منوعات

القامشلي… نصف بيوتها فارغة ونصفها مزدحم/ ريمون القس

29 يوليو 2025

تشهد القامشلي، كبرى مدن محافظة الحسكة السورية، أزمة إسكان كبيرة ومركبة، فنصف بيوتها، تقريباً، فارغة والنصف الآخر يضيق بسكانها، وقراها مهجورة، على الرغم من استقبالها عشرات آلاف النازحين من بلدات المحافظة ومدنها أو من خارجها.

القامشلي عاصمة اقتصادية وتجارية للإدارة الذاتية خلال السنوات العشر المنصرمة، وإحدى المدن السورية القليلة التي استمر بها البناء على قدم وساق. وشهدت، وهي المدينة الحدودية، ما يشبه “ثورة” في بناء الوحدات السكنية والاستثمار في العقارات، وخاصة بين 2015 و2020، وفي المقابل، لا يمكن لمعظم سكانها شراء منازل جديدة. وباستثناء التجار والمتنفذين وظهور طبقة جديدة من رجال الأعمال المقربين من السلطة، يعيش معظم سكان منطقة شمال شرقي سورية، ومن ضمنها القامشلي، تحت خط الفقر، لكن ارتفاع أسعار العقارات والإقبال على بناء الوحدات السكنية يشهدان ارتفاعاً يوصف بالجنوني.

وسجلت أسعار الوحدات السكنية في القامشلي منذ أواخر 2019 انخفاضاً نسبياً إثر الهجوم العسكري التركي ضد قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، ومع ذلك ما زالت أسعار الأراضي والوحدات السكنية والتجارية وحتى الإيجارات مبالغ فيها بشكل كبير، مقارنة مع مدن سورية مختلفة؛ منها العاصمة، أو مدن سياحية مثل اللاذقية وطرطوس، أو حتى صناعية مثل حلب.

ويبلغ متوسط سعر الوحدة السكنية في حي شعبي حالياً نحو 40 ألف دولار، وقد تسجل شقة أرضية في شارع القوتلي مليون دولار، وأكثر من ثمانية ملايين دولار لعقار متهالك غير مسكون مساحته نحو ألف متر مربع في الشارع الراقي ذاته، وأكثر من مليون دولار لأرض مساحتها نحو 500 متر مربع في حي الوسطى (منطقة العيادات).

ورصدنا إصرار صاحب مبنى تجاري جديد في شارع “الوحدة العربية” على مبلغ خمسة ملايين دولار لقاء مشروعه على الرغم من أن كلفته أقل من مليون دولار، فبقي مغلقاً وغير مستثمر منذ تنفيذه قبل نحو أربع سنوات. في حين تسجل إيجارات الوحدات السكنية والمحال التجارية المميزة أرقاماً قد تصل إلى ألف وربما ثلاثة آلاف دولار، وخصوصاً عندما يكون المستأجر جهة أجنبية أو منظمة دولية.

أسباب ارتفاع أسعار العقارات وإيجاراتها

عزا عمار دلف خلف، صاحب أنشط شركة عقارية في القامشلي، ارتفاع أسعار العقارات وإيجاراتها إلى أسباب كثيرة ومتنوعة؛ منها “ارتفاع أسعار كل شيء، فالإكساء ارتفعت كلفته، والأيدي العاملة، والارتفاعات المستمرة في أسعار الوقود، والضرائب والجمركة المتصاعدة”.

وقال خلف إن “الاستقرار السياسي الذي تشهده المنطقة منذ سنوات يحتل المرتبة الأولى لأسباب ارتفاع أسعار العقارات، وأيضاً المفاوضات الأخيرة بين قوات سوريا الديمقراطية (قسد) ودمشق، وبوادر حل القضية الكردية في تركيا، ومنها توقف القتال في سد تشرين، فضلاً عن إقبال كثير من مغتربي المنطقة المقيمين في أوروبا على شراء منازل في القامشلي”.

وبالفعل، فإن أحد الأسباب غير التقليدية في الإقبال على شراء الوحدات السكنية في القامشلي هو وجود لاجئين ومغتربين كثر من سكان المدينة وريفها يقيمون في الدول الأوروبية وخاصة ألمانيا، وقسم كبير منهم يعمل هناك بطرق غير شرعية، وتراكمت لديهم أموال لا يمكن التصريح عنها ولا يمكن إيداعها في البنوك أو حتى اكتنازها في منازلهم، فيرسلونها إلى أقاربهم ليشتروا لهم منازل أو أراضي للحفاظ على تلك الأموال.

وأكد خلف ارتفاع أسعار العقارات في القامشلي، وخاصة في منطقة السوق، إلى أرقام مبالغ بها تصل إلى 200 ألف دولار ثمن مكتب أو محل تجاري أو عيادة مساحتها نحو 50 متراً مربعاً، ويصل سعر الأراضي المعدة للبناء في السوق إلى ثلاثة آلاف دولار للمتر المربع الواحد، وأبرز تلك العقارات هي المحلات الموجودة في سوق الصاغة والصرافة التي تصل أسعارها إلى 500 ألف دولار لمحل مساحته 15 متراً مربعاً. وقال خلف “الهجرة الداخلية التي شهدتها القامشلي من باقي بلدات محافظة الحسكة ومدنها بسبب عدم وجود مقومات الحياة في الريف من ماء وكهرباء وحتى الخبز دفعت عشرات آلاف القرويين إلى الهجرة باتجاه مدينة القامشلي النشطة، وبالتالي، زاد الطلب على الإيجارات، سواء وحدات سكنية أو محلات تجارية”، وأكد أن “هناك آلاف المغتربين في أوروبا يملكون محلات وشققاً سكنية يرفضون بيعها أو تأجيرها، وهو أحد أسباب ارتفاع أسعار إيجارات العقارات السكنية أو حتى التجارية”.

وأوضح خلف أن “شارع السياحي، مثلاً، يشهد أغلى الأسعار والإيجارات بسبب تمركز المنظمات الدولية والصحافيين والمؤسسات الإعلامية الكثيرة والشركات وغيرها من المنظمات والجهات الأجنبية فيه، ما دفع إلى ارتفاع غير مسبوق بالأسعار، فوصل إلى حد ثلاثة آلاف دولار شهرياً إيجار وحدة سكنية أو مؤسّسة إعلامية أو منظّمة دولية، وفي حال كانت بناية مؤلفة من ست شقق يصبح إيجارها الشهري 18 ألف دولار”. وقال إن “إيجارات محلات الصرافة والصاغة تصل إلى ألف دولار شهرياً للمحل الواحد بمساحة 15 متراً مربعاً”. وأضاف: “رغم إصدار الإدارة الذاتية قراراً يقضي بتسعير الإيجارات والسيطرة على انفلات أسعارها لتصبح قيمة إيجار كل غرفة في المنزل بقيمة عشرة دولارات، أي منزل بثلاث غرف يكون إيجاره الشهري 30 دولاراً، إلا أنه لم يتم التقيد بهذا القرار نهائياً”.

وقال مدير الشؤون القانونية والعقود في مجلس مدينة القامشلي معن الحميدي، لـ”سورية الجديدة”، إنه “قياساً مع الوضع المعيشي في المنطقة هناك ارتفاع في أسعار العقارات وبالتالي في الإيجارات أيضاً”. وأضاف أن “رواتب موظفي الإدارة الذاتية ومؤسّساتها المتنوعة تراوح بين 1.2 و1.5 مليون ليرة (أقل من 150 دولاراً). أما رواتب موظفي الدولة السورية فتقدّر بنحو 500 ألف ليرة (أقل من 50 دولاراً)، في حين تراوح إيجارات المنازل بين 50 دولاراً (أقل من 600 ألف ليرة سورية)، في حي شعبي، في حين تبلغ 100 دولار و150 دولاراً وحتى 200 دولار في منطقة السياحي.. وفي جميع الأحوال، تعدّ قيمة العقارات والإيجارات غير متوافقة مع مداخيل المواطنين وبعيدة عن المتناول”. وأفاد الحميدي بأن “أسباباً كثيرة أدّت إلى ارتفاع أسعار العقارات وحتى الإيجارات. وبالنسبة للعقارات، فإن ارتفاع أسعار صرف الدولار ووصوله إلى أرقام قياسية في السنوات الأخيرة، وارتفاع أسعار مواد البناء مع أنها تقدر بالدولار، والرسوم الجمركية المرتفعة التي تفرضها المعابر، وزيادة الإقبال على شراء العقارات في فترات معينة، سواء من أهالي القامشلي أو مغتربيها الكثيرين أو حتى من النازحين إلى المدينة من ريف وبلدات محافظة الحسكة، كرأس العين، أو النازحين من محافظات أخرى”.

وقال الحميدي “هناك سبب آخر لارتفاع أسعار العقارات، الكلفة الزائدة التي يتحملها متعهد البناء في أثناء إنشائه البناء ابتداءً من استخراج رخصة البناء المكلفة جداً، وهناك متعهدون يتقدمون ويستخرجون رخصتي بناء، الأولى من بلدية الإدارة الذاتية والثانية من بلدية الدولة السورية، وهو ما يزيد كلفة البناء، وبالتالي يرفع أسعار العقارات، وقلة المشاريع الجديدة أخيراً”.

وأضاف: “بالنسبة للإيجارات، يقدر إيجار أي شقة أو دار سكنية بين 50 و150 دولاراً وسطياً، وأنا لا ألوم مالك العقار حين يرفع إيجاره بين حين وآخر لأنه يتكلف هو أيضاً في إجراء أعمال صيانة دورية كلما خرج مستأجر ودخل جديد؛ مثل شراء مواد صحية وكهربائية ودهان وغيرها من الصيانات”. وأكد الحميدي أن “أغلب المشترين يرغبون بالشقق الأرضية أو الطابق الأول أو الثاني، بينما المعروض حالياً وبكثرة هي شقق الطوابق العليا: الثالث والرابع وحتى الخامس نظراً إلى قلة المشاريع الجديدة”.

شقق غير مسكونة

قال الحميدي “تتوفّر كثير من الشقق الجاهزة وهي شاغرة، ولكن أصحابها يمتنعون عن تأجيرها خشية تعرّضها للتخريب على أيدي المستأجرين أو عدم حاجة الملاك إلى قيمة الإيجار، وخصوصاً إذا كانوا من المغتربين، وأنا أقدّر نسبة المنازل الفارغة من السكان بنحو 30%، وربما أكثر من شقق القامشلي”. وأضاف “أغلب المستأجرين هم من مناطق غير القامشلي؛ مثل نازحي رأس العين في الحسكة وتقدّر أعدادهم بعشرات الآلاف، ومن عفرين في حلب وتقدّر أعدادهم بنحو 50 ألف شخص، ومن محافظة دير الزور”.

وفي محاولة للاطلاع على آراء أهالي المدينة، التقت “سورية الجديدة” بالموظف الحكومي نبيل خليل، ورصد سكنه المتهالك في ملحق بالطابق الخامس، في منطقة فقيرة. وعبر خليل عن رغبته وزوجته وأبنائه الثلاثة باستبدال منزلهم بآخر أقلّ ارتفاعاً؛ مثل الطابق الأول أو الثاني بعدما تجاوز الـ53 عاماً، وأصبحت عملية الصعود والنزول إلى منزله المرتفع يومياً لمرات عدة منهكة له ولزوجته، ولكن يستحيل ذلك في ظل الارتفاع المفرط لأسعار العقارات.

وقال خليل: “حين استفسرت عن سعر شقّة في بنايتي نفسها في الطابق الأول قيل لي إن ثمنها 40 ألف دولار في حين أن شقتي المرتفعة المعروضة للبيع لا يصل ثمنها إلى 20 ألف دولار”. وأضاف: “أنا موظف حكومي وراتبي أقل من 500 ألف ليرة (أقل من 50 دولاراً)، وأعمل في بعض الأحيان في مجال الكهرباء المنزلية ولن أتمكن من جمع 20 ألف دولار أخرى. لذلك يبدو أني سأشيخ، وتعطب ركبي وركب زوجتي، وربما أواجه الموت قبل أن نتمكّن من شراء شقة جديدة مناسبة لأعمارنا”.

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى