
هل آن أوان «طائف سوري» برعاية سعودية؟/ يوسف الديني
30 يوليو 2025 م
لم تكن أحداث السويداء الأخيرة مجرد اشتباكات طائفية بين عناصر متفلتة أو راديكالية أو عشائرية، وبين أبناء جبل الدروز، بل كانت نافذة كاشفة عن عمق الأزمة البنيوية التي تعصف بسوريا ما بعد نظام الأسد غير المأسوف عليه. فقد كشفت هذه المواجهات عن أن المناخ العام في سوريا الجديدة، الذي كان يُفترَض أن يكون قد تخلص من أوزار وإرث الطائفية، ما زال يعاني في الذهاب إلى «فضيلة الاستقرار» بصيغة تشاركية موحّدة، وصياغة هوية جامعة تتجاوز منطق الميليشيات والولاءات الضيقة. وهنا يبرز سؤال جوهري: هل يمكن لسوريا أن تنهض كدولة موحدة وقوية من دون توافق داخلي حقيقي؟ أم أن الحاجة باتت ضرورية إلى مشروع مصالحة عميقة برعاية عربية، ربما بقيادة سعودية، ليكون بمثابة «طائف جديد» يقطع الطريق على التدخلات الإقليمية والدولية المنحازة والطامعة، وعلى رأسها التدخل الإسرائيلي ومن ينافسه من الدول التي لديها مشاريع شمولية؟
إن الموقف الخليجي، والسعودي بشكل خاص في هذه المرحلة، يقوم على قاعدة واضحة: لا استقرار في المشرق العربي من دون سوريا موحدة، قوية ومتعافية من أمراض الطائفية والانفصالية والتطرف بكل أنواعه وأشكاله. لكن هذه الرؤية تواجه تحديين بارزَين؛ أولهما غياب التوافق السوري الداخلي الذي يسمح بإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس مدنية جامعة، وثانيهما التدخلات الإقليمية والدولية التي تستثمر في الانقسامات وتعيد إنتاجها، من إسرائيل بحساباتها الأمنية، إلى تركيا ومعضلتها في الشمال، وإيران بميليشياتها التي ما زالت طامعة بالعودة، وكان من آخرها التقارير المقلقة التي صدرت عن مراكز البحث وخزانات التفكير حول تنظيم «أولي البأس» وهو تنظيم شبه عسكري دعائي مرتبط بإيران، يسعى إلى تأسيس كيان سياسي مسلح جديد معارض للحكومة في سوريا.
لقد كشفت أحداث السويداء عن هشاشة العقد الاجتماعي بين المكونات السورية، حيث دفعت الهجمات المشحونة إلى انفجار دموي واسع النطاق، ثم ردود انتقامية متبادلة، برزت معها استغلال إسرائيل لفرض معادلات أمنية مؤلمة، عبر ضربات جوية مباشرة في قلب دمشق، ما يطرح سؤال وأولوية السيادة السورية مجدداً.
غير أن ما هو أخطر من المواجهات المسلحة ذاتها يتمثل في الخطاب الطائفي والتكفيري الذي يغذي هذه المواجهات ويمنحها شرعيةً سياسيةً ومعنويةً خاطئةً وخطرةً. فالأسلحة مهما كانت فوضويةً تبقى ظاهرة يمكن محاصرتها سياسياً وأمنياً، لكن الخطر الحقيقي يكمن في ثقافة التحريض التي تتغلغل عبر المنابر والإعلام ووسائل التواصل، فتخلق بيئةً تجعل أي تجاوز مسلح مُبرَّراً. ولذلك فإن أي مشروع لإعادة بناء سوريا يبدأ أولاً بمواجهة هذا الخطاب، لأن السلاح هو النتيجة، أما السبب فهو هذه الثقافة التي تمنع أي مشروع وطني من استعادة المبادرة.
وسط هذا المشهد يطرح كثيرون سؤالاً متكرراً: هل يمكن لسوريا أن تتجاوز محنتها من دون مشروع مصالحة شامل، أم أن الأمر يحتاج إلى اتفاق عربي جامع على غرار «اتفاق الطائف» الذي أنهى الحرب الأهلية اللبنانية؟ مثل هذا المشروع، إذا ما وُجدت الإرادة له، فيمكن أن يقطع الطريق على التدخلات الانتقائية من إسرائيل وتركيا وإيران، ويؤسس لعقد اجتماعي واضح يضمن حقوق الأقليات، ويحدد ملامح دولة لا مركزية متماسكة، ويعيد الاعتبار لسيادة الدولة، ويتيح ضبط السلاح وإخراج المقاتلين الأجانب. غير أن نجاحه سيبقى مرهوناً بوجود إرادة سورية داخلية تستوعب أن الوحدة الوطنية ليست ترفاً، بل ضرورة للنجاة.
جذور الأزمة لا تخص أبناء جبل الدروز وحدهم، فعدم الشعور بالأمان في ظل غياب ضمانات دستورية، إضافة إلى نسيج بعض القوات المحسوبة على الحكومة، هما ما سبَّبا ارتباكاً لدى الدول الغربية والولايات المتحدة، التي تتعامل بثنائية «الضغط والحوافز» أكثر من الإيمان بسوريا جديدة موحدة تشمل السوريين كلهم.
إن ما يجري في سوريا اليوم ليس مجرد انتقال سياسي بعد عقود من حكم الأسد، بل معركة حول شكل الدولة ومضمونها. فالسعودية ودول الاعتدال تدرك أن دعم سوريا الموحدة ليس مصلحةً سوريةً فحسب، بل مصلحة عربية استراتيجية، خصوصاً أن التحدي هو بناء شرعية الداخل، والتوافق المجتمعي، وليس مجرد إقناع القوى الغربية التي تريد التخلص من صداع الملف السوري، على عكس حرص الرياض على شراكة مستدامة مع سوريا والذي قد يصطدم بحقيقة أن القرار النهائي سيبقى سورياً مهما حاول الجميع، وأن التسوية الدائمة لن تتحقَّق إلا إذا اقتنع السوريون أولاً بأن وحدة دولتهم هي خط الدفاع الأخير أمام التشرذم والتبعية للخارج، والنهوض مجدداً بعد انكسارات طال أمدها.
الشرق الأوسط»
—————————-
“مارشال” سعوديّة: دمشق تنضمّ لرؤية بن سلمان/ أحمد الراشاني
2025-07-30
السّعوديّة تقود التصدّي لمحاولة إسقاط الشّرع؟
لم تبدأ أحداث السويداء بخطف تاجر خضار درزيّ عند حاجز نصَبه البدو على طريق دمشق، بل بالحاجز الدبلوماسي- الأمنيّ الذي نصَبته إسرائيل في باكو. …
news
ماذا يعني للبنان أن تبني الإمارات أكبر مرفأ في سوريا؟
تأسّست سوريا بحدودها القائمة اليوم بلا مرفأ. كانت بيروت منفذها الرئيسي للتجارة مع أوروبا، وظلّ الأمر كذلك حتّى بعد إنشاء مرفأي اللاذقيّة وطرطوس، لأسباب تتعلّق…
في اليوم الذي رفعت فيه الولايات المتّحدة “هيئة تحرير الشام” من قائمة المنظّمات الإرهابية حطّت طائرة الرئيس السوري أحمد الشرع في أبوظبي، فشكّل هذا التلازم…
أطلقت السعودية نسختها السوريّة من خطّة “مارشال”، بحزمة استثمارات تصل إلى 6.4 مليارات دولار، لتقدّم نموذجها الجديد لمنظومة علاقاتها السياسية والاقتصادية في الإقليم، وهي منظومة يجدر بلبنان أن يتمعّن فيها ويفهمها جيّداً. والأهمّ ليس الرقم فحسب، بل نوعيّة الاستثمارات والتوجّهات الاستراتيجية السياسية والاقتصادية التي تنطوي عليها.
في الإطار العامّ، أتت الرعاية من وليّ العهد السعودي الأمير محمّد بن سلمان لمشاركة وفد كبير شمل 20 جهة حكومية وأكثر من 100 شركة عامّة وخاصّة في منتدى الاستثمار السعودي السوري، لتوجّه رسائل في أكثر من اتّجاه بأنّ استقرار الحكم في دمشق ونهوض الدولة واقتصادها يحظيان بعناية فائقة من القيادة السعودية. وتلك الرسائل مهمّة في ظلّ التلاقي الموضوعي بين إسرائيل وإيران على مشروع الإطاحة بحكم أحمد الشرع لإعادة الصراع على سوريا إلى المربّع الأول.
على أنّ النموذج السعودي الجديد في إدارة مصالحه الإقليمية يقف على طرف النقيض من النموذج الإيراني الذي احترف على مدى نصف قرنٍ إنشاء شبكة من الميليشيات خارج إطار الدول وفوق سلطتها. ويقف على تباين سعوديّ مع النموذج القديم الذي كان يقدّم المنح والمعونات بقليل من الشروط والقيود المتعلّقة بحساب المصالح والعوائد السياسية والاقتصادية.
أطلقت السعودية نسختها السوريّة من خطّة “مارشال”، بحزمة استثمارات تصل إلى 6.4 مليارات دولار، لتقدّم نموذجها الجديد لمنظومة علاقاتها السياسية والاقتصادية في الإقليم
سوريا دولة موحّدة
في “المارشال” السوريّ، ترتبط الاستثمارات بالصورة الاستراتيجيّة الكبيرة للمنطقة العربية من جهة، وبالمصالح الاقتصاديّة التي تخدم “رؤية 2030” من جهة أخرى.
في الصورة الاستراتيجيّة، تعطي حزمة الاستثمارات إشارةً إلى رغبة الرياض برؤية سوريا دولةً موحّدةً ذات سلطة مركزيّة مقتدرة، على نقيض ما كانت عليه في الفلك الإيراني، حين كانت تُختزل بكونها ساحة خلفيّة لميليشيات الحرس الثوري وحلقة إمداد لـ”الحزب”.
لكنّ الصورة الاقتصادية ليست أقلّ أهميّة. فمن اللافت شمول الاستثمارات السعودية في سوريا قطاعات استراتيجيّة هي في صلب “رؤية 2030” التي أطلقها وليّ العهد السعودي قبل تسع سنوات.
إلى جانب الاستثمارات الكبيرة في البنية التحتية والتطوير العقاري بنحو 2.9 مليار دولار، ومن ضمنها “برج الجوهرة” الذي تمّ وضع الحجر الأساس له، يمكن التوقّف عند ضخامة الاستثمارات في البنية التحتية للاتّصالات والأمن السيبراني، ودخول شركات عملاقة تابعة لصندوق الاستثمارات العامّة (الصندوق السيادي السعودي) فيها، لاسيما “إس تي سي” و”علم”. والشركة الأخيرة تحديداً كان لها الدور الأساس في التحوّل الهائل نحو “الحكومة الذكيّة” في السعودية في السنوات الأخيرة، الذي جعل المملكة تحلّ في المركز الرابع عالميّاً في مؤشّر الأمم المتّحدة للحكومة الإلكترونية.
قطاع الاتّصالات
ربّما يكون دخول عملاق قطاع الاتّصالات “إس تي سي” إلى السوق السوريّة على صلة بالمشروع الذي كشفت عنه دمشق قبل أسابيع لتطوير البنية التحتية للاتّصالات وبناء حلقة وصل بالألياف الضوئية بين أوروبا والخليج.
في قطاع الطاقة، يمكن التوقّف عند اسم رئيس مجلس الأعمال السعودي السوري محمد بونيان الذي يعدّ من أبرز الأسماء العالمية في مجال استثمارات الطاقة المتجدّدة. فشركته “أكوا باور” (يمتلك صندوق الاستثمارات السعودي 44% من أسهمها)، لديها محفظة مشاريع طاقة متجدّدة وتقليدية بمئة مليار دولار في 14 دولة، وهي تطمح إلى رفعها إلى 250 مليار دولار بحلول عام 2030.
ربّما الأهمّ في ما يخصّ الدول المجاورة أنّ لدى الشركة أكبر مشروع للهيدروجين الأخضر في العالم في منطقة نيوم بالقرب من الأردن. وقد وقّعت الشركة الأسبوع الماضي اتّفاقات ومذكّرات تفاهم لتصدير الطاقة المتجدّدة والهيدروجين الأخضر إلى أوروبا. (الهيدروجين الأخضر نوع من الوقود النظيف الذي يتمّ إنتاجه من الطاقة المتجدّدة)، وهو ما قد يشير إلى إمكان أن تكون سوريا على خريطة خطوط الطاقة ذات البعد الاستراتيجي بين السعودية وأوروبا.
فرصة كبيرة لسوريا
تعبّر جملة هذه المشاريع عن تصوّر واضح لدى الحكم الجديد في دمشق بأنّ رؤية محمّد بن سلمان، ببُعدَيها الاقتصادي والسياسي، تمثّل فرصة لسوريا وللمنطقة بكاملها، وهو يقوم بما يجب أن يقوم به للاستفادة ممّا تفتحه من أبواب.
لا شكّ أنّ الإشارات التي حملها شكل الوفد الحكومي ومستوى التمثيل فيه وحجم الاستثمارات المعلنة وصلت إلى إسرائيل والمجتمع الدولي وتفيد بأنّ السعودية لن تتهاون تجاه محاولات تقويض استقرار سوريا تحت أيّ عنوان أو ذريعة.
—————————
دعم سعودي لسوريا في لحظة فارقة/ صبا ياسر مدور
الخميس 2025/07/31
في تزامن موح ومهم، ترسل السعودية وفداً اقتصادياً رفيع المستوى إلى دمشق، لغرض اتخاذ إجراءات تنفيذية في مجال الاستثمار في سوريا، بينما تواجه دمشق عنتاً وصعوبات في تطبيع الوضع في السويداء، حتى بعد انتهاء المواجهات المسلحة.
هذا التزامن لا يمكن أن يفسر على أنه مجرد مصادفات في التوقيت، بل هو موقف سياسي له شأن في تقرير مستقبل سوريا، وعلاقاتها الخارجية، لا سيما مع محيطها العربي، خصوصاً وأن الوفد السعودي لم يكن عادياً، فقد جاء برئاسة وزير الاستثمار، ويضم 130 رجل أعمال ومستثمراً، وقد أرسلته الرياض تحت توجيه محدد من قبل ولي العهد الأمير محمد بن سلمان – كما جاء في تصريح تلفزيوني لأحد أعضاء الوفد- يقول اعملوا على الاستثمار في سوريا كما تستثمرون في السعودية.
يوصف المال بأنه جبان، يهرب من الأماكن غير المستقرة – ناهيك عن الخطرة – أو التي يمكن أن تصبح كذلك، ويجد ملاذاته حيث يشيع الاستقرار والقوانين الجاذبة والربح المضمون. لذلك، لم يكن مقدراً أن تبدأ الاستثمارات في سوريا قبل أن تستقر البلاد وتنتهي نزاعاتها الداخلية. لكن جاء قرارالمال السعودي قبل أن يحصل كل ذلك، وفي هذا الكثير من المعاني التي تستحق تقدير مبادرة الأشقاء في الرياض، وحفظها للتاريخ كموقف شجاع، وما قد يسهم به هذا الدعم في التخفيف من وقع الاحداث الأخيرة.
وبما أن القرار الاستثماري جاء في توقيت بالغ الحساسية، فهو يسعى إلى إعادة تشكيل الصورة الداخلية في سوريا، من حالة حساب الخسائر إلى رؤية جديدة ترتكز على الأمل بالفوز والربح، ومن الشعور بالمأزق الاستراتيجي، إلى التعامل مع نافذة انفتاح إقليمي تؤسس لما بعدها، وتجعل من الجيب المأزوم في السويداء مجرد حالة مؤقتة.
هذا الاندفاع والدعم يُراد له أن يتم الاحتفاظ بسوريا حليفاً فاعلاً مستقراً، ويستدعي في اللحظة الراهنة تحجيم الأزمة في السويداء، وتأطيرها كحالة عابرة، قابلة للاحتواء، وربما من داخل المحافظة ذاتها. وفي سياق الانفتاح الاقتصادي، قد يشعر أبناء السويداء بأن الدولة تمضي نحو الازدهار والتنمية، فينتقلون من حالة التردد واللايقين إلى حالة انخراط فعال في المشروع الوطني. بمعنى أن النجاح والتطور والتنمية هي ما تجعل الفرد يفخر بالانتماء لبلده، مثلما تفعل الوطنية المحضة، في حين أن الفقر والاستبداد والفساد عوامل تنتج شعوراً عاماً بالغربة والغبن. وتدفع البعض، خصوصاً من يمتلكون استقطابات خارجية إلى البحث عن النجاة. وغالبا ما يأتي هذا الملاذ إما في صورة وعود أجنبية، أو في شكل افتعال موجات من التعصب الطائفي أو العرقي، توظف سياسياً، على حساب مصلحة المواطنين ومستقبلهم في وطنهم.
وبالرغم من أن الدعم الآتي من السعودية وكذلك من دول أخرى، اقتصادياً كان أم سياسياً أو حتى أمنياً، متدفقاً ومندفعاً ومتوافقاً.. لكن لن يكفي وحده لدعم استقرار سوريا في مواجهة التحديات الداخلية المعقدة. فالمخاطر ما زالت كبيرة، وقد يكون بعضها معيقاً لفكرة التنمية الحقيقية أو استعادة العافية بشكل حقيقي قابل للاستمرار. ذلك أن عملية إعادة بناء سوريا، أو على الأقل تعزيز وضعها كدولة قابلة للنمو، واستعادة القدرة، ناهيك عن الدور والمكانة، سيتطلب جهداً داخلياً موازياً، أو لربما أكثر من المبذول في المحافل الدولية، يتعلق بآلية العمل الداخلي لمعالجة أزمة الوحدة المجتمعية والجغرافية للبلاد، واستعادة مفهوم المواطنة الذي ضاعت ملامحه خلال عهد النظام المخلوع، وما زال.
هذه المهمة لا تتعلق بالدعم المقدر من الأشقاء بقدر ما ترتبط بآلية تعاطي السلطة في دمشق مع الأزمات التاريخية الراهنة، وحرصها على تبني مقاربات تحول دون تحول هذه الأزمات إلى تهديدات للأمن المجتمعي أو لوحدة سوريا الوطنية. من بين هذه المقاربات، تبرز الحاجة إلى ممارسة قدر عال من الشفافية، بما يُقرب بين الواقع الفعلي والخطط المعلنة والوعود المقدمة، وذلك عبر التركيز أولاً على تعزيز الأمن الداخلي وصورته، باعتباره شرطاً لاستقرار شرعية السلطة داخلياً وكذلك في خلق بيئة النمو الاقتصادي.
وفي هذه النقطة تحديداً يجب أن يشمل الجزء الأكبر من خطط النمو في المناطق الخاضعة لسلطة الدولة، لاسيما في المدن والأرياف المهمشة، وربما بكثافة واهتمام يفوق العاصمة في بعض الجوانب. وهذا سيسهم جزء كبير منه في ضمان استقرار جبهات غير مشتعلة، بالإضافة إلى تحفيز المناطق التي خضعت لهيمنة الانعزاليين أو الانفصاليين على استعادة شعورها بالانتماء إلى الوطن الجامع.
مثل هذه الرغبة لن تكتمل او تتحول إلى برنامج قابل للنجاح، ما لم تعمل الحكومة في دمشق بشكل مزاوٍ على وقف تداعيات الأحداث في السويداء وقبلها في الساحل، وكذلك مع المناطق الخاضعة لقسد، في الفضاء العام، من خلال وضع حد للتنابذ والصراع الرقمي الخطير، الذي لن يقود إلا الى تعميق الانقسام، وتعزيز مخاطر العنف الطائفي، باعتباره وصفة ثابتة للتفتيت الاجتماعي والجغرافي والقضاء على فكرة الوطنية والمواطنة، وقبل ذلك النمو الاقتصادي.
هذا الدعم الذي تحصل عليه سوريا من أشقائها، يأتي في لحظة فارقة، وقد يتوقف في لحظة فارقة أخرى. لذلك، ينبغي أن يتم التفكير استراتيجياً، لكن من داخل البيت السوري، وأن يتحول كل دعم حتى الآن، من تثبيت للشرعية الدولية، إلى برنامج تنموي يكون في خدمة وحدة البلاد وعيشها الكريم، واستعادة مواطنيها جميعاً إلى مفهوم الدولة.
وهذا سيحقق، ليس فقط الانتقال إلى الاستقرار في سوريا واستعادة وحدتها ودورها قبل أي شيء آخر، بل أيضاً الانتقال من الشرعية الثورية إلى الشرعية الانتخابية الشعبية
المدن
—————————
الوعود الاستثمارية أداة سياسية في سورية/ مالك الحافظ
30 يوليو 2025
ليس جديداً أن تُستخدم لغة الاقتصاد لتصريف الأزمات السياسية. وليست هذه المرّة الأولى التي يُستدعى فيها المال، أو وعد المال، أداةً لإسناد هيكل سلطةٍ قيد التشكّل. ففي الحالة السورية الراهنة، يبدو أن طرح المبادرات الاستثمارية يأتي جزءاً من خطاب رمزي يُستخدَم لتعويض غياب الشرعية التمثيلية وآليات التفاوض الفعلي، وهو ما يجعل من الاقتصاد حقل شرعنة، وليس حقل إنتاج. في الفترات الانتقالية، يمكن أن يتحوّل الخطاب الاقتصادي أداةً تعويضية من أجل تثبيت صورة أولية عن الدولة في المجال العام. وهو ما يمكن فهمه في ضوء ما تُسمّى “الشرعية غير المؤسّسية”، إذ تسعى السلطة إلى بناء تمثيل مقبول خارج أدوات الحوكمة الفعلية. وبهذا المعنى، يُعاد إنتاج الاقتصاد في سورية خطاباً سياسياً يملأ فراغ الشرعية.
منتدى الاستثمار السوري السعودي، أخيراً في دمشق، لا يمكن عزله من هذا السياق، فتتقاطع فيه الاعتبارات الاقتصادية مع التحوّلات السياسية الجارية، فالمليارات التي أُعلن عنها، لا تبدو مستقلّةً بذاتها، وإنما تنتمي إلى منطقٍ أكثر تعقيداً، يوظّف فيه المال الرمزي لتثبيت صورة السلطة القائمة، وليس بالضرورة إعادة بناء مؤسّسات الدولة. ما يتكشّف في الحالة السورية الراهنة هو استخدام الاستثمار بوصفه آليةً سياسيةً غير مباشرة، تُستعمل لإنتاج رسائل موجّهة إلى الداخل والخارج. فعلى الصعيد الداخلي، يُقدّم “الاستثمار” بوصفه تعويضاً مؤقّتاً لغياب السياسات الاقتصادية الفعلية، ووسيلةً لإدارة التوقّعات في ظلّ ندرة الإنجاز التنموي القابل للقياس. أمّا خارجياً، فيُستخدم المال الموعود علامةً على أن ثمّة ثقة إقليمية ودولية بالمسار السياسي، ما يعزّز صورة السلطة أمام شركاء محتملين ومراقبين دوليين.
لا يخرج هذا النمط من الإدارة عن نموذج يمكن تسميته “الشرعية المؤقّتة عبر المال الرمزي”، وفي هذا النموذج، لا يُنتظر من السلطة أن تقيم دورة اقتصادية مكتملة، بل إنتاج مشهد مالي تمثيلي يوحي بوجود دورة اقتصادية، رغم أنه غالباً ما يكون مؤجّلاً، أو مشروطاً، أو منعدماً في الواقع التنفيذي. مفهوم “الشرعية” المستخدم هنا لا يُحيل إلى شرعية مستندة إلى الإنجاز الفعلي أو التمثيل المؤسّسي، وإنما إلى ما وصفته حنة أرندت بـ”الطاقة الرمزية للسلطة”، التي تستمدّها من قبول الجمهور للصورة التي تُنتجها عن نفسها. كما يمكن أن نستعير من حقل الاقتصاد السياسي النقدي فهماً أعمق لكيف تُنتج الأنظمة شرعيتها عبر تمثيلات ظاهرية للبنى والمؤسّسات من دون الحاجة إلى بنائها فعلياً.
النموذج السياسي الاقتصادي الأقرب إلى فهم هذه البنية، يقارب ما وُصف في أدبيات الاقتصاد السياسي بـ”الدولة الريعية الرمزية” أو “الدولة المؤدّية للريع”، إذ لا تتوافر الموارد الطبيعية أو الإنتاجية بشكلٍ ثابت، ولكنه يُحاكى منطق الدولة الريعية عبر تسويق الوعود التمويلية بوصفها أداةً رمزية لبناء شرعية ما قبل مؤسّسية، ويُستعاض عن البنية الإنتاجية الفعلية بإنتاج رسائلَ اقتصادية تعزّز موقع السلطة في المجال العام. في هذا السياق، يُستخدم الخطاب الاقتصادي بوصفه مورّداً رمزياً بحدّ ذاته، ويُعاد إنتاج حضور الدولة من خلال الأرقام والتعهّدات، وليس من خلال بنية اقتصادية متماسكة أو دورة إنتاج حقيقية. وهو ما يجعل بنية الاقتصاد، في نهاية المطاف، تنمو من خطاب مؤجّل يحافظ على الهيكل السياسي أكثر ممّا يقدّم مشروعاً إنتاجياً قابلاً للتراكم.
ولكي نُدرك أبعاد ما يمكن وصفه بالريع المؤجّل في الحالة السورية، من المفيد التمييز بين شكلَين من الريعية: الريع الاقتصادي، الذي يُشير إلى مواردَ ثابتةٍ نسبياً، تُستخدم لتمويل الدولة من خارج دورة الإنتاج (مثل النفط أو الضرائب الجمركية). والريع السياسي، الذي تُعيد فيه السلطة إنتاج شرعيتها من خلال السيطرة على شبكات التوزيع، والوعود التمويلية، ودخول السوق عبر قنوات احتكارية أو مؤجّلة، من دون بنية إنتاجية مستدامة.
وليس هذا النمط جديداً في التجارب الانتقالية العربية. في مصر ما بعد 2013 على سبيل المثال، أُعلنت تعهّدات استثمارية تتجاوز 130 مليار دولار في مؤتمر شرم الشيخ عام 2015، أغلبها من دول الخليج. لم تؤدِّ هذه المبالغ إلى تغيير بنيوي في هيكل الاقتصاد المصري، بل تحوّلت تدريجياً أداةً ماليةً لإدارة الاستقرار، تزامنت مع توسّع هيمنة المؤسّسة العسكرية على المجال الاقتصادي، واستمرار الفجوات التنموية على حالها. في العراق بعد 2003، رُصدت مليارات لإعادة الإعمار، خصوصاً في مؤتمر الكويت عام 2018، لكن غياب المؤسّسات الرقابية، وتداخل الصلاحيات السياسية الطائفية، أفرغ تلك المخصّصات من فاعليتها، كما تحوّلت مشاريع الإعمار واجهاتٍ لتغذية شبكات الزبائنية السياسية، من دون أثر حقيقي في جودة الحياة أو مؤشّرات التنمية. وفي لبنان، كان مؤتمر “سيدر” عام 2018 أبرز تمظهر لهذا النموذج، فقد قُدِّمت حزمة دعم تفوق 11 مليار دولار مشروطةً بإصلاحات هيكلية، لكن النُّخبة السياسية استثمرت الإعلان عنها لتثبيت موقعها في السلطة من دون أن تنفّذ ما يضمن الإفراج عن تلك الأموال. وكانت النتيجة انفجاراً مالياً اجتماعياً لاحقاً، كشف التناقض بين الخطاب الاقتصادي وممارسات الحكم الفعلية.
لا يُعاب على أيّ سلطة انتقالية أن تبحث عن دعم اقتصادي أو استثمار خارجي، فذلك جزء من أدوات الحكم المشروع. لكن يصبح من المشروع، في المقابل، أن تُطرح تساؤلات نقدية حين يُستخدم الخطاب الاقتصادي لتغليف فراغ سياسي لا يزال قائماً. خصوصاً حين تكون المؤسّسات في حالة تشكّل غير مستقر، والضمانات الوطنية للمحاسبة والرقابة لم تتبلور بعد.
وفي وقتٍ لم تتشكّل فيه مرتكزات واضحة لحوكمة اقتصادية مستقرّة في سورية الانتقالية، تتقدّم مؤتمرات الاستثمار بوصفها أداة رمزية أكثر من أنها مدخلاً فعلياً لإطلاق دورة إنتاج أو إعادة بناء. هذه المؤتمرات أو المنتديات الاستثمارية لا تعبّر عن تحول مؤسّسي جادّ، بل تُستخدَم لإظهار قدرة الدولة على البقاء ضمن منطق العلاقات الإقليمية والدولية، حتى في غياب البنية القانونية والتنفيذية اللازمة. ما يجري في سورية لا يُعبّر عن انخراط فعلي في دورة إنتاجية، بقدر ما يُعيدنا إلى ما يصفه منظّرو السياسة الاقتصادية بـ”الحكم الرمزي”، فتُنتج الدولة حضورها عبر التمثيل المالي المؤجّل، من دون أن تمتلك الأدوات البنيوية لبناء تراكم اقتصادي فعلي أو شبكة قرارات قابلة للمساءلة. كذلك تميل المنتديات أو المؤتمرات الاستثمارية (في مثل هذه الظروف والحالات) إلى أداء وظيفة مسرحية تنتمي إلى ما وصفها جيمس سكوت “الدولة الاستعراضية”، فلا تكون الغاية تحقيق نتائج مادّية أو إنتاجية مباشرة، وإنما إظهار شكل من أشكال الفاعلية الرمزية.
في الحالة السورية الراهنة، لا يمكن فصل الخطاب الاستثماري عن طبيعة الهيكل السياسي الذي يقدّمه، فالاستثمار لا يُطرح هنا ضمن رؤية اقتصادية متكاملة أو مشروع إنتاجي فعلي، بل تُستعمل هذه الوعود الاستثمارية لتكريس نمط من الإدارة الاقتصادية يُتخذ فيه القرار في دوائر ضيقة، من دون إشراك مؤسّسات رقابية مستقلة أو فتح نقاش عام حول أولويات التنمية. وبهذا المعنى، لا تؤسّس السلطة لمسار اقتصادي تشاركي، وإنما تحتفظ بالاقتصاد أداةً للضبط السياسي.
في أنماط الحكم التي تشكو من هشاشة التمثيل السياسي أو غياب آليات التفاوض العام، غالباً ما يُوظّف الخطاب الاقتصادي وسيلةً لتأجيل الاستحقاقات الجوهرية. وما قد يظهر في الخطاب الرسمي ليس خطةً اقتصادية بمضامين واضحة، بقدر ما يكون رواية تُستخدم لملء الفراغ الناتج من غياب الإجماع الوطني حول شكل الحكم، وتوزيع السلطة، ودور المجتمع في تحديد الأولويات التنموية.
في نهاية المطاف، لا تُفهم أدواتٌ مثل “مذكّرات التفاهم” و”نيات الاستثمار” في السياق السوري الانتقالي بوصفها مؤشّرات مباشرة على انطلاق مشاريع إنتاجية، أو دخول البلاد في دورة اقتصادية فعلية، بل جزءاً من محاولة لترسيخ حضور رمزي في المجال الاقتصادي. وبهذا المعنى، تتحوّل اللغة الاقتصادية من أن تكون مدخلاً للتنمية إلى أداة تكميلية لبناء شرعية تمثيلية مؤقّتة، تؤدّي وظيفةً استعراضيةً أكثر منها بنيوية، في ظلّ استمرار الغموض حول آليات القرار ومحدّدات التوزيع والتنفيذ.
العربي الجديد
————————————
=======================



