئوية الطائفية والمذهبية وإلى وحدة الشعب السوري لأنها الطريق إلى الخلاص من الاستبداد وذل النظام الأسدي وإجرامه: “إذا لم تتحدوا في إطار وطني وعلى كلمة سواء ونهائية، فإنه سيذلكم إلى زمن طويل جدًا، في وحدتكم خلاصكم، فتدبروا أمرها بأي ثمن وأي تضحيات”.

ودعا إلى عدم ارتهان العمل السياسي السوري للخارج وذلك بعد التدخلات الإقليمية والدولية المعروفة إثر اندلاع الثورة السورية. ولم ينسَ في وصيته قضية فلسطين التي كان يراها دائمًا قضية العرب جميعًا، وقضية أمن قومي عربي وشخصي للسوريين والعرب جميعًا، وتحدث أيضًا عن الجولان المحتل وحق السوريين في استعادته وتحريره: “لا تنسوا يومًا قضية فلسطين. ولتبقَ قضية استعادة الجولان في مقدمة أجندتنا الوطنية”. وذكر أيضًا المرأة السورية الشجاعة والصابرة والتي أعطت الثورة السورية طابعها الخاص والمتميز وقدمت التضحيات والبطولات الخيالية. ووجّه التحية للسوريين الذين دفعوا أثمانًا باهظة وتحدّوا أجهزة النظام الديكتاتوري الدموية على امتداد مدن وبلدات وقرى سورية: “كل التقدير لكل فئات الشعب السوري، ولكل الذين لعبوا دورًا مشرفًا ورائدًا في مقاومة النظام والكفاح من أجل حرية شعبنا وكرامته”.

ولد ميشيل كيلو في اللاذقية عام 1940، ونشط في لجان إحياء المجتمع المدني، وكان من أبرز المشاركين والمساهمين في “إعلان دمشق” 2005 الذي اعتُبر وثيقة لقوى التغيير الديمقراطي في سورية. وفي إعلان دمشق – بيروت 2006 أيضًا والذي وقّع عليه نشطاء ومفكرون من لبنان وسورية وطالبوا فيه النظام المخلوع بتصحيح علاقاته مع لبنان واحترام استقلاله وسيادته. وكان عضوًا برابطة الكتاب السوريين والحزب الشيوعي السوري – المكتب السياسي، ورئيس اتحاد الديمقراطيين السوريين، ورئيس مركز حريات للدفاع عن حرية الرأي والتعبير في سورية، وعضو في الائتلاف السوري المعارض والذي استقال منه فيما بعد لأن الكتلة المعطلة فيه أصبحت أكبر بكثير من الكتلة القادرة على الإصلاح وبالتالي كما قال: “وجودنا أصبح شهود زور، وعلينا الانسحاب”.

اعتُقل كيلو في السبعينيات أيام الأسد الأب، ثم سافر بعد الافراج عنه إلى فرنسا حتى نهاية الثمانينيات، حيث عاد إلى البلاد واستأنف نشاطه بحلول “ربيع دمشق”، واعتُقل ثانية في 14 أيار/ مايو 2006 بتهمة إضعاف الشعور القومي والنيل من هيبة الدولة وإثارة النعرات الطائفية، وأُفرج عنه في 2009 بعد محاكمته من قبل محكمة عسكرية، بعد أن قامت مجموعة من النشطاء والمحامين والإعلاميين والمفكرين بتأسيس اللجنة الدولية لمساندة ميشيل كيلو والتي انبثقت عنها هيئة للدفاع عنه ضد التهم الموجهة إليه.

درس الصحافة في مصر وألمانيا. وترجم عشرات الكتب عن الألمانية وتنوعت مؤلفاته بين الفكر والسياسة والقصة والرواية، إضافة إلى المقالات التي كتبها في أهم الصحف العربية، ومن الكتب التي ترجمها: “نظرية الدولة” تأليف نيكولاس بولانتزاس، وكتاب “من هيجل إلى نيتشه” و”السلطة البرجوازية في العالم الثالث” و”الدولة والتطور” وغيرها الكثير.

ألّف العديد من الكتب الهامة وهو الباحث الدائم عن الحقيقة والحرية والاعتدال ومنها: “من الأمة إلى الطائفة – سورية في حكم البعث والعسكر”، وهو كتاب نقدي سياسي يحلل تحولات السلطة السورية من مشروع قومي إلى بنية طائفية مغلقة، ويركّز على حزب البعث والانقلابات وظاهرة الأسدية. وقد عرّى فيه نظام الأسدين ودورهما في تخريب المجتمع السوري، ومجيء بشار الأسد كحاكم مطلق للدولة استمرارًا لنهج أبيه.

أما كتاب: “الثورة السورية وبيئتها الدولية” فقدّم فيه رؤيته لما حدث في سورية منذ انطلاق الثورة من خلال استعراض وتحليل مواقف وتدخلات مختلف القوى والدول في الشأن السوري وما أصاب السوريين من خيبات وخذلان، مؤكدًا أن ما وقع في البلاد أقرب إلى تمرد مجتمعي عفوي، أو انتفاضة ثورية تحولت إلى ثورة منظمة، ولكنه سمّاها ثورة الحرية التي جاءت في مرحلة الفوضى الخلاقة الذي تبناها المحافظون الجدد في الولايات المتحدة لإعادة تشكيل الشرق الأوسط، وهذا من سوء طالع هذه الثورة -أو الهبّة الشعبية كما سماها- التي جاءت في تلك المرحلة الصعبة.

كان ميشيل كيلو كما وصفه البعض رجلًا يتحدث كأنه يغرف من بحر بسيط، يسيطر على مستمعيه بنبرة صوت جميلة ويستند على ثقافة وأفكار ناضجة، ولديه قدرة متميزة على الكتابة الروائية التي تجلت حتى في كتبه السياسية. كان على كفاءة أدبية عالية لكنه اختار العمل السياسي الذي أخذ منه وقته وأمانه وسكينته.

كتب رواية “دير الجسور” وهي تختصر حكاية سورية والدولة الاستبدادية القمعية وآلية عملها للسيطرة عليها أرضًا وشعبًا. وكانت مكثفة جدًا وفيها عرّى عقلية الأجهزة الأمنية والاعتقالات التعسفية التي تقوم بها والتعذيب الوحشي الذي يُفضي إلى الموت أحيانًا، وسماها كيلو “قصة طويلة” لأنه كان متواضعًا جدًا وأكد فيها أن القمع الوحشي قد يطاول السجان والمخبر وضابط الأمن. وقد اعتبر بعض النقاد هذا العمل الأدبي من أبرز الأعمال الروائية السورية رفيعة المستوى التي لا نجد شبيهًا لها وأشادوا بالدرجة العالية من الإبداع التي رافقت لغتها وقد نُشرت بعد قيام الثورة السورية.

أما روايته الثانية “مزار الدب” فقد كانت مفقودة وعثرت عليها ابنته بعد وفاته وقامت بنشرها. وفيها فكّك الراحل شخصية الديكتاتور المتمثلة بالهادي حمدان الأبرص حيث لم يكن الدين بالنسبة إليه سوى ستار سميك يخفي وراءه جشعه وطمعه وعندما تناقضت مبادئ عقيدته مع مصالحه تخلى عنها. تدور أحداثها في قرية صغيرة تسلطت عليها قوة قاهرة وحولتها إلى مزار للدببة ومقر للشياطين. وفيها عالج نشأة المجتمع والسلطة وعلاقتها بالدين والإنسان وأثر السحر والشعوذة على البشر، والدور المدمر الذي تلعبه الأنظمة الشمولية.

يُقال بأن ميشيل كيلو حكّاء بارع، يُتقن فن الحكي والكلام، ويُتقن كتابة المقالات التي نشرها وهو مسكون بالحنين إلى بلده وبالحرية والعدالة والنُضج السياسي والأدبي. كتب في “العربي الجديد” وغيرها من المنابر الإعلامية الهامة، ومنها مقالات عن سورية بعد 2011 مثل “عن الثورة السورية” وفيها رأى أنه لم يكن أحد من متابعي الشأن السياسي يعتقد أن السوريين قادرون على الشروع في ثورة، وذلك لأن المجتمع السوري كان مفككًا وبلا خبرة في الشؤون العامة وبلا قيادات بعد أن دمر نظام الأسدين الأب والابن الحياة السياسية والأحزاب والنقابات والحياة الفكرية والثقافية في البلاد. ولأن النظام كان مستعدًا أمنيًا وعسكريًا وسياسيًا لمواجهة أي تحرك جماهيري. وفي مقال له تحت عنوان “ثورة ليست كغيرها” أكدّ أن الثورة السورية تتحدى قدرتنا على إيجاد لغة تليق بها وتعبر عن مضامينها، وأن بشار الأسد واجهها بكل حماقة وإجرام، لكن السوريين تخطوا حواجز الدم والنار وهم يرددون: “سورية بدها حرية، والشعب السوري واحد”.

خاطب كيلو أيضًا الموالين لنظام الطاغية كما في مقالته: “لا تندهوا ما في حدا” 2021 وفيها أكد لهم أن الديكتاتور يعالج مجاعتهم التي يشتكون منها بالأسلوب الأمني الإجرامي نفسه الذي عالج به ثورة السوريين: “أيها الذين تستجيرون ببشار الأسد. لا تندهوا ما في حدا. إنه لا يرد عليكم لأن كرسيه الذي يحميه الغزاة وقتلة المخابرات يكفيه. ولم يعد بحاجة إليكم”.

وكان يرى أن الحل في سورية قد لا يكون قريبًا لكنه أيضًا قد لا يكون بعيدًا وذلك لتعارض مصالح ورهانات الممسكين به الذين يسيطرون على المنخرطين فيه: “لا عجب إن أصبنا بمفاجأة تذهلنا في حال تحقق الحل قريبًا، لأننا لن نكون فاعلين بل منفعلين”، وهذا ما حدث في كانون الأول/ ديسمبر الماضي ليلة سقوط وهروب الطغاة.

قد لا تتفق مع الراحل في آرائه جميعًا، ولكن لا تستطيع أبدًا إلا أن تحترمه وتقدّره، فهو الذي ألّف بين قلوب السوريين، وقارع أشد الأنظمة الديكتاتورية إجرامًا في العصر الحديث.

كان رحيله موجعًا، خسرته سورية والسوريون، وهو الذي كان يصرّح دائمًا بأنهم أنجزوا إحدى أعظم الثورات في ماضي البشرية وحاضرها، وأن المواطن السوري أبدى خلالها من البطولات والتضحيات ما ينتمي إلى عالم الأساطير، وكسر نظامًا همجيًا طائفيًا وبربريًا، وكان يقول مخاطبًا كل السوريين بلا استثناء: “ستدفعون ثمنًا إقليميًا ودوليًا كبيرًا لحريتكم. شعبنا يستحق السلام والحرية والعدالة. سورية الأفضل والأجمل بانتظاركم”.

ضفة ثالثة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى