ما تأثير أزمة الدولة السورية وانهيارها منذ 2011؟/ عمار عبد اللطيف

أزمة الدولة وانهيارها منذ 2011: تأثير الثورة والنزاع المسلح على مؤسسات الدولة
2025-07-29
منذ اندلاع الثورة السورية في آذار/ مارس 2011، لم تعد الدولة السورية كما كانت، فالحراك الشعبي الذي انطلق بمطالب الحرية والعدالة تحوّل سريعاً إلى نزاع مسلح متعدد الأطراف، ومع تعاقب السنين، تفككت مؤسسات الدولة، وانهارت بنيتها الاقتصادية والاجتماعية، حتى باتت سوريا اليوم نموذجاً كلاسيكياً لما يُعرف بـ”الدولة الفاشلة”.
وأدت سنوات الحرب إلى تآكل تدريجي لمؤسسات الدولة السورية، خاصة في قطاعات الأمن والإدارة والخدمات، فقد فقدت الحكومة المركزية السيطرة على محافظات بأكملها، كما في إدلب، أجزاء من درعا، شمال وشرق سوريا، ومناطق الشمال الخاضعة للنفوذ التركي، ومع اتساع رقعة النزوح والدمار، تراجعت قدرة الدولة على أداء وظائفها الأساسية، من ضبط الأمن وتقديم الرعاية الصحية والتعليم، إلى تأمين الخدمات الأساسية كالماء والكهرباء.
تركة ثقيلة في سوريا
ويرى الدكتور بيار الخوري، وهو خبير اقتصادي وعميد كلية إدارة الأعمال بالجامعة الأميركية للتكنولوجيا في لبنان، أنه رغم الاعتراف الدولي بالحكومة السورية الجديدة، إلا أن الدولة لا تزال تواجه تركة ثقيلة من التفكك والانقسام المؤسسي، حيث تنتشر سلطات محلية موازية، مثل الإدارة الذاتية في الشمال الشرقي، إضافة إلى مناطق تحت إشراف تركي تعاني من تداخل الصلاحيات، ما يجعل فكرة الدولة الموحدة بعيدة المنال.
ويضيف الخوري في حديث لـ”963+”، أن الشرعية التي تتمتع بها الحكومة الجديدة تواجه تحدياً داخلياً حقيقياً، إذ لا تكفي الاعترافات الخارجية لترسيخ السيادة، فالدولة وفق القانون الدولي، تقوم على احتكار الأمن والجيش وتقديم الخدمات وضمان الحقوق، وهي وظائف لا تزال موزعة بين جهات متعددة، هذا الوضع أبقى سوريا ضمن تصنيفات الدول الفاشلة، بسبب غياب الفعالية وضعف السيطرة على الأرض والحدود.
ويعتبر، أن الدور الخارجي في سوريا لم يتراجع بعد سقوط بشار الأسد، بل أعاد تنظيم نفسه بطرق جديدة؛ فإيران وروسيا وتركيا لا تزال فاعلة، ولكل منها أدوات تأثير مختلفة، فيما تبقي الولايات المتحدة موقفها مرهوناً بتحالفاتها مع قوات سوريا الديموقراطية (قسد)، هذه التدخلات تجعل مستقبل سوريا السياسي رهناً للقرارات الدولية، لا لإرادة السوريين وحدهم.
وأن إعادة تأسيس الدولة السورية تتطلب نموذج حكم لا مركزي واقعي يضمن وحدة البلاد ويعترف بالتنوع المجتمعي، وأن الأهمية القصوى اليوم تكمن في إعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة، عبر خدمات موحدة وإصلاحات شاملة ومصالحة وطنية صادقة تعترف بالماضي وتضمن العدالة، فبدونها ستبقى الدولة السورية في حالة انتقالية لا مكتملة، وفقاً لما يقوله الخوري.
ووفقاً لمؤشر الدول الهشّة الصادر عن “صندوق السلام” لعام 2024، جاءت سوريا في المرتبة الرابعة ضمن أكثر الدول هشاشة في العالم، بعد جنوب السودان واليمن والصومال، وتستند هذه التصنيفات إلى معايير أبرزها، النزاع المسلح الداخلي وفقدان السيطرة المركزية والفساد وتدهور الخدمات، وانتهاكات حقوق الإنسان.
أركان الدولة قائمة
ويقول الدكتور عمر صالح علي العكور، استاذ القانون الدولي وحقوق الإنسان الجامعة الأردنية، إن الدولة بمفهومها القانوني والسياسي تقوم على ثلاثة أركان أساسية لا غنى عنها، هي الإقليم والسيادة والشعب، وطالما بقيت هذه العناصر الثلاثة موجودة، فإن الدولة تبقى قائمة، حتى وإن تعرضت لاحتلال أو انتُقِص من سيادتها جزئياً بفعل التدخلات أو النزاعات.
ويشير العكور في حديث لـ”963+”، إلى أنه في الحالة السورية يمكن القول إن أركان الدولة ما زالت قائمة، رغم ما أصاب الدولة من تفكك واضطراب عميق خلال أكثر من عقد من الصراع العنيف، وأن الحرب في سوريا لم تكن مجرد نزاع مسلح، بل كانت زلزالاً شمل البنى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للدولة، وألقى بظلاله الثقيلة على المؤسسات الرسمية التي كانت تعاني أصلاً من الترهل.
ويرى، أنه وعلى الرغم من التحديات الجسيمة، لا تزال هناك حكومة سورية معترف بها دولياً، ما يمنح الإطار السيادي شكله القانوني، لكن ما تحتاجه هذه الحكومة ليس مجرد الاعتراف بل الشروع فعلياً بعملية شاملة لإعادة ترميم الدولة السورية من الداخل، وإصلاح ما تبقى من مؤسساتها وإعادة تأهيل البنية الإدارية والخدمية، وبناء مقومات جديدة لدولة حديثة تنتمي للمستقبل، لا الماضي.
ويعتبر، أن أحد أبرز التهديدات الراهنة لبنية الدولة السورية هو التدخل الخارجي، وعلى وجه الخصوص التدخل العسكري الإسرائيلي الذي يشكل خطراً مباشراً على سيادة الدولة ويهدد فرص إعادة الإعمار والاستقرار، وهذا التدخل بالإضافة إلى تضارب المصالح الإقليمية والدولية على الأرض السورية، يعرقل بشكل كبير مسار التنمية ويؤخر خطوات التقدم التي تحتاجها البلاد بشدة.
دعوات خفية للتقسيم
ويؤكد العكران أن، سوريا اليوم أمام لحظة مصيرية، في ظل تصاعد دعوات خفية أو مباشرة لتقسيمها، وأن المطلوب من الحكومة السورية هو إطلاق مشروع وطني جامع يكرّس مبدأ المواطنة المتساوية، ويشرك جميع المكونات السورية العرقية والطائفية والسياسية في إعادة بناء الدولة، على أسس عادلة لتوزيع الثروات، واحترام التنوع، وتحقيق العدالة الاجتماعية.
ومع تعدد السلطات العسكرية والسياسية داخل سوريا، تبرز دعوات متزايدة إلى اعتماد نماذج من الحكم المحلي أو اللامركزية الإدارية، ويرى بعض الفاعلين السياسيين، لا سيما في شمال وشرق سوريا، أن المركزية الشديدة كانت أحد أسباب الانهيار، ويجب تجاوزها ببناء عقد اجتماعي جديد.
في المقابل، لا تزال دمشق تصرّ على استعادة السيطرة الكاملة، بينما تعجز عن تقديم نموذج مقنع للحكم حتى في المناطق الخاضعة لها، ما يعيد طرح سؤال مصيري: هل يمكن لسوريا أن تعود دولة موحدة ذات سيادة، أم أن النموذج الاتحادي أو اللامركزي بات خياراً حتمياً؟.
ورغم ضبابية المشهد، فإن الطريق إلى إعادة بناء الدولة السورية يمرّ عبر جملة من الشروط الأساسية وفق ما يراه خبراء الحوكمة، تبدأ هذه الخطوات بوقف إطلاق النار الشامل، يليها مسار سياسي يضمن تمثيل جميع القوى السورية، يترافق مع إصلاح مؤسسات الدولة، وعلى رأسها الأجهزة الأمنية والقضائية، إلى جانب إنشاء آليات للمحاسبة والعدالة الانتقالية.
+963



