تشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

سوريا بعد الأسد: من أمين الفرع إلى أمير الفرع!/ غياث الجندي

30.07.2025

أول ما لاحظه السوريون بعد انهيار النظام السابق هو التغيّر في لغة السلطة. “أمين الفرع”؛ اللقب الذي ارتبط لعقود بقبضة البعث الأمنية على البلاد اختفى، ليحل مكانه الأمير، “أمير الفرع” أو “شيخ الجماعة” !

بعد سنواتٍ من الثورة من أجل الحرية في سوريا، والتي واجهها نظام بشار الأسد بالقمع الدموي الذي أدى بدوره إلى دخول البلاد في صراعٍ عنيفٍ دام 14 سنةً، جاءت لحظة سقوط بشار الأسد وهروبه، لتكون بمثابة نقطة تحوّل مفصلية في تاريخ البلاد الحديث. إلا أن ما تبع هذا السقوط لم يكن الحرية التي أنشدها السوريون وبالمعاني الكثيرة التي تحملها، ولا الآمال التي كانوا يتوقعون تحقيقها بعد السقوط، بل كان نوعاً جديداً من السيطرة بأسماءٍ وأشكالٍ مختلفةٍ.

في أول زيارة لي الى مدينتي طرطوس بعد 27 سنةً من الغياب القسري، قررتُ أن أخصص أول جولةٍ لي في المدينة إلى “فرع الأمن السياسي” الذي اعتقلتني مخابرات الديكتاتور حافظ الأسد وزجَّتني فيه لسنوات عدة. ما إن اقتربتُ من بوابة الفرع التي تحولت من اللون الأحمر إلى الأخضر، حتى أتاني عنصرٌ من الداخل وقال لي “ممنوع الاقتراب”. وحين شرحت له قصة زيارتي، طلب مني الانتظار حتى ينادي “الأمير”. فكرت بالكلمة: “الأمير؟”، “أمير الفرع؟”. يبدو أن هنالك أميراً، وهو شيخٌ يبدو أنه الشخص المسؤول عن الفرع، وما إن وصل حتى أبعدني بدوره مع كلماتٍ فيها تهديدٌ “لطيف”.

وبينما كنت أنسحب تساءلتُ مع صديقٍ كان يرافقني: “أمير الفرع؟”، يبدو أن كل ما في الأمر أنهم غيّروا حرف “النون” إلى “راء”. ثم ضحكنا فيما كنت أفكر، ماذا لو نفذ الأمير فعلاً تهديده واعتقلني لأزور زنزانتي مرة أخرى؟ عندها ستكون مفارقةً مضحكةً ومبكيةً في الوقت ذاته.

عشيةَ تفجير كنيسة مار الياس في منطقة الدويلعة شرق دمشق، في 22 حزيران/ يونيو الماضي، اقتربَ شخص مسلح وطلب من صحافيّ كان يبثُّ تقريراً مصوراً من المكان، أن يتوقف عن التصوير. وحين احتجّ الصحافي، أجابه المسلح، “أدخل إلى الكنيسة واطلب الإذن من الشيخ”. انصاع الصحافي للأوامر الأميرية، ربما بسبب خشيته من طلقة “شاردة أو طائشة” من شخصٍ كان من المفترض به أن يحمي المكان المنكوب.

تغيّرت الألقاب لكن السلطوية باقية

أول ما لاحظه السوريون بعد انهيار النظام السابق هو التغيّر في لغة السلطة. “أمين الفرع”؛ اللقب الذي ارتبط لعقود بقبضة البعث الأمنية على البلاد اختفى، ليحل مكانه الأمير، “أمير الفرع” أو “شيخ الجماعة”. هذه التسميات الجديدة جاءت في إطار خطاب ديني، يحاول فرض نفسه كبديلٍ عن النظام البعثي، لكنه حافظَ على جوهره السلطوي وأدواته التي باتت تَسِم السلطة الجديدة بسماتها. وبالتالي، لم تكن هذه الألقاب مجرد تغييرات شكلية، بل عكست تحولًا في طبيعة المرجعية. كذلك هنالك تحوّل آخر في السلطة، من سلطة مركزية ترفع شعار “الوحدة والحرية والاشتراكية”، إلى سلطات محلية تُحكَم بمنطق الولاء الديني، وغالباً ما ترتبط بتيارات أيديولوجية مغلقة. لكن، ما مؤهلات الأمير أو الأمراء؟ حتى الآن لم يعرف الشعب السوري إلا القليل عن هؤلاء الأمراء الآمرين الناهين.

الحريات… من حلم الثورة إلى كابوس الرقابة

الحلم الذي راود السوريين في بدايات الثورة، بالكرامة والحرية، تلاشى تحت وطأة “حكم الرايات”، وظهور سلطات تمارس القمع والقتل والفوضى باسم الدين، وليس باسم “الأمن القومي” هذه المرة. كما تغيرت التُّهم التي قد تُوجَّه الى صحافي أو ناشط، فيمكن ببساطة أن توجَّه إليه تهمة “نشر الفتنة”، بدلاً من تهمة “إضعاف الشعور القومي” و”النيل من هيبة الدولة”. وهنالك حالات كثيرة وُثِّق الاعتقال فيها على هذا الأساس. علماً أنه تم الحفاظ على تهمة “النيل من هيبة الدولة” البعثية والتي ابتدعها نظام الأسدين، والاستعانة بها في الاتهام الذي وُجِّه قبل أيام الى محامٍ من دمشق، جاهر بانتقاد بعض ممارسات الحكم الجديد وأتباعه.

من نظام شموليّ إلى سلطات متعدّدة الرؤوس

في مرحلة ما بعد الأسد، لم تظهر سلطة واحدة موحّدة، بل تعددت المراكز؛ أمير هنا وشيخ هناك، فصيل مسلحٌ في هذه المدينة، وفصيلٌ آخرٌ مختلفُ الولاء، في مدينة أخرى. هذا التفتت أضعف فكرة الدولة، وعمّق الانقسامات المجتمعية. إضافة إلى أن بعض المناطق باتت تخضع لقوانين لا علاقة لها بقانون البلاد وإعلانها الدستوري، بل لنُظُمٍ ومحدِّدات مستوردة من خارج الحدود، تُفرض بقوة السلاح.

على رغم هذا الواقع القاتم، لا تزال في سوريا بذور تغييرٍ حقيقي. فمنظمات المجتمع المدني، تحاول مواصلة عملها لتثبيت قيم المواطنة. وبات السوريون الذين عانوا قمع النظام وسطوة الجماعات المسلحة، أكثر وعيًا بأن الحرية لا تأتي بتغيير الأسماء، بل ببناء دولة القانون والمؤسسات، التي تحترم الإنسان كإنسان، لا كـ”تابع” لأي أمير أو شيخ.

من الصدمة إلى التكيّف القسري

في البداية، كان وقع المصطلحات الجديدة غريبًا على آذان السوريين. فمع تحوّل “أمين الفرع” إلى “أمير”، و”المسؤول” إلى “الشيخ”، بدا للكثيرين وكأن البلاد خرجت من عباءة بعثية صارمة، لتدخل في عباءة أيديولوجية تتخفى بغطاء ديني. لذلك صار التعامل مع “الأمير” ضرورة لتسيير الأمور في المؤسسات التابعة للدولة، لأنه هو المسؤول الأعلى في القسم أو على الحاجز أو في مبان حكومية. وبهذه الطريقة يُكرَّس الشيخ حاكماً بأمره وليس على الناس سوى الطاعة.

تحوّلات الهوية

مع مرور الوقت، بدأ التكيّف القسري يتسرّب إلى تفاصيل الحياة اليومية. الناس المُنهكون بالحرب والفقر والخوف، اضطروا لقبول هذه المصطلحات، أولًا كمجرد كلمات، ثم كمفاهيم تبدأ بالتأثير على تفكيرهم وسلوكهم. ففي غياب مؤسسات مدنية قوية، ومع استمرار غياب دور المدارس والمناهج الوطنية، حلّت لغة “الطاعة” و”البيعة” و”الشرع” محلّ ما يُفترض أن تكون مفردات “الدولة” و”القانون” و”المواطنة”.

هذا التحوّل اللغوي لم يكن اعتباطياً أو سطحيًا، بل غيّر تدريجيًا الهوية الثقافية في بعض المناطق. بدأت تُعاد صياغة مفاهيم كالعدالة، والحرية، والكرامة، ليس بناءً على مرجعية إنسانية أو قانونية، بل وفقًا لتفسيرات دينية ضيّقة يقدّمها “الأمير” أو “الشيخ”. وتحول الدين، الذي من المفترض أن يكون مجالًا شخصيًا ومتنوعًا في فهمه وممارسته، إلى أداة سلطوية تُستخدم لتبرير العقوبات، وتكفير المعارضين، والتحكّم بتفاصيل حياة الناس الدقيقة.

وهكذا، تحوّلت المصطلحات من مجرد ألقاب غريبة إلى أدوات لإعادة تشكيل العقل الجمعي، واختراق الثقافة السورية، وتحويلها من ثقافة تسعى الى بناء دولة ومؤسسات، إلى ثقافة تُطبّع مع حكم “الرايات” و”البيعة” و”الغنيمة”.

من الظلام إلى الضوء… هل من مخرج؟

ما حصل في سوريا بعد سقوط النظام الديكتاتوري الأسدي ليس مجرد تبدّل في الألقاب أو الوجوه، بل هو انقلاب على جوهر المطالب التي خرج لأجلها السوريون: الحرية والكرامة والعدالة. انتقل الناس من طغيان الدولة الأمنية إلى طغيان الجماعات المؤدلجة دينيًا، ومن “أمين الفرع” إلى “أمير الجماعة”، لكن القيد نفسه ما زال يُطوّق حياتهم، وإنْ تغيّرت لغته وشكله.

غير أن الأمل لم يُطفأ. إذ لا تزال هناك مجتمعات مدنية صغيرة تناضل في الظل، وأصوات شجاعة ترفض هذه المصطلحات الجديدة كما رفضت سابقاتها. الخروج من هذا الواقع يبدأ باستعادة اللغة؛ أن نعيد الى المفاهيم معناها الأصيل، وأن نرفض الخلط بين الدين والسلطة، بين الإيمان والقمع.

يبدأ التغيير الحقيقي عندما نكفّ عن استخدام المصطلحات التي تُكرّس الاستبداد، مهما كان لباسه، ونُعيد بناء خطاب ينهض من تراب الأرض السورية، لا يُستورد من فتاوى العصور ولا يُفرض بالحديد والنار.

سوريا لن تُبنى بـ “أمراء” ولا بـ”شيوخ سلطة”، بل بمواطنين أحرار، يحكمهم قانون عادل وشامل، لا سيف فوق رؤوسهم ولا راية فوق كرامتهم.

 – صحافي سوري

درج

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى