نساءٌ صنعْنني… ثمَّ غِبْنَ/ ابراهيم زرقه

31.07.2025
صورتان هزّتا سوريا بعد سقوط الأسد: سيدة تمسك بحبل مشنقة أولادها أمام سجن صيدنايا، وسنديانة الساحل التي اشتهرت بكلمة “فشرتم”. صورتان تختصران هول الكارثة السورية، وتعكسان حال أمهاتنا اللواتي يبكين بصمت
الحنينُ ليس ضعفًا، بل ذاكرةُ مَنْ لا يريدُ أن ينسى.
مَرَّتْ أيامٌ على ذكرى رحيلِ والدتي، الذكرى التاسعة لانطفاء شمعتها بعد صراعٍ مع المرض. لم يهدأ حزني، تغيرت أشكاله، نعم، لكن ثقله بقي كيومِ الفراقِ الأول.
لم أتلقَّ خبرَ رحيلها بل كنتُ من أصدره، عندما قررتُ مصيرَها وطلبتُ إيقافَ الإنعاشِ بعد توقفِ قلبها مرارًا. أنا أيضًا من أعلنُ وفاةَ جدتي. يبدو أنني امتلكتُ حينها قلبًا قاسيًا بلا رحمة؛ خرجتُ من غرفتَيهما بجسدٍ صلبٍ وقلبٍ كالحجر. رأيتُ عمتي في المرتين والدموعُ تُغرِقُ عينيها، كأنما تطلبُ منّي تكذيبَ الخبر. اعتذرتُ منها ومضيتُ في طريقي.
فأنا لم أكن ابنًا لامرأةٍ واحدةٍ، بل صنيعةُ ثلاث نساءٍ، أمي، جدتي، وعمتي. أدّت كلٌ منهنَّ دورَها فيّ بمعزلٍ عن الأخرى. حفرنَ في روحي آثارًا لا يمحوها الزمن: شهدتُ نهايةَ اثنتَينِ منهن، أما الثالثةُ فحملتْ متاعَها وتركت البلاد، ففي مجتمعاتنا التي أنحدرُ منها، للمرأةِ دورٌ عظيمٌ على رغمَ اختفائه خلفَ الستار؛ هي الأمُّ والمربيةُ والصامدةُ والقويةُ، هي الجدارُ الذي نرتمي عليه بأوجاعنا.
كانتِ الصدمةُ حين عدتُ من المنفى لأجدَ أمًّا يفترسُ السرطانُ جسدَها، وجدّةً أكلَ العُتْهُ ذاكرتَها. أصيبتْ بالزهايمر فسرقَ منها ماضيها، كانتْ تمسكُ يدي وتُكرِّرُ اسمي بشكل غير مفهوم. لكنّها نادتني باسمي بشكل واضح في لحظةِ وعيٍ نادرةٍ، فأدركتُ أن الحبَّ قادرٌ على اختراقِ أعمقِ عتمةٍ. ظلّتْ في وجداني كروحٍ حاضنةٍ في جسدٍ صامت. أما عمتي التي غادرتْ سوريا لاحقًا، فحملتْ معها أوجاعَنا وأرشيفَ العائلةِ، كأنما تُخبئُ وطنًا صغيرًا في حقيبتها لا يحتاجُ تأشيرةً لكنه يثقلُ القلبَ… كما فعلتْ آلافُ السورياتِ في المنفى.
هؤلاءِ الثلاث: أمٌّ، جدةٌ، عمةٌ… كُنَّ الدعائمَ التي نهضَتْ عليها حياتي. حنوُّهنَّ، قوتهنَّ، تضحياتهنَّ، حتى معاناتهنَّ، صاغَتْ إنسانيتي ورسمتْ ملامحَ الرجلِ الذي أنا عليه اليوم. كُنَّ حارساتِ ذاكرةٍ، مقاوماتٍ صامتاتٍ في وجهِ النسيانِ. لم أكنْ أدري أن نضالهنَّ كان تدريبًا لي لأحملَ ذاكرةَ وطنٍ يُحاولُ نظامُه وميليشياتُه سرقةَ تاريخه. خسرتهنَّ الواحدةَ تلو الأخرى… كأنما الحربَ أرادتْ أن تقتلعَ جذوري واحداً فواحداً. وأنا أكتبُ اليومَ كي لا يخونني النسيان.
امتياز القبر… وعبء الذاكرة: أن تعرف أين تحني رأسك – صار ترفًا
عدتُ لزيارة قبر والدتي بعد انقطاع. كانت زياراتي السابقة تحمّلني عبئًا لا طاقة لي به. لكنّي اليوم قررتُ مواجهة مخاوفي. تصرّفتُ كالمعتاد: سكبتُ قليلًا من القهوة بجانب القبر، أشعلتُ سيجارةً وتركتها هناك. تفاصيلُ تافهةٌ في عين القارئ، لكنها عاداتُنا القديمة، أنا وأمي. لم يكُن سهلاً خسارتها، ولم أُصدّق حتى اليوم. أنحني أمام شاهد قبرها وأبكيها، كما أنحني أمام قبر جدّتي. بينما كثرٌ غيري لا يملكون رفاهية القبور، ولا أضرحةً يسندون إليها أوجاعَهم، ولا مصيرًا يعرفونه لأحبّائهم.
صديقتي “وفا مصطفى” عبّرت في أحد منشوراتها عن حقّها في امتلاك قبرٍ تبكي عليه والدها. أعرف وفا منذ انطلاق الثورة السورية؛ مناضلةٌ من عائلةٍ مناضلةٍ ضد القمع والظلم. اعتُقل والدها قبل 12 عامًا، وما زالت تناضل لمعرفة مصيره. تحوّلت مطالبُها مؤخرًا إلى البحث عن بقايا جسدٍ تدفنه وتزوره كلّما اشتاقت.
والخالة “فدوى محمود” أيضًا، خسرت ابنها وزوجها في سجون نظام الأسد. هي المعتقلة السياسية السابقة التي لم تُوفّق في معرفة مصير أحبّتها، وتواجه اليوم مصيرًا مجهولًا.
الأمرُ ذاته للصديق “ميزر مطر”. فقد شقيقه على يد داعش في الرقة منذ سنوات. ميزر وإخوته هم اليوم صوتُ أمّهم التي تنتظر وليدَها، ولا خبر يصلها عنه.
أنا أمتلك “امتيازًا” لا تملكه وفا ولا ميزر ولا الخالة فدوى: أعرفُ مكان قبر والدتي. لكن هذا الامتياز مؤلمٌ، لأنني أدرك أن آلاف السوريين لا يعرفون: أحبّتهم تحت الأرض؟ أم في زنزانة؟ أم في قاع بئر؟!
كيف يحزنُ مَن لا يملك حتى اعترافًا بالخسارة؟ كيف تبكي مَن لم يُسلَّم إليك جثمانه؟
تواصل وفا نشرَ صورة والدها المعتقل منذ 2013. فذاكرتها إبرةٌ تُنقذ غريقًا من النسيان. وميزرٌ يبحث عن أخيه المختفيّ كأنه يشيّد قبرًا من كلمات. أما الخالة فدوى فما زالت تنتظر زوجها وابنها منذ عقدٍ كامل.
أدركتُ أن حزني أمام شاهد القبر راحةٌ باهظة الثمن: فأنا أعرف النهاية. أما هم، فيعيشون في جحيم اللانهاية. أن تحظى بقبرٍ يعني أن تملك ترف الحداد. أن تبكي، أن تصدّق الخسارة، أن تعترفَ بها. لكنّ هذا “الترف” يثقِل روحي حين أرى آلافًا يعيشون في المسافة بين الأمل واليأس، يدفنون أحبّاءَهم في الذاكرة فقط. فكيف يصبحُ الحدادُ ممكنًا؟ وما الذي يجعل الذاكرة تنكسرُ أو تظلُّ حية؟
أمهات سوريا: الذاكرة الجماعية والألم الصامت
يستمرّ وجع أمهاتنا من دون توقّف. صورتان هزّتا سوريا بعد سقوط الأسد: سيدة تمسك بحبل مشنقة أولادها أمام سجن صيدنايا، وسنديانة الساحل التي اشتهرت بكلمة “فشرتم”. صورتان تختصران هول الكارثة السورية، وتعكسان حال أمهاتنا اللواتي يبكين بصمت، ويقفن صامدات في وجه العبث المطلق، محاولاتٍ بشتى الوسائل الحديث عن أبنائهن. ليس لأن خسارتهن هي الوحيدة في البلاد، بل لأن الحديث يُبقي الذاكرة متّقدة، ويجعلهن وفيّات للضحايا.
والدتا وفا وميزر، أشكّ في أنهما نسيَتا يومًا خسارتهما، وحتى الخالة فدوى لم تتوقّف يومًا عن الحديث عن وجعها كأم، مثلها مثل كل الأمهات السوريات. لكنّ الأم تعيش في واقعٍ يفرض عليها التأقلم، وإخفاء حزنها، كي تستمرّ الحياة. تحمل أمهاتنا أوجاعهن، وأوجاعنا، وأوجاع الكثيرين، في قلوبهن.
فالأمهات حارسات للذاكرة. لا يبكين فقط، بل يحفرن أسماء أولادهنّ في الدفاتر، وعلى جدران البيوت المُهدّمة، وفي أدعية الليل الطويل. وفي زمن الحرب، دمعة الأم السورية واحدة، مهما اختلفت هوية من تفقد، فهنّ الضحايا الأبديات.
ولا تسأل الأم في سوريا عن “الجهة”، بل عن الإجابة”. لا يعنيها مَن اعتقل، بل: أين ابنها؟ هي العنصر الأضعف، لكنها تنزف بصمتٍ لا يُرى.
في مجازر الساحل، لم تفرّق الدماء بين أمّ فقدت ابنها المدني، وأمّ فقدت ابنها المجند. كلتاهما لا تملكان سوى صورة، وصمت. لم تُسفك دماء فقط، بل فُتحت جروح أمهات المفقودين.
وتسأل الأم هنا: “هل سيسمحون لي بالبكاء؟”.
ففي سوريا، دمعة الأم واحدة، وإن اختلفت الجهة، أو الانتماء، أو المنطقة.
وتبقى الأمهات في سوريا صمتاً مقاوماً لا يُكسر، حارسات لا يبكين فقط، بل خزّانات للذاكرة الحيّة.
الاعتقال والذاكرة التي لا تُمحى
اعتقلني نظام الأسد مرتين. في كل مرة، كانت المعاناة التي عاشتها أمي وعمتي وجدتي تفوق ألمي أنا شخصيًا. في المرة الأولى تحديدًا، شعرتُ أن الانكسار أصابهن أكثر مني. أمي التي عرفتها دومًا قوية، عمتي التي علمتني كيف أواجه الريح، وجدتي التي كانت غارقة في غياهب النسيان، عادت إليها ومضات من الذاكرة، ما زلت أذكر حديث عمتي كيف كانت جدتي تفيق ليلًا، تبحث عني أو تطلب من عمتي أن تبحث عني. كانت، على رغم مرضها، تحتفظ بعادتها القديمة: كتمان الأسرار. لم تكن تبوح بمعاناة العائلة حتى أمام جليستها. كانت الحالة بأسرها غريبة، مؤلمة، كأن الذاكرة تُبعث من رمادها لتقاوم الغياب.
ذاكرة جدتي، التي كانت شعلة متقدة قبل أن يلتهمها المرض، طالما حرصت على أن تروي لنا حكايات التهجير من القنيطرة، عن إصابة جدي في الحرب ضد إسرائيل، وعن عدم تكريمه بعدها. كانت تحفظ الحكاية وكأنها تحفظ إرثًا مقدسًا لا يجوز نسيانه.
عندما اعتقلت لم أعِ وقتها ما حصل لي، بقدر ما أدركت كيف كسر ذلك الحادث أمي. كانت تهمس باسمي كي لا يسرقه منها الخوف. كانت ذاكرتها درعي الأخير. الاعتقال لا يؤذي الجسد فقط، بل يوجع الذاكرة الجماعية.
فحين تُكرّر الأم اسم ولدها، فهي لا تستدعيه فقط، بل تحارب المحو باسم الحب. وهذا ما تفعله الخالة “فدوى”، وما تفعله والدتا وفا وميزر، وكل أمهات المفقودين السوريين. كم هو مؤلم أن تحارب النسيان، وتحمي ذاكرتك من الخراب! كل صورة تُعاد لمعتقل، كل اسم يُقال يوميًا، هو بمثابة قبر رمزيّ في غياب الجثة.
وحين يُعتقل شخص أو يُصبح في عداد المفقودين، تهتز الذاكرة الجماعية، ويصير العبء على الأم وحدها، هي من تسقي الذاكرة – بالدموع، بالحكايات، بالكلام، بأي وسيلة ممكنة.
نساء كثر خضن حربًا ضد النسيان؛ نساء المخطوفين والمفقودين في لبنان، أولئك اللواتي واجهن العتمة وحدهن، حافظن على الذاكرة، ومن نضالهنّ، وُلد نضال النساء السوريات.
أتخيل اليوم لو أن جدتي ما زالت على قيد الحياة… ربما كانت ستفضّل إبقاء ذاكرتها ميتة على أن ترى هذا الكم الهائل من الألم.
هؤلاء النسوة علمنني أن الحب يصنع الذاكرة حين تُسرق الأمكنة.
ذاكرتُنا هي الوطن الذي لم يُهدَم بعد
لا تُختصر سوريا بعدد القتلى، بل بعدد الأمهات اللواتي حوّلن أيامهن إلى دفاتر شهداء، وبالبنات اللواتي يرسمن وجوه آبائهن على الجدران المهدّمة. ولم يبقَ لنا سوى ذاكرتنا كجبهةٍ أخيرة. لا نكتب لنرثي فقط، بل لنمنح أحبابنا حياةً ثانية لا يستطيع الغياب انتزاعها.
حين فقدَت جدتي ذاكرتها، حملناها عنها. كانت آخر أرضٍ نقاوم عليها. وعندما هاجرت السوريات إلى المنفى، حملن الوطن معهن.
وفا، وميزر وفدوى لا يملكون قبورًا، لكنهم يملكون ما هو أعمق: إصرار الذاكرة. هكذا يقاومون بصورة تُنشَر على “السوشال ميديا”، أو باسم يُردَّد، أو باسم معتقل أو مفقود، كي لا يتحول إلى رقمٍ في الأرشيف. فهذه البلاد لا تموت، ما دامت أمهاتها يرددن أسماء أولادهن، كل مساء، كأنها صلاة.
في ذكرى رحيلكِ يا أمي، أعدكِ أن أكون صوتًا لضحايا لا قبور لهم. فأنا قبرٌ متنقل؛ أحمل في صدري قبراً لوالد وفا، وقبراً لشقيق ميزر، وقبراً لابن فدوى وزوجها، وقبراً لكِ، ولجدتي. وفي وطنٍ تتآكل فيه الحقيقة، تصبح الذاكرة نجاة. نكتب لا لنبكي، بل لنمنح أحبتنا حياةً ثانية لا يستطيع الغياب انتزاعها، فذكراهم إبرة تخيط جراح الوطن. وذاكرتُنا هي الوطن الذي لم يهدموه بعد.
وأنا — وإن لم أكن بطلًا — سأكون شاهدًا يصرّ على ترداد الأسماء، كي لا يبتلعها النسيان.
أقف اليوم عند قبور من أحببت، وأحمل في قلبي حُزنين:
حزنًا شخصيًا على فقدان حنانٍ لن يعود، وحزنًا أكبر على وطنٍ يفقد أبناءه كل يوم، بين قبرٍ مجهول، وسجنٍ لا يُفتح بابه، ومجزرةٍ تُضاف إلى سجلّ العار.
سأشكر القدر على “الامتياز” المؤلم لدفن أحبّائي، وفي اللحظة نفسها، ينفطر قلبي لكل من حُرم من هذا “الامتياز”.
إلى كل أمٍّ تنتظر، إلى كل من فقد أحبابه ولم يعرف مصيرهم، إلى كل قلبٍ نزف من مجازر الساحل وغيرها: ألمكم هو ألمي، وصمودكم هو ما يعطيني القوة لأقول: لن ننسى.
هذه القبور، وهذه الذكريات، وهذه المطالبة بالحقيقة والعدالة، هي ما يبقينا أحياء، وما يمنح رحيل أحبّائنا معنىً، حتى في قسوته.
درج



