إشتباكات السويداءالأحداث التي جرت في الساحل السوريالتدخل الاسرائيلي السافر في سورياتشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوععن أشتباكات صحنايا وجرمانامحطات

مخططو الأذى/ رشا عمران

 

2025.07.30

في بدايات ثورة 2011 لم تكن تقنيات وسائل التواصل الاجتماعي قد تطورت كما هي عليه الآن، كان المنشور الذي يكتبه أحد ما علي منصة فيس بوك يحظى بعلامة الإعجاب التي لم يكن يوجد غيرها، علامات مثل القلب والضحكة والاحتضان والحزن وجدت لاحقا وبالتدريج؛ كما أن الصفحات الشخصية كانت مقتصرة على الأصدقاء فقط الذين خضع كثير منهم في صفحات المؤيدين للثورة أو المعارضين لها للحجب أو ما يسمى (بلوك)، قد يكون هذا هو السبب الذي جعل من أخبار المجازر المتنقلة والموت المنتشر والقتل والدمار والنهب ليست كما هي عليه اليوم على وسائل التواصل الاجتماعي؛ وقتها إن مر أحدهم على خبر مجزرة في منشور كان يمكنه تكذيبها في تعليق إن كان من أصدقاء الصفحة فقط. لم يكن شبيحة المرحلة السابقة أفضل من شبيحة المرحلة الحالية، كانت الإمكانات اللوجستية أكثر بدائية فقط مما هي عليه الآن، ومع لم ذلك لم يتوانوا عن تقديم نماذج مخجلة لما يمكن أن يكون عليه تأييد السلطة الحاكمة، لم يوفروا أية تهمة إلا واخترعوها وألصقوها بكل من أيد الثورة، ألفوا قصصا تصلح لأن تكون فصولا في روايات جنسية عن الناشطات و النساء اللواتي كن مع الثورة؛ فتحت صفحات ومواقع على الشبكة لاستهداف سمعة معارضي النظام؛ لكن الأمر لم يقتصر فترة الثورة على مؤيدي النظام، ذلك أن انقساما كبيرا حصل بين أبناء الثورة نفسها بعد أن اتخذ قرار تسليح الثورة وأسلمتها، حيث ظهر شبيحة أيضا مؤيدين لتيار التسليح والأسلمة ولجأ هؤلاء إلى نفس السلوك الذي تعرضوا له من قبل شبيحة النظام: تشويه سمعة كل من يعترض على التسليح وأسلمة الثورة ومع انتهاء الثورة السلمية بدأ هؤلاء بإنشاء حسابات على موقع فيسبوك ومواقع الشبكة الأخرى تستهدف كل من يعارض ذلك التيار وقتها وكل من يطالب بالحفاظ على سلمية ومدنية الثورة ونبذ الطائفية التي كانت تفعل فعلها ذلك الوقت في المجتمع السوري ويصمونهم بصفات مهينة تمس السمعة الأخلاقية (الجنسية) عامة، وأيضا تم اختراع قصص جنسية عن الناشطات اللواتي اعترضن على التسليح، وتم الطعن برجولة الناشطين والمثقفين المعترضين.

يبدو أن الأمر لم يتغير حاليا، وأن أربعة عشر عاما من الاختبارات المهولة والمآسي والكوارث التي حصلت للسوريين لم تستطع أن تغير من طباعهم ومن قدرتهم على الأذى ومن استهدافهم لخصومهم عبر نعتهم نعوتا تمس الأخلاق الاجتماعية، ووضعهم في مواقف تعرضهم للتنمر الأخلاقي، وإطلاق الخيال لاقتراح طرق جديدة للأذية، ولا يهم إن كان الخصم ناشطة شابة قد ينهار مستقبلها بسبب الإساءة لسمعتها خصوصا إن كانت من بيئة تغالي في الحفاظ على السمعة، أو سيدة كبيرة في السن (تعرضت أنا الستينية قبل شهر لهذا النوع من التشهير والأذى)، أو مثقف كبير ينظر إليه عالميا بوصفه أيقونة من أيقونات الفكر والثقافة في العالم؛ ولا يهم من هو مسبب الأذى ذلك أن مجاميع من الغوغاء جاهزة لتصديق أي شيء وجاهزة لتناقل المعلومة وتبنيها وإضافة ما يلزم إليها وهي لا تعرف أية معلومة عن الضحية المفترض. والفارق اليوم أن تطورا كبيرا حدث في عالم الافتراض، صارت هناك أساليب جديدة للإساءة والاستفزاز، صار بالإمكان استخدام الذكاء الصناعي من أجل تلفيق أي شيء لأي شخص ونشره في أية وسيلة تواصل ليتم تناقلاه وتداوله بوصفه حقيقة تبنى عليها مواقف وآراء وتنسف تواريخ أشخاص وأفراد دون أي مسؤولية أو ضمير إنساني وأخلاقي، والأهم دون أي قدرة على المحاسبة، ذلك أن منصات عالم الافتراض عابرة لكل القوانين الدولية وباتت تستخدم في خصومات الدول الكبرى وليس فقط في الخصومات الضيقة في عوالم صغيرة.

والحال أنه الآن وسابقا كانت الجماهير والمجاميع السورية هي نقطة الجذب لمخططي الأذى ولنشر القصص الملفقة عن الآخرين، الجماهير التي يفترض أن الثورات والتغيير يحدث من أجلها ومن أجل مستقبلها ،مستقبل أبنائها، الجماهير التي سيتم التضحية بها في كل التسويات والاتفاقات السياسية، الجماهير التي وحدها تدفع الأثمان الباهظة بينما سينصرف في النهاية مخططو السياسة والحروب والخراب ليستمتعوا بما كسبوه، هذه الجماهير التي يمكن أن يحولها مخططو الأذى في لحظة إلى قنابل موقوتة قد تنفجر في الآخرين الدين يريد المخططون تفجيرهم سوف تجد نفسها بعد حين أنها هي القنابل وهي الضحية في الوقت ذاته، هذا الجماهير التي تسوقها غريزة القطيع تنحاز للأذى لمجرد أن الراعي يريدها أن تنحاز للأذى وليس لأنها في طبيعتها مؤذية، إذ قد تنحاز للخير إن أراد الراعي لها خيرا، ما الذي يدفع مجموعة سورية إلى الإساءة لآخرين لا تعرف عنهم شيئا سوى من منشور، مثلا، كتبه موتور ما على وسيلة من وسائل التواصل الاجتماعي؟

هذا سؤال قد يبدو بسيطا وتبدو الإجابة عليّ أيضا بسيطة: غريزة القطيع كما أسلفنا سابقا. لكن الحقيقة أن الأمر أكثر تعقيدا من ذلك. ففي زمن الحروب والكوارث والانهيارات السياسية الكبرى والهزائم يبحث البشر عن معنى ما، عن تفسير لما يحدث، هنا تأتي الإشاعة أو القصة الملفقة جاهزة لتكون هي التفسير المطلوب الذي يمنح وهم الفهم أو وهم المعنى؛ كما أن التحيز المعرفي يعطي المصداقية لأية إشاعة أو خبر يتناسب مع معرفة المتلقي وأهوائه وانحيازاته، فيبدو ميالا لتصديق الخبر دون التدقيق في مصداقيته طالما يتناسب مع هواه، فالخبر الملفق أو الإشاعة تثبت ما يعتقد أنه الصحيح؛ البشر أيضا يميلون إلي تصديق الأخبار إن أتت من مصدر مقرب لهم، من طينتهم أو من دائرتهم الاجتماعية، مما يكسب الخبر الملفق مصداقية، لكنها مصداقية وهمية سوف تنكشف حقيقتها بعد حين. أما الأكثر تعقيدا فهو التصديق الانفعالي لأي خبر ، في زمن النكسات الكبيرة تتفاقم الحالة الشعورية والتربص لدى البشر، ويفقدون بوصلة الحقيقة، مما يجعلهم جاهزون لتصديق كل ما يقال لهم ويحمل الذنب لطرف لا يشبههم، ذلك أنهم  سيكونون رافضين أصلا فكرة تصديق أن من يشبههم يمكنه أن يكون مؤذيا، هكذا يتم تصدير الأذى إلى آخر لا يشبهنا، وسوف يتحول إلى عدو علينا جميعا فضحه وكشفه، خصوصا مع غياب الوسائل الإعلامية الشفافة غير المنحازة والتي تقدم المعلومة كما هي علي حقيقتها، هنا يصبح الخبر الملفق أكثر تأثيرا، ذلك أن يقدم من عدة جهات، مطلقو الإشاعات ووسائل الإعلام. هكذا يحاصر الشعب أو المجموعات البشرية بمرجعيات قادرة على الكذب والتلفيق، وقادرة على التأثير أيضا.

فهم مخططو الأذى في السابق هذه المعادلات مع الشعب، وفهمها مخططو الأذى اليوم، وينفذونها بالحرف الواحد كما نفذها أشباههم سابقا، مع فارق أن التطور التقني الحالي يتيح إمكانات أوسع للتلفيق ونشر الأخبار الكاذبة وتشويه سمعة الخصوم السياسيين. وللأسف نحن نبدو كما لو أننا نعيد تاريخنا ذاته مع تبادل الأدوار، لكننا نعيده بطريقة أكثر رثاثة وأكثر ابتذالا تليق بهذا الانحطاط الذي يلف العالم كله.

تلفزيون سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى