سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

سوريا والمغتربون: دعم مادي بلا حوافز رسمية/ دمشق – رهام علي

 

الأحد 2025/08/03

في ظل أزمة اقتصادية مستمرة وتحديات مالية خانقة، باتت تحويلات المغتربين السوريين تشكل ركيزة أساسية لملايين الأسر داخل البلاد. هذه الأموال، التي تتدفق من مختلف دول المهجر، تحولت إلى منقذ صامت يساعد في تأمين الاحتياجات اليومية ويُبقي الاقتصاد السوري على قيد الحياة. لكن، هل يمكن حقاً لهذه التحويلات أن تكون حلاً مستدامًا؟ وما المخاطر والتحديات التي تواجهها؟ وكيف تؤثر على الاقتصاد السوري ككل؟

تحويلات المغتربين وأثرها الاقتصادي

تشير تقديرات صادرة عن البنك الدولي حتى العام 2024 إلى أن تحويلات السوريين في الخارج تُشكّل مصدرًا حيويًا للعملات الأجنبية في الاقتصاد السوري، وتُقدّر قيمتها السنوية بمئات ملايين الدولارات. وتُقدّر بعض الدراسات أن هذه التحويلات قد تُشكّل بين 8 في المئة إلى 12 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، رغم غياب أرقام رسمية دقيقة محدثة لعام 2025.

ووفق تقارير صادرة عن برنامج الأغذية العالمي والمفوضية السامية لشؤون اللاجئين، يعتمد عدد كبير من الأسر السورية، خصوصًا في الداخل، على التحويلات الخارجية بوصفها مصدراً أساسياً لتأمين احتياجاتهم المعيشية، في ظل تدني الرواتب المحلية والتضخم الحاد.

دعم أساسي ولكنه غير كافٍ

يرى الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي، أن التحويلات المالية الواردة من المغتربين السوريين تلعب دورًا محوريًا في الاقتصاد الوطني، حيث تساهم في زيادة حجم النقد الأجنبي، وتخفيف عجز الميزان التجاري، وتعزيز القدرة الشرائية للأسر السورية.

ومع ذلك، يؤكد قوشجي في تصريح خاص لـ”المدن” أن هذه التحويلات “تظل موردًا غير كافٍ ولا يمكن الاعتماد عليه ليكون دعامة مالية أساسية لدولة بحجم سوريا”، مشيرًا إلى التحديات الكبيرة التي تواجه إعادة الإعمار الشامل للبنية التحتية والقطاعات الحيوية مثل التعليم والسياحة والخدمات، إضافة إلى الحاجة الملحة لإعادة تأهيل المدن والقرى المتضررة.

ويضيف الخبير أن العام 2025 قد يشهد نموًا ملحوظًا في حجم التحويلات، مدفوعًا بتحولات جوهرية في المشهد السياسي والاقتصادي، أبرزها تبني الحكومة الجديدة نهجًا أكثر انفتاحًا يسمح بالتعامل بالعملات الأجنبية، ورفع العقوبات الاقتصادية، وتفعيل نظام “السويفت” الذي يُتوقع أن يسهل حركة الأموال ويعزز ثقة المغتربين في القنوات الرسمية.

ويشدّد قوشجي على أن “التحويلات تعزز قدرة الأسر على تلبية احتياجاتها اليومية، وترفع الطلب الكلي في الأسواق، مما يحفز الحركة الاقتصادية داخليًا”، مشيرًا إلى أن السماح بالتعامل بالدولار الأمريكي يُخفف من أزمة نقص السيولة بالليرة السورية، ويقوي رصيد العملة الصعبة في الاقتصاد المحلي.

مع ذلك، يخلص قوشجي إلى أن هذه الأموال “لا تمثل مصدرًا تمويليًا كافيًا للحكومة لتنفيذ مشاريع إعادة الإعمار والاستثمار في البنى التحتية”، وهو ما استدعى إنشاء صندوق سيادي خاص للتنمية والاستثمار لتعزيز الموارد المالية اللازمة.

واقع تقديري في ظل القيود

ووفقًا لتحليلات منشورة عبر تقارير اقتصادية مستقلة، فإن نسبة كبيرة من التحويلات تتم عبر قنوات غير رسمية، بسبب الفجوة بين سعر الصرف الرسمي والسوق الموازية، والقيود المصرفية.

تُقدّر نسبة التحويلات غير الرسمية، وفق هذه التقارير وتقديرات خبراء اقتصاديين، ما يتجاوز 50 إلى 60 في المئة من إجمالي التحويلات، في حين يُحوّل الباقي عبر شركات مرخصة مثل الهرم وفلسطين للصرافة.

وفي تصريح لـ”المدن”، يؤكد أحد موظفي شركة حوالات محلية، أن “عدد الحوالات ازداد في الفترة الأخيرة على نحوٍ ملحوظ، خصوصًا من الدول الأوروبية”، كما يشير إلى أن أوروبا أصبحت المصدر الأبرز للحوالات الخارجية حاليًا. ويعكس هذا الواقع استمرار المغتربين في دعم أسرهم رغم التحديات المصرفية وسعر الصرف غير المشجع.

تحويلات لا تُقاس بالمبالغ فقط

تلعب تحويلات المغتربين السوريين دورًا حيويًا في دعم أسرهم، ليس فقط من الناحية الاقتصادية، بل النفسية والاجتماعية أيضًا.

في العراق، يواجه جعفر الحافي، مغترب سوري، غيابًا شبه كامل للطرق الرسمية للتحويل إلى سوريا، وهو ما يجبره على استخدام قنوات غير رسمية محفوفة بالمخاطر. ويرى أن الحوالات باتت بمنزلة “ترياق حياة” لعائلته، حيث تمكّنهم من شراء الحاجات الأساسية. ويعتبر الحافي أيضاً أن التحويلات باتت أحد المحركات القليلة المتبقية في عجلة الاقتصاد المحلي، مطالبًا بسياسات تُعطيها الأولوية.

أما علاء حميدوش، المقيم في الإمارات، فينظر إلى الحوالات من منظور مختلف. فبالنسبة له، هي تعبير مباشر عن مسؤولية تجاه العائلة في الداخل، حيث تساعدهم في تحمّل تكاليف الغذاء والتعليم والعلاج. وعلى الرغم من التزامه بالقنوات الرسمية احترامًا للقوانين، إلا أنه لا يُخفي انزعاجه من ارتفاع الرسوم وتأخّر المعاملات أحيانًا، مطالبًا بإصلاحات تضمن أمانًا وسرعة أكبر في التحويلات.

من جهته، يرى محمود الحسين، وهو أيضًا مغترب في الإمارات، أن الحوالات أصبحت ضرورة لا خياراً، بسبب الهوّة المتزايدة بين المدخول المحلي وتكاليف الحياة في سوريا. ويشير إلى أن الإجراءات الرسمية اليوم باتت أسهل بعد التحولات السياسية الأخيرة، لكن ما يزعجه هو الفروقات الكبيرة بين سعر الصرف الرسمي وسعر السوق، وهذا ما يخلق خسارة حقيقية للمُرسل ويجعله يُفكر أحيانًا ببدائل غير رسمية أو إرسال الأموال عبر أشخاص.

مغتربو أوروبا بين القانون والحاجة”

يواجه المغتربون السوريون في أوروبا، وعلى رأسهم ألمانيا، واقعًا قانونيًا أكثر تعقيدًا في ما يتعلق بتحويل الأموال إلى سوريا. عبد الله سيف الدين، مغترب في ألمانيا، يصف تجربته بأنها محفوفة بالمخاطر بسبب غياب أية قناة رسمية بين البنوك الأوروبية والسورية، وهو ما يدفعه للجوء إلى “التحويلات السوداء”؛ أي إرسال المال عبر وسطاء غير رسميين. ورغم اعتماده فقط على أشخاص موثوقين لتفادي المساءلة القانونية أو الاحتيال، يؤكد عبد الله أن السعر الذي يحصل عليه يبقى دون المأمول، وأن هذا الوضع يفرض ضغطًا نفسيًا دائمًا.

ويشير إلى أن هذه التحويلات غير الرسمية، على محدودية أمانها، تظل شريان حياة لعائلاتهم في الداخل السوري، وتؤمّن الحد الأدنى من الاحتياجات المعيشية. ويأمل بإيجاد آليات رسمية، حتى لو كانت عبر بنوك خاصة داخل سوريا، تسمح بتمرير الأموال بشكل قانوني وآمن، وتمنع الخسارة الناتجة عن فروقات السعر أو المخاطر القانونية.

“الحوالة الشهرية”… خشبة الخلاص

تعتمد العديد من الأسر السورية على التحويلات المالية التي يرسلها أبناؤها من الخارج، خصوصاً من دول الخليج، بوصفها وسيلةً أساسية لتأمين متطلبات الحياة اليومية. “بدون الحوالة، لم نكن نستطع تغطية أبسط احتياجاتنا”، تقول إحدى الأمهات، مضيفة أن تلك الأموال تغطي نحو نصف مصاريف الأسرة شهريًا، وتُصرف أساسًا على الغذاء، النقل، فواتير الكهرباء والماء، والتعليم.

تؤكد أسرة أخرى أن هذه التحويلات غيّرت وضعهم المعيشي تغييراً نسبياً، إذ “أصبح لدينا حاجتنا من الطعام، نشتري خضار وفواكه، ولم نضطر مجدداً للاستدانة في كل آخر الشهر”. إلا أن الغلاء المستمر يحول دون تحقيق أي نوع من الادخار، في حين يُوجَّه أي فائض للعلاج أو الطوارئ الصحية.

وبما يخص قنوات التحويل، تشير الأسرتان إلى أن الطرق الرسمية تعطي سعر صرف أقل بكثير من السوق، وهو ما يدفعهما إلى الاعتماد على التحويلات غير الرسمية رغم ما تحمله من مخاطر تأخير أو نصب. وفي حال انقطاع الحوالة لأي سبب، “نضطر أن نقتصد بكل شي أو نستدين من الجيران”، تقول إحدى الأمهات، موضحة أن الراتب المحلي الوحيد في الأسرة لا يغطي أكثر من جزء يسير من النفقات.

تحويلات السوريين في ظل تحديات مشتركة

رغم التراجع النسبي في حجم التحويلات إلى سوريا في العام 2025 مقارنةً بدول مثل لبنان أو العراق، إلا أن هذه التحويلات تبقى من بين الأعلى في المنطقة نسبة إلى عدد السكان المغتربين، وفق مراجعات لتقارير البنك الدولي والمفوضية الأوروبية الخاصة بتحويلات المهاجرين.

ويواجه المغتربون السوريون، مثل غيرهم في المنطقة، عقبات مستمرة أبرزها: القيود المصرفية، غياب البنى المالية الرسمية في الداخل السوري، والعقوبات الغربية. إلا أن الواقع السوري يتسم بخصوصية أكبر نتيجة عدم استقرار البنية المصرفية، ووجود سوق موازية قوية تدفع الكثيرين لاستخدام وسائل غير نظامية لإرسال الأموال.

إلى أين تتجه سياسة الدولة؟

خلال العام 2025، لم تُصدر الجهات الرسمية مثل مصرف سوريا المركزي أو وزارة المالية أي خطوات ملموسة تُسهم في جذب تحويلات المغتربين عبر القنوات الرسمية، مثل تقديم حوافز أو مراجعة سعر الصرف الخاص بالحوالات. إذ استمرت سياسات تثبيت السعر الرسمي للصرف، ما أبقى الفجوة قائمة بين هذا السعر وسعر السوق الموازي، وبالتالي لم تتغير البيئة التشريعية أو الإجرائية على النحو الذي يعزز التحويلات النظامية.

واستنادًا إلى تحليلات منشورة خلال الربع الثاني من العام 2025، ولقاءات مع محللين، يتضح أن غياب الثقة بالقطاع المصرفي الرسمي، إضافة إلى عدم واقعية السعر الرسمي للعملات الأجنبية، هما سببان رئيسان في استمرار المتعاملين في اللجوء إلى الأسواق غير الرسمية أو الوسطاء، بهدف تقليص الخسائر الناتجة عن فرق السعر وارتفاع التكاليف.

في المقابل، أشارت بيانات البنك الدولي في تقريره الصادر في تموز 2025 بعنوان “تقييم الاقتصاد الكلي والمالي لسوريا لعام 2025” إلى أن الناتج المحلي الإجمالي في سوريا مرشح لتحقيق نمو طفيف لا يتجاوز 1 في المئة، بعد سنوات من الانكماش. وأكد التقرير أن “تحويلات المغتربين ستؤدي دورًا في تعويض جزء من نقص السيولة داخل السوق المحلي”، لكنه أشار أيضًا إلى “تحديات كبرى ناتجة عن الاعتماد على أنظمة مالية موازية وغياب بيئة مؤسسية مرنة”.

وبما أن العديد من المغتربين يفضلون إرسال الأموال عبر القنوات الرسمية عندما تتوفر بنوك محلية داعمة لنظام التحويلات العالمية أو تقدم أسعار صرف مقبولة، فإن قدرة سوريا على استعادة جزء من هذه التدفقات المالية وربطها بالتنمية الحقيقية مرهونة بقدرتها على تفعيل هذه الأدوات المصرفية. وفي حال استمرار غياب هذه التسهيلات، سيبقى لجوء المغتربين إلى الطرق غير النظامية هو الخيار الأسهل والأسرع، رغم ما يحمله من تكاليف أعلى وخسائر غير مباشرة على الخزينة العامة.

المدن

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى