صفحات الثقافة

التقليد المُحاصِر والتحديث المُحاصَر/ كمال عبد اللطيف

31 يوليو 2025

تحكم متغيّرات الواقع العربي منذ عقود جدليةٌ مركّبةٌ، يتصارع فيها التقليد مع الحداثة والتحديث، ويتعايش في قلب حركتها منطقٌ تتجاذبه قوّتان، قوّة التقليد المقبلة من تلافيف أزمنةٍ تعاقبت، وقوى الحداثة والتحديث، المرتبطة بتحوّلات جديدة حصلت. ولم تتمكّن أيٌّ من هذه القوى من إنجاز ما يحقّق التجاوز التاريخي المبدع. ينطبق هذا الأمر على مختلف أوجه الحياة ومظاهرها، ونجد صداه وألوانه في المؤسّسات والقيم والفنون، وكذا في كيفيات نظر الأفراد والجماعات إلى التحوّلات الحاصلة في المجتمع. فكيف نفسّر الازدواجية المستقرّة في مجتمعاتنا؟

انطلقت معاركنا في الإصلاح الديني والثقافي والسياسي منذ ما يقرب من قرنَين، ولم تُثمر ما يسعف ببناء قواعد ارتكاز نظرية، أو ثورات قادرة على تحصين ذواتنا من أشكال التراجع، التي تعبّر عن كثير من مظاهر العطب السائدة في واقعنا التاريخي. ولأننا نتصوّر أن التحوّلات المهمة في التاريخ تتطلّب مواصلة الجهد والعمل، ومن دون كلل، فإنه يمكننا أن نقسّم معارك الراهن في موضوع التحديث السياسي إلى معركتَين كبيرتَين، تتصّل الأولى ببعض الإشكالات الجزئية التي تساعد العناية بها في عملية تعزيز محاور الجدل السياسي الحداثي في فكرنا. وهنا نفترض تجاوز الخطاب المخاتل والمهادن للتيّارات السياسية المُحافِظة، التي تستنجد بلغة الإطلاق عند نظرها في الشأن السياسي والتاريخي. ويترتب على هذا التجاوز، التخلّي عن المنزع التوفيقي الذي ساهمت في تأسيسه الخيارات ذات المنحى السلفي، والمواقف المهادنة لها، بمبرّر مراعاة متطلّبات التدرّج التاريخي والمرحلي في عمليات التغيير. ورغم أهمية المواقف التي يبنيها المفكّرون الذين ينزعون هذا المنزع، فإننا نتصوّر أن وظيفة الفكر في التاريخ، لا تتمثّل في قدراته على التبرير والتكريس، قدر ما تتمثّل أساساً، في جرأته وإقدامه.

لم يتمكّن الفكر السياسي العربي من تجاوز المعالجات التجزيئية، في النظر إلى الحداثة السياسية. ظل يُعنى بأسئلة لا يمكن فصلها عن مشروع الحداثة السياسية، في شموليّتها وفي قواعدها الأساسية، إلا أن إغفاله مطلبَ استيعاب الحداثة السياسية في كلّيتها، وبناءً على مقدّمات الرؤية الفلسفية المؤسّسة لها، حوَّل القضايا الجزئية إلى قضايا معزولة عن منظومتها الفكرية الجامعة. الأمر الذي أدّى إلى جملةٍ من المواقف المعزولة، والمعطيات المفتقرة إلى الأصول النظرية، المساعدة على إمكانية ترسيخها، وبناء خطاب حداثي متماسك في موضوعاتها.

أمّا المواجهة الثانية في باب المعارك النظرية، التي نفترض أنه ينبغي أن تتواصل في فكرنا، في المديين، المتوسّط والطويل، بهدف مزيد من إسناد المشروع السياسي الحداثي في ثقافتنا، فإنها تشمل موضوعاتٍ بعضها نظري، وكثير منها متّصل بإشكالات العمل السياسي والمؤسّسي في مجتمعاتنا. يتعلّق الأمر بما نعتبره دعاماتٍ مركزيةً، في عملية إعادة بناء مشروع الحداثة السياسية في فكرنا.

وعندما نتجه صوب مجال الإصلاحين، الثقافي والديني، في فكرنا المعاصر؛ نتبيّن أن مشاريع إصلاح المجالين المذكورَين، وقد نشأت إرهاصاتها الأولى في فكر النهضة العربية في بدايات القرن العشرين، وأن مشاريع فكرية أخرى، ما تفتأ تؤسّس لتصوّرات مساعدة على إتمام عمليات هذا الإصلاح، إلا أننا نعتقد أنها تفتقر إلى أشكالٍ عديدة من العمل القادر على تفتيت الإسمنت اللاحم للفكر الوثوقي في ثقافتنا، والمنطق النصّي في وعينا الديني.

انطلق مشروع الإصلاح الديني في فكرنا المعاصر في نهاية القرن التاسع عشر، وأنجزت الحركة السلفية في بداياتها خطاباً توفيقياً، نزع نحو بناء شكلٍ من أشكال المواءمة بين قيم الإسلام وقيم الفكر الحديث والمعاصر. وعكَس مشروع محمّد عبده الإصلاحي، الذي كان يروم تكييف المجتمع الإسلامي ومبادئ العقيدة الإسلامية مع مقتضيات الأزمنة الحديثة، صورةً لنمطٍ في التوفيق مكافئٍ للمعطيات التاريخية التي سمحت بتمظهره، لكنّه استنفد قيمته الإصلاحية في السياقات التاريخية اللاحقة، وأصبحنا اليوم في حاجة إلى بناء مواقف أكثر قدرة على مواجهة أسئلة زماننا.

اتّخذ التوجّه الإصلاحي لاحقاً صوراً ومظاهرَ أكثر قوة في الجهود الفكرية المرتبطة بنقد العقل العربي الإسلامي، كما تبلورت في أعمال كلٍّ من محمّد عابد الجابري ومحمّد أركون، وتبلورت بصيغ أخرى أكثر قوة وتنويعاً، في عديد من إسهامات الفكر النقدي العربي المعاصر، كما تشكّلت في نهاية الربع الأخير من القرن العشرين. نعاين ذلك على سبيل التمثيل في بعض أعمال هشام جعيط، الأمر الذي نعتقد أنه ساهم في تعزيز جبهة العمل الفكري في مجال الحداثة السياسية. ومن هنا أهمية دعم مختلف هذه الجهود النقدية، الساعية إلى مزيد من استيعاب مكاسب الفكر المعاصر، في مجال المعرفة والتاريخ، وفي مجال النظر إلى الإنسان والعقل والمستقبل.

أمّا معركة الإصلاح الثقافي، فنتصوّر أن تعميقها يتطلّب مزيداً من تقوية دعائم الفكر التاريخي والتاريخ المقارن، حيث تساعد معطيات التاريخ المقارن، على سبيل المثال، في تنسيب الأحكام والتصوّرات الإطلاقية، المهيمنة على كثير من آليات تفكيرنا. صحيح أن إنجاز ثورة ثقافية في فكرنا، يتطلّب جهوداً متواصلة في باب استيعاب نتائج الثورات المعرفية والعلمية التي تبلورت في الفكر المعاصر، إلا أن هذا الأمر، الذي نتصوّر إمكانية تحقّقه في المدى الزمني المتوسّط، ينبغي ألّا يجعلنا نتوقّف عن استكمال مهام الحاضر المستعجلة، والمتمثّلة في مشاريع تطوير منظوماتنا في التربية والتعليم، إضافة إلى تشجيع الترجمة والبحث العلمي، وتوسيع مجالات ودوائر الاستفادة من نتائج هذا التوسيع وآفاقه، في المعرفة والمجتمع والاقتصاد.. إلخ. فنحن نعتقد أن هذه العمليات تعتبر الممهّدات التي تعبّد الطريق المؤدّي إلى باب تحرير الأذهان.

لا تنفصل معارك المجال الثقافي والديني عن مشروع ترسيخ الحداثة السياسية في فكرنا. ونحن نعتبر أن انتشار دعاوى تيّارات الإسلام السياسي، وتيّارات التكفير في ثقافتنا ومجتمعنا، يمكّننا، أكثر من أيّ وقت مضى، من بناء النظر النقدي، القادر على كشف فقر التصوّرات المتّصلة بهذه التيّارات ومحدوديتها وغربتهات، الأمر الذي يتيح لنا بناء الفكر القادر على إنشاء مواقف وتصوّرات مطابقة لتطلعاتنا في النهضة والتقدّم. وسيظلّ التقليد محاصراً، وتتيح لنا عمليات توسيع أفق التحديث، تقليص أنماط حضوره في حياتنا، ونتصوّر أن ترسيخ الحداثة السياسية يتطلّب المشاركة في إعادة بناء مفاهيم الفلسفة السياسية، وذلك بتركيب بعض الموضوعات السياسية النظرية، التي نعتقد أن عدم إدراجها في فكرنا، لا يعفينا من تبعات القضايا التي يطرحها غيابها.

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى