سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسة

 واشنطن.. اليد في سوريا والعين على لبنان/ صهيب جوهر

2025.07.29

في ظل التصاعد المتسارع للتحرّكات الأميركية في الشرق الأوسط، يتّضح أن لبنان بات خارج الحلبة الفعلية للاهتمام الدولي المباشر.

لا تعني هذه المقاربة أن واشنطن رفعت يدها بالكامل عن الساحة اللبنانية، لكنها، في واقع الأمر، وضعت ملف لبنان في خانة المتابعة من بعيد، وربطته عضويًّا بالمشهد السوري الأشمل، الذي بات يتصدّر سلّم الأولويات في التفكير الاستراتيجي الأميركي.

هذا التفاوت في الإيقاع بين الدينامية الأميركية والتباطؤ اللبناني لم يكن تفصيلاً عابرًا في زيارة الموفد الأميركي توم باراك الأخيرة إلى بيروت. فالرجل، رغم تركيزه الظاهري على ملف حزب الله وسلاحه، كان مهجوسًا طوال فترة إقامته بمتابعة التطورات في سوريا، وتحديدًا على جبهتَي الجنوب السوري والشمال الشرقي. ولم يكن سرًّا أنه غادر العاصمة اللبنانية متوجّهًا إلى باريس بغرض الإشراف على تحضيرات لقاء سوري–إسرائيلي يجري الإعداد له بهدوء خلف الكواليس، تحت مظلّة رعاية أميركية غير معلنة.

بات من الواضح أن واشنطن تسعى إلى إعادة تشكيل بيئة سياسية وأمنية جديدة في سوريا، تراعي مصالح حلفائها، وتمنع الانفجار الشامل، وتضبط الحراك الإسرائيلي المندفع على أكثر من جبهة. وضمن هذا الإطار، يتعامل الأميركيون مع الملف اللبناني كمكوّن تابع، لا كملف مستقل بذاته. فقد نقل باراك إلى المسؤولين اللبنانيين رسالة واضحة مفادها أن التأخّر في اتخاذ قرارات حاسمة بشأن سلاح حزب الله سيؤدي إلى تراجع الاهتمام الأميركي، وربما انسحابه التدريجي من أي وساطة مستقبلية. وبحسب ما أُبلغ إلى بيروت، فإن واشنطن باتت ترى أن سوريا – لا لبنان – هي الميدان الحاسم لتوازنات ما بعد الحرب.

والتحوّل في أولويات واشنطن تَرافق مع دينامية إقليمية لا تقلّ تسارعًا، تقودها أنقرة بفاعلية واضحة. إذ لعبت تركيا دورًا محوريًّا في إعادة ضبط توازنات الداخل السوري، من خلال انخراطها المباشر في ترتيبات وقف النار في السويداء، وسعيها لعقد لقاءات أمنية رفيعة المستوى مع الجانب السوري في أذربيجان. هذه اللقاءات، التي تأتي في سياق إعادة تثبيت قواعد الاشتباك وتحصين وحدة الأراضي السورية، تعبّر عن مقاربة تركية عقلانية، تنظر إلى سوريا بوصفها الامتداد الحيوي لأمنها القومي، لا كمجرد ملف خارجي.

بالنسبة لأنقرة، لا يمكن السماح بإنشاء أي كيان مستقل أو ذاتي في الجنوب السوري أو شماله الشرقي، لأنه يعني تلقائيًّا فتح جبهة اضطراب داخلي في جنوبي تركيا. فالدروز في السويداء، إذا ما نجحوا في فرض نوع من الحكم الذاتي برعاية إسرائيلية أو دولية، سيشكّلون نموذجًا قابلًا للتكرار في مناطق أخرى. أمّا الكُرد، فإن أيّ خروج لهم عن التفاهمات القائمة مع دمشق سيؤدّي إلى نسف التوازن الهشّ في شرق الفرات، وفتح المجال أمام مشروع انفصالي يُعيد إحياء هواجس أنقرة التاريخية.

ولا يُخفى أن الساحل السوري، الذي ما تزال روسيا تملك فيه قاعدتين عسكريتين، مُرشّح هو الآخر للانفصال التدريجي، وهو ما قد يثير حساسيات داخل تركيا في ظل وجود شريحة علوية واسعة تميل سياسيًّا وثقافيًّا إلى الامتداد العلوي في سوريا.

هذا القلق التركي المشروع تُترجمه خطوات سياسية وأمنية متلاحقة. فوزير الخارجية هاكان فيدان بعث رسائل واضحة في أعقاب وقف إطلاق النار في السويداء، مفادها أن أنقرة لن تقف متفرّجة على أي محاولة لتفتيت سوريا، أو إخراجها من معادلات الاستقرار الإقليمي. هذا التوجّه لا يعكس فقط سياسة استباقية لحماية الداخل التركي، بل أيضًا رؤية استراتيجية لإعادة التموضع كلاعب ضامن للتوازن الإقليمي، خصوصًا في ظل تراجع أدوار قوى أخرى، وتخبّط مشاريع إقليمية بديلة.

أمّا في لبنان، فالواقع يبدو أكثر هشاشةً وانقسامًا. فعلى الرغم من الطروحات التي تقدّم بها عدد من المسؤولين اللبنانيين، والتي تنصّ على وقف العمليات الإسرائيلية لفترة زمنية محددة، يليها إعلان حكومي عن حصرية السلاح بيد الدولة ضمن جدول زمني، إلا أن لا تجاوب أميركيًّا أو إسرائيليًّا مع هذه المقاربة. بل إن تل أبيب، بحسب ما نُقل عن المسؤولين الأميركيين، لا ترى في هذه الطروحات سوى مواقف لفظية سبق أن اختبرتها مرارًا.

في الداخل اللبناني، انقسمت القوى السياسية حول كيفية التعامل مع المقترح الأميركي، وحول الجهة التي يحقّ لها التفاوض أو اتخاذ القرار. البعض طالب بعرض الورقة الأميركية على طاولة مجلس الوزراء، وآخرون دعوا إلى تمريرها عبر مجلس النواب، فيما دعا فريق ثالث إلى تجنّب أي خطوة قد تؤدي إلى تفجير الساحة الداخلية. هذا الانقسام، الذي تعزّزه حسابات طائفية وحزبية ضيقة، ساهم في إضعاف موقف الدولة، وأعاد مشهد التردّد والمراوحة الذي لطالما طبع الأداء اللبناني في محطات مفصلية.

في غضون ذلك، يواصل الإسرائيليون الضغط على المجتمع الدولي لتقليص دور قوات “اليونيفيل” في جنوبي لبنان. وقد كشفت تسريبات من نيويورك عن نيّة إدارة الرئيس ترامب وقف المساهمة الأميركية في تمويل هذه القوات، نزولًا عند مطلب إسرائيلي مزمن. وعلى الرغم من تحرك الأمانة العامة للأمم المتحدة بالتنسيق مع فرنسا ودول أوروبية أخرى لإعداد خطة بديلة للتمويل، إلا أن احتمال تقليص الدور الأممي يبقى مطروحًا، ما يفتح الباب أمام فراغ أمني خطير على الحدود اللبنانية–الإسرائيلية.

تأتي هذه التطورات في وقت ما تزال فيه إسرائيل تحافظ على حالة الحرب المنخفضة الحدّة على جبهات متعددة، من غزة إلى جنوبي لبنان. ورغم توقيع اتفاقات وقف إطلاق نار، إلا أن تل أبيب ترفض تثبيتها رسميًّا، ما يترك الباب مفتوحًا لتصعيد مفاجئ في أيّ لحظة، خصوصًا إذا لم تتبلور تسوية واضحة لمستقبل سلاح حزب الله.

في المحصّلة، تتجه المنطقة نحو إعادة رسم أولوياتها: سوريا في قلب المشهد الدولي، وتركيا لاعب فاعل في تثبيت معادلات الداخل السوري، في حين لبنان يواصل الدوران في حلقة مفرغة من الانقسام والسجال، على وقع تراجع الاهتمام الخارجي، وتصاعد الضغوط الإسرائيلية. وإذا استمر الوضع على هذا المنوال، فإن بيروت قد تجد نفسها قريبًا خارج اللعبة، تراقب من بعيد كيف يُعاد ترسيم خرائط النفوذ والمصالح من دون أن يكون لها فيها موطئ قدم أو حتى حقّ الاعتراض.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى