إشتباكات السويداءالأحداث التي جرت في الساحل السوريسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسة

مأساة السوريين حين تصبح المصلحة هوية/ ضاهر عيطة

 

2025.07.28

ينقسم الناس في مواقفهم بين مؤيد ومعارض، بين راغب وكاره، بين من يريد، ومن لا يريد، وهذا الانقسام لا يعود إلى اختلاف أذواقهم وأفكارهم ومعتقداتهم فحسب، بل كذلك إلى اختلاف مصالحهم، وربما هي المحرك الأساسي لنشاطاتهم ونزاعاتهم.

هكذا هو الإنسان؛ يناصر القضية التي يعتقد أنها مفيدة وتلبي مصالحه، فيجعل منها قاموساً للخير، وآخر لا يجد فيها إلا مصدر شر.

وكلّما تعدّدت وتفرّعت المصالح، انقسم الناس أكثر، وصاروا أقليات ضمن أقليات، ورغم أننا بتنا نسكن في فضاء مكاني شبه واحد، نظراً لما أحدثته التكنولوجيا من وسائل تواصل، إلا أننا نعيش متفرقين عن بعضنا أكثر من أي وقت سابق؛ أقليات داخل أقليات.

وعلى هذا النحو، تتشكّل الاصطفافات، وأخطرها تلك التي تُخاض فيها الحروب والمعارك، حيث تصبح الأجواء مهيأة تماماً للشيطنة: شيطنة الآخر حتى لو كان ضحية، وتقديس الـ”أنا” حتى لو كانت جلاداً.

وفي حالتنا السورية، هناك ألف ألف قضية، ولكلٍّ منها مناصرون ومؤيدون وكارهون ومعارضون، والأمثلة على ذلك كثيرة، وإذا ما تأملنا فيما جرى، فسنلحظ أنه مع سقوط “الأسد” السفاح، سقطت مصالحُ بعض السوريين، في حين تحقّقت مصالح النسبة الأعظم منهم.

وعقب هذا السقوط، راح السوريون ينتقلون من ضفة إلى أخرى، بين مؤيدين للسلطة الجديدة ومعارضين، وبدأت تنشب الخلافات والنزاعات والصراعات فيما بينهم، من تحت الطاولة أو من فوقها.

ولكن اللافت والغريب هم أولئك الذين اندفعوا ليهاجموا السلطة الوليدة منذ أوّل أيام تشكّلها وتبلورها، وهم لا يكفون عن اتهام أفرادها بـ”الداعشية والإرهاب” وألف ألفِ اتهام، بناءً على أحكام تشكلت مسبقاً، ومع أول دخول قواتها إلى دمشق، ولم يكن أحمد الشرع قد صار رئيساً بعد، ومنعاً لتحقيق نبوءة الدم التي لطالما رُوّج لها لترهيب السوريين في حال رحيل “الأسدية”، أعلن هذا الرجل صراحة: “اذهبوا فأنتم الطلقاء”.

وكان الدم في تلك الساعات ينتظر إشارة بسيطة ليتدفق شلالاً غزيراً يعمّ جميع الأراضي السورية، لكن هذا لم يحدث، وأُحبِطت النبوءة؛ نبوءة التخويف والترهيب والإركاع بهدف الانصياع للأبدية الأسدية.

أجل، ما حدث كان عكس ذلك تماماً، مرّ العديد من القتلة والمجرمين والشبيحة أمام أعين السوريين، وأمام أعين الضحايا، ولم يؤذهم أحد بشيء، وربما ولا حتى بكلمة، لم تحدث تقريباً أي جريمة ثأر أو قتل، وانطلق الناس يحتفلون بسقوط الأسدية في بيوتهم وأحيائهم وشوارعهم.

هذا المشهد والسلوك لا يبدو أنه يحاكي شيئاً من العقلية الإرهابية أو الداعشية، ولا ينبع منها، بل يناقضها تماماً، أو على أقل تقدير يتجاوزهما ويتخطاهما.

ومع ذلك، ظلّت المطالبات والاتهامات تلاحق السلطة الوليدة، وهي لم تتحضّر بعد لتحمّل مسؤولية قيادة دولة بحجم سوريا، ما جعلها تتخبّط بين الحين والآخر في إصدار القرارات والأحكام تحت الضغوط الملحّة، لا عن دراسة كافية أو تمعّن؛ فالأحوال المأساوية التي وصلت إليها سوريا تتطلب الإسراع في تلبية الاحتياجات، وإلا غرقت البلاد أكثر في حفرها ومآسيها.

حتى بعد أن تم الإعلان عن الانتقال من مرحلة الثورة إلى مرحلة بناء الدولة، حدث اختلاف حول هذا الأمر، وحول كيفية الإعداد لتشكيل الحوار الوطني، وما نتج عن ذلك من صياغة لمسودة الدستور، وحول تشكيل الحكومة، وقضية الهوية البصرية السورية، وفي أحداث الساحل وما جرى فيها من جرائم وفظائع، وما يجري الآن في السويداء.. حول جميع تلك القضايا، تفرّق السوريون إلى فرقاء وأقليات، ولكل فريق وأقلية حجج وذرائع وصور ووثائق يدين بها الطرف الآخر.

وأكثر ما يدعو إلى الدهشة، هي تلك الأدوار التي اختار أن يلعبها العديد من المثقفين، والكتّاب، والفنانين، والمفكرين، الذين راحوا ينخرطون في هذا الصراع الدامي، ويعملون على تأجيج الكراهية بين السوريين، وتحريضهم على خوض الصراعات والمعارك، مناصرين طرفاً على آخر، مستحقرين طرفاً، ورافعين من شأن طرف آخر.

فمن هم مع “الهجرية”، لم يتركوا شرّاً إلا وألصقوه بالسلطة ومن يناصرها، في حين رأوا في كل ما فعله الهجري قيمة وشهامة ورجولة، وراح بعضهم يشتمون السلطة والرئيس، ويتهمون كل من لم يدنِ السلطة ويحملها المسؤولية وحدها عمّا وقع من مجازر في الساحل، بـ”الخائن والعدو والعميل”، كما يحدث الآن حول المجازر التي ارتُكبت في السويداء.

والكثير منهم يتجاهلون، عن قصد أو من دون قصد، مئات المجازر التي تعرّض لها السوريون، وما خلّفته الأسدية من ضحايا وأيتام وثكالى ومشرّدين ومعطوبين منتشرين على كامل الجغرافيا السورية، إنما بات، بالنسبة لهم، ما حدث في الساحل هو أوّل وأعظم المجازر، وإليها ينبغي أن يحجّ كل السوريين، وكأنه لا توجد مقتلة أخرى حدثت أو تحدث، إلا ما حدث في الساحل وما يحدث الآن في السويداء.

يريدون من الناس جميعاً أن ينسوا ما حلّ بهم، وأن يتجاهلوه، ليقفوا ويُنددوا ويعلنوا أن أهل السويداء هم وحدهم البشر على هذه الأرض ممن يُسحقون، حتى وصل الأمر إلى أن كتّاباً ومثقفين وناشطين معتدلين -أقصد بذلك الذين يحاولون أن يرووا الحقيقة كما هي، من دون تحيّز مبنيّ على موقف أيديولوجي أو عرقي أو إثني، ولا يبرّرون جريمة على حساب جريمة، ولا يصبّون الزيت على النار- باتوا عرضة للهجوم والتخوين من قبل الطرفين.

حتى مع وقفة “دم السوري على السوري حرام” التي جرت في دمشق، اختلف السوريون، وصاروا أطرافاً وأقليات عدّة، فكل طرف فسّرها حسب وجهة نظره ومصالحه.

وكذلك حدث مع منع دخول المساعدات الإنسانية إلى السويداء، فقد اعتبر البعض هذا المنع محقّاً، في حين ندّد به آخرون، وكذلك الأمر فيما يخصّ تهجير البدو السوريين من بيوتهم ومناطقهم، وهكذا، بات جميع السوريين أقليات، انطلاقاً من المصالح والأهواء والرغبات، لا مما يقتضيه بناء الدولة، التي تجعل من الجميع أغلبيّةً متشاركة، تحت سقف القانون.

والخطورة في أمر هذه التمزقات والاصطفافات، أن جميع السوريين محقونون؛ بالغضب، والخوف، والوجع، لفداحة ما حلّ بهم، مما شجّع على تحوّلهم إلى أقليات وجماعات تقودهم غرائزهم، وينكفئون إلى طوائفهم وأعراقهم وهوياتهم، بمن فيهم النخب من المثقفين.

هناك من يقول: إنّ المثقف هو ابن بيئته، وسيتأثر بما يحيط به، وسيميل إلى طرف على حساب طرف، شاء أم لم يشأ، وهذا صحيح بالعموم، لكنه ناقص وغير مكتمل؛ فالمثقف هو الذي يقف ويتأمل ويطرح الأسئلة للبحث عن حلول تجنّب الناس الخراب والدمار، حتى لو اضطر أن يرسم مشهداً جميلاً للقادم، وإن اتّكأ على الأحلام والخيال، لا أن يُسعّر النزاعات والأحقاد من خلف الكواليس، وقد صار أشبه ما يكون بمهرّج يضحك فوق الدماء، أو يحرّض على المزيد منها.

مطلوب من جميع السوريين، اليوم وغداً -سلطةً وشعباً، مثقفين وغير مثقفين- الاتجاه نحو طاولة حوار وطني لبناء دولة تحتضنهم، يتلمّسون في قوانينها ودستورها مصالحهم جميعاً، ولا تفتّتهم إلى أقليات وأكثريات.

تلفزيون سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى