إشتباكات السويداءالتدخل الاسرائيلي السافر في سورياتشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسة

قبل أن تضيع سوريا “الممزقة” في عواصف الانتماءات/ طارق علي

محللون: على الدولة الاعتراف أولاً بالانقسام الهائل ومن ثم وقف عمليات القتل ومطاردة خطاب الكراهية وتفعيل العدالة الانتقالية

الثلاثاء 29 يوليو 2025

كان يمكن استشراف الواقع الذي ستقبل عليه سوريا منذ وصول “هيئة تحرير الشام” إلى الحكم، وكان متوقعاً أن تصعد الخطابات الطائفية الضيقة والواسعة إلى الواجهة وتحمل معها تهديدات بالانفصال أو التقسيم وفي أفضل الأحوال إدارات ذاتية على حساب دولة واحدة مركزية تامة الأركان، فاصطدمت السلطة الجديدة بصراع الطوائف وقلقهم المتنامي أمام عجزها المرحلي عن حمايتهم، أو في الأقل ألا تكون طرفاً في أحداث دموية عصفت بهم، عن قصد أو غير قصد.

تواجه السلطات الانتقالية السورية في مرحلة ما بعد سقوط نظام الأسد أواخر العام الماضي، واحداً من أبرز التحديات الوجودية المعاصرة التي تقف خلفها عوامل متعددة مشكلة تحدياً صارخاً لها، وعلى رأسها التفكك المجتمعي مذهبياً واجتماعياً وسياسياً وعقائدياً ومناطقياً. تلك الشذرات المقلقة لم تكن إلا حصيلة حكم شمولي فردي استدام لعائلة الأسد طوال خمسة عقود وزيادة، وصولاً إلى الحرب السورية التي بدأت عام 2011 وانتهت بإطاحة الأسد ونظامه أواخر عام 2024.

هذه الحرب القاسية أسهمت في إضافة شروخ جديدة بين السوريين، وتعميق الفجوات بينهم إلى حدود غير مألوفة، لتتجاوز القضية مسألة الخلاف السياسي بمفهومه العام متحولة إلى مظلومية شاملة تراكمت فيها مشاعر الكراهية والإقصاء والتحدي والخوف مشكلة ذاكرة جماعية لشعب حفظ لنفسه استرداد الحقوق بالثأر ولو طال الزمن، وقد استطال لينفجر في وجه الأسد ثورة شعبية، وفي وجه السلطة الانتقالية دماً وكراهية ومظلوميات إضافية.

المرحلة المعقدة

كان يمكن استشراف الواقع الذي ستقبل عليه سوريا منذ وصول “هيئة تحرير الشام” إلى الحكم، وكان متوقعاً أن تصعد الخطابات الطائفية الضيقة والواسعة إلى الواجهة وتحمل معها تهديدات بالانفصال أو التقسيم وفي أفضل الأحوال إدارات ذاتية على حساب دولة واحدة مركزية تامة الأركان، فاصطدمت السلطة الجديدة بصراع الطوائف وقلقهم المتنامي أمام عجزها المرحلي عن حمايتهم، أو في الأقل ألا تكون طرفاً في أحداث دموية عصفت بهم، عن قصد أو غير قصد.

كمنت الخطورة في كل ذلك بتحول الانقسام من طولاني بين سلطة ومكونات، إلى عرضي بين مكونات في حد ذاتها، وقد بدا ذلك في هجمات 200 ألف مسلح منظم أو غير منظم على الساحل السوري بضيقه الجغرافي في مارس (آذار) الماضي، وهجمات عشائر البدو على السويداء جنوب سوريا في يوليو (تموز) الجاري، وبطبيعة الحال الصراع القومي الذي يطبخ على نار هادئة مع قوات سوريا الديمقراطية الكردية “قسد”، التي تسيطر على الشمال الشرقي في سوريا. مما يجعل من مفهوم الوحدة الوطنية والسلم الأهلي شعارات رنانة ببريق خافت مجرد من الأسس القانونية والمنطقية والسياسية والسيادية التي يمكن لها أن تحمل حلولاً شجاعة لإنهاء حال الانقسام العام. فسوريا اليوم ليست واحدة، بل هي أكثر من دولة في وقت واحد، بجنوبها، وشمالها الشرقي، وساحلها، وهؤلاء يطالبون بحماية دولية أو فيدرالية، وباديتها التي تشهد عودة انتشار “داعش”، فيما تتوزع قوة المركز السلطوي في حلب وإدلب وحماة وحمص ودمشق وشيء من درعا.

وفي ظل تعقيد المشهد إياه فإن المطلوب هو إعادة رسم سياسة متكاملة تحوي مختلف أطراف ومكونات الشعب السوري بعيداً من الافتراء والخطاب الأحادي والمجاملات والسياقات غير المبررة في التعاطي مع قضاياهم، وهو ما يمهد بأية لحظة لإعادة إنتاج فوضى عند أول اختبار حقيقي كأحداث السويداء التي بدأت بشرارة بسيطة ثم تحولت لمجزرة أمام وجود كميات مقلقة من السلاح غير المنضبط والخطابات التحريضية التي تملأ الأرجاء، وبناء على كل ذلك يجب طرح سؤال جوهري حول قدرة السلطة على معالجة الانقسام لا إدارته مرحلياً وتأجيله.

بين الأقوال والأفعال

شهدت الأشهر السبعة الأولى بعد سقوط نظام الأسد مقتل نحو 10 آلاف سوري في حوادث متفرقة بحسب توثيقات المرصد السوري لحقوق الإنسان ومنظمات حقوقية أخرى، وهو رقم مهول لم تسجله سنوات كثيرة من الاقتتال إبان الثورة وخلال تلك الأشهر الدموية تمسكت السلطات الجديدة بتوصيفات تتعلق بـ”السلم الأهلي” و”العيش المشترك” و”الوحدة الوطنية” و”العدالة الانتقالية” و”البحث عن المفقودين” وغير ذلك من عناوين حملتها خطابات وقوانين ومراسيم جمهورية، لكن تلك المصطلحات كلها لم تأخذ حيزها الفعلي في التنفيذ لتكون سبيل الخلاص ووقف حمام الدم المستمر في ظل غياب منهجية واضحة للتنفيذ وجدولة زمنية مفترضة.

وعلى رغم تشكيل السلطات السورية لحكومة انتقالية ادعت فيها تمثيل الشرائح السورية، فإن ذلك لم يرق بطبيعة الحال لأي شكل من تحقيق القبول، فالحكومة حملت وزيراً علوياً لا يمثل وزناً سياسياً ولا يمتلك قاعدة شعبية، ومثله وزيرة مسيحية كامرأة وحيدة، وبذا تحقق عاملان في آن، وزيرة سيدة وحيدة ومسيحية، فيما احتفظت نواة السلطة (“هيئة تحرير الشام” سابقاً) بالحقائب السيادية الأشد حساسية وأهمية من دفاع وخارجية وداخلية وعدل وغيرها، ووزعت البقية بصورة شبه تكنوقراطية لا تقدم أو تؤخر في تمنيات التمثيل العادل، وبذلك جاءت الحكومة تكتيكية لا استراتيجية.

لاحقاً، جرى تسمية لجنة للمصالحة الوطنية العليا، وكان من مهام هذه اللجنة أن تردم الهوة بين المكونات وتعيد الحقوق لأصحابها وتبني مسارات تفاهم مستديمة، لكن مراقبين يشيرون إلى أن اللجنة نفسها شبه منزوعة القرار والصلاحيات الفاعلة، لذا أصبحت تمارس دورها بوصفها منصة حوارية أكثر منها أداة وصل واتصال فاعل وموسع، وقد رفض وجهاء مناطق كثر استقبال هذه اللجنة وأعضاءها، ويمكن القول إنها فشلت مرحلياً بالاستدلال على أن القتل يتزايد لا يتناقص، والفجوة تتسع ولا تضيق.

ومن بين الإجراءات المتبعة كان إصدار مرسوم بتشكيل هيئة عدالة انتقالية، لكنها اصطدمت بعقبات بنيوية على شاكلة مسؤولياتها المتعلقة بالنظر في مرحلة ما قبل سقوط الأسد، وأن تشمل المتورطين من أتباع النظام السابق، في تعام عن أحداث دموية شاركت فيها الأطراف الأخرى وأفضت لمقتل عشرات آلاف السوريين على المقلب الآخر قبل انتصار الثورة نفسها وبعدها بطبيعة الحال، مما يجعلها عدالة انتقالية انتقائية كما وصفها سوريون في حينه، سوريون تساءلوا عن مئات التفجيرات الانتحارية التي استهدفت عمق أحيائهم في أتون الصراع السابق، فمن يحاسب عن تلك الجرائم؟

كذلك جاء مؤتمر الحوار الوطني ممسوخاً ومختصراً في ست ساعات، وكان مطلوباً منه أن يناقش مصير ومستقبل البلد بماضيه وحاضره، فجاء أشبه بمسرحية كان مطلوباً تنفيذها في عجالة، وصولاً إلى مؤتمر النصر وانتخاب الشرع رئيساً موقتاً من قبل قادة الفصائل العسكرية رفاق الأمس، لا المجتمع المدني وصندوق الانتخابات، ليليه إصدار الإعلان الدستوري الذي جاء مخالفاً للتمنيات وقادراً على إعادة إنتاج نظام شمولي يحصر معظم الصلاحيات السيادية بيد رأس السلطة، وينحي بقية المكونات تحت ستار عبارات منمقة.

وعلى رغم تلك الهفوات فإن المنطق السياسي للدولة واضح بأن القيادة الانتقالية لا تسعى إلى مزيد من التفكيك والانقسام، فتحاول في مكان تعزيز اللحمة الوطنية، وتفشل في أماكن أخرى فتحدث أمور مأسوية تعيد الأمور إلى المربع الأول، وذلك غالباً ينجم عن عدم القدرة حتى الآن على مقاربة الأمور بصورتها الصريحة والوقوف على الخلاف الطائفي ببعده العميق والمتنامي، ليوجه الشارع سؤاله إلى السلطة حول إمكانية تفكيك خطاب الكراهية الطائفية والسياسية من دون الاعتراف الصريح بوجودها أولاً؟

عجز أم ارتباك؟

كل ما يحصل حتى الآن لا يزال محمولاً على نشوة الانتصار في الثورة، فتبدو كل محاولات الاحتواء موقتة وغير فاعلة ولا تقود في نهاية المطاف إلى ديمقراطية وطنية جدية تعيد بناء ترتيب البيت السوري من الأساس، والمشكلة في جوهرها الصفري ليست ناجمة عن الهشاشة الإدارية المطلقة، بل عن ولادة المبادرات ميتة أصلاً تحت ضغوط داخلية وخارجية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى